وقوله: ﴿ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ (١).
فهذا الأمر تحصيله لا يتوقف على النية.
الثاني: الماء مطهر بنفسه، فلم يفتقر إلى قصد فإذا وجدت النظافة به على أي وجه كان فقد حصل المقصود، بخلاف التراب فإنه ملوث، وإنما جعل طهارة عند الحاجة، والحاجة إنما تعرف بالنية.
ويجاب عن هذا بجوابين:
الأول: أن يقال: وكذلك التراب ملوث بنفسه، فلم يفتقر إلى قصد فإذا وجد التلوث به على أي وجه كان فقد حصل المقصود.
الوجه الثاني: لا نسلم أن التراب غير مطهر، فإنه قد ثبت أنه مطهر للحدث والخبث معاً،
فالدليل على أنه مطهر من الأحداث قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم﴾ (٢).
فنص على أن الغاية من مشروعية التيمم إرادة التطهير مع نفي الحرج عن هذه الأمة.
ومن السنة، قال رسول الله ﷺ كما في حديث جابر " وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ... "الحديثَ، والحديث رواه مسلم، واللفظ للبخاري (٣).
стр. 5217
وفي حديث أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير (١).
[حديث حسن وسبق تخريجه] (٢).
فحكم الرسول ﷺ على أن الصعيد طهور المسلم.
فهذا دليل على أن التراب مطهر للحدث، وأما طهارة الخبث بالتراب فذلك مثل الاستجمار، ومثل طهارة النعل بالتراب، وطهارة ذيل المرأة بمروره على تراب طاهر، فالقول بأن التراب غير مطهر مخالف لنصوص الكتاب والسنة، والتفريق بين الوضوء والتيمم، فلا تجب النية في طهارة الوضوء، وتجب النية في طهارة التيمم تفريق بين ما جمع الله ، فقد جمع بينهما في آية المائدة، ذاكراً الوضوء بقوله ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ إشارة إلى النية، وقال في التيمم ﴿فتيمموا﴾ إشارة إلى قصد الصعيد، فمن فرق بينهما فقد فرق بين ما جمع الله، وقوله في غاية الضعف.
دليل من قال: التيمم يصح بدون نية:
قالوا: إن التيمم بدل عن طهارة الماء، وإذا كانت طهارة الماء وهي الأصل تصح بلا نية، فكذلك طهارة البدل؛ لأن البدل يأخذ حكم المبدل.
стр. 5218
ويجاب:
لا نسلم أن طهارة الماء تصح بلا نية، وما بني على قول ضعيف كان ضعيفاً، فالصحيح من أقوال أهل العلم أن الطهارة من الأحداث كلها تفتقر إلى نية، وقد قدمنا مجموعة من الأدلة على اشتراط النية في بحث سابق، فأغنى عن إعادته هنا (١)، والله أعلم.
الراجح من الخلاف .
بعد استعراض أدلة الفريقين نجد أن القول بأن النية شرط في طهارة الحدث مطلقاً، سواء كانت الطهارة بالماء، أو بالتراب هو القول الراجح، لقوة أدلته، وضعف أدلة الأقوال الأخرى، والله أعلم.
стр. 5219
الفصل الثاني:
لو سفت الريح التراب على وجهه ونوى به التيمم .
اختلف أهل العلم فيما لو ألقت عليه الريح تراباً عمَّ وجهه ويديه، هل يصح تيممه؟.
قال النووي: فإن لم يقصدها لم يجزه بلا خلاف (١).
قلت: ينبغي أن يكون فيه خلاف، فإن من لم يشترط النية ربما صحح تيممه، كما أن من لم يشترط النية في غسل الجنابة، لو انغمس في نهر ارتفع حدثه، إلا أنني لم أقف على من صرح بصحة تيممه في مسألتنا هذه، فليتأمل.
وأما إذا نوى به التيمم وصمد للريح،
فقيل: لا يصح تيممه، وهو مذهب المالكية (٢)، والمنصوص في مذهب الشافعية، وعليه أكثرهم (٣)،
ورجحه كثير من الحنابلة (٤).
стр. 5220
وقيل: يصح تيممه، اختاره بعض الشافعية (١)، وبعض الحنابلة (٢).
