وأجيب:
بأن المراد بالباغي: من يأكل فوق حاجته، والعادي: من يأكل هذه المحرمات، وهو يجد عنها مندوحة، فليس في الآية دليل على ما ذكرتم.
الدليل الثالث:
إذا صححنا المسح على الخف المحرم نكون بذلك قد رتبنا على الفعل المحرم أثراً صحيحاً، وهذا فيه مضادة لله ولرسوله ﷺ .
(٥٥) وقد روى مسلم، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد جميعاً عن أبي عامر، قال عبد: حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا عبد الله بن جعفر الزهري، عن سعد بن إبراهيم، قال: سألت القاسم بن محمد، عن رجل له ثلاثة مساكن، فأوصى بثلث كل مسكن منها، قال: يجمع ذلك كله في مسكن واحد، ثم قال:
أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد (١).
ومعنى رد: أي مردود عليه، والمسح على الخف المحرم خلاف أمر الله ورسوله ﷺ .
وأجيب:
بأن التحريم والصحة غير متلازمين، فتلقي الجلب منهي عنه، وإذا تُلُقِيَ كان البيع صحيحاً، وللبائع الخيار إذا أتى السوق، فثبوت الخيار فرع عن صحة البيع، والله أعلم.
стр. 1997
الدليل الرابع:
جاء في المجموع: " المسح إنما جاز لمشقة النزع، وهذا عاص بترك النزع، واستدامة اللبس، فينبغي ألا يعذر " (١).
التعليل الخامس:
قال بعض الشافعية: تجويز المسح على الخف المغصوب يؤدي إلى إتلافه بالمسح عليه، واستعماله بخلاف الصلاة في الدار المغصوبة، فإن الصلاة فيها والجلوس سواء.
ورده الروياني من الشافعية، فقال: هذا غلط؛ لأنه إذا توضأ بالماء فقد أتلفه، ولم يمنع ذلك الصحة (٢).
قلت: هذا التنظير على مذهب الشافعية.
أدلة القائلين بصحة المسح .
عدم الدليل المقتضي لفساد الطهارة، فهذا قد تطهر الطهارة الشرعية بغسل ما يجب غسله، ومسح ما يجب مسحه، فطهارته صحيحة،
ولا يحكم ببطلانها إلا بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع، ولا دليل هنا.
الدليل الثاني:
إن المنع في المسح على الخف لا يختص بالطهارة، فالغاصب مأذون له في المسح في الجملة، والمنع عارض أدركه من جهة الغصب، لا من جهة
стр. 1998
الطهارة، فأشبه غاصب ماء الوضوء، ومدية الذبح، وكلب الصيد، فيأثمون، ويصح فعلهم.
والقاعدة الشرعية: أن العبادة الواقعة على وجه محرم:
إن كان التحريم عائداً إلى ذات العبادة، كصوم يوم العيد، لم تصح العبادة.
وإن كان التحريم عائداً إلى شرطها على وجه يختص بها كالصلاة بالثوب النجس على قول بأن الطهارة من النجاسة شرط، لم تصح إلا لعاجز أو عادم على الصحيح.
وإن كان التحريم عائداً إلى شرط العبادة، ولكن لا يختص بها، ففيها روايتان:
فقيل: يصح، وهو الأرجح.
وقيل: لا يصح، وهو المشهور من مذهب الحنابلة.
وإن كان التحريم عائداً على أمر خارج لا يتعلق بشرطها، كالوضوء من الإناء المحرم، فالراجح صحة العبادة، وعليه الأكثر (١).
وهنا المنع ليس عائداً على شرط العبادة التي هي الطهارة، وإنما عائد على أمر خارج، وهو الغصب، فهو وصف عارض لا تعلق له بالطهارة، فيصح المسح، والله أعلم.
стр. 1999
الشرط الثالث
خلاف العلماء في اشتراط كون الخف ساتراً لما يجب غسله
стр. 2000
الشرط الثالث
خلاف العلماء في اشتراط كون الخف ساتراً لما يجب غسله
إذا كان الخف فيه فتق أو خرق، نظر،
فإن كان الخرق فوق الكعب جاز المسح عليه بلا خلاف (١).
