لا يكفر جاحده، ويفسق تاركه إذا تركه استخفافًا.
٣ - الندب: وهو ما طلب الشارع فعله طلبًا غير جازم، كالجمهور.
٤ - الإباحة: وهي التخيير بين الفعل والترك.
٥ - الكراهة التنزيهية: وهي ما طلب الشارع تركها طلبًا غير جازم، كالمكروه عند الجمهور، مثل لطم الوجه بالماء في الوضوء، وصوم يوم الجمعة فقط.
٦ - الكراهة التحريمية: وهي ما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا ولكن بدليل ظني الثبوت أو ظني الدلالة، ويشترك مع الحرام باستحقاق العقاب للفاعل، مثل البيع وقت صلاة الجمعة، والبيع على بيع الأول، وأنكر الإمام محمد هذا القسم، وألحقه مع الحرام، وقال: كل مكروه حرام، بينما اعتبره الشيخان أبو حنيفة وأبو يوسف قسمًا مستقلًا، وقالا: إنه إلى الحرام أقرب، وإذا أطلق المكروه عند الحنفية فهو المكروه تحريمًا (١).
٧ - التحريم: وهو ما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا بدليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة، مثل قتل النفس والزنا.
ثمرة الاختلاف في التقسيم:
وتظهر ثمرة الاختلاف بين الحنفية والجمهور في عدة حالات، أهمها:
١ - قال الحنفية: إذا أنكر المكلف فرضًا أو حرامًا فهو كافر ولو كان متأولًا، لأن الفرض والحرام ثبتا بدليل قطعي الدلالة ولا مجال فيه للتأويل، أما إذا أنكر واجبًا فلا يكفر، مع لزوم العمل للفرض والواجب (٢).
стр. 282
وقال الجمهور: الفرض والواجب مترادفان، ويدلان على تعبير واحد، وهما سيان في حالة الإنكار ولزوم العمل، ومن أنكر الفرض أو الواجب فهو كافر (١).
٢ - إذا ترك المكلف الفرض بطل عمله، عند الحنفية، كما لو ترك المصلي الركوع أو السجود، ولا تبرأ ذمته إلا بالإعادة، أما إذا ترك الواجب فإن عمله صحيح ولكنه ناقص، وعليه الإعادة، فإن لم يعد برئت ذمته مع الإثم (٢)، مثل ترك قراءة الفاتحة في الصلاة، وعند الجمهور يبطل العمل سواء ترك المكلف فرضًا أو واجبًا.
٣ - إن المكروه تحريمًا يعاقب فاعله، ولا يكفر منكره، أما المكروه تنزيهًا فإن فاعله لا يستحق عتابًا ولا ذنبًا ولا إثمًا، لكنه فعل غير الأولى (٣)، وقال الجمهور: المكروه نوع واحد، وفاعله لا يستحق عقابًا لكنه يعاتب، وإن المكروه تحريمًا يدخل في الحرام.
الترجيح:
قبل اختيار أحد القولين نبين الأمور التالية:
١ - إن الجمهور يقسمون المندوب والمكروه إلى درجات كما سنرى ذلك في كل فرع، ويدخلون في المندوب السنة المؤكدة والسنة غير المؤكدة، وفي المكروه خلاف الأولى، دون أن يعتبروا هذه الدرجات أقسامًا جديدة للحكم مع ترتيب بعض الأحكام المختلفة لكل درجة (٤).
стр. 283
٢ - إن التفريق بين الفرض والواجب يترتب عليه نتائج غريبة، فقراءة الفاتحة في الصلاة مثلًا تعتبر فرضًا بالنسبة إلى رسول اللَّه وإلى الصحابي الذي سمع الحديث منه، فإن تركها بطلت صلاته، بينما تعتبر قراءة الفاتحة واجبًا بالنسبة إلى بقية الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولا تبطل الصلاة بتركها لثبوتها بخبر الآحاد (١).
٣ - إن الأحكام الشرعية الثابتة بدليل قطعي الدلالة والثبوت قليلة ومحصورة، وأغلب الآيات الكريمة والأحاديث المتواترة ليست قطعية الدلالة، وإنما تحتمل التأويل، وإن معظم السنة وردت إلينا بطريق الآحاد، وهذا يقلل من وجود الفرض بمعناه الخاص عند الحنفية.
٤ - كثيرًا ما يستعمل الحنفية لفظ الافتراض ويريدون به الإيجاب، أو يستعملون لفظ الإيجاب ويريدون به الافتراض (٢).
٥ - إن الفرق بين لفظي الفرض والواجب في اللغة لا يؤثر ولا يرجح، لأننا بصدد التفريق بين المعاني الاصطلاحية، وليس بين المعاني اللغوية، وإن القرآن الكريم استعمل أحدهما بمعنى الآخر، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، أي: أوجب (٣).
٦ - إن الجمهور يقولون: إن ترك ما ثبت بدليل قطعي يوجب الكفر، وترك ما ثبت بدليل ظني لا يوجبه (٤).
стр. 284
٧ - إن الاختلاف بين الجمهور والحنفية لفظي واصطلاحي، ولا مشاحة في الاصطلاح، قال الآمدي: وبالجملة فالمسألة لفظية (١)، وقال المحلي: وهو أي الخلاف لفظي، أي عائد إلى اللفظ والتسمية (٢)، وجاء في شرح العضد: "والنزاع لفظي"، وقال الشيخ أبو النور زهير: وبذلك يكون غير الحنفية قد رتبوا على القطع والظن ما رتبه الحنفية على كل منهما، فلا خلاف بينهم في المعنى (٣).
لهذه الأسباب فإننا نختار تقسيم الجمهور ونسير عليه في هذا الكتاب، ونتكلم عن كل قسم من أقسام الحكم التكليفي في فرع مستقل، ونبين في كل قسم ما ينطوي تحته من أحكام ودرجات.
والكلام عن الحكم التكليفي يدور على متعَلَّق الحكم وهو فعل المكلف، فإن تعلق الحكم بالإيجاب فالفعل واجب، وإن تعلق بالندب فهو مندوب، وإن تعلق بالإباحة فهو مباح، وإن تعلق بالكراهة فهو مكروه، وإن تعلق بالتحريم فهو محرم (٤)، وهذا ما نفصله في المطالب الخمسة القادمة.
стр. 285
المطلب الأول في الواجب
تعريف الواجب:
الواجب لغة: من وَجَبَ بمعنى ثبت أو سقط أو رجف، يقال: وجب البيع والحق: ثبت ولزم، ووجب الحائط سقط، ووجب القلب رجف (١).
وفي الاصطلاح: عرفه علماء الأصول تعريفات كثيرة، نختار منها تعريفين، الأول: من حيث طلب الفعل وعدم الترك، والثاني: من حيث الثواب والعقاب.
التعريف الأول:
الواجب: هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلبًا حتمًا (٢).
١ - ما: بمعنى الذي، وهي صفة الفعل، لأن الإيجاب إذا تعلق بفعل المكلف فيكون الفعل واجبًا، والفعل يشمل الأحكام الخمسة.
