← Гариб и словари

Гариб и словари · id 17124

المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث

أبو موسى المديني

Полный текст (2 199 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المملكة الْعَرَبيَّة السعودية جامعَة أم الْقرى مَرْكَز الْبَحْث العلمي وإحيَاء التراث الإسلامي كليّة الشريعَة والدّراسَات الإسلاَمية - مكَة المكرمة منَ التّراثِ الإسْلاَمي الْكتاب الْخَامِس وَالْأَرْبَعُونَ المَّجْموعُ المُغِيثْ فِي غَرِيَبي القُرآنِ والحَّدِيثِ تأليف الإمَام الحَافظ أبي مُوسَى مُحَمَّد بْن أبي بكر بن أبي عِيسَى الْمَدِينِيّ الأصْفهاني الْمُتَوفَّى سنة ٥٨١ هـ تَحْقِيق عَبد الْكَرِيم العزبَاوي

стр. 2

حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة لمركز الْبَحْث العلمي وإحياء التراث الِإسلامي الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م دَار الْمدنِي للطباعة والنشر والتوزيع جدة: ص. ب: ١٨٤٨٥ - ت: ٦٤٣٢٣٦٢

стр. 3

المَّجْموعُ المُغِيثْ فِي غَرِيَبي القُرآنِ والحَّدِيثِ

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله حقّ حمده، والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمدٍ المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعدُ: فإنّ أشرف الألفاظ ألفاظ كتاب الله جلّ ثناؤه، ثم ألفاظ أحاديث نبيّه محمّدٍ ﷺ وآثار أصحابه ﵃ أجمعين. ولا شك أن كلام رسول الله " ﷺ " أفصح الكلام ولغته من أفصح الّلغات. إلا أنه بعد تقادم الزَّمان وفساد الألسنة صار كثير من ألفاظ حديثه ﷺ يحتاج إلى شرح وتفسير فاعتنى بها العلماء وشرحوها وفسَّروها في كتب خصصت بذلك. وضمن اختيارات مركز البحث العلمي وإحياء التراث الِإسلامي بكلية الشريعة والدراسات الِإسلامية بجامعة أم القرى بمكة المكرمة لنوادر كتب التراث الإسلامي التي يقوم بتحقيقها ونشرها وقع اختيار مجلس المركز لكتاب: "المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث" لمؤلفه الحافظ أبي موسى محمد بن أبي بكر بن عمر المديني الأصفهاني المتوفى سنة ٥٨١ هـ الذي أكمل كتاب "الغريبين" لأبي عُبَيْدٍ الهرويّ المتوفى سنة ٤٠١ هـ. وذلك لأهميَّة هذا الكتاب من بين كتب الغريب، وقد أدرك الإمام [مجد] الدين المبارك بن محمد بن الأثير الجزريّ المتوفى ٦٠٦ هـ أهمية هذا الكتاب فجعله أحد روافد كتابه المشهور "النهاية في غريب الحديث والأثر". وقد أثنى العلماء - قديماً - على أبي موسى المديني وعلى كتابه هذا قال السَّمعاني: "سمعت من أبي موسى وكتب عنّى وهو ثقة صدوق". وقال الحافظ ابن النجار: "انتشر علم أبي موسى في الآفاق ونفع الله به المسلمين، وأجتمع له ما لم يجتمع لغيره من الحفظ والعلم والثِّقة والِإتقان والصلاح وحسن الطريقة وصحة النَّقل".

стр. 6

أمّا كتابه فقال عنه ابن الأثير: "وجدته غاية في الحسن والكمال وقال الحافظ الذَّهبيّ: "يدل على براعته في لسان العرب". وقد أبدى المركز اهتماماً ظاهراً في كتب غريب الحديث فتم طبع غريب الحديث للخطابي ٣٨٨ هـ ثم منال الطالب في شرح طوال الغرائب لمجد الدين ابن الأثير ٦٠٦ هـ. وتلاهما المجلدة الخامسة من غريب الحديث لأبي إسحاق الحرْبي ٢٨٩ هـ. ثم تلاها كتابنا هذا. وقد أحال المركز تحقيق هذا الكتاب إلى الأستاذ عبد الكريم إبراهيم العزباوى، أحد الباحثين المفرغين للعمل في المركز. وقد بذل الأستاذ في إخراج هذا الكتاب جهوداً مشكورة أجزل الله له المثوبة. وفي الوقت الذى أقدّم به هذا الكتاب إلى طُلاب العلم والمعرفة من محبّي تراث أمتنا الِإسلامية الخالدة أمد يد الضراعة إلى الله جلت قدرته أن يرحم مؤلف هذا الكتاب وأن ينفع بعمله، وأن يجعل جهودنا المبذولة في إخراجه خالصة لوجهه الكريم. مدير مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى د. عَبد الرحمن بن سليمان العثيمين

стр. 7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم الحمد لله والصّلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد ﷺ وعلى أصحابه والتابعين، وبعد: فقد (١) سَلِمت اللغة العربية الفصحى في عهد رسول الله ﷺ إلى حين وفاته، وجاء عصر الصحابة، ﵃ سالكاً النهج الذى قبله، حيث كان اللسان العربي صحيحا ليس فيه خلل، إلى أن فتحت الأمصار، وخالط العَربُ أجناساً أخرى من الفرس والروم والنبط والحبش ممن فتح الله على المسلمين بلادهم، فاختلطت الأمم، وامتزجت الألسن. وتداخلت اللغات، ونشأ بينهم الأولاد، فأصبح اللحن في الكلام فاشيا، وبخاصة في البيت والشارع؛ وذلك لكثرة الأعاجم، ثم انتقل إلى العلماء، فأصبح أمراً عاديا، وعَدُّوا من يتكلّم بالفصحى متكلّما على النَّمَط البدوى، ومن أجل هذا نشأ الخلاف بين مَنْ لا تهمهم القواعد النحوية وبين المحافظين عليها. وربّما كان هذا هو السبب الذى دعا بعض العلماء إلى وضع كتب في لحن العوام، تُنَبِّه إلى هذه الأخطاء، وكُتُبٍ أخرى تقوم بجمع الغريب من القرآن الكريم، وأحاديث الرسول ﷺ وصحابته والتابعين لتفسير الغامض من ألفاظهما، وتوضيح المُشكِل من معانيهما خدمةً للغة والدِّين جميعا. وإنّا لذاكرون هنا تقدمةً لنشأة كتب غريب القرآن وتطورها، والعلماء

стр. 8

الذين قاموا بتأليف هذه الكتب، ثم نُتْبِعها بكلمة أخرى مماثلة بالنسبة لغريب حديث رسول الله ﷺ . ثم نذكر بعد ذلك مَرحلَة الجمع بين غريبى القرآن والسنة في كتاب واحد فنقول: أمّا بالنسبة (١) لغريب القرآن، فأوّل مَنْ يُعزَى إليه كتاب في غريب القرآن: هو عبد الله بن عباس (ت: ٦٨ هـ) وهو يضمّ بعض الأقوال التي قالها ابن عباس في تفسير الغريب من ألفاظ القرآن، ولم يكن هو الذي دَوّنها في كتاب، وإنما دَوّنها بَعضُ رواة هذه الأقوال. وكان يعتمد على الشعر في تفسير ألفاظ القرآن الكريم. ثم صنّف أبو سعيد أَبَان بن تَغْلب بن رِيَاح البَكْرِى (ت: ١٤١ هـ) كتابا (٢) في غريب القرآن، وذَكَر شواهدَه من الشعر. ثم ألَّف في غريب القرآن من اللغويين أبو فيد مُؤرِّج السّدوسي (ت: ١٩٥ هـ) كتابا في غريب القرآن، ولكنه لم يصل إلينا. ثم تعاقبت التآليف في غريب القرآن، فَمِن مؤلّفِي القرن الثالث: أبو محمد يحيى بن المبارك اليَزِيدىّ (ت: ٢٠٢ هـ)، والنَّضْر بنُ شُمَيل (ت: ٢٠٣ هـ)، وأبو عبيدة معمر بن المثنى (ت: ٢١٠ هـ)، والأخفش الأوسط: سعيد بن مسعدة (ت: ٢٢١ هـ)، وأبو عبيد: القاسم ابن سلام (ت: ٢٢٤ هـ)، ومحمد بن سلام الجُمَحِىّ (ت: ٢٣١ هـ)، وأبو عبد الرحمن: عبد الله بن محمد العدوي، المعروف بابن اليَزِيدي، تِلميذ الفَرّاء، وابن قتيبة (ت: ٢٧٦ هـ)، وثعلب (ت: ٢٩١ هـ). ومنهج كتاب ابن قتيبة خليط من منهجي كتب اللغة، كتب التفسير، فهو يضم ظَواهرَهما معاً، فبينما يفسّر الألفاظ لغويا، ويستشهد عليها بالشعر

