← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17118

الوجيز في أصول الفقه الإسلامي

محمد مصطفى الزحيلي

Полный текст (958 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الأمر يفيد الندب للنص على القرينة بعده ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فعلق الكتابة على علم المالك بأن الكتابة خير للعبد، ولوجود قرينة أخرى وهي قاعدة عامة في الشريعة أن المالك له حرية التصرف في ملكه، وأول الآية نصت على ثبوت الملك له ﴿مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مما يدل على أن الأمر مصروف من الإيجاب إلى الندب (١). ٣ - عدم ترتيب العقوبة على ترك الفعل، مع طلبه من الشارع، كقوله ﷺ : "إن اللَّه يحب أن تؤتى رخصه كما يجب أن تؤتى عزائمه" (٢)، فالحديث لم يرتب عقوبة على ترك الرخصة. ٤ - مواظبة الرسول ﷺ على الفعل في معظم الأحيان، وتركه في حالة أو في بعض الأحيان، ليدل على عدم العقاب على الترك، كالسنن المؤكدة قبل صلاة الفرض أو بعدها. ٥ - الأساليب العربية الأخرى التي تدل على عدم الإلزام وعدم التحتيم (٣)، مثل قوله ﷺ : "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" (٤) ومثل قوله: "إن اللَّه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" (٥)، وقوله: "إن اللَّه جميل يحب الجمال" (٦). فهذه الأحاديث تدل على طلب الفعل، ولكن بدون إلزام ولا تحتيم، وبدون ترتيب العقوبة على التارك، وإنما اقتصر الطلب على التحبيب وبيان الفضل والترغيب في الفعل.

стр. 317

هل المندوب مأمور به: بما أن الندب يستفاد من صيغة الأمر المصحوب بقرينة صارفة عن الإيجاب إلى الندب، فيتفرع عن ذلك مسألة هامة، وهي هل المندوب مأمور به أم لا؟ اتفق العلماء على كون المندوب مأمورًا به، ثم اختلفوا في طبيعة هذا الأمر على قولين: القول الأول: أن المندوب مأمور به حقيقة، وهو رأي الجمهور من الشافعية والحنابلة وقول عند المالكية والمحققين من الحنفية (١)، واستدلوا على ذلك بما يلي: ١ - إن فعل المندوب يسمى طاعة، والطاعة تكون من امتثال أمر اللَّه تعالى لعباده، فكان المندوب مأمورًا به. واعترض ابن عبد الشكور على الدليل فقال: الطاعة تكون في الأمر وتكون في الندب، فلا يكون الندب مأمورًا به (٢). ٢ - إن الأمر ينقسم لغة إلى قسمين أمر إيجاب وأمر ندب، وكما أن الواجب مأمور به، فكذلك يكون المندوب مأمورًا به. واعترض على الاستدلال بأن الأمر ينقسم عند أهل اللغة إلى أمر تهديد وأمر إباحة أيضًا، والتهديد والإباحة ليس مأمورًا بهما باتفاق، فيكون الندب كذلك ليس مأمورًا به حقيقة (٣).

стр. 318

٣ - المندوب مطلوب كالواجب، ولكن الواجب مطلوب مع ذم تاركه، والمندوب مطلوب من الشارع مع عدم ذم تاركه، والطلب أمر من الشارع، فالمندوب مأمور به. القول الثاني: أن المندوب ليس مأمورًا به حقيقة، وإنما هو مأمور به مجازًا، وهو رأي بعض الحنفية، كالكرخي والرازي، وأخذت به كتب الحنفية، واستدلوا على ذلك بما يلي: ١ - لو كان المندوب مأمورًا به حقيقة لكان تركه معصية، والمعصية معاقب عليها لمخالفة الأمر، مع أن العلماء اتفقوا على أن ترك المندوب لا يكون معصية، وأن التارك لا يعاقب فاعله، ولا يذم -كما سبق في حكمه- فكان المندوب مأمورًا به مجازًا فقط (١). ويعترض الغزالي عليهم بأن الندب اقتضاء لا تخيير فيه، لأن التخيير عبارة عن تسوية بين أمرين، فإذا رجح جهة الفعل بربط الثواب به ارتفعت التسوية والتخيير، واللَّه تعالى يقتضي من عباده ما فيه صلاحهم، ويقتضي بالندب لنيل الثواب، وأما القول بأن تاركه لا يسمى عاصيًا فسببه أن العصيان اسم ذم مختص بمخالفة أمر الإيجاب، وقد أسقط الذم عن المندوب، ويسمى تاركه مخالفًا وغير ممتثل، كما يسمى فاعله موافقًا ومطيعًا (٢). ٢ - قال رسول اللَّه ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (٣)، فالسواك مندوب، ولم يأمر به الرسول ﵊، ولو أمر به لكان واجبًا.

стр. 319

واعترض عليه بأن الأمر في الحديث محمول على أمر الإيجاب للجمع بين الأدلة، أي: إن الحديث لم يأمر أمر الإيجاب، وهذا الحديث استدل به ابن بدران للدلالة على أن المندوب مأمور به حقيقة (١). ٣ - الأمر حقيقة في لفظ "افعل"، وهذا اللفظ حقيقة في الإيجاب فقط، فالأمر حقيقة في الإيجاب، ولا يكون حقيقة في الندب (٢). وأرى أن هذا الخلاف لفظي لا طائل تحته، ولا تترتب عليه حقائق عملية في الأحكام بين الجمهور والحنفية، وإنما ذكرناه كنموذج عن البحوث النظرية الكثيرة التي بحثها علماء الأصول، وأطالوا الحديث عنها من الناحية النظرية والفكرية والجدلية. أقسام المندوب: يقسم العلماء المندوب إلى ثلاثة أقسام: أولًا: السنة المؤكدة: وهي ما يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، ولكنه يستحق اللوم والعتاب، فالفعل مندوب على وجه التأكيد، ويشمل السنن المكتوبة قبل الفرائض أو بعدها، كركعتي الصبح وسنة الظهر وسنة المغرب وسنة العشاء، ومثل المضمضة والاستنشاق في الوضوء. والضابط لهذا القسم أنه ما واظب عليه النبي ﷺ ولم يتركه إلا نادرًا ليبين جواز الترك، وأنه ليس واجبًا، ويسمى سنة الهدى (٣).

