الفهم في التكليف.
٣ - الشرط العادي: وهو ما تكون العلاقة بينه وبين مشروطه ناتجة عن حكم العادة والعرف، كغسل جزء من الرأس لإتمام غسل الوجه، ومثل الغذاء للحيوان أي لحياته، وملاصقة النار للجسم في الإحراق، ومقابلة الرائي للمرئي، وتوسط الجسم الشفاف في الإبصار (١).
٤ - الشرط اللغوي: وذلك في صيغ التعليق، مثل: إنها طالق إن خرجت من البيت، وهذا النوع له حكم السبب (٢).
هل يصح التكليف بالحكم مع فقدان شرطه؟
يبحث علماء الأصول هذه المسألة، ويعبرون عنها بأهم مثال لها، وهو "هل الكافر مخاطب بفروع الشريعة"؟
وصورتها أن الشارع اعتبر الإيمان شرطًا لصحة الصلاة وغيرها من العبادات، فهل يصح التكليف بالصلاة وإيجابها على الإنسان الكافر مع عدم حصول الشرط، وهو الإيمان؟
اتفق العلماء على أن الكفار مخاطبون بالإيمان إجماعًا، وأنهم مخاطبون بالمعاملات، وأنها تطبق عليهم ما داموا قائمين على أرض الدولة الإسلامية، واختلف الفقهاء في تطبيق العقوبات الشرعية عليهم، كما اختلفوا في تكليفهم بالعبادات، وهو موضوع بحثنا، على قولين:
стр. 387
القول الأول: يصح التكليف مع عدم حصول الشرط، والكافر مكلف بالصلاة مع عدم الإيمان، وذلك لأن الكفر مانع من إقامة الصلاة، ولكنه لا يعتبر مانعًا من التكليف، فالكافر يتمكن من إزالة المانع وهو الكفر، ويستطيع الدخول في الإيمان ثم يقيم الصلاة، وهو رأي الجمهور من الشافعية والمالكية والحنابلة وأكثر العراقيين من الحنفية، واستدلوا على ذلك بما يلي:
١ - القياس على الجنب والمحدث، فإنهما مأموران بالصلاة، ومكلفان فيها، بالرغم من وجود المانع من الصلاة، وهو الجنابة والحدث، وذلك لأنهما يتمكنان من إزالة المانع ثم القيام بالصلاة.
فوجود الجنابة والحدث لا يمنع التكليف بالصلاة، وكذلك الكفر أو عدم تحقق شرط الإيمان لا يمنع تكليف الكافر بالعبادات، فالعقيدة الباطلة منعته من الإيمان ويستطيع أن يزيلها ثم يصلي (١).
٢ - وردت عدة آيات تؤكد عقوبة الكافر على ترك الصلاة والزكاة وبقية فروع الشريعة، قال تعالى حكاية عن الكفار يوم القيامة: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٧]، فأخبرنا اللَّه تعالى أن من سبب دخول الكفار الجحيم أنهم تركوا الصلاة، فهذا يدل على أنهم مخاطبون بالصلاة ومكلفون بها، ولو لم يكلفوا بها لما سئلوا عنها، وأن القرآن الكريم جمع بين ترك الصلاة
стр. 388
وهو عبادة وبين إنكار يوم القيامة، وهو عقيدة، وقال تعالى أيضًا مخبرًا عن المشركين: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧)﴾ [فصلت: ٦ - ٧]، فوصفهم بالشرك وترك الزكاة وعدم الإيمان بالآخرة، فكان جزاؤهم العذاب الأليم في جهنم، وهذا يدل على أنهم مكلفون ومخاطبون بالزكاة وبالإيمان معًا، ومحاسبون على الاثنين أيضًا، ومثل قوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦)﴾ [الزمر: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨]، أي فوق عذاب الكفر (١).
القول الثاني: لا يصح التكليف قبل حصول الشرط الشرعي، وإن الإيمان شرط في التكليف، والكافر غير مكلف بالعبادات، وهو رأي الرازي والإسفراييني من الشافعية، والسرخسي وجمهور الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد.
واحتجوا بأن الشارع يشترط الإيمان للعبادة، وهذا يقتضي النهي عن الصلاة بدون إيمان، وأن الصلاة بدونه غير صحيحة، وبالتالي فلا يمكن الامتثال حال الكفر لوجود المانع (٢)، واستدلوا بقوله ﷺ : "الإسلام يجبُّ ما قبله" (٣)، وأن الكافر لا يطالب بإعادة وقضاء الصلاة بعد إسلامه.
ويَرُدَّ عليهم ابن عبد الشكور بأن العاقل يستبعد أن يدَّعي المنافاة
стр. 389
بين التكليف وفقدان الشرط، لأنه يلزم على هذا القول أن يكون المحدث والجنب غير مكلفين شرعًا بالصلاة لوجود المانع من أدائها، وأن عدم الإحرام في الحج مانع من أداء الحج، ولكنه لا يمنع تكليف المسلم المستطيع بالحج ... وهكذا (١).
ويرى الإمام الشاطبي أن الإيمان ليس شرطًا للعبادة والتكليف بالصلاة مثلًا، بل هو العمدة في التكليف، لأن معنى العبادة هو التوجه إلى المعبود بالخضوع والتعظيم بالقلب والجوارح، وهذا فرع الإيمان، فكيف يكون أصل الشيء وقاعدته شرطًا فيه؟ وإذا توسعنا في معنى الشرط فيكون الإيمان شرطًا عقليًّا، وليس شرطًا شرعيًّا، أو هو شرط في المكلف وليس في التكليف (٢).
والنتيجة التي تترتب على قول الجمهور بأنهم مخاطبون بفروع الشريعة كثرة عقابهم في الآخرة، وليس المطالبة منهم بفعل الفروع في الدنيا، ولا قضاء ما فات منها (٣).
قال النووي ﵀: "اتفق أصحابنا على أن الكافر الأصلي لا تجب عليه الصلاة والصوم والحج وغيرها من فروع الإسلام، والصحيح في كتب الأصول: أنه مخاطب بالفروع كما هو مخاطب بأصل الإيمان .. " ثم قال: "وليس هذا مخالفًا لما تقدم، لأن المراد هناك غير المراد هنا، فالمراد هناك أنهم لا يطالبون بها في الدنيا مع كفرهم، وإذا أسلم أحدهم لم يلزمه قضاء الماضي، ولم يتعرضوا
стр. 390
لعقاب الآخرة، ومرادهم في كتب الأصول: أنهم يعذبون عليها في الآخرة زيادة على عذاب الكفر، فيعذبون عليها وعلى الكفر جميعًا، لا على الكفر وحده، ولم يتعرضوا للمطالبة في الدنيا، فذكروا في الأصول حكم طرف، وفي الفروع حكم الطرف الآخر" (١).
стр. 391
المطلب الثالث في المانع
تعريف المانع:
المانع لغة: الحائل بين شيئين، وهو اسم فاعل من منع، والامتناع هو الكف عن الشيء (١).
والمانع في الاصطلاح: هو وصف ظاهر منضبط يستلزم وجوده عدم الحكم أو عدم السبب (٢).
