← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17118

الوجيز في أصول الفقه الإسلامي

محمد مصطفى الزحيلي

Полный текст (958 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

ولو من بعض الوجوه خير من العمل بأحدهما وإهمال الآخر؛ لأن الأصل في الدليلين إعمالهما، وعند الجمع بين الدليلين يزول التعارض الظاهري، وكان هذا بيانًا للمراد من النصين؛ لأنه لا تعارض في الحقيقة بينهما، حتى لو كان أحد الدليلين من السنة، والآخر من الكتاب على الأصح. ويمكن الجمع بين الدليلين والعمل بهما معًا بطرق كثيرة، كأن يكون أحدهما عامًّا والآخر خاصًّا، أو أحدهما مطلقًا والآخر مقيدًا، أو أحدهما حقيقة والآخر مجازًا، وسبق بيان ذلك في الدلالات، وكما سبق كثير من الأمثلة في طريقة الحنفية في الجمع بين النصوص. ويمكن الجمع بين الدليلين والعمل بهما معًا بالتبعيض، وذلك في حالات ثلاث: أ- أن يكون حكم كل من الدليلين المتعارضين قابلًا للتبعيض، فالعمل بهما متعذر، فيعمل بهما من بعض الوجوه، فيكون قد عمل بكل واحد في بعض الحكم، كوضع اليد من اثنين على دار، فتقسم بينهما. ب- أن يكون حكم كل واحد من الدليلين متعددًا، بأن يحتمل أحكامًا كثيرة، فيعمل بالدليلين، بأن يثبت بكل واحد منهما بعض الأحكام، مثل قوله ﷺ : "لا صلاةَ لجارِ المسْجد إلا في المسجد" (١)، فإنه معارض لتقريره ﷺ لمنْ صلى في غير المسجد مع كونه جارًا (٢)، فهذان الحديثان يشتملان على أحكام متعددة، فالحديث الأول يحتمل نفي الصحة ونفي الكمال ونفي الفضيلة، والحديث الثاني يحتمل ذلك أيضًا، فيحمل الأول على نفي الكمال، والثاني يحمل على الصحة. جـ- أن يكون حكم كل من الدليلين عامًّا، أي: متعلقًا بأفراد كثيرة،

стр. 912

فيجمع بينهما بأن يعمل بهما معًا بتوزيعها على الأفراد، فيتعلق حكم أحدهما بالبعض، ويتعلق حكم الآخر بالبعض الآخر، مثاله الحديث السابق "خيرُ الشهود" مع حديث "يشهدون قبل أن يُسْتشهدوا" ومثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، مع قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، فتحمل الأولى على بعض الأفراد، وهن المتوفى عنهن أزواجهن غير الحاملات، وتحمل الثانية على الحاملات. ومثله قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٨٠]، مع قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ إلى آخر آيات المواريث، [النساء: ١١ - ١٢، ١٧٦]، فالآية الأولى توجب الوصية للوالدين والأقارب بالمعروف، والآية الثانية توجب للوالدين والأقارب حقًّا من التركة بوصية اللَّه تعالى، لا بوصية المورث، فهما متعارضتات ظاهرًا، ويمكن التوفيق بينهما بالجمع بأن يراد بآية سورة البقرة الوالدان والأقربون الذين منعوا من الإرث بسبب كاختلاف الدين، أو حجبوا باقرب كالإخوة بالأبناء، والجد بالأب، والآية الثانية يراد بها الوالدان والأقربون الوارثون فعلًا. ٢ - الترجيح بين الدليلين: إذا تعذر الجمع بين الدليلين فذهب الجمهور إلى العمل لترجيح أحد الدليلين على الآخر بأحد المرجحات التي سنذكرها، أو سبق بيانها عند الحنفية، ويعمل المجتهد بما اقتضاه الدليل الراجح. ٣ - النسخ: إذا تعذر الجمع بين الدليلين، أو ترجيح أحدهما، لجأ المجتهد إلى طريقة النسخ، إذا كان مدلولهما قابلًا للنسخ، وعلم تقدم أحدهما، وتأخر الآخر، فيكون المتاخر ناسخًا للمتقدم، كما سبق في مبحث النسخ. ٤ - تساقط الدليلين: إذا تعذرت الوجوه السابقة في دفع التعارض من الجمع أو الترجيح أو

стр. 913

النسخ، صار الدليلان متعارضين، فيترك العمل بهما معًا، ويبحث المجتهد عن دليل آخر، وكأن الواقعة لا نص فيها، قال الشيخ عبد الرحمن خلاف رحمه اللَّه تعالى: "وهذه صورة فرضية لا وجود لها" (١). الحالة الثانية: التعارض في الأقيسة: اتفق الجمهور مع الحنفية في طريقة دفع التعارض بين الأقيسة المتعارضة، بأن يرجح المجتهد أحد الأقيسة بأحد الترجيحات التي سنذكرها لاحقًا، أو سبقت الإشارة إليها عند الحنفية، كالترجيح بالعلة المنصوصة على العلة المستنبطة بالمناسبة وغيرها (٢). حالة تعذر دفع التعارض: إذا تعذر دفع التعارض بين الأدلة النصية، أو الأقيسة المتعارضة، ويسمى التعادل في نفس الأمر (٣)، فقد اختلف الجمهور في بيان الحل للمجتهد الذي عجز عن الترجيح، وتحير، ولم يجد دليلًا آخر، وذلك على عدة آراء، أهمها: الأول: القول بالتخير بأن يختار المجتهد العمل بأحد النصين أو أحد القياسين، والثاني: القول بالتساقط كالبينتين إذا تعارضتا مع طلب الحكم من موضع آخر كالرجوع إلى العموم، أو البراءة الأصلية، والثالث: التفصيل، فإن كان التعارض بين حديثين، تساقطا، ولا يعمل بواحد منهما، أو بين

стр. 914

قياسين فيتخير، والرابع: الوقف، كما لو حصل ذلك في التعادل الذهني؛ الخامس: الأخذ بالأغلظ، السادس: بالتوزيع والقسمة، والسابع: التخيير في الواجبات، والتساقط عند تعارض الإباحة أو التحريم مع الرجوع إلى البراءة الأصلية، والثامن: يقلد عالمًا أكبر، والتاسع: يصبح الأمر كالحكم قبل ورود الشرع (١)، وسيأتي مزيد من الأمثلة.

стр. 915

الفصل الثاني الترجيح بين الأدلة تعريف الترجيح: الترجيح لغة: الثقل والميل والتفضيل والتقوية، يقال: رجح الشيء رجحانًا ورجوحًا ورجاحة: ثقل، ورجحت إحدى الكفتين الأخرى: مالت بالموزون، ورجحه أرجحه: فضّله وقواه، واستعمال الرجحان حقيقة إنما هو في الأعيان الجوهرية، ثم استعمل في المعاني مجازًا (١). والترجيح في الاصطلاح: اختلف العلماء في تعريفه نتيجة لاختلافهم في تكييفه، هل هو فعل المجتهد؟ أم أنه وصف قائم بالدليل الراجح؟ أم كلاهما؟ فعرفه الزركشي رحمه اللَّه تعالى بأنه: "تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى بما ليس ظاهرًا" (٢)، وهذا الحد باعتبار الترجيح من عمل المرجح المجتهد، ومع ذلك أغفل ذكر المجتهد، وأن ترجيح غير المجتهد لا يعتد به عند الأصوليين، والترجيح هو بيان التقوية، أي: بيان القوة الكامنة في الدليل، واقتصر على الأمارة ليحصر الترجيح في الأدلة الظنية دون القطعية، مع أننا رجحنا أن التعارض يقع في الأدلة القطعية والظنية، ويحتاج للترجيح، وقيد الترجيح حالة "ما ليس ظاهرًا" في الأمارة، فإن كانت القوة ظاهرة فلا يحتاج للترجيح، ويخرج من التعريف الأخبار والظواهر لاختصاص اسم الأمارة بالمعاني، لكنها تدخل بالتعريف من حيث الغاية،

