وإن لم يوجد في البلد إلا مفت واحد، تعين سؤاله والرجوع إليه، أما إن تعدد العلماء والمفتون وتفاوتوا في العلم والفضل، فاختلف الأصوليون في ذلك على قولين:
القول الأول: التخيير في سؤال أحد العلماء، وهو قول الأكثرين والفقهاء، ومنهم الحنفية والمالكية والشافعية وأكثر الحنابلة، وقالوا: "يجوز تقليد المفضول مع وجود الأفضل في العلم"، قال الرافعي رحمه اللَّه تعالى: "وهو الأصح عند عامة الأصحاب، وقال: إنه الأصح" (١).
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، الأنبياء: ٧]، فالآية مطلقة، ولم تفرق بين العالم والأعلم، مع تفاوت درجتهم في العلم والمعرفة عادة.
وكان الصحابة رضوان اللَّه عليهم يستفتون أي عالم من الصحابة مع تفاوتهم في الفضل والعلم والاجتهاد، ولم ينكر عليهم أحد، فكان ذلك إجماعًا.
قال الآمدي رحمه اللَّه تعالى: "إن الصحابة كان فيهم الفاضل والمفضول من المجتهدين، فإن الخلفاء الأربعة كانوا أعرف بطريق الاجتهاد من غيرهم، ولهذا قال ﵊: "عَليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين المهْديِّين، تمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ" (٢)، وقال ﷺ : "أقضاكم عليّ، وأفرضُكم زَيْد، وأعرفكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل" (٣)، وكان
стр. 877
فيهم العوام، ومن فرضه الاتباع للمجتهدين والأخذ بقولهم لا غير، ومع ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة والسلف تكليف العوام الاجتهاد في أعيان المجتهدين، ولا أنكر أحد منهم اتباع المفضول، والاستفتاء له، مع وجود الأفضل، ولو كان ذلك غير جائز، لما جاز من الصحابة التطابق على عدم إنكاره والمنع منه"، ثم قال الآمدي: "ولولا إجماع الصحابة لكان مذهب الخصم أولى" (١).
واستدلّ الجمهور على ذلك أيضًا بالمعقول، وهو أن الترجيح بين العلماء يتعذر للعامي، وهو تكليف له بما لا يطيق.
القول الثاني: وجوب استفتاء الأفضل في العلم والورع والدِّين، وهو مذهب أحمد، وبعض الشافعية كابن سريج والقفال وأبي إسحاق الإسفراييني والكيا الهرَّاسي، واختاره الغزالي.
واستدلوا على ذلك بأن أقوال المجتهدين أو المفتين بالنسبة لعامة الناس كالأدلة والأمارات المتعارضة بالنسبة للمجتهد، فيجب على العامي الترجيح، ويكون بالفضل والعلم، فالأعلم أقوى، ويعرفه الناس إما بالاجتهاد والتجربة، أو بالشهرة والتسامع ورجوع الناس إليه، والسؤال والبحث والتحري على قدر الاستطاعة.
وأرى أن القول الثاني أقوى دلالة، وأكثر ورعًا، وهو ما تطمئن له النفس، ولكن الواقع يخالف ذلك، وأنه يعسر تطبيقه، ولا يوجد ضابط له، وفيه مشقة على الناس، ويمكن التوفيق في عصرنا بتعيين الأعلم والأفضل لمنصب الإفتاء، وجعل الفتوى بيد هيئة وجماعة لا ينفرد بها أحد، وتكون هي المرجع الرسمي والمعتمد للفتوى.
٢ - العدالة:
اتفق العلماء على اشتراك العدالة في المفتي، وهي هيئة في النفس تحمل
стр. 878
صاحبها على فعل الأوامر، واجتناب النواهي، وملازمة التقوى والمروءة، وبتعبير آخر: أن يكون ملتزمًا بأحكام الشرع، يطبقها على نفسه؛ ليكون قدوة لغيره، ولذلك لا تقبل الفتوى من الفاسق، ويجب على المستفتي البحث والسؤال عن عدالة المفتي بسؤال عدل أو عدلين، أو بالاستفاضة والشهرة بين الناس، ولا تصح الفتيا من مستور الحال؛ لأن العدل يُوَفّق غالبًا إلى اختيار الصواب، ويثق الناس به، ويطمئن القلب له، ويكون قدوة حسنة لغيره؛ لأنه في مركز الصدارة والقيادة في بيان الشرع، بخلاف الفاسق فإنه مذموم، ويتطرق الشك إلى أقواله، ويخشى من عدم دقته والتزامه بالحق والدليل الأقوى، وكذا لا تصح الفتيا من مستور الحال، والفاسق يفتي نفسه فقط (١).
شروط فرعية للمفتي:
يشترط في المفتي أيضًا قبل إصدار الفتوى الشروط الفرعية التالية:
١ - معرفة الواقعة:
يشترط في المفتي أن تكون لديه معرفة دقيقة بالواقعة التي تعرض عليه، وذلك بالاستفسار عنها، ومعرفة تفاصيلها، ودوافعها، والأهداف التي قصدها الفاعل من فعله، وما ينتج عنها من نتائج، والظروف التي أحاطت بها.
٢ - معرفة المستفتي:
يشترط في المفتي أن يتعرف بالمستفتي، وحالتة النفسية، وحالته الدينية من تدين أو فسق، وحالته المالية من غنى أو فقر، وغير ذلك؛ لما يترتب على ذلك من أثر في الفتوى كالكفارة، والنفقة، والآداب والواجبات.
стр. 879
٣ - معرفة الأحوال:
يشترط في المفتي أن يتعرف على أعراف الناس، واختلاف مصالحهم، وتعدد حاجاتهم، وتغيرها في الزمان والمكان، لما يترتب على ذلك من أثر في الفتوى، وخاصة في الأيمان والإقرار؛ فإنها تكون حسب الأعراف.
٤ - انطباق الحكم على الواقعة:
يشترط في المفتي أن يعرف مدى انطباق الحكم على الواقعة بذاتها أو عدم انطباقه؛ لأن النُّصوص الشرعية جاءت مطلقة وعامة، ولم تنص على حكم كل جزئية، ولكل واقعة معينة خصوصية تختلف عن غيرها (١).
وهذه الشروط الفرعية تجعل الفتوى -غالبًا- شخصية، وتختلف من شخص لآخر، ومن زمن لآخر، ومن صورة لأخرى، ولا يصح تعميمها جزافًا، كمن يتناول دواء ما وصفه طبيب لمريض ما، وقد لا يصلح لغيره، أو قد يضر غيره بحسب حالته وظروفه.
الإحالة على مفت آخر:
إذا كان في المسألة المستفتى بها رأيان، وكان المسؤول يعتقد بصحة القول الأشد، فلا يجوز أن يحيله على مفت آخر يرى القول الأخف؛ لأن المفتي المسؤول إذا غلب على ظنه شيء فهو حكم اللَّه تعالى في حقه وحق من سأله وقلّده، وكما لا يجوز له العدول عنه لا يجوز له أمر المقلد السائل بذلك.
ويرى الإمام أحمد رحمه اللَّه تعالى التصريح بجواز إرشاده إلى آخر معتبر، وإن كان يخالف مذهبه (٢).
стр. 880
الركن الثاني: المستفتي:
قال الزركشي رحمه اللَّه تعالى: "المستفتي: من ليس بفقيه"، أي: كل شخص لا يعرف حكمًا شرعيًّا في مسألة أو قضية فأكثر، ويسأل غيره عن حكمها، ثم قال الزركشي: "ثم إن قلنا بتجزؤ الاجتهاد، فقد يكون الشخص مفتيًا بالنسبة إلى أمر، مستفتيًا بالنسبة إلى الآخر، وإن قلنا بالمنع، فالمفتي: من كان عالمًا بجميع الأحكام الشرعية بالقوة القريبة من الفعل، والمستفتي من لا يعرف جميعها" (١).
وقال الشوكاني رحمه اللَّه تعالى: "المستفتي من ليس بمجتهد، أو ليس بفقيه" (٢)، فالمستفتي كل من يسأل عن حكم شرعي في مسألة أو قضية ليعرفه، وبالتالي ليعمل به.
