← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17118

الوجيز في أصول الفقه الإسلامي

محمد مصطفى الزحيلي

Полный текст (958 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الأفعال، وليس كل الناس في المشاق وتحملها على حد سواء، وإذا كان كذلك فليس للمشقات المعتبرة في التخفيف ضابط مخصوص، ولا حد محدود يَطَّردُ في جميع الناس، ولذلك أقام الشارع في جملة منها المظنة مقام الحكمة، فاعتبر السفر لأنه أقرب مظان المشقة، وترك جملة منها إلى الاجتهاد كالمرض (١). أما تتبع الرخص عند الأئمة المجتهدين بقصد التشهي والتخفيف والتهرب من التكليف فغير جائز، قال ابن حزم: وطبقة أخرى وهم قوم بلغت بهم رقة الدِّين وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كل قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة من قول كل عالم مقلدين له، غير طالبين ما أوجبه النص عن اللَّه تعالى وعن رسوله ﷺ (٢). وأخيرًا فإن الفعل الواحد قد يشتمل على الوصف بالرخصة من جهة وبالعزيمة من جهة أخرى، ويتعلق بفعل المكلف حقان: حق اللَّه وحق العبد، فالتيمم مثلًا رخصة بحق العبد للتيسير عند عدم إمكان استعمال الماء، وهو عزيمة بحق اللَّه تعالى، فلا بد من الإتيان به (٣). إلى هنا ننتهي من الكلام عن الحكم الشرعي، وعن قسميه التكليفي والوضعي، وننتقل إلى الفصل الثاني، وهو الحاكم.

стр. 422

الفصل الثاني في الحاكم من هو الحاكم: يطلق لفظ الحاكم على معنيين: المعنى الأول: أن الحاكم هو واضع الأحكام ومثبتها ومنشئها ومصدرها. المعنى الثاني: أن الحاكم هو الذي يدرك الأحكام ويظهرها ويعرفها ويكشف عنها (١). وبناء على ذلك فالحاكم بالمعنى الأول هو اللَّه ﵎، الخالق البارئ المصور، المشرع للأحكام، المنشئ لها، وهو المصدر الوحيد للأحكام الشرعية لجميع المكلفين، فلا شرع في الإسلام إلا من اللَّه تعالى، سواء أكانت الأحكام تكليفية أم وضعية، ولا حكم إلا ما حكم به، هذا باتفاق المسلمين قاطبة، لم يخالف بذلك أحد منهم يؤمن باللَّه ربّا، وبمحمد نبيًّا، وبالقرآن دستورًا، وبالإسلام دينًا. فمصدر الأحكام كلها حقيقة هو اللَّه ، سواء أظهر هذا

стр. 423

الحكم بالنص الذي أوحى به إلى محمد ﷺ ، أم فيما يتوصل إليه المجتهد بالقياس والدلائل والأمارات التي شرعها اللَّه لاستنباط أحكامه، وليست السنة والإجماع والقياس وبقية المصادر إلا مبيِّنة وكاشفة عن حكم اللَّه تعالى، ولا تعتبر حجة ولا دليلًا إلا لثبوت حجيتها من قبل اللَّه تعالى، فهي سبل ومناهج لمعرفة حكم اللَّه الواحد الأحد (١). فاللَّه هو المشرع للأحكام، وهو الموجب لها باتفاق، ولذا وضع علماء الأصول القاعدة المشهورة "لا حكم إلا للَّه" (٢)، واتفقوا على تعريف الحكم -كما سبق- بأنه خطاب اللَّه تعالى المتعلق بأفعال المكلفين، فالحاكم هو اللَّه تعالى الذي يصدر عنه الخطاب، وترجع إليه الأحكام. واستدل العلماء على ذلك بأدلة كثيرة أهمها: قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧)﴾ [الأنعام: ٥٧]، فالآية الكريمة حصرت الحاكمية باللَّه تعالى، واستعمل القرآن الكريم أداة الحصر لتأكيد هذا المعنى. قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]، فالآية الكريمة بيَّنت أن الحكم الواجب على المؤمنين هو ما أنزله اللَّه تعالى، وليس ما تميل إليه الأهواء والنفوس والعقول البشرية. ٣ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ

стр. 424

فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧]، فالآيات الثلاث نددت بالحكم بغير ما أنزل اللَّه تعالى، واعتبرت ذلك كفرًا أو ظلمًا أو فسوقًا. ٤ - بين القرآن وجوب الرجوع إلى أحكام اللَّه تعالى في القرآن والسنة عند التنازع وعلق الإيمان عليه، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]. ٥ - نفى القرآن الكريم الإيمان عن الناس حتى يحتكموا إلى أحكام الله تعالى، ويرضوا بذلك وتستسلم نفوسهم لها، فقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. أما المعنى الثاني للحاكم وهو الذي يدرك الأحكام ويظهرها ويعرفها ويكشف عنها فميز العلماء بين حالتين: الحالة الأولى: بعد البعثة وبلوغ الدعوة: اتفق العلماء على أن الذي يدرك الأحكام الشرعية ويظهرها هو التشريع السماوي المنزل، والحاكم هو الشرع الذي جاء به الرسول، فما أحله اللَّه فهو حلال، وما حرمه اللَّه فهو حرام، وما أمر به الشرع فهو حسن وفيه مصلحة، وما نهى عنه الشرع فهو قبيح وفيه مفسدة، وهكذا، وإن ما ورد بالشرع يلتزم به المسلم، ولا يخرج عنه قيد أنملة، ويسلم بكل ما جاء فيه دون اعتراض، ومن أنكر آية في كتاب اللَّه تعالى أو حكمًا ثبت قطعًا عن اللَّه تعالى فقد خرج عن الإسلام، وكفر باللَّه، والعياذ باللَّه (١). الحالة الثانية: قبل البعثة، اختلف علماء المسلمين في تحديد الحاكم بالمعنى الثاني قبل البعثة، واختلفوا على دور العقل في ذلك على قولين (٢).

стр. 425

القول الأول: عدم وجود ما يكشف عن حكم اللَّه، وعدم وجود حكم شرعي قبل البعثة، وأن العقل لا يدرك الأحكام بنفسه بدون واسطة الرسل والكتب السماوية، فالحاكم هو اللَّه تعالى، والكاشف هو الشرع، ولم يرد شرع، وهو قول أهل السنة والجماعة. القول الثاني: أن الحاكم حقيقة هو اللَّه تعالى، ولكن العقل يدرك أحكام اللَّه تعالى ويكشف عنها ويعرفها ويظهرها، قبل ورود الشرع، وهو قول المعتزلة، كما أن العقل يعرف أحكام اللَّه تعالى بعد البعثة فيما لم يرد فيه نص (١). أساس الاختلاف والنتائج المترتبة عليه: ويرجع الاختلاف السابق إلى الاختلاف في مسألة الحسن والقبح العقليين، وما يشتمل عليه الفعل من مصلحة ومفسدة، وينتج عن هذا الاختلاف عدة نتائج، أهمها اثنتان: ١ - هل يجب على الإنسان العاقل أن يدرك حسن الأفعال وقبحها، وأن يفعل الحسن ويمتنع عن القبيح؟ وبالتالي فهو محاسب على فعل القبيح، ومثاب على فعل الحسن، وهل يجب على الإنسان أن يشكر اللَّه تعالى بموجب عقله بسبب النعم التي حباه بها من الخلق والرزق والصحة وغيرها أم لا يجب؟

стр. 426

٢ - هل يجب على اللَّه تعالى عند إنزال الشرائع أن يحكم بحسن الفعل الذي أدرك العقل حسنه، وأن يحكم بقبح الفعل الذي أدرك العقل قبحه؟ وقبل بين الاختلاف والجواب عن هذه الأسئلة نبين معنى الحسن والقبح ، ثم نذكر المذاهب المختلفة في الموضوع. معنى الحسن والقبح: يطلق الحسن والقبح على أربعة إطلاقات، هي: ١ - يطلق الحسن على كل أمر يلائم الطبع، مثل حسن الحلو وحسن إنقاذ الغرقى، ويطلق القبح على كل أمر ينفر الطبع منه، مثل قبح المر، وقبح أخذ المال ظلمًا. ٢ - يطلق الحسن على صفة الكمال، مثل حسن العلم وحسن الكرم، ويطلق القبح على صفة النقص، مثل قبح الجهل وقبح البخل. وهذان الإطلاقان معنيان عقليان، يحكم بهما العقل بالاتفاق بين أهل السنة والمعتزلة (١). ٣ - يطلق الحسن على ما يباح للإنسان فعله مع العلم به والقدرة عليه، بمعنى نفي الحرج عنه، والقبيح ما يقابله مما لا يباح له فعله، وهذا المعنى غير ذاتي باتفاق، ولا يدركه العقل، لاختلافه باختلاف الأحوال.

