← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

الحيض. الدليل الثاني: (٤٩٦) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا إبراهيم بن خالد، ثنا معلى بن منصور، عن علي بن مسهر، عن الشيباني، عن عكرمة قال: كانت أم حبيبة تستحاض، فكان زوجها يغشاها. قال أبو داود: قال يحيى بن معين: معلى ثقة، وكان أحمد بن حنبل لا يروى عنه؛ لأنه كان ينظر في الرأي (١). [إسناده صحيح إن كان عكرمة سمعه من أم حبيبة] (٢). الدليل الثالث: (٤٩٧) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن أبي سريج الرازي، أخبرنا عبد الله بن الجهم، حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن عاصم، عن عكرمة، عن حمنة بنت جحش، أنها كانت مستحاضة، وكان زوجها يجامعها (٣).

стр. 3502

[إسناده حسن إن شاء الله إن كان عكرمة سمعه من حمنة] (١) الدليل الرابع: أن أم حبيبة قد استحيضت، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف (٢)، وكذلك

стр. 3503

وكذلك استحيضت حمنة (١)، وكانت تحت طلحة، وقد سألتا النبي ﷺ عن حكم الاستحاضة، فلم يذكر لهما تحريم الجماع، ولو كان حراماً لبينه النبي ﷺ لهما (٢). الدليل الخامس: (٤٩٨) روى البخاري معلقاً بصيغة الجزم، قال: قال ابن عباس: تغتسل وتصلي، ولو ساعة، ويأتيها زوجها إذا صلت، الصلاة أعظم (٣)

стр. 3504

الدليل السادس: من النظر: قال ابن المنذر: غير جائز يشبه دم الحيض بدم الاستحاضة، وقد فرق النبي ﷺ بينهما، فقال في الحيض: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة" وقال في الاستحاضة: "إنما ذلك عرق، وليس بالحيض" والمسوي بينهما بعد تفريق النبي ﷺ غير منصف في تشبيه أحدهما بالآخر، وقد أجمع أهل العلم على التفريق بينهما، قالوا: دم الحيض مانع من الصلاة، ودم الاستحاضة ليس كذلك، ودم الحيض يمنع الصيام، والمستحاضة تصوم وتصلي، وأحكامها أحكام الطاهرة، وإذا كان كذلك جاز وطؤها؛ لأن الصلاة والصوم لا يجبان إلا على الطاهر من الحيض. والله أعلم (١). وقال ابن حزم في الرد على من أوجب الصلاة والصيام وحرم الوطء، قال: "هذا خطأ؛ لأنها - أي المستحاضة - إما حائض، وإما طاهر غير حائض، ولا سبيل إلى قسم ثالث في غير النفساء، فإن كانت حائضاً فلا تحل لها الصلاة، ولا الصوم، وإن كانت غير نفساء ولا حائض فوطء زوجها لها حلال، ما لم يكن أحدهما صائماً، أو محرماً، أو معتكفاً، أو كان مظاهراً منها، فبطل هذا القول. وبالله تعالى التوفيق" (٢). وممن قال بجواز وطء المستحاضة عكرمة (٣)،

стр. 3505

وعطاء (١)، وسعيد ابن جبير (٢)، وسعيد بن المسيب (٣)، والحسن (٤)، والزهري (٥). دليل من منع وطء المستحاضة . الدليل الأول: من القرآن قوله تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٦). وجه الاستدلال: أن الله حرم نكاح الحائض لوجود الأذى، ودم الاستحاضة أذى، ولهذا حرم الوطء في الدبر؛ لأنه محل الأذى (٧). وكل دم هو أذى يجب غسله من الثوب والبدن، فلا فرق في المباشرة بين دم الحيض ودم الاستحاضة؛

стр. 3506

لأنه كله رجس، وأما الصلاة فرخصة وردت بها السنة كما يصلي بسلس البول (١). الدليل الثاني: (٤٩٩) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن غيلان ابن جامع، عن عبد الملك، عن الشعبي، عن قمير، عن عائشة، قالت: المستحاضة لا يأتيها زوجها. [اختلف فيه، فروي موقوفاً على عائشة، ورواه بعضهم موقوفاً على الشعبي] (٢).

стр. 3507

ولو صح، فهو موقوف على عائشة، معارض بمثله من قول ابن عباس ﵁. والقول بالمنع، هو قول ابن سيرين (١)، وإبراهيم النخعي (٢)، والشعبي (٣)، والحكم (٤)، وسليمان بن يسار (٥)، وغيرهم.

стр. 3508

والراجح من القولين هو القول الأول لقوة أدلته. والله أعلم. دليل من قال بالكراهة: ربما استدل من قال بالكراهة؛ لأنه يرى جماع المستحاضة مباشرة للنجاسة، على القول بنجاسة دم الاستحاضة، وملابسة النجاسة عنده مكروهة. فإن كان هذا دليله، فأولاً: لا يسلم نجاسة دم الاستحاضة، والنجس من الدماء، الدم المسفوح، ودم الحيض، ودم الحيوان النجس، وهذا ليس منه، وليس هذا موضع تحرير نجاسة الدم. ثانياً: على القول بالنجاسة، فاين الدليل على كراهة مباشرة النجاسة في غير الصلاة، فهذا الاستنجاء يباشر الإنسان النجاسة بيده، ولم يمنع من ذلك. ثالثاً: على التسليم بالكراهة، فإن الجماع حاجة، ولا مكروه معها. والله أعلم.

