الفصل الرابع في أسباب اختلاف الفقهاء
أهمية الموضوع:
ينظر المرء أحيانًا إلى التفرق في الأمة، والخلاف بين أفرادها، والنزاع الناشب في صفوفها، والجدل الذي لا طائل تحته، والتعصب المقيت الذي يحجر على العقول، ويبحث عن السبب فيرى لأول وهلة أن سبب كل ذلك هو اختلاف الأئمة الذي جر هذه الويلات، ويتبادر إلى ذهنه فورًا السؤال عن أسباب اختلاف الفقهاء، ويخيل إليه أن اختلافهم كان نقمة على الأمة، وهذا ما يحاول أن يثيره أعداء الإسلام، وأتباع المستشرقين، وأذناب الاستعمار، وأبواق الغزو الفكري، ويوجهونه إلى ضعاف الإيمان، أو ضعاف النفوس، فيوقعون بينهم الشك والريبة والتردد، ويغرسون في نفوسهم عقدة النقص والعار في تاريخهم وأئمتهم.
وينظر المرء من جهة أخرى إلى هذا التراث الزاخر في الفقه والتشريع، ويطوف بين الأحكام وعللها، ومأخذ كل إمام وحجته، ويضيق أحيانًا مجال البحث على هيئة التشريع في بعض أحكام مذهب
стр. 72
ما، فترى الشفاء القريب في المذهب الآخر، ويجول الإنسان بين المذاهب فيرى الصدر الرحب في الموسوعات الفقهية المقارنة، كالحاوي الكبير للماوردي، والمغني لابن قدامة، وبدائع الصنائع للكاساني، والذخيرة للقرافي، فتمتلئ النفس راحة، وتشعر بالثروة الفقهية العظيمة التي خلفها لنا الأئمة الأجلاء والسلف الصالح، وتقدر الجهد المبذول منهم، وتطمئن سريرتها إلى حسن المقصد، ونزاهة العمل، وتجرد النية لله تعالى، وتدرك تمامًا أن تعدد المذاهب كان نعمة كبرى، وأن اختلاف الأمة رحمة، وأن سبب الاختلاف أمر منطقي وعقلي وفطري، وتلمس في كل جزئية السبب العلمي الموضوعي للاختلاف فيها.
وجهتا النظر السابقتان المتعارضتان تدعواننا لبحث ومعرفة الحقيقة في أسباب الاختلاف.
ونسرع إلى القول: إن أسباب الاختلاف بين الفقهاء لا تدخل في علم أصول الفقه، ولذا نترك تفصيل هذا الموضوع الضروري المهم إلى مجاله الخاص، في مادة الفقه، أو الفقه المقارن، أو تاريخ التشريع والمدخل الفقهي، ونقتصر على بيان مكانة أصول الفقه في أسباب الاختلاف، والأثر المتبادل بين أصول الفقه واختلاف الفقهاء.
وسبق أن عرفنا الغاية والفائدة من أصول الفقه، وعرفنا الظروف التي دعت إلى ظهوره وتدوينه، وبقي علينا أن نعلم وظيفة أصول الفقه في إزالة الاختلاف وتقليله، وأثره في بيان الضوابط والقواعد والموازين لأسباب الاختلاف الصحيح والمقبول.
وقبل أن نبين ذلك نذكر بعض الحقائق الضرورية في الموضوع، ثم نشير باختصار إلى أهم أسباب الاختلاف، وخاصة ما يتعلق منها بأصول الفقه.
стр. 73
أولًا: الحقائق الهامة في اختلاف الفقهاء:
١ - إن الاختلاف في التشريع أمر طبيعي وعادي ولا غبار عليه، ولا يوجد تشريع في الدنيا يخلو من ذلك، سواء أكان التشريع سماويًّا أم وضعيًّا، بل لا يوجد علم من العلوم الإنسانية يخلو منه، فالأدباء مختلفون في الكتابة والنقد، والشعراء مختلفون في قرض الشعر وموازينه، وعلماء القانون مختلفون في تفسيره ومضمونه وشرحه، والمحاكم مختلفة في تطبيق القانون واللوائح على الرغم من اتباعها نظامًا واحدًا، وعلماء التاريخ مختلفون في أحداثه ورواياته، والشخص الواحد يختلف رأيه من حين إلى حين ... وهكذا الأطباء والمهندسون والخبراء يختلفون في تقييم الموضوع الواحد وتشخيصه والنظر إليه، ولا يزول الاختلاف إلا إذا صار الإنسان آلة مصنعة، ولو لم يختلف الفقهاء لكانوا شواذًا عن البشر.
٢ - إن الاختلاف بين الفقهاء في الشريعة الإسلامية منحصر في الفروع الفقهية، مع الاتفاق الكامل على الأصول العامة، سواء أكانت في أصول الدين أي في العقيدة وأركان الإسلام، أم في أصول التشريع وهي القرآن الكريم والسنة الشريفة والإجماع والقياس.
فالاتفاق كامل بين الأئمة في عقيدة المسلم التي تقوم على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، والاتفاق كامل في أركان الإسلام من الشهادة والصلاة والصيام والزكاة والحج، والإجماع على صحة القرآن الكريم ونقله بالتواتر، وأنه كلام الله تعالى، وأنه حجة على المسلمين دون اختلاف على حرف واحد منه، ولا نزاع في حجية السنة، وأنها مبينة لكتاب الله، ومصدر أساسي في التشريع، ولم ينكر ذلك إلا من خرج عن الإسلام وفارق الجماعة، وأما الاختلاف في الإجماع والقياس فهو على نطاق ضيق مع الاتفاق عليهما
стр. 74
بين أهل السنة والجماعة.
وهذا الاتفاق على الأصول العامة هو من فضل الله تعالى على هذه الشريعة التي أنزلها خاتمة الشرائع والرسالات، وتكفل بحفظها إلى أن يرث الأرض ومن عليها، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
وأما الاختلاف في الفروع الفقهية، والأحكام التفصيلية فلا يضر بالأمة ولا يؤثر على كيانها وسمعتها ووحدتها، بل هو علامة على خلودها وصلاحها "كما سنرى".
٣ - إن الاختلاف في بقية مصادر التشريع اختلاف في الظاهر غالبًا، أو هو اختلاف لفظي أو اصطلاحي، ولا مشاحة في الاصطلاح، وكثيرًا ما تكون النتائج متفقة، وينحصر أثر الاختلاف في جزئيات محددة، فلا خلاف في حقيقة الاستحسان بين الحنفية وبين المالكية والشافعية، ولا خلاف في الواقع بين الحنفية والشافعية وبين المالكية في المصالح المرسلة، لأن الشافعية والحنفية كثيرًا ما يعللون بالمصالح، ويبنون الأحكام عليها، وكذلك الأمر في العرف والعادة والاستصحاب وسد الذرائع وقول الصحابي وشرع من قبلنا (١).
٤ - إن الاختلاف بين الأئمة كان السبب في تزويد المكتبة الإسلامية بهذه الثروة الفقهية التي نضاهي العالم بها، ونعتز بوجودها، وأتاحت للتشريع المرونة والحيوية في تلبية حاجات ومتطلبات التقدم والتطور
стр. 75
والعمران خلال العصور الطويلة في أرجاء المعمورة (١)، كما مرَّ في تدوين أصول الفقه وفوائده.
٥ - إن الاختلاف في الفروع -مع الاتفاق على الأصول- هو رحمة بالأمة، وتخفيف عنها، وتوسعة عليها، فإن ضاق بالأمة مذهب استعانت بالآخر، وإن شق عليها الحكم لجأت إلى غيره، قال عمر بن عبد العزيز ﵀: ما سرني أن أصحاب محمد ﷺ لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة (٢)، كمسح الرأس، وطلاق الثلاث، وزكاة الزروع والثمار، وأحكام الحج، والاغتسال من الجنابة قبل النوم أو بعده.