стр. 916

كما أن التعريف لم يبين الغاية من الترجيح، وهو العمل بالراجح. وعرف ابن الحاجب رحمه اللَّه تعالى الترجيح بأنه "اقتران الأمارة بما تقوى به على ما يعارضها" وعرفه الآمدي رحمه اللَّه تعالى بمثل ذلك، وأضاف الغاية من الترجيح "بما يوجب العمل به وإهمال الآخر" (١)، فهذا التعريف باعتبار الترجيح وصفًا قائمًا بالدليل الراجح، ولكنه أغفل فعل المجتهد الذي يبيَّن أن الدليل مقترن بما يقويه، فالاقتران وصف للدليل، وحصر الترجيح في الأدلة الظنية. وعرف أكثر الحنفية الترجيح بأنه "إظهار زيادة لأحد المتماثلين على الآخر بما لا يستقل" (٢)، وهذا التعريف يفيد أن الترجيح من فعل المكلف، وأنه لوصف قائم بالدليل، وأن الترجيح يقع في الأدلة القطعية والظنية، لكنه لم يحدد من يقوم بالإظهار والبيان، وهو المجتهد، أو الشارع نفسه، ولم يذكر ثمرة الترجيح، وهي العمل بالدليل الراجح. وأقترح تعريفًا موجزًا بأنه "بيان المجتهد لقوة أحد الدليلين المتعارضين ليعمل به"، وهذا يبين القائم بالترجيح وهو المجتهد، وأنه يعتمد على وصف قائم بالدليل وهو القوة، ويشمل جميع الأدلة المتعارضة لينسجم مع وقوع التعارض عمليًّا بين جميع الأدلة ليعمل المجتهد ذهنه فيها، ويرجح ويختار، ثم يبين التعريف الغاية من الترجيح، وهي العمل بالراجح (٣).

стр. 917

فوائد: صلة الترجيح بالتعارض: يظهر من التعريفات السابقة الأمور التالية: ١ - لا يكون الترجيح إلا مع وجود التعارض، فإن انتفى التعارض، انتفى الترجيح؛ لأنه فرعه، ولذلك يقع الترجيح مرتبًا على وجود التعارض، ويتأخر عنه في البحث. ٢ - لا يوجد تعارض بالحقيقة في حجج الشرع، ولهذا يتأخر باب التعارض والترجيح إلى آخر الأبواب؛ لأنه احتياطي. ٣ - قال أبو بكر الخلال رحمه اللَّه تعالى، وهو من أئمة الحنابلة المتقدمين: "لا يجوز أن يوجد في الشرع خبران متعارضان، ليس مع أحدهما ترجيح يُقدم به، فأحدُ المتعارضين باطل، إما لكذب الناقل، أو خطئه بوجه ما من النقليات، أو خطأ في النظريات، أو لبطلان حكمه بالنسخ" (١). ولكن هذا الكلام ليس على إطلاقه؛ لأنه يوجد تعارض كثير وصحيح ظاهرًا في الشرع، ويمكن الجمع بينها، كما سبق، وهذا ما أكده إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة رحمه اللَّه تعالى فقال: "لا أعرف حديثين صحيحين متضادين، فمن كان عنده شيء منه فليأتني به لأؤلف بينهما" وكان من أحسن الناس كلامًا في ذلك (٢)، ولذلك صنف العلماء كتب مختلف الحديث، للجمع بينها. الوصف الشرعي للترجيح: إن الترجيح واجب على المجتهد؛ لأنه مطلوب منه بيان الأحكام من أدلتها، فإذا تعارض عليه دليلان، فيجب البحث عن الراجح منهما؛ لأن التعارض في الأدلة الشرعية ظاهري، وبحسب ما يتبادر إلى الذهن، وبحسب

стр. 918

الظاهر، ولا يوجد تعارض حقيقي، كما سبق، فيعمل المجتهد على اتباع منهج التعارض وطريقته التي سبق بيانها كالجمع، والترجيح، والنسخ، فإن عجز، تساقط الدليلان، وعمل بأحد السبل الذي سبق ذكرها. قال الطوفي رحمه اللَّه تعالى: "وقد عملت الصحابة بالترجيح مجمعين عليه، والترجيح دأَب العقل والشرع حيث احتاجا إليه" (١)، وقال ابن النجار رحمه اللَّه تعالى: "ويجب تقديم الراجح من الأدلة على المرجوح" (٢). شروط الترجيح: تكاد أن تكون شروط الترجيح متفقة مع شروط التعارض التي تواجه المجتهد ليعمل على ترجيح أحد الدليلين، مع بعض الشروط الأخرى التي تتوفر أثناء النظر في الترجيح، وكثير من هذه الشروط مختلف فيها بين المذاهب والعلماء، وقد وضعها بعضهم لتتناسب مع تصوره ونظرته للتعارض والترجيح، وأهمها: ١ - التساوي في الثبوت: وذلك بأن يكون الدليلان ثابتين بدرجة واحدة، من حيث القطعية والظنية، كآيتين، فهما متواترتان في الثبوت، وآية وحديث متواتر، ولذلك فلا تعارض بين الكتاب وخبر الآحاد من حيث الثبوت، وإن حصل بينهما تعارض ظاهري من حيث الدلالة. ٢ - التساوي في القوة: وذلك بأن يكون الدليلان في قوة واحدة، كالمتواترين، أو خبرين من أخبار الآحاد، ولذلك فلا تعارض بين المتواتر وخبر الآحاد، ويقدم المتواتر باتفاق، ولا تعارض بين حديث صحيح وآخر شاذ أو منكر؛ لأن الحديث الشاذ أو المنكر لا يعتبر معارضًا للحديث الصحيح، حتى ولو تعددت طرق الشاذ أو المنكر، أو كثر رواته مع كونه ضعيفًا.

стр. 919

٣ - الاتفاق في الحكم مع اتحاد الوقت والمحل والجهة: فإذا اختلف الحكم بحسب الوقت أو المحل أو الجهة، فلا تعارض، ولا ترجيح، فلا تعارض بين النهي عن البيع مثلًا في وقت النداء للجمعة، مع الإذن به في وقت آخر، ولا تعارض بين النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة والترغيب بها في وقت آخر، وكذا النهي عن صيام التطوع للمرأة المتزوجة إلا بإذن زوجها والترغيب به لغير المتزوجة، وهكذا. ٤ - عدم إمكان الجمع بين الدليلين: إذا ورد دليلان متعارضان فيشترط للترجيح بينهما عند جمهور الأصوليين عدم إمكان الجمع بينهما؛ لأنه يجب -حسب طريقة الجمهور تقديم الجمع بين الدليلين على الترجيح، كما سبق؛ لأن في الجمع عملًا بكلا الدليلين، وفي الترجيح يعمل بأحدهما ويهمل الآخر، وإعمال الدليلين أولى من إعمال أحدهما وإهمال الآخر، حسب القاعدة الفقهية: "إعمال الكلام خير من إهماله". وقال الحنفية: لا يشترط ذلك، ويجب تقديم الترجيح على الجمع؛ لأن العمل بالراجح أولى عقلًا؛ ولأن الدليل المرجوح يفقد حجيته عند معارضته للدليل الراجح، فلم يبق دليلًا معتبرًا حتى يجمع بينه وبين الدليل الراجح، وهو ما سبق بيانه. ٥ - عدم النسخ: يشترط في الترجيح ألا يكون أحد الدليلين ناسخًا للآخر؛ لأنه إذا تحقق النسخ، فلا مجال للترجيح، ويعمل بالناسخ ويترك المنسوخ، وهذا شرط عند بعض العلماء. وقال آخرون: إن التعارض حاصل بين الدليلين، ويطلب من المجتهد البحث عن الترجيح بينهما، فإن تأكد من تاريخ النصين، وسبق أحدهما، وتأخر الآخر، رجح الناسخ على المنسوخ، وزال التعارض. ٦ - استقلال المرجح وعدمه: اشترط الحنفية أن يكون المرجح لأحد الدليلين وصفًا قائمًا بالدليل، كأن يكون الراوي أفقه من الآخر، أو تكون دلالة الراجح بالمنطوق والآخر