стр. 3509

الباب الثامن: في أحكام النفاس ويشتمل تمهيد وإحد عشر فصلاً. التمهيد: في تعريف النفاس لغة واصطلاحاً. الفصل الأول: بأي شيء يثبت حكم النفاس الفصل الثاني: في أحكام السقط. الفصل الثالث: في خلاف العلماء في الدم مع الولادة. الفصل الرابع: في خلاف العلماء في الدم التي تراه الحامل قبل الولادة. الفصل الخامس: في النقاء المتخلل بين الدمين. الفصل السادس: إذا ولدت المرأة ولم تر دماً. الفصل السابع: في جماع النفساء إذا طهرت قبل الأربعين. الفصل الثامن: خلاف العلماء في أقل النفاس. الفصل التاسع: في خلاف العلماء في أكثر النفاس. الفصل العاشر: إذا وضعت المرأة توأمين فالنفاس من أيهما؟ الفصل الحادي عشر: في الأحكام المترتبة على النفاس.

стр. 3510

تمهيد تعريف النفاس: النفاس لغة، قال في تاج العروس: "النِّفاس بالكسر: ولادة المرأة" اهـ (١). وفي المصباح المنير: "مأخوذ من النَّفس، وهو الدم، ومنه قولهم: "لا نفس له سائلة: أي: لا دم له يجري، وسمي الدم نفساً؛ لأن النفس التي هي اسم لجملة الحيوان، قوامها بالدم. والنفساء من هذا" اهـ (٢). وقال ثعلب: النفساء: الوالدة، والحامل، والحائض. وقال أبو حاتم: نفست، على ما لم يسم فاعله. وحكى ثعلب: نُفِسَت ولداً، على فعل المفعول، والولد منفوس. ومنه الحديث: "ما من نفس منفوسة": أي مولودة. وفي حديث ابن المسيب: "لا يرث المنفوس حتى يستهل صارخاً". ومنه قولهم: ورث فلان هذا قبل أن ينفس فلان: أي قبل أن يولد. ويقال: نُفِسَت، ونَفِست: كـ عُني، وسَمِع. نفساً، ونفاسة، ونِفاساً: أي ولدت. وأما الحيض فلا يقال فيه إلا نَفِست، قاله الأزهري (٣). التعريف الإصطلاحي: اختلفت تعريفات الفقهاء لاختلافهم في حكم الدم الخارج مع الولادة، أو قبلها متصلاً بها، فمن اعتبر الدم الخارج قبل الولادة أو معها متصلاً بها، من اعتبره

стр. 3511

نفاساً أدخله في الحد، ومن لم يعتبره لم يدخله. تعريف الحنفية: قالوا: هو الدم الخارج عقب الولادة (١). وزاد ابن الهمام في شرح فتح القدير: "من الفرج". ليخرج ما لو ولدت ولدها من بطنها، فإنها تكون عندهم صاحبة جرح سائل، لا نفساء. اهـ (٢). وهي كثيرة في عصرنا هذا، وتسمى ولادة قيصرية. وتعريف الحنفية صريح بأنه لا يعتبر الدم الخارج أثناء الولادة نفاساً؛ لأنهم قصروه على الدم الخارج عقب الولادة. تعريف المالكية: عرفه خليل في مختصره: بأنه دم خرج للولادة. قال في الشرح الكبير: "النفاس دم صفرة أو كدرة خرج من القبل للولادة، معها أو بعدها لا قبلها على الأرجح" (٣). وقال في الشرح الصغير: النفاس للولادة، معها أو بعدها، ولو بين توأمين (٤). ثم قال: "أما ما خرج قبلها فالراجح أنه حيض".

стр. 3512

تعريف الشافعية: قال في مغني المحتاج: "النفاس: هو الدم الخارج بعد فراغ الرحم من الحمل". فخرج بها ذكر: "دم الطلق، والخارج مع الولد، فليسا بحيض؛ لأن ذلك من آثار الولادة، ولا نفاس لتقدمه على خروج الولد، بل ذلك دم فساد." (١). تعريف الحنابلة: قال في كشاف القناع: النفاس "دم ترخيه الرحم مع ولادة، وقبلها بيومين أو ثلاثة مع أمارة، وبعدها إلى تمام أربعين يوماً" (٢). وقال ابن مفلح الصغير: "دم يرخيه الرحم للولادة، وبعدها إلى مدة معلومة". (٣) تعريف النفاس عند الأطباء . الأصل فيه تمزق جدار الرحم الوظيفي، ونزول الدم منه بعد أن تحول أثناء فترة الحمل إلى ما يسمى Decidua، وهو مماثل تماماً لجدار الرحم في النصف الثاني من الحمل، ولكن بكثافة أكثر، وكذلك خروج أنسجة أخرى خصوصاً من مكان المشيمة - التي تقع أعلى الرحم - أثناء التئام ذلك المكان. وفي نفس الوقت يتكون جدار وظيفي جديد من جدار الرحم الأساسي ليحل مكان جدار السابق ذكره.