стр. 320

وحكم السن المؤكدة أن صاحبها يستحق الثواب والأجر من اللَّه تعالى، وأن تاركها لا يعاقب، ولكنه يعاتب ويلام، لأن تركها معاندة لسنة رسول اللَّه، وأن ما يتعلق من هذا القسم بالشعائر الدينية كالأذان والجماعة إذا اتفق أهل بلد على تركه وجب قتالهم لاستهانتهم بالسنة (١). ثانيًا: السنة غير المؤكدة: وهي ما يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، ولا يستحق اللوم والعتاب، فالفعل مندوب بدون تأكيد، كالصدقة غير المكتوبة، وصلاة الضحى، وسنة العصر قبل الفرض، وصيام الاثنين والخميس من كل أسبوع. والضابط لهذا القسم أنه ما لم يواظب عليه النبي ﷺ ، وإنما كان يفعله النبي في بعض الأحيان، ويسمى هذا القسم مستحبًا، كما يسمى نافلة (٢). وحكم السنة غير المؤكدة أن فاعلها يستحق الثواب، وتاركها لا يستحق اللوم والعتاب أو العقاب (٣). ثالثًا: السنة الزائدة: وهي ما يثاب فاعلها إن نوى بها متابعة رسول اللَّه ﷺ والتأسي به، ولا شيء على تاركها مطلقًا، وهي أفعال الرسول عليه الصلاة السلام الجبلية التي يفعلها بحكم صفته البشرية مما لا يتعلق بالأحكام الشرعية كالنوم والمشي ولبس البياض من الثياب والاختضاب بالحناء، فهذا

стр. 321

القسم لا يعتبر من ابحكم التكليفي إلا بنية متابعة الرسول ﷺ التي تدل على شدة التعلق والاقتداء به (١). والفرق بين السنة غير المؤكدة والسنة الزائدة أن الأولى يستحق صاحبها الثواب بمجرد نية الفعل، والثانية لا يستحق صاحبها الثواب بمجرد نية الفعل، ولا بد من نية الاقتداء والتأسي. هل المندوب حكم تكليفي: اختلف علماء الأصول أيضًا في حقيقة الندب وماهيته، وهل يعتبر من الحكم التكليفي أم لا يعتبر؟ على قولين: القول الأول: أن الندب حكم تكليفي، وهو رأي أبي إسحاق الإسفراييني (٢) من الشافعية، وأبي بكر الباقلاني من المالكية، وابن عقيل وابن قدامة والطوفي وابن قاضي الجبل من الحنابلة، لأن الشارع طلبه من المكلف، فهو من خطاب اللَّه تعالى الاقتضائي، فكان المندوب حكمًا تكليفيًّا، ولا يخلو المندوب من الكلفة والمشقة، فهو سبب للثواب، ويسمى فعله طاعة، فالفعل بقصد الثواب فيه طاعة (٣). القول الثاني: أن المندوب ليس بحكم تكليفي، وهو رأي جمهور العلماء (٤)، واستدلوا على ذلك بأن التكليف ما فيه كلفة ومشقة،

стр. 322

والمندوب ليس فيه كلفة ولا مشقة، لأن المكلف يستطيع تركه، بدون عقاب ولا حرمة، فكأن المندوب ليس بتكليف كالمباح. وقد اعتبر بعض العلماء كلام أبي إسحاق في أن المندوب والمباح من الحكم التكليفي شاذًّا وظاهر الفساد، وأنه لا يليق بشأنه ومكانته، وأوَّلوا كلامه بأنه يريد وجوب اعتقاد الندبية، وهو حكم تكليفي، كما جعلوا المباح تكليفًا، لأن اعتقاد إباحته واجب، وهذا أمر متفق عليه (١). وأرى أن الخلاف لفظي واصطلاحي، ولا أثر له، لأن كل فريق نظر للأمر من جانب يختلف عن نظر الفريق الثاني. حكم الشروع في المندوب: سبق في التعريف أن المندوب ما يستحق فاعله الثواب، وتاركه لا يستحق العقاب، أي: إن المسلم مخير بين الفعل لكسب الثواب، وبين الترك وعدم الأجر، أو إن المكلف إن أراد الثواب والأجر فعل المندوب، وإلا تركه بدون عقاب، أما إذا شرع بالمندوب فهل يبقى له الخيار في استكمال الفعل أو تركه، وإن تركه فلا شيء عليه، أم يجبر على الاستمرار؟ وبتعبير آخر، هل يبقى المندوب بعد الشروع به على حاله السابقة قبل الشروع أم ينقلب إلى واجب؟ اختلف علماء الأصول في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن المندوب يبقى على حاله بعد الشروع فيه، ولا يجب إتمامه، وإن تركه الفاعل فلا إثم عليه ولا يجب عليه قضاؤه، وهو مذهب الشافعية (٢).

стр. 323

القول الثاني: أن المندوب ينقلب إلى واجب، ويصبح لازمًا بالشروع، وأن المكلف إذا شرع بالمندوب وجب عليه إكماله، لكن يجوز تركه استثناء بلا إثم للنص عليه، وإن تركه وجب عليه قضاؤه، وهو مذهب الحنفية (١). وفصل الإمام مالك وأبو ثور فقال: يلزم الإتمام، فإن خرج بلا عذر لزمه القضاء، وإن خرج بعذر فلا قضاء، وهو ما نقله النووي في المجموع (٢). الأدلة: استدل الحنفية على رأيهم بالأدلة التالية: ١ - قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾ [محمد: ٣٣]، فالمندوب بعد الشروع به صار عملًا يستحق صاحبه الثواب، فإن تركه فقد أبطل عمله وثوابه، والقرآن الكريم ينهى عن إبطال العمل، فكان إتمامه واجبًا (٣). ٢ - قياس الشروع في المندوب على النذر بطريق الأولى، وذلك أن النذر التزام قولي، والناذر قبل النذر مخير بين الالتزام وعدمه، وبعد الكلام أصبح النذر واجبًا، وكذا المندوب، فالمكلف قبل الشروع مخير بين الفعل وعدمه، وبعد الشروع ينقلب إلى واجب بالأولى، لأن الفعل

стр. 324

أقوى من القول (١). ويعترض على الاستدلال بأنه قياس مع الفارق، لأن الناذر التزم الوجوب قولًا، وألزم نفسه به لولايته عليها، وأما الشروع فليس بالتزام يل هو أداء بعض المندوب بنية النفل، وليس بنية الوجوب أو الالتزام به (٢). ٣ - إن الشروع بالمندوب يجعله حقًّا للَّه، وحقوق اللَّه تعالى يجب صيانتها والحفاظ عليها، وطريق صيانة المندوب هو بإلزام المكلف بالباقي أو بقضائه بعد ذلك احتياطًا في العبادات (٣). واستدل الشافعية على رأيهم بما يلي: ١ - إن المندوب يجوز للمكلف أن يتركه في البدء، فكذلك بعد الشروع به يجوز له تركه، والمكلف مخير بين الاستمرار في الفعل وبين تركه، فالمندوب لا يتغير بالشروع، لأن حقيقة الشيء لا تتغير بالشروع، وأن المندوب يبقى بعد الشروع مندوبًا بدليل أنه يتأدى بنية النفل، وأن إتمام المندوب لا يعتبر إسقاطًا لواجب بل هو أداء لنفل (٤). ٢ - قياس الصلاة والصيام على الصدقة، وذلك أن الانسان إذا أخرج عشرة دراهم للتصدق بها، فتصدق بدرهم فقط، فهو في الخيار في الباقي، ولا يجب عليه التصدق بالعشرة، وكذا الصلاة والصوم نفلًا، إذا شرع بهما المكلف فلا ينقلب الباقي إلى واجب (٥). ٣ - قال رسول اللَّه ﷺ : "الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام

стр. 325

وإن شاء أفطر" (١)، وهو نص صريح في حكم المندوب بعد الشروع به، وأن إتمامه عائد إلى المكلف إن شاء استمر، وإن شاء ترك ولا شيء عليه. ويظهر من الأدلة ترجيح قول الشافعية لقوة استدلالهم في الحديث الشريف، وأنه نص صريح واضح في موضوع النزاع، وأن هذا الحديث خاص في المسألة، ويرد استدلال الحنفية بالآية ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، لأنها عامة وتنصرف للأعمال الواجبة جمعًا بين الأدلة، ويتأكد بقاء حكم المندوب على حاله بسبب ورود الحديث، فقد جاء فيه عن أم هانئ ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ دخل عليها، فدعا بشراب فشرب، ثم ناولها فشربت، فقالت: يا رسول اللَّه، أما إني كنت صائمة، فقال رسول اللَّه ﷺ : "الصائم المتطوع أمين نفسه"، وفي رواية: "أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر". وروى أبو داود والترمذي حديثًا آخر وفيه: "ثم ناوله أم هانئ فشربت منه، فقالت: يا رسول اللَّه، لقد أفطرت وكنت صائمة، فقال لها: أكنت تقضين شيئًا؟ فقالت: لا، قال: "فلا يضرك إن كان تطوعًا" (٢). ملحق: ونتبع الكلام عن المندوب بمسألتين هامتين نبه عليهما الإمام الشاطبي، وتبعه في ذلك كل من تعرض للكلام عن المندوب.

стр. 326

أولًا: المندوب خادم الواجب: قال الشاطبي: المندوب إذا اعتبرته اعتبارًا أعم من الاعتبار المتقدم وجدته خادمًا للواجب، لأنه إما مقدمة له أو تكميل له، أو تذكار به، سواء كان من جنس الواجب أو لا، فالذي من جنسه كنوافل الصلوات مع فرائضها، ونوافل الصيام والصدقة والحج، والذي من غير جنسه كطهارة الخبث في الجسد والثوب والمصلى (١)، والسواك وأخذ الزينة وغير ذلك مع الصلاة، وكتعجيل الإفطار وتأخير السحور وكف اللسان عما لا يعني مع الصيام، فإن كان ذلك فهو لاحق بقسم الواجب بالكل، وقلما يشذ عنه مندوب يكون مندوبًا بالكل والجزء (٢). وهذا كلام حق، يُذكِّر بأساس مشروعية المندوب والسنن، وأنها خادمة للواجب، وأن السنة تجبر النقص الذي يقع في الواجبات كالخشوع في الصلاة والتدبر في القراءة فيها، والشرود عند الوقوف بين يدي اللَّه، وما تقع عليه العين في الصوم، وما ينطق به اللسان في نهار رمضان، وغير ذلك، بالإضافة إلى زيادة الأجر والثواب في المندوب، وأنه يذكر بالواجبات للاستعداد لها نفسيًّا وروحيًّا. ثانيًا: المندوب واجب بالكل: قال الشاطبي: إذا كان الفعل مندوبًا بالجزء كان واجبًا بالكل، كالأذان في المساجد والجوامع أو غيرها، وصلاة الجماعة وصلاة العيدين وصدقة التطوع والنكاح والوتر والفجر والعمرة وسائر النوافل الرواتب، فإنها مندوب إليها بالجزء، ولو فرض تركها جملة لجرح

стр. 327

التارك لها، ثم يبين ذلك فيقول: يستحق أهل المصر القتال إذا تركوه (الأذان) .. وقد توعد الرسول ﵇ من داوم على ترك الجماعة منهم أن يحرق عليهم بيوتهم ... والنكاح لا يخفى ما فيه مما هو مقصود للشارع من تكثير النسل وبقاء النوع الإنساني، وما أشبه ذلك، فالترك لها جملة، مؤثر في أوضاع الدين إذا كان دائمًا، أما إذا كان في بعض الأوقات فلا تأثير له، فلا محظور في الترك (١). وهذا كلام صحيح لا غبار عليه، ولا يخالفه أحد من العلماء، ويبين حكمة إخرى من حكم مشروعية المندوب، وأنه يتعلق بأمور هامة في الواجبات الدينية والمصالح الدنيوية التي أجمع العلماء على اعتبارها من المقاصد العامة في الشريعة، وجاءت الأحكام الشرعية لتحقيقها سواء كانت واجبة أم مندوبة، جزى اللَّه الإمام الشاطبي خيرًا، ووفقنا اللَّه لتطبيق شرعه كاملًا، والعمل فيما يحبه ويرضاه.

стр. 328

المطلب الثالث في الحرام تعريف الحرام: الحرام لغة: الممتنع فعله، من حرم من بابي قرب وتعب، وسُمِع: أحرمته بمعنى حرمته، والممنوع يسمى حرامًا تسمية بالمصدر (١). وفي الاصطلاح نذكر تعريفين له، أحدهما: بالحد وبيان الماهية، والثاني: بالرسم وبيان الصفات. التعريف الأول: الحرام هو ما طلب الشارع تركه على وجه الحتم والإلزام (٢). ١ - ما: اسم موصول، صفة لفعل المكلف. ٢ - طلب الشارع تركه: أي: الابتعاد عنه وعدم القيام به، ويدخل فيه الحرام والمكروه؛ لأن الشارع طلب تركهما، ويخرج من التعريف

стр. 329

المباح والمندوب والواجب لعدم طلب تركها من الشارع. ٣ - على وجه الحتم والإلزام: فيخرج المكروه، ويبقى الحرام. ويُعرف طلب الكف الحتمي بالصيغة التي تدل عليه عن طريق الأساليب الكثيرة المفيدة للتحريم (١). التعريف الثاني: عرف البيضاوي الحرام بالصفة فقال: هو ما يذم شرعًا فاعله (٢). ١ - ما: اسم موصول صفة لفعل المكلف، ويشمل كل أفعال المكلفين التي يتعلق بها الواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح، ويخرج من التعريف ما ليس بفعل المكلف. ٢ - يذم شرعًا فاعله: قيدٌ في التعريف، فيخرج الواجب؛ لأن الذم فيه على الترك، ويخرج المندوب والمكروه والمباح؛ لأنه لا ذم فيه أصلًا، لا على الفعل ولا على الترك، ويبقى المحرم فقط، والذم لا يكون إلا من الشرع، وفعل الحرام يشمل كل ما يصدر عن المكلف من قول محرم كالغيبة والقذف، أو فعل كالسرقة والقتل، أو من عمل القلب كالحقد والحسد، والذم هو اللوم والاستنقاص الذي يصل إلى درجة العقاب (٣). وأضاف بعض العلماء على هذا التعريف قولهم: "ويمدح تاركه"