٦ - إن الاختلاف بين الأئمة يعتمد على أسباب موضوعية وعلمية، وهو أبعد ما يكون عن التشهي والهوى أو الانتصار لذات أو شخص، ولا حاجة للتدليل وإقامة البرهان على ذلك، فتاريخ التشريع وسيرة الأئمة يؤكد ذلك، ومن ينكره أو يتشكك فيه فإنما يجهل تاريخ هذه الأمة، أو يحمل الحقد والضغينة واللؤم والعداوة لعلمائها، الذين كان الإخلاص رائدهم، والتعبد لله هدفهم، ومرضاة الله مبتغاهم، وطلب العلم والوصول إلى الحق أسمى أمانيهم.
٧ - لم يقع اختلاف في النصوص القطعية -من ناحية الثبوت والدلالة، فالقرآن الكريم قطعي الثبوت، لأنه نقل إلينا بالتواتر،
стр. 76
فلا خلاف في ثبوته، وكذلك السنة المتواترة قطعية الثبوت، فلا خلاف في ثبوتها، مثل أفعال الصلاة ومناسك الحج، وكذلك الدلالة القطعية التي لا تحتمل معنى آخر في القرآن أو السنة المتواترة، فلا خلاف فيها، مثل المقادير والحدود، وإنما ينحصر الاختلاف في الدلالة الظنية وفي الثبوت الظني كأخبار الآحاد.
٨ - لم يقع الاختلاف في حياة رسول الله ﷺ ، لأنه كان المرجع الوحيد للتشريع، وكان ﵊ يعتمد على الوحي، وكان الصحابة إذا اختلفوا في حكم -لم يرد فيه نص- يرجعون إليه لمعرفة الصواب، ومع ذلك فإننا نلاحظ تعدد الأقوال في المسألة الواحدة في حياة رسول الله ﷺ ، وكان يقر حكمين مختلفين لبيان إباحة الأمرين واستوائهما، أو لإباحة الأمرين مع تفضيل أحدهما على الآخر، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها:
أ - سئل رسول الله ﷺ في أوقات متعددة عن أفضل الأعمال، فتعدد جوابه بحسب الأشخاص والأحوال والظروف المحيطة بالسائل، وقال مرة: "الجهاد في سبيل الله"، وقال: "بر الوالدين"، وقال: "الصلاة في وقتها"، وغير ذلك، وسئل ﵊: أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف (١) ".
ب - جاء رجلان من الصحابة إلى مسيلمة الكذاب فأمسكهما
стр. 77
وهددهما بالقتل، ثم قال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: فما تقول فيَّ؟ قال: أنت أيضًا، فخلاه، وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: فما تقول فيَّ؟ قال: إنما أنا أصم، فأعاد عليه ثلاثًا، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: "أما الأول: فقد أخذ برخصة الله، وأما الثاني: فقد صدع بالحق، فهنيئًا له (١) ".
ج - عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء، فتيمما صعيدًا طيبًا فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة، ولم يعد الآخر، فأتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: "أصبت السنة وأجزأتك صلاتك"، وقال للذي توضأ وأعاد: "لك الأجر مرتين (٢) ".
د - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: نادى فينا رسول الله ﷺ يوم انصرف عن الأحزاب: "أن لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة"، فتخوف الناس فوت الوقت فصلوا دون بني قريظة، وقال آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله ﷺ ، وإن فاتنا الوقت، قال: فما عنف واحدًا من الفريقين (٣).
стр. 78
وهذا التعدد في الأقوال، وإقرار الرسول ﷺ لاختلاف الصحابة، إن دل على شيء فإنما يدل على مرونة الشريعة وسعتها، والتيسير فيها، ورفع الحرج عن المكلفين في تطبيقها.
ثانيًا: أهم أسباب الاختلاف:
سنكتفي بتعداد أهم أسباب الاختلاف مع ضرب بعض الأمثلة، دون التحقيق فيها أو الإفاضة في شرحها، وتوضيحًا للغرض فقد قسمنا أسباب الاختلاف إلى قسمين من حيث صلتها بعلم الأصول.
القسم الأول:
أسباب الاختلاف التي لا ترجع مباشرة إلى علم أصول الفقه، وكانت سابقة على وجوده، وهي:
١ - الاختلاف في الأمور الجبليَّة، وذلك أن الناس، ومنهم الأئمة والعلماء، قد فطروا على قدرات مختلفة، وطبائع متباينة، وأن تركيب النفس البشرية يختلف من شخص إلى آخر، كما أن القدرات العقلية والملكات الذاتية لا يمكن أن تكون متساوية ومتفقة بين شخصين، ولذلك تختلف وجهات النظر بينهم، وينتج بالتالي اختلاف في الأحكام التي يجتهدون في استنباطها.
يقول الشيخ علي الخفيف: ذلك أن عادات الناس مختلفة، وأعرافهم متعددة، وأعمالهم متنوعة، وآراءهم متعارضة، وأنظارهم متفاوتة، ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، وإذا اختلفت المقدمات اختلفت النتائج (١). ثم يقول: وجد الخلاف
стр. 79
ولا يزال إلى اليوم، ولن يزال قائمًا ما دام الناس هم الناس بطبائعهم وأفكارهم وتقلبهم ومعايشهم وتعليمهم وتربيتهم وبيئتهم وأعرافهم (١).
فالاختلاف واقع في التفكير والعقل والحواس والملكات، وبالتالي فلا بد أن تختلف الآراء والاجتهادات في المسألة الواحدة، وهذا الخلاف لا يحتاج إلى استدلال ولا براهين، ولا ينكره إلا من ينكر الشمس الطالعة، وهذا من دلائل عظمة الله تعالى القائل: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢)﴾ [الروم: ٢٢].
ولكن الذي يستدعي الانتباه فيه أمران:
أ- أن هذا الاختلاف في التكوين اعترفت به الشريعة التي جاءت متفقة مع الفطرة والواقع والعقل، بل اعتبرت الاختلاف في ذلك رحمة بالأمة.
ب- ونتج عن الأمر الأول أن الإسلام قدر قيمة العقل والفكر، وأطلق عنانه من قيود التبعية والتقليد، ومنحه القدرة على رفض الذيلية والخضوع لطبقة معينة تسمى رجال الدين أو رجال السياسة أو ... ولم توجب الشريعة إلزام المسلم برأي معين إلا ما أوجبه الله تعالى.
٢ - الاختلاف في اللغة، وذلك أن علماء اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم مختلفون في أمور كثيرة تتعلق بوضع اللفظ الدال على المعنى، وبمعنى الألفاظ ودلالتها، وفي الأسلوب والصيغ وغير ذلك، وظهر عندهم الحقيقة والمجاز، والعام والخاص والمشترك والمترادف وغير ذلك، مما أكسب اللغة اتساعًا، فاختارها الله لرسالته، وظهر فيها
стр. 80
إعجاز القرآن الكريم، وكان الاختلاف الواقع في اللغة مؤديًا إلى الاختلاف في فهم النص ودلالته، وإلى الاختلاف في استنباط الحكم الشرعي منه، مثل لفظ: النكاح والقرء واليد واللمس والنبيذ وحروف الجر والعطف، وقد وضع علماء الأصول بعض المبادئ اللغوية التي تطبق على فهم النصوص، ودخلت هذه المبادئ في قواعد علم أصول الفقه (١).
