← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17118

الوجيز في أصول الفقه الإسلامي

محمد مصطفى الزحيلي

Полный текст (958 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الوجيز في أصول الفقه الإسلامي «المدخل - المصادر - الحكم الشرعي» تأليف الأستاذ الدكتور محمد مصطفى الزحيلي عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الشارقة [الجزء الأول] مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إدارة الشؤون الإسلامية - دولة قطر

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

الْوَجِيز فِي أصُول الْفِقْه الإسلامي «الْمدْخل - المصادر - الحكم الشَّرْعِيّ»

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة لدار الْخَيْر الطّبعَة الثّانِيَة ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م دَار الْخَيْر للطباعة والنشر والتوزيع للمراسلة: دمشق - سوريا - حلبوني - جادة الشَّيْخ تَاج هَاتِف الْمكتب: ٢٢٤٥٨٢٢/ ٠١١ - تلفاكس: ٢٢٢٢٦٩٤/ ٠١١ هَاتِف المكتبة: ٢٢٢٨٠٧٤/ ٠١١ ص. ب: ١٣٤٩٢ E-mail: abualkhair@mail.sy دَار الْخَيْر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - فردان - جنوب سيّار الدَّرك - بِنَاء الشَّامي هَاتِف: ٨١٠٥٧١/ ٠١ - تلفاكس: ٨٦٥٦٩٧/ ٠١ ص. ب: ٥٦٣٠/ ١١٣ - الرَّمْز البريدي: ٢٠٦٠/ ١١٠٣

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله الذي نزَّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا، والصلاة والسلام على رسول الله، المبعوث رحمة للعالمين، الذي أدى الأمانة، وبلّغ الرسالة، ونَصَحَ الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وترك أمته على بيضاء نقية، ليلها كنهارها لا يزيغُ عنها إلا هالك. وبعد: فقد عشت مع علم أصول الفقه أكثر من أربعين سنة، فدرَسْته في الثانوية الشرعية، وفي كلية الشريعة وكلية الحقوق بجامعة دمشق، وفي جامعة القاهرة وجامعة الأزهر، ثم درّسته أكثر من ربع قرن. ومارست كتبه في التأليف والتحقيق، ولمست أهميته وفائدته النظرية والعملية، وأحببت أن أكتب فيه كتابًا مبسطًا يغطي مباحثه؛ لأن دراسة علم الأصول تصقل الذهن، وتشحذ العقل، وتفتح الدماغ، وتنير الطريق، وتكوِّن الملكة الفقهية، وترشد الإنسان إلى ينابيع المعرفة، ومصادر الخير، وتضع اليد على الموازين السليمة، والمعايير الدقيقة، والضوابط الحكيمة، لإدراك الأحكام الشرعية، وبيان مدى الالتزام بشرع الله ودينه القويم، ليكون المؤمن على المحجَّةِ البيضاء، ويقف الإنسان لمامة على محاسبة نفسه قبل أن يحاسب.

стр. 6

وإن علم أصول الفقه يشكل المنارة الوضَّاءة بين العلوم الشرعية، ويعتبر مفخرة الأمة في حضارتها وعلومها، وذلك أنه عبارة عن القواعد والمبادئ التي سار عليها الفقهاء في استنباط الأحكام وبيانها للناس، وأنه يكوِّن الضوابط التي يلتزم بها الفقيه، بقصد أن يكون طريقه مستقيمًا واضحًا، لا يعتريه وهن أو انحراف، ولا خبط أو اضطراب. كما أن هذا العلم هو المصباح الذي ورثته الأجيال، وحمله العلماء على مر العصور، لبيان الأحكام الشرعية في كل جديد، ومعالجة المشاكل التي تطرأ، وغير ذلك من تفسير النصوص، وبيان دلالات الألفاظ، والتوفيق بين الأدلة، وإزالة التعارض وكيفية الترجيح، ومنهج الاجتهاد، ومقوماته، وفق منهج محدد يسير عليه العالم في الاجتهاد والاستنباط (١). ومما يبهج النفس، ويسعد القلب أنه ظهر في هذه السنوات الثلاثين الأخيرة عدد من أمهات كتب الأصول، التي تعتبر من مصادره الأصلية، ومراجعه المعتمدة، كالبرهان لإمام الحرمين الجُويني، والمحصول لفخر الدين الرازي، والعُدَّة لأبي يَعْلى الفراء الحنبلي، وشرح الكوكب المنير لابن النجار الفتوحي، وشرح تنقيح الأصول للقرافي المالكي، والتبصرة للشيخ أبي إسحاق الشيرازي، والمنخول لحجة الإسلام الغزالي، وشفاء الغليل للشيخ أبي جامد الغزالي أيضًا، والمختصر في أصول الفقه لابن اللحام البعلي، والمغني للخبازي الحنفي، والتمهيد لأبي الخطاب الكلوداباذي .. ، وغيرها كثير (٢).

стр. 7

وأعيد طباعة وتصوير بعض الكتب العظيمة في أصول الفقه، كالمعتمد لأبي الحسين البصري المعتزلي، وكشف الأسرار عن أصول البرذوي، وأصول السرخسي، والمستصفى للغزالي، وفوات الرحموت على مسلم الثبوت لابن عبد الشكور، والشرح للأنصاري، وجمع الجوامع لابن السبكي مع شروحه وحواشيه ... ، وغيرها كثير كالشروح على مختصرات ابن الحاجب. فصارت المكتبة الإسلامية غنية -والحمد لله- بكتب الأصول الأصلية، وصنفت كتب قيمة بأسلوب معاصر، وثوب قشيب في العصر الحاضر، من كبار العلماء، وأساتذة الجامعات، فأصبحت الأمور ميسرة، رجاء أن يكون ذلك مقدمة لعودة الحياة إلى هذا العلم المفيد، عمليًّا، وأن تعود الأمة إلى الاستفادة من تراث السلف الصالح، وذخائر أمتنا المجيدة، ليتجدد العمل بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ﷺ ، وتظفر -بعد ذلك- بالعزة والكرامة، وتحرير المقدسات، والنصر على الأعداء في الدنيا، والفوز بالسعادة الأبدية ومرضاة الله تعالى في الآخرة. طريقة البحث ومنهجه: التزمت غالبًا بالنقاط التالية: ١ - الطريقة المدرسية التي تعتمد الوضوح والتنظيم والموضوعية والإقناع. ٢ - الجمع بين القواعد والمبادئ والضوابط الأصولية ، مع بيان مدلولاتها، وبين الأحكام الفقهية والفروع الجزئية، باعتبارها أمثلة تطبيقية للقاعدة وتوضيحًا لها، وللترابط الكامل، والتلازم الدائم بين علم أصول الفقه وعلم الفقه. ٣ - تجنب طرح الموضوعات الأصولية الجزئية التي تتفرع عن المبادئ العامة، وهي مسائل فرعية بحثها الأصوليون في كتبهم، وبينوا