стр. 427

٤ - يطلق الحسن على ترتب المدح في الدنيا والثواب في الآخرة، مثل حسن الطاعة، ويطلق القبح على ترتب الذم في الدنيا والعقاب في الآخرة مثل قبح المعصية (١)، وهذا المعنى مختلف فيه على قولين: القول الأول: أن الحسن والقبح بهذا المعنى شرعيان، فلا يؤخذان إلا من الشرع، ولا يدركان إلا به، وأن الأشياء ليس لها حسن ذاتي، ولا قبح ذاتي، ولكن الأمور كلها إضافية. القول الثاني: أن الحسن والقبح عقليان، فإن العقل يدرك ذلك بدون توقف على الشرع، وأن الحسن صفة ذاتية لبعض الأشياء، وأن القبح صفة ذاتية لبعضها الآخر، ويوجد بعض الأشياء تتردد بين النفع والضر والخير والشر (٢). مذاهب العلماء في دور العقل قبل البعثة: اختلف علماء المسلمين في موضوع النزاع في معنى الحاكم الكاشف المظهر، ودور العقل في إظهار الأحكام، وأساس الاختلاف في الحسن والقبح والنتائج المترتبة عليه على ثلاثة مذاهب. أولًا: مذهب الأشاعرة (٣):

стр. 428

وهو أن العقل لا يعرف حكم اللَّه تعالى في أفعال المكلفين إلا بواسطة رسله وكتبه، لأن العقول تختلف اختلافًا ظاهرًا في الحكم على الأفعال، فبعض العقول تستحسن فعلًا معينًا، بينما تستقبحه بعض العقول، وأن عقل الشخص الواحد يختلف في الفعل الواحد، فيراه حسنًا في وقت، ويراه قبيحًا في وقت آخر، ولأنه قد يغلب الهوى والتشهي على العقل، فيكون التحسين والتقبيح واهيًا وضعيفًا وقائمًا على الهوى. وأساس هذا المذهب أن الحسن والقبح للأفعال شرعيان، وأن الحسن من أفعال العباد هو ما رآه الشارع حسنًا فأباحه وطلب فعله كالإيمان والصوم والصلاة وغيرها، وأن القبيح من أفعال الناس هو ما رآه الشارع قبيحًا وطلب تركه، مثل الكفر والزنا وشرب الخمر وغيرها، وليس الحسن ما رآه العقل حسنًا، ولا القبيح ما رآه العقل قبيحًا، أي: إن مقياس الحسن والقبح هو الشرع لا العقل. واستدلوا على ذلك بأن الحسن والقبح ليسا ذاتيين في الفعل، لأنهما غير مطردين، فكل فعل اتفق الناس على حسنه كالصدق، نجد له جزئيات يقبح فيها إذا ترتب على الصدق مثلًا هلاك جزء عظيم من الأمة، أو قتل بريء على يد جبار ظالم، وكل فعل اتفق الناس على قبحه نجد له جزئيات يحسن فيها، فالوصف غير ذاتي، لأن ما بالذات لا يتخلف (١). وينتج عن مذهب الأشاعرة ما يلي:

стр. 429

١ - أن أهل الفترة الذين عاشوا بعد موت رسول وقبل مبعث رسول، ومن عاش في عزلة تامة فلم تبلغه دعوة النبي، فلا يكلف من اللَّه تعالى بفعل شيء ولا بترك شيء، ولا يثاب على فعل الحسن، ولا يعاقب على كفر، ولا يجب عليه الإيمان والشكر للمنعم، ولا يحرم عليه غيره، لأن الثناء والشكر والتكليف واجب بالشرع لا بالعقل، فلا يأثم الإنسان إلا إذا بلغته دعوة نبي، فالواجب ما أوجبه اللَّه تعالى ومنح الثواب عليه، والحرام ما حرمه اللَّه تعالى، وتوعد بالعقاب على فاعله، وأما قبل البعثة فلا يحرم كفر ولا يجب إيمان، والعبرة لأوامر الشارع الحكيم، وأنه لا طريق إلى معرفة الأحكام إلا بالشرع. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥]، فقد نفى القرآن الكريم الحساب والمؤاخذة والعذاب قبل بعثة الرسل الذين تنزل عليهم الأحكام الشرعية، واستغنى عن ذكر الثواب بذكر مقابله من العذاب. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء: ١٦٥]، فالآية تدل على أن المسؤولية والحساب على الناس يكون بعد إرسال الرسل وبيان الأحكام وإقامة الحجة عليهم، ومفهوم المخالفة إمكان الاحتجاج قبل البعثة، وأن العلة في إرسال الرسل هي قطع الحجة للناس على اللَّه بعد الإرسال (١)، فعلى هذا فأهل الفترة متروكون لمشيئة اللَّه، إن شاء عذبهم، وإن شاء عفا عنهم.

стр. 430

٢ - لا يجب على اللَّه تعالى أن يحكم بحسن ما رآه العقل حسنًا، وأن يطلب فعله من الناس، ويوجبه عليهم، ولا يجب عليه أن يحكم بقبح ما رآه العقل قبيحًا، وأن يطلب من الناس تركه، لأن إرادة اللَّه مطلقة، وهو خالق الحسن والقبيح، فله أن يشرع ما شاء على من شاء، من غير منفعة أصلًا، ولكن ثبت بالاستقراء أن اللَّه تعالى شرع أحكامه لتحقيق مصالح العباد تفضلًا منه وإحسانًا، فإن مراعاة النفع والضرر والمصلحة والمفسدة هي تفضل وكرم من اللَّه ، وإذا لم تظهر لنا المنفعة والمصلحة فيكون الوجوب الشرعي لفائدة في الآخرة قطعًا (١). ثانيًا: مذهب المعتزلة (٢): يرى المعتزلة أن العقل نفسه يعرف حكم اللَّه تعالى في أفعال المكلفين قبل البعثة، بدون واسطة الرسل والأنبياء والكتب، لأن كل فعل من أفعال العباد فيه من الصفات، وله من الآثار ما يجعله نافعًا أو ضارًّا، فالفعل حسن بذاته أو قبيح بذاته، وإن العقل بناء على صفات الفعل وآثاره يستطيع أن يحكم بأنه حسن أو قبيح. واستدلوا على ذلك بأن بعض الأفعال والأقوال لا يسع العاقل إلا أن يفعلها، ويحكم بمدح فاعلها، فهي حسنة بذاتها كالصدق والإيمان، وأن بعض الأفعال والأقوال لا يسيغ العقل فعلها، لما تجلب من المضار واستنكار الناس وذمهم، كالكذب والضرر والكفر، فلا تحتاج لإقامة الدليل عليها، فالعلم بحسنها أو قبحها ضروري، فالعدل حسن