٣ - اختلاف البيئات والعصور والمصالح، وذلك أن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح الناس في الدنيا والآخرة، ولذلك فإن المصالح الثابتة والمقاصد الشرعية الرئيسية لا اختلاف فيها ولا نزاع، وأما الأحكام الجزئية والتفصيلية فقد تحقق المصلحة في مكان دون مكان، وقد تلبي حاجات الناس في زمان دون زمان، فلو كانت الأحكام التفصيلية الفرعية واحدة لأدى ذلك إلى الحرج، وانتفت مصالح الناس، وتوقفت أعمالهم، ولحقهم الضجر الذي يدفعهم إلى التحايل والتهرب من التشريع بشتى الوسائل، فالبيئة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي كانت في الحجاز تختلف تمامًا عنها في العراق أو الشام أو مصر، وما ألفه الناس من عادات وتقاليد وأعراف صحيحة في صدر الإسلام يستغربها المسلم في العصور الأخيرة، وإن بعض الأحكام والشروط التي نص عليها الأئمة في القرون الأولى لتحقيق المساواة والعدالة بين أطراف العقد تعتبر عبئًا عليهم اليوم بدون هدف ولا غاية ولا فائدة.
стр. 81
كل هذه الأسباب دعت الأئمة إلى الاختلاف في الأحكام الفرعية حسب البيئات والعصور والمصالح، وكان الإمام الواحد إذا تغيرت هذه الظروف لم يبق شامخ الرأس، متحجر العقل، متغطرس التفكير، بل كان واقعيًا وحساسًا لهذه الأمور فيرعاها ويغير من اجتهاده على مقتضاها، كما حصل مع الإمام الشافعي، وكما حدث مع الصاحبين بعد وفاة الإمام أبي حنيفة، وكما نرى في كثير من الأحكام المختلف فيها بين المتأخرين والمتقدمين في المذهب الواحد، ويقولون: "إنه اختلاف عصر وزمان، وليس اختلاف حجة وبرهان" ووضعوا القاعدة الفقهية: "لا ينكر تغير الأحكام لتغير الأزمان" لتأكيد صلاحية الشريعة في كل زمان ومكان، وأنها خالدة وحجة على المؤمنين بها والحاقدين عليها على حد سواء (١).
٤ - الاختلاف في فهم المراد من النص عندما تكون دلالة النصوص ليست قطعية، ويكون المعنى خافيًا، أو محتملًا للتأويل، أو قابلًا للنسخ، وظهر هذا السبب منذ عصر الصحابة الذين اختلفوا في فهم النص القرآني، ثم جاء علماء التفسير وحاولوا بيان معنى الآيات فاختلفوا في ذلك، كالاختلاف في القراءات، والقراءة الشاذة، وألفاظ القرآن المشتركة، والعام الذي يدخله التخصيص، والمطلق الذي يلحقه التقييد، كما اختلف علماء الحديث في فهم المراد من الحديث عند غموض النص، أو احتمال تأويله، أو تعارضه مع نص آخر، كما اختلفوا في المراد من السنة الفعلية ودلالتها على الأحكام، كالاختلاف في حكم طواف القدوم، وحكم الأفعال الجبلية التي صدرت عن رسول الله ﷺ ، وكان الاختلاف في فهم المراد من النص مؤديًا إلى الاختلاف في الأحكام بين الفقهاء (٢).
стр. 82
القسم الثاني:
أسباب الاختلاف التي ترجع مباشرة إلى علم أصول الفقه:
١ - الاختلاف في حجية بعض مصادر التشريع، إما من حيث ثبوتها، كالسنة غير المتواترة، وإما من حيث كونها مصدرًا تشريعيًّا عند عدم وجود النص.
فقد اتفق الأئمة على حجية القرآن والسنة، وكاد الأمر أن يكون كذلك في الإجماع والقياس، ثم نشأ الخلاف في حجية بقية مصادر التشريع، وسوف يضع القارئ يده على هذا الاختلاف وحقيقته عند دراسة كل مصدر منها، وكان الاختلاف في حجية المصدر من جهة، ثم في فروعه وقواعده من جهة أخرى، كالاختلاف في أنواع الإجماع، والاختلاف في علة القياس ..... وهكذا (١).
٢ - الاختلاف في علوم الحديث الذي ظهر في زمن الصحابة، وتفاقم واشتد في عهد التابعين ومن بعدهم، وتكرس في قواعد ومبادئ في علم الأصول، وقد اتفق المسلمون على أن السنة حجة،
стр. 83
وأن الحجة فيما ثبت عن رسول الله ﷺ بشكل صحيح، ومع ذلك ظهر الاختلاف في عدة حالات أهمها:
أ - عدم العلم بالحديث من الصحابي أو من غيره، لعدم الإحاطة بالسُّنة، فيقضي العالم بظاهر آية، أو بحديث آخر، أو يجتهد رأيه، فأبو بكر لم يعلم بحديث ميراث الجدة (١)، وعمر لم يبلغه حديث الاستئذان، وحديث إرث المرأة من دية زوجها، وحديث الجزية على المجوس، وعثمان لم تبلغه السُّنَّة في اعتداد المتوفى عنها زوجها في بيت الزوجية، وعليّ لم يعلم بصلاة التوبة (٢)، ولا بعدة الحامل المتوفى عنها زوجها، وغير ذلك من الأحاديث التي لم تصل إلى الخلفاء الراشدين بينما علمها غيرهم، وهكذا الأمر في بقية الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
ب - عدم ثبوت الحديث عند الصحابي بعد علمه به لعدم ثقته بالراوي، بينما ثبت عند غيره، وبرز هذا الاختلاف في عهد التابعين ومن بعدهم، لكون أحد رجال السند مجهولًا أو متهمًا أو سيئ الحفظ، أو كان السند منقطعًا أو مضطربًا وغير ذلك من علل الحديث، بينما ثبت الحديث عند آخر صحيحًا متصلًا مقبولًا، وترتب على ذلك اختلاف في الأحكام.
ج- الاعتقاد بضعف الحديث لمعرفة خاصة بأحد رجال السند، فيَرُدُّ حديثه، في حين يخفى الأمر على آخر، فيقبله، أو عرف كل منهما
стр. 84
سبب الجرح فاعتقد أحدهما أنه علة تؤثر في الراوي، واعتقد الآخر أنه لا يجرحه ولا يؤثر فيه، أو لاختلاف حالة الشخص الواحد من ضبط إلى اضطراب، ومن حفظ إلى نسيان، وهذا معروف في مصطلح الحديث، فالاختلاف في قواعد المصطلح يؤدي إلى الاختلاف في الحكم على الحديث صحة وضعفًا، وقبولًا ورفضًا، وانتقل إلى علم الأصول، فاختلفوا في أنواع الحديث المتواتر والمشهور والآحاد، وحجية كل منها، وخاصة في حديث الآحاد إذا خالف القياس، أو كان فيما تعم به البلوى، كما اختلفوا في أنواع أخرى من الأحاديث كالحديث المرسل، والعمل بالحديث الضعيف.
د - وضع الشروط لقبول خبر الآحاد، وسوف نفصل الاختلاف في حجية خبر الآحاد والاختلاف في شروطه في مبحث السنة إن شاء الله تعالى (١).
هـ - نسيان الحديث، لأن السُّنة لم تكن مدوَّنة، وكان الاعتماد فيها على الحفظ، والإنسان قد ينسى، فقد نسي عمر بن الخطاب حديث التيمم من الجنابة عند عدم الماء، فذكَّره به عمار، والأمثلة على ذلك كثيرة، وهذا يؤدي إلى الاختلاف في الحكم، ثم تكرس هذا الخلاف فيما بعد (٢).