وقيل: إن مسح أجزأ، وإلا فلا، اختاره ابن الصباغ من الشافعية (٣)، والمتأخرون من الحنابلة، قال صاحب الإنصاف: وهذا الصحيح قياساً على مسح الرأس (٤).
تعليل من قال: لا يصح تيممه:
قالوا: إن النقل شرط، ولم يوجد.
ويجاب: أين الدليل على أن النقل شرط، فالقصد للشي: وهو النية كافية في المطلوب، وقصده لا يستلزم قصد النقل، وكما أن النقل ليس شرطاً في طهارة الماء، وهي أصل، كذلك لا تكون شرطاً في طهارة البدل، فلو نزل المطر على بدن الجنب ونوى به الغسل، حتى عمم به جميع بدنه ارتفع حدثه، فكذلك هنا.
стр. 5221
دليل من قال: يصح تيممه:
قاله قياساً على ما ذكرنا من صحة الغسل لو جلس تحت المطر أو الميزاب، ونزل عليه الماء، فعمم جميع بدنه أن حدثه يرتفع، فكذلك هنا.
دليل من قال: إن مسح أجزأ، وإلا فلا:
الدليل الأول:
استدل بقوله تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ فطلب الشرع المسح، فإذا لم يمسح لم يمتثل للأمر.
الدليل الثاني:
ولأنه يتعذر وصول التراب إلى جميع وجهه من غير مسح.
ويجاب عن هذين الدليلين:
بأن المسح ليس مقصوداً لذاته، وإنما هو آلة لتحقيق المطلوب، ولذلك لو يممه غيره مع قدرته صح تيممه، مع أنه لم يمسح هو، وإنما مسح غيره، فلا فرق بين أن يكون مرور التراب عن طريق يد غيره، وبين أن يكون مروره عن طريق الريح إذا قصد التيمم، فالغاية أن يمس التراب وجهه ويديه، وأما كون التعميم متعذراً، فالتعميم حتى باليد متعذر، فالمسح الأصل فيه التخفيف بخلاف الغسل، كالمسح على الخفين ومسح الرأس وغيرهما، فإذا أصاب أكثر التراب غالب وجهه أجزأه، والله أعلم.
الدليل الثالث:
قالوا اشترطنا المسح قياساً على ما ذكرناه في كتاب الوضوء فيما لو غسل رأسه بدلاً من مسحه، فمنهم من قال: لا يجزئ مطلقاً، ومنهم من قال:
стр. 5222
يجزئ مطلقاً، ومنهم من قال: إن مسح أجزأ، ليتحقق امتثال الأمر، والكلام في تلك المسألة كالكلام في هذه، ولا فرق، وقد سبق تحريرها.
وأجاب المانعون عن هذا الدليل:
قالوا: هناك فرق بين ما لو غسل رأسه أجزأ عن مسحه، وبين هذه المسألة، فإن من غسل رأسه قد قام الدليل على صحته، لأنه إذا أجزأ غسل الرأس عن الجنابة، فلأن يجزئ ذلك عن الوضوء أولى بخلاف التيمم.
والراجح أنه لا فرق.
تنبيه:
قال المسعودي: " وإن أدنى وجهه من الأرض أو تمعك في التراب، فحصل الغبار على أعضاء التيمم، فإن كان لعجز صح، وإن كان لا لعجز، فهل يصح؟ فيه وجهان " (١).
قلت: ينبغي أن يصح مطلقاً، وبدون شرط الغبار.
стр. 5223
الفصل الثالث:
في صفة النية
سوف نخصص هذا الفصل في الكلام عن كيفية النية في التيمم، فلو نوى المتيمم نية التيمم فقط فهل يجزئ؟ أو لا بد من نية ما يتيمم له، وما يتيمم عنه، فأنوي مثلاً التيمم، للصلاة أو للطواف أو نحوهما، عن الحدث الأصغر، أو عن الحدث الأكبر، أو عن النجاسة على البدن كما في مذهب الحنابلة، فعندنا ثلاثة أشياء،
الأولى: نية التيمم.
الثانية: نية ما يتيمم له من الطاعات كالصلاة والطواف وقراءة القرآن، وهل إذا نوى الفرض منها يكفي عن نية النفل؟
الثالثة: نية ما يتيمم عنه من حدث أصغر أو أكبر، وسوف نتناول هذه المسائل واحدة واحدة، وما يتفرع منها.