стр. 431

ولو كان ضارًّا، والظلم قبيح ولو كان نافعًا، في نظر العاقل سواء كان متدينًا أو غير متدين، وأن الرسول في الآية ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] هو العقل. وأساس هذا المذهب أن الحسن والقبح أمران عقليان، وليسا شرعيين، وأن الحسن من الأفعال: ما رآه العقل حسنًا لما فيه من نفع، والقبيح من الأفعال ما رآه العقل قبيحًا لما فيه من ضرر، لأن العقل إذا لم يعلم حسن الأفعال وقبحها قبل الشرع، لاستحال عليه أن يعلم ذلك بعد الشرع، وكان مكلفًا بما لا يستطيع وهو محال (١). وينتج عن هذا المذهب ما يلي: ١ - أن من لم تبلغهم دعوة الرسل والشرائع مكلفون من اللَّه تعالى بفعل ما يهديهم عقلهم إلى حسنه، ويثابون من اللَّه تعالى على فعله، وأنهم مكلفون بترك ما يهديهم عقلهم إلى قبحه، ويعاقبون من اللَّه تعالى على فعله، لأن العاقل يقر بأن كل فعل فيه خواص وله آثار تجعله حسنًا أو قبيحًا، فيمكن إدراك تلك الأحكام قبل أن ترد الشرائع فيها، وهل ينكر عاقل أن الشكر على النعمة والصدق والوفاء والأمانة والإيمان كلها حسنة وأن ضدها قبيح، وبالتالي فيجب شكر المنعم عليها والثناء له؟ ويكون الشكر اعتقادًا بالقلب أو تحدثًا باللسان أو سلوكًا بالخضوع والاستسلام، ومن ترك الشكر والثناء فهو آثم (٢). ونلاحظ أن استدلال المعتزلة يعتمد على إطلاق الحسن بمعنى

стр. 432

الكمال، وهذا أمر متفق عليه مع الأشاعرة، ولكن الخلاف في إطلاق الحسن بمعنى ترتب المدح والثواب عليه. ٢ - أن حكم اللَّه تعالى على الأفعال يكون بحسب ما تدركه العقول من النفع أو الضرر، فيطلب اللَّه تعالى من المكلفين فعل ما فيه النفع بحسب ما يدركه العقل، ويطلب ترك ما فيه ضررهم حسب ما يدركه العقل، ولا يمكن أن يأمر بأمر قبيح ذاتيًّا، ولا ينهى عن شيء حسن ذاتيًّا، لاعتقاد المعتزلة وجوب مراعاة المصالح والمفاسد، وأن الشرائع مؤكدة لحكم العقل فيما يعلمه. ومبدأ المعتزلة أن ما رآه العقل حسنًا فهو حسن، ومطلوب شرعًا فعله، ويثاب من اللَّه فاعله، وما رآه العقل قبيحًا فهو قبيح، ومطلوب شرعًا تركه، ويعاقب من اللَّه فاعله، فالشرع تابع للعقل، ويقولون: إن الشرع مؤكد وكاشف لحكم العقل فيما أدركه من حسن الأشياء وقبحها. واستدلوا على ذلك بأن اللَّه تعالى ما شرع حكمًا إلا بناء على ما فيه من نفع أو دفع ضرر، وأن الأحكام الشرعية جاءت لتحقيق مصالح الناس، فكل ما طلب الشارع فعله فقد طلبه لما فيه من نفع ولما يحقق من مصلحة، وكل ما نهى الشارع عنه فقد حرمه، لما فيه من ضرر ولما يترتب على فعله من مفسدة (١). وعلى الرغم من فساد مذهب المعتزلة في بناء الأحكام على الحسن والقبح العقليين، أو بحسب المصالح والمفاسد أو المنافع والمضار، فقد يقال: إن أساس هذا المذهب هو المسوغ لتشريع الأحكام الوضعية

стр. 433

قديمًا وحديثًا في القوانين التي تخلت عن شرع اللَّه وحكمه، وتركت الأحكام الإلهية، ووضعت لنفسها أحكامًا تعتمد على العقل، وتستند على المصالح والمفاسد، وتتنكب صراط اللَّه المستقيم، وطريقه القويم، نسأل اللَّه تعالى أن يردنا إلى ديننا ردًّا جميلًا، وأن يهدي المسلمين للعمل بشريعته، إنه نعم المولى ونعم النصير. ثالثًا: مذهب الماتريدية (١): وهذا مذهب وسط بين المذهبين السابقين، ويرى -كالمعتزلة- أن أفعال المكلفين فيها خواص ولها آثار تقتضي حسنها أو قبحها، فالأشياء لها حسن ذاتي وقبح ذاتي، وأن العقل بناء على هذه الآثار والخواص يحكم بأن هذا الفعل حسن، وأن هذا الفعل قبيح، وما رآه العقل السليم حسنًا فهو حسن، وما رآه العقل السليم قبيحًا فهو قبيح، وأن اللَّه تعالى لا يأمر بما هو قبيح في ذاته، ولا ينهى عما هو حسن لذاته (٢). ومبدأ الماتريدية أن الحسن والقبح عقليان لا شرعيان، لأن أمهات الفضائل يدرك العقل حسنها، لما فيها من نفع، وأمهات الرذائل يدرك العقل قبحها، لما فيها من ضرر، ولو لم يرد بها شرع، واستدلوا أيضًا أن الحسن والقبح لو كانا شرعيين، ولا يعرفان إلا بالشرع لكانت الصلاة والزنا مثلًا متساويين قبل بعثة الرسل، فجعل أحدهما واجبًا والآخر حرامًا ليس أولى من العكس (٣).

стр. 434

ولكنهم قالوا: إن هذا الحسن والقبح العقليين لا يقتضي طلب الحسن أو ترك القبيح في الدنيا، ولا يقتضي الثواب أو العقاب في الآخرة، لأن الثواب والعقاب على الأفعال من وضع الشارع، ومتوقف على الشرع والرسل (١). وينتج عن هذا المذهب ما يلي: ١ - إن أهل الفترة ومن لم تبلغه الدعوة لا يطالب بفعل الحسن ولا يطالب بترك القبيح، ولا ثواب لفعل الحسن، ولا عقاب على تركه، كما لا ذم على فعل القبيح، ولا ثواب على تركه، فالثواب والعقاب لا يكون بمجرد العقل، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥]، ولذلك اشترط الحنفية في تعلق التكليف أن تبلغ الدعوة المكلف، وأن إدراك الحسن والقبح للأفعال لا يقدر عليه كل الأفراد، ولا يعقل أن يعاقب إنسان على ترك فعل لم يدرك حسنه، ولم يرشده إليه داع موثوق (٢). وهذا مما يتفق فيه الماتريدية مع الأشاعرة، وأن الثواب والعقاب والمدح والذم أمور شرعية، وتتوقف على البعثة وبلوغ الدعوة. واستثنى الماتريدية أمرًا واحدًا وهو وجوب الإيمان والاعتقاد بوحدانية اللَّه تعالى، وأن أهل الفترة إذا لم يعتقدوا ذلك بموجب عقولهم فإنهم يعذبون ويحاسبون على شركهم وكفرهم، لأن الإيمان حسن لنفسه حسنًا لا يقبل السقوط بحال من الأحوال، وهذا رأي أكثر الحنفية بوجوب الإيمان وتحريم الكفر على كل عاقل، سواء بلغته