ويشترط في المستفتي أن يكون صادقًا في سؤاله، بأن يعرضه بحسب الواقعة التي وقعت تمامًا، ولا يتزيد، أو يحرف، أو يعطي صورة أخرى؛ ليتهرب من الأحكام؛ لأن جواب المفتي وفتواه تكون حصرًا حسب الصورة التي عُرضت عليه، وعلى مسؤولية المستفتي ونيَّته، ولذلك وضع العلماء القاعدة الفقهية: "السؤال معافى في الجواب" وقالوا: "الفتوى على قدر المستفتي" فإن غيَّر وبدَّل كان كاذبًا أولًا، ومسؤولًا عن الفتوى والحكم ثانيًا، ولا ينجيه من المسؤولية أن المفتي أعطاه الحكم؛ لأن المفتي يبيّن الحكم حسب الصورة التي عُرضت عليه، وبحسب الظاهر، ولا يعلم الغيب، والله يتولى السرائر.
وإذا علم المستفتي بالحكم، وكان المفتي قد أفتاه بقول مجمع عليه، فيجب على المستفتي الالتزام به، ولا يخير في قبوله أو رفضه، وإن كان الحكم مختلفًا فيه خُيّر المستفتي بين أن يقبل حكم المفتي، أو حكم غيره (٣).
وإن غلب على ظن المستفتي أن جواب المفتي مشكوك فيه، أو مخالف
стр. 881
للنصوص، أو للإجماع، أو ما عُلم من الدِّين بالضرورة، أو اتفاق المذاهب، فلا يجوز للمستفتي العمل به، ولا يبرئه أمام اللَّه تعالى أن يدّعي الاعتماد على هذا الحكم الباطل، ولذلك حذَّر رسول اللَّه ﷺ من ذلك فقال: "استفت نفسك، وإن أفتاك الناس وأفتوك" (١).
الركن الثالث: المستفتى فيه:
وهو المسألة التي تقع، أو تحيط بالشخص، وتكون في الأصل ظنية اجتهادية، أما القضايا العلمية المعتمدة على الأدلة الظاهرة فيتعلمها المسلم حكمًا، ومع ذلك فالمستفتى فيه يشمل الأمرين، والمفتي يخبر بالأحكام الثابتة بالأدلة، وبالأحكام الاجتهادية، ويجب على المستفتي اتباع قول المفتي؛ لأنه هو حكم الشرع لما سأل عنه.
ويشترط في المستفتى فيه أن يكون قد وقع فعلًا، ولا مجال للفتوى عن الأمور التي لم تقع، أو الافتراضية، أو الأشياء التي لا فائدة منها، كالأسئلة الآن عن حكم الرق والعبيد والعتق وما يتعلق به (٢).
وقال ابن عمر ﵁: "لا تسألوا عما لم يكن، فإن عمر نهى عن ذلك"، وقال ابن عباس ﵄ عن الصحابة: "ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم" (٣)، واحتج الشافعي رحمه اللَّه تعالى على كراهة السؤال عن الشيء قبل وقوعه بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)﴾ [المائدة: ١٠١]، وثبتت كراهية السؤال عما لم يقع (٤).
قال ابن النجار رحمه اللَّه تعالى: "إذا سئل عما لم يقع، فإنه لا يلزمه
стр. 882
الجواب عنه، وما لا يحتمله سائل فإنه لا يلزمه إجابته، ولا ما لا ينفعه فإنه لا يلزمه أن يجيبه" (١).
الركن الرابع: المفتى به:
وهو الفتوى، أو الحكم الشرعي للمسألة المستفتى فيها، وتجمع الفتوى على فتاوى، وفتاوي، وتعتبر الفتاوى هي أحكام الشرع والدِّين، وهي جواب السؤال الوارد من المستفتي.
تعدد الفتوى:
وقد يتعدد الحكم الشرعي أو الفتوى في مسألة ما، كما لو سأل المستفتي مجتهدين، أو عالمين، أو مفتيين، أو فقيهين كل منها من مذهب، فيختلف الجواب، فكيف يعمل المستفتي؟
اختلف العلماء في ذلك على عدة أقوال، أهمها اثنان:
القول الأول: الأخذ بالأوثق والأفقه والأعلم، وعلى المستفتي التحري والبحث في طلبه؛ لأنه يستطيع التوصل إلى ذلك، ولا يشق عليه، ولأن الأفضل أهدى إلى أسرار الشرع، وهو قول بعض الشافعية، ولأنه لا يصح أن يعدل عن الراجح إلى المرجوح.
القول الثاني: التخير، وهو الأصح، وهو قول الأكثر، فيعمل المستفتي بقول من شاء، لإجماع الصحابة على عدم إنكار العمل بقول المفضول مع وجود الأفضل، واستدلالًا بإقرار الرسول ﷺ للصحابة في صلاة الظهر في غزوة بني قريظة في الطريق، أو بعد وصول المكان (٢).
стр. 883
ويشترط في الحكم المفتى به شروط بحسب المفتي:
فإن كان المفتي مجتهدًا فيشترط في الفتوى أن تكون معتمدة على أحد مصادر التشريع الإسلامي من القرآن والسنة والإجماع والقياس وسائر المصادر، وفي هذه الحالة يجوز للمستفتي أن يطالب العالم المجتهد المفتي بدليل الجواب؛ لأجل احتياطه لنفسه، ويلزم العالم أن يذكر الدليل إن كان مقطوعًا به؛ لسهولة العلم بصحته، فإن كان استنباطًا أو تخريجًا أو اجتهادًا، فلا يلزمه ذكره؛ لأنه يحتاج إلى اجتهاد لإدراكه، والسائل أو العامي لا يستطيع ذلك غالبًا (١).
وإن كان المفتي من أهل الفقه، وممن يتبع مذهبًا معينًا، فيشترط في فتواه أن تكون موافقة للقول المعتمد في المذهب؛ لأنه يبين له رأي المذهب، وينحصر ذلك بالقول الراجح، ويسميه الفقهاء: القول المفتى به (٢).
فإن خالف الصفتي المقلد مذهب إمامه، فقال أكثر العلماء: لا تصح فتواه، ولذلك قال ابن حمدان رحمه اللَّه تعالى: "مخالفة المفتي نص إمامه كمخالفة نص الشارع" (٣)، وأيد ذلك الغزالي رحمه اللَّه تعالى معللًا أن المفتي في ظئه أن إمامه أرجح، فإنه خالفه، فقد أفتى بالقول المرجوح، وهو لا يجوز، وهو ما نقله النووي عن ابن الصلاح (٤).
وقال بعض العلماء: لا يشترط الالتزام في الفتوى بالقول الراجح، ويجوز للمفتي أن يفتي بقول مرجوح (٥).
стр. 884
وإن كانت الفتوى مخالفة للشرع، أو لأحد مصادر التشريع، كانت باطلة ومردودة، ولا يسوغ العمل بها، كالفتاوى المخالفة للنصوص الشرعية، أو للإجماع، أو لما علم من الدِّين بالضرورة، أو مخالفة لآراء المذاهب المعتمدة.
стр. 885
المبحث الثاني حكم الإفتاء والاستفتاء
المراد من الحكم هنا الوصف الشرعي من حيث الوجوب والندب والإباحة والحرمة والكراهة، وهذا يتناول المستفتي والمفتي.
حكم الاستفتاء:
الاستفتاء هو طلب الفتوى لمعرفة الحكم الشرعي في واقعة أو قضية أو مسألة، وهذا واجب على المستفتي، فإذا وقعت معه واقعة، أو قضية، أو مسألة فيجب عليه أن يسأل عنها ليعرف حكم اللَّه تعالى فيما أصابه، وما يتعلق به؛ ليعمل بموجبه.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، .. والعالم أو المفتي هو الذي يبين حكم اللَّه تعالى الذي فيه الحياة الرغيدة والسعيدة.
وأمر اللَّه تعالى بالسؤال لمعرفة حكم اللَّه تعالى للعمل به، والالتزام فيه، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، الأنبياء: ٧]، فالعامي يسأل العالم (١).
حكم الإفتاء:
الأصل أن الإفتاء واجب على العالم أو المجتهد إذا سئل عن حكم شرعي في مسألة واقعة، وإلا تعرض للإثم الكبير، والوعيد الشديد، الوارد في الحديث الشريف أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من سُئل عن علمٍ فكتمه، ألجم بلجام من نار يوم القيامة" (٢).