стр. 5224
المبحث الأول:
لو نوى بفعله مطلق التيمم
اختلف الفقهاء فيما لو نوى بتيممه فرض التيمم هل يصح تيممه؟
فقيل: يصح تيممه، وهو اختيار أبي بكر بن سعيد البلخي من الحنفية، ونسب إلى أبي حنيفة (١)، وهو مذهب المالكية (٢)، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
وقيل: لا يصح، وهو مذهب الحنفية (٥)،
وأصح الوجهين في مذهب
стр. 5225
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 5226
الشافعية (١)، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة (٢).
وجه من قال بالصحة:
القياس على الوضوء، فكما أنه لو نوى فرض الوضوء صح الوضوء، فكذلك التيمم.
وجه من قال: لا يصح:
وأما دليل الحنفية فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ ثم قال: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (٣)، فتضمنت الآية نية التيمم للصلاة، وليس مطلق النية (٤).
وأما تعليل إمام الحرمين من الشافعية: قال: لأن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما يبيح فعل الصلاة، فلا بد من تعيين ما يتيمم له كالصلاة والطواف، وما يتيمم عنه من حدث أصغر أو أكبر، قالوا: ويفارق الوضوء، أن الوضوء مقصود لنفسه، ولهذا استحب تجديده بخلاف التيمم،
وعلل السيوطي التفريق بين التيمم والوضوء بقوله: " إن التمييز لا يحصل بذلك - أي بنية الفرض - لأن التيمم عن الحدث والجنابة فرض، وصورته
стр. 5227
واحدة بخلاف الوضوء والغسل فإنما يتميزان بالصورة " (١).
والراجح أنه لو تيمم بنية الفرض أو بنية رفع الحدث فإن حدثه يرتفع، ولا إشكال كما نبهت على أن هذه المسألة إنما بنيت على أصل ضعيف، وهو أن التيمم لا يرفع الحدث، وهو خلاف الكتاب والسنة كما بينت في مبحث مستقل.
стр. 5228
المبحث الثاني:
إذا نوى المتيمم بتيممه رفع الحدث
اختلف أهل العلم فيما إذا نوى المتيمم رفع الحدث،
فقيل: يرتفع حدثه، وهو مذهب الحنفية (١)، ووجه في مذهب الشافعية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: لا يرتفع حدثه، وهو مذهب المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦).
والقول في أدلة هذه المسألة راجع إلى مسألة سبق بحثها، وهي هل التيمم يرفع الحدث، أو يبيح فعل الصلاة فقط؟ فمن رأى أن التيمم يرفع الحدث كالحنفية لم يمنع التيمم بهذه النية، ومن رأى أن التيمم لا يرفع الحدث منع المتيمم أن يتيمم بهذه النية، وقد رجحت فيما سبق أن التيمم يرفع الحدث رفعاً مؤقتاً إلى حين وجود الماء، وقد ذكرنا أدلتهم فيما سبق، فأغنى عن إعادته هنا، ولا يختلف القول لو نوى الطهارة، فإن نية الطهارة راجع إلى مسألتنا، هل التيمم مطهر، أو مبيح فقط، والله أعلم.
стр. 5229
المبحث الثالث:
في اشتراط نية ما يتيمم عنه من حدث أصغر أو أكبر
الفرع الأول:
لو تيمم ولم ينو ما يتيمم عنه من حدث أصغر أو أكبر
عرفنا فيما سبق الخلاف فيما لو نوى التيمم فقط، وسوف نناقش في هذا المبحث حكم نية ما يتيمم عنه من حدث أصغر أو أكبر،
فقيل: لا يشترط نية ما يتيمم عنه من حدث أصغر أو أكبر، بل يكفي أن ينوي التيمم للصلاة مثلاً، وهذا مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، وقول في مذهب المالكية (٣).
وقيل: إن كان التيمم من الحدث الأصغر لم يلزمه استحضاره حال
стр. 5230
التيمم، بل يكفي فيه استباحة الصلاة من غير ذكر المتعلق، وفي الأكبر لابد من استحضار المتعلق، فإن ترك ذلك أعاد أبداً. هذا هو المشهور من مذهب المالكية (١).
وقيل: يستحب له استحضار نية الحدث الأكبر، فإن ترك هذا مطلقاً عامداً أو ناسياً أعاد في الوقت، وهو قول في مذهب المالكية (٢).