стр. 435

الدعوة أم لا، لأن العقل يستقل في إدراك بعض أحكام اللَّه تعالى، وأهمها الإيمان به، وروي عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: لا عذر لأحد في الجهل بخالقه، لما يرى من دلائل وحدانيته (١). ٢ - إن الحكم العقلي بحسن الفعل أو قبحه لا يلزم منه أن تكون أحكام اللَّه تعالى في أفعال المكلفين حسب ما تدركه العقول فيها من حسن أو قبح، لأن الفعل قد يخطئ وحكم اللَّه لا يخطئ، ولأن بعض الأفعال قد تشتبه فيها العقول، ولذا فلا تلازم بين أحكام اللَّه تعالى وما تدركه العقول، وبالتالي فلا يعرف حكم اللَّه تعالى إلا بواسطة الرسل والكتب السماوية (٢). ثمرة الاختلاف: ١ - يظهر مما سبق أن جميع المسلمين متفقون على أن الحسن ما حسنه الشرع، وأن القبيح ما قبحه الشرع بعد البعثة ونزول الكتاب، فلا يترتب على الاختلاف السابق أثر بالنسبة للمكلفين الذين بلغتهم الدعوة، سواء آمنوا بها أم كفروا، فكل فعل أمر به الشارع فهو حسن ومطلوب فعله ويثاب فاعله، وكل فعل نهى عنه الشارع فهو قبيح، ومطلوب تركه ويعاقب فاعله، وإن الدراسة السابقة في موضوع الحاكم والاختلاف في الحسن والقبح دراسة تاريخية نظرية لا جدوى منها ولا طائل تحتها، ولا تترتب عليها الأحكام الشرعية إلا في الأمور التالية الأخرى.

стр. 436

٢ - يظهر أثر الاختلاف وثمرته بالنسبة لمن لم تبلغهم شرائع الرسل في زماننا مثلًا، أو قبل البعثة الذين يطلق عليهم اسم أهل الفترة، فقال الأشاعرة: إنهم ناجون، ولا يثابون على فعل ولا يعاقبون على غيره، وأن أمرهم راجع إلى اللَّه تعالى، وقال المعتزلة: إنهم مكلفون ومحاسبون إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، وقال الماتريدية: إنهم مكلفون بالإيمان باللَّه تعالى فقط، ولا يحاسبون ولا يعاقبون على غيره. ٣ - تظهر ثمرة الاختلاف أيضًا في مكانة العقل بين مصادر التشريع، وهل يعتبر العقل مصدرًا من المصادر التشريعية التي يرجع إليها المجتهد إذا لم يجد نصًّا في كتاب أو سنة؟ قال أهل السنة والجماعة من الأشاعرة والماتريدية: إن العقل ليس مصدرًا ولا دليلًا ولا حجة، وإنما تنحصر المصادر في الأمور التي سبق ذكرها وهي القرآن والسنة ثم الاجتهاد والاستدلال والاستنباط بالقياس والاستحسان والاستصلاح والاستصحاب وغير ذلك، وإن العقل يعمل فيها حيث أباح الشارع له العمل بناء على هذه المصادر. وقال الشيعة الإمامية الجعفرية، الذين يلتزمون بمذهب المعتزلة في العقائد: إن العقل دليل ثالث بعد القرآن والسنة، ولكن بإذن من الشارع جعل له الحق بالأخذ بما يشير إليه، فإن لم يجد المجتهد نصًّا رجع إلى العقل، فما رآه العقل حسنًا فهو عند اللَّه حسن، وهو حكم اللَّه تعالى، ويجب على المكلف فعله، وما رآه العقل قبيحًا فهو عند اللَّه قبيح ويجب على المكلف تركه (١).

стр. 437

الفصل الثالث في المحكوم فيه (١) تعريف المحكوم فيه: هو فعل المكلف الذي تعلق به خطاب الشارع (٢). وذلك أن كل حكم من أحكام الشارع يتعلق بفعل من أفعال المكلفين سواء كان الحكم اقتضاء أو تخييرًا أو وضعًا، وقد سبق تعريف الحكم بأنه خطاب اللَّه المتعلق بأفعال المكلفين، فالخطاب له محل، وهذا المحل هو فعل المكلف. وهذا الفعل إما أن يكون واجبًا أو مندوبًا أو مكروهًا أو حرامًا أو مباحًا، وإما أن يكون سببًا أو مانعًا أو شرطًا (٣).

стр. 438

مثل قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ [المائدة: ٣٥]، فالإيجاب في الآية تعلق بفعل من أفعال المكلفين، وهو الجهاد فكان واجبًا. ومثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فالندب في الآية تعلق بفعل من أفعال المكلفين، وهو كتابة الدَّين فجعلته مندوبًا. ومثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١]، فالتحريم في الآية تعلق بفعل من أفعال المكلفين هو القتل فجعلته حرامًا. ومثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، فالكراهة المأخوذة من الآية تعلقت بفعل من أفعال المكلفين هو إتفاق المال الخبيث فجعلته مكروهًا. ومثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [بالجمعة: ١٠]، فالإباحة في الآية تعلقت بفعل من أفعال المكلفين هو الانتشار في الأرض فجعلته مباحًا. ومثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، فالقتل الوارد في الآية، الصادر من فعل الشخص، سبب في القصاص، ومثل قوله ﷺ : "لا يرث القاتل" (١)، فالقتل الوارد في الحديث، الصادر من فعل المكلف، مانع له من الميراث. ومثل قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، فالوضوء الوارد في الآية فعل من أفعال المكلفين وهو شرط للصلاة. وإن كان الحكم الوضعي ليس من فعل المكلف، فهو يتعلق بفعله

стр. 439

مثل قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، فالدلوك سبب، وهذا السبب يتعلق بفعل المكلف، وهو وجوب الصلاة عليه. وكذلك فإن الصحة أو الفساد أو البطلان وصف لأفعال المكلفين، وكذا العزيمة والرخصة وصف لأفعال المكلف. الحكم تكليف بفعل: ويدل التعريف على أن الحكم لا يتعلق إلا بفعل من أفعال المكلفين، ولذلك وضع علماء الأصول قاعدتهم: "لا تكليف إلا بفعل". فالحكم التكليفي لا يتعلق إلا بفعل المكلف، بأن يقوم المكلف بأداء فعل من الأفعال، فإن كان الحكم طلب فعل بالإيجاب أو الندب فقد تعلق الحكم بفعل الواجب على سبيل الحتم باتفاق، كالجهاد والصلاة، أو تعلق بفعل مندوب بدون حتم كتوثيق الدين وأداء السنن. وإن كان الحكم طلب ترك بالتحريم أو الكراهة فيتعلق الحكم أيضًا بفعل عند الجمهور، وهو كف النفس عن فعل المحرم في القتل والزنا، لأن النهي عن الشيء أمر بضده، أو كف النفس عن فعل المكروه في السؤال وكثرة الحلف باللَّه (١)، ولذلك قال الجمهور: إن ترك الحرام لا يترتب عليه ثواب إلا عند الكف والامتناع عنه حالة التعرض له. أما الحكم الوضعي فإن كان مقدورًا للمكلف وكان من فعله، كالوضوء للصلاة، فإنه يتعلق بفعل المكلف مباشرة كما سبق، وإن لم