стр. 920

بالمفهوم، فإن كان المرجح مستقلًا، فلا يرجح به، كحديث آخر، وكثرة الأدلة، أو كثرة الرواة؛ لأن الرجحان في نظر الحنفية وصف للدليل، والمستقل ليس وصفًا له، ولأن المستقل إن كان فوق الدليل المراد ترجيحه، فيؤخذ به فقط، ولا حاجة للترجيح، وإن كان مثله، فلا ترجيح بالعدد. ولم يشترط الجمهور هذا الشرط، وأجازوا الترجيح بالوصف القائم بالدليل، أو بالدليل المستقل؛ لأن المستقل أقوى من غير المستقل، والترجيح بالمستقل فيه كثرة للنظائر، وهذا بحد ذاته يعتبر وصفًا للدليل، ولذلك يجوز الترجيح عند الجمهور بكثرة الأدلة، وكثرة الرواية، وبالقياس مع أحد الدليلين، أو بقربه من القواعد (١)، وسيرد المزيد من ذلك مع الأمثلة عند عرض طرق الترجيح. حكم الترجيح: أي: الأثر الذي يترتب على القيام بالترجيح، واتفقت المذاهب الأربعة، وجماهير الأصول أن حكم الترجيح هو العمل بالدليل الراجح (٢)، وذكر

стр. 921

بعض العلماء الإجماع عليه (١)، وقال الشوكاني رحمه اللَّه تعالى: "هذا متفق عليه، ولم يخالف في ذلك إلا من لا يعتد به، ومن نظر في أحوال الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم وجدهم متفقين على العمل بالراجح وترك المرجوح" (٢)، وقال ابن النجار رحمه اللَّه تعالى: "ثم اعلم أن العمل بالراجح فيما له مرجح هو قول جماهير العلماء، سواء كان المرجح معلومًا أو مظنونًا، حتى إن المنكرين للقياس عملوا بالترجيح في ظواهر الأخبار" (٣)، ولهذا جاء في تعريف الترجيح النصُّ على العمل به، وهو الهدف والغاية من الترجيح. واستدل الجمهور على وجوب العمل بالدليل الراجح وترك الموجوع بالسنة والإجماع والمعقول. ١ - السنة: أرسل رسول اللَّه ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن قاضيًا السنة العاشرة للهجرة، وسأله: "كيف تقضي إذا عَرَضَ لك قضاء؟ " قال: أقضي بكتاب اللَّه تعالى، قال: "فإنْ لم تجدْ في كتاب اللَّه؟ "، قال: فبسنة رسول اللَّه ﷺ ، قال: "فإنْ لم تجدْ في سنَّة رسول اللَّه، ولا في كتاب اللَّه؟ "، قال: أجتهدُ رأيي، ولا آلُو، أي: لا أقصر" فضرب رسول اللَّه ﷺ صدره، وقال: "الحمد للَّه الذي وفق رسولَ رسولِ اللَّه لما يُرضي اللَّه" (٤).

стр. 922

٢ - الإجماع: أجمع الصحابة ومن بعدهم على وجوب العمل بالدليل الراجح، حتى ولو كان من الأدلة الظنية في وقائع مختلفة، إذا اقترن به ما يتقوى به على معارضه، وستأتي أمثلة كثيرة عند عرض طرق الترجيح بين النصوص. فمن ذلك أن الصحابة رضوان اللَّه عليهم قدَّموا خبر عائشة ﵂ في التقاء الختانين "إذا التقَى الختَانانِ وجبَ الغسلُ، فعلتُه أنا ورسولُ اللَّه ﷺ فاغتسلنا" (١)، على حديث أبي هريرة ﵁ في قوله ﷺ : "إنما الماءُ من الماء" (٢)، أي: إنما الغسل عند نزول المني، ووجه الترجيح أن أزواج النبي ﷺ أعلم بفعله من الرجال، ولكون عائشة أعرف بذلك منهم. ولذلك قدم الصحابة خبر عائشة ﵂: "أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كانَ يُصبحُ جُنُبًا وهو صائم" (٣)، على حديث أبي هريرة ﵁ في قوله ﷺ : "مَنْ أصبحَ جُنُبًا فلا صومَ له" (٤)؛ لأن عائشة أعرف بحال النبي ﷺ . ومن ذلك أن أبا بكر ﵁ قبل خبر المغيرة بن شعبة ﵁ في ميراث الجدة، وأن النبي ﷺ أعطاها السدس (٥)، ورجحه على قول ابن عباس ﵄ أنها بمنزلة الأم فتقوم مقامها، كالجد يقوم مقام الأب.

стр. 923

ومن ذلك أن عمر ﵁ عمل بخبر أبي موسى الأشعري ﵁ في الاستئذان عندما وافقه أبو سعيد الخدري ﵁ وقوّى روايته (١). وكان علي ﵁ يقوّي خبر أبي بكر ﵁ ويعمل به، ولم يحلفه، مع أنه حلَّف غيره لقبول خبره. والأمثلة على ذلك كثيرة، وأن الصحابة كانوا في اجتهاداتهم يوجبون العمل بالراجح من الظنين دون أضعفهما. ٣ - المعقول: إن العقل يوجب العمل بالراجح في الحوادث والأخبار والأدلة، وإذا لم يُعمل بالراجح لزم العمل بالمرجوح، وهو ترجيح للمرجوح على الراجح، وذلك ممتنع عقلًا، وإن العمل بالراجح متعين عرفًا، وتتقبله النفوس، فيجب العمل به شرعًا؛ لأن الأصل تنزيل الأمور الشرعية منزلة التصرفات العقلية، لكونها أسرع للقبول والتسليم والانقياد، لما ورد في الأثر: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسن" (٢)، وهذا ما تتقبله الطباع السليمة. فإذا ظهر الترجيح لأحد الدليلين، أو لإحدى البينات، كان العمل بالراجح هو الواجب، قال الطوفي رحمه اللَّه تعالى: "لأن العمل بالأرجح متعين عقلًا وشرعًا، وقد عملت الصحابة بالترجيح مجمعين عليه، والترجيح دأب العقل والشرع، حيث احتاجا له" (٣).

стр. 924

وهذا ما يجري عليه العمل في جميع جوانب الحياة الاجتماعية والعلمية والتشريعية والقضائية والسياسية وغيرها.

стр. 925

الفصل الثالث طرق الترجيح رأينا أنه كثيرًا ما يقع التعارض -ظاهرًا- بين الأدلة، وأنه يجب على المجتهد أن يرفع هذا التعارض، ويعمل على إزالته، ثم يجب عليه وعلى الكافة العمل بالراجح. ولكن الترجيح لا يكون حسب الهوى، أو بدون علم واجتهاد، لذلك بيَّن العلماء طرق الترجيح، وهي الوسائل التي يستعملها المجتهد عمليًّا لإزالة الترجيح. وإن كثيرًا من طرق الترجيح متفق عليها بين علماء الأصول وعلماء الفقه، وعلماء السُّنة في الترجيح بين مختلف الحديث، ولكنهم يختلفون في ترتيبها، أو وصفها. وإن طرق الترجيح لا تدخل تحت الحصر؛ لأنها تابعة لبحث المجتهد، وحالة التعارض، والعوامل المحيطة بالتعارض والترجيح معًا. ولسهولة الضبط والدراسة والتنظيم فإننا نقسم طرق الترجيح إلى ثلاثة أقسام، وهي: الترجيح بين النُّصوص، والترجيح بين الأقيسة، والترجيح بين نصّ وقياس. قال ابن النجار رحمه اللَّه تعالى: "ويكون الترجيح بين دليلين منقولين كنصّين، وبين معقولين كقياسين، وبين منقول ومعقول، كنصّ وقياس، فهذه ثلاثة أقسام" (١). القسم الأول: الترجيح بين النصوص: المراد من النصوص هي النصوص الشرعية، وهي القرآن والسنة، وقد

стр. 926

يقع التعارض الظاهري قليلًا بين نصوص القرآن الكريم في آيتين مثلًا، ويتم الجمع حصرًا بينهما عن طريق الدلالات في العموم والخصوص، والمطلق والمقيد، والعام والخاص، والحقيقة والمجاز، والناسخ والمنسوخ، وسبق بيان ذلك تفصيلًا في باب الدلالات، أو دلالات الألفاظ، أو تفسير النصوص، وسنشير إليها فيما بعد. وتستخدم هذه الطريقة في التعارض الظاهري بين الأحاديث، ويتم الجمع بينها بالطرق السابقة، ويضاف لها طرق الترجيح الخاص بالأخبار أو الروايات. وطرق الترجيح بين الأخبار أو الروايات قد يكون باعتبار السند، وقد يكون باعتبار المتن، وقد يكون باعتبار مدلول اللفظ وهو الحكم، وقد يكون باعتبار أمر خارج (١)، فهذه أربعة أنواع (٢).