стр. 8

آراء العلماء فيها، وأدلتهم، ومناقشة الأدلة، والردَّ عليها، وهي في معظمها نادرة الوقوع، وبعيدة عن الحياة، وقليلة الفائدة، مما يشوِّش ذهن القارئ، ويشتت فكره، ويضعه في متاهات علمية وجدلية، يصعب عليه أن يغوص فيها في المراحل الأولى لدراسة الأصول، ولا يصل فيها إلى شاطئ الأمان والسلامة، وخاصة لمن يدرس هذا العلم لأول مرة، ونترك هذه التفاصيل والجزئيات ريثما تتكون لديه ملكة أصولية، يستعين بها على فهم هذه المباحث. ٤ - العرض المبسط لمبادئ أصول الفقه ، وبيان الآراء والأقوال المختلفة في المسألة الواحدة، وذكر أصحاب كل رأي، ودليله، مع مناقشة موجزة للأدلة، وما قد يرد عليها من ملاحظات، مع الاقتصار على الآراء المشهورة والمعتمدة، والإعراض عن ذكر الآراء الشاذة والضعيفة. ٥ - الاعتماد بشكل مباشر على المراجع الأصلية في الموضوع ، والإشارة إلى أهمية بعض المراجع الثانوية في الهامش، واقتباس بعض النصوص أحيانًا، لبيان الدقة العلمية، والصياغة الحكيمة، والأسلوب الناصع لعلماء هذه الأمة وسلفها الصالح الذين بذلوا أقصى طاقاتهم في خدمة هذه الشريعة الغراء، ومن ثمَّ نوجه الأذهان نحو هذه المراجع والمصادر والكتب الأصلية في علم الأصول، ولا يفوتنا أن نستفيد من كتب الأصول الحديثة والمعاصرة. خطة الكتاب والبحث: سيأتي الكتاب بمشيئة الله تعالى في جزأين، يتضمن كل جزء ثلاثة محاور أساسية، وهي: الجزء الأول: في المقدمات لعلم أصول الفقه، ومصادر التشريع الإسلامي، والحكم الشرعي. الجزء الثاني: في الدلالات وتفسير النصوص، والاجتهاد،

стр. 9

والتعارض والترجيح. وقسمت الجزء الأول إلى باب تمهيدي، وبابين. أما الباب التمهيدي: فيتناول تعريف علم أصول الفقه، وفائدته، ولمحة تاريخية عنه، وطرق التأليف فيه، وأهم المصادر والمراجع، وأسباب اختلاف الفقهاء، ومقاصد الشريعة. والباب الأول: نعرض فيه مصادر التشريع الإسلامي المتفق عليها، والمختلف فيها، بشيء من الإيجاز، وخاصة في الأدلة المختلف فيها. والباب الثاني: في الحكم الشرعي لتعريفه، وتقسيمه إلى حكم تكليفي، وحكم وضعي، وبيان موجز عن الحاكم، والمحكوم عليه وهو المكلف، والمحكوم به وهو الفعل. وأسأل الله أن يسدد خطانا، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يأخذ بيدنا إلى الصراط المستقيم، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يلهمنا رشدنا، ويجنبنا شر أنفسنا، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يجعل عملنا خالصًا لوجهه الكريم، وأن يكتب لنا هذا العمل في صحائف أعمالنا المقبولة، ندَّخره ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، مع الأمل أن يدعو لنا من يقرؤه وينتفع به دعوة صالحة في ظهر الغيب، تنفعنا في الدنيا، وفي القبر، ويوم الحشر، والحمد لله رب العالمين. ونقدم -الآن- الجزء الأول للطباعة، ونسأل الله العون على استكمال الجزء الثاني. الشارقة في ٨ رمضان ١٤٢٢ هـ. الموافق ٢٣/ ١١ / ٢٠٠١ م. الأستاذ الدكتور محمد الزحيلي عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الشارقة. وكيل كلية الشريعة للشؤون العلمية بجامعة دمشق- سابقًا.

стр. 10

الباب التمهيدي المدخل إلى أصول الفقه قبل أن نبدأ بدراسة موضوعات علم أصول الفقه لا بد لنا من أن نعرفه ونبين فوائده، ونذكر لمحة موجزة عن تطوره وتاريخه، ثم نعرج على المنطلق الأساسي والباعث الحقيقي، بل والثمرة الكاملة التي تنتج عنه، وهي أسباب اختلاف الفقهاء، ثم نعرض المقاصد الأساسية للشريعة الإسلامية (١)، وسوف نخصص كلا من ذلك بفصل.

стр. 11

الفصل الأول في تعريف علم أصول الفقه وموضوعه يذكر العلماء تعريفين لعلم أصول الفقه: أحدهما: ينظر إليه على أنه علم مستقل، وأن هذا الاسم لقب له، وأصبح حقيقة عرفية دون النظر إلى أجزائه المركب منها، مثل عبد الله وركن الدين، إذا جُعل كل منهما علمًا أو لقبًا لإنسان. وثانيهما: يعرفه على أنه مركب إضافي مكون من ثلاث كلمات، فيعرف كلًّا منها على حده. ونتناول كل تعريف في مبحث مع شرح التعريف وبيان حدوده وما يدخل فيه، وما يخرج منه، ونخلص من التعريفين إلى بيان موضوع علم أصول الفقه في مبحث ثالث، ونحدد الموضوعات التي سنتناولها في هذا الكتاب.