ثم تعتري حكمَ الإفتاء الأحكامُ الشرعية الأخرى:
стр. 886
١ - الوجوب العيني:
إذا كان الشخص أهلًا للفتيا شرعًا، وسئل عن الحكم الشرعي في قضية أو مسألة، ولم يكن في البلد غيره، وجب عليه الإفتاء، ولزمه الجواب قطعًا؛ لأنه تعيَّن عليه بيان الحكم الشرعي، فهو فرض عين عليه.
٢ - الندب:
إذا كان في البلد أكثر من شخص أهل للفتيا، وسئل أحدهم عن واقعة، فتكون الفتيا في حقه سنة ومندوبة عند جماهير العلماء، وله ردُّها دون إثم.
وقال بعض العلماء: ليس له ردُّها، ولو كان في البلد غيره، بل تجب عليه؛ لأنه بالسؤال تعين عليه الجواب.
وقال النووي رحمه اللَّه تعالى: إن الفتوى في حقهما فرض كفاية، فإن لم يقم بها أحد، أثم الجميع.
٣ - الحرمة:
إذا سئل شخص عن حكم شرعي لمسألة أو قضية، ولم يكن أهلًا للفتيا، ولا يعرف الأحكام الشرعية، حرم عليه الجواب؛ لأنه يفتي بغير علم، فيضلَّ، ويُضلَّ، وكذا إذا كان عالمًا وفقيهًا، ولكنه لم يعرف الحكم في المسألة، فيجب عليه التوقف للسؤال والبحث، ويحرم عليه الجواب الفوري (١).
стр. 887
المبحث الثالث آداب الفتوى
ذكر العلماء عدة آداب للفتوى، بعضها في أدب المفتي، وبعضها في إصدار الفتوى، وبعضها في أدب المستفتي، وبعض هذه الآداب تصل إلى درجة الوجوب أو التحريم.
قال النووي رحمه اللَّه تعالى: "إن الإفتاء عظيم الخطر، كبير الموقع، كثير الفضل؛ لأن المفتي وارث الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم، وقائم بفرض الكفاية، لكنه معرض للخطأ، ولهذا قالوا: المفتي موقِّع عن اللَّه تعالى، وقال ابن المُنْكَدر: العالم بين اللَّه وخلقه، فلينظر كيف يدخل بينهم، وتوقف كثير من السلف وفضلاء الخلف عن الفتيا في أشياء كثيرة، فقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت عشرين ومئة من الأنصار من أصحاب رسول اللَّه ﷺ يُسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول، وفي رواية: ما منهم من يحدّث يحديث إلا وَدَّ أن أخاه كفاه إياه، ولا يستفتى عن شيء إلا ودَّ أن أخاه كفاه الفتيا، وعن ابن عباس وابن مسعود ﵃: من أفتى عن كل ما يسأل، فهو مجنون، وقال الشعبي والحسن وأبو الحَصين من التابعين: إن أحدكم ليفتي في المسألة، ولو وردت على عمر بن الخطاب ﵁ لجمع لها أهل بدر، وعن ابن عباس ومحمد بن عجلان: إذا غفل العالم لا أدري، أصيبت مقاتله، وعن سفيان بن عيينة وسحنون: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علمًا، وسئل الشافعي عن مسألة فلم يجب، فقيل له، فقال: حتى أدري أنَّ الفضل في السكوت أو في الجواب، وقال الأثرم سمعت أحمد بن حنبل يكثره أن يقول: لا أدري، وسئل مالك عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في ثنتين وثلاثين منها: لا أدري، وكان يقول: من أجاب في مسألة فينبغي قبل الجواب أن يعرض نفسه على الجنة والنار وكيف خلاصه، ثم يجيب، وسئل عن مسألة، فقال: لا أدري، فقيل: هي مسألة خفيفة سهلة، فغضب، وقال: ليس في العلم شيء خفيف، وقال الشافعي: ما رأيت أحدًا جمع اللَّه تعالى
стр. 888
فيه من آلة الفتيا ما جمع في ابن عيينة أسكت منه عن الفتيا، وقال أبو حنيفة: لولا الفَرَقُ من اللَّه تعالى أن يضيع العلم ما أفتيت، يكون لهم المهنأ وعليَّ الوزر" (١).
وقال ابن النجار ﵀: "وكان السلف يهابونها، ويشددون ويتدافعونها، وأنكر أحمد وغيره من تهجم في الجواب" (٢).
آداب المفتي:
ينبغي للمفتي أن يتحلى بآداب كثيرة، بعضها يرجع إلى نفسه، وبعضها يرجع إلى معاملة المستفتي، وبعضها يرجع إلى إصدار الفتوى ذاتها، وأهم الآداب هي:
أولًا: آداب المفتي في نفسه:
١ - أن يقصد المفتي بعمله وجه اللَّه تعالى، والتقرب إليه في بيان حكم اللَّه تعالى ودينه وشرعه، ولا يفتي طمعًا في منصب، أو مغنم، أو جاه، أو خوفًا من حاكم أو سلطان، ويخلص النية للَّه تعالى (٣).
٢ - أن يتصف المفتي بالتقوى؛ لأنه أمين على دين اللَّه وشرعه، ومبلغ عن اللَّه تعالى؛ لأنه من ورثة الأنبياء، فيجب أن يتخلق بأخلاقهم، وأن يتجنب أسباب الفسق وخوارم المروءة.
٣ - أن يتصف المفتي بالعلم والحلم والوقار والسكينة؛ لأنه موقع عن رب العالمين، ويتمثل فيه الشرع القويم، ويتجنب الرياء والسمعة في عمله.
٤ - أن يكون المفتي ظاهر الورع، مشهورًا بالديانة الظاهرة، وحسن
стр. 889
السريرة الباطنة، قال النووي رحمه اللَّه تعالى: "وكان مالك ﵀ يعمل بما لا يلزمه الناس، ويقول: لا يكون عالمًا حتى يعمل بخاصة نفسه بما لا يُلزمه الناس، مما لو تركه لم يأثم، وكان يحكي نحوه عن شيخه ربيعة" (١).
٥ - أن يكون المفتي فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح التصرف والاستنباط، متيقظًا لما يعرض عليه، بعيدًا عن الغفلة خشية الوقوع في مكائد المستفتين وشباكهم.
٦ - ينبغي ألا يفتي حال تغير خُلُقه، وانشغال قلبه بما يمنعه من التأمل، كالغضب والجوع والعطش والحزن والفرح الغالب، والنعاس، والملل، والضجر من حر أو برد، والمرض، ومدافعة الحدث، وكل ما يشغل القلب، ويمنع الاعتدال (٢).
٧ - أن يتصف المفتي بالرفق في تفهم سؤال المستفتي، وأن يكون واسع الصدر معه، وأن يصبر عليه، فلا يضيق ذرعًا بجهل السائل، ولا بإلحاحه، أو تطويله، أو تطويل السؤال وتكراره (٣).
٨ - أن يكون المفتي مستقل الإرادة في الفتوى، فلا يخشى بها الناس، فيغير الحكم طمعًا في ترغيب، أو خوفًا من ترهيب، وأن يتجنب الفتاوى التي تملى عليه صراحة أو دلالة، فلا يكون مفتيًا للسلطة الحاكمة بحسب أهوائها، أو ما يتناسب مع توجهاتها واتجاهاتها، وخاصة في هذا الزمان، فإن أكثر الحكام لا يطبقون شرع اللَّه، ويتحايلون عليه، ويحاولون أن يلبسوا أعمالهم عباءة الشرع والدين باستصدار الفتاوى، والحصول على موافقة المفتي وأعوانه.
قال الإمام أحمد رحمه اللَّه تعالى: "إذا هاب الرجل شيئًا، لا ينبغي أن يُحمل على أن يقوله" (٤).
стр. 890
ثانيًا: آداب تعيين المفتي:
١ - إذا كان المفش معينًا للفتوى فيجب على الإمام اختيار من يصلح للفتوى، بأن يسأل علماء وقته، ويعتمد أخبار الموثوق بهم (١).
٢ - ينبغي للإمام أن يتصفح أحوال المفتين، ويتتبع فتاويهم؛ ليقر من يصلح للفتيا، ويمنع أو يعزل من لا يصلح بالنهي، والتوعد بالعقوبة، ثم بالحجر عليه إن لزم (٢)، قال ربيعة: "بعض من يفتي أحق بالسجن من السّرّاق" (٣).