стр. 286
٢ - طلب الشارع فعله: أي القيام به وأداءه، فيدخل في التعريفات الواجب والمندوب، لأن الشارع طلب فعلهما، ويخرج من التعريف المباح، لأن الشارع لم يطلب فعله ولا تركه، ويخرج المكروه والمحرم؛ لأن الشارع لم يطلب فعلهما بل طلب تركهما.
٣ - طلبًا حتمًا: أي طلبًا لازمًا جازمًا من المكلف؛ بحيث لا يسوغ تركه، ويخرج المندوب؛ لأن الشارع طلبه بدون حتم، والطلب اللازم يكون بصيغة تدل عليه، كما سنرى بعد قليل.
فالواجب هو الفعل الذي طلب الشارع القيام به طلبًا جازمًا من المكلف (١).
التعريف الثاني:
الواجب هو ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه (٢).
١ - ما يثاب فاعله: "ما" اسم موصول بمعنى الذي وهي صفة الفعل الواجب، والثواب من اللَّه تعالى للعبد على تنفيذ أوامره والتزام أحكامه، وتطبيق شريعته، فاعله: أي فاعل الواجب، ويدخل في
стр. 287
التعريف الواجب والمندوب، فإن الفاعل يستحق الثواب عليهما، ويخرج المباح والمكروه لأن فاعلهما لا يستحق ثوابًا، ويخرج المحرم لأن فاعله يستحق عقوبة لا ثوابًا.
٢ - ويعاقب تاركه: العقوبة من اللَّه تعالى على المكلف لمخالفة أمره، وارتكاب محارمه، وعصيان شريعته، فالمكلف الذي يترك الواجب الثابت بخطاب اللَّه تعالى يستحق العقاب الذي يثبت عن طريق الشرع فقط، وهذا احتراز عن الحرام، فإن تاركه لا يعاقب بل يثاب تاركه ويعاقب فاعله، وقلنا: ما يستحق تاركه العقاب، بمعنى أنه لو عاقبه اللَّه تعالى لكان مستحقًا له، لاحتمال أن يعفو اللَّه عنه كرمًا منه وفضلًا (١).
والتعريف الأول يتفق مع التعريفات السابقة للإيجاب والندب والكراهة والإباحة والتحريم من حيث الحقيقة والماهية، والتعريف الثاني من حيث العوارض والصفات التي تميزه عن غيره، وتظهر به حقيقته.
وحكم الواجب -كما سبق بيانه- أنه يجب القيام به، ويكفر منكره إذا ثبت بدليل شرعي، وأن فاعله يستحق الثواب وتاركه يستحق العقاب (٢).
الأساليب التي تفيد الوجوب:
يثبت الواجب بخطاب اللَّه تعالى بالاتفاق، ولكن الشارع الكريم استعمل عدة أساليب، يدل كل منها على الطلب الحتمي الذي يفيد
стр. 288
الإيجاب (١)، وذلك لبيان إعجاز القرآن باختلاف الصيغ، حتى لا يكثر تكرار اللفظ الواحد عدة مرات، لأن النفوس تسأم التكرار، والأساليب التي تدل على الواجب بعضها حقيقة، وبعضها مجاز، وأهمها هي:
١ - فعل الأمر، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤].
٢ - المصدر النائب عن الفعل، مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]، فلفظ ضرب مصدر ناب عن فعل الضرب.
٣ - الفعل المضارع المقترن بلام الأمر، مثل قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧].
٤ - اسم الفعل، مثل مَهْ وعليكم، مثل قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، أي الزموا أنفسكم، وقوله ﷺ : "مَهْ، عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن اللَّه لا يمل حتى تملوا" (٢).
٥ - التصريح بلفظ الأمر، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
٦ - أساليب اللغة العربية الأخرى التي تستعمل للدلالة على الطلب الجازم مجازًا، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧].
стр. 289
٧ - ترتيب العقوبة من اللَّه على تارك الفعل، أو التهديد بها أو الوعيد الشديد على تاركه، سواء كانت العقوبة في الدنيا أو في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة، مثل قوله ﷺ : "من وجدَ سَعَةً ولم يضح فلا يقرب مسجدنا" (١)، فهذا الوعيد لا يكون إلا بترك الواجب، فالأضحية واجبة عند البعض كالحنفية.
٨ - التصريح بلفظ وجب ويجب، وفرض، مثل قوله ﷺ عن رمضان: "إن اللَّه فرض عليكم صيامه".
فالإيجاب إما أن يكون بفعل الأمر أو طلب الأمر، وإما أن يكون بصيغة الطلب التي تدل على التحتيم، وإما أن يكون بالعقوبة أو بالتهديد بها على التارك، ويكون فعل المكلف في هذه الحالات واجبًا عليه.
أقسام الواجب:
ينقسم الواجب أربعة تقسيمات باعتبارات مختلفة، فينقسم باعتبار الوقت إلى واجب مؤقت وواجب مطلق، وينقسم باعتبار المقدار المطلوب إلى واجب محدد وواجب غير محدد، وينقسم باعتبار المكلف إلى واجب عيني وواجب كفائي، وينقسم باعتبار الفعل المأمور به إلى واجب معين وواجب مخير، وقد ينقسم القسم الواحد إلى عدة أنواع، وإليك التفصيل:
التقسيم الأول باعتبار الوقت:
ينقسم الواجب من جهة وقت أدائه إلى قسمين واجب مؤقت وواجب مطلق عن التوقيت.
стр. 290
أولًا: الواجب المؤقت:
هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلبًا حتمًا في وقت معين، كالصلاة وصوم رمضان والحج.
فالوقت جزء من الواجب، ولا يلتزم المكلف بالواجب إلا بعد دخول الوقت، ولا يصح أداؤه غالبًا إلا في وقته المحدد له، بدون تقديم ولا تأخير، فإن قدمه عن الوقت فإنه باطل، وإن أخره عن وقته بدون عذر أثم، ولذا قال العلماء: الواجب في الصلاة واجبان، وللمؤدي أجران، واجب الأداء وواجب الوقت، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النساء: ١٠٣]، وكذا الصيام فمن صام في رمضان فله أجران أجر الصيام وأجر فضيلة الشهر المبارك، ومن فعل الواجب في غير وقته فقد قام بأحد الواجبين وترك الواجب الآخر، وله أجر في الأول ويستحق الإثم على ترك الثاني إذا كان بغير عذر (١).
ثانيًا: الواجب المطلق عن الوقت:
وهو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلبًا حتمًا مطلقًا عن الوقت، مثل الكفارة الواجبة والنذور المطلقة، فمن حلف يمينًا وحنث، أو نذر ولم يقيد نذره بوقت، فليس لفعله وقت معين، فإن شاء كفَّر عن يمينه وأدى نذره فورًا، وإن شاء أخره إلى الوقت الذي يريده، وكذا الحج في العمر عند الشافعية، وقضاء رمضان عند الحنفية (٢).
стр. 291
ويطلق الفقهاء على الواجب المطلق اصطلاح واجب على التراخي، فيجوز للمكلف أن يفعله في أي وقت شاء دون أن يترتب عليه إثم في التأخير، ولا يسمى فعله أداء ولا قضاء (١).