стр. 3513

ومكونات دم النفاس هي خلايا جدار الرحم، وكرويات دم بيضاء، ومكونات الدم الأخرى، ويكون أحمر في الأيام الأولى من النفاس، ثم يبهت لونه تدريجياً حتى يصبح سائلاً أبيض مائلاً للاصفرار في الإسبوع الثالث أو الرابع، ومكوناته كرويات الدم البيضاء على الأكثر. بعد هذا التمزق لجدار الرحم الوظيفي، ونزول الدم منه يستبدل جدار جديد به بعد أربعة أسابيع من الولادة غير أنه لا يكتمل رجوع جميع الأعضاء التناسلية إلى حجمها الطبيعي، ونزول العادة الشهرية - لدى المرأة غير المرضعة ورجوع الجسم إلى حالته - إلا بعد ستة أسابيع من نزول الولد في الغالب (١). جاء في وقائع الندوة الثالثة للفقه الطبي، المنعقدة في الكويت "وقد عرف الأطباء النفاس: بأنه الفترة التي تعقب الولادة، وتحدث أثناءها بعض التغييرات لعودة الجهاز التناسلي إلى وضعه الطبيعي قبل الحمل. وسائل النفاس: هو عبارة عن الإفرازات التي تخرج من الرحم بعد الولادة، ويكون عبارة عن دم في أول أربعة أيام، ثم يفتح لونه، وتقل كمية الدم حتى يصبح عبارة عن مخاط، لا لون له بعد عشرة أيام" (٢). ويقول بعض الأطباء:"يعرف دم النفاس وما يتبعه من إفرازات في الطب: بأنه

стр. 3514

الدم والافرازات التي تخرج من الرحم بعد الولادة، وتستمر لمدة ثلاثة أو أربعة أسابيع. وقد تطول إلى ستة أسابيع (أربعين يوماً). وفي الأيام الثلاثة أو الأربعة يكون الدم قانياً، وغليظاً ومحتوياً على جلطات (دم متجمد) ثم يخف تدريجياً بعد ذلك، ثم يصير بني اللون، مختلطاً بمادة مخاطية .. وأخيراً تظهر القصة البيضاء. ويكون دم النفاس وإفرازاته قلوي التفاعل في الرحم، وليس له رائحة عفنة، وإذا حدثت عفونة فإن ذلك دليل على وجود التهابات ميكروبية بالرحم أو المهبل، وتحتاج إلى علاج سريع قبل تحولها إلى حمى النفاس الخطيرة. وقد تتوقف الإفرازات الدموية لفترة، ثم يعود الدم إلى الظهور، ويعتبر ذلك نتيجة لوجود بقايا ولو بسيطة من المشيمة في الرحم، أو أن الرحم انقلب إلى الخلف بدلاً من وضعه الطبيعي إلى الأمام" (١). فبناء على هذا التعريف الطبي يكون النفاس هو الدم النازل بعد فراغ الرحم من الولد، فعند فراغ الرحم ينهدم الجدار الوظيف للرحم، فينزل على شكل دم في الأيام الأولى من النفاس، ثم يبهت لونه تدريجياً حتى ينقطع. والله أعلم. وذكر الأطباء أيضاً: "أن رحم المرأة بعد الولادة ينزل إلى مستوى السرة بعد أن كان يملأ تجويف البطن .. من القص إلى العانة ... وقبيل الولادة كان الرحم (بدون محتوياته) يزن كيلو جرام، وبعد أسبوع فقط يكون وزنه نصف كيلو جرام، وبعد أسبوعين من الولادة يصبح وزنه ربع كيلو إجرام، ثم ينخفض

стр. 3515

تدريجياً حتى يعود في نهاية فترة النفاس إلى وزنه الطبيعي وهو خمسين جراماً فقط وتعود ثخانة جدار الرحم من خمسة سنتيمترات إلى أقل من سنتمتر .. وأما الفراغ الذي كان بداخل الرحم حيث كان الجنين وأغشيته .. والذي كان يتسع لسبعة آلاف ميليلتر؛ فإنه يعود بعد انتهاء فترة النفاس إلى شق صغير لا يتسع لأكثر من ميليلترين فقط .... وتستمر التغيرات في جدار الرحم .... وفي غشائه الداخلي حتى يعود أدراجه إلى سالف عهده قبل الحمل" (١).