وإن كان الخرق في محل الفرض، فاختلفوا:
فقيل: يمسح عليه مطلقاً ما أمكن المشي فيها، وهو قول سفيان الثوري، وإسحاق، وابن المبارك، وابن عيينة (٢)، واختاره ابن تيمية (٣).
وقيل: لا يمسح عليه مطلقاً، ما دام أنه يظهر منه شيء، وهو القول الجديد في مذهب الشافعية (٤)، والمشهور عند الحنابلة (٥).
وقيل: التفريق بين الخرق اليسير والخرق الكبير، وهو مذهب
стр. 2001
الحنفية (١)، والمالكية (٢)، على خلاف بينهم في حد اليسير والكثير (٣).
دليل من قال: لا يجوز المسح على الخف المخرق .
قالوا: إن القدر الذي ظهر من القدم فرضه الغسل، والجمع بين المسح والغسل لا يجوز.
واعترض:
بأننا لا نسلم المقدمة، حتى نسلم النتيجة، فأين الدليل على أن ماظهر فرضه الغسل، قال ابن تيمية: " قول القائل: إن ما ظهر فرضه الغسل ممنوع، فإن الماسح على الخف لا يستوعبه بالمسح كالمسح على الجبيرة، بل يمسح أعلاه دون أسفله وعقبه، وذلك يقوم مقام غسل الرجل، فمسح بعض الخف كاف عما يحاذي الممسوح، وما لا يحاذيه، فإذا كان الخرق في العقب لم يجب غسل ذلك الموضع، ولا مسحه، ولو كان على
стр. 2002
ظهر القدم لم يجب مسح كل جزء من ظهر القدم .. الخ كلامه ﵀ (١).
وأما قولكم: إنه لا يجتمع مسح وغسل في عضو واحد فهذا منتقض بالجبيرة إذا كانت في نصف الذراع، فإنك تغسل الذراع، وتمسح الموضع الذي فيه الجبيرة، فاجتمع مسح وغسل في عضو واحد، على أننا لا نرى في الخف المخرق أن يغسل ما ظهر، بل يكفي مسح ظاهر القدم سواء كان مخرقاً أو مستتراً، ولا دليل لمن قال: يغسل ما ظهر، ويمسح ما استتر.
الدليل الثاني:
أن الأصل وجوب غسل الرجلين، قال تعالى ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأجلكم إلى الكعبين﴾ (٢).
فكان مطلق الآية يوجب غسل الرجلين إلا ما قام دليله من المسح على خفين صحيحين.
وأجيب:
بل الإذن مطلق لكل ما يسمى خفاً، فأين الدليل على كون الخفين صحيحين، فهذا هو موضع النزاع، فلو كان الدليل يدل على اشتراط كون الخفين صحيحين لم نختلف معكم، ولكن لا يوجد دليل يدل على اشتراط ذلك، والله أعلم.
الدليل الثالث:
قالوا: إذا انكشفت إحدى الرجلين لم يجز المسح على الأخرى، فكذلك إذا انكشف بعض القدم لم يجز المسح على الباقي من باب أولى؛ لأنه إذا كان انكشاف إحدى الرجلين يؤثر على الأخرى، وهي منفصلة عنها، فكونه يؤثر في الرجل نفسها المتصلة ببعض من باب أولى.
وأجيب:
ليست العلة هي انكشاف القدم، ولكن العلة هي النهي عن المشي في نعل واحدة، ومثله الخف، فإن كان ترك إحدى القدمين لعلة، فلا مانع من المسح على الأخرى،
стр. 2003
وسوف يأتي بحث هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
أدلة القائلين بجواز المسح على الخف المخرق .
الدليل الأول:
أن النبي ﷺ مسح على الخفين، وأذن بالمسح، وإذنه ﷺ عام مطلق لم يشترط فيه كونه سليماً من العيوب، فكلما وقع عليه اسم خف، فالمسح عليه جائز على ظاهر الأخبار، ولا يستثنى من الخفاف شيء إلا بسنة أو إجماع، وتقييد ما أطلقه الله ورسوله ﷺ لا يجوز كإطلاق ما قيده الله ورسوله ﷺ سواء بسواء.