стр. 440

يكن من فعله كالدلوك فإنه يتعلق بحكم تكليفي، والحكم التكليفي يتعلق بفعل المكلف، بأن يكون سببًا لحكم تكليفي، أو شرطًا أو مانعًا أو صحيحًا أو رخصة، فالحكم الوضعي متعلق بالحكم التكليفي، والحكم التكليفي متعلق بفعل المكلف، فيكون الحكم الوضعي متعلقًا بفعل المكلف بطريق غير مباشر، وذلك بواسطة الحكم التكليفي. والنتيجة أن الحكم الشرعي، سواء كان تكليفيًّا أو وضعيًّا، متعلق بفعل المكلف، لأن الفعل هو مناط الثواب والعقاب، والمدح والذم، وقد سبق في تعريف الحكم أن المقصود بالفعل هنا كل ما يصدر عن المكلف وتتعلق إرادته وقدرته به من قول أو فعل أو اعتقاد أو تقرير (١). شروط المحكوم فيه: يشترط علماء الأصول بالفعل المحكوم فيه لصحة التكليف به أربعة شروط، وهي: أولًا - أن يكون الفعل معلومًا للمكلف علمًا تامًّا حتى يتجه قصده للقيام به ويستطيع فعله، فالمكلف لا يطالب بالصلاة والزكاة والحج والجهاد والإنفاق وترك الخمر والزنا والسرقة وفحش القول إلا بعد أن يعلم حكم اللَّه فيها بالإيجاب أو التحريم، أما قبل العلم فلا يتعلق الخطاب بفعله، ولا يطالب بالفعل أو بالترك، ولا يستحق الثواب ولا العقاب (٢). وإنَّ علم المكلف بالفعل لا يكفي، بل لا بد أن يكون العلم تامًّا به،

стр. 441

فيعلم أركان الفعل وشروطه وكيفية القيام به، وعلى هذا فإن النص المجمل في القرآن الكريم لا يكفي في تكليف المكلف به إلا بعد بيانه من رسول اللَّه ﷺ ، فقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أمر بفعل الصلاة على المكلف، ومع ذلك لا يكلف بالصلاة، لأنه لم يعرف أركانها وشروطها وكيفية أدائها، فجاء رسول اللَّه ﷺ وبيَّن كل ذلك وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وهكذا بقية التكاليف بالصوم والزكاة والحج والجهاد والدعوة والبيع والربا، وكل فعل تعلق به خطاب مجمل من الشارع لا يصح التكليف به إلا بعد بيانه في القرآن الكريم بنص آخر أو بالسنة المبينة، كما سبق في مبحث السنة. ثانيًا - أن يعلم المكلف مصدر التكليف بالفعل، بأنه من اللَّه تعالى، لكي يكون التنفيذ طاعة وامتثالًا لأمر اللَّه تعالى، ولكي يتجه قصد المكلف لموافقة طلب اللَّه تعالى في التزام أحكامه بما يجب فيه قصد الطاعة والتقرب، ولهذا السبب لا يقبل المسلم حكمًا إلا إذا عرف دليله الشرعي، فيبدأ الفقهاء في كل بحث بذكر الدليل الشرعي أو الأصل الشرعي، لإقامة الحجة على المكلفين بتنفيذ الفعل والتقيد به (١). والمراد بعلم المكلف بالفعل وبمصدر التكليف إمكان علمه به، بأن تتوفر فيه القدرة والعقل والتمكن من العلم إذا قصده واتجه إليه، بأن يكون بالغًا عاقلًا قادرًا على معرفة الأحكام بنفسه أو بسؤال أهل العلم عنها عند قيامه في دار الإسلام التي يتوفر فيها العلم والعلماء، وعندئذ يتحقق الشرط بالعلم بما كلف به، فيتعلق التكليف به، ويجب عليه تنفيذه والالتزام بآثاره، فإن قصر فلا يقبل منه الاعتذار بجهلها، ولهذا

стр. 442

قال الفقهاء: "لا يقبل في دار الإسلام عذر الجهل بالحكم الشرعي". ولا يشترط علمه بالحكم فعلًا، لأنه لو اشترط ذلك لما استقام التكليف، ولفتح باب الاعتذار بجهل الأحكام، وادعى كل شخص عدم علمه به. أما إذا لم يتوفر العقل والقدرة على العلم كالصبي والمجنون ومن أسلم حديثًا ودخل دار الإسلام، فلا يكون مأمورًا، لأنه لا يتمكن من النظر والبحث والعلم بالحكم (١). ثالثًا - أن يكون الفعل المكلف به ممكنًا، بأن يكون في قدرة المكلف أن يفعله أو أن يتركه. ويتفرع عن هذا الشرط ثلاثة أمور، وهي: ١ - أنه لا يصح شرعًا التكليف بالمستحيل، سواء كان مستحيلًا لذاته أو مستحيلًا لغيره. والمستحيل لذاته هو ما لا يتصور العقل وجوده، كالجمع بين الضدين، كأن يكون الفعل واجبًا ومحرمًا في نفس الوقت على شخص واحد، والجمع بين النقيضين كالنوم واليقظة، فلا يصح التكليف بالمستحيل لذاته عند الجمهور، لأن المستحيل لذاته لا يمكن تصوره، والحكم على الشيء فرع عن تصوره، وطلب الفعل والتكليف فيه فرع عن تصور وقوعه، والمستحيل لا يمكن تصوره (٢).

стр. 443

أما المستحيل لغيره، وهو ما يتصور العقل وجوده، ولكن لم تجر العادة بوقوعه، كالمشي من المريض المقعد، والطيران من الإنسان بدون أداة، والمشي على الماء، وهكذا، فلا يصح التكليف بالمستحيل لغيره عند الجمهور أيضًا، وهو قول الماتريدية ومعهم أبو حامد الإسفراييني والغزالي وابن دقيق العيد من الشافعية. والدليل على عدم صحة التكليف بالمستحيل قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]، ولأن التكليف بالمستحيل الذي لا سبيل إلى فعله عبث، والمشرع الحكيم منزه عن العبث (١). وذهب جمهور الأشاعرة إلى جواز التكليف بالمستحيل لذاته والمستحيل لغيره (٢)، لوقوعه في الشرع في تكليف العاصي بالإيمان مع استحالة إيمانه لعلم اللَّه تعالى بعدم إيمانه، وتكليف أبي جهل بالإيمان وتصديق الرسول، ومن جملة ما جاء به الرسول أن أبا جهل لا يُصدِّقه، واحتجوا بسؤال رفع التكليف في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، على جواز التكليف بالمستحيل لغيره، لأن سؤال رفعه يدل على جواز وقوعه، ولأن التكليف بالمستحيل يفيد في اختبار المكلفين بالأخذ في الأسباب والمقدمات التي كلفوا بها لاكتساب الأجر والثواب، وإن لم يترتب عليها حكم ولا ثمرة (٣).

стр. 444

وهذا الاختلاف نظري في الجواز وعدمه، لا يترتب عليه أثر عملي، لاتفاق العلماء على عدم وقوعه في الأحكام التشريعية، وأن الواقع العملي أن الشارع لم يكلف المكلف إلا بما هو في مقدوره أن يفعله، لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾، قال الشوكاني: على أن الخلاف في مجرد الجواز لا يترتب عليه فائدة أصلًا (١). ٢ - لا يصح شرعًا تكليف المكلف بأن يفعل غيره فعلًا أو يكف غيره عن فعل، لأن هذا التكليف ليس ممكنًا، ولا يدخل في مقدوره (٢)، فلا يكلف شخص بأن يجاهد أخوه، أو أن يصلي أبوه، أو أن يكف صديقه عن الفواحش، ولذا فلا يسأل الإنسان عن فعل غيره، ولا يعاقب مكانه، لقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ [المدثر: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، فالإنسان مسؤول عن نفسه فقط، ولا يكون مسؤولًا عن غيره نهائيًّا إلا بما أنيط به بنفسه من رعاية وتربية ونصح ووعظ وإرشاد للزوجة والأولاد والطلاب والناس من حوله. وكل ما يكلف به الإنسان تجاه غيره هو أن يقدم له النصيحة، وأن يأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، وهذا في مقدوره، وكل مسلم مسؤول عنه، لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، ولقوله ﷺ : "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" (٣).