стр. 330

للمقابلة مع تعريف الواجب (١). ويرادف المحرمَ المحظورُ والمعصية والذنب والممنوع والقبيح والسيئة والفاحشة والإثم والمزجور عنه والمتوعَّد عليه (٢). الأساليب التي تفيد التحريم: الأساليب التي تفيد التحريم في الكتاب الكريم والسنة الشريفة كثيرة (٣)، أهمها: ١ - أن يرد الخطاب صريحًا بلفظ التحريم، وما يشتق منه، مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، ومثل قوله ﷺ : "كلُّ المسلم على المسلم حرام: دمُه وماله وعرضه" (٤). ٢ - صيغة النهي، لأن النهي يفيد التحريم (٥)، مثل قوله تعالى:

стр. 331

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، ومن ذلك ما ورد بلفظ النهي مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠]، وهذا القسم أكثر الأساليب استعمالًا للدلالة على التحريم. ٣ - طلب اجتناب الفعل، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠]، وقوله ﷺ : "اجتنبوا السبع الموبقات" (١). وهذا أمر يفيد وجوب الترك من حيث اللفظ، ويفيد تحريم الفعل من حيث المعنى. ٤ - استعمال لفظ "لا يحل"، مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩]، وقوله ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه" (٢). ٥ - ترتيب العقوبة على الفعلِ سواء كانت في الدنيا أم في الآخرة أم فيهما، مثل قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]، فالقذف

стр. 332

حرام لترتب عقوبة الجلد عليه، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا﴾ [النساء: ٩٣]، فالقتل حرام لتوعد فاعله بالنار. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ١٩]، وقوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" (١)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]، فأكل مال اليتيم حرام لتشبيهه بأكل النار وتهديده بالعذاب يوم القيامة. ٦ - كل لفظ يدل على إنكار الفعل بصيغة مشددة، مثل غضب اللَّه، حرب اللَّه، لعن اللَّه، والتحذير من الفعل، مثل: "إياكم والجلوس على الطرقات" (٢)، وكذا وصف الفاعل بالنفاق أو الكفر أو الفسق، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] .. ﴿الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] ... ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] ومثل نفي الإيمان عنه، كقوله ﷺ : "والله لا يؤمن -ثلاثًا- الذي لا يأمن جاره بوائقه" (٣). حكم الحرام: من التعريف السابق وبيان الأساليب التي تفيد التحريم يظهر أن حكم الحرام وجوب الترك على المكلف، فإن فعله فإنه يستحق العقاب والذم من اللَّه تعالى، وأن اللَّه تعالى وصف المؤمنين بأنهم الذين يجتنبون ما حرم اللَّه عليهم ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]، وأن هذه المحرمات ليست إلا فواحش ومنكرات ومضار

стр. 333

ومفاسد تضر بالفرد والمجتمع، فحرم اللَّه تعالى فعلها، وطلب من المكلفين تركها لتحقيق السعادة لهم في الدنيا والآخرة. أقسام الحرام: سبق الكلام أن التشريع جاء لتحقيق العدالة الإلهية ورعاية مصالح البشر في الدنيا والآخرة، فما أوجب اللَّه حكمًا إلا بسبب فوائده ومنافعه الراجحة في تحقيق المصالح، وما حرم أمرًا إلا لرجحان ضرره الحقيقي وثبوت فساده، قال البيضاوي: ما نهي عنه شرعًا فقبيح، وإلا فحسن كالواجب والمندوب والمباح (١). والمفسدة إما أن تكون راجعة إلى ذات الفعل ويسمى حرامًا لذاته، وإما أن تكون المفسدة راجعة لأمر يتعلق بالمحرم، ويسمى حرامًا لغيره (٢). أولًا: المحرم لذاته: وهو ما حرمه الشارع ابتداء وأصالة، مثل أكل الميتة والدم والخنزير ولعب الميسر وشرب الخمر والزنا وقتل النفس وأكل أموال الناس بالباطل وزواج المحارم. ويكون المحرم لذاته غير مشروع أصلًا، لأن منشأ الحرمة فيه عين المحل أو ذات الفعل، وأنه يشتمل على مفسدة ومضرة راجعة إلى الذات. ويترتب على ذلك أن التعاقد على الحرام باطل، ولا يترتب عليه أثر

стр. 334

شرعي، والحرام لا يصلح سببًا شرعيًّا، لعدم صلاحية المحل لظهور الحكم الشرعي فيه، فزواج المحارم باطل، والدخول في الزنا باطل، وبيع الميتة باطل، والباطل لا يترتب عليه حكم (١). ثانيًا: المحرم لغيره: وهو ما كان مشروعًا في أصله، ولكن اقترن به أمر آخر بسبب مفسدة وضرر للناس، فحرمه الشارع لهذا السبب، مثل الصلاة في ثوب مغصوب، والبيع وقت النداء لصلاة الجمعة، وصوم يوم العيد، وزواج المحلِّل، والصلاة بدون طهارة، فإن الصلاة في الأول مشروعة وواجبة على المكلف، ولكن لما اقترن بها المنكر، وهو الانتفاع بالثوب المغصوب، أصبحت محرَّمة بسببه، والبيع مشروع ومباح، ولكن لما اقترن به منكر وهو الانشغال عن صلاة الجمعة صار محرمًا، ومثله الصوم يوم العيد، وزواج المحلِّل، وصوم الوصال، والغش في البيع. وينظر العلماء إلى المحرم لغيره من جهتين، فمن جهة أصله فهو مشروع لعدم وجود المفسدة والمضرة فيه، ومن جهة ما اقترن به فهو حرام لما يترتب عليه من مفسدة ومضرة وهو أمر خارجي عن المحل أو الفعل، ولذا فقد اختلفت آراء الأئمة في حكم كل مسألة من المسائل السابقة، وانقسموا في تكييف المحرم لغيره إلى قسمين كل منهما يرجح أحد الجانبين على الآخر، وظهر قولان: القول الأول: أن التعاقد على المحرم لغيره يكون فاسدًا لا باطلًا، وهو رأي الحنفية، الذين يفرقون بين البطلان والفساد، وأن الفساد مرتبة بين البطلان والصحة، وأن العقد الفاسد منعقد ولكنه غير

стр. 335

صحيح، وأنه يجب فسخه، فإن نفذ ترتبت آثاره عليه، ويكون المال خبيثًا. القول الثاني: أن العقد على المحرم لغيره باطل كالعقد على المحرم لذاته، وأنه لا فرق بين الفساد والبطلان، وهما مرتبة واحدة، وهو رأي جمهور الأئمة، قال الآمدي: مذهب الشافعي أن المحرم بوصفه مضاد لوجوب أصله (١)، أي: إن التحريم للوصف كالتحريم للأصل تمامًا. ونتيجة للاختلاف السابق اختلفت الأنظار في حكم كل مسألة محرمة لغيرها، ففرق الحنفية بين الصفة الجوهرية التي يتعلق بها التحريم لغيره ويكون العقد فاسدًا كالربا، وبين الصفة العارضة التي يتعلق بها التحريم لغيره، ويكون حكمها الكراهة فقط، أي: التحريمية، كالبيع وقت أذان الجمعة (٢). وفرق الشافعية بين المحرم لغيره لوصف فيه كالصلاة بدون طهارة وحكمها البطلان، وبين التحريم لأمر خارج عن المحل، وحكمه الصحة مثل الطلاق في زمن الحيض، فهو صحيح لصرف التحريم إلى أمر خارج عن الطلاق وهو ما يفضي إليه من تطويل العدة، وكذا الصلاة في الأوقات والأماكن المنهي عنها (٣). وهذا الاختلاف يرجع إلى مقتضى النهي، وهو ما سنبينه إن شاء اللَّه في مبحثي الأمر والنهي. وينتج عن تقسيم الحرام إلى حرام لذاته وحرام لغيره، بالإضافة إلى الاختلاف في الفساد والبطلان ينتج أمر آخر، وهو جواز استباحة المحرم في بعض الحالات، فالمحرم لذاته يباح بهدف الحفاظ على الضروريات وهي حفظ الدين والمال والنفس والعقل والعرض، فيباح