الدليل الثاني:
اشتراط كون الخف سليماً من الخروق هذا الشرط هل هو في كتاب الله، أو في سنة رسول الله ﷺ ، أو من عمل الصحابة رضوان الله عليهم، فإن لم يكن، فكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط،
الدليل الثالث:
معظم الصحابة فقراء، وخفافهم لا تخلو من فتوق أو خروق، ولو
стр. 2004
كان الفتق والخرق مؤثراً لوجب على النبي ﷺ أن يبينه لهم؛ لأن الأمر متعلق بالصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام العملية، فلما لم يبينه لهم علم أن الفتق والخرق لا يمنع من المسح. وهذا من أوضح الأدلة.
الدليل الرابع:
فعل الصحابة ﵃، قال ابن تيمية: " أصحاب النبي ﷺ الذين بلغوا سنته، وعملوا بها، لم ينقل عن أحد منهم تقييد الخف بشيء من القيود، بل أطلقوا المسح على الخفين، مع علمهم بالخفاف وأحوالها، فعلم أنهم كانوا قد فهموا عن نبيهم ﷺ جواز المسح على الخفين مطلقاً (١).
الدليل الخامس:
اشتراط كون الخفاف سليمة من الخروق ينافي المقصود من الرخصة، فإن المقصود من المسح على الخفين التيسير على المكلفين، ولهذا اكتفى الشرع بمسح ظاهره، بينما في غسله يجب غسل جميع القدم، قال ﷺ في الحديث المتفق عليه: ويل للأعقاب من النار، فلو قلنا: لا يجوز المسح إلا على الخف السليم بطل المقصود من الرخصة، لا سيما والذين يحتاجون إلى ذلك هم الأكثر، وهم المحتاجون، وهم أحق بالرخصة من غير المحتاجين، فإن سبب الرخصة هو الحاجة، ولهذا قال ﷺ لما سئل عن الصلاة في الثوب الواحد؟ قال: " أو لكلكم ثوبان " فبين أن منكم من لا يجد إلا ثوباً واحداً فلو أوجب الثوبين لما أمكن هؤلاء أداء الواجب (٢).
стр. 2005
الدليل السادس:
تناقض قول من يشترط أن يكون الخف ساتراً لما يجب غسله خالياً من الخروق يدل على ضعف الشرط، فبعضهم يقول: لا يجوز، ولو كان الخرق بمقدار رأس المخراز، وبعضهم يمنع ظهور ثلاثة أصابع، ولا يمنع مادونها، وبعضهم يحده بالثلث، وبعضهم يوجب غسل ما ظهر، ومسح الباقي، فهذا الاختلاف دليل على أن الأمر ليس من عند الله، ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ (١) فالتحديد بمقدار معين لابد فيه من توقيف شرعي، فإنه لا يبدو فرق بين الأصبعين والثلاثة، ولا ما بين الثلث وما دون الثلث بقليل.
الدليل السابع:
إذا كان المسح على الخفين إنما شرع لمشقة نزعهما، فلا فرق في ذلك بين الخف الذي فيه خرق، وبين الخف الذي لا خرق فيه، فالمشقة موجودة فيهما.
الدليل الثامن:
قالوا: إذا كان لبس الخف المخرق محرماً على المُحْرِم، ويسمى خفاً، فلما لم يخرجه خرقه عن مسمى الخف لم يمنع من المسح عليه لبقاء اسم الخف عليه.
دليل القائلين بالتفريق بين اليسير والكثير .
قالوا: إن الخف قلما يخلو من فتوق وخروق، حتى ولو كان جديداً
стр. 2006
فأثار الزرور والآثافي خرق فيه، ولهذا يدخله التراب، فجعلنا القليل عفواً لهذا. فأما إذا كان الخرق كبيراً فلا يجوز المسح عليه، وقدرنا القليل بما دون ثلاثة أصابع؛ لأنه إذا ظهر ثلاثة أصابع ظهر أكثر الأصابع، وللأكثر حكم الكل (١).
والدليل على أن القليل معفو عنه أن جماهير أهل العلم كانوا يعفون عن ظهور يسير العورة، وعن يسير النجاسة التي يشق الاحتراز منها، فالخرق اليسير في الخف من باب أولى.
قال ابن تيمية: " كان أحدهم - يعني الصحابة - يصلي في الثوب الضيق، حتى إنهم كانوا إذا سجدوا تقلص الثوب فظهر بعض العورة، وكان النساء نهين عن أن يرفعن رؤوسهن حتى يرفع الرجال رؤوسهم، لئلا يرين عورات الرجال من ضيق الأزر، مع أن ستر العورة واجب في الصلاة وخارج الصلاة بخلاف ستر الرجلين في الخف.