стр. 3516

الفصل الأول: بأي شيء يثبت حكم النفاس . إذا القت المرأة نطفة في طورها الأول، فهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم أنه لا يترتب على ذلك الإسقاط حكم من أحكام إسقاط الحمل (١). وكذلك إذا أسقطت الجنين بعد أربعة أشهر فلا أعلم خلافاً أنها تكون نفساء (٢) واختلف العلماء في العلقة والمضغة. فقيل: يثبت حكم النفاس إذا استبان من السقط بعض خلقه كالإصبع، والشعر والظفر، فهي نفساء. وهو مذهب الحنفية (٣). وقيل: يثبت حكم النفاس بوضع ما يتبين فيه خلق الإنسان، فلو وضعت علقة أو مضغة لا تخطيط فيها لم يثبت لها حكم النفاس، وهو مذهب الحنابلة (٤) وهو الراجح. وقيل: إذا ألقت علقة ثبت لها حكم النفساء، وهو مذهب المالكية (٥).

стр. 3517

وقيل: إذا ألقت مضغة أو علقة وقال القوابل: إنه مبتدأ خلق آدمي، فالدم بعده نفاس، وهو مذهب الشافعية (١). وقيل: إذا وضعت مضغة مطلقاً ثبت حكم النفاس. وهي رواية في مذهب الإمام أحمد (٢) وقيل: إذا وضعت لأربعة أشهر (٣). تعليل من قال: يثبت النفاس إذا تبين فيه خلق إنسان . قال تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٤). ولم يقل أن يضعن أولادهن. تعليل آخر: إذا سقط الحمل وهو علقة، أو مضغة لم تتخلق، يحتمل أن يكون دماً متجمداً، أو قطعة لحم ليس أصلها الإنسان، ومع الإحتمال لا يمكن أن تترك الصلاة والصيام. وسبب ثالث: أن كثيراً من النساء لا ينتبهن إلى أنهن قد أجهضن إذا كان الحمل في دور العلقة أو المضغة، بخلاف ما إذا ألقت الجنين وقد تخلق. والله أعلم. تعليل من قال: إذا وضعت علقة . قالوا: لما تحولت إلى علقة انقلب من حاله إلى أصل الإنسان، فيكون نفاساً.

стр. 3518

تعليل من قال: إذا وضعت مضغة . قالوا: إن المضغة هي بداية خلق الآدمي، فيكون نفاساً (١) تعليل من قال: إذا وضعت لأربعة أشهر فهو نفاس وإلا فلا: (٥٠٠) ربما استدلوا بما رواه البخاري، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش عن زيد بن وهب: قال عبد الله: حدثنا رسول الله - وهو الصادق المصدوق - قال: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة (٢). وجه الإستدلال: أن الجنين لا ينفخ به الروح إلا بعد تمام أربعة أشهر، وقبل نفخ الروح لا يعتبر إنساناً بدليل لو سقط لم يبعث. والله أعلم والراجح والله أعلم القول بأنها إذا وضعت ما فيه خلق إنسان فإنها تكون نفساء لقوة أدلته. والله أعلم. وإذا رجحنا أن السقط متى ما تبين فيه خلق إنسان فإن المرأة تكون نفساء،

стр. 3519

فالسؤال الذي يطرح نفسه، كم يحتاج الجنين من يوم ليبدأ في التخلق للجواب على هذا السؤال، وعلى غيره رأيت أن أفرد فصلاً مستقلاً عن السقط، وأحكامه في الفصل التالي. والله المستعان.

стр. 3520

الفصل الثاني: في أحكام السقط تعريف الإسقاط لغة وشرعاً: جاء في المصباح المنير: "السِّقط: الولد ذكراً كان أو أنثى يسقط قبل تمامه، وهو مستبين الخلق". وفي تاج العروس: "الولد يسقط من بطن أمه لغير تمام" اهـ ولم يشترط كونه مستبين الخلق. وجاء في المصباح المنير، يقال: سقط الولد من بطن أمه سقوطاً، فهو سقط بالكسر. والتثليث لغة. ولا يقال: وقع. وأسقطت الحامل: القت سقطاً. وفي تاج العروس: السقط مثلثة، والكسر أكثر. وجاء في تاج العروس أيضاً: "أسقطت الناقة وغيرها ولدها: إذا القت ولدها، والذي في أمالي القالي: أنه خاص في بني آدم". اهـ وفي معنى الإسقاط: الإجهاض. جاء في المصباح المنير: أجهضت المرأة ولدها إجهاضاً: أسقطته ناقص الخلق اهـ (١) ملاحظة: الإطلاق اللغوي للإسقاط لا يفرق بين كون السقط سقط من تلقاء نفسه، أو كان السقط حدث بفعل فاعل من جناية أو دواء. وجاء في المعجم الوسيط: أن مجمع اللغة العربية أقر إطلاق كلمة إجهاض

стр. 3521

على خروج الجنين قبل الشهر الرابع، وكلمة إسقاط على إلقائه ما بين الشهر الرابع والسابع، وهذا التعريف اصطلاح حادث. تعريف الإسقاط في اصطلاح الفقهاء. تبين لنا من تعريف الإسقاط لغة أنه يطلق على إلقاء العمل ناقصاً سواء كان النقص في المدة، أو كان النقص في الخلق. وتعريف الفقهاء لا يخرج عن هذا المعنى. عرف ابن عابدين الإجهاض في رسائله: "هو إنزال الجنين قبل أن يستكمل مدة الحمل (١). وللفقهاء ألفاظ مرادفة لمعنى الإسقاط والإجهاض، وهي تؤدي نفس المعنى منها: الإلقاء، الإملاص، الإنزال، الإخراج، الطرح.