فالمانع معنى معلوم محدد يمنع وجود الحكم، أو يمنع تحقق السبب، وذلك أنه إذا وجد السبب الشرعي، وتحقق شرطه، فلا يترتب المسبب عليه إلا إذا انتفى المانع، لأن المانع يمنع ترتب الحكم على السبب.
وحقيقته أنه يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم (٣).
стр. 392
مثاله: اختلاف الدين والقتل في الميراث، فإذا وجدت الزوجية أو القرابة، وهما سببان للإرث، فلا يتم الميراث إلا إذا انتفى المانع، وهو اختلاف الدِّين أو القتل، والأبوة مانع من القصاص، فإذا وجد القتل وهو سبب للقصاص، وتحقق الشرط وهو العمد والعدوان، فلا ينفذ القصاص إلا إذا انتفى المانع، فإن وجد فلا قصاص.
العلاقة بين السبب والشرط والمانع:
من التعريف والشرح تظهر العلاقة بين السبب والشرط من جهة وبين المانع من جهة أخرى، فالمانع يوجد مع وجود السبب وتوفر الشرط، ويمنع ترتب المسبب على سببه، فالشارع أخبرنا بوجوب الأحكام عند وجود السبب والشرط وانتفاء المانع، وعدم وجوب الأحكام أو عدم وجودها عند انتفاء السبب والشرط أو وجود المانع.
فالمانع عكس الشرط، لأنه يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم، والشرط يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، والمانع عكس السبب أيضًا، لأنه يلزم من وجود السبب وجود المسبب، ومن عدمه عدمه، أما المانع فيلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم.
وقد يلتبس الشرط مع عدم المانع، لأن كلًّا منهما يتوقف عليه وجود الحكم، ولذلك اعتبر بعض العلماء من شروط الصلاة: ترك المناهي من الكلام والطعام وغيرهما، ولكن الإمام النووي ﵀ حقق ذلك، وقال: إنها ليست شروطًا للصلاة، وإنما سميت بذلك مجازًا، وإنما هي مبطلات، لأن الشرط وصف وجودي، وعدم المانع وصف عدمي (١).
стр. 393
أنواع المانع:
ينقسم المانع عدة أقسام باعتبارات مختلفة.
أولًا: أنواع المانع باعتبار تأثيره على الحكم والسبب:
ينقسم المانع في الأصول من حيث تأثيره على الحكم والسبب إلى نوعين:
١ - مانع للحكم لحكمة تقتضي نقيض الحكم، كالأبوة في القصاص، فإنها منعت القصاص مع وجود السبب وهو القتل، وتحقق الشرط وهو العمد والعدوان، ولكن وجد مانع الأبوة فيمنع القصاص، والحكمة أن الأب سبب وجود الابن، وهذا يقتضي ألّا يصير الابن سببًا لإعدام الأب (١)، ومثل ذلك القتل يمنع الإرث.
وهذا النوع ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
أ- المانع الذي لا يجتمع مع الحكم التكليفي، وهو الذي يزيل العقل كالنوم أو الجنون أو الإغماء، فإنها تمنع الخطاب التكليفي، وتكون مانعة للحكم.
ب- المانع الذي يجتمع مع أهلية التكليف، لكن المانع يرفع التكليف مع إمكان اجتماعه، كالحيض والنفاس والجنابة مانعة للصلاة ودخول المسجد، كما أن الحيض والنفاس مانعان للصيام.
ب- المانع الذي يرفع اللزوم في التكليف، ويحوله من طلب حتمي
стр. 394
إلى التخيير، كالمرض المانع من فريضة الجمعة، وإن صلى صحت صلاته، والأنوثة المانعة من صلاة الجمعة، وإن صلت صحت صلاتها (١).
٢ - المانع للسبب لحكمة تخل بحكمة السبب، كالدَّيْن في الزكاة، فهو مانع أبطل سبب وجوب الزكاة، وهو ملك النصاب، لأن مال المدين أصبح كأنه ليس ملكه، لوجود حق الدائنين، ولأن دفع الدين وإبراء الذمة أولى من مساعدة الفقراء والمساكين (٢)، وهذا عند الحنفية والجمهور، خلافًا للشافعية في الجديد.
يقول الآمدي: والمانع منقسم إلى مانع الحكم ومانع السبب، أما مانع الحكم فهو كل وصف وجودي ظاهر منضبط مستلزم لحكمة مقتضاها بقاء نقيض حكم المسبب، مع بقاء السبب كالأبوة في باب القصاص مع القتل العمد والعدوان، وأما مانع السبب فهو كل وصف يخل وجوده بحكمة السبب يقينًا، كالدَّيْن في باب الزكاة مع ملك النصاب (٣).
ثانيًا: أنواع المانع باعتبار مصدره:
إن المانع إما أن يكون سماويًّا كالجنون والعته والنوم، وإما أن يكون مكتسبًا، كالسكر فإنه مانع للتكليف، والقتل فإنه مانع من الإرث.
стр. 395
ثالثًا: أنواع المانع باعتبار تأثيره في الحكم:
ينقسم المانع باعتبار تأثيره في الحكم إلى ثلاثة أنواع:
١ - ما يمنع ابتداء الحكم واستمراره، كالرضاع، يمنع ابتداء النكاح، ويمنع استمراره إذا طرأ عليه.
٢ - ما يمنع ابتداء الحكم فقط، كالعدة تمنع ابتداء النكاح، ولا تبطل استمراره إذا طرأت في أثناء الزواج، كالزوجة التي وطئت غصبًا، أو بشبهة من غير زوجها، فعليها عدة تسمى استبراءً، ولا يبطل زواجها.
٣ - ما اختلف فيه، كالإحرام يمنع ابتداء الصيد، واختلف الفقهاء في أثره إذا طرأ في أثناء الإحرام، هل تجب إزالة اليد عنه أم لا؟ ومثل وجود الماء يمنع ابتداء التيمم، فإن طرأ في أثناء الصلاة، فهل يبطلها فيه قولان واختلاف (١)؟.
رابعًا: أنواع المانع عند الحنفية:
قسم الحنفية المانع إلى خمسة أنواع وهي:
١ - ما يمنع انعقاد السبب، مثل انتفاء المحلية في البيع، فإنه مانع له كبيع الحر.
٢ - ما يمنع تمام السبب في حق غير العاقد، كبيع الفضولي، فالسبب وهو البيع قد تم في حق العاقد، ولا يستطيع إبطاله، ولم يتم العقد في حق المالك لعدم ولاية العاقد عليه، فهو بالخيار بين إجازته أو إبطاله.
٣ - ما يمنع ابتداء الحكم، كخيار الشرط للبائع، فالعقد منعقد في حقهما، ولكن الخيار منع ملكية المبيع للمشتري.
٤ - ما يمنع تمام الحكم، كخيار الرؤية، فالملك ثبت بالعقد، ولكن
стр. 396
لا يتم إلا بعد الرؤية، ويحق لصاحب الخيار أن يفسخ العقد بإرادته.
٥ - ما يمنع لزوم الحكم، كخيار العيب، فالملك ثابت وتام، وللمشتري ولاية التصرف في المبيع، ولكن العيب مانع من لزوم العقد، فالعقد غير لازم، وللمشتري طلب فسخ العقد (١).