٣ - الأصل المختار للمتصدي للفتوى أن يتبرع بذلك، وهذا شأن معظم العلماء المفتين غير المعينين بوظيفة الفتوى، قديمًا وحاضرًا، فيكون عمله للَّه تعالى، محتسبًا الأجر عنده.
٤ - يجوز لمن تعين في وظيفة الفتوى أن يأخذ رزقًا (راتبًا شهريًّا) من بيت المال (خزينة الدولة اليوم) لقاء تعيينه وتفرغه وحبس نفسه لمصلحة عامة شأن بقية الموظفين (٤)، وقيد النووي رحمه اللَّه تعالى ذلك بألا تكون الفتيا متعينة عليه لعدم وجود أحد غيره، وله كفاية في ماله، فقال: "فيحرم على الصحيح" وكذلك إذا كان موظفًا في غير الإفتاء كالإمام والخطيب، وله رزق (راتب) على ذلك، لم يجز له أخذ أجرة على الفتوى أصلًا (٥).
стр. 891
وإذا لم يكن له رزق (راتب)، فقال الشافعية: ليس له أخذ أجرة من أعيان من يفتيه على الأصح كالحاكم القاضي، وقال الحنابلة: يجوز لمن تعينت عليه الفتيا، وليس له كفاية، أن يأخذ رزقًا من المستفتي على الصحيح؛ لأنه إن لم يأخذ أفضى ذلك إلى ضرر يلحقه في عائلته إنه كانوا، وإلى الحَرَج المنفي شرعًا، وإن لم يفت حصل ضرر للمستفتي فتعين الجواز (١).
وقال الصيمري والخطيب البغدادي من الشافعية وأكثر الحنابلة: لو اتفق أهل بلد مع عالم ليتفرغ لهم للفتوى، جاز له أخذ الرزق (الراتب) من أموالهم، وفي قول: لا يجوز له ذلك (٢).
٥ - يجوز للمفتي قبول الهدية عامة، إلا إذا قصد المستفتي بهديته أن يفتيه بما يريد فتحرم وتصير رشوة، كالهدية للقاضي (٣).
ثالثًا: آداب إصدار الفتوى:
١ - يجب على المفتي اتباع الحكم المفتى به بالدليل، وذلك بذكر حجته إذا كان نصًّا واضحًا مختصرًا، وخاصة إذا كان المستفتي فقيهًا عالمًا، لا عاميًّا، وبشكل أخص إذا كانت الفتوى عامة، وتعلق وتنشر على الناس.
٢ - يجب على المفتي الالتزام بالأحكام المجمع عليها، ويحرص على بيان الأحكام المتفق عليها بين المذاهب.
٣ - إذا كانت الفتوى مختلفًا فيها بين المذاهب، وكان المفتي مذهبيًّا، فيجب عليه اعتماد القول المعتمد الراجح في المذهب، كما سبق، ويجب أن يكون اعتماده على الكتب الموثوقة في المذهب التي تنص على القول الراجح المعتمد، ويتجنب الأقوال الضعيفة المرجوحة، أما إن كان مجتهدًا فيفتي
стр. 892
باجتهاده دون تقيد بمذهب، وهذا قليل الآن (١).
٤ - يجب على المفتي أن يحرص في الفتوى على موافقة الشرع، وتحقيق المقاصد الشرعية، والمصالح العامة، ويتجنب الفتوى حسب أهواء الناس ورغباتهم، أو حسب أهواء الحكام وميولهم، ويجب أن يتحرى المصلحة العامة، ويتحرز ما يؤدي إلى فتنة، أو يلحق أذى بالناس، أو يؤدي إلى التنازع أو تفريق الصفوف، وعليه الامتناع عن الفتوى إن علم أن المستفتي يريد بالفتوى اتباع الهوى، وليس الحق، وأنه يريد استغلالها للترويج لأمر غير مشروع.
وإذا أصدر الحاكم حكمًا يوافق الشرع وله دليل شرعي معتبر، ويراه المفتي حقًّا، فلا مانع من تأييده.
٥ - يحرم التساهل في الفتوى، ومن عرف به حرم استفتاؤه ووجب منعه، ومن التساهل أن لا يتثبت، ويسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر، إلا إذا تقدمت في السابق، فلا بأس من المبادرة، وعلى هذا يحمل ما نقل عن الماضين من مبادرة، ومن التساهل أن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحرمة أو المكروهة، والتمسك بالشبه طلبًا للترخيص لمن يريد نفعه، أو التغليظ على من يريد ضره (٢).
٦ - إذا تكرر الاستفتاء في حادثة، وتذكر المفتي الأولى ودليلها الشرعي، أو حكمها في المذهب المنتسب إليه، أفتى بذلك مباشرة، وإن لم يذكر الدليل والحكم المذهبي، فيجب تجديد النظر والبحث، على الأصح (٣).
стр. 893
٧ - يجوز للمفتي التشديد والتفليظ في الفتوى لمصلحة، وإن كان لا يرى ذلك، لكن فيه تأويل، زجرًا للمستفتي، كما روي عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن توبة القاتل؟ فقال: لا توبة له، وسأله آخر، فقال: له توبة، ثم قال: أما الأول فرأيت في عينيه إرادة القتل، فمنعته، وأما الثاني فجاء مستكينًا قد قتل، فلم أقنطه (١).
٨ - يجب على المفتي أن تكون فتواه صريحة جازمة واضحة محددة، فلا يقتصر على ذكر الخلاف، أو القولين فيها؛ لأن مقصود المستفتي بيان ما يعمل به، فينبغي الجزم بما هو الراجح، فإن لم يعرفه، توقف حتى يظهر له، ولأن الفتوى غير الواضحة لا تفيد المستفتي، ولا تحقق الغرض من الفتوى، فيجب أن يجزم بما هو الراجح (٢).
٩ - أن يتجنب المفتي الخوض في المسائل الكلامية، بل يمنع المستفتي وسائر العامة من الخوض في ذلك، ليقتصروا على الإيمان جملة، وعلى أركانه، وكذا في آيات الصفات والأخبار المتشابهة، فإن الفتوى لا تغني فيها ولا تفيد، وكذا تجنب الفتوى فيما لا وجود له كالرق والعتق والعبيد، والكلام عن اختلاف الصحابة والسلف واقتتالهم، فلا جدوى من ذلك، والأصل في الفتوى السؤال عما يوجب عملًا، ويبعد عن محرم وشر وضرر، ولا يدخل فيها الأمور النظرية (٣).
١٠ - يستحسن كتابة السؤال، ثم بيان الجواب له، والبدء بالفتوى
стр. 894
بالحمدلة، والقول: اللَّه الموفق، أو حسبنا اللَّه، أو حسبي اللَّه، والاختتام بقوله: "واللَّه أعلم" أو "وباللَّه التوفيق" ثم يكتب اسمه وتوقيعه، وإن كانت شفهية فإنه يستعيذ باللَّه من الشيطان الرجيم، ويُسمي اللَّه تعالى، ويحمده، ويصلي على النبي ﷺ ، ويقول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، ويقول: رب اشرح لي صدري (١).
آداب المستفتي:
١ - يجب على المستفتي الاستفتاء إذا نزلت به حادثة ليعلم حكم اللَّه تعالى فيها، ويلتزم به، وإن لم يجد ببلده من يستفتيه، وجب عليه الرحيل إلى من يفتيه وإن بعدت المسافة؛ لأن ذلك يتعلق بالدِّين، والحلال والحرام.
٢ - يجب على المستفتي قطعًا البحث عمن تتوفر فيه أهلية الفتوى لإفتائه، وعليه أن يسأل أهل العلم الشرعي حصرًا، وخاصة الملتزمين بالتقوى؛ لأن التحري في أمر الدين واجب، ويسأل من عرف علمه وعدالته.
٣ - يجوز للمستفتي أن يسأل بنفسه، وله أن يبعث ثقة يعتمد خبره ليستفتي له، وله الاعتماد على خط المفتي إذا أخبره به ثقة أنه خطه، أو كان يعرف خطه، ولم يتشكك فيه، وأن يكون كاتب السؤال ممن يحسن السؤال، ويحدد الغرض منه، مع وضوح الخط واللفظ.
٤ - ينبغي للمستفتي أن يتأدب مع المفتي، وأن يظهر له الاحترام والإجلال في كلامه وكتابه، وألا يسيء في ألفاظه وكلامه ومخاطبته، ولا يسأله وهو مشغول، أو في حالة ضجر أو همّ، أو نحو ذلك مما يشغل القلب، ولا يدع الدعاء لمن يستفتيه.