٣ - الاختلاف في القواعد والمبادئ الأصولية، اختلف علماء
стр. 85
الأصول في القواعد والضوابط التي وضعوها في علم الأصول، ونتج عن هذا الاختلاف في القواعد اختلاف بين الفقهاء في الفروع الفقهية، والأحكام التفصيلية (١)، ونذكر بعض الأمثلة:
أ- الاختلاف في القواعد الأصولية في دلالة الألفاظ على الأحكام، فقال الجمهور: إن دلالة اللفظ تكون بالمنطوق والمفهوم، وقال الحنفية: إن دلالة اللفظ تكون إما بالعبارة أو الإشارة أو النص أو الاقتضاء، واختلفوا اختلافًا واسعًا في المفهوم، ونتج عن ذلك اختلاف في الفروع.
ب- الاختلاف في القواعد الأصولية في شمول الألفاظ وعدمها، كالعام والخاص، والمطلق والمقيد، والزيادة على النص، وهذا الاختلاف نشأ عن الاختلاف في اللغة، والاختلاف في معرفة المراد من النص، وترتب عليه الاختلاف بين الفقهاء.
ج- دلالة الأمر والنهي، ودلالة العام القطعية والظنية، مثلًا: هل الأمر يفيد الوجوب أم الإباحة؟ وهل النهي يفيد التحريم أم الكراهة، وهل دلالة العام قطعية أم ظنية ... ؟
د- قواعد التعارض والترجيح، سواء كان التعارض بين نصين في القرآن الكريم، أو بين نصين في الحديث، أو بين آية وحديث، أو كان التعارض بين قاعدتين في الترجيح، وقد اختلف العلماء في هذه القواعد، ونتج عنها اختلاف في الأحكام.
стр. 86
هـ- الاختلاف في قواعد تخصيص العام، وقواعد تقييد المطلق، وقواعد النسخ، وغير ذلك من المباحث التي تتعلق بالكتاب والسنة مما سيطلع عليه القارئ فيما بعد، فيرى هذه القواعد، وأثر الاختلاف فيها على اختلاف الفقهاء (١).
وأكتفي بهذا العرض الموجز لأضرب مثالين للتطبيق، أحدهما من القرآن، والآخر من السنة، ليكونا صلة الوصل بين هذا الباب التمهيدي وبين الباب الأول في بحث المصدرين الرئيسيين وهما الكتاب والسنة.
الاختلاف في القراءة الشاذة:
القرآن الكريم منقول إلينا بالتواتر، كما سيأتي تفصيله في البحث التالي، أما ما نقل بغير المتواتر فلا يعتبر قرآنًا، ولا تصح به الصلاة، ولا يتعبد بتلاوته، ويعرف بالقراءة الشاذة أو المشهورة، كما ورد في مصحف ابن مسعود في كفارة اليمين: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، بزيادة لفظ "متتابعات" ومثل قراءة ابن مسعود في آية السرقة "فاقطعوا أيمانهما" بدلًا من ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقراءة أبيّ "فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ متتابعات" [البقرة: ١٨٤]، بزيادة كلمة "متتابعات".
стр. 87
اختلف العلماء في حجية القراءة الشاذة على قولين:
القول الأول: أن هذه القراءة حجة يجب العمل بها، وهو رأي الإمام أبي حنيفة والإمام أحمد، لأن هذه القراءة لا بد أن تكون مسموعة من النبي ﷺ ، وتكون سنة بيانية من رسول الله ﷺ ، والسنة يجب الاعتماد عليها، وإلا فلا يجوز للصحابي أن ينقلها، ولا يحتمل أن تكون مذهبًا للصحابي، لأن الصحابي نقلها وكتبها في القرآن، ولو كانت مذهبًا له كان عمله افتراء وكذبًا منه، مع أن الصحابة عدول لا يكذبون في القرآن، ولا في الحديث، ولا في غيرهما.
القول الثاني: أن القراءة الشاذة ليست حجة ولا يعتمد عليها، وهي رأي أكثر الشافعية المالكية ورواية عن أحمد، لأنها ليست قرآنًا باتفاق، وأن الصحابي لم يصرح بأنها سنة، فتكون تفسيرًا واجتهادًا من الصحابي، فلا يُلزم الاحتجاج بها.
وترتب على هذا الاختلاف اختلاف الأئمة في أحكام فقهية كثيرة، منها: الاختلاف في وجوب التتابع في صيام الكفارة أو عدم وجوبه.
فذهب الحنفية والحنابلة في ظاهر المذهب إلى اشتراط التتابع في كفارة اليمين، فلو صام متفرقًا لم يصح، واحتجوا بقراءة ابن مسعود: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" وقالوا: إن هذه القراءة تنزل منزلة الحديث الصحيح، وبما أنها مشهورة عن ابن مسعود فيمكن الزيادة بها على النص.
وقال الشافعية والمالكية -وأحمد في رواية- بعدم اشتراط التتابع في كفارة اليمين، والمكلف حر ومخير بين الصيام المتتابع أو المتفرق، وإن قراءة ابن مسعود ليست حجة، ولا يلزم العمل بها، وتُحمل على معرض البيان منه (١).
стр. 88
الاختلاف في الحديث المرسل:
اختلف علماء الأصول في حجية الحديث المرسل، ونتج عن ذلك اختلافهم في الأحكام الفقهية التي تؤخذ منه، كما اختلف علماء الحديث وعلماء الأصول في تعريفه.
فعرفه علماء الحديث بأنه: ما يقوله التابعي: قال رسول الله ﷺ ، دون أن يذكر الصحابي الذي نقل عنه، وسمي مرسلًا لأنه أرسل الحديث إلى رسول الله ﷺ دون أن يذكر من سمعه منه (١).
وعرفه علماء الأصول بأن يقول الراوي الذي لم يلق رسول الله، سواء كان تابعيًّا أم غيره: قال رسول الله كذا (٢).
والمرسل عند علماء الأصول يشمل المرسل عند علماء الحديث ويشمل غيره، وقد اختلف الأئمة في الاحتجاج بالحديث المرسل عند المحدثين على قولين:
القول الأول: أن الحديث المرسل حجة، وهو قول الحنفية والمالكية ورواية عن أحمد، وأخذ به الآمدي الشافعي، وقد يرجح الحنفية أحيانًا الحديث المرسل على المسند عند التعارض (٣)، واحتجوا بأن كثيرًا من صغار الصحابة نقلوا أحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ ،
стр. 89
ولم يسمعوها منه، ولم ينكر عليهم أحد.
ويرد على هذا الدليل أن قياس الحديث المرسل من التابعين ومن بعدهم على مرسل الصحابة قياس مع الفارق؛ لأن مرسل الصحابي مقبول باتفاق العلماء ما عدا الظاهرية لأن الصحابة عدول باتفاق، وأن الصحابي لا يروي إلا عن صحابي.
واحتجوا أيضًا بأن أكثر التابعين كانوا يرسلون الأحاديث عن رسول الله، دون أن ينكر عليهم الصحابة والتابعون، وأن التابعين شهد لهم رسول الله ﷺ بالخيرية.
واحتجوا بأن العدل الضابط الثقة في الحديث لا يرسل الحديث إلا إذا علم، أو غلب على ظنه، أنه صحيح عن رسول الله، فالراوي جازم بنسبة الحديث إلى النبي ﷺ (١).
القول الثاني: أن الحديث المرسل ليس حجة، إلا إذا تقوى من طريق آخر، وهو رأي الإمام الشافعي، لأن الإمام الشافعي عند جمعه طرق الحديث ظهر له أنه كم من مرسل لا أصل له، وكم من مرسل يخالف الحديث المسند، ولأن العدالة شرط في صحة الخبر، وعندما ترك الراوي تسمية من حدثه به، فيجوز أن يكون المجهول عدلًا، ويحتمل أن يكون ليس بعدل، فلا يقبل خبره حتى يعلم المجهول.
والحديث المرسل يتقوى بأحد الأمور التالية:
١ - أن يؤيده حديث مسند.
стр. 90
٢ - أن يوافقه حديث مرسل من طريق آخر.