стр. 397
المطلب الرابع في الصحيح وغير الصحيح
تعريف الصحيح:
الصحة لغة: حالة طبيعية في البدن تجري أفعاله معها على المجرى الطبيعي، واستعيرت للمعاني، وصح القول إذا طابق الواقع (١).
والحكم الصحيح في الاصطلاح الأصولي: هو ترتب ثمرته المطلوبة منه شرعًا عليه، فإذا حصل السبب، وتوفر الشرط، وانتفى المانع، ترتبت الآثار الشرعية على الفعل، كما إذا أدى المكلف فعلًا من الأفعال، مستكملًا أركانه وشروطه ترتب الأثر الذي وضعه الشارع عليه، كسقوط الواجب وإبراء الذمة في العبادات، وترتب المسبب على السبب، وإقامة المشروط على الشرط، وتحقق الآثار في المعاملات والعقود.
وغير الصحيح: هو الذي لا يترتب على فعله الآثار الشرعية، فإن كان واجبًا فلا يسقط عنه، ولا تبرأ ذمته، وإن كان سببًا فلا يترتب حكمه، وإن كان شرطًا فلا يوجد المشروط (٢).
стр. 398
ومثال ذلك: الصلاة الصحيحة، وهي التي استوفت أركانها وشروطها، وتسقط عن المكلف وتبرأ ذمته، ويكسب بها الأجر والثواب، وإلا فهي غير صحيحة، ويجب إعادتها، وعقد البيع الصحيح هو ما استكمل أركانه وشروطه وترتبت عليه آثاره من نقل الملكية، وإلا فهو غير صحيح، ولا تنتقل الملكية به، والوضوء الصحيح هو ما يصح به أداء الصلاة، وإلا فهو غير صحيح، ويجب إعادته.
وعرف البيضاوي الصحة: بأنها استتباع الغاية (١)، أي طلب الفعل بأن تتبعه غايته، والغاية هي الأثر المقصود من الفعل، واتفق العلماء على أن الغاية من المعاملات هي الانتفاع بكل من العوضين، انتفاعًا مباحًا لا حرمة فيه، واختلفوا في الغاية من العبادات، فقال علماء الأصول: هي موافقة الفعل أمر الشارع، ولو ظنًّا، وقال الفقهاء: إن غاية العبادة هي سقوط القضاء، أي براءة الذمة أمام اللَّه تعالى، فلا يحاسب عليه (٢).
وبناء على هذا المعنى للصحة وعدم الصحة ينقسم الحكم باعتبار اجتماع الأركان والشروط المعتبرة في الفعل وعدم اجتماعها فيه، أو بحسب تحقق الغاية منه، وترتيبها عليه، أو عدم تحققها، إلى حكم صحيح، وحكم غير صحيح، وهو الفاسد والباطل.
هل الصحة الفساد والبطلان من الحكم الوضعي ؟
انقسم العلماء في وصف الصحة والفساد والبطلان، وهل تدخل في الحكم الوضعي أم في الحكم التكليفي؟ على أربعة أقوال:
стр. 399
١ - قال ابن الحاجب: إن الصحة والبطلان أو الحكم بهما أمر عقلي، فالفعل إما أن يكون مسقطًا للقضاء، أو يكون موافقًا أمر الشارع، فالفعل الصحيح بحكم العقل، وإما أن لا يسقط القضاء، أو لا يوافق أمر الشرع فهو باطل وفاسد بحكم العقل (١).
٢ - وقال بعض العلماء: إن الصحة أو الفساد صفة للفعل وليس للحكم، وتدخل في المحكوم فيه، وليس في الحكم، وإنها أوصاف ترد على الأحكام الشرعية سواء كانت تكليفية أو كانت وضعية (٢).
٣ - قال جماعة: الصحة والفساد من الحكم التكليفي، فالصحيح هو المباح، والباطل والفاسد هو المحرم (٣).
٤ - وقال أكثر العلماء: إنهما من خطاب الوضع، بمعنى أنه حكم بتعلق شيء بشيء تعلقًا زائدًا على التعلق الذي لا بد منه في كل حكم، فالشارع حكم بتعلق الصحة بهذا الفعل، وحكم بتعلق الفساد أو البطلان بذلك (٤).
والراجح أن الصحة والفساد من خطاب الوضع، وأن الصحة والفساد في المعاملات من أحكام الوضع باتفاق، لأن المعاملات لا تستتبع ثمراتها المطلوبة إلا بتوقيف من الشارع، وأن ترتب المقصود من العقد يدل على أنه صحيح، وعدم ترتبه عليه يدل على الفساد، فالصحة موافقة الفعل لأمر الشارع على وجه، والفساد عدم موافقة الفعل لأمر الشارع.
وينحصر الخلاف في الصحة والفساد المتعلقين بالعبادات لاختلاف
стр. 400
الغاية منها كما سبق، يقول الكمال بن الهمام: إن ترتب الأمر على الفعل حكم وضعي، ويعني معرفة كون العبادة مسقطة للقضاء أم لا (١).
الصحة وعدم الصحة في العبادات:
اتفق العلماء على أن العبادات الصحيحة هي التي استوفت أركانها وشروطها، وترتبت عليها الآثار الشرعية من براءة الذمة بالأداء.
وأن العبادات غير الصحيحة هي التي فقدت ركنًا أو شرطًا أو أكثر، ويترتب عليها عدم براءة الذمة، ولا فرق فيها بين الفساد والبطلان، باتفاق (٢).
الصحة وعدم الصحة في المعاملات:
اتفق العلماء أيضًا على أن العقود الصحيحة هي التي أقرها الشارع ورتب عليها آثارها، بعد أن تستكمل أركانها وتستوفي شروطها، وأن العقد غير الصحيح هو الذي لم يستوف أركانه وشروطه، ولكنهم اختلفوا في وصف العقد غير الصحيح وتقسيمه على قولين:
القول الأول: أن العقد غير الصحيح قسم واحد، وهو الفاسد أو الباطل، ولا فرق بين الفساد والبطلان في المعاملات كالعبادات، سواء كان الخلل في الركن أو في الشرط والوصف، والفساد والبطلان مترادفان، وهو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة (٣).
стр. 401
القول الثاني: العقد غير الصحيح قسمان، فاسد وباطل، فإن حدث خلل في الركن فهو باطل، ولا يترتب عليه أثر، وإن حدث الخلل في الشرط أو الوصف فيكون العقد قد انعقد بأركانه وترتبت عليه بعض الآثار، ولكنه فاسد، وهو قول الحنفية.
ويكون البطلان والفساد عند الحنفية متغايرين، فالباطل هو الذي لم يشرع بأصله ولا بوصفه كالبيع من الصبي الصغير والمجنون فهو باطل، لأنه اختل ركن من أركانه وهو الصيغة والأهلية فيكون باطلًا ولا تترتب عليه آثاره الشرعية، والفاسد هو ما شرع بأصله لا بوصفه، كبيع الدراهم بالدراهم مع التفاضل وهو الربا، والبيع بثمن مجهول، والزواج بغير شهود، فكل منها فاسد لوجود الخلل الذي يرجع إلى شرط من الشروط أو لورود النهي عن صفة فيه (١).