стр. 3522

المبحث الأول: في أسباب الإسقاط الإسقاط تارة يكون تلقائياً، ويكون سببه والله أعلم إما تشوهات في الجنين، أو يكون رحم المرأة يعاني من أمراض معينة، أو يعاني من اتساع في عنق الرحم، أو غيرها من الإسباب التي يعرفها أهل الاختصاص (١). وتارة تكون أسبابه اجتماعية، كأن يقصد من الإسقاط التستر على الفاحشة (الزنا) أو الرغبة في تحديد النسل. وتارة تكون أسبابه صحية، كأن يكون الحامل على الإجهاض المحافظة على صحة الأم، أو إراحة الجنين بحيث لو ترك ينمو ولداً مشوهاً تشويهاً غير محتمل. وسوف نتناول حكم الإجهاض إذا كان اختيارياً، ومتى تكون المرأة المسقطة نفساء، ومتى لا تكون. أما الإجهاض التلقائي فلا يلحق به تكليف؛ لأنه خارج عن إرادة المرأة.

стр. 3523

المبحث الثاني: في الحكم التكليفي للإسقاط هناك من الفقهاء من فرق بين حكم الإجهاض بعد نفخ الروح، وبين حكمه قبل ذلك، لذلك سنعرض حكم كل حالة من الحالات على انفراد. الفرع الأول: في إسقاط الجنين بعد نفخ الروح ذهب الحنفية (١) والمالكية (٢) , والشافعية (٣) , والحنابلة (٤) إلى تحريم الإجهاض بعد نفخ الروح. الأدلة على تحريم الإسقاط بعد نفخ الروح . الدليل الأول: الإجماع. فقد حكى الإجماع غير واحد. جاء في الشرح الكبير:"لا يجوز إخراج المني المتكون في الرحم، ولو قبل

стр. 3524

الأربعين يوماً، وإذا نفخت فيه الروح حرم إجماعاً" (١). وقال ابن جزي: "وإذا قبض الرحم المني لم يجز التعرض له، وأشد من ذلك إذا تخلق، وأشد من ذلك إذا نفخ فيه الروح؛ فإنه قتل نفس إجماعا" (٢). ونقله صاحب أسهل المدارك، وأقره (٣). وقال ابن تيمية: إسقاط الحمل حرام بإجماع المسلمين، وهو من الوأد، الذي قال الله فيه: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (٤). وقد قال الله تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (٥) (٦). الدليل الثاني: وجوب الدية في قتله دليل على تحريم إسقاطه؛ إذ لو كان جائزاً لما وجبت به عقوبة. (٥٠١) فقد روى البخاري ﵀، قال: حدثنا قتيبة، حدثنا الليث، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، أنه قال: قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتاً بغرة: عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى لها بالغرة توفيت، فقضى

стр. 3525

رسول الله ﷺ بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها (١). وقد ذهب ابن حزم إلى وجوب القود، فيمن تعمد قتل الجنين بعد نفخ الروح، فقال ﵀: "فإن قال قائل: فما تقولون فيمن تعمدت قتل جنينها، وقد تجاوزت مائة ليلة وعشرين ليلة بيقين، فقتلته، أو تعمد أجنبي قتله في بطنها، فقتله، فمن قولنا: إن القود واجب في ذلك، ولا بد، ولا غرة في ذلك حينئذ إلا أن يعفى عنه، فتجب الغرة فقط؛ لأنها دية، ولا كفارة في ذلك؛ لأنه عمد، وإنما وجب القود؛ لأنه قاتل نفس مؤمنة عمداً، فهو نفس بنفس، وأهله مخيرين: إما القود، وإما الدية، أو المفادات كما حكم رسول الله ﷺ فيمن قتل مؤمناً. وبالله تعالى التوفيق" (٢). وشرط الفقهاء في وجوب القود أن ينفصل حياً، ثم يموت. قال الحافظ: "وقد شرط الفقهاء في وجوب الغرة انفصال الجنين ميتاً بسبب الجناية، فلو انفصل حياً، ثم مات، وجب فيه القود أو الدية كاملة" (٣). وليس هذا موضع تحرير هذه المسألة، والذي يهمنا وجوب العقوبة على من أسقط الجنين، وهو ظاهر في تحريم الإسقاط. والله أعلم. بقي سؤال: متى نحكم بأن الجنين قد نفخت فيه الروح؟ ذهب الفقهاء إلى أن نفخ الروح يكون بعد أن يتم للحمل أربعة أشهر.