والفائدة من هذا التقسيم أن الأول يثبت في الذمة، فإذا انقضى الوقت ولم يقم المكلف به ثبت في ذمته، وصارت الذمة مشغولة به حتى يقضى، أما الثاني فلا يثبت في الذمة، لأنه لم يمض وقته لأنه غير مؤقت.
ويتفرع عن هذا التقسيم كلام طويل عن الواجب المؤقت، ونذكر ناحيتين فقط، الأولى: من ناحية اتساع الوقت له، والثانية: من ناحية أدائه في وقته أو خارجه.
تقسيم الواجب المؤقت:
ينقسم الواجب المؤقت باعتبارين مختلفين: أ- باعتبار ارتباطه بالوقت. ب- باعتبار فعله والإتيان به.
الأول: ارتباط الواجب المؤقت بالوقت:
ينقسم الواجب المؤقت بحسب ارتباطه بالوقت إلى ثلاثة أنواع: واجب مضيق، وواجب موسع، وواجب ذي شبهين (٢).
стр. 292
أولًا: الواجب المؤقت بوقت مضيق:
هو الواجب المؤقت الذي يستغرق فعله جميع الوقت المحدد له، والوقت معيار له، فلا يسع واجبًا آخر معه من جنسه، مثل الصيام في شهر رمضان، فالصيام يستغرق جميع الشهو، ولا يستطيع المكلف أن يصوم في شهر رمضان تطوعًا أو نذرًا أو قضاء، لأن الوقت بقدر الواجب فلا يزيد عنه ولا ينقص (١)، ووقته سبب لوجوبه، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
الواجب المؤقت بوقت موسع:
وهو الواجب المؤقت الذي يتسع وقته لأدائه ولأداء غيره من جنسه، فالوقت أوسع من الواجب، مثل الصلوات الواجبة المؤقتة بأوقات معينة، فإن وقت كل منها يتسع لأداء الفرض وأداء غيره من الصلوات الأخرى، ويستطيع المكلف أن يصلي في وقت الظهر فرض الظهر وسننه ونوافله وما يرغب من التطوع، وأن يقضي فرضًا آخر عليه (٢).
стр. 293
واتفق العلماء في الواجب الموسع على أن وقته سبب لوجوبه، فوقت دلوك الشمس سبب لوجوب الظهر، ولا تجب الصلاة قبل دخول وقته، لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء: ٧٨].
وذهب جمهور الأصوليين إلى أن جميع وقت الظهر وقت لأدائه، والمكلف مخير في الأداء في أي جزء منه، وأن الشارع وسعه على المكلف، خلافًا للحنفية الذين يرون أن الوقت هو الجزء المتصل بالأداء لعدم إمكان جعل الوقت كله سببًا للأداء، وعدم إمكان تعيين جزء خاص منه، فربط الواجب بوقت الأداء، فإن لم يؤده المكلف انحصر الواجب في الجزء الأخير من الوقت (١).
والواجب الموسع ينقلب إلى واجب مضيق إذا غلب على ظن المكلف العجز عن أداء الواجب طوال وقته، كمن ظن الموت بالإعدام بعد فترة من دخول الوقت، وأنه لن يعيش إلى آخر الوقت الموسع، فيصبح الموسع مضيقًا عليه ويجب أداؤه فورًا، ومثل إذا اعتادت المرأة أن ترى الحيض بعد دخول الوقت بفترة تستطيع فيها الصلاة فيجب عليها الأداء فورًا، وإن أخرت فهي آثمة.
فإن لم يصلِّ المكلف في مثل هذه الحالة ولم يُعدَمْ، أو لم يأت الحيض، ثم أدى الواجب، فاختلف العلماء فيه، فقال أكثرهم: يعتبر
стр. 294
فعله أداء لبيان خطأ ظنه (١)، وقال بعضهم وهو الباقلاني والفراء والحسين: يعتبر فعله قضاء، لأن الوقت صار مضيقًا، فإن أخر فهو قضاء، لكنهم اتفقوا على أنه آثم في التأخير؛ لغلبة الظن بضيق الوقت (٢).
ثالثًا: الواجب المؤقت ذو الشبهين:
وهو الواجب الذي لا يسع غيره من جنسه، ولكن لا يستغرق فعله كل الوقت المحدد له، مثل الحج، فإن أشهر الحج تسع فريضة الحج، ولا تسع حجًّا آخر في نفس العام، ولكن أعمال الحج لا تستغرق جميع أشهر الحج، فيمكن أداء أعمال الحج عدة مرات وقت الحج، ولكن لا يحسبها الشارع إلا حجًّا واحدًا، فيمكن الوقوف في عرفة عدة مرات في يوم عرفة، ويمكن للحاج أن يطوف أكثر من مرة، وأن يسعى مرارًا، وأن يرمي الجمار، وغير ذلك من أعمال الحج، فالوقت يسع الواجب وزيادة من جهة، ولا يسع غيره من جنسه من جهة أخرى، ولذا سمي ذا الشبهين (٣).
ويرى بعض العلماء أن الحج واجب غير مؤقت فهو واجب مطلق، لأنه يجب على المكلف على التراخي طوال العمر، ولكن إذا أراد المكلف أداءه في سنة معينة فهو محدد بأشهر معينة، ومن هنا فالحج واجب ذو شبهين، فهو يشبه الواجب المقيد من جهة، ويشبه الواجب المطلق من جهة أخرى (٤).
стр. 295
فائدة تقسيم الواجب المؤقت إلى مضيق وموسع وذي شبهين:
وينتج عن هذا التقسيم عدة نتائج، أهمها حكم تعيين النية في العبادات، واعتبار الوقت سببًا أو شرطًا في الواجب المؤقت والموسع، ونقتصر على مسألة النية.
اتفق العلماء على أن المكلف يجب أن يعين الواجب الموسع بالنية حين أدائه، وإذا لم يعينه فلا يسقط عنه الواجب الموسع، لأن الوقت يسعه ويسع غيره من جنسه فلا يقع الأداء عن الواجب إلا بالنية كمن صلى أربع ركعات في وقت الظهر، ولم يعين فريضة الظهر، فتقع نفلًا، ولا تبرأ ذمته من الواجب، وإن نوى فريضة الظهر صح أداؤه، وإن نوى تطوعًا وقعت تطوعًا (١).
أما الواجب المضيق فقد اتفق جمهور العلماء على صحة أدائه بالنية مطلقًا سواء عين أم لم يعين، كمن نوى مطلق الصوم في شهر رمضان فيصح صومه ويقع عن رمضان، وأن مجرد النية تنصرف إلى الواجب، لأن الوقت محدد له ولا يسع غيره (٢).
ولكن العلماء اختلفوا في حالة النية المخالفة كمن نوى التطوع أو النذر في رمضان، فقال الحنفية يقع الصوم عن رمضان بالنية المباينة، ولا عبرة لتعيينه المخالف، لأن وقت الواجب المضيق متعين له، ولا يسع غيره من جنسه، فينصرف الفعل إليه عند الإطلاق، وأن النية المخالفة باطلة، لأنها تخالف تعيين الشارع، فيقع الفعل أيضًا عن
стр. 296
الواجب المضيق، وبعبارة مختصرة قال الحنفية: الواجب المضيق يختلف عن الواجب الموسع (١).