تعريف الباطل والفاسد:
الباطل لغة: من بطل الشيء إذا فسد وسقط حكمه، ويتعدى بالهمزة فيقال: أبطله، وبطل: ذهب ضياعًا وخسرانًا (٢).
وعرف الأستاذ الزرقا الباطل في الاصطلاح بأنه: تجرد التصرف الشرعي عن اعتباره وآثاره في نظر الشرع (٣).
وهذا المعنى متفق عليه بين العلماء.
والفاسد لغة: تغير الشيء عن الحال السليمة، والمفسدة ضد
стр. 402
المصلحة، ويتعدى بالهمزة والتضعيف (١).
أما في الاصطلاح فقد اختلف العلماء في معنى الفساد على قولين، كما سبق في اختلافهم في غير الصحيح، فقال جمهور العلماء: إن الفساد بمعنى البطلان، وقال الحنفية: الفساد يغاير البطلان، والفاسد قسيم للباطل، فالحكم إما أن يكون صحيحًا أو غير صحيح، وغير الصحيح إما أن يكون باطلًا، وإما أن يكون فاسدًا، وعرفوا الفساد بأنه مرتبة بين الصحة والبطلان، يختل فيها العقد في بعض نواحيه الفرعية، وأنه مشروع بأصله لا بوصفه كبيع مال الربا، أما الباطل فهو ما ليس مشروعًا بأصله ووصفه، فالعقد إما أن يكون صحيحًا أو فاسدًا أو باطلًا (٢).
أساس الاختلاف في الفساد والبطلان:
يرجع الاختلاف في الحكم غير الصحيح وتقسيمه إلى فاسد وباطل، وظهور مرتبة الفساد والبطلان عند الحنفية خلافًا للجمهور، لسببين رئيسيين:
الأول: مقتضى النهي: فقال الجمهور: النهي يقتضي البطلان والفساد، سواء ورد على ذات الأمر وحقيقته أو ورد علي وصف فيه، كما سبق الكلام عنه في أنواع الحرام، وسيرد مزيد تفصيل لذلك في
стр. 403
بحث الأمر والنهي إن شاء اللَّه تعالى (١)، وقال الحنفية: إذا ورد نهي الشارع على ذات الشيء وحقيقته فهو باطل، وإن ورد النهي على وصف في الشيء مع مشروعية الأصل فالنهي يفيد الفساد، ولذا عرفوا الفاسد بأنه مشروع بأصله لا بوصفه، فالربا بيع مع زيادة ومنفعة لأحد العاقدين، والبيع مشروع، والنهي ورد على الوصف الزائد، فكان البيع مع الربا فاسدًا لا باطلًا.
الثاني: الفرق بين الركن والشرط: سبق الكلام عن الفرق بين الركن والشرط، وأن الركن والشرط يتوقف عليهما الشيء، ولكن الركن داخل في الماهية، والشرط خارج عن الماهية، فإذا اختل الركن فالعقد باطل باتفاق العلماء، وإن اختل الشرط فقال الجمهور: العقد باطل وفاسد بمعنى واحد، وقال الحنفية: العقد فاسد لكون الخلل في وصف خارج عن الشيء (٢).
стр. 404
المطلب الخامس في العزيمة والرخصة
هذا هو القسم الخامس للحكم الوضعي الذي اختلف العلماء في اعتباره داخلًا في الحكم الوضعي أو غير داخل على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الرخصة والعزيمة من أقسام الفعل المحكوم فيه، وهو رأي بعض العلماء كابن الحاجب والرازي، وقالوا: إن الفعل الذي يجوز للمكلف الإتيان به إما أن يكون عزيمة أو رخصة (١).
القول الثاني: أن الرخصة والعزيمة من أقسام الحكم التكليفي، وهو رأي بعض العلماء، كصدر الشريعة وابن السبكي والإسنوي وابن عبد الشكور، ونظروا إلى الرخصة والعزيمة كصفة للأحكام التكليفية، فالواجب أو المندوب أو المكروه أو الحرام أو المباح إما أن يكون عزيمة ومطلوبًا، وإما أن يكون رخصة ومخيرًا فيه، ولذا كانت العزيمة والرخصة تابعة للحكم التكليفي (٢).
стр. 405
القول الثالث: أن الرخصة والعزيمة من أقسام الحكم الوضعي، وهو رأي الغزالي والآمدي والشاطبي وصاحب شرح مسلم الثبوت، وذلك أن الأصل في جميع الأحكام أن تكون عزيمة، ولا تنتقل من العزيمة إلى الرخصة إلا لسبب، وهو الضرورة في إباحة المحظور، أو طروء العذر كسبب للتخفيف بترك الواجب، أو دفع الحرج عن الناس كسبب صحيح في بعض عقود المعاملات بينهم، فارتبطت العزيمة بفقدان السبب الشرعي المبيح، وارتبطت الرخصة بوجود السبب المبيح لها فالرخصة في الحقيقة عبارة عن وضع الشارع وصفًا من الأوصاف سببًا في التخفيف، والعزيمة عبارة عن اعتبار مجاري العادات سببًا للجري على الأحكام الأصلية، فكانت الرخصة من أقسام الحكم الوضعي، وهذا القول أخذ به كثير من العلماء، ورأينا ترجيحه والسير على منواله (١).
أولًا: العزيمة
تعريف العزيمة:
العزم لغة: هو القصد المؤكد، قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقال تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] أي حزمًا وتصميمًا. وعزم على الشيء جد واجتهد في أمره، وعزم على الشيء عقد ضميره على فعله، وعزائم اللَّه فرائضه (٢).
وفي الاصطلاح: هي ما شرعه اللَّه لعامة عباده من الأحكام ابتداء (٣).
стр. 406
"ما شرعه اللَّه": أي الأحكام التي شرعها اللَّه تعالى، ولفظ "عامة عباده" قيد يخرج الأحكام الخاصة ببعض المكلفين، وأن العزيمة عامة لجميع العباد ولجميع الأحوال، وتخرج الخصوصية، ولفظ "ابتداء" أي لم تسبق في شريعتنا بأحكام أخرى، وأن العباد مكلفون بها من أول الأمر.
وعرف البيضاوي العزيمة بأنها "الحكم الثابت لا على خلاف الدليل القائم لعذر"، وهذا التعريف للمقابلة مع تعريف الرخصة الآتي بعد قليل، فكل حكم لم يخالف الدليل أصلًا كالأكل والشرب، أو خالف الدليل ولكن ليس بسبب العذر بل بسبب الاختبار مثلًا كالتكاليف، أو خالف الدليل لمانع كإفطار الحائض وترك الصلاة، فهذه كلها عزائم.
ومن التعريفين السابقين نجد أنه لا واسطة بين العزيمة والرخصة، فكل حكم ثبت بالشرع فهو عزيمة، إلا إذا ورد ما يخالفه لعذر فهو رخصة، وسميت الأحكام الأصلية عزيمة لأنها مشروعة ابتداء حقًّا لصاحب الشرع الذي يستحق الطاعة وتنفيذ الأوامر (١).