٥ - إذا استفتى في مسألة أو قضية، ثم حدثت تلك القضية، فيلزم المستفتي تكرير السؤال في الصحيح عند الحنابلة؛ لاحتمال تغير نظر المفتي، وعند الشافعية وجهان، والأصح منهما لا يلزمه تجديد السؤال؛ لأنه عرف الحكم الأول، والأصل استمرار المفتي عليه (٢).
стр. 895
فرع: الضمان وعدمه على المفتي:
إذا سئل المفتي عن واقعة، وأفتى بحسب اجتهاده، مبتغيًا وجه اللَّه تعالى، وقاصدًا طاعة اللَّه وطاعة رسوله، ثم أخطأ في الفتوى، وبذل جهده فيها، ولم يقصر أو يعتد، فلا ضمان عليه ولا عقوبة، وإن لم يكن أهلًا للفتوى، أو قصر، أو تعمد، فعليه الضمان والعقوبة، كالجاني والشاهد والقاضي في الخطأ أو العمد، ويبحثه الفقهاء في باب الضمان والإتلاف والقضاء.
стр. 896
الباب الخامس التعارض والترجيح في الأدلة
مقدمات:
١ - إن مبحث التعارض والترجيح مهم جدًّا؛ لأنه يفرض نفسه عمليًّا في الحياة في مختلف شؤونها، وكذلك يفرض نفسه على العالم والفقيه والمجتهد والقاضي، ولذلك لا بدّ من دراسته وبيانه للاستعانة به في الوصول إلى الغاية الصحيحة، والهدف المنشود، دون أن يكون عائقًا في ذلك، أو عقبة في الطريق، فيجب الترجيح عند التعارض بين الأدلة، للعمل بالأقوى، ويجب تحديد قواعد الترجيح وضوابطه للعمل بها.
٢ - إن مبحث التعارض والترجيح يرد في الفقه عامة، وفي البينات خاصة، وأمام القاضي بشكل أخص، ولذلك يفرد الفقهاء في كتب القضاء والدعوى والبينات بحثًا مستقلًا للتعارض الذي يقع بين الفروع، ويظهر بشكل ملموس في القواعد الفقهية عند تطبيق القاعدة على الفروع، ثم الاستثناءات الواردة عليها، وكذلك بحث التعارض بين البينات نظريًا في الفقه، وعمليًّا أمام القاضي، لبيان السبيل السديد في معرفة الحق، وبيان الواقع للفصل فيه (١).
٣ - إن مبحث التعارض والترجيح أحد بحوث أصول الفقه الإسلامي،
стр. 897
ويرد نظريًّا بين الأدلة الكلية، وهي مصادر التشريع العامة، كما يرد في جزئيات الأدلة الكلية، وفي فصول الدليل الواحد، وهو يواجه المجتهد أولًا عند الاستنباط والاستدلال، ثم يواجه الأصولي في التأليف والتصنيف، وفي تقعيد أصول الفقه وبيان مبادئه وقواعده التي يعتمد عليها في الاستدلال ثانيًا، وعند المقارنة ثالثًا، وهو محل البحث هنا فقط.
٤ - تطور مبحث التعارض والترجيح في العصور الأخيرة لاعتماده في الدراسات المقارنة أو الموازنة بين المذاهب الفقهية، واستعراض أدلتها، وتعارضها مع أدلة المذاهب الأخرى، ثم العمل على الترجيح بين الأقوال والأوجه في المذهب الواحد، ثم يبين الباحث المذاهب المختلفة (١).
٥ - اختلف منهج علماء الأصول في مكان دراسة التعارض والترجيح، فعرضه جمهور الحنفية وبعض الحنابلة والبيضاوي من الشافعية بعد مباحث الأدلة أو المصادر، وقبل الكلام على الاجتهاد والتقليد؛ لأن التعارض والترجيح وثيق الصلة بالأدلة، فلا يمكن إثبات الأحكام بالأدلة الظنية إلا بالترجيح بينها.
وذهب جمهور الشافعية والمالكية والحنابلة إلى ذكر التعارض والترجيح بعد الاجتهاد والتقليد؛ لأنها من عمل المجتهد، فالمجتهد هو الذي يدرك التعارض بين الأدلة، ثم يعمل على ترجيح أحدها.
ورجحنا منهج الجمهور؛ لتوقف معرفة التعارض بين الأدلة ثم الترجيح بينها على الاجتهاد، وأن هذا من عمل المجتهد حصرًا؛ لأنه يعرف التفاوت بين الأدلة، ويصنفها حسب مراتبها في القوة، ويحدد مجال التعارض، ثم يعمد إلى بيان الراجح منها ليعتمد عليه في الاستدلال والاستنباط.
٦ - نسارع إلى القول فورًا: إنه لا يوجد تعارض حقيقي فيما بين الأدلة الكلية، ولا تعارض فيما بين الأدلة الجزئية والفرعية، وإن التعارض هو في
стр. 898
الظاهر، وبحسب ما يتبادر إلى الذهن، ثم يزول بعد النظر والتأمل والبحث؛ لأن مصدر الأدلة الكلية والجزئية هو اللَّه ؛ ولأن التعارض مبدئيًّا يعني التناقض والاختلاف والاضطراب، وهذا يستحيل أن يصدر من إنسان عاقل، فكيف يصدر من العليم الخبير الحكيم؛ وهذا ما بيّنه القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]، لكن معظم الأدلة ظنية، فيقع بينها التعارض ظاهرًا (١).
٧ - ورد في الكتب اصطلاح التعارض، واصطلاح التعادل، وذهب بعض العلماء إلى التفريق بينهما تبعًا للغة، فالتعادل لغة: التساوي، وعِدْل الشيء مثله من جنسه أو مقداره، أما التعارض فهو التمانع، ومنه تعارض البينات؛ لأن كل واحد تعترض الأخرى، وتمنع نفوذها (٢).
بينما ذهب جماهير علماء الأصول إلى استعمال التعادل في معنى التعارض؛ لأنه لا تعارض إلا بعد التعادل، وإذا تعارضت الأدلة، ولم يظهر -مبدئيًّا- لأحدهما مزية على الآخر، فقد حصل التعادل بينها، أي: التكافؤ والتساوي (٣)، وسوف نسير مع رأي الجمهور بعدم التفريق بين التعادل والتعارض، واعتبارهما مترادفين.
ونتناول بحث التعارض والترجيح في ثلاثة فصول، وهي:
стр. 899
الفصل الأول: التعارض بين الأدلة.
الفصل الثاني: الترجيح بين الأدلة.
الفصل الثالث: طرق الترجيح.
وفي ذلك إتمام لبحث التعارض والترجيح، وبه يكتمل البناء، وينتهي هذا الكتاب، ونسأل اللَّه العون والسداد والتوفيق.
стр. 900
الفصل الأول التعارض بين الأدلة
تعريف التعارض:
التعارض لغة: التقابل والتمانع والتعادل، من اعترض الشيءَ: صار له عارضًا، كالخشبة المعترضة في النهر، وعارضَ فلانًا: ناقضه في كلامه وقاومه، واعترض عليه: أنكر قوله أو فعله، والتعارض: مصدر من باب التفاعل الذي يقتضي فاعلين فأكثر (١).
والتعارض في الاصطلاح له تعريفات كثيرة عند الأصوليين، وأفضلها ضبطًا واختصارًا التعريف الجامع المانع الذي ذكره الزركشي رحمه اللَّه تعالى، فقال: "هو تقابل الدليلين على سبيل الممانعة" (٢).
ونقل هذا التعريف ابن النجار رحمه اللَّه تعالى، مع تعديل بسيط يتفق مع مذهبه، ثم شرحه فقال: "وذلك إذا كان أحد الدليلين يدل على الجواز، والدليل الآخر يدل على المنع، فدليل الجواز يمنع التحريم، ودليل التحريم يمنع الجواز، فكل منهما مقابل للآخر، ومعارض له، ومانع له" (٣)، وهذا يعني أن أحد الدليلين يقتضي حكمًا في واقعة خلاف ما يقتضيه الدليل الآخر فيها عند توفر الشروط التي سنذكرها، وهنا يأتي دور المجتهد في الترجيح لإزالة هذا التعارض (٤).