стр. 5231
وقيل: يشترط أن ينوي نية ما يتيمم له، وما يتيمم عنه، وهذا مذهب الحنابلة (١).
والراجح أن التيمم يقوم مقام الماء، فإذا نوى فرض التيمم، فقد قام بما هو واجب عليه، وإذا نوى الصلاة بتيممه، ارتفع حدثه الأصغر والأكبر؛ لأنه يلزم من نية الصلاة ارتفاع الحدث، وإذا نوى ارتفاع الحدث الأصغر ارتفع الأصغر فقط، أو نوى ارتفاع الحدث الأكبر دخل فيه الحدث الأصغر تماماً كما هو في طهارة الماء، ولا فرق؛ لأن التيمم بدل عن طهارة الماء، والبدل يأخذ حكم المبدل، والله أعلم.
стр. 5232
الفرع الثاني:
لو تيمم للحدث الأصغر فهل يرتفع حدثه الأكبر
لو أن رجلاً تيمم للحدث الأصغر ناسياً حدثه الأكبر، فهل يصح تيممه عن الحدث الأكبر؟ في هذا خلاف بين أهل العلم،
فقيل: يصح، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)،
وأحد القولين في مذهب المالكية (٣).
وقيل: لا يصح، اختاره الجصاص وأبو بكر الرازي من الحنفية (٤)، وهو مذهب المالكية (٥)، والحنابلة (٦).
стр. 5233
دليل من قال: يصح تيممه عن الحدث الأكبر:
التعليل الأول:
قالوا: لأنه لو كان ذاكراً للجنابة لم يكن عليه أكثر من التيمم، وقد فعل.
التعليل الثاني:
قالوا: إن التيمم طهارة، فلا يلزم نية أسبابها كما في الوضوء.
وهذا التعليل جيد، لكنهم لا يقبلونه فيما لو نوى التيمم وأطلق، فلا بد عندهم من نية الطهارة، أو نية استباحة الصلاة، أو نية عبادة مقصودة بذاتها لا تصح بدون طهارة، وهذا سبق بيانه.
التعليل الثالث:
أن الجنب والمحدث نيتهما واحدة، فلم يشترط نية الحدث الأكبر، قال النووي: إن الجنب ينوي بتيممه ما ينويه المحدث، وهو استباحة الصلاة، فلا فرق (١). اهـ
قلت: نية الصلاة تستلزم نية الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، فكذلك لو كان جنباً ونوى بغسله الصلاة ارتفع حدثه الأكبر، ولكن لو أن هذا الجنب انغمس في ماء، وخرج مرتباً على القول بوجوب الترتيب، ولم ينو إلا الحدث الأصغر لم يرتفع حدثه الأكبر، فلماذا في التيمم قلنا: إذا نوى حدثه الأصغر ارتفع حدثه الأكبر، فالواجب أن يكون التيمم حكمه حكم الماء.
стр. 5234
التعليل الرابع:
قالوا: التيمم عن الحدث الأصغر يجزئ عن الحدث الأكبر، لأن صفة التيمم فيهما واحدة.
وقد جعل بعض أهل العلم هذا التعليل سبباً في وجوب تعيين النية كما سيأتي في أدلة القول الثاني.
دليل من قال: لا يصح تيممه عن الحدث الأكبر:
الدليل الأول:
(١٤١٨ - ٥٠) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد يقول: أخبرني محمد بن إبراهيم، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول:
سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه (١).
وجه الاستدلال:
أن هذا لم ينو إلا الحدث الأصغر، فكيف يرتفع الحدث الأكبر، وإذا كان هذا ممنوعاً في طهارة الماء، وهي الأصل، فكيف يكون مسموحاً به في طهارة التيمم، وهي الفرع، أي البدل.
стр. 5235
الدليل الثاني:
ذكر الرازي من الحنفية أنه لا بد من نية التمييز، وهو أن ينوي الحدث أو الجنابة؛ لأن التيمم لهما يقع على صفة واحدة، فلا بد من التمييز بالنية (١).
وهذا القول هو الراجح، نظراً لقوة أدلته، والله أعلم.
стр. 5236
الفرع الثالث:
في نية ما يتيمم له من صلاة ونحوها
المسألة الأولى: لو نوى بالتيمم الصلاة وأطلق
فقيل: يصلي به النافلة والفريضة، وهذا مذهب الحنفية (١)، واختيار إمام الحرمين والغزالي من الشافعية (٢)، ووجه في مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: لا يصلي به إلا النافلة، وهو الصحيح من مذهب الشافعية (٤)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٥).