стр. 336

الخمر للحفاظ على الحياة عند التهلكة، ويرخص بالكفر ظاهرًا للحفاظ على النفس عند الإكراه بالقتل، أما المحرم لغيره فإنه يباح من أجل الحفاظ على الضروريات السابقة، ومن أجل الحفاظ على الحاجيات، وهي التي يؤدي تركها إلى مشقة بالغة على المكلف؛ مثل كشف العورة، فتباح للحفاظ على الحياة أحيانًا، وتباح للطبيب من أجل الاستشفاء من الأمراض، وتخفيف الألم عن المريض (١). المحرم المعيَّن والمخيَّر: ينقسم الواجب باعتبار المطلوب فعله إلى واجب معين كالصلاة وواجب مخير كأحد خصال الكفارة، وكذلك المحرم ينقسم إلى قسمين، محرم معين، وهو جميع المحرمات تقريبًا التي نهى عنها الشارع، ورتب على فاعلها العقوبة، كتحريم قتل النفس وعقوق الوالدين والعبودية لغير اللَّه، ومحرم مخير وهو أن يحرم الشارع أحد الأمرين فقط، فإذا فعل أحدهما أصبح الآخر محرمًا، وأن المكلف له أن يفعل عدة أشياء إلا واحدًا منها (٢)، وهذا القسم محصور وقليل جدًّا، وله عدة أمثلة: ١ - أن يقول رجل لزوجاته: إحداكن طالق، فتحرم واحدة منهن، فإذا عاشر الزوج ثلاثًا فالرابعة محرمة، كما يجوز أن يعين إحداهن للطلاق أيضًا (٣).

стр. 337

٢ - النهي عن الجمع بين الأختين في وقت واحد، فالشريعة أجازت الزواج بكل منهما، لكن إذا تزوج إحدى الأختين حرمت عليه الأخرى، ما لم يطلق الأولى أو تموت، وكذلك الجمع بين المرأة وخالتها والمرأة وعمتها (١). ٣ - نص القرآن الكريم والسنة الشريفة على التخيير في التحريم بين الأم وبنتها، فكل منهما يجوز الزواج منها، ولكن إذا تزوج من إحداهما حرمت عليه الأخرى، وهذا خير مثال للحرام المخير (٢). ٤ - كان العرب يعددون الزوجات بدون حد، وجاء الإسلام وبعضهم عنده عشر زوجات، فقال رسول اللَّه ﷺ لبعض أصحابه: "أمسك أربعًا وطلق سائرهن" (٣)، فتعدد الزوجات زيادة على الأربع زوجات حرام، ولكن لم يعين الشارع المحرمة منهن، وترك الخيار للزوج (٤). الوجوب والحرمة وضدهما (٥): هذه المسألة تتعلق بالواجب والحرام معًا، وقبل الخوض فيها نبين معنى الضد والنقيض من جهة، ونذكر اتفاق العلماء في بعض حالاتها

стр. 338

من جهة أخرى، ثم نحرر محل النزاع ونبين الآراء في ضد الواجب وضد الحرام. أولًا: تعريف الضد والنقيض: الضد يغاير النقيض، والنقيضان هما الأمران اللذان أحدهما وجودي، أي تحقُّق ووقوع ووجود، والآخر عدمي، فلا يجتمعان ولا يرتفعان، مثل الوجود وعدم الوجود، والقعود وعدم القعود، أما الضدان فهما الأمران الوجوديان اللذان لا يجتمعان، وقد يرتفعان، مثل البياض والسواد؛ فإنهما لا يجتمعان في شيء واحد في وقت واحد، ولكن قد يرتفعان ويأتي بدلهما لون الصفرة أو الحمرة. وبما أن الضد مغاير للنقيض فالواجب له ضد أو أكثر، وله نقيض واحد، فضد الواجب هو الأمر الوجودي المنافي له الذي لا يمكن تحقق الواجب معه، ونقيضه هو تركه وعدم فعله. والمثال يوضح ذلك، الصلاة واجبة، وضد الصلاة هو الأكل أو الشرب أو النوم، لأنها أمور منافية لها، ولا توجد الصلاة معها، أما نقيض الصلاة فهو تركها وعدم الإتيان بها (١). ثانيًا: حكم نقيض الواجب والحرام: اتفق العلماء على أن نقيض الواجب منهي عنه وحرام، لأن الأمر بالشيء يدل على طلب الشيء من جهة، ومنع تركه من جهة أخرى، والمنع من الترك هو النهي عن الترك أو هو الحرام، ويأخذ نقيض الواجب حكم مقدمة الواجب، لأنه لا يتم الواجب إلا بتركه، فهو واجب. فالترك نقيض الطلب فيكون الترك منهيًا عنه، ومن هنا عرف بعض

стр. 339

الأصوليين الواجب بأنه طلب الفعل مع المنع من الترك، ويظهر أن الترك، وهو المنع من النقيض، جزء من الواجب، والطلب الدال على الكل يدل على الجزء (١)، فالتربص بالعدة واجب لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٨٢٢]، ونقيضه وهو عدم التربص والزواج من آخر، حرام، واجتمع الأمر بالشيء والنهي عن نقيضه في آية واحدة، فقال تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وكذلك فإن نقيض الحرام واجب، فالزنا حرام، وتركه واجب، وشرب الخمر حرام، وتركه واجب، وكتمان المرأة ما يتعلق بعدتها حرام؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وإظهاره واجب. ثالثًا: حكم ضد الواجب وضد الحرام: اتفق العلماء على أن الواجب إذا كان له ضد واحد فهو حرام، مثل الإيمان وضده الكفر، فإيجاب الإيمان يقتضي حرمة الكفر (٢). واختلف العلماء في الخطاب الذي يتعلق بالإيجاب إذا كان له عدة أضداد، هل يدل على حرمة الضد بطريق الالتزام أم لا؟ وصورته هو فعل قم، له مفهومان أحدهما: طلب القيام، والآخر: ترك القعود، فهل طلب القيام هو بعينه طلب ترك القعود، أم لا؟ اختلفوا على عدة أقوال، أهمها اثنان: القول الأول: أن الخطاب بالإيجاب يدل على حرمة الضد بطريق الالتزام (٣)، وأن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده، وأن النهي عن