стр. 12

المبحث الأول في تعريف علم أصول الفقه مركبًا عرف الكثير من الأصوليين علم أصول الفقه باعتباره مركبًا إضافيًّا، وأنه مؤلف من ثلاث كلمات، وهي: علم، وأصول، وفقه، ولا بد من فهم معنى كل كلمة على حدة لفهم المعنى العام لعلم أصول الفقه، وإدراك مضمونه وحدوده. أولًا: العلم: العلم في اللغة: هو المعرفة واليقين والشعور (١). أما في الاصطلاح فيطلق العلماء لفظ العلم على أحد المعاني الأربعة التالية (٢): ١ - العلم: هو إدراك الشيء ومعرفته، وهذا الإدراك أو المعرفة إما أن يكون بدليل قطعي يجزم الشخص به ويطمئن إليه، فيفيد العلم القطعي الذي تثبت به الأحكام الاعتقادية كالإيمان بالله وملائكته وكتبه

стр. 13

ورسله واليوم الآخر؛ لأن العقيدة لا تثبت بالظن، وإما أن يكون الدليل غير مقطوع به. وإنما يدل دلالة راجحة على غيره، فيفيد الظن، والأحكام العملية الفقهية تثبت بالقطعي وتثبت بالظني، فالعلم هنا عملية ذهنية في تصور الأشياء، أو تصور المعلوم. ٢ - العلم: هو نفس الأشياء المدركة، فعلم الفقه مثلًا هو مسائل الفقه، أو هو مجموعة الأحكام الشرعية العملية، وعلم الطب هو مجموعة التعليمات والمعارف التي تميز بين الذات الصحيحة والمريضة، وعلم الأصول هو مجموعة القواعد والأبواب التي ترشد إلى استنباط الأحكام العملية من أدلتها التفصيلية. ٣ - العلم: هو الملكة والقدرة العقلية التي يكتسبها العالم من دراسة العلم ومسائله، فيقال مثلًا: فلان عنده علم. ٤ - العلم: هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع عن دليل، مثل: النار محرقة، والعالم حادث، وذلك إذا وصل البحث إلى المعرفة الكاملة المطابقة للحقيقة والواقع، فإنه يسمى علمًا، وإلا فإنه يكون فرضية أو ظنًّا أو شكًّا أو وهمًا وتخمينًا ورجمًا بالغيب، فالعلم أعلى درجات المعرفة (١).

стр. 14

وأقرب المعاني التي تتصل بعلم الأصول هو الأول والثاني، فعلم أصول الفقه هو إدراك الأصول ومعرفتها، أو هو نفس الأصول التي تؤخذ منها الأحكام. ثانيًا: الأصول: الأصول: جمع أصل، وهو في اللغة أسفل الشيء، أو ما يبنى عليه غيره، سواء كان الابتناء حسيًّا، كالأساس الذي يشيد عليه البناء، فهو أصل له، أم كان الابتناء عقليًّا، كابتناء الأحكام الجزئية على القواعد الكلية (١). أما في الاصطلاح: فقد استعمل العلماء كلمة أصل في معان كثيرة أهمها (٢): ١ - الأصل: هو ما يقابل الفرع، وذلك في الفقه وأصول الفقه، مثل الخمر والأب، فالخمر أصل والنبيذ فرع له، والأب أصل والولد فرع له. ٢ - الأصل: بمعنى الراجح، مثل الحقيقة أصل للمجاز، أي راجحة عليه عند السامع، والقرآن الكريم أصل للقياس أي راجح عليه، والأصل في الكلام الحقيقة دون المجاز. ٣ - الأصل: بمعنى المستصحب، مثل: الأصل الطهارة، لمن كان متيقنًا منها، ويشك في الحدث، أي تستصحب الطهارة حتى يثبت

стр. 15

عكسها، ومثل: الأصل براءة الذمة، ويقال: ما هو أصل القضية، أي الأمر الذي كان في الماضي والسابق لنستصحبه إلى الحاضر. ٤ - الأصل: بمعنى القاعدة التي تبنى عليها المسائل، مثل: "بني الإسلام على خمسة أصول"، ويقال: أكل الميتة على خلاف الأصل، أي على خلاف الحالة المستمرة. ٥ - الأصل: بمعنى الدليل، وهو ما تعارف عليه الفقهاء وعلماء الأصول، مثل قولهم: أصل هذا الحكم من الكتاب آية كذا، ومن السنة حديث كذا. وهذا المعنى الأخير هو المقصود من استعمال أصول الفقه، أي أدلة الفقه، وهذه الأدلة إما أن تكون إجمالية وكلية وتدرس في أصول الفقه، وهي مصادر التشريع، كما سنرى، وإما أن تكون الأدلة تفصيلية، ويختص بها علم الفقه والخلاف. ثالثًا: الفقه: الفقه لغة: الفهم (١)، وهو إدراك معنى الكلام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)﴾ [طه:٢٧ - ٢٨]، وقوله ﵊: "مَنْ يُردِ اللهُ به خيرًا يُفقّهه في الدِّين" (٢). وفي الاصطلاح، عرفه أصحاب الشافعي بأنه "العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية" (٣)، وهاك شرح هذا التعريف.

стр. 16

١ - العلم: هنا هو الإدراك والتصديق والمعرفة، ويدخل فيه سائر العلوم. ٢ - الأحكام: جمع حكم، وهو لغةً: القضاء والمنع (١)، وعند الأصوليين هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرًا أو وضعًا، وعرف الفقهاء الحكم بأنه ما ثبت بالخطاب، أو هو أثر الخطاب (٢)، كوجوب الصوم؛ فإنه حكم ثبت من الآية الكريمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] ويكون العلم بالأحكام هو التصديق بكيفية تعلق الأحكام بأفعال المكلفين. ويخرج من التعريف العام بذات الله تعالى وصفاته وأفعاله؛ فإنها تدخل في علم التوحيد والعقيدة، ويخرج العلم بالأدلة الكلية وبالقواعد والضوابط؛ فإنها تدخل في علم الأصول. ٣ - الشرعية: أي الأحكام التي تتوقف على الشرع، ويخرج من الفقه العلم بالأحكام العقلية مثل: الواحد نصف الاثنين، والكل أعظم من الجزء، والأحكام اللغوية مثل: الفاعل مرفوع، والباء للتعليل، والأحكام الحسية مثل: النار محرقة، والماء بارد. ٤ - العملية: وهي صفة للأحكام، بأن تقتضي عملًا، سواء كان من عمل القلب كوجوب النية، أو من عمل اللسان كالقراءة والكلام، أو من عمل الجوارح كالعبادات والجهاد.