وقال جمهور العلماء: لا تصح النية المخالفة، ولا يقع الصوم عن رمضان (٢)، لأن المكلف قصد صيام النفل، وصرح بهذه النية، وجاهر بعدم رغبته في صوم رمضان، فإن صحت النية فتقع عن النفل، وإن بطلت وقع الفعل بدون نية فلا قيمة له، لأن النية شرط أساسي في العبادات (٣)، لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (٤)، وأن الفعل إن كان عن رمضان مع نية غيره فيكون الصوم جبرًا على المكلف، وهذا ينافي صحة الأداء (٥).
ورجح المحققون في المذهب الحنفي رأي الجمهور، وأن الحق معهم للحديث السابق (٦).
أما الواجب المؤقت ذو الشبهين فإنه يقع صحيحًا بمطلق النية كالواجب المضيق، كمن نوى الحج مطلقًا ولم يبين أنه الفريضة أم النفل فإنه يقع عن الواجب، لأن الغالب أن يبدأ الإنسان بما يجب
стр. 297
عليه (١)، وإن نوى التطوع وقصد خلاف الواجب فإن فعله يقع تطوعًا حسب نيته عند الحنفية كالواجب الموسع، وقال الشافعية: ينصرف إلى الفرض (٢)، حتى قال النووي رحمه اللَّه تعالى: "لو تكلف غير المستطيع الحج وقع عن فرض الإسلام، ولو نوى غيره وقع عنه" (٣).
الثاني: أداء الواجب المؤقت:
قلنا: إن الواجب المؤقت هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلبًا حتمًا في وقت معين، وإن الوقت فيه واجب، ويتفرع عن هذا أن المكلف إن قام بالواجب في وقته المحدد له والمعين من قبل الشارع كان فعله أداء، وإن قام به بعد خروج الوقت كان فعله قضاء، وإن أداه في وقته غير كامل، ثم أعاده مرة ثانية في نفس الوقت كان فعله إعادة، وهذا تقسيم للواجب المؤقت باعتبار فعله والإتيان به، فما هو الأداء والقضاء والإعادة (٤)؟.
أولًا: الأداء:
عرف ابن الحاجب الأداء بأنه: فعل الواجب في وقته المقدَّر له شرعًا أولًا (٥).
стр. 298
١ - فعل الواجب: هو تنفيذ الواجب وإيقاعه، ويدخل فيه جميع الواجبات سواء أكانت مؤقتة أم لا، ويخرج منه المباح والمندوب، لأنها ليست واجبة.
وذهب بعض الأصوليين إلى استبدال هذا اللفظ بآخر، وهو فعل العبادات أو فعل المأمورات، ليشمل الأداءُ الواجبَ المؤقت وغيرَ المؤقت، أو الواجب والمندوب (١).
٢ - في وقته: قيد أول يخرج الواجب المطلق الذي ليس له وقت كالنذور والعمرة والكفارات، فإن فعلها يعتبر أداء في جميع الأوقات، أو لا يوصف بأداء ولا قضاء.
٣ - المقدَّر له شرعًا: قيد ثانٍ، أي الوقت المحدد للواجب من الشارع الحكيم، أما إذا حدَّدَ وقتها غيرُ الشارع فلا يعتبر، كما إذا حدد الإمام وقتًا للزكاة، فلا ينطبق هذا التعريف عليه، ويسمى فعل المكلف أداء سواء دفع الزكاة في الوقت أم خارجه (٢).
٤ - أولًا: أي لأول مرة، بأن يؤدي الواجب أداء صحيحًا لأول مرة، فإن أداه مرة ثانية فيعتبر إعادة، وإن فعله ناقصًا، فلا يعتبر ولا تبرأ ذمته منه، ويجب إعادته، هذا إذا كان لفظ "أولًا" حالًا من "فعل الواجب"،
стр. 299
أما إن كان حالًا من الوقت فيكون الأداء في الوقت المحدد له أولًا أي في الوقت الأول، ويخرج الأداء في الوقت الثاني المقدر له شرعًا، مثل قضاء شهر رمضان في نفس العام، فهذا وقت ثان لرمضان عن الشافعية والمالكية (١).
ويُكتفى بوقوع أول الواجب في الوقت المحدد مثل تكبيرة الإحرام عند الحنفية، أو الركعة الأولى من الصلاة عند الشافعية (٢).
ثانيًا: الإعادة:
وهو فعل الواجب في وقته المحدد له شرعًا ثانيًا، بعد سبق الأداء، وعرفه ابن الحاجب بأنه "ما فعل في وقت الأداء ثانيًا لخلل، وقيل لعذر" (٣).
وفائدة الإعادة أن المكلف أدى الواجب ناقصًا عن الوجه المطلوب شرعًا، فإذا أراد جبر هذا النقص فيؤدي الواجب مرة ثانية مستكملًا نقصه، ومستفيدًا من الأجر والثواب في الزيادة، وتقع الإعادة لعذر ولغير عذر، لتحصيل فضيلة مطلقًا زيادة في الثواب، كالجماعة في الصلاة بعد الأداء منفردًا، أو في جماعة ثانية.
стр. 300
والإعادة ليست مرتبطة بالواجب المؤقت، فإن بعض الواجبات المؤقتة لا يمكن فيها الإعادة كالواجب المؤقت المضيق، فلا يجري فيه تعجيل ولا إعادة، لأن وقته لا يتسع إلا للأداء، فإن فات الوقت فهو قضاء، كما أن الإعادة قد تتحقق في الواجب المطلق عن الوقت، كمن صام نذرًا مطلقًا أو صام للكفارة، وارتكب فيه محرمًا، أو أطعم عشرة مساكين في الكفارة وشك في إشباعهم، فأراد الإعادة للاحتياط فيكون فعله إعادة لتدارك الخلل في أداء الواجب المطلق (١)، كما يرى بعض العلماء صحة إعادة المندوب.
ثالثًا: القضاء:
عرفه ابن الحاجب بقوله: هو فعل الواجب بعد وقت الأداء استدراكًا لما سبق له وجوب مطلقًا (٢).
فمتى مضى الوقت المحدد للواجب فقد ثبت في الذمة، ويجب على المكلف قضاؤه، سواء أخره عمدًا أم سهوًا، وسواء أكان متمكنًا من فعله كالمسافر والمريض اللذين يفطران في رمضان، أم غير متمكن شرعًا كالحائض في رمضان، أم غير متمكن عقلًا كالنائم عن الصلاة (٣)، ويدخل في القضاء من مات فحج عنه وليه فإنه يكون قضاء، لأن الحج واجب في العمر، وقد فات العمر (٤).
стр. 301
اتفق الفقهاء على وجوب قضاء الواجبات التي، يؤدها المكلف في وقتها المحدد لها شرعًا، كالصلاة والصيام، سواء أكان عدم الأداء لعذر أم لغير عذر، ثم اختلفوا في دليل قضاء الواجب، فذهب جمهور الأصوليين إلى أن القضاء يثبت بدليل جديد غير دليل الواجب لأن الواجب المؤقت -كما سبق- واجبان، واجب الفعل وواجب الوقت، وطلب فعله يشمل الأمرين أي أداء الواجب في الوقت المحدد، فإذا فات الوقت فلا بد من دليل جديد للإيجاب، لأن الدليل الأول لا يتضمن القضاء، بينما ذهب الحنفية والحنابلة إلى وجوب القضاء بالدليل الذي أوجب الأداء لشغل الذمة به، وأنه لا تبرأ الذمة إلا بالأداء أو القضاء، فشملها الدليل، وتقييده بالوقت للمصلحة في الثواب والأجر في شرف الوقت (١).