وأما دليل المالكية بتقدير القليل بما دون الثلث، واعتبار الثلث فما فوق من الكثير، فلعلهم يستدلون بما جاء في حديث سعد بن أبي وقاص في الصحيحين،
(٥٦) قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص،
عن أبيه رضي الله تعالى عنه، قال: كان رسول الله ﷺ يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي، فقلت: إني قد بلغ بي من الوجع، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. فقلت:
стр. 2007
بالشطر؟ فقال: لا، ثم قال: الثلث، والثلث كبير، أو كثير (١). الحديث.
فسمى الثلث بأنه كثير، فعموم هذا اللفظ يدل على أن الثلث في كل شيء كثير.
الراجح من هذه الأقوال .
الراجح القول بجواز المسح على الخف المخرق مطلقاً، سواء كان الخرق يسيراً أو كبيراً ما دام أنه يسمى خفاً.
وقد يكون الخف ليس فيه خرق، ولكنه يصف البشرة، بكونه غير صفيق، فالمالكية يمنعون المسح عليه، ويفهم ذلك من اشتراط التجليد عندهم (٢).
والحنابلة لا يجيزون المسح على ما يبدو منه القدم، سواء كان ذلك لخرق فيه، أو كان واسعاً يرى منه الكعب، أو كان الجورب خفيفاً يصف القدم، كل ذلك عندهم مانع من المسح (٣).
وأجاز الشافعية المسح على الخف الشفاف.
قال النووي: " إذا لبس خف زجاج يمكن متابعة المشي عليه، جاز المسح عليه، وإن كانت ترى تحته البشرة، بخلاف ما لو ستر عورته بزجاج، فإنه لا يصح إذا وصف لون البشرة؛ لأن المقصود سترها عن الأعين، ولم
стр. 2008
يحصل، والمعتبر في الخف عسر القدرة على غسل الرجل بسبب الساتر، وذلك موجود، ثم قال: ولا نعلم أحداً صرح بمنعه، وقد نقل القاضي حسين جوازه عن الأصحاب مطلقاً " اهـ (١).
ومن هذا نفهم أن الذي منع المسح من الجورب إذا كانت تصف البشرة لا دليل معه على المنع، فأين الدليل على اشتراط كونها صفيقة.
وإذا جوزنا المسح على الخف المخرق جوزنا المسح على غيره، سواء كان الخف واسعاً يرى منه الكعب، أو كان الجورب خفيفاً يصف القدم، والله أعلم.
стр. 2009
الشرط الرابع
ثبوت الخف بنفسه على القدم
стр. 2010
الشرط الرابع
ثبوت الخف بنفسه على القدم
لا يمسح ما يسقط من القدم، وهو مذهب الحنفية (١)، وقول في مذهب المالكية (٢)، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (٣).
وإذا كان الخف لا يثبت في القدم إلا بشده لم يجز المسح عليه عند الحنفية (٤)،
والحنابلة (٥).
стр. 2011
وقيل: يجوز المسح على الجوربين وإن لم يثبتا بأنفسهما بل بنعلين، وهو رواية في مذهب أحمد (١).
وقيل: لا يشترط، اختاره بعض المالكية (٢)، ووجه عند الشافعية (٣)، ورجحه ابن تيمية (٤).
دليل من قال: لا يجوز المسح عليه .
أولاً: أن ما يسقط من القدم لا فائدة من لبسه؛ لأنه إذا مشى عليه سقط الخف.
ثانياً: أن ما يسقط من القدم لا يمكن متابعة المشي عليه.
ثالثاً: أن هذا خف غير معتاد، فلا يشمله النص.
رابعاً: أن ما يسقط من القدم لا يشق نزعه، فيمكن إخراج القدم بسهولة، ثم غسلها وردها.
دليل من قال بجواز المسح .
أولاً: أن الإذن بالمسح على الخفاف وما في معناها مطلق غير مقيد،
стр. 2012
فأين الدليل على اشتراط ما ذكرتم، وما ورد مطلقاً لا يجوز تقييده إلا بدليل.
