← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17118

الوجيز في أصول الفقه الإسلامي

محمد مصطفى الزحيلي

Полный текст (958 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الفصل الثالث في لمحة تاريخية عن أصول الفقه نشأة علم أصول الفقه وتطوره إن الدراسة التاريخية تقتضي أن نسير مع سير التاريخ وأحداثه (١)، فنبدأ بإعطاء صورة عن التشريع في حياة رسول الله ﷺ ، ثم في زمن الصحابة والتابعين، ثم عن حالة التشريع في زمن الفتوحات الإسلامية، ودخول الناس من جميع الأجناس والأقوام في الإسلام، وظهور مدرستي الرأي والحديث، ثم قيام المذاهب الفقهية، ثم نبين نشأة أصول الفقه، وأول من أرسى أسسه، ثم عن ظهور علم أصول الفقه بشكل مستقل ومدون على يد الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، ونكمل الصورة عن تطور هذا العلم وطرق التأليف فيه، وأهم الكتب والمراجع التي يستحسن الاعتماد عليها (٢).

стр. 37

التشريع في حياة رسول الله ﷺ -: الوحي هو مصدر التشريع في حياة رسول الله ﷺ ، فكان جبريل ﵇ ينزل بالآية والآيتين، والسورة والسوريتن حسب مقتضيات الحاجة التشريعية للأمة الناشئة، وحسب أصول التدرج في التشريع، وحسب المناسبات التي كانت تقتضي معرفة حكم الله تعالى في القضايا. وكلما دعت الحاجة إلى تثبيت العقيدة أو تهذيب النفس، أو ترسيخ الأخلاق، أو بدء عبادة، كان الوحي ينزل لسد هذه الحاجات في تربية وتوجيه رسول الله ﷺ وصحبه الكرام ومن اتصل بهم. وكذا كان التشريع ينزل بالتدرج في تحريم المحرمات، وفرض الواجبات، وبناء صرح المجتمع الإسلامي بإقامة العلاقات الإسلامية التي تنظم علاقة المسلم بنفسه، وعلاقة المسلم بأخيه المسلم، وعلاقة الأمة الإسلامية بالأمم الكافرة، وعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها. وكانت تنزل الواقعة بالمسلمين، أو يعرض السؤال على رسول الله ﷺ فيأتي الوحي مبينًا الحكم في ذلك. فالتشريع كان معتمدًا على نصوص القرآن الكريم أو على سنة الرسول ﷺ ، عن طريق الفتوى، أو القضاء في خصومة، أو الجواب عن سؤال، وكان مصدر التشريع هو القرآن والسنة، وكانت العلاقة بينهما أن السنة مبيِّنة للقرآن الكريم، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. وكانت مجموعة الأحكام الشرعية في القرآن الكريم والسنة الشريفة هي المادة الرئيسية للفقه في معرفة أحكام الله تعالى، وتشتمل في جوهرها على الأسس العامة، والقواعد والمبادئ الأصولية التي ترسم

стр. 38

منهج الله للناس (١). الاجتهاد في زمن الصحابة: كان الصحابة في حياة رسول الله ﷺ يتلقون الأحكام من رسول الله ﷺ ، فإن غابوا عن مجلسه، ولم يعلموا حكمًا شرعيًّا في واقعة، اجتهدوا فيها، وسعوا في استنباط الأحكام لها، وقد دعاهم رسول الله ﷺ إلى ذلك في حضوره وغيابه، فقال: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد" (٢)، وأقر معاذ على الاجتهاد عند عدم النص، كما سيرد بعد قليل، وكان الصحابة سرعان ما يعرضون اجتهادهم على رسول الله ﷺ ، فإن كان صوابًا أقره وباركه ودعا لصاحبه، وإن كان خطأ أنكره وبيَّن بطلانه، ولذلك فإن اجتهاد الصحابة في حياة رسول الله ﷺ يرجع إلى القسم الأول، فكأن الحكم صادر عن رسول الله بإقراره أو إبطاله أو إلغائه. روي عن عبد الله بن عمرو أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ ، فقال لعمرو: "اقض بينهما، فقال: أقضي بينهما"، وأنت حاضر يا رسول الله؟ قال: "نعم، على أنك إن أصبت فلك عشرة أجور، وإن اجتهدت فأخطأت فلك أجر" (٣).

стр. 39

ولكن هذه الفترة أعطت الصحابة تجربة حية، وملكة ناصعة، فقد عاصروا نزول القرآن الكريم، وعرفوا حكمة التشريع، واطلعوا على أسرار الشريعة، وعرفوا قسطًا من تفسير القرآن الكريم من رسول الله، وأدركوا أسباب نزول الآيات وورود الأحاديث، وصاحبوا رسول الله ﷺ ورشفوا من نوره، وتدربوا على مواجهة القضايا والمشاكل، وتمرنوا على الاجتهاد والاستنباط، ويضاف إلى ذلك الفطرة السليمة والذهن الصافي، والفكر المستقيم، وفصاحة اللسان الذي نزل القرآن به، كل ذلك كان مؤهلًا لهم لاستلام الخلافة بعد رسول الله ﷺ ، وتولي الحكم، وتدبير أمور الدولة، ومواكبة شؤون التشريع والاجتهاد. فإذا نزلت بهم الوقائع، أو طرأت عليهم الأمور في مجال القضاء والفتيا والاجتهاد والتشريع، رجعوا إلى كتاب الله تعالى، فإن وجدوا فيه الحكم أخذوا به ووقفوا عنده، وإن لم يجدوا لجؤوا إلى السنة، وسألوا من يعرف عن رسول الله ﷺ في ذلك شيئًا، فإن وجدوا ضالتهم في السنة التزموا بها، وإن لم يجدوا بحثوا ونظروا واجتهدوا واستنبطوا حكم الله تعالى، معتمدين على المؤهلات العلمية والشخصية التي توفرت فيهم، فإن اتفقوا على أمر كان إجماعًا، وهو المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي (١)، وإن لم يتفقوا بقي في حيز الاجتهاد والاستنباط، وهو المصدر التشريعي الرابع الذي عرف بالقياس (٢)، وهذا أحد

стр. 40

المبادئ الأساسية في أصول الفقه بتحديد مصادر الاجتهاد وترتيبها. وكانت الملكة اللغوية والتشريعية عند الصحابة، والذوق الرفيع في تفهم معنى الآيات والأحاديث، والفطرة النقية في ترتيب المصادر، وصفاء الخاطر لمعرفة مقاصد الشريعة، وحدة الذهن في إدراك الأهداف والغايات -كان ذلك مرشدًا لهم في تتبع النصوص واستنباط الأحكام منها، والاجتهاد فيما لم يرد فيه نص (١). وقد وردت آثار كثيرة تؤكد سلامة الفطرة في الاستنباط، وأنهم كانوا يطبقون القواعد الأصولية بجوهرها، وإن لم ينصوا عليها، ويسيرون على منهج واضح في الاجتهاد والقضاء وبيان الأحكام، كما كانوا ينطقون بالفصحى، ويراعون الإعراب، قبل أن يوضع علم النحو والصرف، ونضرب عدة أمثلة على ذلك: ١ - أرسل رسول الله ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن قاضيًا السنة العاشرة للهجرة، وسأله: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ " قال: أقضي بكتاب الله تعالى، قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ " قال: فبسنة رسول الله ﷺ ، قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله؟ " قال: أجتهد رأي، ولا آلو، أي أقصر، فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله (٢) ".