стр. 5237
تعليل الحنفية الشافعية:
تعليل الحنفية يختلف عن تعليل الشافعية، أما الحنفية فيرون أن التيمم يرفع الحدث، فإذا ارتفع الحدث كان له أن يصلي ما شاء من الفرائض والنوافل، وهذا هو التعليل الصحيح لفروع هذه المسائل.
وأما تعليل إمام الحرمين والغزالي من الشافعية، فقالوا: إن الصلاة اسم جنس، فيشمل الفرض والنفل، فيكون حكمه حكم ما لو نوى بتيممه الفريضة والنافلة معاً.
تعليل الحنابلة:
لما كان التيمم لا يرفع الحدث، وإنما يستباح به الصلاة، فلا يستباح به الفرض حتى ينويه؛ ولهذا كان التعيين شرطاً في الفرض، ولما لم يوجد أبيح له التنفل؛ لأنه أقل ما يحمل عليه الإطلاق بخلاف الوضوء فإنه يرفع الحدث فاستباح به الجميع.
والجواب عن هذا قد ذكرته في المسألة المتقدمة، وأن القول بأن التيمم لا يرفع الحدث قول ضعيف، وما بني على الضعيف فهو ضعيف.
стр. 5238
المسألة الثانية: لو نوى أن يصلي نفلاً فهل يصلي به فريضة
إذا نوى بتيممه نافلة، فهل له أن يصلي بهذا التيمم فريضة،
اختلف أهل العلم في هذا،
فقيل: يصلي به ما شاء من الفرائض والنوافل حتى يجد الماء أو يحدث، وهذا مذهب الحنفية (١).
وقيل: لا يجوز أن تصلى الفريضة بتيمم النافلة، وهو المشهور من مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
وقيل: لا تصلى النافلة بالتيمم أصلاً، وإنما يتيمم للمكتوبة (٥).
دليل من قال: يصلي ما شاء من الفرائض والنوافل:
الدليل الأول:
(١٤١٩ - ٥١) ما رواه البخاري من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار، قال: حدثنا يزيد - هو ابن صهيب الفقير - قال:
أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: " أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً
стр. 5239
وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ... " الحديث، ورواه مسلم، واللفظ للبخاري (١).
فإذا تيمم الرجل فهو على طهارته ما لم يجد الماء أو يحدث، ومن طلب منه إعادة التيمم فعليه الدليل من كتاب الله أو من سنة رسوله ﷺ ، ولا يوجد دليل يطلب لمن كان متطهراً إعادة الطهور.
الدليل الثاني:
(١٤٢٠ - ٥٢) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر
أنه أتى النبي ﷺ وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ : إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (٢).
[حديث حسن] (٣).
فإذا كان التيمم يقوم مقام الوضوء، فإنه يأخذ حكمه، فإذا كان للمتوضئ أن يصلي بوضوئه ما شاء من الفرائض والنوافل، فكذلك الحكم في التيمم، له أن يصلي به ما شاء من الفرائض والنوافل.
دليل من قال: إذا تيمم للنافلة لا يصلي بها الفريضة:
هذه المسألة وأمثالها بنوها على مسألة سابقة، وهي هل التيمم يرفع
стр. 5240
الحدث، أو يعتبر يبيح للمتيمم فعل المأمور؟ فحين ذهبوا إلى الاعتقاد بأن التيمم لا يرفع الحدث، لم يجعلوا حكمه حكم الوضوء، وبنوا على هذه المسألة من الشروط والأحكام ما كنا في غنية عنه لو تبنوا القول الراجح، وهو أن التيمم يرفع الحدث إلى وجود الماء، فمن ذلك اشترطوا في التيمم نية ما يتيمم له من صلاة أو طواف، ونية ما يتيمم عنه من حدث أصغر أو أكبر، فلو تيمم، ونوى نفلاً لم يدخل الفرض؛ لأن الفرض أعلى من النفل، ولو نوى استباحة الصلاة وأطلق، فلم يعين فرضاً ولا نفلاً لم يصل به فرضاً (١)، وبعضهم ذهب إلى أنه لا يصلي فرضين بتيمم واحد كما سيأتي بيانه، وهكذا كل هذه الفروع بنيت على أصل ضعيف، وهو أن التيمم لا يرفع الحدث، وقد بينت فيما سبق من السنة أن التيمم يرفع الحدث إلى حين وجود الماء، وهو يقوم مقام الماء في كل شيء، فأغنى عن إعادته هنا.