стр. 901
مثاله في القرآن: ورد في القرآن الكريم آية تجعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام، سواء كانت المرأة حاملًا أو غير حامل، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ووردت آية أخرى تحدد أجل انتهاء عدة الحامل بوضع الحمل، سواء كانت متوفى عنها زوجها أو مطلقة، قال تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، فوقع التعارض في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها.
ومثاله في الحديث: قوله ﷺ : "إنما الرّبا في النسيئة" (١)، فالحديث يحصر الربا المحرَّم في ربا النسيئة (المؤجل)، ومقتضاه إباحة ربا الفضل (الزيادة بدون أجل)، ثم قال ﷺ : "لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء ... ولا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل" (٢)، وهذا يدل على تحريم ربا الفضل، فيكون الحديثان متعارضين (ظاهرًا) في ربا الفضل، فالأول يدل على إباحته، والثاني يدل على تحريمه.
محل التعارض:
يرى بعض الأصوليين أنه لا تعارض بين دليلين قطعيين، سواء كانا عقليين، أو نقليين، أو أحدهما عقليًّا والآخر نقليًّا؛ لأنه يؤدي إلى اجتماع النقيضين، أو ارتفاعهما، ولأن ترجيح أحدهما على الآخر محال، فلا مدخل للترجيح في الأدلة القطعية، وينحصر التعارض في الأدلة الظنية، سواء كانت نقلية، أو عقلية، أو أحدها عقليًّا، والآخر نقليًّا، ثم يقع الترجيح بينها.
ويرى بعض الأصوليين منع التعارض بين دليلين عامين بلا مرجح (٣).
стр. 902
ويرى آخرون أن التعارض يقع بين الدليلين القطعيين، وبين الدليلين العامين في الألفاظ، لكن لا تعارض بين الفعلين إذا لم يقم دليل على تكراره بالنسبة للناس جميعًا، كان يصوم رسول اللَّه ﷺ يوم سبت مثلًا، ثم يفطر يوم سبت آخر، فلا تعارض بين هذين الفعلين، لأنه لا عموم للأفعال (١).
وأرجح القول الأخير؛ لأن التعارض في الأصل ظاهري بين جميع الأدلة، وأن استعراض مباحث التعارض والترجيح يبيّن وجود تعارض بين جميع الأدلة، وأن العلماء يبيّنون شروط التعارض ، فإن توفرت، لزم الترجيح بينها، وأن دراسة الشروط نفسها تبين وجود تعارض ظاهري، وعند فقدان الشرط يرتفع التعارض ويقع الترجيح، وهذا هو عمل المجتهد والعالم، وهو ما يُعرض حقيقة في باب التعارض والترجيح.
شروط التعارض:
يشترط لتحقق التعارض شروط، فإن فقد شرط منها حصل الترجيح حكمًا، وهذه الشروط هي:
١ - اتحاد القوة:
يشترط في التعارض بين الدليلين أن يكونا في قوة واحدة، بأن يكونا قطعيين كآيتين، أو خبرين متواترتين، أو آية وخبر متواتر، أو يكونا ظنيين كخبري آحاد، أو قياس وقياس.
فإن كان أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا فلا تعارض؛ لأن القطعي يقدم على
стр. 903
الظني، ولأن الظني ينتفي بالقطع، كآية وخبر آحاد، فلا تعارض في الثبوت، ولكن يقع التعارض من حيث الدلالة، ومثل خبر متواتر وخبر آحاد، فلا تعارض بينهما، ويقدم القطعي حتمًا وهو المتواتر، باتفاق (١)، ولا يتحقق التعارض بين نص وإجماع، فيقدم الإجماع لتحديد الدلالة، ولا تعارض بين نص وقياس، فيقدم النص، ولا تعارض بين إجماع وقياس، فيقدم الإجماع، ولا تعارض بين حديث صحيح مع حديث ضعيف أو مردود؛ لأن الحديث الضعيف أو المردود ليس حجة أصلًا ولا دليلًا (٢).
٢ - الاتحاد في الموضوع والمحل والزمان:
يشترط لتحقق التعارض أن يتحد الدليلان في موضوع واحد، فإن اختلف الموضوع، وكان أحدهما حلالًا والآخر حرامًا، فلا تعارض.
وأن يتحد الدليلان في المحل، وهو محل الحكم بالنفي والإثبات لشخص واحد، فإن اختلف المحل، فلا تعارض، كالحكم على المدين الموسر، والإنظار وعدم المطالبة من المدين المعسر، أو المتوفى عنها زوجها والمطلقة.
وأن يتحد الدليلان في الزمان، ليقع التعارض، فإن اختلف الزمان في الصلاتين، أو في الصومين، فلا تعارض، وإن تقدم أحد الدليلين، وتأخر الآخر، فلا تعارض؛ لكون المتأخر ناسخًا
стр. 904
للمتقدم (١).
حكم التعارض:
إذا وجد تعارض بين الأدلة في نظر المجتهد، فيجب عليه البحث في دفعه ورفعه؛ لأنه لا يوجد تعارض حقيقي في الأدلة الشرعية الصحيحة، ولا يعقل وجوده؛ لأنها من عند اللَّه تعالى الذي أحكم كل شيء خلقه، وإنما جاءت الأحكام الشرعية على أساس واحد، ومنهج قويم، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم عليم.
فإذا وجد نصان -مثلًا- ظاهرهما التعارض، وجب الاجتهاد في صرفهما عن هذا الظاهر، والوقوف على حقيقة المراد منهما، تنزيهًا للشارع العليم الحكيم عن التناقض في تشريعه.
وإذا ظهر تعارض -مثلًا بين مصدرين من المصادر، فيقدم الأولى حسب الترتيب المتفق عليه، أو المقرر في كل مذهب، واتفق العلماء في الأدلة المتفق عليها على تقديم الإجماع (٢)، فالكتاب، فالسنة، فالقياس، وقذم الجمهور قول الصحابي على القياس، وقدّم الحنفية الاستحسان على القياس، وقدَّم المالكية الاستصلاح على القياس، ثم تأتي سائر المصادر الاجتهادية المختلف فيها.
وفي المصدر الواحد يتم الترتيب أيضًا، فالإجماع النطقي المتواتر
стр. 905
أعلاها، ثم يليه الإجماع النطقي الثابت بالآحاد، ثم يليه الإجماع السكوتي المتواتر، ثم الإجماع السكوتي التابت بالآحاد، فهذه الأنواع الأربعة كلها مقدّمة -عند القائلين بها- على باقي الأدلة، ويقدم الإجماع السابق على اللاحق كإجماع الصحابة يقدم على إجماع التابعين، وهكذا، وفي السنة يقدم المتواتر على الآحاد، وفي أخبار الآحاد يقدم الصحيح على الحسن، وكذا في القياس كما سيأتي في فصل طرق الترجيح (١).
طرق دفع التعارض:
اتفق العلماء على وجوب دفع التعارض بين الأدلة إن وجد، ولكنهم اختلفوا في الطريق للوصول إلى هذا الهدف على طريقتين: طريقة الحنفية، وطريقة الجمهور (٢)، وقد يكون الاختلاف أحيانًا لفظيًّا واصطلاحيًّا مع الاتفاق على الحكم والنتيجة.
أولًا: طريقة الحنفية:
قال الحنفية: إن التعارض إما أن يقع بين النصوص الشرعية، وإما أن يقع بين غيرها من الأدلة، وفي كل حالة منهج خاص.
الحالة الأولى: التعارض بين نصين:
إذا وقع التعارض بين نصين شرعيين، فيسلك المجتهد الترتيب الآتي في المراحل الأربع، مبتدئًا بالنسخ، ثم بأحد طرق الترجيح، فإن لم يمكن فالجمع بينهما، فإن تعذر فالتساقط، وذلك حسب المنهج التالي:
стр. 906
١ - النسخ:
إذا ورد نصّان متعارضان، بحث المجتهد أولًا عن تاريخ النصين، فإذا علم تقدم أحدهما وتأخر الثاني، حكم بأن المتأخر ينسخ المتقدم، مع التذكير بشرط التعارض، وهو أن يكون النصّان متساويين في القوة كآيتين، أو آية وسنة متواترة (أو مشهورة عند الحنفية)، أو خبرين من أخبار الآحاد.