٣ - أن يعضده قول صحابي.
٤ - أن يتفق مع قول أكثر أهل العلم بأن يفتوا بمعناه.
٥ - أن يكون المرسِل من كبار التابعين الذين لا يَروون إلا عن ثقة، أو عند صحة السند، مثل مراسيل سعيد بن المسيب والزهري اللذين تتبع الإمام الشافعي أحاديثهما المرسلة، فوجدها كلها صحيحة ومسندة من طرق أخرى (١).
وترتب على هذا الاختلاف اختلاف الفقهاء في عدة أحكام وردت في الأحاديث المرسلة، فردها الشافعية، وعمل بها الجمهور، إن لم تتعارض مع دليل آخر عندهم، منها:
١ - الاختلاف في الحد الأعلى للتعزير بالضرب.
٢ - الاختلاف في تحريم الزواج بسبب الزنا (٢).
٣ - الاختلاف في انتفاع المرتهن بالرهن.
٤ - الاختلاف في نقض الوضوء بالقهقهة في الصلاة (٣)، فأمر من ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة.
٥ - الاختلاف في وجوب قضاء صوم التطوع إذا أفسده بعد الشروع فيه لحديث "اقضيا يومًا مكانه" ..
٦ - الاختلاف في نقض الوضوء بلمس المرأة، للحديث المرسل
стр. 91
"كان يقبل أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ" (١).
وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة التي اختلف فيها الفقهاء بسبب اختلافهم في حجية الحديث المرسل وليس بسبب آخر.
ثالثًا: صلة أسباب الاختلاف بعلم الأصول:
الواقع أن علم الأصول ساهم مساهمة بناءة في القضاء على أسباب الاختلاف الباطلة التي لا تقوم على أساس، ولا تنسجم مع هدف المشرع، أو مقاصد الشريعة، ولا توافق الإيمان بأصول الدين وأركانه، ولذا فقد وفع علم الأصول حدًّا للترهات، وكان سلاحًا في وجه من تسول له نفسه الولوج إلى شريعة الله ليحرف فيها، أو يغير في أصولها، أو يدس فيها ما ليس منها، أو يحاول هدم وبذر الشقاق والخلاف الشخصي فيها (٢)، وكان علم أصول الفقه حجر عثرة في وجه الطامعين في الإساءة إلى كتاب الله وسنة نبيه، فكانت قواعد الأصول وضوابطه ميزانًا لسبر الأحكام والآراء والاختلافات، بل كانت مساعدًا للحكم على الرجال والعاملين في هذا المضمار، لتمييز الخبيث من الطيب، والغث من الثمين، ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٧].
ونضرب مثالًا لذلك أنه ظهر في القرن الثاني بدعة خطيرة، وملة ضالة، أرادت تقويض دعائم الإسلام بهدم أحد ركنيه وهو السنة، فأنكرت حجيتها، وحاولت تغطية مآربها الخبيثة بحجة الاكتفاء بالقرآن الكريم الذي أكمله الله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، ﴿مَّا مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، فوضع الإمام الشافعي "الرسالة" وغيرها من كتب
стр. 92
الأصول وأفاض في الكلام عن حجية السنة ومكانتها في التشريع، ورد الشبه والأوهام والأباطيل التي أثارها منكرو السنة، فتأكد هذا الأصل، واتفق المسلمون على حجية السنة، ولم يجرؤ أحد على إنكارها، أو الحياد عنها (١)، وانقرضت تلك الفئة الباغية دون أن تترك أثرًا في التاريخ الذي لم يحفظ لنا اسمها واسم الداعين إليها.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن علم أصول الفقه جعل الاختلاف بين الفقهاء منضبطًا، فنظم هذا الاختلاف وحدد قواعده، وكان حَكَمًا على الفقهاء في اختلافهم، وهو دليل على أن الاختلاف بين الأئمة والفقهاء مبني على اختلافهم في المبادئ والأصول التي قامت عليها أحكام المذاهب، وليس بسبب التعصب الباطل والتقليد الأعمى، وإن كل باب من أبواب الأصول يعطي الدليل على ذلك، سواء في مصادر التشريع، أم في فهم النصوص وتفسيرها في القرآن والسنة، أم في تعارض الأدلة، مما يؤكد صدق النوايا، والإخلاص لله في العمل، والتوجه إلى مرضاته في الاستدلال والاستنباط والاجتهاد.
ونختم الكلام عن أسباب الاختلاف بما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فيقول: "وبعد: فيجب على المسلمين بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين كما نطق به القرآن، خصوصًا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدى بهم في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، إذ كل أمة قبل مبعث محمد ﷺ فعلماؤها شرارها إلا المسلمين، فإن علماءهم خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول في أمته، والمحيون ما مات من سنته، بهم قام الكتاب، وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا" (٢).
стр. 93
فالاختلاف في الفروع لا يضر في الأمة، ولا يفرق شملها، ولا يشتت قوتها، وإنما الخطر كل الخطر في الاختلاف في العقيدة وأصول الشريعة، وهذا لم يحصل، والحمد لله، وإذا رأينا تعصبًا مقيتًا، أو شقاقًا مفرقًا، فإن الأئمة بريئون منه براءة الذئب من دم يوسف، وإن السبب يرجع إلى الجهل بالشريعة أولًا، وبسيرة الأئمة وآرائهم ثانيًا، وإلى اليد العاتية الدخيلة التي تريد تمزيق الأمة ثالثًا.
نرجو الله أن يفقهنا في ديننا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما يعلمنا، وأن يلهمنا السداد في القول والعمل.
стр. 94
الفصل الخامس في مقاصد الشريعة
نتناول دراسة مقاصد الشريعة إجمالًا بحسب المخطط التالي:
١ - تعريف المقاصد.
٢ - تحديد مقاصد الشريعة بتحقيق مصالح الناس في الدنيا والآخرة.
٣ - فائدة دراستها ومعرفتها.
٤ - أقسام المصالح بحسب أهميتها وخطورتها وأثرها في الحياة.
٥ - وسائل تحقيق المقاصد بالتشريع.
٦ - ترتيب الأحكام بحسب المقاصد، ومعرفة الراجح منها عند التعارض.
أولًا: تعريف المقاصد:
المقاصد لغة: جمع مقصد من قصد الشيء، وقصد له وقصد إليه قصدًا من باب ضرب، بمعنى طلبه وأتى إليه واكتنزه وأثبته، والقصد هو طلب الشيء أو إثبات الشيء، أو الاكتناز في الشيء أو العدل فيه (١).
стр. 95
ومقاصد الشريعة في اصطلاح العلماء هي الغايات والأهداف والنتائج والمعاني التي أتت بها الشريعة، وأثبتتها في الأحكام، وسعت إلى تحقيقها وإيجادها والوصول إليها في كل زمان ومكان (١).
ثانيًا: تحديد مقاصد الشريعة:
إن الله خلق الإنسان على أحسن تقويم، وكرم بني آدم غاية التكريم، وفضلهم على سائر المخلوقات، وسخر لهم ما في الأرض جميعًا وما في السماوات، وجعلهم خلفاءه في الأرض.
وفوق كل ذلك فإن الله تعالى لم يخلق الإنسان عبثًا، ولم يتركه سدى، وإنما أرسل له الرسل والأنبياء، وأنزل عليه الكتب والشرائع، إلى أن ختم الله الرسل والأنبياء بسيدنا محمَّد عليه أفضل الصلاة والسلام، وختم الكتب والشرائع بالقرآن العظيم وشريعة الإِسلام.