стр. 927

النوع الأول: الترجيح باعتبار السند: السند هو الطريق الذي وصل به الحديث الشريف إلى الأمة بالإخبار عن المتن وهو قول الرسول ﷺ وفعله وتقريره وصفته. ويقع الترجيح باعتبار السند بوجوه كثيرة، وضابطها ما كان أكثر إفادة للظن فهو الراجح، ويكون ذلك بأربعة أشياء: الراوي، والرواية، والمروي، والمروي عنه. أولًا: ترجيح السند باعتبار الراوي: إن الترجيح باعتبار الراوي له طرق عديدة، يفصلها علماء الحديث والمصطلح، وعلماء الأصول والفقه، نعرضها باختصار شديد. ١ - الترجيح لعدالة الراوي المتفق عليها: إذا ورد حديثان صحيحان متعارضان، وكان راوي أحدهما متفقًا على عدالته، والآخر مختلفًا في عدالته، فيرجح الحديث الذي اتفق على عدالة راويه على الحديث الآخر. ٢ - الترجيح بكثرة الرواة: يرجح الحديث الذي رواته أكثر على ما رواته أقل؛ لقوة الظن به عند الجمهور، خلافًا للحنفية الذين لا يرجحون بكثرة الرواة ما لم تصل حد الشهرة، واستدلوا بأدلة غير مقنعة حتى قال كثير من محققي الحنفية، ومنهم صاحب مسلم الثبوت الحنفي: "ولا يخفى على الفطن ضعف هذه الوجوه" (١)، وذلك لأن العدد الكثير أبعد عن الخطأ من العدد القليل، وفي ذلك أدلة شرعية،

стр. 928

وعملية (١). ٣ - الترجيح بوصف في الراوي: إذا كان أحد الراويين راجحًا على الآخر في وصف يغلب على الظن صدقه فيرجح، كالأزيد ثقة، أو فطنة، أو ورعًا، أو علمًا، أو ضبطًا، أو لغة، أو نحوًا، أو غير ذلك، فإن تساويا في الوصف، فيرجح الأشهر بأحد الأوصاف المذكورة، ولا ترجح رواية الذكر على رواية الأنثى عند الجماهير. ٤ - الترجيح لقرينة في الراوي: إذا اقترن مع الراوي قرينة تؤكد روايته، فيرجح على غيره، كالأحسن سياقًا، واعتماد الراوي على حفظه دون الكتابة، وعمل الراوي بروايته، والمباشرة لما رواه من فعل، وصاحب القصة، أو قلة الوسائط وهو علو الإسناد، أو المشافه بالرواية، أو الأقرب عند سماعها، أو كان من أكابر الصحابة كالخلفاء الراشدين والأقرب فالأقرب، ورواية متقدم الإسلام على متأخره في قول، وفي قول عكسه، والأكثر صحبة، ومشهور النسب، ومن سمع بالغًا، وكثرة المزكين في قول (٢). ثانيًا: ترجيح السند باعتبار الرواية: أي: الترجيح بنفس الرواية، أي: بطبيعة الرواية، وذلك من عدة وجوه: ١ - يُرجح الحديث المتواتر في سنده وروايته على الحديث المشهور (عند الحنفية)، ويقدم المتواتر والمشهور على خبر الآحاد؛ لأن المتواتر يفيد اليقين،

стр. 929

والمشهور قريب منه (عند الحنفية)، أما حديث الآحاد فيفيد الظن. ٢ - يرجح الحديث المسند على الحديث المرسل عند جماهير العلماء؛ لأن فيه مزيّة الإسناد لتحقق المعرفة برواته، أما المرسل فقد يكون في روايته مجهول، وهو مختلف في حجيته، أما المسند فمتفق على حجيته. ٣ - ويرجح مرسل التابعي على مرسل غيره؛ لأن الظاهر أن التابعي رواه عن صحابي، والصحابة كلهم عدول. ٤ - يرجح الحديث المسند الأعلى إسنادًا (كما سبق في القربنة) لقلة عدد الطبقات إلى منتهاه، ويُرجح الحديث المسند بالعنعنة على المسند إلى كتاب أحد المحدثين، ويُرجح الحديث المسند إلى أحد كتب المحدثين على الحديث الثابت بكتاب مشهور وبدون سند. ٥ - يرجح الحديث المسند إلى الصحاح على غيره، كصحيح البخاري ثم صحيح مسلم، على كتب السنن والمسانيد وكتب الصحاح الأخرى. ٦ - ويرجح ما صُحّح من الكتب على ما لم يصحح. ٧ - يرجح الحديث المرفوع المتصل على الموقوف والمقطوع. ٨ - يرجح المتفق على رفعه ووصله على الحديث المختلف فيه. ٩ - ترجح الرواية التي تتفق ألفاظها ومعناها، على رواية مختلفة أو مضطربة، وهكذا، والأمثلة كثيرة في كتب السنة والحديث وأصول الفقه (١).

стр. 930

ثالثًا: الترجيح باعتبار المروي وكيفية الرواية: وذلك من وجوه، أهمها: ١ - يرجح الحديث المسموع من النبي ﷺ على المنقول من كتاب؛ لأن السماع فيه دقة، ويبعد عن احتمال التصحيف والغلط، وكذا يرجح الحديث المسموع على المحتمل سماعه أو عدم سماعه. ٢ - يرجح الحديث المسموع من النبي ﷺ بقوله، على المروي من صحابي حاكيًا عما جرى في مجلسه أو زمانه أو سكت عنه، فيرجح قوله ﷺ على فعله، وفعله على تقريره. ٣ - يرجح الحديث المؤدى بلفظ النبي ﷺ على المروي بمعناه، وكذلك يرجح الخبر الذي اتفقت رواته على أنه من لفظ النبي ﷺ . ٤ - يرجح حديث الآحاد -عند الحنفية والحنابلة- الذي لا تعم به البلوى على حديث آحاد آخر تعم به البلوى؛ لتوفر الدواعي على نقله ولم ينقله إلا آحاد. ٥ - يرجح الخبر الذي حكى الراوي سبب وروده عدى ما لم يحكه؛ لزيادة الاهتمام من الحاكي. ٦ - يرجح الخبر الذي أسند بلفظ حدثنا أو أخبرنا على من أسنده بلفظ أنبأنا، وقيل: يرجح لفظ حدثنا على لفظ أخبرنا. ٧ - يرجح الحديث المتفق على رفعه إلى النبي ﷺ على المختلف في رفعه، وعلى المتفق على وقفه (١).