مثاله: الآيتان السابقتان في عدة الوفاة وعدة الحامل، ففي الأولى قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فتدل بعمومها "أزواجًا" أن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام، سواء كانت حاملًا، أو غير حامل، وفي الثانية قال تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، وتدل أيضًا أن المرأة الحامل تنقضي عدتها بوضع الحمل، سواء كانت متوفى عنها زوجها، أو مطلقة، فحصل التعارض بين الآيتين في الحامل المتوفى عنها زوجها.
وثبت عن ابن مسعود ﵁ أن الآية الثانية متأخرة عن الأولى (١)، فتكون ناسخة في القدر الذي حصل فيه التعارض، فتصبح عدة المتوفى عنها زوجها منتهية بوضع الحمل (٢).
٢ - الترجيح:
إذا تعارض النصان، ولم يعلم المجتهد تاريخهما، رجح أحدهما على الآخر، إن أمكن، بأحد طرق الترجيح التي ستأتي، كترجيح المحكم على
стр. 907
المفسر، وترجيح العبارة على الإشارة، وترجيح الحظر على الإباحة، وترجيح أحد خبري الآحاد بضبط الراوي أو عدالته، أو فقهه، أو نحو ذلك كما سيأتي.
واستدل الحنفية في تقديم الترجيح على الجمع بين النصين بأن الراجح ملحق بالمتيقن، فيعمل به، وأن العمل بالراجح واجب، وتركه خلاف المعقول والإجماع، وأن ترجيح أحد الدليلين على الآخر يمنع المعارضة أصلًا؛ لأن الترجيح مبني على التعارض، والتعارض مبني على التماثل، وعند الترجيح فلا تماثل، ولا تعارض، وإنما يعمل بالأقوى ويترك الأضعف؛ لأنه في حكم العدم بالنسبة إلى القوى، فكأنه فقد شرط التعارض أصلًا (١).
واعترض عليهم بأن العمل بالراجح الحقيقي واجب عقلًا، ولا يصح تركه، أما التعارض الظاهري فلا ترجيح، وإنما يعتبر الدليلان معًا، وأن التعارض من حيث الظاهر فقط، وقد تحقق التعارض بين الأقوى والأضعف ظاهرًا، فإذا زال التعارض الظاهري، بقي معنا دليلان صحيحان، فيجب العمل بهما معًا، ولا يجوز العمل بأحدهما، وإهمال الآخر.
وبناء على قول الحنفية قدّم أبو حنيفة رحمه اللَّه تعالى حديث: "استنزهوا من البول" (٢)، على ما ورد من شرب العُرَنيّين أبوال الإبل (٣)، لمرجح التحريم والحظر على الإباحة، ولأن دفع الضرر أولى من جلب المنفعة.
٣ - الجمع والتوفيق:
إذا تعذر الترجيح بين النصين، لجأ المجتهد إلى الجمع، أي: للتوفيق بين النصين؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إهمالهما، أو إعمال أحدهما وإهمال الآخر.
وطرق الجمع عند الحنفية كثيرة بحسب طبيعة النصين، كالجمع بين العامين بالتنويع، والجمع بين النصين المطلقين بالتقييد، والجمع بين
стр. 908
الخاصين بالتبعيض، والجمع بين العام والخاص بالتخصيص، وهو ما سبق بيانه في مباحث الدلالات.
مثال الجمع بين العامين بالتنويع قوله ﷺ : "ألا أخبركم بخير الشُهداء؟ هو الذي يأتي بالشهادة قبل أن يُسألها" (١)، وقوله ﷺ : "خيرُ أمتي القرن الذي بُعثت فيه، ثم الذين يَلُونَهم، ثم الذين يَلُونهم، ثم يَخلفُ قومٌ يَشْهدون قبل أن يُسْتشهدوا" (٢)، فالحديث الأول يجيز قبول الشهادة قبل الطلب والسؤال، سواء في حقوق اللَّه، أو في حقوق العباد، ويثني على ذلك بالفضل الكبير، والحديث الثاني لا يجيزها أصلًا قبل الطلب؛ لأنها وردت في مَعرض الذَّم والقدح، مما يدل على استنكارها ورفضها، ويجمع بين الحديثين بحمل الأول على نوع من الحقوق، وهي حقوق اللَّه تعالى فقط، وتكون الشهادة حِسْبَة، ويحمل الحديث الثاني على نوع آخر، وهي حقوق العباد.
ومثال الجمع بين النصين المطلقين بالتقييد أن يقول شخص: أعط فقيرًا، ويقول مرة أخرى: لا تعطِ خالدًا، فيقيد الأمر بالمتعفف، والنهي بالمتسول.
ومثال الجمع بين الخاصين بالتبعيض أن يقول شخص: أعطِ خالدًا، ويقول مرة أخرى: لا تعطِ خالدًا، فيحمل الأمر على إعطائه حال الاستقامة، والنهي على منع الإعطاء حال الانحراف.
ومثال الجمع بين العام والخاص بالتخصيص قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فإنه نص عام على وجوب العدة على كل مطلقة، سواء وقع الطلاق قبل الدخول بها أو بعده، ولكنه خصص بالمطلقات قبل الدخول بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]،
стр. 909
ويبقى العام معمولًا به فيما وراء الخاص.
وإن كان أحد النصين مطلقًا، والآخر مقيدًا، حُمل المطلق على المقيد، كما سبق في بابه، مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]. مع قوله تعالى: ﴿إلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فاللفظ المطلق "الدم" محمول على المقيد "دمًا مسفوحًا"، ويكون الدم المحرم هو الدم المسفوح فقط.
٤ - تساقط الدليلين:
إذا تعارض الدليلان، وتعذر النسخ والترجيح والجمع، فيحكم بتساقط الدليلين لتعارضهما، ثم يلجأ المجتهد إلى الاستدلال بما دونهما في الرتبة، فإذا تعارضت آيتان ترك الاستدلال بهما إلى السنة، وإذا تعارض حديثان عدل عنهما إلى الاستدلال بقول الصحابي عند من يحتج به، أو إلى القياس والاستحسان؛ لتعذر العمل بالأعلى بسبب تعارضه مع غيره، ولأن العمل بأحد المتعارضين ترجيح من غير مرجح، فكأن الواقعة لم يرد فيها نص، فإن لم يوجد دليل أدنى وجب العمل بالأصل العام في ذلك الشيء، كأنه لم يرد فيه دليل أصلًا على الحكم.
مثال العمل بالأدنى: ما ورد في السنة من حديثين متعارضين في صلاة الكسوف، أحدهما رواه النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ "صلى صلاةَ الكسُوف كما تصلُّون، رَكْعة وسجدتين" (١)، والثاني روته عائشة ﵂ أن الرسول ﷺ : "صلّى الكسوف ركعتين بأربعةِ ركوعات، وأربعِ سجدات" (٢)، فالتعارض في كيفية صلاة الكسوف في كل ركعة بركوعين مع قيامين أو بركوع واحد مع قيام واحد كبقية الصلوات، ولا مرجح عند الحنفية لأحد الحديثين على الآخر، فتركوا العمل بهما، وأخذوا بالقياس، وهو قياس صلاة الكسوف على بقية الصلوات.
стр. 910
ومثال العمل بالأصل ما ورد في الآثار في حكم سؤر الحمار، فعن ابن عمر أنه نجس، وعن ابن عباس أنه طاهر، ولا مرجح لقول أحدهما، فترك الحنفية العمل بالأثرين، وعملوا بمقتضى الأصل في الماء، وهو أنه طاهر.
الحالة الثانية: التعارض بين دليلين غير نصين:
وذلك كما لو ورد التعارض بين قياسين، فيجب على المجتهد أن يرجح بينهما بأحد مرجحات القياس التي ستأتي، كالترجيح بالعلة المنصوصة على العلة المستنبطة بطريق المناسبة مثلًا، فإن لم يكن هناك مرجح، لزم المجتهد أن يتحرى بما يشهد له قلبه، وتطمئن به نفسه (١)، وقال الشافعي وأحمد: يتخير (٢).
ثانيًا: طريقة الجمهور في دفع التعارض:
إذا تعارض دليلان، فذهب الشافعية والمالكية والحنابلة والظاهرية إلى التعريف بين التعارض في النصوص والتعارض في الأقيسة.