стр. 9

والأحاديث وأقوال العرب يفسِّرها قرآنيا فيبيِّن في السُّوَر المدنيَّ من المَكِّيَّ أحيانا، ويقتبس أقوال مشهوري المفسرين. وعُزِى إلى بعض مَن تُوفِّى في القرن الرابع كتب في غريب القرآن أيضا، وأشهرهم: أبو طالب المُفَضَّل بن سَلَمَة (ت: ٣٠٨ هـ)، وابن دريد (ت: ٣٢١ هـ)، ولم يتم كتابه، وأبو زيد: أحمد بن سهل البلْخِىّ (ت: ٣٢٢ هـ)، ومحمد بن عثمان الجَعْد (ت: ٣٢٢ هـ)، ونِفْطوَيه (ت: ٣٢٣ هـ) ومحمد بن عُزَيْز السِّجِسْتاني (٣٣٠ هـ)، وأبو عُمَر: محمد ابن عبد الواحد الزّاهد (٣٤٥ هـ)، وأبو بكر محمد ابن الأنصارى النَّقّاش (ت: ٣٥١ هـ). ووصل إلينا من كتب هذا القرن كتابُ ابن عُزيْز، الذي روى أبو البركات الأنبارى في نزهة الأَلِبَّاء: أنه صنَّفه في خمس عشرة سنة، وكان يقرؤه على شيخه أبي بكر ابن الأنباري، فكان يُصْلِح له فيه مواضعَ. وقد طبع هذا الكتاب سنة ١٩٣٦ م وعنوانه: "نزهة القلوب" ويختلف عن غريب ابن قتيبة كلَّ الاختلاف، فلا مقدّمة له يشرح فيها مَنهجَه ولا أقسامَ به، وإنما الألفاظ الغريبة تُرتَّب وفقا للحرف الأوّل منها وحده، وكان ابنُ عُزَيْز يقَسِّم الحرفَ الواحد في ترتيبه إلى ثلاثة أبواب، فيقدّم المفتوح، ثم المضموم، ثم المكسور، ولا يعتبر الحرف الثاني وما بعده، فيورد الألفاظ المبدوءة بالحرف الواحد مختلطة في غير نظام، والتفسير لغوي يكاد يكون خالصا، والألفاظ تُفسَّر تفسيراً مختصراً، لا تَرِد فيه أسماء اللغويين ولا المفسرين ولا الشواهد. ومن مؤلّفي غريب القرآن الذين توفوا في القرن الخامس: أحمد بن محمد المرزوقي (ت: ٤٣١ هـ)، ومكي بن محمد القيسي (ت: ٤٣٧ هـ)، ومحمد ابن يوسف الكفرطابي (ت: ٤٥٣ هـ) ...

стр. 10

وأَلَّف في الغريب في أوائل القرن السادس الراغب الأصفهاني (ت: ٥٠٢ هـ) أبو القاسم حسين بن محمد (١)، ووصل إلينا كتابه: "المفردات في غريب القرآن" وطبع سنة ١٣٢٤ هـ، ثم أعيد طبعه، وقدّم الراغب بين يدَى كتابه مقدمة طويلة ذكر فيها: أهمية معرفة ألفاظه، وتَعرَّض لمنهجه، حيث يقول: "ذكَرتُ فيه مفردات ألفاظِ القرآن على حروف التَّهجِىّ، فقدّمت ما أَوَّله الألف، ثم الباء، على ترتيب حروف المعجم معتبراً أوائل حروفه الأصلية، دون الزوائد، والِإشارة فيه إلى المناسبات التي بين الألفاظ المستعارات منها والمشتقّات، حسبما يحتمل التوسع في هذا الكتاب". وكان هذا الترتيب أَيسر ترتيب وصل إليه العرب، وأُعجِبوا به كلّ الِإعجاب .. أمّا علاجه للألفاظ فكان لغويا، راعَى فيه التفسير الواضح، والالتفات إلى بعض المشتقات، والِإتيان بالشواهد من الحديث والشعر، والتزم إيراد ما يؤخذ من اللفظ من مجاز وتشبيه ... وقد أصبح هذا الكتاب علما بارزاً في هذا الفرع من العلوم، بفضل ترتيبه وعلاجه الاستعمال المجازي، وهو أشبه ما يكون بمعجم كاملٍ للألفاظ القرآنية. وأمّا الحديث (٢) فقيل: إن أوّل من جمع في هذا الفنّ شيئا وألّف: أبو عبيدة معمر بن المثنى، فجمع من ألفاظ غريب الحديث والأَثر كتاباً صغيراً ذَا أوراقٍ معدودات، ولم تكن قِلَّتُه لجهله بغيره من غريب الحديث، وإنّما كان ذلك لأَمرين: أحدهما: أنّ كلّ مبتديء لشيءٍ لم يُسْبَق إليه، ومبتدعٍ لأَمرٍ لم يتقدَّم فيه عليه فإنه يكون قليلاً ثم يكثر، وصغيراً ثم يكبر.

стр. 11

الثاني: أنّ الناس يومئذ كان فيهم بقيَّة، وعندهم معرفة. ثم جمع أبو الحسن النَّضْر بن شُمَيْل المازنى بعد كتاباً في "غريب الحديث" أكبرَ من كتاب أبي عبيدة وشرح فيه وبَسَط على صغر حجمه ولطفه. ثم جمع عبد الملك بن قُرَيْب الأصمعي - وكان في عصر أبي عبيدة وتأخّر عنه - كتابا أحسن فيه الصنع وأجاد، ونيَّف على كتابه وزاد. وكذلك محمد بن المستنير المعروف بقطرب، وغيره من أئمة اللغة والفقه، جمعوا أحاديث تكلّموا على لغتها ومعناها في أوراق ذات عدد، ولم يكد أحدهم ينفرد عن غيره بكثير حديث لم يذكره الآخر. واستمرت الحال إلى زمن أبي عبيد القاسم بن سلام وذلك بعد المائتين، فجمع كتابَه المشهور في "غريب الحديث والآثار" الذي صار، وإن كان أخيراً، أَوّلاً؛ لِمَا حواه من الأحاديث والآثار الكبيرة، والمعاني اللطيفة، والفوائد الجمّة، فصار هو القدوة في هذا الشأن، فإنه أفنى فيه عمره، وأطاب به ذكره، حتى لقد قال فيما يُروى عنه: "إني جمعت كتابي هذا في أربعين سنة، وكان خلاصة عمري". تَتَبَّع أحاديث رسول الله ﷺ على كثرتها، وآثار الصحابة والتابعين حتى جمع منها ما احتاج إلى بيانه بطرق أسانيدها، وظنّ ﵀ أنه قد أتى على معظم غريب الحديث وأكثر الآثار، وبقى كتابه في أيدي الناس يرجعون إليه، ويعتمدون في غريب الحديث عليه إلى عصر أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري وصنف كتابه المشهور "في غريب الحديث والآثار" حذَا فيه حذوَ أبي عبيد، ولم يودعه شيئا من الأحاديث المودعة في كتاب أبي عبيد إلاّ ما دعت إليه حاجته من زيادة شرح وبيانٍ، أو استدراك، أو اعتراض، وجاء كتابه مثل كتاب أبي عبيد أو أكبر منه. وقد كان في زمانه الإمام إبراهيم بن إسحاق الحربي (ت: ٢٨٥ هـ)