стр. 931

رابعًا: الترجيح باعتبار المروي عنه: وفيه وجوه، منها: ١ - يرجح الخبر الذي لم يتردد فيه الأصل في رواية الفرع، على الرواية التي يتردد الأصل في رواية الفرع عنه، وكذا كل خبر لم يقع فيه إنكار لرواية المروي عنه الحديث على الخبر الذي وقع فيه إنكار. ٢ - يرجح الخبر الذي وقع فيه إنكار من الأصل على الفرع إنكار نسيان، على ما فيه إنكار تكذيب وجحود. ٣ - يرجح الخبر الذي سمعه الراوي شفاهًا من المروي عنه، عن الخبر الذي سمعه من وراء حجاب، فالمشافهة تقدم على رواية الآخر. ٤ - يرجح الحديث الذي يرويه الراوي عن حفظه وكتابه، عما يرويه عن أحدهما. ٥ - يرجح الحديث الذي رواه بسماعه من لفظ الشيخ، على الحديث المسموع بالقراءة على الشيخ. ٦ - يرجح الحديث الذي يرويه بالسماع على ما يرويه بالإجازة (١). قال عضد الدين: "الترجيح بحسب المروي عنه: هو ألا يثبت إنكارُه لروايته على ما ثبت إنكاره لروايته، وهذا يحتمل وجهين: ما لم يقع لراويه إنكار له، وما لم يقع للناس إنكار لروايته" (٢). النوع الثاني: الترجيح باعتبار المتن: المراد من المتن هو اللفظ الثابت بالنصوص، وهي الكتاب والسنة، ويلحق بها الإجماع، ويشمل ذلك الترجيح بحسب اللفظ، وهو المراد هنا،

стр. 932

والترجيح بحسب المدلول والحكم، وهو النوع الثالث. وإن وجوه الترجيح باعتبار لفظ المتن كثيرة، كالأمر والنهي، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والحقيقة والمجاز، وغيرها. ونذكر أهمها: ١ - يرجح اللفظ الفصيح على الركيك إن قبل، وقيل: يرجح الأفصح على الفصيح، والصحيح أنه لا يرجح؛ لأن البليغ يتكلم بهما. ٢ - يرجح النهي على الأمر؛ لشدة إلطلب في النهي واقتضائه للدوام؛ ولأن دفع المفاسد في النهي، مقدم على جلب المصالح بالأمر. ٣ - يرجح الخبر الذي فيه أمر على الخبر الذي فيه مبيح؛ لاحتمال الضرر بتقديم المبيح، فيؤخذ بالاحتياط، ولأن العامل بالأمر عامل بالمبيح أيضًا ضمنًا، ولا عكس. ٤ - تُرجح الحقيقة على المجاز؛ لأنها الأصل، وعدم حاجتها لقرينة، وهي التي تتبادر للذهن، ولذلك قالوا: الأصل في الكلام الحقيقة. ٥ - يرجح اللفظ الخاص على اللفظ العام، فالخاص يقضي على العام، والخاص أقوى في الدلالة، وأخص بالمطلوب، وأقرب إلى التعيين، وذلك إذا كان العموم والخصوص مطلقًا، فإن كان وجهيًا، ووجد ما يرجح أحدهما على الآخر بأمر خارج عنهما، عُمل بخصوصه، وإن لم يوجد، كان المجتهد مخيرًا بالعمل بأيهما شاء عند الشافعية، أو بما تطمئن به نفسه عند الحنفية، ولا يعمل بالخاص منهما؛ لأن الخصوص ثابت لكل منهما، فهو عام من وجه، خاص من وجه آخر، فلا يعمل بأحدهما دون الآخر؛ لما في ذلك من التحكم، وهو العمل بدون دليل. ٦ - يُقدّم العام الذي لم يُخصص على العام الذي خُصّ؛ لأن دخول التخصيص يضعف اللفظ ويصير به مجازًا. ٧ - يتقدم العام المطلق على العام الوارد على سبب؛ لأن العبرة بعموم اللفظ، والثاني يوهنه ويحطه عن رتبة العموم المطلق. ٨ - الجمع المعرف يقدم على الجمع المنكر؛ لأن الأول لا يدخله

стр. 933

الإبهام، بخلاف الثاني. ٩ - اللفظ المشتمل على الحقيقة الشرعية أو العرفية يقدم على المشتمل على الحقيقة اللغوية التي صار لها حكم شرعي. ١٠ - يُرجح القول على الفعل؛ لأن القول أبلغ في البيان من الفعل. ١١ - يُرجح اللفظ المقرون بالتأكيد كالتكرار على الآخر الذي لم يؤكد؛ لأن التأكيد يبعد احتمال المجاز والتأويل، وهكذا، ويرجح مجاز على مجاز آخر لأسباب، وغير ذلك (١). النوع الثالث: الترجيح بحسب المدلول أو الحكم: إن الترجيح بين النصوص المنقولة يتم بحسب ما دلّ عليه اللفظ من الأحكام الخمسة، وهي: الإباحة، والكراهة، والتحريم، والندب، والوجوب، ويتم الترجيح في ذلك بوجوه عدة، أهمها: ١ - يُرجح الحظر على الإباحة والكراهة والمندوب والوجوب، عند جماهير العلماء (٢)؛ لأن فعل المحظور يستلزم مفسدة، بخلاف غيرها، فالإباحة لا يتعلق بفعلها ولا بتركها مصلحة ولا مفسدة، وفي الكراهة كذلك؛ لتغليب الحرام على الحلال؛ لأنه أحوط، ولأن الندب لتحصيل مصلحة، والحظر لدفع مفسدة، ودفع المفسدة أهم من تحصيل المصلحة في نظر العقلاء، ويرجح الحظر على الوجوب (٣)؛ لأن إفضاء الحرمة إلى

стр. 934

مقصودها أتم لحصوله بالترك، وللاعتناء بدفع المفاسد، ولأن الاحتياط في ترك الفعل عند الحظر يوجب الأخذ بالتحريم. ٢ - يرجح الإثبات على النفي عند الشافعية والحنابلة وجمهور الفقهاء؛ لأن معه زيادة علم، وقال بعض العلماء: يقدم النفي على الإثبات لاعتضاد النافي بالأصل، وأيده الآمدي، وقيل: هما سواء، فيتعارضان، ويطلب الترجيح من وجه آخر. ٣ - يُرجح الخبر النافي للحد والعقاب على الموجب لهما؛ لأن العقاب ضرر، والضرر منفي في الإسلام، ولأن الحدود تدرأ بالشبهات. ٤ - الحكم المثبت للحكم الوضعي أولى من الحكم المثبت للحكم التكليفي؛ لأن الوضعي لا يتوقف على أهلية المخاطب وفهمه وتمكّنه، وقال آخرون: يقدم الحكم التكليفي على الوضعي؛ لأن التكليفي أكثر مثوبة، وهي مقصودة للشارع. ٥ - الحكم الأخف يرجح على الحكم الأثقل، لأن الشريعة قائمة على التخفيف بنصوص كثيرة، وقيل: يقدم الأثقل؛ لأنه أشقّ وأكثر ثوابًا. وهناك ترجيحات كثيرة تتعلق بالمدلول والحكم، كالخبر المثبت للطلاق مقدم على النافي له؛ لأن الأصل عدم التغيير، والخبر الذي يوجب حكمين أولى من الخبر الذي يوجب حكمًا واحدًا؛ لاشتمال الأول على زيادة علم ينفيها الثاني (١).

стр. 935

النوع الرابع: الترجيح بين النصوص بأمر خارج: وهو الترجيح بين الدليلين بدليل آخر خارج عنهما، أي: لا يتعلق بالسند ولا بالمتن، وإنما بوجود دليل آخر خارج عن الدليلين المتعارضين، وفيه وجوه كثيرة، أهمها: ١ - يرجح أحد الدليلين بموافقة دليل آخر له من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قياس، أو عقل، أو حسّ؛ لأنه يفيد ظنًّا أقوى من معارضه الذي لم يوافقه دليل آخر، فيعمل بالأقوى لكونه أقرب إلى القطع، وهذا ما يعمله العقلاء، ويجري عليه العرف، ولأن في مخالفة الدليلين محذورًا أكثر من مخالفة الدليل الواحد، وهذا عند الجمهور. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما اللَّه تعالى: لا يُرجح بذلك، وإنما يتساقط الدليلان، ويترك العمل بهما، فلا ترجيح عندهم بكثرة الأدلة، قياسًا على عدم الترجيح عندهم في الشهادة بكثرة العدد، ولأنه يؤدي إلى ترجيح القياس على الخبر عند تعارضهما؛ لأن القياس يوافقه قياس آخر. وردَّ الجمهور عليهم هذا الرأي والاستدلال بوجود القول في ترجيح الشهادة بكثرة العدد عند بعض الفقهاء، وأن القياس المخالف للخبر ليس دليلًا أصلًا؛ لأن من شروط صحة القياس عدم معارضته للنص، والراجح قول الجمهور؛ لحصول القوة بالدليل الآخر، وهو ما يفعله الحنفية في فروعهم. ٢ - يرجح الدليل الذي عمل به الخلفاء الراشدون، أو أهل المدينة، وإن لم يكن عمل أهل المدينة حجة عند الجمهور، ولكنه يُقوى به؛ لأن الظاهر بقاؤهم على ما كان في زمن الرسول ﷺ ، وللحث على اتباع الخلفاء الراشدين ﵃، ولأن الظاهر أنهم لم يتركوا النص الآخر إلا لحجة عندهم. ٣ - يرجح الدليل الذي عمل به أكثر السلف؛ لأن الأكثر يُوفق للصواب ما لا يوفق له الأقل، وكذلك إذا عمل بالدليل بعض الأمة، فيرجح؛ لأنه يكون أغلب على الظن قبوله. ٤ - يرجح الدليل الذي ذكر فيه الحكم الشرعي معلّلًا بعلة على الحكم