стр. 445

ويتفرع عن هذا الموضوع النيابة عن الغير، فيجوز النيابة عن الغير في المعاملات باتفاق، ولا تقبل النيابة في الإيمان وأصول العقيدة باتفاق، أما في التكاليف البدنية ففيه تفصيل، فالصلاة لا تصح فيها النيابة باتفاق، لأنها وجبت ابتلاء وامتحانًا من اللَّه تعالى لاستسلام النفس إلى خالقها، وكسر النفس الأمارة بالسوء، وأما الصوم فقال بعض الشافعية وأحمد بجواز النيابة فيه لقوله ﷺ : "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" (١)، وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي بعدم جواز النيابة في الصوم لقول ابن عباس: "لا يصلِّ أحد عن أحد ولا يصم أحد عن أحد"، وبما قالته السيدة عائشة: "لا تصوموا عن موتاكم، وأطعموا عنهم"، أما الحج فقال الجمهور بجواز النيابة عنه، وقال الإمام مالك بعدم جوازه (٢). ٣ - لا يصح شرعًا التكليف بالأمور الفطرية التي لا كسب للإنسان فيها ولا اختيار، وهي أمور وجدانية وجبلية تستولي على النفس من حيث لا تشعر، ولا قدرة للإنسان على جلبها ولا على دفعها، كالانفعال عند الغضب، والحمرة عند الخجل، والخوف عند الظلام، والحزن والفزع والطول والقصر والسواد والبياض، والشهية عند رؤية الطعام والشراب، والحب والكره، وغير ذلك من الغرائز التي خلقها اللَّه تعالى في الإنسان، ولا تخضع لإرادة المكلف، وبالتالي فهي خارجة عن قدرته وإمكانيته، فلا يكلف بها، لأنها تكليف بما لا يطاق (٣).

стр. 446

وكل نص يدل ظاهره على التكليف بأحد هذه الأمور فلا يقصد منه ظاهره، ويكون التكليف فيه واردًا على سببه أو نتيجته وثمرته (١)، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]، فالظاهر أن الآية تنهى الإنسان عن الموت إلا وهو مسلم، والموت ليس بيد الإنسان، فتصرف الآية عن ظاهرها، ويكون التكليف في الآية حقيقة هو الأمر بالدخول في الإسلام، واتخاذ الأسباب والطرق التي تُثبت الإيمان، وتقوي العقيدة، ليبقى الإنسان مسلمًا حتى الموت. ومثل قوله تعالى ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣]، فالآية تنهى عن الحزن عند المصيبة، وتنهى عن الفرح للرزق، والحزن والفرح أمران نفسيان جبليان ذاتيان لا يقدر عليهما المكلف، فيكون التكليف بالتخفيف من شدة الحزن، وعدم البطر والزهو بالرزق والنعمة، ومثل قوله ﷺ : "لا تغضب" (٢)، فالظاهر التكليف بالكف عن الغضب، وهو أمر طبيعي عند وجود سببه، والحقيقة أن التكليف بالامتناع عن الدخول في أسباب الغضب، وعما يعقب الغضب من الانتقام والخروج عن الحالة الطبيعية للإنسان العادي (٣)، ومثل قوله ﷺ : "اللهم هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" (٤)، وهو ميل القلب والمحبة لبعض نسائه أكثر

стр. 447

من بعض، ومثل قوله ﷺ عندما مات ابنه إبراهيم وذرفت دموعه ﷺ ، فقال له عبد الرحمن بن عوف: أتبكي يا رسول اللَّه، وقد نَهَيْتَ عن البكاء؟ فقال: "إنما نهيتُ عن النياحة، وأن يندب الميت بما ليس فيه، وإنما هذه رحمة، ومن لا يرحم لا يُرحم، ثم قال: إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنَّا عليك يا إبراهيم لمحزونون (١) "، والمطلوب شرعًا أن يخفف الإنسان من هذه الأمور الفطرية، وأن يهذبها وأن يوجهها نحو الفضيلة والخير، مثل حب المال، وحب البقاء، والطمع ... وغير ذلك من الغرائز والعواطف والميول التي تنزع بالإنسان نحو الشر والرذيلة وما يسيء إليه. رابعًا -حصول الشرط الشرعي، وهو الذي لا يصح عمل المكلف إلا به، كالطهارة بالنسبة للصلاة، والإيمان بالنسبة للعبادات. واختلف العلماء في صحة تكليف الإنسان بفعل قبل حصول الشرط، ويتجلى هذا الشرط في مسألة أصولية مشهورة، وهي تكليف الكفار بفروع الشريعة بعد الاتفاق على تكليفهم بالإيمان وأصول الدين، وإنَّ تركهم له يوجب تخليدهم في النار، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ [البينة: ٦]، وفيما وراء ذلك قال الجمهور بعدم اشتراط الشرط الشرعي للتكليف، وأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، لأن آيات التكليف عامة تخاطب الناس جميعًا، فيدخل فيها المؤمن والكافر، وأن الآيات التي تتحدث عن عقاب الآخرة تصرح بمسؤولية الكافر وعقوبته على ترك الصلاة والزكاة مثلًا، وأن العقل لا يمنع ذلك. وقال أكثر الحنفية: يشترط حصول الشرط الشرعي أولًا لصحة

стр. 448

التكليف، فإن فقد الشرط فلا يكلف العبد بها، وإن الكفار غير مكلفين بفروع الشريعة (١). والأدلة من النصوص وغيرها ترجح قول الجمهور، ولذا قال الشوكاني: والحق ما ذهب إليه الجمهور (٢). وقد سبق بيان ذلك في مطلب الشرط، فلا حاجة لتكراره، ومن أراد التفصيل في الأدلة والمزيد في البيان فليرجع إلى كتب الأصول المعتمدة (٣). المشقة في التكليف بالأفعال: ويتفرع عن الشرط الثالث، بأن يكون الفعل ممكنًا ومقدورًا للمكلف، مسألةُ المشقة في التكليف، فإن كل عمل يقوم به الإنسان لا يخلو من مشقة، ولو في طعامه وشرابه، ولذا تقسم المشقة إلى نوعين:

стр. 449

أولًا: المشقة المعتادة: وهي المشقة التي جرت عادة الناس على احتمالها والاستمرار عليها، وتدخل في حدود طاقة المكلف. وهذا النوع مشروع وموجود في التكاليف الشرعية، واشتراط الإمكان والقدرة في التكليف لا يستلزم انتفاء المشقة على المكلف، وأن نفس التكليف فيه زيادة على ما جرت به العادات قبل التكليف، وأنه لا منافاة بين كون الفعل مقدورًا وكونه شاقًّا، وأن التكاليف الشرعية لا تخلو من مشقة، لأن التكليف نفسه هو الإلزام بما فيه كلفة ومشقة، وكل تكليف فيه مشقة محتملة، لترويض النفس على المباحات وإبعادها عن المحرمات، وذلك فيه مشقة، قال ﷺ : "حُفَّتِ الجنةُ بالمكاره، وحُفَّتِ النار بالشهوات" (١)، فالوضوء والصلاة والحج فيها مشقات على المكلف، ولكنه يتحملها ولا يلحقه ضرر إذا داوم عليها (٢). وهذه المشقة الموجودة في التكاليف ليست مقصودة من الشارع، وإنما القصد منها تحقيق المصالح المترتبة عليها، ودرء المفاسد المتوقعة منها، للحفاظ على مقاصد الشريعة الضرورية والحاجية والتحسينية (٣)، فيلزم المكلف أن يتحمل هذه المشقة لتحقيق هذه المصالح، كما يتحمل المريض الدواء المر من أجل الشفاء، فالمقصود