وذهب بعض الأصوليين في تعريف العزيمة إلى أنها "الحكم الثابت الذي خولف لعذر"، فالعزيمة تقابل الرخصة، وأن الحكم لا يسمى عزيمة إلا إذا ثبت الترخيص فيه لعذر، وتكون الأحكام ثلاثة أقسام: الرخصة والعزيمة عند وجود العذر، والحكم الأصلي الذي لم يتطرأ
стр. 407
إليه هذا الترخيص ولم يحطه عذر، فهو حكم لا يوصف بأنه رخصة ولا عزيمة، وإنما هو حكم شرعي أصلي (١).
ويرجح القول الأول في تقسيم الأحكام إلى قسمين: رخصة وعزيمة، وأن جميع الأحكام الشرعية التكليفية تعتبر عزائم للَّه تعالى، ويكلف العبد بتنفيذها والالتزام بها وتطبيقها، وبذل الجهد والمشقة في المحافظة عليها، واستحقاق الأجر والثواب من اللَّه على فعل الواجبات والمندوبات، واستحقاق الذم والعقاب على فعل المحرمات، فإن طرأ عذر رفع الإثم والحرج والذم والعقاب عن فاعل المحرم، وصار الحكم رخصة له من اللَّه تعالى، ولذا تنسب العزائم إلى اللَّه تعالى، فيقال: عزائم اللَّه تعالى، ويراد بها فرائضه التي أوجبها، وحدوده التي أقامها (٢).
والعزيمة تشمل الأحكام الخمسة التكليفية عند الجمهور، فكل حكم منها هو عزيمة، لأنها من الأحكام التي شرعت ابتداء في الشريعة من غير نظر إلى الأعذار، وتبقى عزيمة ما لم يرد دليل مخالف لها لعذر، سواء كان الحكم الإيجاب أو الندب أو الإباحة أو الكراهة أو التحريم.
وذهب بعض الأصوليين إلى قصر العزيمة على الواجب والمندوب والمباح والمكروه، وقصرها آخرون على الواجب والمندوب، وخصها بعضهم بالواجب والحرام فقط (٣).
стр. 408
أنواع العزيمة:
يدخل في العزيمة الأنواع الأربعة التالية:
١ - ما شرع ابتداء من أول الأمر لصالح المكلفين عامة، كالعبادات والمعاملات والجنايات وجميع الأحكام التي شرعها اللَّه تعالى لعباده لتحقيق المصالح في الدنيا والآخرة، وهذا النوع هو الغالب في الأحكام.
٢ - ما شرع من الأحكام لسبب طارئ اقتضى مشروعيته، كحرمة سب الأنداد والأوثان التي تعبد من دون اللَّه، بسبب ما ينشأ عنها من سب المشركين للَّه ، فحرم اللَّه تعالى سب الأوثان والطواغيت لأنه ذريعة إلى سب اللَّه تعالى، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، ومثله منع استعمال لفظ "راعنا" لما يلتبس به من طعن وغمز ولمز من اليهود إلى رسول اللَّه، فقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾ [النساء: ٤٦]، مع أن الأصل في معنى الكلمة الرعاية، ولكن اليهود والمنافقين كانوا يقصدون منها الرعونة لسب النبي ﷺ ، أخزاهم اللَّه ولعنهم (١).
٣ - ما شرع من أحكام ناسخة لأحكام سابقة، ويصبح المنسوخ كأن لم يكن، والحكم الناسخ هو العزيمة، وهو الحكم الأصلي الذي يعتبر أنه شرع ابتداء لجميع المكلفين، مثل قوله تعالى في نسخ الاتجاه إلى بيت المقدس، وتحويل الصلاة إلى الكعبة، قال تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، ومثل قوله ﷺ :
стр. 409
"كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة" (١).
٤ - الأمر المستثنى من أمر عام محكوم فيه، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فالآية الكريمة حرمت المحصنات بلفظ عام، ثم استثنت منه النساء اللاتي يملكهن الإنسان بالرق، ومثل ذلك ما سبق بيانه في المباح من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾] البقرة: ٢٢٩]، فقد حرم اللَّه تعالى على الزوج أن يأخذ شيئًا مما دفعه إلى زوجته، ثم استثنت الآية الكريمة حال عدم الوفاق وعدم تحقيق أغراض الزواج وانتفاء موضوعه، واحتمال انتهاك حرمات اللَّه فيه، فأباح أخذ المال من الزوجة في سبيل إطلاق، يدها وفسخ عقد الزواج بينهما، وهو الخلع، فيكون عزيمة (٢).
ثانيًا: الرخصة
تعريف الرخصة:
الرخصة في اللغة: التيسير والتسهيل، أو اليسر والسهولة، والرخص ضدّ الغلاء، وفلان يترخص في الأمر إذا لم يستقص، ويتعدى بالهمزة والتضعيف (٣).
وفي الاصطلاح عرفها البيضاوي بأنها: "الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر" (٤).
стр. 410
١ - الحكم: أي الشرعي، وهو جنس يشمل الرخصة والعزيمة.
٢ - الثابت على خلاف الدليل: قيد أول، والثابت إشارة إلى أن الرخصة لا تكون إلا بدليل مع وجود العذر، والدليل هو الدليل الشرعي الصحيح، الذي سبق شرحه في أول الكتاب، سواء أكان هذا الدليل يفيد الإيجاب كصيام رمضان، أو التحريم كتحريم الميتة، أم الندب كترك الجماعة، أم الكراهة أم الإباحة، أي الدليل الذي يثبت به الحكم الأصلي، وهو العزيمة التي سبق بيانها، وتأتي الرخصة على خلاف هذه الأدلة، فيجوز الإفطار في رمضان للمسافر رخصة، ويجوز أكل الميتة للمضطر رخصة، ويجوز ترك الجماعة لمرض رخصة.
وهذه العبارة احتزاز عن الحكم الخاص الذي لا يخالف دليلًا شرعيًّا، لعدم ورود دليل أصلًا، كحل المنافع المباحة من أكل وشرب ولبس مما لم يرد على منعها دليل، فإباحتها لا تكون رخصة، وإنما تبقى مباحة بحسب الأصل، ويحترز أيضًا عن دليل المنع المنسوخ أو المرجوح، فالحكم الثابت على خلافهما لا يعتبر رخصة بل هو عزيمة (١).
٣ - لعذر: قيد ثان، لإخراج ما يستباح لغير عذر، وهذا العذر أعم من الضرورة أو المشقة أو الحاجة، فيشمل الضرورة كأكل الميتة في
стр. 411
المخمصة، والمشقة كالإفطار في رمضان للمسافر، والحاجة كالسلم (١).
ولفظ العذر احتزاز أيضًا عن التكاليف الشرعية، فالأصل عدم التكليف، فإذا ورد التكليف فلا يعتبر ذلك رخصة؛ لأنه ثبت للابتلاء والاختبار، وليس لعذر، واحتراز أيضًا عن وجوب ترك الحائض للصلاة، وغيرهما من الأحكام التي تثبت لمانع وليس لعذر (٢)، والفرق بينهما أن العذر يجتمع مع المشروع كالسفر والمرض مع الصوم، أما المانع فلا يجتمع معه، بل يمنع وجوده أصلًا، كما سبق في تعريف المانع (٣).