стр. 3526

الدليل على أن نفخ الروح يكون بمد تمام أربعة أشهر . الدليل الأول: الإجماع، فقد نقل الإجماع غير واحد على أن مرحلة نفخ الروح بعد تمام الحمل أربعة أشهر: قال القرطبي: "لم يختلف العلماء أن نفخ الروح فيه يكون بعد مائة وعشرين يوماً، وذلك تمام أربعة أشهر، ودخوله في الخامس" (١). وقال النووي: "اتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر" (٢). وقال ابن حجر: "اتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر" (٣). الدليل الثاني: (٥٠٢) روى البخاري ﵀، قال: حدثنا الحسن بن الربيع حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، قال عبد الله: حدثنا رسول الله - وهو الصادق المصدوق - قال: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه

стр. 3527

وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة (١). فقوله ﷺ : "ثم ينفخ فيه الروح" جعل هذا بعد أطوار النطفة، والعلقة، والمضغة، وقد كان لكل طور أربعون يوماً، فمجموع ذلك مائة وعشرون يوماً.

стр. 3528

الفرع الثاني: حكم الإسقاط قبل نفخ الروح . اختلف في هذه المسألة على أقوال: فقيل يحرم الإسقاط مطلقاً، ولو كان نطفة. ذهب إلى هذا بعض الحنفية (١) , وهو المعتمد عند المالكية (٢) , وقول الغزالي (٣) , وابن العماد من الشافعية (٤)، واختيار ابن الجوزي من الحنابلة (٥).

стр. 3529

وقيل: يجوز التسبب لإسقاط الجنين مطلقا، ما لم يتخلق، والمراد بالتخلق عندهم نفخ الروح. وهو الراجح عند الحنفية (١). فهذان قولان متقابلان: التحريم مطلقاً، والإباحة مطلقاً ما لم ينفخ فيه الروح. وبقي في المسألة أقوال: منها: وقيل: يباح الإسقاط ما دام نطفة مطلقاً لعذر أو لغير عذر، أما العلقة والمضغة فلا يجوز إسقاطها. انفرد به اللخمي من المالكية (٢)، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٣). وقيل: يباح إلقاء النطفة إذا كان لعذر، أما من غير عذر فلا يجوز، اختاره بعض الحنفية (٤).

стр. 3530

وقيل: يجوز التسبب لإسقاط النطفة والعلقة دون المضغة. حكاه الكرابيسي عن أبي بكر الفراتي من الشافعية (١). وقيل: يكره إلقاء النطفة اختاره علي بن موسى من الحنفية (٢) , وهو رأي عند بعض المالكية فيما قبل الأربعين يوماً (٣). أدلة القائلين بتحريم إسقاط النطفة . [الدليل الأول] (*) قالوا: النطفة بعد الإستقراء آيلة إلى التخلق، مهيأة لنفخ الروح فلا يجوز

стр. 3531

إسقاطها، وهي أول مراحل الوجود؛ إذ الولد لا يخلق من مني الرجل وحده، بل من الزوجين جميعاً، فإذا امتزج ماء الرجل بماء المرأة، واستقر في الرحم فإن النطفة حينئذٍ تكون مهيأة للتخلق ووجود الولد. الدليل الثاني: حرم الله تعالى قتل الصيد حال الإحرام، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ الآية (١). وجاء في السنة تحريم أكل بيض الصيد؛ لأنه أصل الصيد، فكذلك لا يجوز إلقاء النطفة؛ لأنها أصل الإنسان. (٥٠٣) والحديث الذي فيه تحريم أكل بيض الصيد قد رواه أحمد، قال: حدثني أبي ثنا هاشم بن سليمان يعني بن المغيرة عن علي بن زيد ثنا عبد الله ابن الحارث بن نوفل الهاشمي قال: كان أبي الحرث على أمر من أمر مكة في زمن عثمان، فأقبل عثمان رضي الله تعالى عنه إلى مكة، فقال عبد الله بن الحارث، فاستقبلت عثمان بالنزل بقديد، فاصطاد أهل الماء حجلا، فطبخناه بماء وملح، فجعلناه عراقا للثريد، فقدمناه إلى عثمان وأصحابه، فأمسكوا، فقال عثمان: صيد لم أصطده ولم نأمر بصيده اصطاده قوم حل فأطعموناه، فما بأس؟ فقال عثمان: من يقول في هذا؟ فقالوا: على. فبعث إلى علي رضي الله تعالى عنه، فجاء. قال عبد الله بن الحارث: فكأني أنظر إلى علي حين جاء، وهو يحت الخبط عن كفيه، فقال له عثمان: صيداً لم نصطده، ولم

стр. 3532

نأمر بصيده اصطاده قوم حل، فأطعموناه فما بأس؟ قال: فغضب على، وقال: أنشد الله رجلاً شهد رسول الله ﷺ حين أتى بقائمة حمار وحش فقال رسول الله ﷺ : إنا قوم حرم فأطعموا أهل الحل. قال: فشهد اثنا عشر رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ ، ثم قال على: أشهد الله رجلا شهد رسول الله ﷺ حين أتى ببيض النعام فقال رسول الله ﷺ : إنا قوم حرم أطعموه أهل الحل، قال: فشهد دونهم من العدة من الاثني عشر. قال: فثنى عثمان وركه عن الطعام، فدخل رحله وأكل ذلك الطعام أهل الماء. [الحديث إسناده ضعيف، والحديث بقصة حمار الوحش صحيح لغيره، وزيادة بيض النعام زيادة منكرة] (١).