стр. 17

ويخرج من الفقه الأحكام الاعتقادية التي لا تتعلق بكيفية عمل، وإنما قصد منها الاعتقاد فقط، مثل العلم بأن الله واحد، وأنه يُرى في الآخرة، وأن محمدًا رسول الله، وأن البعث حق، والأحكام الأخلاقية كالوفاء والكرم، كما تخرج الأحكام النظرية في علم الأصول كالعلم بأن الإجماع حجة (١). ٥ - من أدلتها: جار ومجرور متعلق بصفة العلم، أي العلم الناشئ من الأدلة، فيخرج من الفقه العلم الذي لا يتوقف على دليل كعلم الله تعالى للأحكام، وعلم رسوله ﷺ ، وعلم جبريل، فإنها علوم غير مكتسبة من الأدلة، وكذلك يخرج العلم الحاصل للمقلد في المسائل الفقهية التي يسأل عنها العالم، فإنه يعلم أنها حكم الله بدون معرفتها من دليل (٢)، وهذا ما يفرق العالم وطالب العلم الشرعي عن الأمي وغير المختص بالشريعة. ٦ - التفصيلية: وهي الأدلة التفصيلية التي تتعلق بمسألة معينة كوجوب الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [يونس: ٨٧]، وتحريم أكل مال اليتيم في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]. وخلاصة ذلك فإن الفقه هو: معرفة الأحكام الشرعية لأفعال المكلفين من تحليل وتحريم، وحظر وإباحة (٣).

стр. 18

يقول أستاذنا الدكتور فوزي فيض الله-: الفقه: "هو التصديق بالقضايا الشرعية المتعلقة بكيفية العلم، تصديقًا حاصلًا من الأدلة التفصيلية التي نصبت في الشرع على تلك القضايا" (١). وإن علم أصول الفقه هو العلم بأدلة الأحكام، ومعرفة وجوه دلالتها عليها من حيث الجملة (٢). ويظهر لنا أن ميدان عالم الأصول: هو الأدلة الكلية كالكتاب والسنة، وغايته: وضع قواعد كلية لمعرفة كيفية استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة بالاجتهاد، كالأمر للوجوب. أما ميدان الفقه: فهو الأدلة التفصيلية الجزئية الخاصة، وغايته: الوصول إلى الحكم الجزئي لكل فعل من أفعال المكلفين.

стр. 19

المبحث الثاني في تعريف أصول الفقه لقبًا عرف الشافعية أصول الفقه -باعتباره لقبًا- بتعريف يختلف عن تعريف الجمهور، وإليك التعريفين: أولًا: تعريف الشافعية: عرف البيضاوي من الشافعية أصول الفقه بأنه "معرفة دلائل الفقه إجمالًا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد" (١). ١ - المعرفة: هي العلم والتصديق بأدلة الفقه الإجمالية، سواء أكان التصديق على سبيل القطع، أم على سبيل الظن، ومن هذا يظهر السبب

стр. 20

في اختيار لفظة المعرفة، دون لفظة العلم، لأن البيضاوي يحصر معنى العلم بالتصديق على سبيل القطع. ويخرج من التعريف علم الله تعالى بالأدلة، لأن علمه تعالى قطعي، وليس ظنيًّا (١). ٢ - دلائل: جمع دلالة بمعنى دليل، أو جمع دليل، والدليل في اللغة: المرشد إلى الشيء، والكاشف عن حقيقته (٢). وفي الاصطلاح: هو ما يمكن بالنظر فيه التوصل إلى إدراك حكم شرعي على سبيل العلم أو الظن (٣)، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [يونس: ٨٧]، وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]. فهذه الآيات الكريمة أدلة عند الأصوليين، لأنهم ينظرون إليها بأنها أوامر شرعية، ويتوصلون منها إلى إدراك الأحكام الشرعية بوجوب الوفاء بالعقد، وإقامة الصلاة، والجهاد في سبيل الله. والصحيح عند جمهور الأصوليين أن الدليل إما أن تكون دلالته على الحكم قطعية بأن ينتج حكمًا قطعيًّا، وإما أن تكون ظنية بأن ينتج حكمًا ظنيًّا، بينما قصر بعض الأصوليين الدليل على ما يتوصل منه إلى إدراك حكم شرعي قطعي، أو ما يتوصل منه إلى إدراك حكم شرعي ظني فهو أمارة (٤).

стр. 21

والدليل إما أن يكون مجملًا، كمطلق الأمر والنهي، الذي ينتج حكمًا كليًّا، هو الوجوب والحرمة، ويندرج تحته أدلة جزئية، وإما أن يكون دليلًا جزئيًّا تفصيليًّا يدل على الحكم في مسألة بذاتها، ويندرج تحت دليل كلي، كالأمر بإقامة الصلاة، الذي يدل على وجوبها، وهذه من مباحث الفقه، وتذكر استطرادًا في الأصول (١). والمراد بمعرفة الأدلة أن يعرف أن الكتاب والسنة والإجماع والقياس أدلة يحتج بها، وأن الأمر مثلًا للوجوب، ولا يقصد حفظ الأدلة. ويخرج من التعريف معرفة غير الأدلة، كمعرفة أحكام الفقه، وقواعد النحو، ومبادئ البلاغة، وأسباب الخلاف؛ فإنها ليست أدلة. ٣ - الفقه: لغةً الفهم، وإصطلاحًا: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، ومر شرحه في المبحث السابق. وإن إضافة الدلائل للفقه تفيد العموم، لأنه جمع مضاف، فيعم جميع الأدلة سواء كانت متفقًا عليها أو مختلفًا فيها (٢). ويخرج من التعريف دلائل غير الفقه، كالنحو والقانون، فلا تدخل في موضوعنا. ٤ - إجمالًا: حال من الدلائل، أي دلائل الفقه الإجمالية الكلية غير المعينة، التي يدخل تحتها جزئيات كثيرة، مثل كون الإجماع حجة، وأن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد ما يؤيده بشريعتنا، وأن النهي يفيد التحريم. فلا يدخل في علم أصول الفقه الدليل التفصيلي للأحكام الجزئية في

стр. 22

علم الفقه وعلم الخلاف، مثل قوله ﵊: "لا وصية لوارث" (١) فهو دليل على نسخ الوصية للوارث. ٥ - كيفية الاستفادة منها: أي معرفة ما يميز الدليل الصحيح من الدليل الباطل، والدليل القوي من الدليل الضعيف (٢)، وذلك أن أدلة الفقه التفصيلية ظنية من جهة دلالتها على الأحكام الشرعية، أو من جهة ثبوتها عن النبي ﷺ ، أو من الجهتين معًا، وقد يتعارض الدليل الظني مع دليل آخر فيحتاج الفقيه إلى معرفة تعارض الأدلة، ومعرفة الأسباب التي يرجح بها بعض الأدلة على بعض، وهذا ما يدرسه الأصولي في باب التعارض والترجيح الذي يعين المجتهد، ويستفيد منه لبيان الدليل الصحيح المثبت للأمر أو النهي. ٦ - وحالة المستفيد: أي معرفة صفة المستفيد، وهو المجتهد، وذلك أن استنباط الأحكام من أدلتها، وترجيح الدليل على غيره عند التعارض، لا يتسنى لكل إنسان، ولذا يشترط في المجتهد أن تتوفر فيه صفات وشروط كثيرة حتى يستطيع القيام بهذا العمل الخطير، وهي شروط المجتهد، وقد بحثها الأصوليون في باب شرائط الاجتهاد (٣)، وأهمها:

стр. 23

العلم بكتاب الله تعالى، وسنة رسول الله ﷺ والإجماع والقياس، وإتقان اللغة العربية، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، والحقيقة والمجاز، والمطلق والمقيد، وصحيح السنة وسقيمها، ومتواترها وآحادها، ومسندها ومنقطعها، ومعرفة شروط القياس وطرق العلة وغير ذلك. ونخلص من هذا التعريف إلى أن علم أصول الفقه هو العلم الذي يكسبنا معرفة مصادر التشريع الإسلامي، ويبين لنا الدليل الصحيح المرشد إلى حكم الله تعالى، وسبب ترجيحه على غيره، وكيفية استخراج الأحكام الشرعية من المصادر، ويرشدنا إلى شرائط الاجتهاد، والطريق الذي يسلكه المجتهد في الاستنباط ضمن الحدود الشرعية. ثانيًا: تعريف الجمهور: عرف الحنفية والمالكية والحنابلة أصول الفقه بقولهم: "هو العلم بالقواعد الكلية التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية" (١). شرح التعريف: ١ - القواعد: جمع قاعدة، وتعني قضية كلية يدخل تحتها جزئيات كثيرة (٢)، مثل قاعدة "الأمر للوجوب" فإنها قضية كلية يدخل تحتها عدد

стр. 24

لا يحصى من الجزئيات كقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]. ٢ - يتوصل بها إلى استنباط الأحكام: أي إن المجتهد يصل إلى استخراج الأحكام الشرعية بوساطة هذه القواعد، ويستدل بها على اجتهاده، مثل قاعدة "النهي يفيد التحريم" فإنه يتوصل بها إلى بيان حكم الله تعالى من الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة ١٨٨] بأنه حرام، لأنه منهي عنه. ٣ - الشرعية: أي الأحكام التي تتوقف على الشرع؛ فتخرج الأحكام العقلية واللغوية والحسية وغيرها. ٤ - العملية: وهي صفة للأحكام التي تقتضي عملًا وفعلا من أفعال المكلفين، سواء كان من عمل القلب، كوجوب النية فيها، أو من عمل اللسان، أو من عمل الجوارح. وتخرج الأحكام الاعتقادية والأخلاقية، كما تخرج الأحكام النظرية كما مر سابقًا. ٥ - من أدلتها التفصيلية: أي الدليل التفصيلي الجزئي على حادثة معينة، مثل آية ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الاسراء: ٣٢] فإنه دليل جزئي على حكم خاص وهو حكم الزنا. وخلاصة التعريف أن علم أصول الفقه هو العلم بالقواعد والضوابط الكلية التي يستطيع المجتهد بوساطتها أن يعرف الأحكام الشرعية، ويستخرجها من الآيات والأحاديث وغيرها من مصادر التشريع.

стр. 25

المبحث الثالث في موضوع علم أصول الفقه لكل علم من العلوم موضوع خاص، وهو عبارة عن مجموعة من المسائل الكلية التي يدور فيها البحث عن الأحوال الذاتية. ويظهر من التعريفات السابقة لأصول الفقه أن موضوعه يتكون من خمسة أجزاء، وهي (١): ١ - مباحث الأدلة التي توصل إلى الأحكام الشرعية، وهي مصادر التشريع الإسلامي الذي يستقي منها المسلم حكم الله تعالى، وهذه الأدلة قسمان: قسم متفق عليه بين أهل السنة والجماعة، وقسم مختلف فيه يعتمد عليه بعض الأئمة دون بعض. ٢ - مباحث التعارض والترجيح. ٣ - مباحث الاجتهاد، وشروط المجتهد وصفاته. ٤ - مباحث الحكم الشرعي سواء أكان اقتضاء أم تخييرًا أم وضعًا.

стр. 26

٥ - كيفية اقتباس الأحكام من الأدلة، أي وجوه دلالة الأدلة بالصيغة والنظم، أو بالفحوى والمفهوم، أو بالاقتضاء والضرورة، أو بالمعقول وغير ذلك من مباحث الكتاب والسنة التي سندرسها في الدلالات، أو دلالات الألفاظ. أما موضوع علم الفقه فهو فعل المكلف من حيث ما يثبت له من أحكام شرعية في عباداته وتصرفاته وأخلاقه، وهل هي واجبة عليه أم مندوبة له أم مباحة أم مكروهة أم محرمة. فالأصولي يبحث في الدليل الكلي والقواعد الكلية، بينما يبحث الفقيه في الأدلة الجزئية والتطبيق في الفروع (١). وقد تباينت آراء علماء الأصول في تحديد المسائل الأصلية التي يتناولها موضوع أصول الفقه، واختلفوا على أربعة مذاهب: المذهب الأول: يرى أن موضوع علم أصول الفقه هو الأدلة التي تثبت الأحكام بها، فالموضوع هو الأدلة، وينتج عن دراسة أدلة التشريع، أو يتفرع عنها الحكم الشرعي .. ، وهو رأي الجمهور. المذهب الثاني: يرى أن موضوع علم أصول الفقه هو الأحكام التي تثبت بالأدلة، فالموضوع هو الأحكام الشرعية، ولكن معرفة الحكم الشرعي يتوقف على معرفة المصادر أو الأدلة، فتكون دراسة الأدلة مقدمة ووسيلة لدراسة الأحكام، وهو رأي بعض الحنفية. المذهب الثالث: يرى أن موضوعه هو الأدلة والأحكام معًا، وهو رأي صدر الشريعة وغيره من الحنفية. المذهب الرابع: يرى أن موضوعه الأدلة والمرجحات وصفات المجتهد، وهو رأي بعض الشافعية.