ثانياً: أن هذا الخف الواسع صالح بنفسه، بدليل أنه لو لبسه رجل، وكانت قدمه كبيرة بحيث لا تسقط جاز المسح عليه اتفاقاً، فإذا كان صالحاً في نفسه فلا يمنع من المسح عليه.
ثالثاً: أن هذا الخف الواسع قد يلبسه من لا يحتاج إلى المشي، كالمريض المقعد والزمن، فمنعه من المسح عليه منع بلا دليل.
قال ابن تيمية: " قد اشترط ذلك - يعني: ثبوت الخف بنفسه - الشافعي، ومن وافقه من أصحاب أحمد، فلو لم يثبت إلا بشده بشيء يسير، أو خيط متصل به، أو منفصل عنه، ونحو ذلك لم يمسح عليه، وإن ثبت بنفسه لكن لا يستر جميع المحل إلا بالشد، ففيه وجهان:
أصحهما أنه يمسح عليه، وهذا الشرط لا أصل له في كلام أحمد، بل المنصوص عنه في غير موضع أنه يجوز المسح على الجوربين ما لم يخلع النعلين، فإذا كان أحمد لا يشترط في الجوربين إن يثبتا بأنفسهما، بل إذا ثبتا بالنعلين جاز المسح عليهما، فغيرهما بطريق الأولى، وهنا قد ثبتا بالنعلين، وهما منفصلان عن الجوربين، فإذا ثبت الجوربان بشدهما بخيوطهما كان المسح عليهما أولى بالجواز (١).
стр. 2013
الشرط الخامس
إمكان متابعة المشي على الخف
стр. 2014
الشرط الخامس
إمكان متابعة المشي على الخف (١)
يشترط في الخف حتى يمسح عليه أن يمكن متابعة المشي عليه، وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، الحنابلة (٥).
وقيل: إن ذلك ليس بشرط، وهو وجه في مذهب الشافعية (٦).
стр. 2015
واختلف القائلون بهذا الشرط، هل يقدر إمكان المشي فيه بمسافة معينة أم لا؟
فذهبت الحنفية إلى تقديره بفرسخ، فأكثر (١).
وقالت المالكية: أن يمكن المشي فيه عادة (٢).
وقيل: بقدر ما يحتاج إليه المسافر في حوائجه عند الحط والترحال، وهو مذهب الشافعية (٣).
стр. 2016
وقيل: يمكن متابعة المشي عليه عرفاً، وهو مذهب الحنابلة (١).
دليل من قال بهذا الشرط.
قالوا: إن الذي تدعو الحاجة إلى مسحه هو الخف الذي يمكن متابعة المشي عليه، فإن كان يسقط من القدم لسعته، فلا يشق نزعه، فيجب غسل القدم.
ثانياً: أن الرخصة وردت في الخف المعتاد، وهو ما يمكن المشي فيه، وما لا يمكن المشي فيه فلا يدخل في الرخصة.
والراجح: أنه ليس بشرط، وأن الذي لا يمكن المشي فيه إن كان لضيقه، فإن كان لا يضره، وكان لا يحتاج للمشي كما لو كان راكباً، أو مقعداً فما المانع من المسح عليه، فهو لا يحتاج إلى المشي حتى نشترط إمكان متابعة المشي عليه، والمسح على الخفاف والجوارب ورد مطلقاً غير مقيد بشيء، فمن وضع قيداً طلب منه الدليل.
وإن كان الخف ضيقاً يضره حرم لبسه فضلاً عن المسح عليه.
قال العدوي من المالكية: " أما انتفاء ضيقه، فليس بشرط فمتى أمكن لبسه مسح، وإلا فلا " (٢).
وإن كان لا يمكن متابعة المشي عليه لسعته بحيث إذا مشى خرجت
стр. 2017
قدمه، كما لو كان الخف كبيراً، وقدمه صغير، فإن شده على ساقه بحيث يمكنه المشي عليه، رجعت هذه المسألة إلى المسألة السابقة، وهو اشتراط كونه يثبت بنفسه، وقد بينت الراجح في هذه المسألة، وأنه لا يشترط أن يثبت بنفسه.
قال في التاج والإكليل: " ولا بأس بالمسح على الخفين الواسعين، فإن خرجت رجله من مقدم الخف إلى ساقه بطل مسحه، ووجب عليه غسل رجله، وإن خرج عقبه من مقدمه إلى ساقه فلا شيء عليه إلا أن يخرج جل رجله (١).