стр. 340

الشيء أمر بأحد أضداده، وهو رأي جمهور الأشاعرة وبعض المعتزلة (١). واستدلوا على ذلك بأن الإيجاب هو طلب الفعل مع المنع من الترك، فالمنع من الترك جزء من الإيجاب، وهو منهي عنه بطريق التضمن، ويكون الضد منهيًا عنه بطريق الالتزام، لأن الامتناع عن الضد من لوازم وجوب الفعل، وأن الاشتغال بالضد من لوازم الكف عن الفعل (٢). القول الثاني: أن الخطاب الدال على الوجوب لا يدل على حرمة الضد، لا بطريق التضمن ولا بطريق الالتزام، وهو رأي جمهور المعتزلة وبعض الشافعية (٣). واستدلوا على ذلك بأنه لو كان الخطاب الطالب للفعل طلبًا جازمًا يدل على حرمة الضد لكان الآمر متعقلًا للضد ومتصوِّرًا له حتى يحكم بحرمته، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولكن لا يتصور تعقل الضد ومعرفته، وكثيرًا ما يأمر الآمر بالشيء وهو غافل عن الضد الذي

стр. 341

يفوته، ولذا فلا يكون أمره نهيًا عن الضد بأي نوع من أنواع الدلالة. ويعترض على الدليل بأن الآمر هنا هو اللَّه تعالى، واللَّه عالم بكل شيء ولا تخفى عليه خافية، ولا يغفل عن الضد، فبطل الدليل، وأن اتفاق العلماء على أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولو كان الآمر غافلًا عنه، وكذا هنا فإن الوجوب لا يتم إلا بترك ضده، فكان الضد واجبًا (١). والخلاصة الهامة في هذا الموضوع أن ترك الفعل يتحقق بالاشتغال بأي ضد من الأضداد، مثل السرقة والخمر والربا تتحقق بأي ضد كالأكل والشرب والصلاة وقيام الليل والوضوء، أما حصول الفعل المطلوب حتمًا، وهو الواجب، فإنه يتوقف على ترك جميع الأضداد المنافية له، مثال ذلك أن ترك الصلاة يتحقق عند الاشتغال بالأكل أو بالشرب أو بالنوم، ولكن أداء الصلاة يتوقف على ترك جميع الأمور التي تتنافى مع الصلاة، ولذا قال العلماء: إن إيجاب الشيء يقتضي حرمة جميع الأضداد المنافية له، وإن النهي عن الشيء يقتضي وجوب الاشتغال بأي ضد من الأضداد، ولا يقتضي وجوب جميع الأضداد (٢). ويضع صدر الشريعة ضابطًا ومعيارًا لذلك فيقول: والصحيح أن ضد الأمر إن فوَّت المقصود بالأمر، يحرم، وإن فوَّت ضد النهي المقصود بالنهي يجب (٣).

стр. 342

الوجوب والحرمة في أمر واحد: ونختم الكلام عن الحرام بمسألة أخرى يشترك فيها الحرام مع الواجب، وهي هل يجتمع الإيجاب والتحريم في أمر واحد؟ وبتعبير آخر هل يكون الفعل واجبًا وحرامًا معًا؟ إن الواجب والحرام ضدان، والضدان لا يجتمعان في الأمر الواحد باتفاق العقلاء، ولكن اختلفوا في المقصود من الواحد الذي يعتبر محلًا للواجب والحرام، ويتعلق به الإيجاب والتحريم (١)، ويتفرع الكلام حسب الحالات الأربع التالية: الحالة الأولى: إذا كان الفعل واحدًا بالجنس فيجوز أن يتعلق به الواجب والحرام، أو ينقسم إلى واجب وحرام، وتكون القسمة بحسب الأوصاف والإضافات، كالسجود للَّه تعالى، والسجود للصنم، فالسجود الأول واجب والسجود الثاني حرام، ولا تناقض بينهما في تعلق الإيجاب والتحريم في السجود، بقوله تعالى ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: ٣٧]، فلا يلزم من تحريم أحد السجودين تحريم الآخر، ولا من وجوب الثاني وجوب الأول، للتغاير بالشخصية بين السجود للَّه والسجود للصنم (٢).

стр. 343

الحالة الثانية: إذا كان الواحد متعلقًا بشخص واحد، وليس له إلا جهة واحدة فلا يجوز وجوب الفعل وحرمته في آن واحد، لأنه مستحيل، لأن الطلب يتضمن جواز الفعل، وهو يناقض طلب الترك، فيكون تكليفًا بالمحال، ومعنى هذا أن الفعل يجوز تركه ولا يجوز تركه في آن واحد، كوجوب الصلاة على زيد المكلف الصحيح، وحرمة الصلاة عليه في وقت واحد (١). الحالة الثالثة: إذا تعددت الجهة التي يتعلق بها الخطاب، وكانت الجهتان متلازميتن فلا يجتمع الفعل وطلب الترك، لأن الجهتين المتلازمتين ترجعان إلى جهة واحدة، كصوم يوم النحر نذرًا، ففيه مطلق الصوم، والصوم في ذلك اليوم، والمطلق في ضمن المقيد، ومثل الصلاة في الوقت المكروه مكروهة فلا يثاب عليها، وبالتالي فالصوم باطل، والصلاة باطلة عند بعض العلماء، وقال الحنفية: الصلاة والصوم فاسدان، لأن التحريم ورد لأمر عارض، بينما الصلاة والصوم مشروعان بأصلهما، فالصلاة والصوم منعقدان عندهم مع الفساد، وقال بعض الشافعية بصحة الصلاة والصوم لصرف النهي فيهما عن الصلاة والصوم إلى أمر خارج منهما (٢).

стр. 344

الحالة الرابعة: إذا تعددت الجهة، وكانت الجهتان غير متلازمتين كالصلاة في الأرض المغصوبة، فهنا اختلف العلماء في اجتماع الوجوب والحرمة في هذا الفعل على قولين: القول الأول: جواز تعلق الطلب مع تعلق النهي في فعل المكلف، ويصح التكليف به، وهو رأي الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية وأحمد في قول، لأن النهي لأمر خارج عن ذات الفعل فلا يقتضي الفساد، فالصلاة والغصب جهتان منفكتان ولا تلازم بينهما، لإمكان وجود أحدهما دون الآخر، ولتغاير الفعل المحكوم عليه باعتبار اختلاف الجهتين من الغصب والصلاة، فتكون الصلاة في الأرض المغصوبة واجبة بالنظر إلى جهة الصلاة، ومحرمة بالنظر إلى جهة الغصب، ويقيسون ذلك على الأمر لشخص بالخياطة وعدم السفر، فإذا خاط وسافر فهو مطيع في الخياطة عاص في السفر قطعًا، ولأن التغاير بين الشيئين إما أن يكون بتعدد النوع تارة كالإنسان والفرس، وإما بتعدد الشخص تارة كزيد وعمرو، وإما أن يكون باختلاف الصفات في الموضوع الواحد كهذا المثال (١). واحتجوا أيضًا بإجماع السلف على عدم أمر الظالمين عند التوبة بقضاء الصلوات المؤداة في الدور المغصوبة، وعدم نهي الظالمين عن الصلاة في الأراضي المغصوبة (٢).