стр. 27

ونتج عن الاختلاف السابق اختلافهم في ترتيب المباحث الأصولية، فبعضهم يقدم الحكم الشرعي، ثم يتبعه بالأدلة، وبعضهم يبدأ بالأدلة ثم بالأحكام (١). والواقع أن مباحث الأصول متفق عليها، ولكن الاختلاف في اعتبار أحد الأبواب أصلًا، والآخر تبعًا، أو أن أحدها جوهر والآخر تقديم له، أو أن بعضها يدرس من الناحية الذاتية، والآخر من الناحية العرضية، وهكذا. ويستمد هذا العلم مادته من علم اللغة، وعلم الفقه، وعلم الكلام، ويستند إلى المنطق والعقل (٢).

стр. 28

الفصل الثاني في فائدة علم أصول الفقه إن علم أصول الفقه من أشرف العلوم، وأعظمها قدرًا، وأكثرها نفعًا، ولا تظهر فائدته إلا بعد بيان الغاية منه. والغاية من علم أصول الفقه هي الوصول إلى معرفة الأحكام الشرعية (١)، أي أحكام الله تعالى في أفعال العباد، سواء أكانت اعتقادًا بالقلب، أم نطقًا باللسان، أم عملًا بالأعضاء، وسواء أكانت في العقيدة أم العبادات، أم المعاملات، أم الأخلاق، أم العقوبات، وذلك ليلتزم المكلف حدود الله تعالى، ويبتغي مرضاته، ويؤدي واجباته، وينتهي عن المحارم، وباختصار ليكون المكلف في المكان الذي أمره الله به، ويتجنب معاصيه وما نهاه عنه. وبناء على ذلك فإن علم أصول الفقه ليس غاية في ذاته، وإنما هو

стр. 29

طريق ووسيلة إلى معرفة حكم الله تعالى في الوقائع، وإن دراسة القواعد والأدلة، ومعرفة طرق الاستنباط ليست مقصودة بذاتها، وإنما تقصد لما وراءها، ولا يجوز بحال من الأحوال أن يغيب ذلك عن ذهن الطالب والعالم والمجتهد الذين يدرسون الأصول ويدركون فائدته وأهميته ومكانته الرفيعة بين العلوم، وأنه لا يقصد منه الحفظ والتلقي، وإنما يقصد منه أن يكون سلاحًا ماضيًا، ومفتاحًا سديدًا في يد الباحث. وبعد هذه المقدمة نذكر أهم فوائد علم الأصول: ١ - إن علم الأصول يرسم للمجتهد الطريق القويم الموصل إلى استنباط الأحكام، ويضع أمامه منهجًا واضحًا ومستقيمًا في كيفية الاستنباط، فلا ينحرف يمينًا أو يسارًا، ولا يخبط خبط عشواء، ولا يزل به العقل والهوى عند أخذ الأحكام من الأدلة، فيضع عالم الأصول القواعد الكلية لمعرفة كيفية استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة والنصوص (١). ٢ - كان علم الأصول الوسيلة الناجحة لحفظ الدين من التحريف

стр. 30

والتضليل، فصان أدلة الشريعة، وحفظ حجج الأحكام، وعرف الناس بمصادر التشريع الأصلية التي يجب الالتزام بها والرجوع إليها، كما بيّن المصادر الفرعية والتبعية التي كانت المجال الرحب لاتساع الشريعة، وتلبية حاجات المجتمع والأمة فيما يعتريها من وقائع وأحداث، وكان علم الأصول العقبة الكأداء في وجه المنحرفين والمضللين والمشعوذين الذين حاولوا الدسّ في الأحكام، وتشويه مقاصد التشريع والمراوغة في التضليل والدعوة (١)، كمن ينفي حجية خبر الآحاد، أو ينكر السنة، أو ينفي حجية الإجماع والقياس، ومن يدعي أنه لا دلالة في ألفاظ القرآن على شيء، ومن يدعي أن في القرآن ألفاظًا مبهمة، ومن يتلاعب بالأحكام، وأن الخمر مثلًا ليست محرمة لعدم النص على التحريم بلفظ يحرم. وقد بيّن علماء الأصول مصادر التشريع وبينوا دلالات الألفاظ وتفسير النصوص، ونصوا على قوة الأدلة القطعية والظنية، والعلاقة بين النص السابق واللاحق في التخصيص والنسخ، كما بينوا لنا طرق الاجتهاد وشروط المجتهد، فكان علم الأصول سلاحًا ذا حدين يعين المخلصين على معرفة أحكام الله، ويرد كيد الكائدين في نحورهم (٢).

стр. 31

٣ - إن علم الأصول يبين للأمة عامة، ولأتباع المجتهد، ودارسي الفقه خاصة، المنهج الذي سلكه الإمام المجتهد، ويرسم أمامهم معالم الطريق الذي سار عليه في الاستنباط والاجتهاد لتطمئن قلوبهم لعلمه، وتزداد ثقتهم بالحكم الذي وصل إليه، وتستقر نفوسهم إلى مسلك الإمام وأساس الاختلاف، وأن المجتهد يقصد وجه الله تعالى ويبغي مرضاته في عمله، دون أن يدفعه لذلك الهوى الجامح، أو المصلحة الشخصية، أو القصد المادي، أو التطلع إلى منصب أو جاه. وأتباع كل مذهب -وإن لم يصلوا إلى درجة الاجتهاد، ولم ينزلوا إلى درجة العوام- يرغبون بطبيعة الحال في معرفة أساس الاجتهاد عند الأئمة، وكيف وصلوا إلى استنباطها، ولا يتمكنون من ذلك إلا بدراسة علم أصول الفقه، وإن فعلوا ذلك فقد نفوا عن أنفسهم وصمة التقليد الأعمى للإمام. والعلماء -إن عرفوا مناط الأحكام وسبل الاجتهاد وأساس التشريع- إن ورد أمامهم رأيان استطاعوا أن يختاروا الرأي الأقرب إلى قواعد المذهب، وإن اعترضتهم جزئية صغيرة استطاعوا تخريجها على أصول المجتهد (١). ٤ - إن علم أصول الفقه يكوِّن عند الطالب والدارس والباحث ملكة