ونختم الكلام عن تقسيم الواجب باعتبار الوقت، وأنواع الواجب المؤقت، لننتقل إلى التقسيم الثاني.
التقسيم الثاني للواجب باعتبار المقدار:
ينقسم الواجب من حيث تقديره بمقدار معين أو عدم تقديره من الشارع إلى قسمين: واجب محدد وواجب غير محدد، وذلك أن الواجب إما أن يكون مقدرًا من الشارع بحد معين وهو الواجب المحدد، وإما أن يكون غير مقدر من الشارع وهو الواجب غير المحدد.
أولًا: الواجب المحدد:
وهو الواجب الذي حدد الشارع له مقدارًا معينًا، مثل الزكاة
стр. 302
والصلاة والحدود والكفارات، فقد بيَّن الشارع مقدار الزكاة في كل نوع، وذكر عدد الصلوات وركعاتها، ونص على مقدار الكفارة في اليمين والظهار، وغير ذلك مما حدده الشارع الحكيم، فلا يجوز تغييره (١).
ثانيًا: الواجب غير المحدد:
وهو الواجب الذي لم يحدد الشارع مقداره بل طلبه من المكلف بغير تحديد (٢)، وترك ذلك لأهل الذكر من العلماء وأهل الحل والعقد من هذه الأمة، مثل مقدار التعزير على الجرائم التي نهى الشارع عنها، ولم يحدد مقدار العقوبة لها، لأن القصد تحقيق العدالة، وهذا يختلف بحسب الأشخاص والأزمان والأماكن والظروف، مثل مقدار النفقة الواجبة للزوجة والأقارب، ومثل الإنفاق في سبيل اللَّه وإطعام الجائع والدفع بالتي هي أحسن، والدعوة في سبيل اللَّه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن المقصود فيها سد الحاجة وتحقيق الهدف منها، وهذا يختلف أيضًا باختلاف الأشخاص والأحوال والأماكن.
ويترتب على هذا التقسيم أن الواجب المحدد يثبت دينًا في الذمة، ويجب أداؤه في وقته، أو قضلؤه بعد وقته، أما الواجب غير المحدد فلا يثبت دينًا في الذمة إلا بعد تعيينه من المكلف أو من السلطة المنوط بها التعيين.
ومثال ذلك النفقة الواجبة للزوجة والأقارب، قال الحنفية: إنها واجب غير محدد، وبالتالي فلا تشغل الذمة بها إلا بعد تعيينها من القضاء أو بالتراضي، ولا يحق للزوجة أو القريب أن يطالب بها عن
стр. 303
الفترة التي سبقت القضاء أو التراضي.
وقال الجمهور: إنها واجب محدد بحال الزوج والقريب يسرًا وعسرًا، وبما يكفي لسد الحاجة، ولذا فإنها تثبت في الذمة، وتصح المطالبة بها قبل القضاء أو التراضي، لأن القضاء أظهر مقدارها فقط (١).
والحكمة من هذا التقسيم أنه يعطي نموذجًا من النماذج التي تدل على صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، وأن المشرع الحكيم حدد بعض الواجبات نظرًا لأهميتها، لأنها أمور جوهرية في الحياة لا يصح التنازع فيها ولا الاختلاف عليها، لأنها تمس كيان الأمة في دينها ودنياها، أو لأن العقل البشري يعجز عن بيان المقدار المجدي فيها كعدد الصلوات ومقدار الزكاة والحدود، بينما ترك الشارع الحكيم تحديد بعض الواجبات الأخرى، وخول أهل الذكر بها، ليكون مقدارها متناسبًا مع الظروف والناس والأحوال التي تحيط بصاحبها، ولجريان التطور والتجدد واختلاف البيئات والنفوس (٢).
التقسيم [الثالث] (*) باعتبار المكلف:
ينقسم الواجب من جهة المكلف بأدائه إلى قسمين: واجب عيني وواجب كفائي.
стр. 304
أولًا: الواجب العيني:
وهو ما طلب الشارع فعله من كل فرد من أفراد المكلفين (١)، وسمي واجبًا عينيًا لأن خطاب الشارع يتوجه إلى كل مكلف بعينه، ولا تبرأ ذمة المكلف منه إلا بأدائه بنفسه، ولا يجزئه قيام مكلف آخر به، فلا بد من أدائه من جميع المكلفين كالصلاة والزكاة والحج والوفاء واجتناب الخمر والميسر.
وحكمه أن كل مكلف ملتزم به، وأن ذمته مشغولة به حتى يؤديه بنفسه، فإن قام به فله الأجر والثواب، وإن تركه فهو آثم وعليه العقاب (٢).
ويقصد الشارع من هذا الواجب أمرين: القيام بالواجب من جهة، والتزام كل فرد بعينه به من جهة أخرى (٣).
ثانيًا: الواجب الكفائي:
وهو ما طلب الشارع فعله من مجموع المكلفين، لا من كل فرد بعينه، فإن قام به بعض المكلفين فقد تأدى الواجب وسقط الإثم عن الباقين، وسمي واجبًا كفائيًا لأن قيام بعض المكلفين به يكفي للوصول إلى مقصد الشارع، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورد السلام،
стр. 305
والجهاد واكتساب أنواع العلوم المختلفة وأنواع الصنائع وصلاة الجنازة ... وغيرها (١).
وحكمه أنه يتعلق بكل المكلفين عند الجمهور، فالقادر عليه يقوم بنفسه به، وغير القادر يحث غيره على القيام به، لأن الخطاب موجه لكل مكلف، كقوله ﷺ : "طلب العلم فريضة على كل مسلم" (٢)، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾ [التوبة: ١٢٣]، وإذا قام به بعضهم فقد برئت ذمة الجميع، وإن لم يؤده أحد أثم الجميع، لأن القادر لم يؤده، وغير القادر لم يحث عليه (٣)، وهذا القسم يعطي صورة من صور التضامن في المجتمع المسلم.
وفي قول بعض الأصوليين: إن الواجب الكفائي يتعلق ببعض المكلفين، وهو بعض مبهم أو معلوم عند اللَّه تعالى، ولا نعلمه، أو هو متعلق بالمشاهد لمقتضى الواجب، بدليل أن الواجب يسقط عن الكل بفعل البعض، ولو كان واجبًا على الكل لم يسقط، إلا بفعلهم، وردَّ عليهم الجمهور بأنه لا تلازم بين وجوب الفعل وبين سقوطه، لأن المقصود وجود الفعل في الواقع، وقد وجد، فلم تبق علة الوجوب (٤).