стр. 12

وجمع كتابه المشهور في غريب الحديث، وهو كتاب كبير ذو مجلدات عِدَّة، جمع فيه وبسط القول وشرح، واستقصى الأحاديث بطرق أسانيدها، وأطاله بذكر متونها وألفاظها، وإن لم يكن فيها إلا كلمة واحدة غريبة، فطال بذلك كتابه، فتُرِك وهُجِر بسبب طوله، وإن كان كثيرَ الفوائد، جَمَّ المنافع، فإن الرجل كان إماما حافظا مُتقِنا، عارفاً بالفقه والحديث، واللغة والأدب. ثم صنّف العلماء غيرُ مَن ذكرنا في هذا الفنّ تصانيفَ كثيرة، منهم شَمِر ابن حَمْدَوَيْه، وأبو العباس أحمد بن يحيى اللغوي المعروف بثعلب، وأبو العباس محمد بن يزيد الثُّمالي المعروف بالمُبَرِّد، وأبو محمد بن القاسم الأنباري، وأحمد ابن الحسن الكندي، وأبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد، صاحب ثعلب، وغير هؤلاء من أئمة اللغة والنحو والفقه والحديث. واستمرت الحال إلى عهد الِإمام أبي سليمان حَمْد بن محمد بن إبراهيم الخَطّابي البستي (ت: ٣٨٨ هـ) وألّف كتابه المشهور في "غريب الحديث"، وسلك فيه نهج أبي عبيد، وابن قتيبة، ولقد قال يصف كتابه: "وأمّا كتابنا هذا، فإني ذكرت فيه ما لم يرد في كتابيهما، فصرفت إلى جمعه عنايتي، ولم أزل أتتبع مَظانَّها، وألتقط آحادَها حتى اجتمع منها ما أحبَّ الله أن يوفّقِ له، وأتسق الكِتابُ فصار كنحو من كتاب أبي عبيد أو كتاب صاحبه". فلمّا كان (١) زمن أبي عبيد أحمد بن محمد الهروي (ت: ٤٠١ هـ) صنّف كتابه المشهور السائر في الجمع بين غريبي القرآن العزيز والحديث الشريف، وذلك حيث يقول: "وكنت أرجو أن يكون سبقني إلى جمعهما، وضمّ كلّ شىء إلى لِفْقِه (٢) منهما على ترتيب حسن واختصار كاف، سابق،

стр. 13

فكفاني مؤونَةَ الدّأب، وصعوبة الطلب، فلم أجد أحداً عمل ذلك إلى غايتنا هذه". ورتّبه مقفّى على حروف المعجم على وضع لم يسبق في غريب القرآن والحديث إليه، فاستخرج الكلمات اللغوية الغريبة من أماكنها، وأثبتها في حروفها، وذكر معانيها، إذ كان الغرض والمقصد من هذا التصنيف معرفة الكلمة الغريبة لغةً وإعراباً ومعنىً، لا معرفة متون الأحاديث والآثار وطُرُق أسانيدها وأسماء رُواتها، فإنّ ذلك علم مستقل بنفسه مشهور بين أهله. وفي زمن (١) الِإمام أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري (ت: ٥٣٨ هـ) صنَّف كتابه المشهور في غريب الحديث وسمّاه الفائق، فكان فائقا في مادّته، ووضَّح ما تناوله من غريب الحديث توضيحاً، ورتَّبه على وضع اختاره مُقَفًّى على حروف المعجم، ولكن في العثور على طلب الحديث منه كُلفَة ومشقّة، وإن كانت دون غيره من متقدم الكتب، لأنه جمع في التقفية بين إيراد الحديث مسروداً جميعه أو أكثره أو أقلّه، ثم شرح ما فيه من غريب، فيجيء شرح كلّ كلمة غريبة يشتمل عليها ذلك الحديث في حرف واحد من حروف المعجم، فَتَرِدُ الكلمة في غير حروفها، وإذا تطلبها الِإنسان تعب حتى يجدها، فكان كتاب أبي عبيد الهروى أقرب متناولاً وأسهل مأخذا، وإن كانت كلماته متفرقة في حروفها، وكان النفع به أَتمّ، والفائدة منه أَعمّ. فلما كان زمن الحافظ الِإمام أبي موسى محمد بن أبي بكر بن أبي عيسى المديني الأصفهاني، وكان إماماً في عصره، حافظاً مُتقناً تُشدَّ إليه الرحال، وتناط به من الطلبة الآمال ألَّف كتابه: "المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث" على ترتيب كتاب أبي عبيد سواء بسواء، وسلك طريقه حَذْوَ النَّعل بالنّعل في إخراج الكَلِم في الباب الذي يليق بظاهر لفظها، وإن كان اشتقاقها مخالفاً لَها.

стр. 14

وهذا الكتاب هو الذي نقوم بتحقيق نَصّه بتكليفٍ من "مركز البحث العلمي وإحياء التراث الِإسلامي" بجامعة أم القرى، ويجدر بنا والحالة هذه أن نقول كلمة عن مؤلّف الكتاب الِإمام الحافظ أبي موسى المديني. فنبدأ وبالله التوفيق. * * *

стр. 15

أبو موسى المديني الأصفهاني (١) الِإمام العلامة الحافظ الكبير الثّقة شيخ المحَدّثين أبو موسى محمد بن أبي بكر عمر بن أبي عيسى أحمد بن عمر بن محمد بن أبي عيسى المديني الأصفهاني الشافعي. صاحب التصانيف، مولده في ذي القعدة سنة إحدى وخمسمائة، ومولد أبيه المقريء أبي بكر سنة خمس وستين وأربعمائة، حَرَص عليه أبوه، وسمَّعه حضورا، ثم سمَّعه كثيرا من أصحاب أبي نعيم الحافظ وطبقتهم، وعمل أبو موسى لنفسه مُعجَماً لنفسه روى فيه عن أكثر من ثلثمائة شيخ. ذكر منهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي في سير أعلام النبلاء: أبا سعد محمد ابن محمد المُطَرِّز حضورا وإجازة، وأبا منصور محمد بن عبد الله بن مندويه، وغانم ابن أبي نصر البُرْجِيّ، وأبا عليًّ الحدَّادِ فأكثر جدًّا، والحافظ هبة الله بن الحَسَنِ الأَبَرْقُوهِيَّ، والحافظ يحيى بن مَنْدَةَ، والحافظ محمد بن طاهر المَقْدسِي [ويعرف بابن القَيْسَرانِي]، وأبا العباس أحمد بن الحسين بن أبي ذَرًّ، ومحمد بن إبراهيم الصَّالْحانيّ، وابن عَمِّه أبا بكر محمد بن أبي ذر، خاتمة مَن رَوَى عن

стр. 16

أبي طاهرِ بن عبد الرحيم، وأبا غالب أحمد بن العبّاس بن كُوشيذ، وإبراهيم بن أبي الحسين بن أَبرويه، سِبْط الصالحانيَّ، وعبد الواحد بن محمد الصبَّاغ، وأبا الفتح إسماعيل بن الفضل السَّراج، والحافظ أبا القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل التَّيْميّ، لازَمَه مدّة، وتخرَّجَ به، وأبا طاهر إسحاق بن أحمد الراشتينانيّ، والواعظ تميم بن عليّ القَصَّار، والرئيس جعفر بن عبد الواحد الثقفيّ، وأبا محمد حمزة بن العبّاس العلوىّ، وأبا شُكرٍ حَمْدِ بن علي الحبَّال، وأبا الطّيبِ حبيب بن أبي مسلم الطِّهرانيَّ، وأبا الفتح رجاء بن إبراهيم الخبَّاز، وطلحة بن الحُسَيْن بن أبي ذرٍّ الصَّالْحانيَّ، وأبا القاسم طاهر بن أحمد البَزَّار، والحافظ أبا الخير عبد الله ابن مرزوق الهَرَوِىّ، وأبا بكر عَبد الجبار بن عُبَيْد الله ابن فُورويه الدَّلَّال، من أصحاب أبي نُعَيْم، وأبا نهشل عبد الصمد بن أحمد العَنْبَرِىّ، ومحمود بن إسماعيل الصَّيْرَفيّ الأَشْقَر، والهيثم بن محمد بن الهيثم الأَشْعَرِيّ، وخُجَسْتة بنت علي بن أبي ذَرٍّ الصالحانيَّة، وأمّ الليث دَعْجاء بنت أبي سهل الفضل بن محمد، وفاطمة بنت عبد الله الجُوْزدَانِيّة. وارتحل فسمع من أبي القاسم بن الحُصَيْنِ، وهبة الله بن أحمد الحريري (١)، وقاضي المارستان أبي بكر، وأبي الحَسَنِ ابن الزاغونىّ، وأبي العِزّ ابن كادِشِ، وخلقٍ سواهم (٢). ويستأنف الِإمام الذهبي الكلام عن أبي موسى فيقول: وصنّف كتاب الطوالات في الأحاديث في مجلدين، وكتاب اللطائف في رواية الكبار ونحوهم عن الصغار، وكتاب عوالى التابعين يُنبِيء عن تقدُّمِه في معرفة العالي والنازل، وكتاب تضييع العمر والأيام في اصطناع المعروف إلى اللئام،