стр. 936

المذكور بدون علة؛ لأن الأول أقرب إلى تحصيل مقصود الشارع، والنفس له أقبل بسبب تعقل المعنى، وكذا إذا علّل حكمان، وكانت علة أحدهما أرجح، فيرجح على الثاني، كما سيأتي في الأقيسة. ٥ - يرجح الدليل الموافق للقياس على الدليل المخالف للقياس، والمراد بالقياس هنا القواعد العامة والمبادئ المستقرة في الشرع، فيكون الدليل المعقول المعنى أغلب شرعًا، فالإلحاق بالغالب أولى من الإلحاق بالنادر. ٦ - يقدم الدليل الذي يكون أقرب للاحتياط وبراءة الذمة؛ لأنه يتفق مع تحصيل المصالح ودفع المضار. ٧ - يرجح الدليل الذي يكون تأويله أرجح من الدليل الذي يكون تأويله أقل؛ لأن في الأول مزية بذلك. ٨ - يُرجح الدليل الذي فسّره الراوي بفعله أو قوله على الدليل الذي لم يفسره راويه؛ لأن تفسير الأول يفيد ظنًّا أوثق؛ لأنه أعرف بما رواه، كحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ في حديث خيار المجلس: "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا" (١)، فيبن ابن عمر أن المراد بالتفرق بالأبدان (٢)، فاشتمل على فائدة زائدة. ٩ - يرجح الخبر الذي ذكر الراوي سببه على الخبر الذي لم يبين راويه سببه؛ لأن ذكر السبب يدل على زيادة اهتمام الراوي بروايته. ١٠ - يرجح الخبر المؤرخ بتاريخ مضيّق، كأول شهر كذا من سنة كذا على الخبر المؤرخ بتاريخ موسّع؛ لأن الأول يدل على زيادة اهتمام راويه به، وأن الثاني يحتمل كونه قبل الشهر المذكور في المضيق أو بعده، فيقدم ذو التاريخ المضيّق.

стр. 937

١١ - يرجح الدليل الذي قصد به بيان الحكم المختلف فيه على الآخر؛ لأن الأول يكون أمس بالمقصود، أو أقرب إليه، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿إلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فالأولى تحرم الجمع بين الأختين في الوطء بعقد النكاح وبملك اليمين، والثانية أفادت عموم الوطء بملك اليمين، فالأولى قصد بها تحريم الجمع بين الأختين، والثانية لم يقصد بها بيان الجمع (١). القسم الثاني: الترجيح بين الأقيسة: وهي الأدلة المعقولة سواء كانت أقيسة أو استدلالات، ويكون الترجيح من وجوه كثيرة، وتصنف إلى أربعة، وهي الترجيح من جهة الأصل، والترجيح من جهة الفرع، والترجيح بحسب العلة، والترجيح من جهة أمر خارج. أولًا: الترجيح من جهة الأصل: المراد من الأصل هو الحكم المنصوص عليه، ويقاس عليه غيره، فإذا وجد قياسان، فينظر إلى الأصل المقيس عليه، فإن وجد فيه ما يرجّحه بكون دليل أصله أقوى، ترجح على القياس الثاني، وذلك أنواع كثيرة، أهمها: ١ - حكم الأصل قطعي: فإنه يرجح على القياس الذي يكون حكم أصله ظنيًّا؛ لأن القطعي لا يتطرق إليه الخلل، فيقدم على الظني، مثل لعان الأخرس، فيقاس على يمينه أو على شهادته، والأرجح قياسه على اليمين التي تصح من الأخرس بالإجماع، وأما شهادته ففيها خلاف بين الفقهاء

стр. 938

فيجيزها المالكية، ويمنعها الجمهور. ٢ - قوة دليل الأصل: يرجح القياس الذي يكون دليله أقوى؛ لأن صحته أغلب في الظن. ٣ - ثبوت العلة بالإجماع أو بالنص: قال أكثر العلماء: يرجح ما ثبتت عليته بالإجماع على ما ثبتت عليته بالنص، لقبول النص للتأويل والتخصيص والنسخ بخلاف الإجماع، وقال بعضهم بالعكس؛ لأن الإجماع فرع عن النص؛ لأنه ثبت به واعتمد عليه، والأصل يقدم على الفرع، وهذا قول الحنابلة والأرموي والبيضاوي من الشافعية. ٤ - الدليل الخاص على التعليل: يرجح ما دل دليل خاص على تعليله وجواز القياس عليه، دون غيره؛ لأن الأول أبعد في الاحتمال بوروده بمعنى التعبد واقتصار الأصل عليه. ٥ - الأصل الذي لا يدخله النسخ: يرجح الأصل الذي لم يدخله النسخ بالاتفاق على ما هو مختلف في نسخه؛ لأن الأصل في الشرع عدم النسخ فيرجح على ما يحتمله. ٦ - يرجح القياس الخاص بالمسألة على القياس العام بحسب القواعد (١). ثانيًا: الترجيح من جهة الفرع: الفرع هو المسألة أو القضية التي لم يثبت حكمها بنص، وإنما يؤخذ حكمها بقياس على الأصل المنصوص عليه، وإذا وجد قياسان متعارضان فيرجح أحدهما على الآخر بحسب الفرع بوجوه، منها:

стр. 939

١ - يرجح القياس الذي شارك فبه الفرع أصله في عين الحكم وعين العلة على القياس الذي شارك فيه الفرع أصله في جنس الحكم وجنس العلة، أو بأحدهما؛ لأن تعدية الحكم في الأول أغلب على الظن وأقرب. ٢ - يرجح القياس الذي يكون فرعه متأخرًا في الوجود عن أصله على القياس الذي يكون فرعه متقدمًا؛ لسلامة الأول عن الاضطراب، وبعده عن الخلاف بين العلماء كما في الثاني. ٣ - يرجح القياس الذي يقطع فيه بوجود العلة في فرعه على القياس الذي يكون وجود العلة مظنونًا في الفرع؛ لأن الأول أغلب عن الظن. ٤ - يرجح القياس الذي يكون حكم الفرع فيه ثابتًا بالنص جملة لا تفصيلًا، على قياس غيره؛ لأن الأول أغلب على الظن. ٥ - يرجح القياس الذي يقطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع على قياس يكون فيه نفي الفارق مظنونًا فيه (١). ثالثًا: الترجيح بحسب العلة: العلة هي الوصف الظاهر المنضبط الذي دل الدليل الشرعي على كونها معرّفة لحكم شرعي، وتتوفر هذه العلة في الفرع، فيشترك الأصل والفرع فيها، فيكون حكم الأصل حكمًا للفرع لهذا الاشتراط. وإن المسالك التي تثبت به العلة كثيرة، كما أن العلل لها أوصاف عديدة، وبناء على ذلك يمكن الترجيح بين الأقيسة بحسب العلة في وجوه كثيرة، أهمها: ١ - يرجح القياس الذي تكون علته قطعية بالنص أو الإجماع عليها على القياس الذي تكون علته ظنية. ٢ - يرجح القياس الذي يكون فيه ظن غالب في مسلك العلّة، أو يكون