ويقصد الشارع من الواجب الكفائي القيام به فقط دون اعتبار للقائم به، ويتحقق مقصد المشرع متى قام به بعض المكلفين بدون تعيين،
стр. 306
فالمقصود من الواجب الكفائي وجود الفعل، وليس تكليف الأفراد به.
فإذا وجدت هذه الواجبات الكفائية في الأمة فقد تحققت المصلحة المقصودة من تشريعها (١)، قال الإسنوي: لأن فعل البعض كان في تحصيل المقصود منه والخروج من عهدته (٢).
والواجب الكفائي إذا انحصر بشخص واحد صار واجبًا عينيًا ويجب عليه القيام به، مثل وجود عالم واحد للفتوى، وشاهد واحد في القضية، وطبيب واحد في البلدة، وسباح واحد أمام الغريق، ففي هذه الأمثلة تعين الواجب على كل منهم، وصار الواجب الكفائي واجبًا عينيًا عليهم (٣).
كما ينقلب الواجب الكفائي من جهة أخرى إلى واجب عيني على كل مسلم في بعض الحالات، كالجهاد في سبيل اللَّه، فهو واجب كفائي ولكن إذا تعرضت بلاد المسلمين للغزو أو الاعتداء، فيصبح الجهاد واجبًا عينيًا على كل مكلف قادر يستطيع حمل السلاح وحماية الوطن والذود عن حياضه، وإقامة حكم اللَّه وشرعه في الأرض.
التقسيم الرابع باعتبار الفعل المأمور به:
ينقسم الواجب من حيث نوع الفعل المطلوب القيام به إلى قسمين:
واجب معين وواجب مخير.
أولًا: الواجب المعين:
وهو ما طلب الشارع فعله حتمًا بعينه، أي: إن الفعل مطلوب
стр. 307
بعينه، كالصلاة والصيام وثمن المبيع ورد المغصوب (١).
وحكمه وجوب أداء هذا الفعل بعينه، وإن ذمة المكلف لا تبرأ إلا بأدائه، وإن الأمر متعلق بعين الواجب المعين.
ثانيًا: الواجب المخير:
وهو ما طلب الشارع فعله حتمًا من أمور معينة، كأحد خصال الكفارة وحكم الأسرى (٢)، قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، فاللَّه خير الحالف بين الإطعام أو الكساء أو تحرير الرقبة، ومثل قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، فالآية خيرت الإمام بين المن على الأسرى أو أخذ الفداء منهم وأضافت السنة: القتل والاسترقاق.
وحكم الواجب المخيّر أن المكلف بالخيار في أن يخصص واحدًا من الأمور المخير فيها بالفعل، وتبرأ ذمته من الواجب بأداء أي واحد.
وقال جمهور العلماء: إن الواجب المخير منصب على إحدى هذه المأمورات للقطع بصحة القول "أوجبت أحد هذه الأمور" فإن هذا القول لا يوجب جهالة مانعة من الامتثال لحصول التعيين بالفعل، وقال المعتزلة: إن الواجب يتعلق بجميع المأمورات المخير بينها، وفي قول
стр. 308
عندهم: إن الواجب يتعلق بواحد معين عند اللَّه تعالى (١).
والواجب المخير نوعان، نوع يجوز الجمع فيه بين الأمور المخير بينها، كخصال الكفارة، ونوع لا يجوز الجمع بين الأمور المخير بينها، مثل إذا تقدم إلى الخلافة عدة أشخاص فيجب على الأمة اختيار واحد منهم ليكون خليفة، ولا يجوز الجمع بينهم (٢)، قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما" (٣).
وقد يتضيق الواجب المخير من عدة أفعال إلى فعلين مثلًا، أو يتعين بفعل واحد، فالحالف مثلًا مخير في كفارة اليمين بثلاثة أشياء، والآن مخير بين أمرين فقط، وهو الإطعام والكساء، بعد إلغاء نظام الرق عالميًّا، وكذلك فإن تخيير الحاكم في الأسرى تضيق بعد معاهدة جنيف في معاملة الأسرى بمنع القتل ومنع الاسترقاق.
مقدمة الواجب:
ونختم الكلام على الواجب بمسألة أصولية هامة يطلق عليها الأصوليون اصطلاح مقدمة الواجب، أو يعبرون عنها بعبارة "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، وقبل بيان هذه المسألة نقدم تمهيدًا لها في بيان أقسامها.
أقسام مقدمة الواجب:
المقدمة إما أن تكون مقدمة وجوب وهي التي يتعلق بها التكليف بالواجب، أي شغل الذمة به، كدخول الوقت بالنسبة للصلاة، فهو
стр. 309
مقدمة لوجوب الواجب في ذمة المكلف، وكالاستطاعة لوجوب الحج، وحولان الحول لوجوب الزكاة.
وإما أن تكون مقدمة وجود وهي التي يتوقف عليها وجود الواجب بشكل صحيح، أي صحة تفريغ الذمة من الواجب، إما من جهة الشرع، كالوضوء بالنسبة للصلاة، فلا توجد الصلاة الصحيحة إلا بوجود الوضوء، والعدد بالنسبة لصلاة الجمعة، وإما من جهة العقل، كالسير وقطع المسافة للحج (١).
كما تكون المقدمة إما سببًا للواجب، كالبلوغ ودخول الوقت للصلاة والصوم، والصيغة للعتق الواجب بنذر أو كفارة، والاعتداء والقتل للضمان والقصاص، وإما أن تكون شرطًا للواجب كالعقل للتكليف بالواجب، والقدرة للحج، والطهارة للصلاة (٢).
ثانيًا: حكم مقدمة الواجب:
اتفق العلماء على أن مقدمة الوجوب ليست واجبة على المكلف لأنها ليست في مقدوره، مثل دخول الوقت والاستطاعة وحولان الحول (٣).
أما مقدمة الوجود فهي نوعان، نوع لا يقدر المكلف على فعله
стр. 310
فلا يجب عليه، كحضور العدد في صلاة الجمعة، ونوع يقدر المكلف على فعله، مثل صيام جزء من الليل حتى يكون صوم النهار الواجب صحيحًا، ومثل غسل جزء من الرأس، حتى يكون غسل الوجه الواجب في الوضوء صحيحًا، فهذا النوع واجب باتفاق العلماء (١)، وهو المقصود من مقدمة الواجب، وقاعدة "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".
لكنهم اختلفوا في دليل الإيجاب، هل هو نفس دليل الواجب الأصلي، أم هو بدليل جديد؟ أي هل إيجاب الواجب يدل على إيجاب مقدمته أم لا يدل عليها، ولا بد من إيجاب جديد (٢)، اختلفوا على عدة مذاهب نذكر اثنين منها:
الأول: مذهب الجمهور وهو أن دليل الواجب يدل على وجوب المقدمة، سواء أكانت سببًا أم شرطًا، لأن التكليف بالواجب بدون التكليف بمقدمته يؤدي إلى التكليف بالمحال، وهو ممنوع، وأن السعي إلى تحصيل أسباب الواجب واجب، وأن السعي في تحصيل أسباب الحرام حرام، باتفاق، فكان دليل الواجب دليلًا للمقدمة.