وإن كان لا يمكن متابعة المشي عليه لثقله، كخف الحديد الثقيل، فذكر النووي وجهين:
الأول: المنع، وهو الذي قطع به الجمهور.
والثاني: الجواز، واختاره إمام الحرمين والغزالي، قالا: لأن عدم إمكان المشي فيه لضعف اللابس، لا الملبوس، ولا نظر إلى أحوال اللابسين (٢).
ومع أن النووي ضعفه إلا أنه هو المختار فيما أرى؛ لأن من منع شيئاً فعليه الدليل، والخف ورد الإذن فيه مطلقاً، ولا تقييد لما أطلقه الله إلا بنص أو إجماع، والله أعلم.
стр. 2018
الشرط السادس
هل يشترط أن يكون الخف من جلد
стр. 2019
الشرط السادس
هل يشترط أن يكون الخف من جلد
فقيل: لا يشترط، وهو مذهب الجمهور من الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
وقيل: يشترط، وهو مذهب المالكية (٤)، والأول أرجح.
دليل الجمهور .
أولاً: اشتراط كون الخفاف من جلود لا دليل عليه من كتاب أو سنة أو إجماع.
ثانياً: المسح على الخفين ورد مطلقاً، فكل ما كان يسمى خفاً جاز المسح عليه.
ثالثاً: التفريق بين الخف الذي من جلود، والخف الذي من غيره تفريق بين متماثلين، قال ابن تيمية: " ولا فرق بين أن يكون جلوداً أو قطناً
стр. 2020
أو كتاناً أو صوفاً، كما لم يفرق بين سواد اللباس في الإحرام وبياضه، وغايته أن الجلد أبقى من الصوف، وهذا لا تأثير له، كما لا تأثير لكون الجلد قوياً، بل يجوز المسح على ما يبقى وما لا يبقى (١). الخ كلامه.
رابعاً: سبب إباحة المسح على الخفين هو الحاجة، وهي موجودة في الخف الذي من جلد، كما هي موجودة في غيره من الخفاف.
قال ابن تيمية: ومعلوم أن الحاجة إلى المسح على هذا كالحاجة إلى المسح على هذا سواء بسواء، ومع التساوي في الحكمة والحاجة يكون التفريق بينهما تفريقاً بين متماثلين، وهذا خلاف العدل والاعتبار الصحيح الذي جاء به الكتاب والسنة، وما أنزل الله به كتبه، وأرسل به رسله (٢).
دليل المالكية على اشتراط الجلد .
قالوا: إن الرخصة وردت في الخفاف المعهودة، وكانت خفافهم من الجلود، فيقتصر المسح عليها.
والصحيح الأول، ولو كان الحكم يتعلق بالاسم لما مسح رسول الله ﷺ على الجوربين؛ فإنهما لا يسميان خفاً، ومع ذلك ثبت المسح عليهما، بل وعلى النعلين.
стр. 2021
الشرط السابع
هل يشترط كون الخف يمنع وصول الماء إلى الرجل
стр. 2022
الشرط السابع
هل يشترط في الخف كونه يمنع وصول الماء إلى الرجل
قيل: يشترط، اختاره بعض الحنفية (١)، وهو ظاهر المذهب عند الشافعية (٢).
وقيل: لا يشترط، وهو مذهب الجمهور، (٣) وهو الراجح.
دليل من اعتبره شرطاً .
قال: الغالب في الخفاف أنها تمنع نفوذ الماء، فتنصرف إليها النصوص الدالة على الترخيص، ويبقى الغسل واجباً فيما عداها.
ولأن الذي يقع عليه المسح ينبغي أن يكون حائلاً بين الماء والقدم.
стр. 2023
دليل من لم يعتبره شرطاً .
لا يوجد دليل على اعتبار هذا الشرط، وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط.
ثم إن فرض الخف المسح، والغسل ليس مأموراً به، فلا حاجة إلى اشتراط كون الخف يمنع نفوذ الماء.
стр. 2024
الشرط الثامن
يشترط أن يكون المسح على الخفين في الطهارة الصغرى
стр. 2025
الشرط الثامن
يشترط أن يكون المسح على الخفين في الطهارة الصغرى
يمسح الخفان والجوربان والعمامة في الحدث الأصغر دون الأكبر، وهذا إجماع لا خلاف فيه، حكاه النووي وابن قدامة وغيرهما.