стр. 940

دليل العقة قطعيًّا، أو يكون دليل العلة مظنونًا على القياس الذي ما يكون مسلك العلة بظن أقل، أو دليل العلة غير قطعي، أو ظن أقل؛ لأن الأول راجح، وهكذا في بقية مسالك العلة. ٣ - يرجح القياس المعلل بالوصف الحقيقي الذي هو مظنة الحكمة كالسفر، على القياس المعلل بوصف إقناعي اعتباري كالمشقة. ٤ - يرجح القياس الذي تكون علته منضبطة ومطّردة على القياس الذي تكون علته مضطربة أو منقوضة، لوجود الخلاف في الثانية. ٥ - يرجح القياس المعلل بعلة متعدية، على القياس المعلل بعلة قاصرة؛ لأن الأول أكثر فائدة. ٦ - يرجح القياس المعلل بعلة مؤثرة باعثة على تشريع الحكم على القياس المعلل بعلة بمعنى الأمارة. ٧ - يرجح القياس المعلل بعلة ظاهرة على آخر معلل بعلة خفية. وهكذا تقدم الأقيسة التي تكون علتها أكثر تعدية وعمومًا وفائدة على غيرها مما هو أقل تعدية وأخص (١). رابعًا: الترجيح بين الأقيسة بأمر خارج: إن الأمور الخارجة التي يترجح بها قياس على آخر هي نفسها التي تُرجح فيها النصوص مما ذكرناه سابقًا، ونبينها باختصار، وهي: ١ - موافقة أصول العلة: يرجح القياس التي يشهد لعلته أصول كثيرة على القياس الذي يشهد لعلته أصل واحد؛ لأن موافقة العلة لعدة أصول دليل

стр. 941

على قوة اعتبارها في نظر الشرع، مثل الترجيح بكثرة الأدلة. ٢ - موافقة أصول في الحكم: يرجح القياس الذي يكون حكمه دلّت عليه أدلة كثيرة، أو كان جنس الحكم ثابتًا في أصول متعددة على القياس الذي يكون حكمه قد دلَّ عليه دليل واحد، أو كان ثابتًا في قياس واحد. ٣ - الاطِّراد في ال فروع: يرجح القياس المطّرد في جميع الفروع على القياس الذي يثبت حكمه في بعضها. ٤ - انضمام علة لعلة: يرجح القياس الذي انضمت إلى علته علة أخرى؛ لأنه يزداد قوة على ما لم ينضم لعلته علة أخرى. ٥ - يرجع القياس الذي وافقه قول صحابي عند القائلين بحجيته، أو خبر ضعيف في قول الإمام أحمد، أو موافقة مرسل غير صحابي (١). القسم الثالث: الترجيح بين نصّ وقياس: إذا وجد تعارض بين نص منقول في الكتاب والسنة، وقياس، فيرجح النص المنقول الخاص الذي دل على المطلوب بنطقه؛ لأن النص أصل بالنسبة للقياس، ومقدمات النص للاستنباط والاستدلال أقل من مقدمات القياس، فيكون أقل خللًا. وإذا لم يدل النص المنقول بنطقه على المطلوب، فتكون دلالته ظنية وعلى درجات، فقد يكون الظن الحاصل منه أقوى من الظن الحاصل من القياس، أو مساويًا له، أو أضعف منه، ويكون الترجيح بحسب ما يقع للمجتهد، فيرجح الظن الأقوى (٢). فروع: ١ - يقع التعارض بين التعريفات المفيدة لمعان مفردة تصوّريّة، ويرجح

стр. 942

بعضها على بعض إما باللفظ، فيرجح الحد بلفظ صريح على حد فيه تجوز أو استعارة أو اشتراك أو غرابة أو اضطراب، وإما بالمعنى بأن يكون المعرَّف في أحدها أعرف من الآخر، أو أعم من مدلول الآخر، أو يكون التعريف ذاتيًّا فيرجح على التعريف العرضي، ويقدم التعريف التام على الناقص، وإما بأمر خارج، وذلك بموافقة نقل شرعي أو لغوي، أو بمقارنة أمر شرعي أو لغوي، أو بموافقة عمل الخلفاء الراشدين، أو عمل أهل المدينة، أو بموافقة الأئمة الأربعة، أو عمل عالم، وكذا يُرجح التعريف الذي يكون طريق تحصيله أسهل، أو أظهر من الآخر. ٢ - إن ضابط الترجيح أن يقترن أمر نقلي أو اصطلاحي كعرف وعادة، أو تقترن قرينة عقلية أو لفظية أو حاليّة، بما يفيد زيادة والظن، فيرجح على ما سواه، وتفاصيل ذلك لا تنحصر (١)، وقد ذكرنا أهمها. ٣ - إن لم يرد دليل، أو سقط الدليلان، فقال الجمهور: يعمل المجتهد بأن الأصل الإباحة، وقيل: يتوقف، وقيل بالمنع (٢). وبذلك ينتهي بحث التعارض والترجيح ليكون المجتهد على بينة من أمره، ونسأل اللَّه التوفيق، وحسن الختام.

стр. 943

ملحق: القواعد الأصولية: ورد في مباحث أصول الفقه عدد من القواعد الأصولية التي تضاهي القواعد الفقهية، وكثيرًا ما تدمج مع القواعد الفقهية في كتب القواعد والأشباه والنظائر، وصرح ابن النجار الحنبلي رحمه اللَّه تعالى أن القواعد الفقهية نفسها تشبه الأدلة وليست بأدلة، ولذلك ذكرها في باب الاستدلال للاستنباط على ضوئها (١)، وأفرد ابن اللحام الحنبلي رحمه اللَّه تعالى كتابه بعنوان "القواعد والفوائد الأصولية" (٢). ولذلك نذكر أهم هذه القواعد سردًا بدون شرح، لأن معظمها ورد ذكره وبيانه وأمثلته في الموضوعات السابقة، وأفردها العلماء بالدراسة والشرح (٣)، ونشير إلى باب الأصول التي تتعلق به، وهي: ١ - الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد (الاجتهاد). ٢ - الاجتهاد لا ينقض بمثله (الاجتهاد). ٣ - إذا بطل الأصل يصار إلى البدل (القياس). ٤ - إذا بطل الخصوص هل يبقى العموم؟ (الخاص والعام). ٥ - إذا تعارض المانع والمقتضي قُدّم المانع (الحكم الموضعي). ٦ - إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما (مقاصد الشريعة - الاستصلاح). ٧ - إذا تعذر إعمال الكمال يهمل (الدلالات).

стр. 944

٨ - إذا تعذرت الحقيقة يصار إلى المجاز (الدلالات). ٩ - إذا زال المانع عاد الممنوع (الحكم الموضعي). ١٠ - إذا سقط الأصل سقط الفرع (القياس). ١١ - إذا ضاق الأمر اتسع (العزيمة والرخصة). ١٢ - استعمال الناس حجة يجب العمل بها (العرف والعادة). ١٣ - الأصل بقاء ما كان على ما كان (الاستصحاب). ١٤ - الأصل في الأشياء الإباحة (الإباحة). ١٥ - الأصل في الكلام الحقيقة (الدلالات). ١٧ - (*) إعمال الكلام أولى من إهماله (الدلالات). ١٨ - الأمور بمقاصدها (الدلالات). ١٩ - إنما تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت (العرف والعادة). ٢٠ - التأسيس أولى من التأكيد (الدلالات). ٢١ - تتحمل أخف المفسدتين (الاستصلاح). ٢٢ - التعيين بالعرف كالتعيين بالشرع (العرف والعادة). ٢٣ - الحاجة تنزل منزلة الضرورة (مقاصد الشريعة). ٢٤ - الحدود تدرأ بالشبهات (التعارض والترجيح). ٢٥ - الحقيقة تترك بدلالة العادة (الدلالات). ٢٦ - الخروج من الخلاف مستحب (التعارض والترجيح). ٢٦ - درء المفاسد أولى من جلب المنافع (التعارض والترجيح). ٢٨ - الرخص لا تناط بالمعاصي (العزيمة والرخصة). ٢٩ - السؤال معاد في الجواب (الدلالات). ٣٠ - الضرر الأشدّ يزال بالأخف (مقاصد الشريعة).