الثاني: وهو عكس الأول، وهو أن مقدمة الواجب لا تجب بإيجاب الواجب، وإنما تحتاج إلى إيجاب جديد، لأنه لو وجبت المقدمة بدليل الواجب الأول لوجب التصريح بها، مع أن المقدمة لا يصرح بها، أو لكانت واردة في ذهن المخاطب مع أنه كثيرًا ما يغفل عنها، فإثبات
стр. 311
إيجاب المقدمة لشيء لا يقتضيه الخطاب فيكون باطلًا (١).
وهناك آراء أخرى تفرق بين السبب والشرط، وبين الشرط الشرعي والشرط العقلي وغيره، وذلك أن عدم المشروط عند عدم الشرط إن كان منشؤه الشرع فهو شرط شرعي، كالطهارة بالنسبة للصلاة، وإن كان منشؤه العقل فهو شرط عقلي، مثل ترك ضد من أضداد المأمور به، كالأكل بالنسبة للصلاة، وإن كان منشؤه العادة فهو شرط عادي، كنصب السلم بالنسبة لصعود السطح، وغسل جزء من الرأس بالنسبة لغسل الوجه، فإن غسل الوجه لا ينفك عادة عن غسل جزء من الرأس (٢).
وتفصيل هذا الموضوع دقيق ولا طائل تحته، ولذا نكتفي بهذا الجزء منه، قال الآمدي: وبالجملة فالمسألة وعرة، والطرق ضيقة فليقنع بمثل هذا في المضيق (٣).
فائدة: يقول القرافي رحمه اللَّه تعالى: "الوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما هو متوسط متوسطة" (٤).
стр. 312
المطلب الثاني في المندوب
تعريف المندوب:
المندوب أصله المندوب إليه، وحذف الجار والمجرور تخفيفًا وتسهيلًا، والمندوب في اللغة: المدعو إليه والمستحب، والندب: الدعاء إلى أمر مهم (١)، ومنه قول الشاعر:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا
وفي الاصطلاح: نذكر تعريفين له -كما فعلنا في الواجب- أحدهما: يتعلق بالماهية في دليل الحكم، والثاني: يتعلق في أثر الخطاب بالمدح والذم أو بالثواب والعقاب.
التعريف الأول:
المندوب: هو ما طلب الشارع فعله طلبًا غير جازم (٢).
стр. 313
١ - ما: اسم موصول بمعنى الذي، صفة فعل المكلف، لأن المندوب هو الفعل الذي تعلق به الندب، والندب حكم شرعي يتعلق بأفعال المكلفين، ولفظ "ما" يشمل كل فعل يتعلق به أحد الأحكام الخمسة، ويخرج فعل غير المكلف كفعل اللَّه تعالى، فلا يوصف بالندب والإيجاب.
٢ - طلب الشارع فعله: وذلك بخطاب اللَّه الاقتضائي، ويدخل في التعريف الواجب والمندوب، ويخرج المباح والمكروه والمحرم؛ لأن الشرع لم يطلب فعلها، وتخرج الأحكام الوضعية أيضًا.
٣ - طلبًا غير جازم: يخرج الواجب بأنواعه، لأن الشارع طلبه طلبًا جازمًا، والطلب غير الجازم إما أن يكون صريحًا أو غير صريح، كما سنرى قريبًا.
فالمندوب هو فعل المكلف الذي طلبه الشارع طلبًا غير جازم ولا حتمي.
التعريف الثاني:
عرف البيضاوي المندوب فقال: "هو ما يحمد فاعله ولايذم تاركه" (١).
١ - ما يحمد: ما اسم موصول صفة لفعل المكلف -كما سبق- الحمد لغة: الثناء بالجميل على فعل الجميل، والمراد به هنا الثواب من اللَّه تعالى، ويخرج من التعريف المباح، لأنه لا حمد فيه على الفعل،
стр. 314
ولا حمد فيه على الترك.
٢ - فاعله: قيد أول يخرج المكروه والحرام، فإنه يحمد تاركهما، وحمد الفاعل يدخل فيه الواجب والمندوب.
٣ - ولا يذم تاركه: يخرج الواجب بأنواعه، لأن تارك الواجب مذموم، أما تارك المندوب فلا يذم ولا يعاقب، لأن الشارع تركه بدون جزم.
وأضاف بعض العلماء لفظ "مطلقًا" على التعريف، أي لا يذم تاركه مطلقًا في جميع حالات الترك، لإخراج الواجب المخير، لأن المخاطب لا يذم على تركه في الجملة إذا فعل واحدًا من المأمورات، ولإخراج الواجب الموسع، لأن المكلف لا يذم على تركه في أول الوقت، فالذم في الواجب المخير بترك جميع المأمورات، والذم في الواجب الموسع بتركه حتى فوات الوقت (١)، ويخرج المباح لأنه لا يذم تاركه.
وذهب كثير من الأصوليين إلى اختيار الجمع بين التعريفين في المندوب، فعرفه الآمدي بقوله: "هو المطلوب فعله شرعًا من غير ذم على تركه مطلقًا" (٢).
حكم المندوب:
ويظهر حكم المندوب من التعريف الثاني، وهو أن فاعله يستحق الثواب والأجر من اللَّه تعالى، وتاركه لا يستحق العقاب.
ويطلق العلماء على المندوب أسماء أخرى، كالسنة والنافلة
стр. 315
والمرغب فيه والمستحب والإحسان، قال ابن السبكي: والمندوب والمستحب والتطوع والسنة مترادفة (١)، وخص بعض العلماء لفظ السنة بما واظب عليه رسول اللَّه ﷺ كالوتر، والمستحب بما لم يواظب عليه، والتطوع باختيار بعض الأفعال اقتداء برسول اللَّه ﷺ كاللبس والأوراد (٢).
الأساليب التي تفيد الندب:
الأساليب التي تدل على الندب كثيرة، وأهمها هي:
١ - التعبير الصريح بلفظ يندب أو يسن، مثل قوله ﷺ في رمضان: "سننت لكم قيامه" (٣).
٢ - الطلب غير الجازم، وذلك بأسلوب الأمر السابق المقترن بقرينة لفظية تصرف الأمر عن الوجوب إلى الندب، وقد تكون القرينة قاعدة شرعية عامة، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ فلفظ ﴿اكتبوه﴾ أمر يقتضي الوجوب، وصرف من الوجوب إلى الندب بقرينة لاحقة في الآية بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فكتابة الدَّيْن مندوب، لأن الدائن إن وثق بمدينه فلا حاجة لكتابة الدين عليه، ومثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، فلفظ كاتبوهم أمر بمكاتبة العبد ليصبح حرًّا فيما بعد، ولكن هذا
стр. 316
الأمر يفيد الندب للنص على القرينة بعده ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فعلق الكتابة على علم المالك بأن الكتابة خير للعبد، ولوجود قرينة أخرى وهي قاعدة عامة في الشريعة أن المالك له حرية التصرف في ملكه، وأول الآية نصت على ثبوت الملك له ﴿مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مما يدل على أن الأمر مصروف من الإيجاب إلى الندب (١).
٣ - عدم ترتيب العقوبة على ترك الفعل، مع طلبه من الشارع، كقوله ﷺ : "إن اللَّه يحب أن تؤتى رخصه كما يجب أن تؤتى عزائمه" (٢)، فالحديث لم يرتب عقوبة على ترك الرخصة.