وهذه الرخصة التي تثبت على خلاف الدليل لعذر تشمل الأحكام الشرعية الأربعة، وهي: الإيجاب والندب والكراهة والإباحة، وبتعبير آخر تشمل أفعال المكلف التي تتعلق بها الأحكام (٤)، ونضرب مثالًا لكل منها:
١ - الواجب: مثل أكل الميتة للمضطر، فهو واجب عند جمهور الفقهاء (٥).
стр. 412
٢ - المندوب: مثل القصر للمسافر عند الجمهور خلافًا للحنفية، فإنهم يعتبرون القصر عزيمة وليس رخصة.
٣ - المباح: مثل رؤية الطبيب لعورة المرأة أو الرجل، فالنظر في الأصل محرم، ولكنه أبيح لرفع الحرج عن الناس، ومثل الإجارة والمساقاة والسلم، فإنها رخصة مجازية، لأنها عدول عن القياس لعذر، وهو الحاجة إليها، ومثل الجمع بين الصلاتين في غير مزدلفة وعرفة؛ فإنه رخصة عند الجمهور، خلافًا للحنفية الذين يمنعون الجمع إلا في مزدلفة وعرفة (١).
٤ - المكروه: مثل النطق بكلمة الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان، فالنطق بالكفر حرام، وعند الإكراه يجوز النطق بها، مع الكراهة، وإن صبر فأولى كما سنرى، ومثل قصر الصلاة لأقل من ثلاث مراحل عند الشافعية، ومثل الإفطار في رمضان، فإنه خلاف الأولى، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤].
ولا يخطر على البال أن يرخص اللَّه تعالى في أمر وتكون الرخصة حرامًا، فإن اللَّه تعالى لا يشرع الحرام (٢)، ولأن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه يحب أن تُؤتى رُخَصُه، كما يحب أن تؤتى عزائمه" (٣)، وقال لعمار: "إن عادوا فَعُدْ" (٤).
стр. 413
إطلاقات الرخصة:
أطلق الأصوليون الرخصة مجازًا بثلاثة إطلاقات بالإضافة إلى معناها الحقيقي، وهي:
١ - ما استثني من أصل كلي يقتضي المنع مطلقًا دون توقف على عذر، وهو ما يقال له إنه مشروع على خلاف القياس، كالسلم والإجارة والقرض والمساقاة والاستصناع، فالقياس يمنع ويحرم هذه العقود، وشرعت استحسانًا، ويطلق عليها العلماء أنها رخصة، لما تتضمن في مشروعيتها من تسهيل وترخيص وتيسير ورفع للحرج عن الناس (١)، ولما جاء في الحديث: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع الإنسان ما ليس عنده، ورخص في السلم" (٢).
٢ - نسخ الأحكام التكليفية الغليظة التي شدد اللَّه بها على الأمم السابقة، كالقتل لصحة التوبة، والصلاة في مكان العبادة فقط، ودفع ربع المال زكاة، وقطع الثوب إذا أصابته نجاسة، وغير ذلك مما نسخ في شريعتنا (٣)، ودل على النسخ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
٣ - الأحكام التي جاءت توسعة على العباد، كالتمتع بالمباحات، والاستفادة من الملذات، وأكل الطيبات، فإنها رخصة مجازًا، لما يظهر
стр. 414
فيها من معارضة قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢].
فهذه الأنواع تسمى رخصة تجاوزًا أو تسامحًا، ولا تدخل في معنى الرخصة الذي اصطلح عليه علماء الأصول، وتضاف إلى النوعين اللذين نص عليهما علماء الحنفية، وقالوا: إنهما رخصة مجازًا، كما سنرى في الفقرة التالية، فجميع هذه الحالات لا تكون رخصة حقيقية (١).
أنواع الرخصة:
الرخصة مبنية على أعذار العباد، ولما كانت أعذارهم مختلفة فلذلك اختلفت الرخص وتنوعت إلى أربعة أنواع، الأول والثاني متفق عليهما، والثالث والرابع نص عليهما الحنفية واعتبروهما رخصة مجازًا (٢)، وهذه الأنواع هي:
١ - الرخصة في فعل المحظورات، وهي التي تجعل الفعل في حكم المباح، فتسقط المؤاخذة عنه، مع بقاء حكم الحرام فيه، مثل الترخص بكلمة الكفر عند الإكراه على النفس بالقتل أو على قطع عضو من الجسد، والامتناع عن النطق بكلمة الكفر عزيمة، فإن صبر حتى قتل كان مأجورًا، وإن نطق بها فلا يؤاخذ لوجود الإكراه مع ثبوت الإيمان والتصديق بالقلب، ومثله الترخيص للإفطار في رمضان للإكراه، والترخيص بإتلاف مال غيره، ومن اضطره الجوع الشديد والظمأ الشديد
стр. 415
إلى أكل الميتة أو شرب الخمر فيباح له أكلها وشربها.
وحكم هذا النوع -ما عدا الكفر مع الإكراه- ترجيح الأخذ بالرخصة على العزيمة لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، ولأن في الرخصة حفظًا للنفس ولاستيفاء حق اللَّه فيها، ولو أصر على العزيمة وامتنع عن شرب الخمر وأكل الميتة عند الاضطرار والإكراه حتى مات بسببهما أثم بإلقاء نفسه إلى التهلكة (١).
أما الإكراه على الكفر فالأخذ بالعزيمة أولى وأفضل لبقاء المحرم والحرمة، ولو تحمل المكره الإكراه، وامتنع عن الرخصة، وقتل، كان شهيدًا، لأنه بذل نفسه لإقامة حق اللَّه تعالى.
والدليل على ذلك أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من الصحابة، فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ قال: رسول اللَّه، قال: فما تقول فيَّ؟ قال: أنت أيضًا، فخلاه، وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول اللَّه، قال: فما تقول فيَّ؟ قال: إنما أنا أصم، فأعاد عليه ثلاثًا، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ فقال: "أما الأول: فقد أخذ برخصة اللَّه، وأما الثاني: فقد صدع بالحق، فهنيئًا له"، وحصل مثل ذلك مع عمار وخبيب بن عدي وقال رسول اللَّه ﷺ في خبيب: "هو أفضل الشهداء، وهو رفيقي في الجنة (٢) ".
٢ - الرخصة في ترك الواجباب: وهي الرخصة التي تجعل الفعل في حكم المباح مع قيام السبب الموجب لحكمه، ولكن الحكم متراخٍ عن
стр. 416
السبب حتى يزول العذر، فهذا العذر اتصل بالسبب، ومنعه من العمل (١)، مثل إفطار المسافر والمريض في رمضان، فهذا رخصة مع قيام السبب وهو شهود الشهر الثابت، وتراخي الحكم، وهو وجوب الصوم وحرمة الإفطار في أيام أخر، وبما أن السبب قائم فيجوز لهما الصوم، وبما أنه يجب الصوم عليهما على التراخي إلى أيام أخر، فلا يجب عليهما الفدية إذا ماتا قبل وجوب الأيام الأخر.
وحكم هذا النوع جواز الإفطار في رمضان، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ولكن الأخذ بالعزيمة أولى إذا لم يضعفه الصوم، فالصوم في السفر والمرض أفضل من الإفطار، لقوله تعالى في نفس الآية: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] إلا إذا أضره الصوم وأضعفه، أو منعه عن أمر أهم كالجهاد، فيكون الإفطار أفضل، وإن خاف الهلاك يجب الإفطار (٢).