стр. 450

في الصوم مثلًا تهذيب النفس وتربية الروح، وتعويد المرء على الصبر، وليس المقصود إيلام النفس بالجوع والعطش (١). ويجب على المكلف أن يتحرى مقاصد الشريعة في التكليف، وأن لا يقصد مجرد المشقات التي فيها، ومن فعل ذلك ظانًّا زيادة الأجر والتقرب فقد أخطأ، ولا أجر له، ولكن له أن يقصد العمل الذي يعظم أجره وتعظم مشقته (٢). ثانيًا: المشقة غير المعتادة: وهي المشقة الخارجة عن معتاد الناس، ولا يمكن أن يداوموا على تحملها، وأن المداومة على هذه المشقة يرهق المكلف ويقطعه عن التكليف، ويناله الضرر والأذى في النفس والمال، وهذا يتنافى مع مقاصد الشريعة (٣). وهذا النوع لم يرد في التكاليف الشرعية إلا استثناء (٤)، وإذا حصلت مثل هذه المشقة، لعارض ما، فقد شرع الرخصة ورغب

стр. 451

في ترك العزيمة، فقال ﷺ : "إن اللَّه يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه" (١)، مثال ذلك المشقة في الصيام للمريض والحامل والعاجز والمرضع، فرخص اللَّه تعالى لهم في الإفطار، ومثل المشقة والضرر في استعمال الماء للطهارة فرخص الشارع في التيمم، وغير ذلك من الرخص التي سبق الكلام عنها في مطلب الرخصة والعزيمة، ووضع العلماء القاعدة المشهورة في ذلك "إباحة المحظورات عند الضرورات". كما نص الشارع على النهي عن قصد تلك المشقة، ومنع الناس من اللجوء إليها، فنهى عن صوم الوصال، وعن المثابرة في قيام الليل، والترهب للعبادة، والصيام في الشمس، والحج ماشيًا، وقال رسول اللَّه ﷺ : "أما واللَّه إني لأخشاكم للَّه وأتقاكم، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (٢)، وقال عمن نذرت أن تحج ماشية: "إن اللَّه لغني عن مشيها" (٣)، وقال ﷺ : "خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن اللَّه لا يمل حتى تملوا" (٤)، وقال: "هلك المتنطعون" (٥)، وقال: "إن هذا الدين متينٌ فأوغل فيه برفق" (٦)، وقال: "إن المُنْبَتَّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى" (٧)، وقال ﷺ : "ليس من البر الصيام في السفر" (٨).

стр. 452

كما وردت آيات كثيرة وأحاديث متعددة تؤكد رفع الحرج والعسر في التكاليف، وأن اللَّه أراد التيسير والتخفيف عنا في الأوامر والنواهي الشرعية دون أن يصيب المسلم إرهاق وإعنات منها (١)، فقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨]، وقال ﷺ : "إنما بُعثتم ميسرين ولم تبعثوا مُعسرين" (٢). والحكمة من رفع الحرج وعدم المشقة في التكاليف هو التخفيف عن العباد، والرغبة في استمرار المكلف بها، وألا يتطرأ إليه انقطاع في الطريق وبغض للعبادة، وكراهية للتكاليف، وألا تشغله التكاليف عن أعماله الأخرى وواجباته الخاصة في نفسه وأهله ومجتمعه (٣)، ولذا ورد عن رسول اللَّه ﷺ : "إن لزوجك عليك حقًّا، وإن لنفسك عليك حقًّا، وإن لربك عليك حقًّا، فأعط كل ذي حق حقه" (٤). أقسام المحكوم فيه أولًا: أقسام المحكوم فيه باعتبار ماهيته: المحكوم فيه له وجود حسي، لأنه فعل من أفعال المكلفين يُدرك بأحد الحواس، وبعد ذلك إما أن يكون له وجود واعتبار شرعي، بأن يشترط الشارع لوجوده أركانًا وشروطًا معينة، وإما أن لا يكون له اعتبار شرعي، وكل قسم منهما إما أن يترتب عليه حكم شرعي، وإما أن لا يترتب عليه حكم شرعي، فالمحكوم فيه أربعة أقسام:

стр. 453

١ - الفعل الذي له وجود حسي، وليمس له وجود شرعي، ولا يعتبر سببًا لحكم شرعي، كالأكل والشرب. ٢ - الفعل الذي له وجود حسي، وليس له وجود شرعي، وهو سبب لحكم شرعي، كالزنا والسرقة والقتل، فإنها أسباب للحكم الشرعي في الحدود والقصاص. ٣ - الفعل الذي له وجود في الحس وفي الشرع، ولا يترتب عليه حكم شرعي، كالصلاة والزكاة، فإن أفعال الصلاة والزكاة لا تعتبر شرعًا إلا بتحقق الأركان والشروط التي وضعها الشارع. ٤ - الفعل الذي له وجود في الحس وفي الشرع، ويترتب عليه حكم شرعي آخر، كالنكاح والإجارة والبيع، فكل منها له ماهية شرعية، لا تتحقق إلا بأركان وشروط معينة، وكل منها يترتب عليه حكم شرعي، مثل حل الاستمتاع ووجوب المهر والنفقة في النكاح، ومثل تملك المنفعة والأجرة في الإجارة، ومثل انتقال الملكية في البيع (١). ثانيًا: أقسام المحكوم فيه بحسب ما يضاف إليه: قسم الحنفية المحكوم فيه، وهو فعل المكلف الذي تعلق به خطاب اللَّه تعالى إلى أربعة أقسام: القسم الأول: الحق الخالص للَّه تعالى، وهو فعل المكلف الذي هو حق خالص للَّه تعالى، وهذا القسم لا يحق للإنسان أن يتنازل عنه أو يصالح عنه، ولا يحتاج في إثباته إلى دعوى، ولا يقبل العفو والإسقاط، ويسقط بالشبهة عند إثبات الحدود.

стр. 454

وحق اللَّه هو ما يتعلق به النفع العام، وهو يشمل المصلحة العامة الدنيوية والمصلحة الأخروية، ولا يختص بأحد، ويكون فيه دفع الاعتداء عن المجتمع كالجهاد مثلًا، ونسب إلى اللَّه تعالى للتعظيم والتشريف، لكثرة نفعه وعظيم خطره، لأنه تعالى تنزه عن الانتفاع بشيء، ومثل حرمة الزنا فإنه يتعلق به عموم النفع من سلامة النسب من الاشتباه، وصيانة الأولاد عن الضياع (١). وهذا القسم ثمانية أنواع، وهي: ١ - عبادات خالصة لا يشوبها معنى للمؤونة والعقوبة، كالإيمان والصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد، وهذه العبادات يلزم فيها النية. ٢ - عبادات فيها معنى المؤونة، كصدقة الفطر عند الحنفية (٢)، فإنها مشتملة على معنى العبادة لكونها صدقة، وأنها طهرة للصائم، ويشترط فيها النية، ويتعلق وجوبها بالوقت، وفيها معنى المؤونة لعدم اشتراط كمال الأهلية في وجوبها، فتجب على الصبي والمجنون، ومعنى المؤونة: الثقل والكلفة (٣). ٣ - مؤونة فيها معنى العبادة، كالعشر ونصف العشر فيما تنبته الأرض، والمؤونة فيه أن سببه الأرض النامية، ومؤونة الشيء سبب بقائه، وبما أنه يصرف في مصارف الزكاة فيتحقق فيه معنى العبادة، وبما أن الأرض أصل، والنماء تابع، فكانت المؤونة أصلًا والعبادة تبعًا.