стр. 41

وهذه القصة تظهر السليقة السليمة في ترتيب المصادر عند الرجوع إليها، فيقدم القرآن الكريم، ثم السنة، ثم الاجتهاد، وهذا ما قعّده علم الأصول فيما بعد. ٢ - أرسل عمر بن الخطاب ﵁ رسالة إلى أبي موسى الأشعري، يقول فيها: الفهمَ الفهمَ فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، فاعرف الأشباه والأمثال، وقس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق (١). هذا الكلام يؤكد القاعدة الأصولية السابقة في ترتيب الفهم والاجتهاد، وأنه لا يصح الاجتهاد فيما ورد به الكتاب والسنة، وهو ما أرساه علماء الأصول بقولهم: "لا اجتهاد في مورد النص" ويؤكد آخر الكلام القواعد الأصولية في القياس ومعرفة العلة لقياس أمر على آخر، يشترك معه فيها. ٣ - عرضت مسألة شاربِ الخمر على الصحابة لمعرفة عقوبة الشارب، فقضى علي ﵁ بثمانين جلدة، قياسًا على عقوبة القذف، وبيَّن وجهة نظره واجتهاده في هذه العقوبة، وقال: إنه إذا شرب هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة (٢).

стр. 42

فقد بنى الإمام علي ﵁ اجتهاده على مبدأ أصولي هو سد الذرائع، فاعتبر شرب الخمر وسيلة وذريعة إلى القذف (١) وكل ما أدى إلى الحرام فهو حرام، وأعطاه نفس الحكم الثابت في القرآن الكريم للقاذف: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]. ٤ - أراد الصحابة أن يعرفوا عدة الحامل المتوفى عنها زوجها فاختلفوا في ذلك لقوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾ [الطلاق: ٤]، فالنص واضح في بيان عدة الحامل وأنها تنتهي بوضع الحمل، ولو بعد أُسبوع، والنص عام يشمل الحامل المطلقة، والحامل المتوفى عنها زوجها، وهذا يتعارض في ظاهره مع قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فهذه الآية تبين أن عدة المتوفى عنها زوجها سواء أكانت حاملًا أم غير حامل، أربعة أشهر وعشر، فاختلف الصحابة، وقال ابن مسعود ﵁: إن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها أن تضع الحمل، أخذًا بالآية الأولى، واستند ﵁ لتأييد رأيه بقوله: أشهد أن سورة النساء الصغرى (الطلاق)، نزلت بعد سورة النساء الكبرى (البقرة)، أي إن النص المتأخر ينسخ، أو يخصص النص المتقدم، وهو مبدأ أصولي مسلم به، بينه علماء الأصول فيما بعد (٢).

стр. 43

وسار الأمر على هذا المنوال في التابعين الذين نهجوا طريق الصحابة، وتتبعوا خطاهم، وتتلمذوا على أيديهم، واستمر اجتهاد التابعين يغطي حاجات المجتمع الكثيرة المتجددة، وتبلورت فيه بعض المبادئ الأصولية الجديدة، فكان سعيد بن المسيب مثلًا يراعي المصلحة في الاستنباط عند فقد النص، بينما كان إبراهيم النخعي يعتمد على القياس، فيستخرج العلة في المسألة التي ورد فيها نص، ويطبقها على الفروع، وينقل حكم النص إلى حكم الفروع (١)، وكان مجاهد رحمه الله تعالى يعتمد على الرأي، ويطلق عنان العقل في البحث والاجتهاد، وفي تفسير القرآن. التشريع في زمن الفتوحات: بدأت الفتوحات خارج الجزيرة العربية في عهد عمر بن الخطاب ﵁، واستمرت في اتساعها في عهد عثمان وعلي، ثم في

стр. 44

عهد معاوية وبني أمية وبني العباس، وسارت شرقًا حتى الصين، وغربًا حتى جنوب فرنسا، وذلك خلال القرنين الأول والثاني من الهجرة. ودخل الناس في دين الله أفواجًا، ولبى نداءَ الله شعوبُ الأرض في هذه البلاد، وانخرط في سلك الدعوة غير العرب من جميع الأجناس واللغات من كل حدب وصوب، فاختلط العرب بغيرهم، وضعفت اللغة العربية في ربوع الدولة الإسلامية، وتسربت العجمة إلى مجالس العلم والعلماء، ولم ينحصر العلم باللغة العربية، بل لم تبق الفصحى لغة التخاطب والكتابة، وبرز من غير العرب أئمة وعلماء، لا يدخلون تحت الحصر، ولم يعد الاجتهاد ميسورًا وسهلًا كما كان في زمن الصحابة والتابعين، واستجدت قضايا ومشاكل ونظريات وحركة عمرانية، وتفتح العقل على أمور لم يرد عليها نص في القرآن الكريم ولا في السنة، ولم يترك الصحابة والتابعون فيها رأيًا، فاتسع الاجتهاد، وفتح الباب على مصراعيه، وأدلى كل عالم بدلوه، وقام بواجبه في استنباط الأحكام الشرعية لكل جديد، وشرع الناس أيضًا بتدوين الأحكام مع تدوين السنة، وظهرت في هذا العصر أيضًا الفرق المختلفة، كالروافض (١) والخوارج والشيعة والمعتزلة، فأدى ذلك إلى الاختلاف الواسع في الاجتهاد، وتأثر كل فريق من العلماء بما وصل إليه من تراث السلف رواية ودراية، وبرز إلى الوجود أئمة أعلام، يتميزون بالكفاءات العلمية والملكات الفريدة. وكان من نتيجة ذلك أن تميزت مناهج العلماء والأئمة، واصطبغت الأحكام بالصبغة العلمية بذكر الأدلة والحجج والعلل والأصول العامة،

стр. 45

وانقسم العلماء إلى مدرستين: الأولى: مدرسة الحديث، ومقرها الحجاز في مكة والمدينة، وتعتمد على الرواية والأثر، وشاع بين أهلها بعض الركود والكسل والعجز عن الجدل والنظر، ووقع بهم الارتباك عند نزول الوقائع الجديدة بهم، وظهر عليهم الضعف في الرد على الخصوم، أو الانتصار لطريقتهم. والمدرسة الثانية: مدرسة الرأي، ومركزها العراق في الكوفة والبصرة، وتعتمد على الاجتهاد والعقل والفكر والاستنباط، وكانت تفتقر إلى الحديث، وتشدد في التثبت من الرواية عن رسول الله ﷺ ، لشيوع الزندقة في العراق، وانتشار الوضع في الحديث والكذب على رسول الله ﷺ ، فاعتمدوا على النصوص لاستخراج الأحكام، ثم نشطوا في النظر والبحث، ومهروا في القياس، وقدموه في بعض الأحيان على الحديث، وردوا الخبر إذا كان في واقعة تعم بها البلوى. وبدأ النقاش العلمي بين المدرستين، وعقدت المناظرات، واشتد الجدل على قدم وساق، وطعن كل منهما بالآخر، وعاب طريقته، وتشكك أن فيما وصل إليه من أحكام، وكان كل إمام أو مجتهد أو مناظر يحاول أن يدعم رأيه بالأدلة والبراهين العلمية والعقلية (١). وشعر العلماء حينئذ بالحاجة الماسة لوجود ضوابط في الاستنباط يعتمدون عليها، ومنهاج للتفكير يبنون عليه، وشروط للاجتهاد والاستدلال، وقواعد لأساليب البيان العربي الذي وردت النصوص به، فجادت قرائح الأئمة والعلماء بمجموعة من ضوابط الاستنباط وشروط