وتهدف هذه الشريعة إلى تحقيق السعادة للإنسان في هذه الدنيا لتحقيق خلافة الله في أرضه، فجاءت الشريعة لتحقيق مصالح الإنسان، وهي جلب المنافع له، ودفع المضار عنه، فترشده إلى الخير، وتهديه سواء السبيل، وتدله على البر، وتأخذ بيده إلى الهدي القويم، وتكشف له المصالح الحقيقية، ثم وضعت له الأحكام الشرعية لتكون له هاديًا ودليلًا لتحقيق هذه المقاصد والغايات، وأنزلت عليه الأصول والفروع لإيجاد هذه الأهداف، ثم لحفظها وصيانتها وتأمينها وعدم الاعتداء عليها.
وحدد العلماء مقاصد الشريعة بأنها تحقيق مصالح الناس في الدنيا والآخرة (٢)، في العاجل والآجل، ومصالح الناس في الدنيا: هي كل ما
стр. 96
فيه نفعهم وفائدتهم وصلاحهم وسعادتهم وراحتهم، وكل ما يساعدهم على تجنب الأذى والضرر ودفع الفساد، إن عاجلًا أو آجلًا، ومصالح الناس في الآخرة هي الفوز برضاء الله تعالى في الجنة، والنجاة من عذابه وغضبه في النار.
وقد وردت الأحكام الشرعية لجلب المصالح للناس، ودفع المفاسد عنهم، وأن كل حكم شرعي إنما نزل لتأمين أحد المصالح، أو دفع أحد المفاسد، أو لتحقيق الأمرين معًا، وأنه ما من مصلحة في الدنيا والآخرة إلا وقد رعاها المشرع، وأوجد لها الأحكام التي تكفل إيجادها والحفاظ عليها، وإن المشرع الحكيم لم يترك مفسدة في الدنيا والآخرة، في العاجل والآجل، إلا بينها للناس وحذرهم منها، وأرشدهم إلى اجتنابها والبعد عنها (١).
والدليل على ذلك الاستقراء الكامل للنصوص الشرعية من جهة، ولمصالح الناس من جهة ثانية، وأن الله تعالى لا يفعل الأشياء عبثًا في الخلق والإيجاد والتهذيب والتشريع، وأن النصوص الشرعية في العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات المالية والعقوبات وغيرها جاءت معللة بأنها لتحقيق المصالح ودفع ...................................
стр. 97
المفاسد (١).
فالعقيدة بمختلف أصولها وفروعها إنما جاءت لرعاية مصالح الإنسان في هدايته إلى الدِّين الحق، والإيمان الصحيح، مع تكريمه والسمو به عن مزالق الضلال والانحراف، وإنقاذه من العقائد الباطلة والأهواء المختلفة والشهوات الحيوانية، فجاءت أحكام العقيدة لترسيخ الإيمان بالله تعالى واجتناب الطاغوت، ليسمو الإنسان بعقيدته وإيمانه، وينجو من الوقوع في شرك الوثنية، وتأليه المخلوقات من بقر وقرود، وشمس وقمر، ونجوم وشياطين، وغير ذلك.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧، ١٨].
وقال تعالى مبينًا الحكمة والفاية من خلق الإنسان: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ
стр. 98
أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ [الذاريات: ٥٦، ٥٧] والعبادة هنا بمعناها العام الشامل لكل عمل قصد به وجه الله تعالى.
وبين تعالى أن الحكمة والغاية والهدف من ابتعاث الرسل هي تحقيق هذه المصلحة الكبرى للإنسان في عبادة الله واجتناب الطاغوت في الدنيا، والفوز برضاء الله في الجنة، وأن لا يبقى للإنسان حجة على الله تعالى بكفره وضلاله وانحرافه، قالِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
وصرح القرآن الكريم بالحكمة والمصلحة في بعثة محمَّد ﷺ خاصة فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧] , والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة وصريحة.
وبين تعالى أن الغاية والهدف من إنزال الكتب هي تحقيق مصالح الناس، بتحقيق السعادة لهم في الدنيا، والفوز والنجاة بالآخرة لإخراجهم من الظلمات إلى النور، قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ [إبراهيم: ١].
وجمع الله تعالى في آية واحدة الحكمة من إرسال الرسل وإنزال الكتب، ليقوم الناس بالقسط والعدل والاستقامة، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥] ثم بين الله تعالى وظيفة القرآن بشكل عام وشامل، فقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠)﴾ [الإسراء: ٩، ١٠] وغير
стр. 99
ذلك من بقية فروع العقيدة.
وفي مجال العبادات وردت نصوص كثيرة تبين أن الحكمة والغاية من العبادات إنما هي تحقيق مصلحة الإنسان، وأن الله تعالى غني عن العبادة والطاعة، فلا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، فقال عن الهدف من العبادة عامة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١] فالقصد من العبادة التزود بالتقوى للإنسان، وهو ما جاء مفصلًا في كل عبادة من العبادات، ففي الصوم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣] , وفي الحج قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧] فالحج دورة تدريبية وتربوية للمسلم في التعود على الفضائل والأخلاق الكريمة، والبعد عن الفساد والرذائل، فلا يرفث ولا يفسق ولا يجادل، وإنما يجب عليه التزود بالتقوى في مناسك الحج.
وقال تعالى عن الزكاة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] فالزكاة تزكية للمسلم وتطهير له، لتعود الفائدة الخالصة للمزكي.
وقال تعالى عن الصلاة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وأكد ذلك رسول الله ﷺ فقال: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدًا" (١). وقال ﵊ في الحديث القدسي عن الله تعالى: "يا عبادي لو أن أولكم واخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم
стр. 100
وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئًا" (١).
وفي المعاملات بيَّن الله تعالى الهدف منها، وأنها لتحقيق مصالح الناس بجلب المنافع لهم ودفع المفاسد والأضرار والمشاق عنهم، وإزالة الفساد والغش وغيره من معاملاتهم، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ إلى قوله تعالى محددًا الهدف والغاية من ذلك: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] , وقال تعالى في النهي عن أكل المال بالباطل وأنه ظلم وإثم وطغيان ومفسدة: ﴿ولَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ [البقرة: ١٨٨].
وبين تعالى الحكمة والهدف والمقصد من تحريم الخمر فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩١].
وبين الحكمة والغاية من مشروعية القصاص وأنها لتأمين الحياة البشرية، وحفظ الأنفس والأرواح فقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩] , وأكد ذلك رسول الله ﷺ فقال: "حَدٌّ يُعمل به في الأرض خيرٌ لأهلِ الأرْض من أن يُمْطَروا أربعين صباحًا" (٢).
стр. 101
وبين تعالى أنه لا يهدف من التكليف الإرهاق، بل الهدف من الأحكامِ رفع الحرج والمشقة عن الناس، فقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] , وقال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وقال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
وهكذا يثبت قطعًا أن الله تعالى شرع الأحكام لمقاصد، وأن هذه المقاصد منها كلية، ومنها جزئية، وأن العلماء بينوا معرفة المقاصد الكلية والجزئية (١).
ثالثًا: الفائدة من معرفة مقاصد الشريعة:
إن معرفة مقاصد الشريعة لها أهمية عظيمة، وفوائد كثيرة بالنسبة للطالب والفقيه والعالم والمجتهد.
أما فائدتها بالنسبة للطالب والباحث فتتحدد بما يلي:
١ - أن يعرف الطالب الإطار العام للشريعة، ويُكوِّن عند التصور الكامل للإسلام، ويحصل عنده الصورة الشاملة لتعاليمه، لتتكون لديه النظرة الكلية الإجمالية لأحكامه وفروعه، وبالتالي يدرك الطالب المكان
стр. 102
الطبيعي لكل مقرر دراسي، ومادة علمية، ويعرف موقعها الحقيقي في ذلك، ومن ثم تتحدد لديه بشكل عام ما يدخل في الشريعة وما يخرج منها، فكل ما يحقق مصالح الناس في العاجل والآجل، في الدنيا والآخرة فهو من الشريعة، ومطلوب من المسلم، وكل ما يؤدي إلى الفساد والضرر، والاضطراب والمشقة فهو ليس من الشريعة، بل هو منهي عنه، وهذا يساعده على وضع اللبنات في أماكنها، ويقيم المواد على قواعدها (١).