стр. 455

٤ - مؤونة فيها معنى العقوبة، كالخراج فباعتبار تعلقه بالأرض فهو مؤونة، وباعتبار الاشتغال بالزراعة من أهل الذمة والإعراض عن الجهاد فهو عقوبة (١). ٥ - عقوبة كاملة، كحد الزنا والسرقة وشرب الخمر والتعزيرات وحد البغاة وقطع الطريق، وهذه العقوبات واجبة بطريق العقوبة، ويؤديها الإمام، وهي عقوبة كاملة، لأنها وجبت بجنايات كاملة. ٦ - عقوبة قاصرة، كحرمان القاتل من ميراث المقتول، فالحرمان من الميراث عقوبة مالية، ولكنها قاصرة بالنسبة للعقوبة البدنية. ٧ - حقوق دائرة بين الأمرين: العقوبة والعبادة، كالكفارات ففي أدائها معنى العبادة، لأنها تؤدى بالصوم والتحرير والإطعام، ويؤديها المكلف طوعًا، وبما أنها لا تجب إلا بسبب فعل ممنوع شرعًا ارتكبه المكلف فهي عقوبة. ٨ - حق قائم بنفسه، من غير أن يتعلق بذمة المكلف شيء، ويؤديه بطريق الطاعة، مثل خمس الغنائم والمعادن والكنوز. القسم الثاني: الحق الخالص للعبد، وهو فعل المكلف الذي يتعلق به الحق الخالص للعباد، وحق العبد ما تتعلق به مصلحة خاصة دنيوية كحرمة

стр. 456

ماله، ويستباح بإباحة صاحبه، ويشترط في خصومته وإثباته رفع الدعوى، ويجوز لصاحبه أن يتنازل عنه وأن يصالح عنه، وأن يسقط حقه، وأن يعفو عن غريمه، ولا تؤثر فيه الشبهة (١). والمقصود من الحق الخالص للعباد هو الحفاظ على مصالح العباد الخاصة، مثل بدل المتلفات، وملك المبيع والثمن، وحق الشفعة، وحبس العين المرهونة للمرتهن، وغير ذلك من الحقوق المالية (٢). القسم الثالث: ما اجتمع فيه الحقان، وحق اللَّه غالب فيه، وهو فعل المكلف الذي اجتمع فيه حق اللَّه تعالى وحق العبد، ولكن حق اللَّه غالب فيه، مثل حد القذف عند الحنفية، فقد شرعه اللَّه تعالى لرفع عار الزنا عن المقذوف، وللزجر للقاذف، وهذا حق العبد، كما شرعه اللَّه تعالى لصيانة أعراض الناس، وإبعاد الفساد عن المجتمع، وحفظ اللسان والأخلاق الاجتماعية، وهذا حق اللَّه تعالى (٣)، ويرى الشافية والحنابلة والمشهور عند المالكية أن حد القذف حق خالص للآدمي المقذوف، كالقصاص (٤). القسم الرابع: ما اجتمع فيه الحقان، وحق العبد غالب، وهو فعل المكلف الذي اجتمع فيه حق اللَّه تعالى وحق العبد، ولكن حق العبد فيه غالب،

стр. 457

كالقصاص وعقوبات الدماء كلها، سواء كانت قصاصًا أم ديات، فإن فيها حق اللَّه تعالى، في صيانة الدماء وحفظ المجتمع، وفيها حق العبد لأن القصاص يحقق مصلحة أولياء القتيل، ويمنع الانتقام والحقد من قلوبهم، فكان حق العبد غالبًا (١). نظرة الشاطبي لتقسيم الحقوق: ونختم الكلام عن المحكوم فيه بذكر رأي الشاطبي في أقسام المحكوم فيه، فيرى أن كل حكم شرعي يجمع بين حق اللَّه وهو جهة التعبد، وحق العبد وهو جهة المصلحة المالية أو المنفعة الشخصية، ويرى أنه لا يوجد حق خالص للَّه تعالى، كما لا يوجد حق خالص للعبد، وكل حق يبدو أنه خالص للَّه تعالى فإنه يحقق منافع ظاهرة وملموسة للعبد من ناحية المصلحة له في الدنيا، والثواب والأجر والدرجات العليا في الآخرة، وكل حكم يبدو عليه أنه حق خالص للعبد، فإن اللَّه تعالى له حق فيه، بأن تطبق أحكام اللَّه تعالى فيه وتنفذ شريعته، ويلتزم المرء فيه حدود اللَّه تعالى، ويرتع في حظيرته، ولأن حق العبد إنما يثبت كونه حقًّا له بإثبات الشرع ذلك له، وليس بكونه مستحقًا لذلك بحكم الأصل (٢).

стр. 458

الفصل الرابع في المحكوم عليه تعريف المحكوم عليه: هو الشخص الذي تعلق خطاب اللَّه نعالى بفعله، ويسمى المكلف. فالمكلف هو الشخص الذي توجه إليه الخطاب، ويحكم على أفعاله بالقبول أو الرد، أو أن أفعاله تدخل في قسم المأمور به، أو المنهي عنه أو لا تدخل فيهما، وقد سبق الكلام أن الحكم هو خطاب اللَّه المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرًا أو وضعًا، وأن الخطاب هو توجيه الكلام إلى شخص، وليس المقصود الشخص بذاته، وإنما المقصود أفعاله التي يرتبط بها الخطاب (١)، وأساس التكليف هو العقل والفهم.

стр. 459

شروط المحكوم عليه: يشترط لصحة التكليف أن يتوفر فيه شرطان: أولًا: أن يكون قادرًا على فهم دليل التكليف (١): بأن يفهم بنفسه خطاب الشارع في القرآن والسنة، أو بواسطة غيره بالسؤال والتعلم، لأن طاعة اللَّه تعالى وامتثال أوامره، والابتعاد عن نواهيه، يتوقف على فهم الخطاب، أما العاجز الذي لا يملك قدرة لتفهم الخطاب فلا يمكنه أن ينفذ ما كُلِّفَ به، وأن يمتثل الأحكام وأن يتجه قصده إليها، فلا يقال لمن لا يفهم: افهم، ولا يقال لمن لا يسمع: اسمع، ولا لمن لا يبصر: أبصر (٢). والقدرة على فهم الخطاب تتحقق بوجود العقل من جهة، وبكون النصوص التي يكلف بها العاقل في متناول عقله لفهمها من جهة أخرى، لأن العقل أداة فهم النصوص وإدراكها، قال الآمدي: اتفق العقلاء على أن شرط المكلف أن يكون عاقلًا، فاهمًا، لأن التكليف خطاب، وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال (٣). وبما أن العقل خفي لا يدرك بالحس، وأنه يتفاوت من شخص إلى آخر، وأنه يتطور وينمو ويتدرج من العدم إلى الكمال في الشخص الواحد، لذا ربط الشارع التكليف بأمر ظاهر منضبط يدرك بالحس،

стр. 460

ويدل على تحقق المستوى العقلي المطلوب للقدرة على فهم الخطاب، وهو البلوغ، إقامةً للسبب الظاهر مقام حكمه (١). قال ابن عبد الشكور: العقل شرط التكليف، وذلك متفاوت في الشدة والضعف، ولا يناط التكليف بكل قدر من العقول، بل رحمة اللَّه اقتضت أن يناط بقدر مُعْتَدٍّ به فأنيط بالبلوغ عاقلًا، لأنه مظنة كمال العقل، فالتكليف دائر عليه وجودًا وعدمًا، لا على كمال العقل ونقصانه، كالسفر أنيط به الحكم لكونه مظنة المشقة، والمشقة أمر غير مضبوط، فالحكم دائر عليه وجودًا وعدمًا، وجدت المشقة أم لا (٢). والبلوغ يكون بتحقق العلامات الطبيعية على جسم الشاب والفتاة، كالاحتلام والحيض، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩]، ولقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾ [النور: ٥٨]، ولقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل" (٣)، فقد علقت الآيتان والحديث الأحكام على بلوغ الحلم والاحتلام، مما يدل على أن التكليف يرتبط بالاحتلام، وهذا عند الشاب، ويقابله الحيض
следующие страницы →