стр. 46

الاجتهاد وقواعد البيان والفهم والاستدلال، ومنهاج للتفكير، وهي في مجموعها براعم أصول الفقه. وصار كل مجتهد يشير إلى دليل الحكم، ووجه الاستدلال به، ويحتج على مخالفه بوجوه من الحجج، فكان الإمام أبو حنيفة، ﵀، يصرح باعتماده على الكتاب فالسنة ففتاوى الصحابة إذا أجمعوا، فإن اختلفوا تخير من آرائهم، ولا يخرج عنهم، ولا يأخذ برأي التابعين لأنهم رجال مثله، ويحدد منهجه في القياس والاستحسان، فكان أصحابه ينازعونه بالقياس، فإن قال: أستحسن، لم يلحق به أحد (١)، ثم يقول: علمُنا هذا رأي، فمن جاء بأفضل منه تركناه، وقال الشافعي في عدم وقوع الطلاق في عدة طلاق الخلع، وقال: "حجتي فيه من القرآن والأثر والإجماع" (٢). وكان الإمام مالك يتبع منهجًا أصوليًّا واضحًا باعتماده على الكتاب والسنة، واحتجاجه بعمل أهل المدينة، وتقديمه على خبر الآحاد، وغير ذلك من القواعد والمبادئ التي نظمها علم الأصول ونص عليها (٣). قال الشيخ أبو زهرة: نشأ علم أصول الفقه مع علم الفقه، وإن كان الفقه قد دُوِّن قبله، لأنه حيث يكون الفقه يكون حتمًا منهاج للاستنباط، وحيث كان المنهاج يكون حتمًا لا محالة أصول الفقه (٤). ولكن هذه المبادئ وتلك القواعد كانت متناثرة هنا وهناك، وتختلف من عالم إلى آخر، ومن مدرسة إلى أخرى، ولا ينتظمها

стр. 47

سلك، ولا يحوطها سور، ولا تشكل علمًا مستقلًا إلى أن جاء الإمام الشافعي فجمع شتاته، ودوَّن قواعده وأحكامه، وصنف أول كتاب في علم أصول الفقه، وهو الرسالة (١). الشافعي وتدوين أصول الفقه: الشافعي: هو أبو عبد الله، محمد بن إدريس، الشافعي القرشي، يلتقي نسبه مع رسول الله ﷺ في عبد مناف باتفاق المؤرخين (٢)، ولد

стр. 48

بغزة سنة ١٥٠ هـ، ثم انتقلت به أمه إلى مكة وعمره سنتان، وتوفي في فسطاط مصر، سنة ٢٠٤ هـ، وقد تميزت حياة الإمام الشافعي بعدة أمور جعلته أهلًا لكتابة علم أصول الفقه وتدوينه، وهي: ١ - نشأ الإمام الشافعي في مكة المكرمة، وترعرع بجوار الكعبة المشرفة، وحفظ القرآن الكريم، وهو ابن سبع سنين، وأخذ تفسير القرآن الكريم عن علماء مكة الذين ورثوه عن ترجمان القرآن ومفسره: عبد الله بن عباس ﵁، عن طريق ابن جريج ومجاهد رحمهما الله، وقد اشتهرت مكة بهذا، وكانت مجمع العلماء من جميع الأقاليم، فأخذ الفقه والعلوم الشرعية عن جلة علمائها، وأذنوا له بالإفتاء، وهو ابن خمس عشرة سنة، قال له مسلم بن خالد الزنجي أحد علماء مكة: أَفْتِ يا أبا عبد الله، فقد -والله- آن لك أن تفتي، وهو ابن خمس عشرة سنة (١). فجمع في مكة بين حفظ القرآن وتفسيره وعلومه وبين الفقه والأحكام. ٢ - رحل الإمام الشافعي إلى المدينة المنورة، وقصد الإمام مالكًا، وأخذ عنه الموطأ مشافهة، بعد أن حفظه في مكة وهو ابن عشر سنين، ولازم الإمام مالكًا حوالي تسع سنوات متقطعة، وكان يتفقه عليه ويدارسه في كل مسألة يُستفتى فيها، ويراجعه فيما يحتاج إلى

стр. 49

المراجعة، واتصل بجميع علماء المدينة، وأخذ عنهم، واستفاد مما عندهم. فأخذ من المدينة السُّنَّةَ وما يتعلق بها، وما أخرجته من علم، وأتقن علوم الحديث، فدافع عن السنة، وبيَّن مكانتها من القرآن الكريم، وردَّ شبه المنحرين عنها حتى لقب بناصر السنة، أو ناصر الحديث (١). ٣ - خرج الإمام الشافعي من مكة إلى البادية، ولزم هذيلًا (٢)، يتعلم كلامها، ويأخذ اللغة عنها، وكانت أفصح العرب، فاستفاد منها -مع كونه عربيًّا وقرشيًّا- المعرفة الواسعة باللغة والشعر، حتى أصبح الإمام الشافعي حجة في اللغة، ونقل عن الأصمعي شعر الهذليين كاملًا وشعر الشنفرى (٣)، واكتسب الشافعي فصاحة اللسان، وجودة النطق، وأخذ اللغة العربية من ينابيعها، وفهم أسرارها، وأدرك مرامي ألفاظها وعباراتها وأسلوبها، فساعده ذلك على تفهم معاني القرآن والسنة، وأفاده قوة في التعبير، ورصانة في الأسلوب (٤). ٤ - سافر الإمام الشافعي في سبيل طلب العلم إلى العراق، وأخذ عن

стр. 50

الإمام محمد بن الحسن فقه العراقيين (١)، وكان -سابقًا- قد أخذ الحديث والتفسير عن الإمام مالك وعلماء المدينة، فجمع بين علم الحجاز وعلم العراق، وكان فقهه يجمع بين علم أهل الحديث وعلم أهل الرأي، وجمع بين علم العقل وعلم النقل. وقال ابن حجر ﵀: انتهت رياسة الفقه في المدينة إلى مالك بن أنس، فرحل إليه ولازمه وأخذ عنه، وانتهت رئاسة الفقه بالعراق إلى أبي حنيفة فأخذ عن صاحبه محمد بن الحسن حملًا ليس فيه شيء إلا وقد سمعه عليه، فاجتمع علم أهل الرأي وعلم أهل الحديث، فتصرف في ذلك حتى أصَّل الأصول، وقعّد القواعد، وأذعن له الموافق والمخالف، واشتهر أمره، وعلا ذكره، وارتفع قدره حتى صار منه ما صار (٢). وأتاحت له هذه الدراسة أن يقف على فقه أهل الرأي ومناهجهم في الاستدلال والاستنباط، كما كان واقفًا على مناهج أهل الحديث وفقههم، ثم اتخذ مذهبًا مغايرًا لهما، بين الجمع والترجيح، وبين الاجتهاد الشخصي، فأصبح نسيج وحده (٣). ٥ - وأخيرًا فقد درس الإمام الشافعي علم الجدل والمناظرة والمنطق،

стр. 51

وأصبح مناظرًا من الطراز الأول، فيجادل أهل العراق لإلمامه بالقرآن والسنة وبلاغتهما، ويناظر أهل الحجاز لإدراكه الحِكَم الشرعية والعلل القياسية، ولم يناظر أحدًا إلا وظهر عليه (١)، وكان يستفيد من موسم الحج في أثناء إقامته في مكة وقدومه عليها، ليجتمع مع كبار العلماء المسلمين في العقيدة والحديث والفقه واللغة، فيأخذ منهم، ويأخذون منه، ويجادلهم ويناظرهم، فاجتمع فيه رجاحة العقل، وسعة الاطلاع، وفصاحة اللسان، وقوة البيان، ورصانة الأسلوب، وصدق فيه حديث رسول الله ﷺ : "قَدِّموا قريشًا ولا تَقَدَّموها، وتعلموا منها ولا تعالموها" (٢)، ويضاف إلى ذلك التقوى والورع، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٣). قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة، واختلاف الناس، والمعاني، والفقه (٤). هذه الصفات والخصائص السابقة التي امتاز بها الإمام الشافعي ﵀، مع ما فطره الله تعالى عليه من رصانة العقل، وقوة الحفظ، وجودة الذاكرة، وصفاء القريحة، وشدة الذكاء، جعلته مؤهلًا لكتابة