стр. 345

القول الثاني: عدم تعلق الطلب والنهي في أمر واحد ولو تعددت جهته، وهو مذهب الإمام أحمد وأكثر المتكلمين والظاهرية (١). وقالوا: إن الصلاة لا تصح في الأرض المغصوبة، ولا يسقط الواجب عندها، لأن الصلاة استمرار ومكث في الأرض المغصوبة، وهذا منهي عنه، والمنهي عنه يستحيل أن يكون واجبًا، وإن إقامة الصلاة في المكان المغصوب ليست الإقامة المأمور بها في الصلاة، وإن الفعل الصادر من المكلف واحد، فلا يكون مثابًا عليه ومعاقبًا عليه في آن واحد (٢).

стр. 346

المطلب الرابع في المكروه تعريف المكروه: المكروه لغة: القبيح، من كره الأمر مثل قبح، وزنًا ومعنى، وهو ضد المحبوب، والكريهة الحرب، أو الشدة في الحرب (١). وفي الاصطلاح نذكر تعريفين له، الأول: يتعلق بالذات والماهية، والثاني: يتعلق بالرسم والصفة. التعريف الأول: المكروه هو ما طلب الشارع تركه طلبًا غير جازم (٢). والتعريف واضح بعد ما سبق بيانه في شرح تعريف الحرام، فالمكروه هو الفعل الذي طلب الشارع تركه وعدم القيام به، وكان هذا الطلب بدون حتم ولا إلزام، مما يدل على كراهة الفعل، ورغبة المشرع في الابتعاد عنه.

стр. 347

التعريف الثاني: عرف الإسنوي المكروه فقال: "هو ما يمدح تاركه ولا يذم فاعله" (١). فالمكروه هو ما يستحق تاركه المدح والثناء والأجر والثواب من اللَّه تعالى، أما فاعله فلا يستحق العقاب والذم، وقد يستحق اللوم والعتاب، ومثال المكروه أكل لحم الخيل، وشرب لبنها عند الحنفية، وترك السنن المؤكدة، والصلاة في الأوقات المكروهة، وغير ذلك مما سنذكره خلال البحث. والمكروه يقابل المندوب، ولذا يطلق على ترك المندوب، ويطلق على ترك كل مصلحة راجحة، وقد يطلق المكروه على الحرام، مثل قولهم: يكره التوضؤ بآنية الذهب والفضة، أي: يحرم، وقد يطلق على ترك الأولى (٢). الأساليب التي تدل على الكراهة: ١ - اللفظ الصريح بالكراهة، وما أشبهها من الألفاظ التي تصرح بعدم الاستحسان، مثل قوله ﷺ : "إن اللَّه كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" (٣)، وقوله ﷺ : "أبغض الحلال إلى اللَّه الطلاق" (٤).

стр. 348

٢ - أن ينهى الشارع عنه نهيًا مقترنًا بما يدل على صرفه إلى الكراهة، مثل قوله تعالى في كراهة السؤال عن المباح خشية أن يحرم على المؤمنين: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، والقرينة التي صرفت النهي عن التحريم إلى الكراهة هي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ [المائدة: ١٠١]. ٣ - أن يطلب الشارع اجتنابه وتركه مع القرينة التي تدل على الكراهة دون التحريم، مثل قوله تعالى في كراهة البيع وقت النداء لصلاة الجمعة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] قال الحنفية: القرينة على صرف الطلب من التحريم إلى الكراهة أن البيع مشروع ومباح في أصله، وإنما كره لأنه يشغل عن الصلاة. ونلاحظ أن الأساليب التي تفيد التحريم والكراهة واحدة تقريبًا وتشترك فيما بينها، فإن طلب الشارع الكف عن أمر، أو جاء النهي عامًّا، أو طلب الاجتناب مطلقًا، كان الفعل حرامًا، وإن وجدت القرينة التي تصرفه عن الحرمة كان مكروهًا، ومن القرائن اللفظية والنصية ترتيب العقوبة على الفعل أو عدم ترتيبها (١). حكم المكروه: إن الفعل المكروه يشتمل على بعض المفاسد، ولذا ترجح طلب تركه على طلب فعله، ولكنه لم يصل إلى درجة الحرام، وإن فاعله لا يستحق العذاب والعقاب في الدنيا والآخرة، وقد يستحق اللوم والعتاب على فعله، لقوله ﷺ : "فمن رغب عن سنتي فليس

стр. 349

مني" (١)، وتارك المكروه يمدح ويثاب إذا نوى به التقرب إلى اللَّه تعالى. ويتفرع عن بحث المكروه عدة أحكام هي: ١ - اختلف العلماء في المكروه، هل هو منهيٌّ عنه أم لا؟ كما اختلفوا في المندوب هل هو مأمور به أم لا؟ والجمهور على المكروه منهي عنه حقيقة، خلافًا للحنفية، كما أن المندوب مأمور به، والأدلة واحدة، والخلاف واحد، وقد سبق الكلام عنه في المندوب (٢). ٢ - اختلف العلماء في المكروه هل يعتبر حكمًا تكليفيًّا أم لا؟ ذهب الجمهور إلى أنه ليس تكليفًا، لأن تركه ليس إلزامًا، ولا كلفة فيه، وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني: إنه تكليف، والأدلة نفسها التي سبقت في المندوب (٣). وخلاصة القول: إن المكروه مع المحرم كالمندوب مع الواجب. ٣ - إن الحنفية يقسمون المكروه إلى قسمين، مكروه تحريمي ومكروه تنزيهي، والمكروه التحريمي هو ما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا بدليل ظني مثل لبس الحرير والذهب على الرجال الثابت بحديث رسول اللَّه ﷺ : "هذان حرام على رجال أمتي حلٌّ لإناثهم" (٤)، والبيع على بيع الآخر، والخطبة على خطبة غيره، وحكمه أنه إلى الحرام أقرب، وهو قسم من الحرام عند الإمام أبي حنيفة والإمام أبي يوسف، وإن أطلق عليه لفظ المكروه، ويأخذ أحكام الحرام تقريبًا من تحريم

стр. 350

الفعل وطلب الترك واستحقاق العقاب على الفعل، ولكن لا يكفر جاحده. والمكروه التنزيهي هو ما طلب الشارع تركه طلبًا غير جازم، وحكمه مثل حكم المكروه المذكور عند الجمهور سابقًا، وأن فاعله يخالف الأولى في المكروه، مثل الوضوء من سؤر سباع الطير، وأكل لحوم الخيل (١). ٤ - قسم بعض الشافعية المكروه إلى قسمين، بحسب الدليل في النهي، فإن كان النهي غير الجازم مخصوصًا بأمر معين فهو مكروه، مثل قوله ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" (٢)، ومثل النهي عن الصلاة في أعطان الإبل، فإنها خلقت للشياطين (٣)، وإن كان النهي غير الجازم غير مخصوص بأمر معين فيكون فعله خلاف الأولى، كالنهي عن ترك المندوبات وإفطار المسافر في رمضان (٤).