стр. 945

٣١ - الضرورات تبيح المحظورات (مقاصد الشريعة). ٣٢ - العادة محكّمة (العرف والعادة). ٣٣ - الفرع يسقط إذا سقط الأصل (القياس). ٣٤ - القادر على اليقين هل له الاجتهاد والأخذ بالظن (الاجتهاد). ٣٥ - الكتاب كالخطاب (الدلالات). ٣٦ - لا حجة مع الاحتمال الناشئ عن دليل (الدلالات + الاجتهاد). ٣٧ - لا حجة مع التناقض (التعارض والترجيح). ٣٨ - لا ضرر ولا ضرار (مقاصد الشريعة). ٣٩ - لا عبرة للتوهم (الدلالات + الاجتهاد). ٤٠ - لا عبرة للدلالة في مقابلة الصريح (الدلالات). ٤١ - لا مساغ للاجتهاد في مورد النص (الاجتهاد). ٤٢ - لا ينسب إلى ساكت قول، ولكن السكوت في معرض الحاجة إلى بيانٍ بيانٌ (الدلالات). ٤٣ - لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان (الاجتهاد). ٤٤ - ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها (مقاصد الشريعة). ٤٥ - ما ثبت بزمان يحكم ببقائه ما لم يقم الدليل (الاستصحاب). ٤٦ - ما ثبت للضرورة يقدر بقدرها (مقاصد الشريعة). ٤٧ - ما ثبت على خلاف القياس فغيره عليه لا يقاس (القياس). ٤٨ - المشروط عرفًا كالمشروط شرعًا (الحكم الوضعي - الشرط). ٤٩ - المشقة تجلب التيسير (الرخصة والعزيمة). ٥٠ - المطلق يجري على إطلاقه (الدلالات). ٥١ - المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا (الشرط).

стр. 946

٥٢ - منزلة الإمام من الرعية منزلة الولي من اليتيم (الاجتهاد). ٥٣ - هل الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على عدمه؟ (الاستصحاب). ٥٤ - يختار أهون الشرين (مقاصد الشريعة). ٥٥ - يدفع أعظم الضررين (مقاصد الشريعة). ٥٦ - يغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد (مقاصد الشريعة). ٥٧ - اليقين لا يزول بالشك (الاجتهاد). * * *

стр. 947

الخاتمة الحمد للَّه الذي تتم بنعمته الصالحات، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، خاتم الأنبياء والمرسلين، المبعوث رحمة للعالمين الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وأرشدنا إلى شكر النعم لتدوم، ورغبنا في الاعتراف بالفضل ليرضى المتفضل المنّان، ونصحنا بالإخلاص في العمل ليكون للَّه وحده. وبعد: فهذه تطوافة في رياض علم أصول الفقه، انتقلنا فيها من فينة إلى فينة، ومن أيكة إلى أخرى، نستظل بأغصانها الوارفة، ونقطف من ثمارها اليانعة، ونتذوق من ثمارها الشهية، ونجني من رحيقها الطيب، وشهدها النافع. وقد لمست السعادة في دراسته والبحث فيه والكتابة والتأليف، وسعدت بالحياة مع أعلامه وروّاده، وأنست بزيارة ضيوفه وزوّاره، وكدت أن أنسى نفسي في هيامه وبحاره. وأدركت يقينًا أهمية هذا العلم العظيم التي ذكرتها في مقدماته، وأنه الموئل المأمون للفقيه والمجتهد، والكوكب المنير لطالب العلم ومحبي المعرفة وعشاق الحقيقة، وأنه الساحل الآمن، والبر الأمين لاطمئنان القلب، ومسيرة العقل والفكر، فترتاح النفس إليه، وتصل إلى غايتها ومبتغاها، ويأخذ بيد الفقه والمجتهد، وطالب العلم والباحث والعالم إلى شاطئ الأمان في استنباط الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام، وحسن الفهم والتأويل والتفسير لآيات اللَّه وسنة رسول اللَّه، وسائر مصادر التشريع، فيزداد الإيمان، وتقر الأنفس لشرعة الدّيّان في فقه الإسلام.

стр. 948

وتظهر في هذا العلم الضوابط الحكيمة التي تصون الشرع، والقواعد المحكمة في الاجتهاد والاستنباط والاستدلال لحماية العالم من الضلال والزيع، وحماية التشريع من الدّسّ، وصيانة المجتهد من الانحراف أو البعد عن الحقيقة، ليبين للناس شرع اللَّه ودينه محفوفًا بالدقة والضبط، ويرسم الطريق للمستقبل وقادمات الأيام. وكان الانتقال واضحًا سليمًا بين أبواب أصول الفقه التي تشبه أبواب الجنة، والتزمنا منهج التدرج والمنطق، فبدأ بالمقدمات عن تعريفه، وأهميته، ونشأته، وتحديد موضوعاته، وبينا أسباب الاختلاف بين الفقهاء، وعرضنا مقاصد الشريعة، ثم ولجنا مصادر التشريع ومنابع المعرفة الأصلية والتبعية، النصية والاجتهادية، حتى وقفنا عند بيان الأحكام الشرعية الكلية التكليفية والوضعية، وسار بنا المركب إلى لجّة البحر لمعرفة مباحث الدلالات وتفسير النصوص، ثم وقفنا عند الاجتهاد والتقليد والإفتاء التي تحتاج إلى تحديد التعارض الظاهري، والترجيح الواجب، وكشف طرقه المحكمة. وهنا أذكِّر بأمور: ١ - التذكير بأهمية علم أصول الفقه، وبيان مكانته في العلوم الإسلامية، وحاجة الأمة إليه في كل وقت، وخاصة في العصر الحاضر، ووجوب تعلمه والتمرس عليه والعمل بموجبه من الفقيه والمجتهد والمفتي والعالم والباحث وطالب العلم، وإعادته للحياة والتطبيق والعمل. ٢ - ضرورة ربط هذا العلم بالمستجدات، وخاصة التشريعات والأنظمة التي قررت في البلاد العربية والإسلامية، والمقارنة مع القوانين والأنظمة. ٣ - ضرورة الاستفادة من علم أصول الفقه في الدعوة وسائر مناحي الحياة، ومختلف العلوم الشرعية. ٤ - ضرورة الإضافة والتجديد لهذا العلم بما يواكب الفكر والعصر والتقدم ضمن الأسس والقواعد السابقة، وقد ظهرت فيه بواكير طيبة.

стр. 949

وفي الختام أسأل اللَّه التوفيق، والإخلاص في القول، والعمل بما يحبه ويرضاه، وأن يردّ أمتنا إلى دينها وشريعتها ردًّا جميلًا، وأن يحسن ختامنا، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن تبع نهجه إلى يوم الدين. الشارقة عصر الجمعة ٦/ ٤ / ١٤٢٤ هـ الموافق ٦/ ٦ / ٢٠٠٣ م. الأستاذ الدكتور محمد الزحيلي عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة.

стр. 950

أهم المصادر والمراجع المضافة على ما ورد في الجزء الأول ١ - الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (٩١١ هـ) تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، طبع الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة - ١٩٧٥ م. ٢ - الأحكام السلطانية، علي بن محمد بن حبيب، أبو الحسن الماوردي (٤٥٠ هـ) مطبعة مصطفى البابي الحلبي- القاهرة - (١٣٨٦ هـ / ١٩٦٦ م). ٣ - أحكام القرآن، أحمد بن علي، أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي (٣٧٠ هـ) مطبعة الأوقاف الإسلامية - إستانبول - ١٣٣٥ هـ. ٤ - أخبار عمر، علي وناجي الطنطاوي، دار الفكر - دمشق - (١٣٩١ هـ / ١٩٧٣ م). ٥ - إرشاد الفحول، محمد علي الشوكاني (١٢٥٠ هـ) مطبعة مصطفى البابي الحلبي - مصر - (١٣٥٦ هـ / ١٩٣٧ م) طبع دار السلام - القاهرة - (١٤١٨ هـ / ١٩٩٨ م)، تحقيق وتعليق الدكتور شعبان محمد إسماعيل (بحث النسخ). ٦ - أصول الأحكام وطرق الاستنباط في التشريع الإسلامي، الأستاذ الدكتور حمد عبيد الكبيسي - نشر كلية الدراسات الإسلامية والعربية - دبي - الطبعة الثانية - (١٤٢٢ هـ / ٢٠٠١ م). ٧ - أصول الفقه الإسلامي، الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي- دار الفكر - دمشق- الطبعة الأولى - (١٤٠٦ هـ / ١٩٨٦ م).
следующие страницы →