стр. 17

وأشياء كثيرة، نذكر شيئا منها عند تعداد مؤلفاته إن شاء الله. هذا وقد حَفِظ كتابَ علوم الحديث للحاكم وعَرَضَه على شيخه: قوام السنة: الحافظ إسماعيل التَّيمىِّ. وحدّث عنه: أبو سَعْدٍ السَّمْعانيُّ، وأبو بكر محمد بن الحازِميُّ، وأبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المَقْدِسيُّ (١)، وأبو محمد عبد القادر بن عبد الله الرُّهَاوِىُّ، ومحمد بن مكِّيًّ الأَصبهانِيّ، وأبو نجيحِ بن معاويةَ، والناصِحُ عبد الرحمن بن الحنبليّ. ولو سَلِمَتْ أصفهانُ من سيفِ التّتَار سنة اثنتين وثلاثين وستمائة لعاشَ أصحابُ أبي موسى إلى حدود نيفٍ وستين وستمائة. وقد رَوَى عنه بالِإجازة: عبد الله بن بركات الخُشُوعِيُّ وطائفةٌ. قال أبو سعد السَّمْعانِيُّ: سَمِعتُ من أبي موسى، كتَبَ عنِّى، وهو ثقةٌ صدوقٌ. وقال الحافظ عبد القادر الرُّهَاوِىّ: حصل أبو موسى من المسموعات بأصبهان ما لم يتحَصَّل لأحدٍ في زمانِه، وانضمَّ إلى كثرة مسموعاته الحِفظُ والِإتقان. وله التصانيف التي أربَى فيها على المُتقدّمين مع الثقة، وتعفّفه الذي لم نره لأحدٍ من حفاظ الحديث في زماننا. وكان له شيء يسير يكتسب منه ويُنفِقُ على نفسه، ولا يقبلُ من أحدٍ شيئا قطُّ. أوصى إليه غيرُ واحدٍ بمال فيردَّه، وكان يقال له: فرِّق على مَن تَرَى، فَيَمتنع، وكان فيه من التواضع بحيث أنه يُقرِيء الصغيرَ والكبيرَ، ويُرشِدُ المبتديء. ويقول تلميذه الحافظ الرُّهَاوِىّ: رأيته يُحَفِّظُ الصَّبيانَ القرآن في الألواح.

стр. 18

وكان يَمنعُ مَنْ يمشي معه، فَعَلْتُ ذلك مَرّةً فزَجَرني وتردَّدتُ إليه نحواً من سنة ونصف، فما رأيتُ منه، ولا سمعتُ عنه سقطةً تُعابُ عليه. ويستأنف الذهبي كلامه فيقول: كان أبو مسعود كُوتاه (ت: ٥٥٣ هـ) يقول: أبو موسى كَنْزٌ مَخْفِىّ. وسمعتُ شيخَنا العلامة أبا العباس بن عبد الحليم يُثْنِي على حفظ أبي موسى، ويُقدّمه على الحافظ ابن عساكر باعتبار تصانيفه ونفعها. وقال ابن النجار: انتشر عِلْمُ أبي موسى في الآفاق، ونفع الله به المسلمين، واجتمع له ما لم يجتمع لغَيْره من الحِفظ والعلم والثّقة والإتقان والصلاح، وحُسْن الطريقة، يصحة النقل. قرأ القرآن بالروايات، وتفقّه للشافعي، ومهر في النحو واللغة، وكتب الكثير. رحل إلى بغداد، وحجّ سنة أربع وعشرين وخمسمائة، وسنة اثنتين وأربعين وخمسمائة. وقال إسماعيل التَّيميّ شَيخُه لِطالب عِلْم: الْزَم الحافِظَ أبا موسى فإنَّه شاب مُتقِن. وقال محمد بن محمود الُرَّوَيْدَشْتِيُّ: صنَّف الأئمة في مناقب شيخنا أبي موسى تَصانيفَ كثيرة. وقد توفّى الحافظ أبو موسى في تاسع جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. وكان يومئذ حافظ المشرق، وفي هذه السنة مات حافظ المغرب أبو محمد عبد الحقّ بن عبد الرحمن الأزدىُّ مُصنِّف الأَحكام، وعالم الأندلس الحافظ أبو زيد عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أَصْبَغ الخَثْعَمِيّ السُّهَيْلِيّ المالَقِيّ الضّرِيرُ، صاحب "الرَّوْضِ الأُنُف". رأى علماء آخرين فيه: ١ - قال ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات (ت: ٦٠٦ هـ): "كان أبو موسى المديني إماما في عصره، حافظاً متقنا تُشَدُّ إليه

стр. 19

الرحال، وتُناطُ به من الطلبة الآمال" (١). ٢ - وقال ابنُ الدُّبَيْثِيّ مُحمدُ بنُ سَعِيد (ت: ٦٣٧ هـ): "أبو موسى المديني حافظ للقرآن المجيد، له معرفة بالأدب، قد سمع الكثير، وكتب بخطه، ورحل وطلب العلم، ولقى الشيوخ والحفاظ، وعاش حتى صار أوحد وقته، وشيخ زمانه إسناداً وحفظا" (٢). وقال أيضا (٣): "سمعت أبا بكر، محمد بن موسى الحازمي ببغداد مراراً يذكر الحافظ أبا موسى المديني، ويثنى عليه الثناء الحسن، ويصفه بالحفظ والمعرفة، وحسن السمت والطريقة. وقالَ أيضا (٤): كتب إليّ أبو غانم المهذب بن الحسن الواعظ من أصبهان يقول: "الحافظ أبو موسى المديني من الحفاظ المتقنين، وتصانيفه كثيرة ومسموعاته". ٣ - وقال أبو شامة، عبد الرحمن بن إسماعيل (ت: ٦٦٥ هـ): "أبو موسى المديني محدّث مشهور، وله تصانيف كثيرة (٥) ". ٤ - وقال ابن خلكان (ت: ٦٨١ هـ): "كان الحافظ أبو موسى المديني إمام عصره في الحفظ والمعرفة، وله في الحديث وعلومه تآليف مفيدة، قرأ القراءات، وتفقَّه على مذهب الشافعي على أبي عبد الله الحسن بن العباس الرُّسْتمِي، وقرأ النحو واللغة حتى تمهّر فيهما، وله التصانيف المفيدة "منها:

стр. 20

أسماء الصحابة، والأمالي الكبير، وكتاب اللطائف، وعوالي التابعين، وكان ثِقة دَيّنا صالحا، وكان متواضعا يُقريء كلَّ من أراد" (١). ٥ - وقال أبو الفداء، إسماعيل بن علي الملك المؤيد (ت: ٧٣٢ هـ): لأبي موسى المديني في الحديث وعلومه تآليف مفيدة" (٢). ٦ - وقال الذهبي: (ت: ٧٤٨ هـ): "لأبي موسى المديني التصانيف النافعة الكثيرة، والمعرفة التامة، والرواية الواسعة، انتهى إليه التقدّم في هذا الشأن مع علو الِإسناد" (٣). وقال أيضا: "كان مع براعته في الحفظ والرجال صاحبَ وَرَعٍ وعبادةٍ وجلالة وتُقًى" (٤). ٧ - وقال صلاح الدين الصفدي (ت: ٧٦٤ هـ): "أبو موسى المديني صاحب التصانيف، وبقية الأعلام، كان واسع الدائرة في معرفة الأحاديث وعِلَله وأبوابه ورجاله وفنونه، ولم يكن في وقته أعلم منه ولا أحفظ ولا أَعلى سنداً" (٥). ٨ - وقال السبكي (ت: ٧٧١ هـ): "أبو موسى المديني الأصبهاني، صاحب التصانيف" (٦)، وذكر طائفة من مشايخه وتلاميذه. ٩ - وقال الحافظ بن كثير، إسماعيل بن عمر بن كثير (ت: ٧٧٤ هـ):