٤ - مواظبة الرسول ﷺ على الفعل في معظم الأحيان، وتركه في حالة أو في بعض الأحيان، ليدل على عدم العقاب على الترك، كالسنن المؤكدة قبل صلاة الفرض أو بعدها.
٥ - الأساليب العربية الأخرى التي تدل على عدم الإلزام وعدم التحتيم (٣)، مثل قوله ﷺ : "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" (٤) ومثل قوله: "إن اللَّه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" (٥)، وقوله: "إن اللَّه جميل يحب الجمال" (٦).
فهذه الأحاديث تدل على طلب الفعل، ولكن بدون إلزام ولا تحتيم، وبدون ترتيب العقوبة على التارك، وإنما اقتصر الطلب على التحبيب وبيان الفضل والترغيب في الفعل.
стр. 317
هل المندوب مأمور به:
بما أن الندب يستفاد من صيغة الأمر المصحوب بقرينة صارفة عن الإيجاب إلى الندب، فيتفرع عن ذلك مسألة هامة، وهي هل المندوب مأمور به أم لا؟
اتفق العلماء على كون المندوب مأمورًا به، ثم اختلفوا في طبيعة هذا الأمر على قولين:
القول الأول: أن المندوب مأمور به حقيقة، وهو رأي الجمهور من الشافعية والحنابلة وقول عند المالكية والمحققين من الحنفية (١)، واستدلوا على ذلك بما يلي:
١ - إن فعل المندوب يسمى طاعة، والطاعة تكون من امتثال أمر اللَّه تعالى لعباده، فكان المندوب مأمورًا به.
واعترض ابن عبد الشكور على الدليل فقال: الطاعة تكون في الأمر وتكون في الندب، فلا يكون الندب مأمورًا به (٢).
٢ - إن الأمر ينقسم لغة إلى قسمين أمر إيجاب وأمر ندب، وكما أن الواجب مأمور به، فكذلك يكون المندوب مأمورًا به.
واعترض على الاستدلال بأن الأمر ينقسم عند أهل اللغة إلى أمر تهديد وأمر إباحة أيضًا، والتهديد والإباحة ليس مأمورًا بهما باتفاق، فيكون الندب كذلك ليس مأمورًا به حقيقة (٣).
стр. 318
٣ - المندوب مطلوب كالواجب، ولكن الواجب مطلوب مع ذم تاركه، والمندوب مطلوب من الشارع مع عدم ذم تاركه، والطلب أمر من الشارع، فالمندوب مأمور به.
القول الثاني: أن المندوب ليس مأمورًا به حقيقة، وإنما هو مأمور به مجازًا، وهو رأي بعض الحنفية، كالكرخي والرازي، وأخذت به كتب الحنفية، واستدلوا على ذلك بما يلي:
١ - لو كان المندوب مأمورًا به حقيقة لكان تركه معصية، والمعصية معاقب عليها لمخالفة الأمر، مع أن العلماء اتفقوا على أن ترك المندوب لا يكون معصية، وأن التارك لا يعاقب فاعله، ولا يذم -كما سبق في حكمه- فكان المندوب مأمورًا به مجازًا فقط (١).
ويعترض الغزالي عليهم بأن الندب اقتضاء لا تخيير فيه، لأن التخيير عبارة عن تسوية بين أمرين، فإذا رجح جهة الفعل بربط الثواب به ارتفعت التسوية والتخيير، واللَّه تعالى يقتضي من عباده ما فيه صلاحهم، ويقتضي بالندب لنيل الثواب، وأما القول بأن تاركه لا يسمى عاصيًا فسببه أن العصيان اسم ذم مختص بمخالفة أمر الإيجاب، وقد أسقط الذم عن المندوب، ويسمى تاركه مخالفًا وغير ممتثل، كما يسمى فاعله موافقًا ومطيعًا (٢).
٢ - قال رسول اللَّه ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (٣)، فالسواك مندوب، ولم يأمر به الرسول ﵊، ولو أمر به لكان واجبًا.
стр. 319
واعترض عليه بأن الأمر في الحديث محمول على أمر الإيجاب للجمع بين الأدلة، أي: إن الحديث لم يأمر أمر الإيجاب، وهذا الحديث استدل به ابن بدران للدلالة على أن المندوب مأمور به حقيقة (١).
٣ - الأمر حقيقة في لفظ "افعل"، وهذا اللفظ حقيقة في الإيجاب فقط، فالأمر حقيقة في الإيجاب، ولا يكون حقيقة في الندب (٢).
وأرى أن هذا الخلاف لفظي لا طائل تحته، ولا تترتب عليه حقائق عملية في الأحكام بين الجمهور والحنفية، وإنما ذكرناه كنموذج عن البحوث النظرية الكثيرة التي بحثها علماء الأصول، وأطالوا الحديث عنها من الناحية النظرية والفكرية والجدلية.
أقسام المندوب:
يقسم العلماء المندوب إلى ثلاثة أقسام:
أولًا: السنة المؤكدة:
وهي ما يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، ولكنه يستحق اللوم والعتاب، فالفعل مندوب على وجه التأكيد، ويشمل السنن المكتوبة قبل الفرائض أو بعدها، كركعتي الصبح وسنة الظهر وسنة المغرب وسنة العشاء، ومثل المضمضة والاستنشاق في الوضوء.
والضابط لهذا القسم أنه ما واظب عليه النبي ﷺ ولم يتركه إلا نادرًا ليبين جواز الترك، وأنه ليس واجبًا، ويسمى سنة الهدى (٣).
стр. 320
وحكم السن المؤكدة أن صاحبها يستحق الثواب والأجر من اللَّه تعالى، وأن تاركها لا يعاقب، ولكنه يعاتب ويلام، لأن تركها معاندة لسنة رسول اللَّه، وأن ما يتعلق من هذا القسم بالشعائر الدينية كالأذان والجماعة إذا اتفق أهل بلد على تركه وجب قتالهم لاستهانتهم بالسنة (١).
ثانيًا: السنة غير المؤكدة:
وهي ما يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، ولا يستحق اللوم والعتاب، فالفعل مندوب بدون تأكيد، كالصدقة غير المكتوبة، وصلاة الضحى، وسنة العصر قبل الفرض، وصيام الاثنين والخميس من كل أسبوع.
والضابط لهذا القسم أنه ما لم يواظب عليه النبي ﷺ ، وإنما كان يفعله النبي في بعض الأحيان، ويسمى هذا القسم مستحبًا، كما يسمى نافلة (٢).
وحكم السنة غير المؤكدة أن فاعلها يستحق الثواب، وتاركها لا يستحق اللوم والعتاب أو العقاب (٣).
ثالثًا: السنة الزائدة:
وهي ما يثاب فاعلها إن نوى بها متابعة رسول اللَّه ﷺ والتأسي به، ولا شيء على تاركها مطلقًا، وهي أفعال الرسول عليه الصلاة السلام الجبلية التي يفعلها بحكم صفته البشرية مما لا يتعلق بالأحكام الشرعية كالنوم والمشي ولبس البياض من الثياب والاختضاب بالحناء، فهذا