стр. 52

علم الأصول، وتدوين قواعده، ووضع ضوابط الاجتهاد، فأصَّل الأصول، وقعَّد القواعد، ليعصم أهل الاجتهاد والخلاف والمناظرة من الخطأ والانحراف في الاستنباط، ويضع بين أيديهم الموازين لبيان الخطأ من الصواب، فكان بحق أول من وضع علم الأصول (١). قال أبو ثور ﵀: لولا أن الله تعالى منَّ عليَّ بالشافعي للقيت الله تعالى، وأنا ضال، ولما قدم علينا ودخلنا عليه كان يقول: إن الله تعالى قد يذكر العام، ويريد به الخاص، وقد يذكر الخاص، ويريد به العام، وكنا لا نعرف هذه الأشياء، فسألناه عنها ... فعلمنا أن كلامه ليس على نهج كلام غيره (٢). ويقول الإمام أحمد بن حنبل: ما كنت أعرف قبل الشافعي ناسخًا ولا منسوخًا (٣). كتب الإمام الشافعي في الأصول: صنف الإمام الشافعي عدة كتب في الأصول وهي: ١ - الرسالة: وهي أكبر الكتب وأهمها وأشهرها، وقد كتب الإمام الشافعي ﵀ فصول الرسالة في مكة المكرمة بعد تجواله في الأقطار، وعندما قدم بغداد في المرة الثانية طلب منه الفقيه الحافظ عبد الرحمن بن المهدي (٤) أن يضع كتابًا في معاني القرآن والسنة والناسخ

стр. 53

والمنسوخ وحجية الإجماع، وأجاب الشافعي لذلك، وكتب له الرسالة، ولما استقر في مصر أعادها، وأملاها على الربيع بن سليمان، وجعلها مقدمة لكتابه الأم (١). واستهل الإمام الشافعي الرسالة بموضوع البيان (ص ٢١)، فعرفه وبيَّن أنواعه، وهي: بيان القرآن للقرآن، وبيان السنة للقرآن، وبيان الأحكام بالاجتهاد والقياس، وانتقل رحمه الله تعالى إلى مباحث القرآن والسنة (ص ٥٣) فبين أن بعض نصوص القرآن الكريم عام يراد به العموم، وبعضها عام يدخله الخصوص، وبعضها عام من حيث الظاهر وهو يجمع العام والخاص، وبعضها عام من حيث الظاهر والمراد منه الخاص، وبين المشترك والمجمل والمفصل، ثم أسهب الكلام عن أكثر الموضوعات أهمية منذ عصره حتى اليوم، وهو حجية السنة ووجوب اتباعها (ص ٧٣)، وأن ذلك فرض بنصوص القرآن الكريم، وبيَّن مكانة السنة في التشريع، ومراتب السنة بالنسبة للقرآن الكريم ودرجتها بعد القرآن الكريم، وتطرق بشكل خاص إلى حجية خبر الواحد في إثبات الأحكام الشرعية، ثم تكلم ﵀ عن الناسخ والمنسوخ (ص ١٠٦)، ثم استعرض مصادر التشريع (ص ٤٧١)، فبيَّن حقيقة الإجماع وحجيته، ووضع الضوابط للقياس، وتعرض لرد الاستحسان (٢).

стр. 54

كانت الرسالة المحجة للمخالفين، والموئل للمتنازعين، فوحَّدت شملهم، وخففت من أثر الخلاف بينهم، وساروا على نهج الرسالة في أعمالهم. قال عبد الرحمن بن مهدي ﵀: لما نظرت الرسالة للشافعي أذهلتني، لأنني رأيت كلام رجل فصيح ناصح، فإني لأكثر الدعاء له (١). وكانت الرسالة أول كتاب أصولي، فلم تشتمل على جميع بحوث الأصول، شأن كل عمل جديد، يكون في الغالب غير منظم ولا مستوفى، وقد وصلت إلينا الرسالة كاملة، وطبعت عدة طبعات (٢). قال ابن خلدون ﵀: وكان أول من كتب فيه الشافعي ﵁، فأملى فيه رسالته المشهورة، تكلم فيها في الأوامر والنواهي، والبيان والخبر والنسخ وحكم العلة المنصوصة من القياس (٣). وقال الرازي ﵀: أعلم أن نسبة الشافعي إلى علم الأصول

стр. 55

كنسبة أرسطو إلى علم المنطق، وكنسبة الخليل بن أحمد إلى علم العروض (١). ٢ - كتاب جماع العلم: وقد كتبه الشافعي لإثبات حجية خبر الآحاد، ووجوب العمل به، والرد على من أنكره، وقد أفرده لأهميته وشدة الاختلاف فيه (٢). ٣ - كتاب إبطال الاستحسان: بيَّن فيه الإمام الشافعي معنى الاستحسان، ورد على القائلين به، وأن الواجب اتباع ما شرع الله تعالى، وأن الاستحسان احتكام للعقل والهوى والشهوة، وقال: من استحسن فقد شرَّع (٣). ٤ - كتاب اختلاف الحديث الذي وضعه للجمع بين الأحاديث التي يبدو عليها التعارض، وهو أول كتاب من نوعه في هذا الموضوع (٤). ٥ - كتاب أحكام القرآن، وهو في أصول الفقه، وكذا كتاب القياس للشافعي (٥). وقد وضع الإمام الشافعي علم الأصول ليكون ميزانًا وضابطًا لمعرفة الخطأ من الصواب في الاجتهاد، والصحيح من غير الصحيح من الآراء، وأن يكون قانونًا يلتزم به المجتهد عند الاستنباط، ويقيس به الأمور، ويوزن فيه أحكام غيره، وقد طبق الإمام الشافعي ﵀

стр. 56

تعالى- هذه القواعد والضوابط والموازين والقوانين في مناقشة آراء الأئمة والفقهاء، فكتب كتابًا في اختلاف الإمام مالك، وكتابًا في اختلاف محمد بن الحسن وأهل الرأي، وكتابًا في الرد على سير الأوزاعي ورد الإمام أبي يوسف عليه (١)، كما التزم الإمام الشافعي في مذهبه بهذه القواعد والضوابط والموازين، وقيد نفسه بها، وسار عليها، فكانت الرسالة هي أصول المذهب الشافعي، وكانت أصولًا نظرية وعملية في أن واحد، ولم تكن دفاعًا أو دليلًا وتسويغًا لفروعه الفقهية (٢). وكانت الرسالة المنارة الباسقة لدعوة العلماء للتأليف والكتابة في أصول الفقه، وكانت حجر الأساس في بناء صرح هذا العلم، فشمر العلماء والأئمة عن ساعد الجد، وحرروا المصنفات، وأكملوا البناء الذي أقام أساسه الإمام الشافعي، وكان لهم فضل نماء هذا العلم وتحرير مسائله، ووافقوه في أكثرها، وخالفوه في بعضها، وزادوا عليه، فزاد الحنفية الاستحسان والعرف، وزاد المالكية إجماع أهل المدينة، وعمل أهل المدينة، والمصالح المرسلة، والذرائع، وكتب الإمام أحمد في ذلك كتاب العلل، وكتاب الناسخ والمنسوخ، وكتاب طاعة الرسول، وكتب كثير من فقهاء المذاهب الأخرى في أصول الفقه، وتناوله العلماء أيضًا بالبحث والتأليف (٣). تدوين الفقه والأصول: نلاحظ من النظرة التاريخية السابقة أن أحكام الفقه بدأت بالظهور مبكرًا، ونشأ الفقه في حياة رسول الله ﵊، وأخذ