стр. 21

"أبو موسى المديني أحد حفّاظ الدنيا الرحَّالين الجوَّالين، له مصنّفات عديدة وشرح أحاديث كثيرة" (١). ١٠ - وقال ابن الجزري، شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد الجزرى (ت ٨٣٣ هـ): "أبو موسى المديني أحد الحفاظ المشهورين، قرأ القراءات العشر على محمد بن الحسين المرزوقي، وسمع وروى، وصنّف الكثير من الحديث" (٢). ١١ - وقال ابن تغرى بردى (ت ٨٧٤ هـ): "توفّى العلامة أبو موسى المديني في جمادى الأولى وله ثمانون سنة" (٣). ١٢ - وقال الحافظ جلال الدين السيوطي (ت: ٩١١ هـ): أبو موسى المديني الحافظ الكبير شيخ الِإسلام، وصاحب التصانيف، سمع الكثير، ورحل وعنى بهذا الشأن، وانتهى إليه التقدّم فيه، مع علوّ الِإسناد، وعاش حتى صار أوحد زمانه، وشيخ وقته، إسناداً وحفظا مع التواضع، لا يقبل من أحد شيئا قط" (٤). ١٣ - وقال ابن العماد (ت: ١٠٨٩ هـ): "أبو موسى المديني الحافظ، صاحب التصانيف، لم يخلف بعده مثله، وكان مع براعته في الحفظ والرجال - صاحب ورع وعبادة، وجلالة وتُقًى" (٥). * * *

стр. 22

شيوخه: ١ - أبو القاسم الطَّلْحِيّ: إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي بن أحمد بن طاهر التيمىّ، الأصبهاني (١)، الملقّب بقوام السنة، وبجُوزى. قال السِّلَفِي: "سمع أبي عمرو بن مَندهَ، وأبي نصر الزينبي، وأبي بكر الشيرازي، ومالك البانياسي، وعائشة الوَرْكانِيّة. روى عنه: أبو القاسم بن عساكر، وأبو سعد السمعاني، وأبو موسى المديني، وآخرون. قال ابن السَّمعانِى: كان إماماً في التفسير والحديث، واللغة والأدب، عارفاً بالمتون والأسانيد، عديم النظير لا مثيل له في وقته. وقال السِّلَفِى: كان فاضلا في العربية، ومعرفة الرجال، حافظاً للحديث، عارفا بكلِّ علم. قال أبو موسى في "معجمه": هو إمام أئمة وقته، وأستاذ علماء عصره، وقدوة أهل السنة في زمانه. ولد سنة ٤٥٧ هـ، ومات بأصبهان سنة ٥٣٥ هـ وكان يحضر مجلس إملائه الأئمةُ، والحفاظ والمسندون، وبلغ عدد أماليه نحواً من ثلاثة آلاف وخمسمائة مجلس. قال أبو موسى: وهو المبعوث على رأس المائة الخامسة الذي أحيا الله به الدّين، ولا أعلم أحداً في ديار الِإسلام يصلح لذلك غيره. وله المصنّفات والفتاوى الكثيرة، وكان أهل بغداد يقولون ما دخل

стр. 23

بغداد بعد الإمام أحمد بن حنبل أفضل ولا أحفظ منه. ٢ - أبو الفضل المقدسى: محمد بن طاهر بن على، ويعرف بابن القيسرانى (١) الشيبانى. كان عالماً مُكثِراً جَوَّالاً. سمع ببلده من الفقيه نصر، أبي عثمان بن ورقاء، وغيرهما. وببغداد: أبا محمد الصريفينى، وأبا الحسين بن النقور، وطبقتهما، وبمكة: الحسن بن عبد الرحمن الشافعى، وسعد بن على الزنجانى، وبمصر: أبا إسحاق الحبال، وبالثغر: الحسين بن عبد الرحمن، وبدمشق: أبا القاسم بن أبى العلاء، وبحلب: الحسن بن مكّى، وبالجزيرة: عبد الوهاب بن منده، وبنيسابور: الفضل بن المحب، وبهراة محمد بن مسعود الفارسى، وبجرجان: إسماعيل بن مسعدة، وبآمد: قاسم بن أحمد الأصبهانى الخياط. قال أبو زكريا بن منده: كان أَحدَ الحفاظ، حَسنَ الاعتقاد، جميل الطريقة، صدوقاً، عالما بالصحيح والسَّقِيم، كثير التصانيف، لازماً للأَثر. روى عنه: شيرويه بن شهر دار الديلمى، والسِّلَفى، وابن ناصر. قال السمعانى: سألتُ أبا الحسن الكرخى الفقيه عن ابن طاهر، فقال: ما كان له نظير على وجه الأرض. قال السِّلَفى: سمعت ابن طاهر يقول: كتبت الصحيحين وسنن أبي داود سبع مرات بالأجرة، وسنن ابن ماجه عشر مرات بالرّىّ. قال ابن طاهر: مولدى سنة ثمان وأربعين وأربعمائة. ومات في نصف ربيع الأول سنة سبع وخمسمائة. * * *

стр. 24

٣ - ابن منده: يحيى بن عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق بن محمد ابن يحيى بن منده الأصبهانى العبدى (١). سمع أباه، وعَمَّيه: عبد الرحمن الحافظ، وعبيد الله التاجر، وأبا بكر بن ريذه، صاحب الطبرانى، وأبا طاهر بن عبد الرحيم صاحب أبي الشيخ، وأبا العباس أحمد بن محمد القصاص، وأحمد بن محمود الثقفى، ومحمد بن على الجصاص، وأبا الفتح على بن محمد الدليلى، ومحمد بن على بن الحسين الجوزدانى، وأبا بكر أحمد بن منصور المغربى، وأبا الفضل عبد الرحمن بن أحمد الرازى الزاهد، وأبا بكر البيهقى، وخَلقاً كثيرا. وله إجازة من أبي طالب بن غيلان وجماعة. حدَّث عنه: عبد الوهاب الأنماطى، ويحيى بن عبد الغافر بن الصباغ، وعلى بن أبي تراب، وابن ناصر، والسلفى، وعبد الحق اليوسفى، وأبو محمد بن الخشاب، وخلق، آخرهم موتاً محمد بن إسماعيل الطرسوسى. قال السمعانى: هو جليل القدر، وافر الفضل، واسع الرواية، ثقة، حافظ، مكثر صدوق، كثير التصانيف. مِن آثاره كتاب من عاش من الصحابة مائة وعشرين سنة، و"تاريخ أصبهان"، و"مناقب العباس"، و"مناقب أحمد"، في مجلد كبير. وأملى ببغداد. ومن مسموعاته: كتاب "المعجم الكبير" للطبراني. كان حسن السيرة، بعيداً من التَكلُّف، أَوحدَ بيِته في عصره. قال السمعانى: أجاز لى مسموعاته، وسألت إسماعيل بن محمد الحافظ عنه: فأثنى عليه، ويصفه بالحِفْظ والمعرفة، والدِّراية.