стр. 32

عقلية وفقهية تصحح تفكيره، وتعبد الطريق أمامه للاجتهاد والاستنباط والإدراك الصحيح والفهم التام للحكم على الأشياء، ليكون في المستقبل القريب من علماء الأمة ورجال الغد، وحملة الرسالة السماوية والأمانة الإلهية في التشريع، ويصبح قادرًا على استنباط الأحكام من الأدلة. ٥ - يرسم علم أصول الففه الطريق للعلماء، في كل عصر لمعرفة حكم الله تعالى في المسائل المستجدة، والوقائع الحادثة التي لم يرد فيها دليل شرعي، ولم ينص عليها الأئمة في كتبهم، فيخوض العالم غمار هذه الأحداث فيعرف ما يتفق منها مع حكم الله تعالى، وما يحقق شريعته، ويحفظ مقاصده الأصلية، فيبقى التشريع مسايرًا لتطورات الزمن، ولا شك أن الحاجة ملحة للتشريع الدائم، والاجتهاد المستمر، لأن التشريع نفسه وليد الحاجة، وإذا كان من الترف الفكري والعقلي وجود الفقه الافتراضي، فإنه من الخطأ الفادح، والتقصير الآثم جمود الفقه والتشريع عن مجاراة العصر وبيان كل ما يقع فيه من جديد، لأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، ومن ذلك طفل الأنابيب، وموانع الحمل، والتأمين على الحياة، والتعامل مع المصارف، ونقل الأعضاء، وموت الدماغ، والتجارة الدولية، وحوادث السير، ونظام المرور، والاتصالات الحديثة، والأعمال المصرفية، والمواصلات الدولية، وغيرها كثير. وإن علم أصول الفقه هو الذي يعرفنا على الأحكام الشرعية في كل حادث وطارئ، فقد قال علماء الأصول: إن لكل واقعة حكمًا لله تعالى، وإن كل مجتهد مأجور، وهذا يبين السبب في غلق باب الاجتهاد الذي أوصده العلماء أمام الجهال والدجالين، وأنصاف المتعلمين، خشية أن يتولوا كرسي الاجتهاد، ويدسُّوا في الدِّين ما ليس فيه، فيَضلوا ويُضلوا، كغلق المدرسة إذا لم يتوفر طلاب أو أساتذة،

стр. 33

وغلق معمل إذا لم يتوفر فيه مهندس أو اختصاصي، أو مواد أولية. وعلى الرغم من القول بقفل باب الاجتهاد في فترة زمنية، فلم تتوقف دراسة أصول الفقه، ولم يَحرم الاطلاع عليه، ولم يُلغ من حلقات الدرس، بل بقي هذا العلم على مر الأزمان والعصور علمًا شرعيًّا يتبوأ الدرجة العليا في الدراسة والتدريس والتأليف، وما ذلك إلا لأن هذا العلم يؤكد صلاحية هذه الشريعة لكل زمان ومكان، ويظهر مرونة التشريع الإسلامي ومسايرته لمصالح الناس، وإن الشريعة الغراء تلبي حاجات المجتمع كيفما كان. ٦ - إن علم أصول الفقه يضبط الفروع الفقهية بأصولها، ويجمع المبادئ المشتركة، ويبين أسباب التباين بينها، ويظهر أساس الاختلاف (١). مثال ذلك القاعدة الأصولية "الأمر للوجوب"، فإنها تشمل جميع النصوص في القرآن الكريم والسنة الشريفة التي جاءت بصيغة الأمر، فإنها تفيد الوجوب، ما لم يوجد قرينة تصرف الأمر عن الوجوب إلى الندب أو الإباحة، وإن القاعدة الأصولية "لا اجتهاد في مورد النص" قاعدة أساسية تعتبر شعار المجتهد والمتبع والمقلد والباحث والمناظر، فحيثما ورد النص في القرآن والسنة فلا مجال لإعمال الرأي والاجتهاد والاستنباط. ٧ - إن علم أصول الفقه هو الدعامة الرئيسية والركيزة الأساسية لدراسة المذاهب المختلفة والمقارنة بينها، وخاصة في عصرنا الحاضر الذي شاع فيه البحث المقارن، وانتشرت الدراسات المقارنة لبيان ما يتفق مع الدليل الراجح، وما يوافق مقاصد الشريعة، ويحقق مصالح

стр. 34

الناس، ويؤكد هذه الأهمية أن القوانين والفتاوى والاجتهادات والدراسات تتجه للأخذ من مختلف المذاهب، باعتبار أن الشريعة الإسلامية بمذاهبها المتعددة مصدر للتشريع وأخذ الأحكام، ولم تعد تقتصر على مذهب معين، بل تبحث في المذاهب، وتطوف بين الأدلة والأحكام لاختيار ما يؤيده الدليل القوي، وما يصلح للأمة (١). ويأتي علم أصول الفقه في قمة الوسائل التي يستخدمها الباحث في المقارنة فيتعرف على الدليل، ومنهج الاستنباط، ومسلك الاجتهاد، ثم يختار الأحكام التي يرجحها على غيرها، ويكون علم أصول الفقه هو المقياس الذي توزن به الآراء عند الاختلاف (٢). ٨ - إن علم أصول الفقه يعطي الدليل الجازم لعظمة الثروة الفقهية من جهة، ويؤكد للباحث المجرد، والمطلع الحيادي أن أسباب الاختلاف بين الأئمة هي أسباب موضوعية علمية، وليست أسبابًا شخصية أو عشوائية، وهذا ما نفصله في الفصل الرابع من هذا التمهيد إن شاء الله تعالى. هذه الفوائد -وغيرها كثير- تثبت أهمية أصول الفقه، وضرورة دراسته وتعلمه، والاطلاع عليه، والتزود بقواعده، والتمرس بأسلوبه، والاهتداء به في معرفة تراث الأمة السابق، واستنباط الأحكام للوقائع

стр. 35

في الحاضر، وتوضيح الرؤية لمستقبل المسلمين الذين يأملون في تطبيق شريعة ربهم والرجوع إلى كتابهم وسنة رسولهم بمشيئة الله تعالى (١).

стр. 36

الفصل الثالث في لمحة تاريخية عن أصول الفقه نشأة علم أصول الفقه وتطوره إن الدراسة التاريخية تقتضي أن نسير مع سير التاريخ وأحداثه (١)، فنبدأ بإعطاء صورة عن التشريع في حياة رسول الله ﷺ ، ثم في زمن الصحابة والتابعين، ثم عن حالة التشريع في زمن الفتوحات الإسلامية، ودخول الناس من جميع الأجناس والأقوام في الإسلام، وظهور مدرستي الرأي والحديث، ثم قيام المذاهب الفقهية، ثم نبين نشأة أصول الفقه، وأول من أرسى أسسه، ثم عن ظهور علم أصول الفقه بشكل مستقل ومدون على يد الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، ونكمل الصورة عن تطور هذا العلم وطرق التأليف فيه، وأهم الكتب والمراجع التي يستحسن الاعتماد عليها (٢).