دليل من قال: لا يتيمم لنافلة .
قال: إن التيمم لا يرفع الحدث، فلا يتيمم إلا للمكتوبة؛ لأنه محدث أجيزت له الفريضة للضرورة، فلا نتعداها.
وهذا يعكر عليه أن الرسول ﷺ تيمم لرد السلام، والطهارة لرد السلام مستحب، وليس بواجب.
(١٤٢١ - ٥٣) فقد روى البخاري من طريق الأعرج، قال: سمعت عميراً مولى ابن عباس قال: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري،
стр. 5241
فقال أبو الجهيم الأنصاري: أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇. وأخرجه مسلم (١).
فالقول الراجح: هو مذهب الحنفية، وأن التيمم يقوم مقام الماء فيرفع الحدث بشرطه، وهو عدم الماء، أو العجز عن استعماله، والله أعلم.
стр. 5242
المسألة الثالثة: لو تيمم للفريضة، فهل له أن يصلي به نافلة
اختلف أهل العلم فيما لو تيمم للفريضة، فهل له أن يصلي به نافلة،
فقيل: له أن يصلي به نافلة مطلقاً، سواء تقدمت النافلة على الفريضة، أو العكس، وهذا مذهب الحنفية (١)، ومذهب الشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: له أن يصلي به نافلة بشرط ألا تتقدم النافلة على الفريضة، وأن تكون النافلة موصولة بالفريضة، وهذا مذهب المالكية (٤)، وقول في مذهب الشافعية (٥).
وجه قول الجمهور:
أما الحنفية فتعليلهم هو ما سبق أن التيمم يرفع الحدث، فإذا ارتفع الحدث فله أن يصلي ما شاء من الفرائض والنوافل، وهذا هو التعليل الصحيح لهذه المسألة.
وأما تعليل الشافعية، فقالوا: إن كل طهارة جاز له أن يتنفل بها بعد الفريضة، جاز له قبلها كالوضوء " (٦).
стр. 5243
وهذا التعليل جيد، لكن لا يطردونه، فلا يجيزون له فعل الفريضة لو تيمم بنية النافلة، فيقال لهم: لما لا تقولون: كل طهارة جاز أن يصلي بها نافلة، فيجوز أن يصلي بها فريضة كالوضوء، ولا فرق.
وأما تعليل الحنابلة، قالوا: إذا نوى استباحة الأعلى الذي هو الفرض جاز له استباحة الأدنى: الذي هو النفل، فنية الفريضة أعلى من نية النافلة، دون العكس.
فيقال لهم القاعدة المشهورة: الصلاة جنس واحد، ما صح في النفل صح في الفرض، وكذلك العكس، فكل ما يبطل النافلة يبطل الفريضة، وكل شيء يبطل الفريضة يبطل النافلة إلا بدليل صحيح من السنة كاستقبال القبلة ونحوها، فما لم يأت دليل على أن هذا خاص بالنفل دون الفرض فالأصل فيه استواء الحكم، ولذلك لما ذكر الصحابي ﵁ أن الرسول ﷺ كان يسبح على الراحلة قبل أي وجه توجه ويوتر عليها، قال: غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة (١)، فلولا هذا الاستثناء لانسحب الحكم حتى على الفريضة، فنحتاج إلى دليل من السنة على أن من تيمم للنفل لا يصلي به الفرض، ولا يوجد دليل، فلذلك فالقول الراجح أن الحدث إذا ارتفع يصلي به ما شاء من الفرائض والنوافل، سواء نوى ارتفاع الحدث، أو نوى صلاة مطلقة أو نوى نفلاً أو فرضاً.