стр. 3533

الدليل الثالث: أول الوجود أن تقع النطفة في الرحم، وتختلط بماء المرأة، وتستعد لقبول الحياة، وإفساد ذلك جناية. ووجهه قال: ماء المرأة ركن في الإنعقاد، فيجري الماءان مجرى الإيجاب والقبول، فمن أوجب، ثم رجع قبل القبول - يعني العزل - لم يكن جانياً على العقد بالنقض والفسخ، ومهما اجتمع الإيجاب والقبول - يعني ماء الرجل والمرأة - كان الرجوع بعده رفعاً، وفسخاً وقطعاً، وكما أن النطفة في الفقار لا يتخلق منها الولد، فكذا بعد الخروج من الإحليل، ما لم يمتزج بماء المرأة أو دمها، فهذا هو القياس الجلي (١). دليل من أباح إسقاط النطفة . الدليل الأول: القياس على جواز العزل، فإذا كان العزل جائزاً، وهو إلقاء الماء خارج الفرج، فكذلك إنزال المني بعد وجوده في الرحم إذ لا فرق، فإخراج النطفة من رحم المرأة لا يثبت لها حكم السقط أو الوأد؛ لأنه لا يصدق عليها ذلك، فلا

стр. 3534

حرمة في إخراجها (١). الدليل الثاني: المني حال نزوله جماد محض، لا يتهيأ للحياة بوجه، بخلافه بعد استقراره في الرحم، وأخذه في مبادي التخلق. وبداية التخلق كما أرشد إليها حديث حذيفة الغفاري يكون بعد اثنتين وأربعين ليلة،. (٢) (٥٠٤) فقد روى مسلم، حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير المكي أن عامر بن واثلة حدثه أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقى في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره. فأتى رجل من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري، فحدثه بذلك من قول ابن مسعود، فقال: وكيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال له الرجل: أتعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ : يقول إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا، فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضى ربك ما شاء، ويكتب الملك ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضى ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص (٣).

стр. 3535

فهذا الحديث نص أن المني قبل الأربعين لا يكون قد تهيأ للحياة، وإنما هو نطفة، هو والعزل سواء، بخلاف بعد الأربعين فقد بدأ بالتخلق، وهو مرحلة كونه علقة. والله أعلم دليل من قال: يجوز إسقاط الجنين قبل التخلق . قالوا: إذا لم يتخلق بظهور الأعضاء الدالة على كونه آدمياً، فلا يثبت له حكم الآدمي من وجوب صيانته وحرمة الاعتداء عليه، وعليه فلا إثم في إسقاطه (١). دليل من قال: يجوز إسقاط الجنين قبل أن ينفخ فيه الروح . قال ابن عقيل: ما لم تحله الروح يجوز إسقاطه؛ لأنه ليس وأداً؛ لأن الوأد لا يكون إلا بعد التارات السبع ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ إلى قوله ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ (٢) .. قال ابن مفلح: وهذا منه فقه عظيم، وتدقيق حسن، حيث سمع ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (٣). وهذا لما حلته الروح؛ لأن ما لم تحله الروح لا يبعث، فيؤخذ منه أنه لا يحرم إسقاطه. وله وجه. اهـ (٤). الراجح جواز إلقاء النطفة بشروط:

стр. 3536

أولاً: ألا يكون في ذلك ضرر على الأم، لا حالاً، ولا مآلاً. ثانياً: أن يكون ذلك برضى الزوج؛ لأن له حقاً في طلب الولد. ثالثاً: أن يكون في ذلك تحقيق مصلحة، أو دفع مفسدة. وإن قَلَّت؛ لأن إلقاء النطفة إذا كان خلواً من المصلحة كان منافياً لمقصود الشارع من تكثير النسل. رابعاً: ألا يكون الحامل على ذلك سوء ظن بالله، وذلك خوفاً من العالة والفقر. ثم اطلعت على مراحل تكوين الجنين من جهة الطب، فرأيت أن تحريم إلقاء النطفة أقرب من الإباحة، وأن النطفة لا تستوي هي والعزل من كل وجه. يذكر الأطباء أن ماء الرجل يحتوي على عدة مئات من الملايين من الحيوانات المنوية (١)، ويجب عليهم أن يعبروا المهبل، ومختنق عنق الرحم، وبعد ذلك يتوجهوا إلى قناة فالوب، وهي مسافة تبلغ (١٥ - ١٨) سم، ثم يستعدوا لاقتحام غشاء البويضة، ثم النزول إلى الرحم لتعلق في جداره، وتأخذ في النمو. وإليك رحلة الحيوان المنوي: ومن المعلوم أن كل الف حركة يبذلها ذيل الحيوان المنوي يقطع خلالها الحيوان المنوي مسافة قدرها سنتيمتراً واحداً، وفي حالة عدم وجود عوائق فإنه يستطيع قطع مسافة (١٠) سم في نصف ساعة، ومن يستهين بهذه المسافة فليعلم