стр. 37

التشريع في حياة رسول الله ﷺ -: الوحي هو مصدر التشريع في حياة رسول الله ﷺ ، فكان جبريل ﵇ ينزل بالآية والآيتين، والسورة والسوريتن حسب مقتضيات الحاجة التشريعية للأمة الناشئة، وحسب أصول التدرج في التشريع، وحسب المناسبات التي كانت تقتضي معرفة حكم الله تعالى في القضايا. وكلما دعت الحاجة إلى تثبيت العقيدة أو تهذيب النفس، أو ترسيخ الأخلاق، أو بدء عبادة، كان الوحي ينزل لسد هذه الحاجات في تربية وتوجيه رسول الله ﷺ وصحبه الكرام ومن اتصل بهم. وكذا كان التشريع ينزل بالتدرج في تحريم المحرمات، وفرض الواجبات، وبناء صرح المجتمع الإسلامي بإقامة العلاقات الإسلامية التي تنظم علاقة المسلم بنفسه، وعلاقة المسلم بأخيه المسلم، وعلاقة الأمة الإسلامية بالأمم الكافرة، وعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها. وكانت تنزل الواقعة بالمسلمين، أو يعرض السؤال على رسول الله ﷺ فيأتي الوحي مبينًا الحكم في ذلك. فالتشريع كان معتمدًا على نصوص القرآن الكريم أو على سنة الرسول ﷺ ، عن طريق الفتوى، أو القضاء في خصومة، أو الجواب عن سؤال، وكان مصدر التشريع هو القرآن والسنة، وكانت العلاقة بينهما أن السنة مبيِّنة للقرآن الكريم، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. وكانت مجموعة الأحكام الشرعية في القرآن الكريم والسنة الشريفة هي المادة الرئيسية للفقه في معرفة أحكام الله تعالى، وتشتمل في جوهرها على الأسس العامة، والقواعد والمبادئ الأصولية التي ترسم

стр. 38

منهج الله للناس (١). الاجتهاد في زمن الصحابة: كان الصحابة في حياة رسول الله ﷺ يتلقون الأحكام من رسول الله ﷺ ، فإن غابوا عن مجلسه، ولم يعلموا حكمًا شرعيًّا في واقعة، اجتهدوا فيها، وسعوا في استنباط الأحكام لها، وقد دعاهم رسول الله ﷺ إلى ذلك في حضوره وغيابه، فقال: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد" (٢)، وأقر معاذ على الاجتهاد عند عدم النص، كما سيرد بعد قليل، وكان الصحابة سرعان ما يعرضون اجتهادهم على رسول الله ﷺ ، فإن كان صوابًا أقره وباركه ودعا لصاحبه، وإن كان خطأ أنكره وبيَّن بطلانه، ولذلك فإن اجتهاد الصحابة في حياة رسول الله ﷺ يرجع إلى القسم الأول، فكأن الحكم صادر عن رسول الله بإقراره أو إبطاله أو إلغائه. روي عن عبد الله بن عمرو أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ ، فقال لعمرو: "اقض بينهما، فقال: أقضي بينهما"، وأنت حاضر يا رسول الله؟ قال: "نعم، على أنك إن أصبت فلك عشرة أجور، وإن اجتهدت فأخطأت فلك أجر" (٣).

стр. 39

ولكن هذه الفترة أعطت الصحابة تجربة حية، وملكة ناصعة، فقد عاصروا نزول القرآن الكريم، وعرفوا حكمة التشريع، واطلعوا على أسرار الشريعة، وعرفوا قسطًا من تفسير القرآن الكريم من رسول الله، وأدركوا أسباب نزول الآيات وورود الأحاديث، وصاحبوا رسول الله ﷺ ورشفوا من نوره، وتدربوا على مواجهة القضايا والمشاكل، وتمرنوا على الاجتهاد والاستنباط، ويضاف إلى ذلك الفطرة السليمة والذهن الصافي، والفكر المستقيم، وفصاحة اللسان الذي نزل القرآن به، كل ذلك كان مؤهلًا لهم لاستلام الخلافة بعد رسول الله ﷺ ، وتولي الحكم، وتدبير أمور الدولة، ومواكبة شؤون التشريع والاجتهاد. فإذا نزلت بهم الوقائع، أو طرأت عليهم الأمور في مجال القضاء والفتيا والاجتهاد والتشريع، رجعوا إلى كتاب الله تعالى، فإن وجدوا فيه الحكم أخذوا به ووقفوا عنده، وإن لم يجدوا لجؤوا إلى السنة، وسألوا من يعرف عن رسول الله ﷺ في ذلك شيئًا، فإن وجدوا ضالتهم في السنة التزموا بها، وإن لم يجدوا بحثوا ونظروا واجتهدوا واستنبطوا حكم الله تعالى، معتمدين على المؤهلات العلمية والشخصية التي توفرت فيهم، فإن اتفقوا على أمر كان إجماعًا، وهو المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي (١)، وإن لم يتفقوا بقي في حيز الاجتهاد والاستنباط، وهو المصدر التشريعي الرابع الذي عرف بالقياس (٢)، وهذا أحد

стр. 40

المبادئ الأساسية في أصول الفقه بتحديد مصادر الاجتهاد وترتيبها. وكانت الملكة اللغوية والتشريعية عند الصحابة، والذوق الرفيع في تفهم معنى الآيات والأحاديث، والفطرة النقية في ترتيب المصادر، وصفاء الخاطر لمعرفة مقاصد الشريعة، وحدة الذهن في إدراك الأهداف والغايات -كان ذلك مرشدًا لهم في تتبع النصوص واستنباط الأحكام منها، والاجتهاد فيما لم يرد فيه نص (١). وقد وردت آثار كثيرة تؤكد سلامة الفطرة في الاستنباط، وأنهم كانوا يطبقون القواعد الأصولية بجوهرها، وإن لم ينصوا عليها، ويسيرون على منهج واضح في الاجتهاد والقضاء وبيان الأحكام، كما كانوا ينطقون بالفصحى، ويراعون الإعراب، قبل أن يوضع علم النحو والصرف، ونضرب عدة أمثلة على ذلك: ١ - أرسل رسول الله ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن قاضيًا السنة العاشرة للهجرة، وسأله: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ " قال: أقضي بكتاب الله تعالى، قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ " قال: فبسنة رسول الله ﷺ ، قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله؟ " قال: أجتهد رأي، ولا آلو، أي أقصر، فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله (٢) ".
следующие страницы →