تعليل المالكية:
التعليل الأول:
قال في مواهب الجليل: " الأصل أن لا يصلي صلاتين بتيمم واحد نافلة ولا فريضة، وأن لا يجوز التيمم للصلاة عند عدم الماء إلا عند القيام إليها،
стр. 5244
فأجيز أن يصلي بتيمم واحد ما اتصل من النوافل، والنافلة إذا اتصلت بالفريضة استحساناً ومراعاة للخلاف لكونها لاتصالها بها كالصلاة الواحدة، فإذا طال ما بينهما سقطت مراعاة للخلاف، ورجعت المسألة إلى حكم الأصل في وجوب إعادة التيمم" (١). اهـ
ويجاب:
الظاهر من هذا التعليل أنهم بنوه على أصل ضعيف، وهو أنه لا يصلي صلاتين بتيمم واحد، وهذا لا دليل عليه، وأنه اغتفر ذلك في النافلة بشرط أن تكون بعد الفريضة، وبشرط أن تكون متصلة بها بدون فاصل، وحملهم على ذلك أن النافلة يتسامح فيها ما لا يتسامح في الفرض، ومراعاة للخلاف، وأنها إذا اتصلت كان حكمها حكم الصلاة الواحدة، وكل ذلك لا دليل عليه من السنة، وإنما هو قائم على نظر غير صحيح، وأن التيمم لا يرفع الحدث، ولو كانت النافلة إذا اتصلت بالفريضة كان حكمهما حكم الصلاة الواحدة، فلماذا لا تقولون هذا في الفريضة، وأنه يجوز أن يصلي فرضين بتيمم واحد بشرط اتصالها حتى يكونا كالصلاة الواحدة، ولو كان الحامل على ذلك مراعاة الخلاف، فإن الخلاف قائم حتى في صلاة فريضتين بتيمم واحد، فلماذا لم تقولوا بجواز ذلك مراعاة للخلاف، مع أن مراعاة الخلاف ليس من أدلة الشرع مطلقاً، لا المتفق عليها، ولا المختلف فيها، ولكن دائماً تجد القول الضعيف لا يَطَّرد، ويحمل تناقضه معه، بخلاف القول الصحيح، والله أعلم.
стр. 5245
التعليل الثاني للمالكية:
ذكر بعضهم تعليلاً آخر، وهو أن مالكاً إنما قال: تصلى النافلة بتيمم الفريضة، ولا تصلى الفريضة بتيمم النافلة، مع أن الكل صلاة؛ لأن الأصول مبنية على أن النوافل تبع للفرائض؛ لأن الفرائض أصول، فلما كان الأصل كذلك جاز أن تصلى النافلة بتيمم الفريضة؛ لأنها تبع لها، ولم يجز أن تصلى الفريضة بتيمم النافلة؛ لأن ذلك خلاف الأصول؛ إذ تصير الفريضة حينئذ تبعاً للنافلة.
ويجاب:
لو كان هذا الأصل صحيحاً لاطرد هذا الأصل في طهارة الماء، وكنا نمنع من صلاة الفريضة بعد النافلة حتى في الوضوء من أجل أن لا تكون الفريضة تبعاً للنافلة، فلما لم يراع مثل هذا في طهارة الماء لم يراع مثل ذلك في طهارة التيمم، والتيمم إنما هو بدل عن الوضوء، والبدل له حكم المبدل.
стр. 5246
المسألة الرابعة: إذا تيمم للفريضة، فهل يصلي به أكثر من فريضة ؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة،
فقيل: إذا تيمم للفريضة فله أن يصلي به ما شاء من الفروض والنوافل، وهذا مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢).
وقيل: لا يصلي به إلا فريضة واحدة، وهذا مذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤)، إلا أن المالكية في أحدى القولين عنهم استثنوا الصلوات الفائتة إذا صلاها متصلة بعضها ببعض (٥).
стр. 5247
دليل من قال: يصلي بتيممه ما شاء من الفرائض والنوافل:
الدليل الأول:
(١٤٢٢ - ٥٤) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر
أنه أتى النبي ﷺ وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ : إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (١).
فقوله: " الصعيد وضوء المسلم " أي يقوم مقام الوضوء، فإذا كان من توضأ له أن يصلي ما شاء من الفرائض والنوافل، فكذلك التيمم، فمن تيمم فقد ارتفع حدثه بالتيمم، فجاز له أن يصلي به ما شاء من الفرائض والنوافل حتى يحدث أو يجد الماء، فما دام أنه لم يأت ما يبطل تيممه، ولم يشرع له تجديد التيمم، فيبقى على طهارته، هذا وجه استدلال الحنفية من الحديث القائلين بأن التيمم يرفع الحدث.