стр. 57

بالتوسع والتطور والنقل في عصر الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وبدأت أحكامه بالتدوين في نهاية القرن الهجري الأول، ووصل إلى طور النضج والكمال في القرن الثاني عند ظهور الأئمة، بينما تأخر علم الأصول في الظهور إلى القرن الثاني، ووضعت قواعده ومبادئه وتدوينه في نهاية القرن الثاني الهجري، فما هو السبب في سبق الفقه للأصول؟ مع أنه أساس الفقه؟ الجواب أن علم أصول الفقه عبارة عن موازين لضبط الاستنباط ومعرفة الخطأ من الصواب في الاجتهاد، فهو علم الضوابط لمادة الفقه، والضابط يأتي بعد وجود المادة في كل العلوم، فعلم النحو والإعراب الذي وضع أساسه الإمام علي وأبو الأسود الدؤلي، جاء متأخرًا عن النطق بالفصحى، وعلم العروض الذي وضع أصوله الخليل بن أحمد الفراهيدي جاء متأخرًا عن قول الشعر وقرضه موزونًا، وعلم المنطق الذي دونه أرسطو جاء متأخرًا عن الجدل والتفكير والمناظرة التي رافقت نشوء البشرية (١). والسبب الرئيسي أن الفقه وأحكام الشرع الأولى نزلت مباشرة من السماء، واعتمد على الوحي لتغطية أحكام الناس في زمن البعثة، مع بيان القواعد والأسس والمناهج لما يحتاجه الناس في المستقبل، وفي القرآن والسنة منهج الأصول والاستدلال، ولما استحدثت القضايا والمسائل واحتاج الناس إلى الاجتهاد لتغطية الأحكام احتاج الناس إلى معرفة المنهج والقواعد والضوابط، فجاء علم أصول الفقه. وقال الشيخ محمد أبو زهرة ﵀: الأمر الذي لا شك فيه أن علم الفقه سابق على علم أصول الفقه، فالفقه نشأ بالاستنباط والفتيا

стр. 58

والاجتهاد، ... ولا غرابة أن يكون الفقه متقدمًا على علم أصول الفقه، لأنه إذا كان علم أصول الفقه موازين لمعرفة الصحيح من الآراء من غير الصحيح فالفقه هو المادة التي توزن، والمادة سابقة على الميزان (١). قال ابن خلدون ﵀: واعلم أن هذا الفن من الفنون المستحدثة في الملة، وكان السلف في غنية عنه، بما أن استفادة المعاني من الألفاظ لا يحتاج إلى أزيد مما عندهم من الملكة اللسانية، وأما القوانين التي يحتاج إليها في استفادة الأحكام خصوصًا، فمنهم أخذ معظمها .. فلما انقرض السلف وذهب الصدر الأول وانقلبت العلوم كلها صناعة احتاج الفقهاء والمجتهدون إلى تحصيل هذه القوانين والقواعد لاستفادة الأحكام من الأدلة، فكتبوها فنًّا قائمًا برأسه سموه: أصول الفقه ... وحين كان الكلام ملكة لأهله لم تكن هذه علومًا ولا قوانين، ولم يكن الفقه حينئذ يحتاج إليها، لأنها جبلة وملكة، فلما فسدت الملكة في لسان العرب قيدها الجهابذة المتجردون لذلك بنقل صحيح، ومقاييس مستنبطة صحيحة، وصارت علومًا يحتاج إليها الفقيه في معرفة أحكام الله (٢). طرق التأليف في الأصول: إن أسلوب الكتابة في الأصول اختلف بعد الشافعي، فبعض العلماء سار على منهج الإمام الشافعي في الرسالة؛ بتقرير المسائل، والتدليل عليها، وإقامة الحجج، واتخاذ السؤال والجواب أساسًا في البيان على طريقة علماء الكلام، وسميت هذه الطريقة بطريقة المتكلمين، أو بطريقة الشافعية، وهي الطريقة التي اختطها الإمام الشافعي في الرسالة، وكتب بها أكثر الشافعية والمالكية والحنابلة والمعتزلة وعلماء الكلام.

стр. 59

وبعض العلماء سار في كتابة الأصول على طريقة التأليف في الفقه، فسبك قواعد الأصول بأسلوب متتابع ومتسلسل، وسميت هذه الطريقة بطريقة الفقهاء أو طريقة الحنفية، وسار عليها أكثر علماء المذهب الحنفي. وامتازت كل طريقة ببعض المزايا والخصائص، وشابها بعض العيوب، فجاء المتأخرون وجمعوا بين الطريقتين باتباع مزايا وفوائد كل طريقة، وتجنب عيوبها، وسميت هذه الطريقة بطريقة المتأخرين. فما هي ميزات كل طريقة، وما هي الكتب التي دونت في كل منها؟ أولًا: طريقة المتكلمين أو الشافعية: تمتاز طريقة علماء الكلام أو طريقة الشافعية بأنها تحقق قواعد هذا العلم تحقيقًا منطقيًّا نظريًّا، وتقرر القواعد الأصولية وتنقحها، وتثبت ما أيده البرهان العقلي والنقلي، وتنظر إلى الحقائق المجردة، ولم تلتفت هذه الطريقة إلى التوفيق بين القواعد وبين الفروع التي استنبطها الأئمة في الفقه، ولا تعنى بالأحكام الفقهية؛ لأن الأصول علم مستقل عن الفقه، فكانت هذه الطريقة تهتم بتحرير القواعد وتنقيحها. فما أيده العقل، وقام عليه البرهان، فهو الأصل والقاعدة، سواء أوافق الفروع المذهبية أم خالفها، وسواء أوافق الأصل الذي وصل إليه الإمام أم لا (١)، ولذا نلاحظ مثلًا أن الآمدي اعتبر الإجماع السكوتي حجة، خلافًا لأصل إمامه الشافعي ﵀، لأن الدليل والحجة أوصلاه إلى ذلك (٢).