الحالة الأولى: التعارض بين النصوص عند الجمهور:
إذا تعارض نصان -بحسب الظاهر- عند المجتهد، فيجب عليه البحث والاجتهاد لدفع التعارض، وللوقوف على حقيقة المراد منهما تنزيهًا للشارع الحكيم عن التناقض في تشريعه، وذلك وفق المنهج التالي:
١ - الجمع بين النصين:
إذا تعارض نصان بحسب الظاهر، فيعمل المجتهد للجمع، أي: للتوفيق بين النصين بوجه مقبول شرعًا، قبل الترجيح لأحدهما؛ لأنَّ العمل بالدليلين
стр. 911
ولو من بعض الوجوه خير من العمل بأحدهما وإهمال الآخر؛ لأن الأصل في الدليلين إعمالهما، وعند الجمع بين الدليلين يزول التعارض الظاهري، وكان هذا بيانًا للمراد من النصين؛ لأنه لا تعارض في الحقيقة بينهما، حتى لو كان أحد الدليلين من السنة، والآخر من الكتاب على الأصح.
ويمكن الجمع بين الدليلين والعمل بهما معًا بطرق كثيرة، كأن يكون أحدهما عامًّا والآخر خاصًّا، أو أحدهما مطلقًا والآخر مقيدًا، أو أحدهما حقيقة والآخر مجازًا، وسبق بيان ذلك في الدلالات، وكما سبق كثير من الأمثلة في طريقة الحنفية في الجمع بين النصوص.
ويمكن الجمع بين الدليلين والعمل بهما معًا بالتبعيض، وذلك في حالات ثلاث:
أ- أن يكون حكم كل من الدليلين المتعارضين قابلًا للتبعيض، فالعمل بهما متعذر، فيعمل بهما من بعض الوجوه، فيكون قد عمل بكل واحد في بعض الحكم، كوضع اليد من اثنين على دار، فتقسم بينهما.
ب- أن يكون حكم كل واحد من الدليلين متعددًا، بأن يحتمل أحكامًا كثيرة، فيعمل بالدليلين، بأن يثبت بكل واحد منهما بعض الأحكام، مثل قوله ﷺ : "لا صلاةَ لجارِ المسْجد إلا في المسجد" (١)، فإنه معارض لتقريره ﷺ لمنْ صلى في غير المسجد مع كونه جارًا (٢)، فهذان الحديثان يشتملان على أحكام متعددة، فالحديث الأول يحتمل نفي الصحة ونفي الكمال ونفي الفضيلة، والحديث الثاني يحتمل ذلك أيضًا، فيحمل الأول على نفي الكمال، والثاني يحمل على الصحة.
جـ- أن يكون حكم كل من الدليلين عامًّا، أي: متعلقًا بأفراد كثيرة،
стр. 912
فيجمع بينهما بأن يعمل بهما معًا بتوزيعها على الأفراد، فيتعلق حكم أحدهما بالبعض، ويتعلق حكم الآخر بالبعض الآخر، مثاله الحديث السابق "خيرُ الشهود" مع حديث "يشهدون قبل أن يُسْتشهدوا" ومثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، مع قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، فتحمل الأولى على بعض الأفراد، وهن المتوفى عنهن أزواجهن غير الحاملات، وتحمل الثانية على الحاملات.
ومثله قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٨٠]، مع قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ إلى آخر آيات المواريث، [النساء: ١١ - ١٢، ١٧٦]، فالآية الأولى توجب الوصية للوالدين والأقارب بالمعروف، والآية الثانية توجب للوالدين والأقارب حقًّا من التركة بوصية اللَّه تعالى، لا بوصية المورث، فهما متعارضتات ظاهرًا، ويمكن التوفيق بينهما بالجمع بأن يراد بآية سورة البقرة الوالدان والأقربون الذين منعوا من الإرث بسبب كاختلاف الدين، أو حجبوا باقرب كالإخوة بالأبناء، والجد بالأب، والآية الثانية يراد بها الوالدان والأقربون الوارثون فعلًا.
٢ - الترجيح بين الدليلين:
إذا تعذر الجمع بين الدليلين فذهب الجمهور إلى العمل لترجيح أحد الدليلين على الآخر بأحد المرجحات التي سنذكرها، أو سبق بيانها عند الحنفية، ويعمل المجتهد بما اقتضاه الدليل الراجح.
٣ - النسخ:
إذا تعذر الجمع بين الدليلين، أو ترجيح أحدهما، لجأ المجتهد إلى طريقة النسخ، إذا كان مدلولهما قابلًا للنسخ، وعلم تقدم أحدهما، وتأخر الآخر، فيكون المتاخر ناسخًا للمتقدم، كما سبق في مبحث النسخ.
٤ - تساقط الدليلين:
إذا تعذرت الوجوه السابقة في دفع التعارض من الجمع أو الترجيح أو
стр. 913
النسخ، صار الدليلان متعارضين، فيترك العمل بهما معًا، ويبحث المجتهد عن دليل آخر، وكأن الواقعة لا نص فيها، قال الشيخ عبد الرحمن خلاف رحمه اللَّه تعالى: "وهذه صورة فرضية لا وجود لها" (١).
الحالة الثانية: التعارض في الأقيسة:
اتفق الجمهور مع الحنفية في طريقة دفع التعارض بين الأقيسة المتعارضة، بأن يرجح المجتهد أحد الأقيسة بأحد الترجيحات التي سنذكرها لاحقًا، أو سبقت الإشارة إليها عند الحنفية، كالترجيح بالعلة المنصوصة على العلة المستنبطة بالمناسبة وغيرها (٢).
حالة تعذر دفع التعارض:
إذا تعذر دفع التعارض بين الأدلة النصية، أو الأقيسة المتعارضة، ويسمى التعادل في نفس الأمر (٣)، فقد اختلف الجمهور في بيان الحل للمجتهد الذي عجز عن الترجيح، وتحير، ولم يجد دليلًا آخر، وذلك على عدة آراء، أهمها: الأول: القول بالتخير بأن يختار المجتهد العمل بأحد النصين أو أحد القياسين، والثاني: القول بالتساقط كالبينتين إذا تعارضتا مع طلب الحكم من موضع آخر كالرجوع إلى العموم، أو البراءة الأصلية، والثالث: التفصيل، فإن كان التعارض بين حديثين، تساقطا، ولا يعمل بواحد منهما، أو بين
стр. 914
قياسين فيتخير، والرابع: الوقف، كما لو حصل ذلك في التعادل الذهني؛ الخامس: الأخذ بالأغلظ، السادس: بالتوزيع والقسمة، والسابع: التخيير في الواجبات، والتساقط عند تعارض الإباحة أو التحريم مع الرجوع إلى البراءة الأصلية، والثامن: يقلد عالمًا أكبر، والتاسع: يصبح الأمر كالحكم قبل ورود الشرع (١)، وسيأتي مزيد من الأمثلة.
стр. 915
الفصل الثاني الترجيح بين الأدلة
تعريف الترجيح:
الترجيح لغة: الثقل والميل والتفضيل والتقوية، يقال: رجح الشيء رجحانًا ورجوحًا ورجاحة: ثقل، ورجحت إحدى الكفتين الأخرى: مالت بالموزون، ورجحه أرجحه: فضّله وقواه، واستعمال الرجحان حقيقة إنما هو في الأعيان الجوهرية، ثم استعمل في المعاني مجازًا (١).
والترجيح في الاصطلاح: اختلف العلماء في تعريفه نتيجة لاختلافهم في تكييفه، هل هو فعل المجتهد؟ أم أنه وصف قائم بالدليل الراجح؟ أم كلاهما؟
فعرفه الزركشي رحمه اللَّه تعالى بأنه: "تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى بما ليس ظاهرًا" (٢)، وهذا الحد باعتبار الترجيح من عمل المرجح المجتهد، ومع ذلك أغفل ذكر المجتهد، وأن ترجيح غير المجتهد لا يعتد به عند الأصوليين، والترجيح هو بيان التقوية، أي: بيان القوة الكامنة في الدليل، واقتصر على الأمارة ليحصر الترجيح في الأدلة الظنية دون القطعية، مع أننا رجحنا أن التعارض يقع في الأدلة القطعية والظنية، ويحتاج للترجيح، وقيد الترجيح حالة "ما ليس ظاهرًا" في الأمارة، فإن كانت القوة ظاهرة فلا يحتاج للترجيح، ويخرج من التعريف الأخبار والظواهر لاختصاص اسم الأمارة بالمعاني، لكنها تدخل بالتعريف من حيث الغاية،