стр. 25

قال الذهبي: قرأت بخط اليونارتى: مولد يحيى بن منده في شوال سنة أربع وثلاثين وأربعمائه، وتوفّى يوم النحر سنة إحدى عشرة، وقيل: توفّى في ثانى عشرة ذى الحجة، سنة خمسمائة. * * *

стр. 26

تلاميذه: تلاميذه كثيرون، منهم: ١ - أبو سعد السمعانى: عبد الكريم بن محمد بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد بن محمد بن جعفر التَّمِيمى السَّمعانِى المروزى (١). سمع أبا عبد الله الفَراوى، وزاهر الشّحامى وطبقتهما بنيسابور، والحسين ابن عبد الملك الخلال، وسعيد بن أبي الرجاء وطبقتهما بأصبهان، وأبا الفتح المصيصى بدمشق، وأبا بكر محمد بن عبد الباقى الأنصارى وطبقته ببغداد، وعمر بن إبراهيم العلوى بالكوفة، كما سمع شيوخ بخارى وسمرقند وبلخ، وغيرهم. قال ابن النجار: سمعت مَن يذكر أنّ عدد شيوخه سبعة آلاف شيخ، وهذا شيء لم يبلغه أحد. روى عنه: ولده عبد الرحيم مفتى مرو، وأبو القاسم بن عساكر، وابنه القاسم، وعبد الوهاب بن سكينة، وأبو روح عبد المعز بن محمد الهروى، وأبو الفتح محمد بن محمد الصائغ، وخلق كثيرون. قال ابن النجار: كان مليح التصانيف، لطيف المزاح ظريفاً، حافظا، واسع الرحلة، ثقة صدوقا دَيِّناً، سمع منه مشايخه وأقرانه. ونقل ابن النجار أسماء تصانيفه من خَطِّه، نذكر منها: "الذيل" على تاريخ الخطيب، و"تاريخ مرو"، و"الِإملاء والاستملاء" و"معجم الشيوخ"، و"الأنساب"، و"فضائل الشام"، و"التحبير في المعجم الكبير"، و"مقام العلماء بين يدى الأمراء"، مات سنة اثنتين وستين وخمسمائة من الهجرة، وله ست وخمسون سنة. * * *

стр. 27

٢ - أبو بكر الحازمى: محمد بن موسى بن عثمان بن موسى بن عثمان بن حازم الهمذانى (١). سمع من أبي الوَقت السجزى حُضوراً، ومن شهردار بن شِيرَويه الديلمى، وأبى زرعة المقدسى، والحافظ أبي العلاء الهمذانى، ومعمر بن الفاخر، وقدم بغداد وسمع من أبي الحسين عبد الحق بن يوسف، وعبد الله بن عبد الصمد العطار، وبالموصل من الخطيب أبى الفضل الطوسى، وبواسط من أبى طالب المحتسب، وبالبصرة من طلحة المالكى، وسمع بأصبهان أبا الفتح الخرقى، وأبا العباس الترك، وأبا موسى الحافظ. قال ابنُ الدُّبَيثِى: قدم بغداد وسكنها، وتفقَّه على مذهب الشافعى، وجالس العلماء، وتميّز وفهم، وصار من أحفظ الناس للحديث وأسانيده ورجاله، مع زهد وتعبّد ورياضة وذكر. قال ابن النجار: كان من الأئمة الحفاظ العالمين بفقه الحديث، ومعانيه ورجاله، وكان ثقة حجّة نبيلاً، زاهداً عابداً ورعا، ملازما للخلوة والتصنيف، وبث العلم. ألّف كتاب "الناسخ والمنسوخ"، و"عجالة المبتدىء في الأنساب"، و"المؤتلف والمختلف" في أسماء البلدان، وأسند (٢) أحاديث "المهذب" لأبى إسحاق. قال ابن النجار: سمعت محمد بن محمد بن محمد بن غانم الحافظ يقول:

стр. 28

كان شيخنا الحافظ أبو موسى يُفضّل أبا بكر الحازمى على عبد الغنى المقدسى، ويقول: ما رأيت شابا أحفظ منه. وسمعت بعض الأئمة يذكر: أنّ الحازمى كان يحفظ كتاب "الإكمال" في المؤتلف والمختلف، ومشتبه النسبة. ولد الحازمى سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وأدركه أَجَلُه شَابًّا سنة أربع وثمانين وخمسمائة. * * * ٣ - عبد الغنى المقدسى: عبد الغنى بن عبد الواحد بن سرور بن رافع ابن حسن بن جعفر الإمام تقى الدين، أبو محمد المقدسى الجماعيلى ثم الدمشقى الصالحى الحنبلى (١)، صاحب التصانيف. ولد سنة إحدى وأربعين وخمسمائة. سمع: أبا المكارم بن هلال بدمشق، وهبة الله بن هلال، وابن البطى، وطبقتهما ببغداد، وأبا طاهر السِّلفى بالثغر، وأقام عنده ثلاثة أعوام، كتب عنه أَلفَ جزء.، وأبا الفضل الطوسى بالموصل، وعبد الرازق إسماعيل القومسهانى بهمذان، والحافظ أبا موسى المديني وأقرانه بأصبهان، وعلى ابن هبة الله الكاملى بمصر. رَوى عنه ولداه: أبو الفتح وأبو موسى، وعبد القادر الرُّهاوى، والشيخ موفق الدين، والضياء بن خليل، والفقيه اليونينى، وابن عبد الدايم، وعثمان بن

стр. 29

مكى الشارعى، وأحمد بن حامد الأرتاحى، وعبد الله بن علاق، ومحمد بن مهلل الجيتى، وهو آخر مَن سمع منه. وصنّف كتباً منها: "المصباح"، في ثمانية وأربعين جزءا، يشتمل على أحاديث الصحيحين، و"نهاية المراد" في السنن نحو مائتى جزء لم يبيّضه، و"الكمال"، و"العمدة"، و"فضل مكة" وغير ذلك. قال الحافظ الضياء: وكان لا يسأله أحد عن حديث إلا ذكره له وبيّنه، ولا يسأل عن رجل إلا قال: هو فلان بن فلان - وبيّن نسبته، فأقول: كان أمير المؤمنين في الحديث، وسمعت أبا محمد عبد العزيز الشيبانى يقول: سمعت التاج الكندى يقول: لم يكن بعد الدارقطنى مثل الحافظ عبد الغنى المقدسى. توفى رحمه الله تعالى يوم الاثنين الثانى والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ستمائة وبعد فما ظنك بإمام جليل يستقى علمَه عن هؤلاء الأئمة الأعلام وغيرهم، ويتخرّج عليه هؤلاء الحُفَّاظ وأمثالهم من الثقات الأثبات.

стр. 30

مؤلفاته: ١ - كتاب (١) تتمة معرفة الصحابة الذي ذيّل به على ابن منده، جمع فأوعى. ٢ - تتمة (٢) الغريبين، أو كتاب المجموع المغيث في غريبى القرآن والحديث. ٣ - ذيل (٣) على كتاب "أنساب المحدثين" لشيخه: ابن القيسرانى المقدسى، أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسى، ويقع في جزء، ذكر فيه من أهمله شيخه أو قصّر فيه. وسماه ابن خلكان: كتاب الزيادات. ٤ - كتاب عوالى (٤) التابعين، ينبىء بتقدّمه في معرفة العالى والنازل. ٥ - كتاب الطوالات (٥) وهي في مجلدين، وفيهما الواهى والموضوع ٦ - كتاب الحفظ (٦) والنسيان. ٧ - كتاب القنوت (٧) في مجلد. ٨ - كتاب نزهة (٨) الحفاظ.

стр. 31

٩ - كتاب الوظائف (١). ١٠ - كتاب اللطائف (٢) من دقائق المعارف في علوم الحُفّاظ الأَعارِف في رواية الكبار. ١١ - كتاب من اسمه (٣) صالح، أو من اسمه عطاء، عن أبي هريرة. ١٢ - كتاب السُّباعِيَّات (٤) في الفروع. ١٣ - كتاب الذخيرة (٥) والعُدَّة في مناقب أبي عبد الله بن مندة. ١٤ - كتاب دستور (٦) المذكرين. ١٥ - كتاب تضييع (٧) العمر والأيام في اصطناع المعروف إلى اللئام. ١٦ - كتاب الترغيب (٨) والترهيب. ١٧ - كتاب الأسماء (٩) المشتركة بين الرجال والنساء.