стр. 60

ويكثر في هذه الطريقة أسلوب الفنقلة، أي: "فإن قلت ... قلنا" على طريقة علماء الكلام، وتقل فيها الفروع الفقهية، وهي في الواقع أقرب إلى حقيقة وضع المبادئ والقواعد والأصول التي تعتبر أساسًا، لتأتي الفروع، على منوالها، فالأصول حاكمة على الفروع، وهي دعامة الفقه والاستنباط، وهذا الأسلوب أبعدَ الناسَ عن التعصب لفرع فقهي أو حكم مذهبي. ولكن هذه الطريق تسرف أحيانًا في الأمور النظرية والعقلية التي يستحيل وقوعها عقلًا أو شرعًا، مثل جواز تكليف المعدوم، والحسن والقبح العقليين، كما تتعرض لبعض بحوث العقيدة وعلم الكلام مثل عصمة الأنبياء قبل النبوة، ويقل فيها الربط بين الأصول والفروع (١). ثانيًا: طريقة الفقهاء أو الحنفية: وهي طريقة متأثرة بالفروع، وتتجه لخدمتها، وإثبات سلامة الاجتهاد فيها، وتمتاز هذه الطريقة بأخذ القواعد الأصولية من الفروع والأحكام التي وضعها أئمة المذهب الحنفي، ويفترضون أنهم راعَوْا هذه القواعد عند الاجتهاد والاستنباط، فإن وجدوا فرعًا يتعارض مع القاعدة لجؤوا إلى تعديلها بما يتفق مع هذا الفرع، مثل قولهم: "المشترَك لا يَعُمُّ إلا إذا كان بعد النفي فيعُمُّ" ومثل قولهم: "إن دلالة العام قطعية إلا إذا خصص" ويتفرع على ذلك تقديم النص العام على خبر الآحاد عند التعارض؛ لأن خبر الآحاد ظني، والعام قطعي (٢). والهدف من هذه الطريقة تجميع الأحكام الفرعية في قواعد كلية،

стр. 61

وضوابط عامة، فيضعون القاعدة الأصولية بما يتفق مع الفروع، ويستمدون الأصول من فقه الإمام وفروع الأصحاب، ويعبر البزدوي عن ذلك في أصوله بقوله: على هذا دلت فروع أصحابنا (١). والسبب في اللجوء إلى هذه الطريقة أن علماء الحنفية لم يعثروا على كتب في الأصول من وضع أئمتهم، كما عثر علماء الشافعية في "الرسالة"، فبحثوا عن القواعد الأصولية في الفروع الفقهية باعتبار أنها لا بد أن تكون قائمة على أساس. وهذه الطريقة تكثر فيها الفروع الفقهية، وهي أقرب إلى الفقه، وأليق بالفروع، وأشبه بقواعد الفقه الكلية، وكانت للدفاع عن المذهب الذي ينتمي إليه مؤلف الكتاب، ويجعل من الأصول مقاييس مقررة ومؤكدة له، وليست حاكمة عليه (٢). ثالثًا: طريقة المتأخرين: وهذه الطريقة تجمع بين الطريقتين السابقتين بما فيهما من مزايا، فتقعد القاعدة، وتقيم الأصل، وتثبته بالأدلة والبراهين، ثم تذكر الفروع والأحكام الفقهية التي تتفرع عن هذا الأصل وتطبقه عليها، كما تشير إلى الفروع التي خالفت الأصل، وتبين سبب المخالفة، وقد سار على هذه الطريقة العلماء من المذاهب الأربعة، كما سنرى في كتبهم.

стр. 62

أهم الكتب في علم أصول الفقه (١): أولًا: الكتب التي ألفت على طريقة المتكلمين: كانت الرسالة للإمام الشافعي أول كتاب على هذه الطريقة، ثم ظهرت كتب كثيرة على منوالها، أهمها: ١ - المعتمد، للبصري المعتزلي، أبي الحسين، محمد بن علي الشافعي، المتوفى سنة ٤٣٦ هـ (٢). ٢ - البرهان، لإمام الحرمين، أبي المعالي، عبد الملك بن عبد الله الجويني النيسابوري الشافعي، المتوفى سنة ٤٧٨ هـ (٣). ٣ - المستصفى، للغزالي، أبي حامد حجة الإسلام، محمد بن محمد الغزالي الشافعي، المتوفى سنة ٥٠٥ هـ (٤). ويمتاز المستصفى بعبارته الدقيقة، وأسلوبه الرفيع، ليس بالمختصر المخل، ولا بالطويل الممل، يحرر القواعد، ويدلل عليها، ويضرب الأمثلة، وقد كتبه قبل أن تشيع المختصرات (٥).

стр. 63

٤ - المحصول، للرازي فخر الدين، محمد بن عمر الرازي الشافعي، المتوفى سنة ٦٠٦ هـ. وكتاب المحصول تلخيص وجمع للكتب الثلاثة السابقة (١). ٥ - الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي، سيف الدين أبي الحسن، علي بن أبي علي محمد الشافعي، المتوفى سنة ٦٣١ هـ. والإحكام اختصار وتلخيص للبرهان والمعتمد والمستصفى، وهو كتاب جيد الأسلوب، سهل العبارة، حسن التنظيم والتبويب (٢).

стр. 64

٦ - التقريب والإرشاد في ترتيب طرق الاجتهاد، للباقلاني، القاضي أبي بكر، المتوفى سنة ٤٠٣ هـ، وقد اختصره مؤلفه بعد ذلك، كما اختصره إمام الحرمين الجويني في كتابه "التلخيص". ثانيًا: الكتب التي ألفت على طريقة الفقهاء: كتب أكثر علماء الحنفية على هذه الطريقة (١)، وكتب فيها بعض علماء المذاهب الأخرى عدة كتب، أهمها: ١ - كتاب الأصول، للإمام الكرخي، أبي الحسن، عبيد الله بن الحسين، المتوفى سنة ٣٤٠ هـ. ٢ - كتاب الأصول للجصاص، أبي بكر، أحمد بن علي الرازي، المعروف بالجصاص، المتوفى سنة ٣٧٠ هـ، حققه الدكتور جاسم عجيل النشمي، وطبع في الكويت. ٣ - تأسيس النظر في الخلاف، وتقويم الأدلة في أصول الفقه، للدبوسي، أبي زيد عبيد الله بن عمر القاضي الدبوسي، المتوفى سنة ٤٣٠ هـ، ويعرف كتابه بأصول الدبوسي. ٤ - كتاب الأصول، للسرخسي، شمس الأئمة محمد بن أحمد، المتوفى في حدود الخمسمائة، أي سنة ٤٩٠ هـ تقريبًا، وهو صاحب المبسوط في الفقه (٢). ٥ - كتاب الأصول للبزدوي، فخر الإسلام علي بن محمد، المتوفى سنة ٤٨٢ هـ، وهو أحسن وأفضل كتب الحنفية، وجاء علاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري، المتوفى سنة ٧٣٠ هـ، وشرحه شرحًا نفيسًا

стр. 65

في كتابه "كشف الأسرار" وهو عمدة الحنفية في الأصول (١)، وهناك كتاب: "كشف الأسرار في الأصول" للنسفي الحنفي المفسر الأصولي (٧١٠ هـ). ٦ - المنار، للنسفي حافظ الدين عبد الله بن أحمد، المتوفى سنة ٧١٠ هـ، وشرحه العلماء عدة شروح، أهمها شرح عز الدين عبد اللطيف بن عبد العزيز، الشهير بابن ملك ٨٠١ هـ، وحاشية "نسمات الأسحار" لمحمد أمين، المعروف بابن عابدين، المتوفى سنة ١٢٥٢ هـ (٢). ٧ - تنقيح الفصول في علم الأصول، للقرافي، شهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي، المتوفى سنة ٦٨٤ هـ (٣). ٨ - التمهيد في تخريج الفروع على الأصول، للإمام الإسنوي، جمال الدين عبد الرحيم الإسنوي الشافعي المتوفى سنة ٧٧٢ هـ، مطبوع

стр. 66

بمكة، ثم حققه الدكتور محمد حسن هيتو، وطبعه. ٩ - المسودة، لآل تيمية في أصول الفقه على المذهب الحنبلي، مطبوعة. ثالثًا: الكتب التي ألفت على طريقة المتأخرين: وهي الكتب التي تجمع بين طريقة المتكلمين وطريقة الفقهاء، وسار عليها بعض العلماء من المذهب الحنفي والمذهب الشافعي، وأهمها: ١ - بديع النظام، الجامع بين أصول البزدوي والإحكام، للساعاتي، أو ابن الساعاتي، مظفر الدين أحمد بن علي الساعاتي البغدادي الحنفي، المتوفى سنة ٦٩٤ هـ، وعليه شروح كثيرة (١). ٢ - تنقيح الأصول، لصدر الشريعة عبيد الله بن مسعود البخاري، المتوفى سنة ٧٤٧ هـ، وهو كتاب مختصر لخصه من كتاب البزدوي والمحصول للرازي، ومختصر ابن الحاجب، ثم شرحه بنفسه بكتاب سماه: التوضيح على التنقيح، وجاء التفتازاني سعد الدين محمود بن عمر الشافعي، المتوفى سنة ٧٩٢ هـ، وكتب حاشية على التوضيح سماها: التلويح" (٢). ٣ - التحرير، لكمال الدين، محمد بن عبد الواحد، الشهير بابن الهمام الحنفي، المتوفى سنة ٨٦١ هـ (٣).