٣ - نسخ الأحكام في الشرائع السابقة: وهي الأحكام التي سقطت عنا، ولم تشرع في حقنا، وكانت في الشرائع السابقة، كاشتراط قتل النفس وقطع الأعضاء في التوبة، وقص موضع النجاسة في الثوب، ودفع ربع المال في الزكاة، وغير ذلك مما خففه اللَّه عنا، ولم يشرع علينا، وجاءت مقابله أحكام ميسرة وسهلة، وهذا النوع رخصة مجازية، لأن الأصل لم يرد في شريعتنا أصلًا، ولا يجوز القيام به ولا العمل بموجبه قطعًا.
стр. 417
٤ - ما سقط عن العباد بإخراج سببه بأن يكون موجبًا للحكم في محل الرخصة، مع كون الساقط مشروعًا في وقت آخر كالقصر في السفر فهو رخصة مجازًا عند الحنفية، ولا تصح العزيمة عندهم (١).
فالنوعان الأول والثاني رخصة حقيقية لثبوت العزيمة المقابلة لها، والعمل فيها، وتسمى عند الحنفية رخصة ترفيه، وقال الحنفية بالنوع الثالث والرابع وأنهما مجازيان للرخصة، ووافقهم الإمام الغزالي على ذلك، ويطلق عليهما اصطلاح رخصة إسقاط، فالترخيص أسقط حكم العزيمة، وصار الحكم الشرعي هو الرخصة (٢).
خاتمة: هل الأفضل الأخذ بالرخصة أم بالعزيمة ؟
اختلف العلماء في ترجيح الأخذ بالرخصة أم بالعزيمة، وكان اختلافهم غالبًا في كل جزئية على حدة (٣)، وجاء الشاطبي وتناول هذا الموضوع بشكل عام، ووازن بين الرخصة والعزيمة، وذكر الأدلة التي ترجح الأخذ بالعزيمة، ثم أتبعها بالأدلة التي ترجح الأخذ بالرخصة، ونستعرض أهمها:
أولًا: أدلة ترجيح العزيمة:
١ - العزيمة هي الأصل الثابت المتفق عليه المقطوع به، أما
стр. 418
الرخصة، وإن كان مقطوعًا بها، لكن سبب الترخيص ظني، وهو المشقة، لأنها ليست منضبطة، وتتفاوت حسب الأشخاص والأحوال.
٢ - العزيمة راجعة إلى أصل كلي في التكليف لجميع المسلمين، وهو أصل عام مطلق على جميع المكلفين، أما الرخصة فإنها ترجع إلى حالة جزئية حسب بعض المكلفين المعذورين، أو بحسب بعض الأحوال والأوقات فالرخصة عارض طارئ على العزيمة، ومن المقرر عند تعارض الأمر الكلي مع الأمر الجزئي، ترجيح الكلي، لأنه يحقق ويقتضي مصلحة عامة.
٣ - الأمر بالمحافظة على التكاليف وتحمل المشاق فيها، وإنْ فُتِح مقابلها باب الرخصة أحيانًا، قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، فوصفهم بالصدق مع حصول الزلزال الشديد والمشقة بالمؤمنين، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠]، وقال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾ [آل عمران: ١٨٦]، وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
٤ - الأخذ بالرخصة قد يصبح ذريعة إلى انحلال العزائم في التعبد، أما الأخذ بالعزيمة فإنه يعوِّد على الثبات في التعبد، والأخذ بالحزم في الأمور، وإن اعتاد الشخص على الرخص صارت كل عزيمة شاقة عليه وحرجة، فيحاول التهرب منها، والخروج من مقتضاها.
٥ - إن الأصل في التشريع هو التكليف، والتكليف فيه كلفة ومشقة على العبد، واقتضت حكمة اللَّه تعالى أن تكون الكلفة حسب طاقة الإنسان وقدرته، وحسب مجرى العادات، فإن ظهرت شدة المشقة والتكليف على بعض الأفراد أو في بعض الحالات فلا تخرج العزيمة
стр. 419
عن قصد الشارع، ولا تؤثر في مقتضى العزيمة، فالأصل البقاء على العزيمة، ولا يخرج عنها إلا لسبب قوي (١).
ثانيًا: أدلة ترجيح الأخذ بالرخصة:
١ - الرخصة ثابتة قطعًا بالشرع كالعزيمة، فإن وجدت المظنة وجد الحكم، لأن الشارع اعتبر الظن في ترتيب الأحكام، وأنه يجري مجرى القطع، فإنْ ظن المشقة الكبيرة والمرض في الصوم فيرخص له الإفطار.
٢ - أن أصل الرخصة وإن كان جزئيًّا فلا يؤثر عليها، لأنها تعتبر كالأمر المستثنى من العزيمة، أو هي من باب تخصيص العام أو تقييد المطلق، والخاص يقدم على العام، والمقيد يقدم على المطلق (٢).
٣ - الأدلة على رفع الحرج عن الأمة بلغت درجة القطع، وأن الشارع يقصد السهولة واليسر للمكلف، مما يدل على أن الرخصة أرجح من التمسك بالعزيمة، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]، وقال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه" (٣)، ولم يُخَيَّر رسول اللَّه ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وقال تعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨].
٤ - أن مقصود الشارع من الرخصة الرفق والتخفيف عن المكلف، فمن أخذ بها فيكون موافقًا لقصد الشارع، وقد نددت الآيات الكريمة
стр. 420
بالتشدد والتكلف في أمور الدِّين، قال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال ﷺ : "هلك المتنطعون" (١)، ونهى عن التبتل في العبادة وقال: "من رغب عن سنتي فليس مني"، وقال ﵊: "إن هذه صدقة تصدق اللَّه بها عليكم فاقبلوا صدقته" (٢).
٥ - إن ترك الترخص مع وجود السبب قد يؤدي إلى الانقطاع عن العمل والسآمة والملل، وهذا لا يجوز شرعًا، وحذر منه رسول اللَّه ﷺ فقال: "خذوا من العمل ما تطيقون، فإن اللَّه لن يمل حتى تملوا" (٣)، ونهى عبدَ اللَّه بن عمرو عن صوم الوصال، وقال عبدُ اللَّه بن عمرو بن العاص حين كبر: "يا ليتني قبلت رخصة رسول اللَّه" وقال ﷺ : "ليس من البر الصيام في السفر" (٤)، وغير ذلك من الآيات والأحاديث.
الترجيح:
لم يرجح الشاطبي ﵀ جانبًا على آخر (٥)، والواقع أن الموضوع يرجع إلى تقدير المشقة والحرج الذي يحصل للمكلف، وإلى اجتهاده الشخصي وطاقته الخاصة وإيمانه وورعه وتقواه.
قال الشيخ الخضري ﵀: إن كل مكلف فقيه نفسه في الأخذ بها، ما لم يجد فيها حدًّا شرعيًّا فيقف عنده، وبيان ذلك أن سبب الرخصة المشقة، والمشقة تختلف بحسب قوة العزائم وضعفها وبحسب
стр. 421
الأفعال، وليس كل الناس في المشاق وتحملها على حد سواء، وإذا كان كذلك فليس للمشقات المعتبرة في التخفيف ضابط مخصوص، ولا حد محدود يَطَّردُ في جميع الناس، ولذلك أقام الشارع في جملة منها المظنة مقام الحكمة، فاعتبر السفر لأنه أقرب مظان المشقة، وترك جملة منها إلى الاجتهاد كالمرض (١).