٢ - إن دراسة مقاصد الشريعة تبين للطالب الأهداف السامية التي ترمي إليها الشريعة في الأحكام، وتوضح للطالب الغايات الجليلة التي جاءت بها الرسل، وأنزلت لها الكتب، فيزداد إيمانًا إلى إيمانه، وقناعة في وجدانه، ومحبة لشريعته، وتمسكًا بدينه، وثباتًا على صراطه المستقيم، فيفتخر بدينه ويعتز بإسلامه، وخاصة إذا قارن ذلك مع بقية التشريعات والأنظمة الوضعية.
٣ - إن مقاصد الشريعة تعين الطالب في الدراسة المقارنة على ترجيح القول الذي يحقق مقاصد الشريعة، ويتفق مع أهدافها في جلب المنافع ودفع المفاسد، وخاصة في قضاء المظالم والسياسة الشرعية فيما لا نص فيه.
٤ - إن بيان مقاصد الشريعة يبرز للطالب الهدف الذي سيدعو الناس إليه بعد التخرج، وأن دعوته ترمي إلى تحقيق مصالح الناس ودفع
стр. 103
المفاسد عنهم، وأنها ترشد إلى الوسائل والسبل التي تحقق لهم السعادة في الدنيا، والفوز برضوان الله في الآخرة، وأن مهمة الأنبياء والرسل كانت تهدف إلى تحقيق هذه المقاصد، والعلماء ورثة الأنبياء في الدعوة إلى الصلاح والإصلاح، وتسعى للبر والفضيلة، وتحذر من الفساد والإثم والرذيلة والشر، ولذلك كانت وظائف الأنبياء أنبل الأعمال، وأشرف الأمور، وأسمى الغايات، وأقدس المهمات، ومن سار على طريقهم لحق بهم، ونال أجرهم.
أما أهمية معرفة مقاصد الشريعة بالنسبة للعالم والفقيه والمجتهد (١) فتظهر في الفوائد التالية:
١ - الاستنارة بها في معرفة الأحكام الشرعية الكلية والجزئية من أدلتها الأصلية والفرعية المنصوص عليها.
٢ - الاستعانة بمقاصد الشريعة في فهم النصوص الشرعية وتفسيرها بشكل صحيح عند تطبيقها على الوقائع.
٣ - الاسترشاد بمقاصد الشريعة عند تحديد مدلولات الألفاظ ومعانيها, لتعيين المعنى المقصود منها؛ لأن الألفاظ والعبارات قد تتعدد معانيها، وتختلف مدلولاتها -كما سبق بيانه في أسباب اختلاف الفقهاء- فتأتي المقاصد لتحديد المعنى المقصود منها.
٤ - الرجوع إلى مقاصد الشريعة عند فقدان النص على المسائل والوقائع الجديدة، فيرجع المجتهد والفقيه والقاضي إلى مقاصد الشريعة لاستنباط الأحكام بالاجتهاد والقياس والاستحسان والاستصلاح وغيرها
стр. 104
بما يتفق مع روح الدين، ومقاصد الشريعة وأحكامها الأساسية.
٥ - إن مقاصد الشريعة تعين المجتهد والقاضي والفقيه على الترجيح عند تعارض الأدلة، الكلية أو الجزئية في الفروع والأحكام، وكثيرًا ما يكون التعارض ظاهريًّا بين الأدلة، ويحتاج الباحث إلى معرفة السبل للتوفيق بينها، أو معرفة الوسائل للترجيح، وإن طرق الترجيح في الفقه وأصول الفقه كثيرة، ومنها الترجيح بمقاصد الشريعة.
وهذه الفوائد تحتم على الباحث والعالم والفقيه والمجتهد أن يضع مقاصد الشريعة نصب عينيه لتضيء له الطريق، وتصحح له المسار، وتعينه على الوصول إلى الحق والعدل، والصواب والسداد.
وقد لمس رجال التشريع هذه الأهمية والفوائد، ولجأت السلطات التشريعية في الدول المعاصرة إلى وضع المذكرات التفسيرية للقانون أو للنظام، لتبين للناس عامة المقصد الخاص لكل مادة، ليتمكن شراح القانون والقضاة والمحامون من حسن فهم القانون، وحسن تطبيقه وتنفيذه بما يتفق مع روح التشريع والقصد الذي وضع من أجله.
كما تطلب معظم الأنظمة في العالم من القضاة أن يحكموا بمبادئ العدالة وبما يتفق مع المبادئ العامة عندما يفقدون النص في النظام على أمر ما.
كما أن فقهاء الشريعة الإِسلامية اتفقوا على أن تصرفات الإِمام (الحاكم) منوطة بالمصلحة، أي إن جميع تصرفات الحكام مرتبطة بتحقيق مصالح الناس، فإن خرجت من المصلحة إلى المفسدة كانت باطلة، ويتعرض أصحابها إلى المسؤولية في الدنيا والآخرة (١).
стр. 105
رابعًا: تقسيم المقاصد بحسب المصالح:
قلنا: إن مقاصد الشريعة هي تحقيق مصالح الناس، ولكن مصالح الناس ليست على درجة واحدة من حيث الأهمية والخطورة وحاجة الناس إليها، وإنما هي على مستويات مختلفة، ودرجات متعددة، فبعض المصالح ضروري وجوهري يتعلق بوجود الإنسان ومقومات حياته، وبعضها يأتي في الدرجة الثانية ليكون وسيلة مكملة للمصالح الضرورية السابقة، وتساعد الإنسان على الاستفادة الحسنة من جوانب الحياة المختلفة في السلوك والمعاملات وتنظيم العلاقات، وبعض المصالح لا تتوقف عليها الحياة، ولا ترتبط بحاجات الإنسان، وإنما تتطلبها مكارم الأخلاق والذوق الصحيح والعقل السليم، لتأمين الرفاهية للناس، وتحقيق الكماليات لهم (١).
ومن هنا حصر العلماء مصالح الناس وقسموها بحسب أهميتها وخطورتها وأثرها في الحياة وحاجة الناس إليها إلى ثلاثة أقسام، وأن مقاصد الشريعة جاءت لتحقيق هذه المصالح بأقسامها الثلاثة وهي:
١ - المصالح الضرورية:
وهي التي تقوم عليها حياة الناس الدينية والدنيوية، ويتوقف عليها وجودهم في الدنيا ونجاتهم في الآخرة، وإذا فقدت هذه المصالح الضرورية اختل نظام الحياة، وفسدت مصالح الناس، وعمت فيهم الفوضى وتعرض وجودهم للخطر والدمار والضياع والانهيار.
стр. 106
وتنحصر مصالح الناس الضرورية في خمسة أشياء، وهي: الدين والنفس والعقل والعرض أو النسب والمال (١)، وقد جاءت الشريعة الغراء لحفظ هذه المصالح الأساسية، وإن مقاصد الشريعة الأساسية مرتبطة بها، وهي:
١ - حفظ الدين، ٢ - حفظ النفس، ٣ - حفظ العقل، ٤ - حفظ النسل أو العرض أو النسب، ٥ - حفظ المال، وقد اتفقت الشرائع السماوية على مراعاة هذه الأصول الأساسية والمصالح الضرورية للناس.
قال حجة الإِسلام الغزالي ﵀: "ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة" (٢).