стр. 32

١٨ - كتاب الهفوات (١). ١٩ - كتاب الأمالى (٢) الكبير. ٢٠ - كتاب الشرح (٣) المكمّل في نسب الحسن المهمل. وبعد، فإذَا أنعمت النظر في هذه المؤلّفات تجدها كثيرة، وفي موضوعات متنوّعة، ولذلك كان العلماء يذكرونه بصاحب التصانيف. وإذَا حقّقت النظر في الكتب الثلاثة الأولى وهي: - ١ - تتمة معرفة الصحابة الذي ذيّل به على شيخه ابن منده. ٢ - تتمة الغريبين في غريبى القرآن والحديث، أو كتاب المجموع المغيث الذي استدرك فيه ما فات أبا عبيد الهروى، وصحح ما وجده من خطأ. ٣ - الذيل على كتاب "أنساب المحدثين" لشيخه ابن القيسرانى المقدسى، ذكر فيه من أهمله شيخه أو قصر. تجدها تدل على تفوقه ومقدرته العلمية العظيمة، لأنه يستدرك فيها على شيوخه ما فاتهم، ويصحح لهم ما أخطأوا فيه، وهم في مقدمة الشيوخ الذين تلقى عنهم. وبعد فما تقول عن إمام يحفظ كتاب معرفة علوم الحديث للحاكم (٤)، ويعرضه على شيخه الِإمام قوام السنة أبي القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الحافظ. وهذا كلام آخر، لابن الأثير يشهد لأبي موسى فيه بالأمانة والحفظ والمعرفة.

стр. 33

انظر النهاية مادة (حرر) وحديث أشراط الساعة: "يُسْتَحلّ الحِرُ والحرير". هكذا ذكره أبو موسى في حرف الحاء والراء وقال: الحِرُ بتخفيف الراء: الفَرْج، وأصله حِرْحٌ، بكسر الحاء وسكون الراء، وجمعه أحراح، ومنهم من يشدّد الراء وليس بجيد، فعلى التخفيف يكون في حَرَح لا في حرر. والمشهور في رواية هذا الحديث على اختلاف طرقه "يستحلون الخَزّ" بالخاء المعجمة والزاى، وهو ضرب من ثياب الإبرَيسم معروف، وكذا جاء في كتابى البخارى وأبى داود، ولعله حديث آخر ذكره أبو موسى، وهو حافظ عارف بما روى وشرح فلا يُتَّهم.

стр. 34

ثناء العلماء على كتابه: "المجموع المغيث في غريبى القرآن والحديث " ١ - قال ابن الأثير مجد الدين أبو السعادات (ت: ٦٠٦ هـ): صنّفَ أبو موسى المديني، كتاب المغيث، جمع فيه ما فات الهروى من غريب القرآن والحديث يناسبه قدراً وفائدة، ويماثله حجما وعائدة، وسلك في وضعه مسلكه، وذهب فيه مذهبه، ورتبه كما رتبه. وقال في موضع آخر: لم يذكر أبو موسى في كتابه مما ذكره الهروى إلَّا كلمة اضطر إلى ذكرها، إمَّا لِخَلَلٍ فيها أو زيادة في شرحها، أو وجهٍ آخرَ في معناها، ومع ذلك فإن كتابه يضاهى كتاب الهروى كما سبق، لأن وَضْعَ كتابِه استدراكُ ما فات الهروى. ويمضى ابن الأثير فيقول: ولمّا وقفت على كتابه الذي جعله مكمّلا لكتاب الهروى ومتمِّما وجدتُه في غاية الحُسنِ والكمال (١) ". وقال ابن خلكان (ت: ٦٨١ هـ): صنّف كتابه: المجموع المغيث في غريبى القرآن والحديث في مجلد، كَمَّل به كتاب الغريبين للهروى، واستدرك عليه، وهو كتاب نافع (٢) ". وقال الذهبي: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان (ت: ٧٤٨ هـ): "كتاب تتمة الغريبين لأبى موسى المديني يدل على براعته في لسان العرب (٣) ".

стр. 35

منهج أبي موسى في تأليف كتابه: سبق أن قلنا: إن منهج أبي موسى في تأليف كتابه الغيث هو منهج أبي عبيد الهروى في تأليف كتابه الغريبين، فلا بد إذًا من الوقوف على منهج أبي عبيد. يقول أبو عبيد في مقدمة الغريبين: "كتابى (١) هذا لمن حمل القرآن، وعرف الحديث، ونظر في اللغة ثم احتاج إلى معرفة غرائبهما، وهو موضوع على نَسَق الحروف المعجمة، نبدأ بالهمزة، فنفيض بها على سائر الحروف حرفاً حرفاً، ونعمل لكل حرفٍ باباً، ونفتح كل باب بالحرف الذي يكون أوّله الهمزة، ثم الباء، ثم التاء ... إلى آخر الحروف إلّا أَلّا نجده فنتعدّاه إلى ما نجده على الترتيب فيه، ثم نأخذ في كتاب الباء على هذا العمل، إلى أن ننتهى بالحروف كلّها إلى آخرها، ليصير المفتش عن الحرف إلى إصابته من الكتاب بأهون سعى وأخف طلب. وشرطى فيه الاختصار إلا إذا اختلَّ الكلام دونه، وترك الاستظهار بالشواهد الكثيرة إلّا إذَا لم يستَغنِ عنها، وليس لى فيه إلا التَّرتيبُ والنقلُ من كتب الأثبات الثقات، طلباً للتخفيف، وحذفاً للتطويل، وحصرًا للفائدة، وتوطئة للسبيل. فمن حفظه كان كمن حصّل تلك الكتب عن آخرها .. ويقول أبو موسى المديني في مقدمة كتابه "المجموع المغيث في غريبى القرآن والحديث": أما بعد، فإنى لمّا طالعت كتاب الغريبين لأبي عبيد الهروى ﵀، ورأيت تقريبَه الفائدة لمطالعه، واحتياج طلاب فوائد القرآن والحديث إلى مُودَعِه استحسنته جدا، وأَحمدتُه سَعْيا وكَدًّا، غير أَنِّى وجدت كلماتٍ كثيرة شَذَّت عن كتابه، إذ لا يُحاطُ بجميع ما تُكلِّم به من غريب الكَلِمِ، فلم أزل أتتبع ما فاته، وأكتب ما غفل عنه، إلى أن وقعت على كراسة غير كبيرة جمعها بعض علماء خراسان بعد الخمسين والأربعمائة لم يُسَمَّ

стр. 36

فيها مُصَنّفُها، قد شحَنَها بما شذَّ عن كتاب أبى عبيد مما أورده العُزَيزْى في كتاب غريب القرآن، وأضاف إليه معانى أسماء الله ، وذكر في أثنائه كلمات غيرَ كثيرة من غرائب الألفاظ، فأضفت تلك الألفاظ إلى كتابى، وربما أشير إلى قولى في أثناء ما يمّر من ذلك، لأننى لم أستجز تضييعَ حَقّه، وإحمالَ ذكره وسَعْيه وجمعه. وخَرّجت كتابى على ترتيب كتاب أبي عبيد سواء بسواء، وسلكت طريقه حَذوَ النّعل بالنعل في إخراج الكلم في الباب الذي يليق بظاهر لفظها، وإن كان اشتقاقها مخالفا لها. ورأيت الأمرَ على أبي عبيد أسهل منه علىّ، إذ اسْتَخرجَها من كتب مجمعة مؤلَّفه في هذا الفنّ إلا اليسير منه. وأنى جمعته من متفرِّقة الأحاديث والكتب إلّا ما ذكرته من قِبَل التَّتِمّة التي أشرتُ إليها - يقصد في المقدمة - وكتابٍ آخر غير مرتّب أيضا. والذى دَعانِى إلى ذلك الّرغبةُ في الثواب الموعود للمفيد في دعاء الطالب المستفيد وسميته: "كتاب المجموع المغيث في غريبى القرآن والحديث". وأعلم أنّه يبقى بعد كتابى أشياءُ لم تقع لى ولا وقعت عليها، لأنّ كلام العرب لا ينحَصِر، فكيف وفي أمالىَّ ومصنّفاتى أشياءُ شرحتها لم أنقلها إلى هذا الكتاب كسَلاً واتكالاً على ذكره مَرّة .... ". ولكن إعجابه بشيخه أبي عبيد لم يمنعه من نقده في بعض أَشياءَ وقعت في الغريبين، منها الذي جاء في مادة "أدب". قال عمر بن الخطاب لسائل سأله عن شىء سبق أن سأل عنه رسولَ الله، ﷺ : "أرِبْتَ عن يَدَيْك، سألتَنِى عن شىءٍ سَأَلْتَ عنه رسول الله ﷺ كَيْمَا أخالف". قال صاحب الغريبين: معناه ذهب ما في يديك. وقال أبو موسى: هذا القول غَيرُ مرتَضًى، لأنّه في رواية أخرى: "خَررْت عن يديك وهذه عبارة عن