стр. 67

٤ - جمع الجوامع، لابن السبكي، تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي الشافعي، المتوفى سنة ٧٧١ هـ، جمعه مما يقرب من مئة مصنف، كما يقول في مقدمته (١). ٥ - مسلم الثبوت، للعلامة محب الله بن عبد الشكور البهاري الحنفي، المتوفى سنة ١١١٩ هـ، وقد شرحه العلامة عبد العلي محمد بن نظام الدين الأنصاري (١١٨٠ هـ)، شرحًا جيدًا في كتابه فواتح الرحموت (٢). الموافقات للشاطبي: ولا بد من الإشارة إلى كتاب أصولي انفرد بطريقة خاصة في التأليف، وهو كتاب: الموافقات في أصول الأحكام، لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي، المعروف بالشاطبي، المتوفى سنة ٧٩٥ هـ، وقد جمع فيه بين مبادئ الأصول وأسرار الشريعة، وحكم التشريع، وامتاز بالكتابة عن الأصول التي بيَّن الشارع عللها واعتبرها أصلًا، والموافقات كتاب سهل العبارة، عظيم الفائدة، لا يستغني عنه طالب العلم، ولا الباحث في الفقه والأصول (٣).

стр. 68

كما تحسن الإشارة إلى كتاب "قواعد الأحكام" لسلطان العلماء العز بن عبد السلام (٦٦٠ هـ) الذي سبق الشاطبي في بيان حِكم التشريع وقواعد الأصول، ومقاصد الشريعة، وربطها بالأحكام الفقهية. رابعًا: الكتب الحديثة في الأصول: ظهر أخيرًا عدة مؤلفات في الأصول كتبها عدد من العلماء الأجلاء الذين تولوا تدريس مادة أصول الفقه في كليات الشريعة والحقوق والقضاء الشرعي في البلاد العربية، وتمتاز بحسن العرض، وسهولة الأسلوب لتذليل القواعد والمبادئ الأصولية للطلاب المبتدئين لدراسة هذا العلم، ونذكر أهمها: ١ - إرشاد الفحول، للشوكاني، محمد بن علي بن محمد بن عبد الله، المتوفى سنة ١٢٥٠ هـ. ٢ - تسهيل الوصول إلى علم الأصول، للقاضي الشيخ محمد عبد الرحمن المحلاوي الحنفي، المتوفى سنة ١٩٢٠ م. ٣ - أصول الفقه، للشيخ محمد الخضري، المتوفى سنة ١٩٢٧ م، وهو كتاب سهل ومفيد. ٤ - أصول الفقه، للأستاذ الشيخ عبد الوهاب خلاف، المتوفى سنة ١٩٥٥ م، ويمتاز بعبارته الواضحة، وأسلوبه السهل وأمثلته الفقهية والقانونية. ٥ - أصول الفقه، لأستاذنا العلامة الشيخ محمد أبو زهرة، الذي توفاه الله تعالى في أثناء كتابة هذه المحاضرات في نيسان ١٩٧٤ م، تغمده الله برحمته، وأسكنه فسيح جنانه، وعوض المسلمين خيرًا. ٦ - أصول الفقه، للأستاذ الشيخ محمد زهير أبو النور، وكيل جامعة الأزهر، ومدرس الأصول في كلية الشريعة والقانون بالأزهر، والكتاب

стр. 69

أربعة أجزاء، وهو عبارة عن تلخيص وتوضيح لكتاب نهاية السول للإسنوي. ٧ - أصول الفقه الإسلامي، للشيخ شاكر الحنبلي، مطبوع عام ١٩٤٨ م بدمشق. هذه الكتب السبعة اشتملت على جميع مباحث وأبواب علم الأصول، وتتفاوت فيما بينها في الاختصار والشرح، وهناك كتب أخرى حديثة تناولت بعض الجوانب من علم أصول الفقه حسب مناهج الدراسة، أهمها: ٨ - أصول الفقه الإسلامي، للأستاذ الشيخ زكي الدين شعبان، رئيس قسم الشريعة الإسلامية في كلية الحقوق بجامعة عين شمس سابقًا، مطبوع سنة ١٩٦٧ م. ٩ - أصول التشريع الإسلامي، للأستاذ علي حسب الله، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة، مطبوع سنة ١٩٦٤ م، الطبعة الثالثة. ١٠ - أصول الفقه، للأستاذ الشيخ محمد زكريا البرديسي، رئيس قسم الشريعة، بكلية الحقوق بجامعة عين شمس حاليًا، مطبوع سنة ١٩٦٩ م، الطبعة الثالثة. ١١ - مباحث الحكم، للأستاذ محمد سلام مدكور، رئيس قسم الشريعة بكلية الحقوق بجامعة القاهرة، مطبوع سنة ١٩٥٩ م. ١٢ - المدخل إلى علم أصول الفقه، للدكتور معروف الدواليبي. ١٣ - الوسيط في أصول الفقه، للدكتور وهبة الزحيلي. ١٤ - مصادر التشريع الإسلامي، للدكتور محمد أديب صالح. ١٥ - مباحث الكتاب والسنة، للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي. هذه نظرة تاريخية مختصرة عن علم أصول الفقه في نشأته،

стр. 70

ووضعه، وتطوره، وطرق التأليف فيه، وأهم الكتب والمراجع التي يعتمد عليها الطالب والباحث للتزود من بحوث علم أصول الفقه، والاستفادة منه، إن شاء الله تعالى.

стр. 71

الفصل الرابع في أسباب اختلاف الفقهاء أهمية الموضوع: ينظر المرء أحيانًا إلى التفرق في الأمة، والخلاف بين أفرادها، والنزاع الناشب في صفوفها، والجدل الذي لا طائل تحته، والتعصب المقيت الذي يحجر على العقول، ويبحث عن السبب فيرى لأول وهلة أن سبب كل ذلك هو اختلاف الأئمة الذي جر هذه الويلات، ويتبادر إلى ذهنه فورًا السؤال عن أسباب اختلاف الفقهاء، ويخيل إليه أن اختلافهم كان نقمة على الأمة، وهذا ما يحاول أن يثيره أعداء الإسلام، وأتباع المستشرقين، وأذناب الاستعمار، وأبواق الغزو الفكري، ويوجهونه إلى ضعاف الإيمان، أو ضعاف النفوس، فيوقعون بينهم الشك والريبة والتردد، ويغرسون في نفوسهم عقدة النقص والعار في تاريخهم وأئمتهم. وينظر المرء من جهة أخرى إلى هذا التراث الزاخر في الفقه والتشريع، ويطوف بين الأحكام وعللها، ومأخذ كل إمام وحجته، ويضيق أحيانًا مجال البحث على هيئة التشريع في بعض أحكام مذهب