قال النووي: " لا يجزئ المسح على الخف في غسل الجنابة، نص عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب وغيرهم، ولا أعلم فيه خلافاً لأحد من العلماء، وكذا لا يجزئ مسح الخف في غسل الحيض والنفاس، ولا في الأغسال المسنونة كغسل الجمعة والعيد وأغسال الحج وغيرها، نص عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب " (١).
وقال ابن قدامة: " جواز المسح مختص به - يعني الحدث الأصغر - ولا يجزئ المسح في جنابة، ولا غسل واجب ولا مستحب، لا نعلم في هذا خلافاً " (٢).
стр. 2026
الدليل من السنة:
(٥٧) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عاصم، عن زر بن حبيش، قال: أتيت صفوان، فقال: ما جاء بك؟ فقلت: ابتغاء العلم. فقال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يطلب، قلت: حك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول، وكنت امرأ من أصحاب رسول الله ﷺ فأتيتك أسألك عن ذلك، هل سمعت منه في ذلك شيئاً، قال: نعم، كان يأمرنا إذا كنا سفراً، أو كنا مسافرين لا ننزع أخفافنا ثلاثة أيام بلياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم. الحديث (١).
[وإسناده حسن، وسوف يأتي تخريجه إن شاء الله تعالى] (٢).
وذكر النووي رحمه الله تعالى بعض فوائده، فقال:
أحدها: جواز مسح الخف. قلت مع أن قوله ﷺ : " كان يأمرنا " دالة على الاستحباب، أو على أقل أحواله الأفضلية على الغسل.
الثانية: أنه مؤقت. وسيأتي الخلاف فيها.
الثالثة: أن وقته للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن.
قلت: يؤخذ منه مراعاة الشرع لأحوال المكلفين، والتخفيف عليهم، ودفع الحرج والمشقة.
الرابع: أنه لا يجوز المسح في غسل الجنابة، وما في معناها من
стр. 2027
الأغسال الواجبة والمسنونة.
الخامسة: جوازه في جميع أنواع الحدث الأصغر.
السادسة: أن الغائط والبول والنوم ينقض الوضوء، وهو محمول على نوم غير ممكن مقعده.
قلت: الأفضل أن يقال: لو أحدث أحس بحدثه، فلاينقض، وإلا نقض؛ لأن النوم مظنة الحدث، وليس حدثاً بذاته.
السابعة: أنه يؤمر بالنزع للجنابة في أثناء المدة. إلى غير ذلك من الفوائد التي ذكرها النووي رحمة الله عليه.
стр. 2028
الشرط التاسع
أن يكون المسح في المدة المأذون له فيها شرعا
стр. 2029
الشرط التاسع
أن يكون المسح في المدة المأذون له فيها شرعا
هذا الشرط وقع فيه خلاف بين العلماء، هل المسح على الخفين مؤقت بوقت أم لا؟
فقيل: يمسح يوماً وليلة للقيم، وثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، وهو مذهب الحنفية، والشافعية والحنابلة.
وقيل: ليس فيه توقيت، وهو المشهور من مذهب مالك.
وقيل: يمسح المقيم خمس صلوات، والمسافر خمس عشرة صلاة.
وقيل: يسقط التوقيت في حال الضرورة.
إلى غير ذلك من الأقوال، وسيأتي بحث هذه المسألة في مسألة مستقلة، ونحرر الأدلة، ونبين الراجح إن شاء الله تعالى.
стр. 2030
الشرط العاشر
هل يشترط لبس الخف على طهارة مائية
стр. 2031
الشرط العاشر
هل يشترط لبس الخف على طهارة مائية؟
إذا تيمم لفقد الماء، ثم لبس الخف، فلا يمسح إذا وجد الماء، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)،
стр. 2032
والشافعية (١)، والحنابلة (٢).
وقيل: يمسح، هو رواية عن أحمد (٣).
دليل الجمهور .
الدليل الأول:
(٥٨) ما رواه عبد الرزاق (٤)، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر
أنه أتى النبي ﷺ وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ : إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير.
[حديث حسن] (٥).