стр. 3537

أنها تفوق طول الحيوان المنوي أربعة الأف ضعف (١). وتسير تلك الحيوانات المنوية باحثة عن البويضة (نطفة المرأة) لا تدري أين هي، عن يمين أو يسار، فتخترق مجموعة منها القناة الرحمية، وتسير مجموعة منها عبر القناة الرحمية اليسرى، تدعى أيضاً قناة فالوب، فيهلك من يهلك، ويشاء الله بقدرته أن يقترب من البويضة مئات الحيوانات المنوية، بينما تحتوي الدفقة الواحدة من المني مئات الملايين تهلك معظمها قبل الوصول إلى البويضة، ويختار الله بحكمته واحداً من مئات الحيوانات، فيصل سالماً إلى البويضة، فتفتح له البويضة كوة في جدارها، حتى يلج، فإذا ما دخل أغلق الثقب حالاً، ولن يسمح لحيوان منوي آخر بالدخول في البويضة، وإذا ما دخل الحيوان المنوي هشت له نواتها، كما أن نواة الحيوان المنوي المتجمعة في رأسه تفعل الشيء ذاته. ورأس الحيوان المنوي لا يزيد عن خمسة ميكرونات (والميكرون: واحد على المليون من الميتر، ويحتوي هذا الرأس على أسرار الوراثة كاملة ينقلها من الأب إلى الأبن أو البنت على هيئة ٢٣ جسيماً ملوناً (كروموسوماً) وتحتوي البويضة على ٢٣ جسيماً ملوناً مثلما يحتوي الحيوان المنوي على نفس العدد، فإذا اجتمعا معاً صارت البويضة الملقحة تحتوي على ٤٦ جسيماً ملوناً، مثل بقية الخلايا.، فيعتبر كلا من الحيوان المنوي والبويضة نصف خلية

стр. 3538

فقط من ناحية العدد الكروموسومات، وعند تكون النطفة الأمشاج يكتمل عدد الكروموسومات الحاملة للصفات الوراثية من الأب والأم، وعبر هذه الكروموسومات تنتقل الصفات الوراثية، وحالما يتم التخصيب، وتتكون النطفة الأمشاج من الحيوان المنوي والبويضة يخلق الله جداراً سميكاً مصمتاً لا يمكن لأي حيوان منوي آخر اختراقه، ومنذ تلك اللحظة تبدأ العمل الجاد، وتبدأ بالانشطار: الخلية تصبح خليتان، الخليتان أربع، وهكذا دواليك حتى تتكون مئات الخلايا على هيئة ثمرة التوت، وعندئذ تسمى التوتة MORULLA كبرت الكرة قليلاً، صار ما بداخلها مجوفاً، وبه سائل رقيق .. وعندئذ تدعى بالتكور الجرثومي أو البلاستولا BLASTULA وفي هذه الأثناء لا تكف البويضة الملقحة أو النطفة الأمشاج عن الحركة بواسطة شعيرات قناة الرحم، وتقلصات جداره، وإن كانت حركة بطيئة فهي تنتقل من الثلث الوحشي لقناة الرحم (قناة فالوب) حيث يتم التلقيح وتتجه عبر القناة الرحمية حيث تقترب من الرحم، وفي خلال خمسة أيام أو أسبوع على الأكثر تكون قد وصلت إلى الرحم، وتنظر أين تتوسد وتنغرز وتوجهها عناية الله بها إلى أن خير مكان لها هو النصف العلوي من الرحم، وخاصة جداره الخلفي، وهناك تنشب، وتَعْلَق في جدار الرحم الذي قد أعد لاستقبالها بفرش الطنف والوسائد .. وجعل جداره مليئاً بالأوعية الدموية حتى يغذيها وينميها .. وعندما تنغرز الكرة الجرثومية تكون قد تحولت من نطفة الأمشاج إلى

стр. 3539

علقة، وتبدأ عندئذ مرحلة جديدة في حياة الجنين .. وهي مرحلة العلقة (١). كل هذه الأمور تحدث للنطفة في العشرة الأيام الأولى على أكثر تقدير، فكيف يقال: إن هذا والعزل سواء.

стр. 3540

الفرع الثالث: في حكم الإسقاط للضرورة بعد نفخ الروح إذا قرر طبيبان أو أكثر أن في بقاء الجنين خطراً على حياة أمه، ولا سبيل إلى انقاذهما معاً, فإما الجنين وموت أمه، وإما إنقاذ أمه بهلاكه، فما هو العمل حينئذٍ؟ فقيل: لا يجوز، ولو كان في ذلك خطر على حياة الأم (١). وقيل: يجوز ذلك بشرط أن يقرر جمع من الأطباء الثقات المختصين أن بقاء الجنين في بطن أمه فيه خطر مؤكد على حياة الأم (٢).
следующие страницы →