стр. 72

ما، فترى الشفاء القريب في المذهب الآخر، ويجول الإنسان بين المذاهب فيرى الصدر الرحب في الموسوعات الفقهية المقارنة، كالحاوي الكبير للماوردي، والمغني لابن قدامة، وبدائع الصنائع للكاساني، والذخيرة للقرافي، فتمتلئ النفس راحة، وتشعر بالثروة الفقهية العظيمة التي خلفها لنا الأئمة الأجلاء والسلف الصالح، وتقدر الجهد المبذول منهم، وتطمئن سريرتها إلى حسن المقصد، ونزاهة العمل، وتجرد النية لله تعالى، وتدرك تمامًا أن تعدد المذاهب كان نعمة كبرى، وأن اختلاف الأمة رحمة، وأن سبب الاختلاف أمر منطقي وعقلي وفطري، وتلمس في كل جزئية السبب العلمي الموضوعي للاختلاف فيها. وجهتا النظر السابقتان المتعارضتان تدعواننا لبحث ومعرفة الحقيقة في أسباب الاختلاف. ونسرع إلى القول: إن أسباب الاختلاف بين الفقهاء لا تدخل في علم أصول الفقه، ولذا نترك تفصيل هذا الموضوع الضروري المهم إلى مجاله الخاص، في مادة الفقه، أو الفقه المقارن، أو تاريخ التشريع والمدخل الفقهي، ونقتصر على بيان مكانة أصول الفقه في أسباب الاختلاف، والأثر المتبادل بين أصول الفقه واختلاف الفقهاء. وسبق أن عرفنا الغاية والفائدة من أصول الفقه، وعرفنا الظروف التي دعت إلى ظهوره وتدوينه، وبقي علينا أن نعلم وظيفة أصول الفقه في إزالة الاختلاف وتقليله، وأثره في بيان الضوابط والقواعد والموازين لأسباب الاختلاف الصحيح والمقبول. وقبل أن نبين ذلك نذكر بعض الحقائق الضرورية في الموضوع، ثم نشير باختصار إلى أهم أسباب الاختلاف، وخاصة ما يتعلق منها بأصول الفقه.

стр. 73

أولًا: الحقائق الهامة في اختلاف الفقهاء: ١ - إن الاختلاف في التشريع أمر طبيعي وعادي ولا غبار عليه، ولا يوجد تشريع في الدنيا يخلو من ذلك، سواء أكان التشريع سماويًّا أم وضعيًّا، بل لا يوجد علم من العلوم الإنسانية يخلو منه، فالأدباء مختلفون في الكتابة والنقد، والشعراء مختلفون في قرض الشعر وموازينه، وعلماء القانون مختلفون في تفسيره ومضمونه وشرحه، والمحاكم مختلفة في تطبيق القانون واللوائح على الرغم من اتباعها نظامًا واحدًا، وعلماء التاريخ مختلفون في أحداثه ورواياته، والشخص الواحد يختلف رأيه من حين إلى حين ... وهكذا الأطباء والمهندسون والخبراء يختلفون في تقييم الموضوع الواحد وتشخيصه والنظر إليه، ولا يزول الاختلاف إلا إذا صار الإنسان آلة مصنعة، ولو لم يختلف الفقهاء لكانوا شواذًا عن البشر. ٢ - إن الاختلاف بين الفقهاء في الشريعة الإسلامية منحصر في الفروع الفقهية، مع الاتفاق الكامل على الأصول العامة، سواء أكانت في أصول الدين أي في العقيدة وأركان الإسلام، أم في أصول التشريع وهي القرآن الكريم والسنة الشريفة والإجماع والقياس. فالاتفاق كامل بين الأئمة في عقيدة المسلم التي تقوم على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، والاتفاق كامل في أركان الإسلام من الشهادة والصلاة والصيام والزكاة والحج، والإجماع على صحة القرآن الكريم ونقله بالتواتر، وأنه كلام الله تعالى، وأنه حجة على المسلمين دون اختلاف على حرف واحد منه، ولا نزاع في حجية السنة، وأنها مبينة لكتاب الله، ومصدر أساسي في التشريع، ولم ينكر ذلك إلا من خرج عن الإسلام وفارق الجماعة، وأما الاختلاف في الإجماع والقياس فهو على نطاق ضيق مع الاتفاق عليهما

стр. 74

بين أهل السنة والجماعة. وهذا الاتفاق على الأصول العامة هو من فضل الله تعالى على هذه الشريعة التي أنزلها خاتمة الشرائع والرسالات، وتكفل بحفظها إلى أن يرث الأرض ومن عليها، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. وأما الاختلاف في الفروع الفقهية، والأحكام التفصيلية فلا يضر بالأمة ولا يؤثر على كيانها وسمعتها ووحدتها، بل هو علامة على خلودها وصلاحها "كما سنرى". ٣ - إن الاختلاف في بقية مصادر التشريع اختلاف في الظاهر غالبًا، أو هو اختلاف لفظي أو اصطلاحي، ولا مشاحة في الاصطلاح، وكثيرًا ما تكون النتائج متفقة، وينحصر أثر الاختلاف في جزئيات محددة، فلا خلاف في حقيقة الاستحسان بين الحنفية وبين المالكية والشافعية، ولا خلاف في الواقع بين الحنفية والشافعية وبين المالكية في المصالح المرسلة، لأن الشافعية والحنفية كثيرًا ما يعللون بالمصالح، ويبنون الأحكام عليها، وكذلك الأمر في العرف والعادة والاستصحاب وسد الذرائع وقول الصحابي وشرع من قبلنا (١). ٤ - إن الاختلاف بين الأئمة كان السبب في تزويد المكتبة الإسلامية بهذه الثروة الفقهية التي نضاهي العالم بها، ونعتز بوجودها، وأتاحت للتشريع المرونة والحيوية في تلبية حاجات ومتطلبات التقدم والتطور

стр. 75

والعمران خلال العصور الطويلة في أرجاء المعمورة (١)، كما مرَّ في تدوين أصول الفقه وفوائده. ٥ - إن الاختلاف في الفروع -مع الاتفاق على الأصول- هو رحمة بالأمة، وتخفيف عنها، وتوسعة عليها، فإن ضاق بالأمة مذهب استعانت بالآخر، وإن شق عليها الحكم لجأت إلى غيره، قال عمر بن عبد العزيز ﵀: ما سرني أن أصحاب محمد ﷺ لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة (٢)، كمسح الرأس، وطلاق الثلاث، وزكاة الزروع والثمار، وأحكام الحج، والاغتسال من الجنابة قبل النوم أو بعده. ٦ - إن الاختلاف بين الأئمة يعتمد على أسباب موضوعية وعلمية، وهو أبعد ما يكون عن التشهي والهوى أو الانتصار لذات أو شخص، ولا حاجة للتدليل وإقامة البرهان على ذلك، فتاريخ التشريع وسيرة الأئمة يؤكد ذلك، ومن ينكره أو يتشكك فيه فإنما يجهل تاريخ هذه الأمة، أو يحمل الحقد والضغينة واللؤم والعداوة لعلمائها، الذين كان الإخلاص رائدهم، والتعبد لله هدفهم، ومرضاة الله مبتغاهم، وطلب العلم والوصول إلى الحق أسمى أمانيهم. ٧ - لم يقع اختلاف في النصوص القطعية -من ناحية الثبوت والدلالة، فالقرآن الكريم قطعي الثبوت، لأنه نقل إلينا بالتواتر،
следующие страницы →