стр. 351

المطلب الخامس في المباح تعريف المباح: المباح لغة: المأذون والمعلن، من باح الشيء ظهر، وأباحه أظهره، والإباحة بمعنى الإظهار وبمعنى الإطلاق والإذن، وأباح لك ماله: أذن في الأخذ والترك، وجعله مطلق الطرفين، وأباح الشيء أحله لك (١). وفي الاصطلاح نذكر تعريفين للمباح -كما أسلفنا في غيره- صع البيان أن المعنى الاصطلاحي لا يخرج عن المعنى اللغوي. التعريف الأول: المباح هو ما خير الشارع المكلف بين فعله وتركه (٢). فالشارع لم يطلب فعل المباح ولم يطلب تركه واجتنابه، فهو مستوي الطرفين، ويعترض على هذا التعريف بأنه غير مانع، فيدخل فيه

стр. 352

الواجب المخير، فإن كل خصلة منه يخير المرء بين فعلها وتركها، ويدخل فيه الواجب الموسع، لأن المكلف مخير بين الصلاة في أول الوقت أو في تركها (١). ويرد على هذا الاعتراض بأن الواجب الموسع أو المخير مطلوب من الشارع، وبعد طلبه خير المكلف في أجزائه أو في وقته، أما المباح فليس مطلوبًا أصلًا. التعريف الثاني: عرف الشوكاني المباح بأنه ما لا يمدح على فعله ولا على تركه (٢). فالشارع الكريم قصد تخيير المكلف في الفعل والترك، فما فعله المكلف فهو قصد الشارع، وذلك لتساوي المفاسد والمصالح في المباح، أو لتساوي النفع والضرر فيه، أو لأن الطبيعة البشرية والفطرة الإنسانية والعقل السليم الذي خلقه اللَّه تعالى يتجه نحوه، كإباحة الأكل والشرب وأنواع اللباس والمشي في الطرقات والتمتع بالهواء والوقوف في الشمس، ولذا فإن فاعله لا يستحق المدح وتاركه لا يستحق المدح. وجمع الغزالي وغيره بين التعريفين السابقين فقالوا: المباح ما ورد الإذن من اللَّه تعالى بفعله وتركه، غير مقرون بذم فاعله ومدحه، ولا بذم تاركه ومدحه (٣). ويرادف المباح الحلال والجائز والمطلق (٤).

стр. 353

الأساليب التي تفيد الإباحة (١): ١ - النص الصريح على إباحة الفعل أو التخيير فيه، مثل: افعلوا إن شئتم، أو اتركوا إن شئتم، كقوله ﷺ في الصوم في السفر: "إن شئت فصم وإن شئت فأفطر". ٢ - النص على عدم الإثم على الفعل أو ما في معناه، كعدم الجناح ونفي الحرج، قال تعالى في إباحة الخلع على مال بين زوجين: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال تعالى في إباحة التعريض بالخطبة للمتوفى عنها زوجها في أثناء العدة: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وقال تعالى في إباحة ترك الجهاد على الأعمى وإباحة الأكل من بيت المرء وبيت أبيه وأمه: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النور: ٦١]. ٣ - الأمر بالفعل مع القرينة الدالة على أن الأمر للإباحة وليس للوجوب أو الندب، مثل قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [الأعراف: ٣١]. وقوله تعالى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]. ٤ - الأمر بالفعل بعد حظره، فإنه يفيد الإباحة، مثل قوله تعالى في إباحة الصيد بعد التحلل من الحج: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، وكان محرمًا في أثناء الحج بقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]، ومثل قوله ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا

стр. 354

فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة" (١). وهذا الأسلوب الرابع يرجع إلى ما قبله، وأن الأمر بالفعل بعد حظره قرينة على صرف الأمر للإباحة. ٥ - النص على حل الفعل، مثل قوله تعالى في إباحة الطعام وغيره من الطيبات وإباحة طعام أهل الكتاب: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، ومثل قوله تعالى في إباحة الزواج من غير المحارم: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، وقال تعالى في إباحة معاشرة الزوجة في ليالي رمضان: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ٦ - الإباحة الأصلية للفعل عند عدم الأمر به أو النهي عنه، لأن المقرر في الشريعة الغراء أن الأصل في الأشياء الإباحة، فإن لم يرد نص شرعي في مسألة ما فيكون حكمها الإباحة لاستصحاب الأصل فيها (٢). ٧ - الاستثناء من أشياء محرمة، كقوله تعالى: (حرمت عليكم ... إلا ...﴾. حكم المباح: يظهر حكم المباح من تعريفه، أن فاعله أو تاركه لا يستحق العقوبة ولا الذم ولا العتاب، ولا يستحق الثواب والأجر والمدح، وأن الشارع لم يطلب فعله ولم يطلب اجتنابه (٣)، والأدلة على ذلك ما يلي:

стр. 355

١ - إن حقيقة المباح عند الشارع هو التخيير في الفعل والترك من غير مدح ولا ذم، وعند تحقق الاستواء بين الطرفين والتخيير فيهما فلا يتعلق الثواب والأجر أو الذم والعقاب على الفعل أو الترك. ٢ - إن فاعل المباح لا يعتبر مطيعًا، لأن الطاعة لا تكون إلا على طلب، كما أن تاركه لا يكون مطيعًا، لأن الشارع لم يطلب تركه، وإذا افترضنا أن فاعله مطيع وله الأجر، فيجب أن يكون تاركه مطيعًا وله الأجر، وهذا غير صحيح ولا معقول. ٣ - إن النذر بترك المباح لا يلزم الوفاء به، لأن فعل المباح ليس طاعة، وكذا تركه. ٤ - إن المباح قسم خامس في الحكم التكليفي يختص بالتخيير من الشارع، والمساواة بين الطلب والترك، وعدم تعلق الطاعة به، فلو تعلقت به طاعة كان مطلوبًا، ودخل في الواجب أو المندوب، وخرج عن كونه قسمًا خامسًا، وهو مخالف للإجماع. ويتعلق بحكم المباح أمران: الأول: أن المباحات إذا قَصَدَ بها المكلف وجه اللَّه تعالى، وابتغى مرضاته، وأنه يقوم بها بقصد الطاعة فإنها تنقلب إلى طاعة وعبادة، كالأكل للتقوي على الطاعة والعبادة والعلم والجهاد، ومثل التمتع بأشعة الشمس بقصد تنشيط الجسم ليصبح قويًّا صحيحًا يحبه اللَّه ورسوله: "المؤمن القوي خير وأحب إلى اللَّه من المؤمن الضعيف وفي كل خير" (١). وهذا الموضوع ميزة من ميزات وخصائص الإسلام في توسيع معنى
следующие страницы →