٢ - المصالح الحاجية:
وهي الأمور التي يحتاجها الناس لتأمين شؤون الحياة بيسر وسهولة، وتدفع عنهم المشقة وتخفف عنهم التكاليف، وتساعدهم على تحمل أعباء الحياة، وإذا فقدت هذه الأمور لا يختل نظام حياتهم، ولا يتهدد وجودهم، ولا ينتابهم الخطر والدمار والفوضى، ولكن يلحقهم الحرج والضيق والمشقة، ولذلك تأتي الأحكام التي تحقق هذه المصالح الحاجية للناس لترفع عنهم الحرج، وتيسر لهم سبل التعامل، وتساعدهم على صيانة مصالحهم الضرورية، وتأديتها، والحفاظ عليها عن طريق "الحاجيات" (٣).
стр. 107
٣ - المصالح التحسينية:
وهي الأمور التي تطلبها المروءة والآداب، ويحتاج إليها الناس لتسيير شؤون الحياة على أحسن وجه وأكمل أسلوب، وأقوم منهج، وإذا فقدت هذه الأمور فلا تختل شؤون الحياة، ولا ينتاب الناس الحرج والمشقة، ولكن يحسون بالخجل، وتتقزز نفوسهم، وتستنكر عقولهم، وتأنف فطرتهم من فقدها.
وهذه الأمور التحسينية ترجع إلى ما تقتضيه الأخلاق والأذواق الرفيعة، وتكمل المصالح الضرورية والمصالح الحاجية على أرفع مستوى وأحسن حال (١).
وجاءت الشريعة الإِسلامية لتأمين هذه المصالح جميعًا، بأن نصت على كل منها، وبينت أهميتها وخطورتها ومكانتها في تحقيق السعادة للإنسان، ثم شرعت الأحكام لتحقيقها، كما سنفصله في الفقرة التالية.
خامسًا: الوسائل الشرعية لتحقيق المقاصد:
يدل الاستقراء والبحث والدراسة والتأمل على أن الشرع الحنيف جاء لتحقيق مصالح الناس الضرورية والحاجية والتحسينية، وأن الأحكام الشرعية كلها إنما شرعت لتحقيق هذه المصالح، وأنه ما من حكم شرعي إلا قصد به تحقيق أحد هذه المصالح أو أكثر، بحيث يكفل التشريع جميع المصالح بأقسامها الثلاثة.
وكان منهج التشريع لرعاية هذه المصالح عن طريقين أساسيين:
أ- الأحكام الشرعية التي تؤمن إيجاد هذه المصالح وتكوينها.
стр. 108
ب- الأحكام الشرعية لحفظ المصالح وصيانتها ورعايتها ومنع الاعتداء عليها أو الإخلال بها، أو ضمانها والتعويض عنها (١).
ونريد أن نفصل الكلام عن كل قسم مع بيان الأدلة لذلك، وضرب الأمثلة لكل منها بما يؤكد مقاصد الشريعة في حفظ هذه المصالح.
١ - الوسائل الشرعية لحفظ المصالح الضرورية:
وردت أحكام كثيرة جدًّا تدعو لتأمين المصالح الضرورية للناس، وتسعى لإيجادها على أحسن وجه وأفضل طريقة، ثم تكفل حفظها ورعايتها.
فالدين مصلحة ضرورية للناس؛ لأنه ينظم علاقة الإنسان بربه، وعلاقة الإنسان بنفسه، وعلاقة الإنسان بمجتمعه، وقد شرع الإِسلام أحكامًا كثيرة لتنظيم هذه العلاقات كلها، فبين أحكام العقيدة بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقضاء خيره وشره، وشرع أركان الإِسلام الخمس، وهي: الشهادتان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت الحرام، وشرع أنواع العبادات وكيفيتها لتنمية الدين في النفوس، وترسيخه في القلوب، وإيجاده في الحياة والمجتمع، ونشره في أرجاء المعمورة، وأوجب الدعوة إليه لإخراج الناس من الظلمات إلى النور.
ثم شرع الجهاد لحفظه ورعايته وضمانه سليمًا وعدم الاعتداء عليه، ومنع الفتنة في الدين، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وشرع عقوبة المرتد عن دينه، وبيَّن عقوبة المبتدع والمنحرف عن دينه وطالب الأخذ على يد تارك الصلاة ومانع الزكاة،
стр. 109
والمفطر في رمضان، والمنكر لما علم من الدين بالضرورة ... وغير ذلك، لإبعاد الناس عن الخبط في العقائد وحفظهم من مفاسد الشرك، وإنقاذهم من وساوس شياطين الإنس والجن، وعدم الوقوع في الضلال والانحراف، وحتى لا يسف العقل في عبادة الأحجار والأصنام، أو الأبقار والقرود والحيوان، أو الشمس والقمر والنجوم، أو تأليه الأشخاص وعبادة البشر، ولينقذ البشرية من طقوس العبادات المزيفة، والترانيم السخيفة، والاعتقادات الباطلة (١).
ويجب أن يعلم المسلم أن مصلحة الدين أساس للمصالح الأخرى، وأن حفظه مقدم على بقية المصالح، بل إن الدين في ذاته حفاظ لجميع مصالح العباد في الدنيا والآخرة (٢).
والنفس هي ذات الإنسان، وهي مقصودة بذاتها في الإيجاد والتكوين، وفي الحفظ والرعاية كما سبق بيانه.
وشرع الإِسلام لإيجادها وتكوينها الزواج للتوالد والتناسل لضمان النقاء الإنساني والوجود البشري، واستمرار النوع السليم على أكمل وجه وأفضله وأحسنه، ثم حرم الزنا وبقية أنواع الأنكحة الفاسدة الباطلة.
وشرع الإِسلام لحفظ النفس ورعايتها وعدم الاعتداء عليها وجوب تناول الطعام والشراب واللباس والمسكن، وأوجب القصاص والدية والكفارة (٣).
والعقل أسمى شيء في الإنسان، وأبرز ميزة وصفة تميزه عن بقية
стр. 110
الحيوان، وهو أعظم منحة من رب العالمين للإنسان ليرشده إلى الخير ويبعده عن الشر، ويكون معه مرشدًا ومعينًا.
وإن وجود العقل جزء من إيجاد النفس، وأحكامها أحكامه، ولكن الحفاظ عليه يختلف عنها، ويختص بوسائل خاصة، فشرع الإِسلام أحكامًا للحفاظ على العقل، فدعا إلى الصحة الكاملة للجسم، لتأمين العقل الكامل، فالعقل السليم في الجسم السليم، وحرم الإِسلام الخمر وجميع المسكرات التي تزيل العقل، وتلغي وجوده، وتؤثر عليه، وشرع الإِسلام حد الخمر لمن يتناول هذه المشروبات النجسة الضارة، لأن الحفاظ على العقل مصلحة ضرورية للإنسان، وإلا فقد أعز ما يملك (١).
والعرض فرع من النفس الإنسانية (٢)، وهو ما يمدح الإنسان به أو يذم، وهو أحد الصفات الأساسية المعنوية للإنسان، والتي تميزه عن بقية الحيوان، والقصد منه حفظ النسل والنسب بأرقى الوسائل، وأشرف الطرق ويعبر عنه العلماء بحفظ النسب أو النسل، وإن وجود النسب والنسل فرع عن وجود النفس الإنسانية التي شرع الله لوجودها الزواج، ويتأكد وجود النسل والنسب بأحكام الأسرة، وإن الحفاظ على العرض مقصود بذاته من جهة، وهو وسيلة لحفظ النسل والذرية من جهة أخرى، حتى لا تختلط الأنساب، وتضيع الذرية ويتشرد الأطفال.
وقد شرع الإِسلام للحفاظ على العرض ورعايته أحكامًا كثيرة تبدأ من غض النظر وتنتهي بإقامة الحد على الزاني الذي يعتدي ماديًا على العرض، وإقامة حد القذف على القاذف الذي يعتدي أدبيًّا على