стр. 37

الخجل مشهورة بالفارسية، كأنه أراد أصابَك خَجَل حيثُ أردتَ أن تُخجِلَنى بمخالفة رسول الله ﷺ . والذى جاء في مادة "برح" في الحديث: "حتى دلكت بَرَاحِ" ذكره صاحب الغريبين في كتاب الراء، على أن تكون الباء مكسورة زائدة، وقال: يعنى أنّ الشمسَ إذَا مالت فالناظر إليها يَضَع رأحتَه على عينيه يَتَوقَّى شعاعها. قال أبو موسى: وهذا قول بعيد، لأنّ صاحب العين، والمجمل (١) ذكرا أن بَراحِ "بفتح الباء وكسر الحاء" على وزن فَعالِ، وحَذامِ، وقَطَام: اسم الشمس، والباء على هذا أصلية غير ملصقة، قال الشاعر: هذا مُقام قَدمَى رَباحِ غُدوةَ حتى دَلكت بَراحِ وهذا القول أولى، لأنّ الشمس لم يجر لها ذكر يرجع الضمير إليه (٢). وغر ذلك من المآخذ التي لا يتسع المكان لذكرها. هذا وقد ذكر حاجى خليفة (٣) "أنّ أبا موسى محمد بن أبي بكر المديني عمل كتاباً آخر في هفوات كتاب الغريبين. قال: ولعلّ هذا هو السبب في أنَّنا لا نرى اعتراضه عليه في كتاب المغيث يكثر. ومما يذكر أنّ أبا موسى تجنّب شرح أي شىءٍ شرحه قَبله أبو عبيد الهروى، راجع مثلا مادة (جنب) والحديث: "ذات الجَنْب شَهادَة" فيكتفى بأن يقول: وقد فُسّر في كتاب أبي عبيد الهروى.

стр. 38

وممّن كان يأخذ عنهم كثيرا: الإمام إبراهيم بن إسحاق الحربى، راجع مثلا المواد: خطط، ودجر، وروح، وغيرها. والإمامُ أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشرى. راجع المواد: برح، وبضع، وبكر، وغيرهما. كما نقل كثيرا عن الجَبَّان (١) اللغوى ما يعرض له من الأبحاث اللغوية والصرفية، ونقل عن كتاب الأموال للإمام أبي عبيد القاسم بن سلام، راجع مادة (أرس) - كما كان يحيل في شرح بعض الشعر على شرحه في كتابه "الطوالات"، راجع مادة (جعثن) حين ورد شطر من بيت الطرماح: * كوطأة ظبى القُفّ بين الجعاثن * قال: وقد شرحته من حديث خزيمة من الطِّوالات مُستوفًى، كما أحال أيضا على كتابه "السباعيات". راجع مادة (جلعد)، ورجز حميد بن ثور: " فحُمِّل الهِمُّ كَلازًا جَلعَدَا * وروى: جلادًا. قال: وقد فسرناه في "السباعيات". وكان يأخذ كثيرا هو وشيخه: أبو عبيد الهروى عن الِإمام الخطّابى، ونظرة إلى التعليقات التي أثبتناها في هذا الكتاب تنبىء عن أنّ أبا موسى اعتمد كثيرا على كتب الخطابى وبخاصة غريب الحديث، ولكنه أغفل ذكر الخطابى في بعض المواد. أمّا شيخه أبو عبيد الهروى فكان لا يذكر الخطابى حين ينقل عنه إلا نادرا، انظر المواد: (أنه، وبرد، وبرشم، وثرب، وثقل،

стр. 39

وجزل) (١) وغيرها في الغريبين فستجد نصّ الكلام في غريب الخطابى، ومع ذلك لا يصرح باسم الخطابى. أما طريقة أخذه شيئاً من القرآن الكريم، أو الحديث الشريف فقد اقتصر أحياناً على ذِكر كلمتَين أو كلمة واحدة من الآية الكريمة، راجع مادة (أثل) فِيقِول: كقوله تعالى: (وَأَثْلٍ)، ومادة (ذرر) فيقول: قوله تعالى: (مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) وكذلك الحديث فلا يأخذ منه أيضا إلا كلمة واحدة، راجع مادة (دوخل) فيقول: في حديث بعضهم "دَوْخَلَّة"، ويشرح كلمة دَوْخَلة. وهو بعمله هذا جارٍ على نظام شيخه أبي عبيد الهروى. جاء في الغريبين مادة (أب ب) قال: قوله تعالى: (وفَاكِهَةً وَأبَّا). ومادة (أبل) قال: قوله تعالى: (طَيْراً أَبَابيل). وكذلك الحديث، راجع مادة (أثل) قال: وفي الحديث "غير مُتأثِّلٍ مَالاً"، وهما في هذا ملتزمان بمنهجهما (٢). وإذا اشتمل الحديث على أكثر من كلمة غريبة، وضع كلّ كلمة في ترتيبها الهجائى، فيجىء الحديث مفرقا بين مواد مختلفة، فمثلا حينما ذكر المثل "عسى الغُوَير أبْؤُساً" أورده مرة في مادة (بأس)، ومرة أخرى في مادة (غور).

стр. 40

ومن عادته أنه يذكر أحياناً المادة اللغوية في غير مكانها الاشتقاقى مراعاة لظاهر اللفظ، ولكنه ينبّه على ذلك حتى لا يظنّ القارىء أنه مخطىء، وسبب ذلك أنّ طلبة غريب الحديث يلتبس عليهم موضع اللفظ الأصلى، لأنهم لا يكادون يفرقون بين الأصلى والزائد، فقد ذكر مثلا كلمة "الإِبْرِدَة، في (أبرد). وقال: وهمزتها زائدة، وإنما أوردناها هنا حملا على ظاهر لفظها. وكلمة "خُوّة" الإسلام، وهي لغة في الأخوة، ذكرها في مادة (خور) وليس هذا موضعها، وإنّما ذكرها لظاهر لفظها. وموضعها مادة (أخو)، وهو في هذا جارٍ على ما نبّه عليه في المقدّمة بقوله: "وخرجت كتابى على ترتيب كتاب أبى عبيد سواء بسواء، وسلكت طريقه حَذوَ النّعل بالنّعل في إخراج الكلمة في الباب الذي يليق بظاهر لفظها". ولقد رأيت أبا موسى يتقصى شرح بعض الأحاديث المحتاجة لهذا الاستقصاء، فيبينها تبيينا غير تارك أي مجال لقول بعده، راجع مادة (جذم)، وحديث: "إنَّ وفدَ ثقيف كان فيهم مجذوم، فأرسل إليه، ارجع فقد بايعناك" وفي رواية: "فقد بايعتك" فقد استوفى الشرح في ثلاثة أوجه محتملة، وعقب بكلام للأصمعى متصل بالمعنى ومبرر له. كما رأيته النحوى القدير حينما تَعرِض له مشكلة نحوية تتطلب الرأى. راجع مادة (جذع)، وحديث ورقة بن نوفل: "يا ليتنى فيها جَذَعاً". قال: إنما انتصب على الحال من الضمير الذي في الظرف، تقديره: يا ليتنى ثابت فيها جَذَعاً، أَو حَىٌّ فيها جَذَعا، كما قال تعالى: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾ (١). ومنهم من قال: إنما انتصب بإضمار كان فيه، فقيل: إنه غير مصيب في هذا القول، لأنّ كان الناقصة لا تضمر - وأَمّا قولهم: "إنْ خَيْراً فَخَيْرٌ، فإنمّا جاز تقديره بإن كان خيراً فخير، لأنّ لفظ "إن" يقتضى الفعل بكونه شرطاً، وأنشَد لهُ دُرَيْد ابن الصِّمَّة:
следующие страницы →