أما تتبع الرخص عند الأئمة المجتهدين بقصد التشهي والتخفيف والتهرب من التكليف فغير جائز، قال ابن حزم: وطبقة أخرى وهم قوم بلغت بهم رقة الدِّين وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كل قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة من قول كل عالم مقلدين له، غير طالبين ما أوجبه النص عن اللَّه تعالى وعن رسوله ﷺ (٢).
وأخيرًا فإن الفعل الواحد قد يشتمل على الوصف بالرخصة من جهة وبالعزيمة من جهة أخرى، ويتعلق بفعل المكلف حقان: حق اللَّه وحق العبد، فالتيمم مثلًا رخصة بحق العبد للتيسير عند عدم إمكان استعمال الماء، وهو عزيمة بحق اللَّه تعالى، فلا بد من الإتيان به (٣).
إلى هنا ننتهي من الكلام عن الحكم الشرعي، وعن قسميه التكليفي والوضعي، وننتقل إلى الفصل الثاني، وهو الحاكم.
стр. 422
الفصل الثاني في الحاكم
من هو الحاكم:
يطلق لفظ الحاكم على معنيين:
المعنى الأول: أن الحاكم هو واضع الأحكام ومثبتها ومنشئها ومصدرها.
المعنى الثاني: أن الحاكم هو الذي يدرك الأحكام ويظهرها ويعرفها ويكشف عنها (١).
وبناء على ذلك فالحاكم بالمعنى الأول هو اللَّه ﵎، الخالق البارئ المصور، المشرع للأحكام، المنشئ لها، وهو المصدر الوحيد للأحكام الشرعية لجميع المكلفين، فلا شرع في الإسلام إلا من اللَّه تعالى، سواء أكانت الأحكام تكليفية أم وضعية، ولا حكم إلا ما حكم به، هذا باتفاق المسلمين قاطبة، لم يخالف بذلك أحد منهم يؤمن باللَّه ربّا، وبمحمد نبيًّا، وبالقرآن دستورًا، وبالإسلام دينًا.
فمصدر الأحكام كلها حقيقة هو اللَّه ، سواء أظهر هذا
стр. 423
الحكم بالنص الذي أوحى به إلى محمد ﷺ ، أم فيما يتوصل إليه المجتهد بالقياس والدلائل والأمارات التي شرعها اللَّه لاستنباط أحكامه، وليست السنة والإجماع والقياس وبقية المصادر إلا مبيِّنة وكاشفة عن حكم اللَّه تعالى، ولا تعتبر حجة ولا دليلًا إلا لثبوت حجيتها من قبل اللَّه تعالى، فهي سبل ومناهج لمعرفة حكم اللَّه الواحد الأحد (١).
فاللَّه هو المشرع للأحكام، وهو الموجب لها باتفاق، ولذا وضع علماء الأصول القاعدة المشهورة "لا حكم إلا للَّه" (٢)، واتفقوا على تعريف الحكم -كما سبق- بأنه خطاب اللَّه تعالى المتعلق بأفعال المكلفين، فالحاكم هو اللَّه تعالى الذي يصدر عنه الخطاب، وترجع إليه الأحكام.
واستدل العلماء على ذلك بأدلة كثيرة أهمها:
قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧)﴾ [الأنعام: ٥٧]، فالآية الكريمة حصرت الحاكمية باللَّه تعالى، واستعمل القرآن الكريم أداة الحصر لتأكيد هذا المعنى.
قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]، فالآية الكريمة بيَّنت أن الحكم الواجب على المؤمنين هو ما أنزله اللَّه تعالى، وليس ما تميل إليه الأهواء والنفوس والعقول البشرية.
٣ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ
стр. 424
فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧]، فالآيات الثلاث نددت بالحكم بغير ما أنزل اللَّه تعالى، واعتبرت ذلك كفرًا أو ظلمًا أو فسوقًا.
٤ - بين القرآن وجوب الرجوع إلى أحكام اللَّه تعالى في القرآن والسنة عند التنازع وعلق الإيمان عليه، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩].
٥ - نفى القرآن الكريم الإيمان عن الناس حتى يحتكموا إلى أحكام الله تعالى، ويرضوا بذلك وتستسلم نفوسهم لها، فقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
أما المعنى الثاني للحاكم وهو الذي يدرك الأحكام ويظهرها ويعرفها ويكشف عنها فميز العلماء بين حالتين:
الحالة الأولى: بعد البعثة وبلوغ الدعوة: اتفق العلماء على أن الذي يدرك الأحكام الشرعية ويظهرها هو التشريع السماوي المنزل، والحاكم هو الشرع الذي جاء به الرسول، فما أحله اللَّه فهو حلال، وما حرمه اللَّه فهو حرام، وما أمر به الشرع فهو حسن وفيه مصلحة، وما نهى عنه الشرع فهو قبيح وفيه مفسدة، وهكذا، وإن ما ورد بالشرع يلتزم به المسلم، ولا يخرج عنه قيد أنملة، ويسلم بكل ما جاء فيه دون اعتراض، ومن أنكر آية في كتاب اللَّه تعالى أو حكمًا ثبت قطعًا عن اللَّه تعالى فقد خرج عن الإسلام، وكفر باللَّه، والعياذ باللَّه (١).
الحالة الثانية: قبل البعثة، اختلف علماء المسلمين في تحديد الحاكم بالمعنى الثاني قبل البعثة، واختلفوا على دور العقل في ذلك على قولين (٢).
стр. 425
القول الأول: عدم وجود ما يكشف عن حكم اللَّه، وعدم وجود حكم شرعي قبل البعثة، وأن العقل لا يدرك الأحكام بنفسه بدون واسطة الرسل والكتب السماوية، فالحاكم هو اللَّه تعالى، والكاشف هو الشرع، ولم يرد شرع، وهو قول أهل السنة والجماعة.
القول الثاني: أن الحاكم حقيقة هو اللَّه تعالى، ولكن العقل يدرك أحكام اللَّه تعالى ويكشف عنها ويعرفها ويظهرها، قبل ورود الشرع، وهو قول المعتزلة، كما أن العقل يعرف أحكام اللَّه تعالى بعد البعثة فيما لم يرد فيه نص (١).
أساس الاختلاف والنتائج المترتبة عليه:
ويرجع الاختلاف السابق إلى الاختلاف في مسألة الحسن والقبح العقليين، وما يشتمل عليه الفعل من مصلحة ومفسدة، وينتج عن هذا الاختلاف عدة نتائج، أهمها اثنتان:
١ - هل يجب على الإنسان العاقل أن يدرك حسن الأفعال وقبحها، وأن يفعل الحسن ويمتنع عن القبيح؟ وبالتالي فهو محاسب على فعل القبيح، ومثاب على فعل الحسن، وهل يجب على الإنسان أن يشكر اللَّه تعالى بموجب عقله بسبب النعم التي حباه بها من الخلق والرزق والصحة وغيرها أم لا يجب؟