وأما وجه استدلال الحنابلة القائلين بأن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما هو مبيح، يرون أن التيمم إذا استباح به فعل الفريضة استباح به ما كان من جنسها، ولا فرق بين فريضة وأخرى، وأما إذا استباح به نافلة، فلا يستبيح به ما هو أعلى منها كالفريضة، فإذا تيمم للفريضة صلى به ما شاء من الفرائض والنوافل حتى يخرج وقت الصلاة، أو يجد الماء، أو يحدث، فليس الفراغ من الفريضة حدثاً يبطل التيمم حتى نوجب للفريضة الأخرى تيمماً آخر، والله أعلم.
стр. 5248
دليل من قال: لا يصلي به أكثر من فريضة واحدة:
الدليل الأول:
(١٤٢٣ - ٥٥) ما رواه ابن المنذر من طريق الأزهر بن مروان، ثنا عبد الوارث، عن عامر الأحول، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: يتيمم لكل صلاة (١).
[إسناده حسن إن سلم من خطأ عامر الأحول] (٢).
стр. 5249
وعلى فرض صحته، فإنه مخالف لما ثبت عن ابن عباس، فإذا اختلف الصحابة كان الاتباع لأقرب القولين إلى الشرع، وقول ابن عباس موافق للقياس الصحيح.
(١٤٢٤ - ٥٦) فقد روى ابن المنذر من طريق إسرائيل، عن أبي عمر، عن عكرمة،
عن ابن عباس، قال: يجزئ المتيمم أن يصلي الصلوات بتيمم واحد (١).
стр. 5250
الدليل الثاني:
(١٤٢٥ - ٥٧) ما رواه عبد الرزاق، عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مجاهد،
عن ابن عباس، قال: من السنة أن لا يصلي الرجل بالتيمم إلا صلاة واحدة (١).
[إسناده ضعيف جداً] (٢).
الدليل الثالث:
(١٤٢٦ - ٥٨) ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة أن عمرو بن العاص قال: نحدث لكل صلاة تيمماً (٣).
[ضعيف] (٤).
стр. 5251
الدليل الرابع:
(١٤٢٧ - ٥٩) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن حجاج، عن أبي إسحاق، عن الحارث،
عن علي، قال: يتيمم لكل صلاة (١).
[إسناده ضعيف، وفيه أكثر من علة] (٢).
стр. 5252
الدليل الخامس:
الأصل أن الطهارة تجب لكل صلاة، بظاهر قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق .. ﴾ (١)، ولكن السنة خصت من ذلك الطهارة بالماء، حيث صلى النبي ﷺ يوم فتح مكة صلوات بوضوء واحد، فبقي التيمم على أصله، إذ لم يرد فيه من التخصيص ما ورد في الوضوء.
وأجيب:
بأن قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ (٢).
إن كان يدل على استحباب الوضوء لكل صلاة لفعل الرسول ﷺ ، فإنه لا يدل على استحباب التيمم لكل صلاة، فضلاً أن يجب التيمم لكل صلاة، وذلك أن تجديد الوضوء قد وردت به السنة، ولم يرد في التيمم استحباب تجديده لكل صلاة، فكان الأولى أن يقال: إن السنة خصت التيمم، فلا يشرع التيمم لكل صلاة، والقول بأنه لولا ما فعل الرسول ﷺ يوم الفتح لكان الوضوء واجباً لكل صلاة ليس بصواب، لما روى البخاري من حديث أنس، قال: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قلت: كيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث (٣).
فهذا الحديث ظاهره أن الوضوء لكل صلاة من فعل الرسول ﷺ خاصة،
стр. 5253
وأن الصحابة لم يكن يصنعون ما يصنع ﵊، وأن هذا لم يتلق بعد فتح مكة، وإنما كان هذا شأن الصحابة ﵃.
وإن كان في الآية تقدير كما ذكر بعض أهل العلم، وأن معنى الآية، كما قال زيد بن أسلم ﵀: إذا قمتم إلى الصلاة: أي: من النوم .. فعلى هذا التقدير لا يكون فيه مستمسك لمن أوجب التيمم لكل صلاة، والله أعلم.
الراجح من الخلاف:
بعد استعراض الأدلة نجد أن القول بأن المتيمم له أن يصلي ما شاء من الفرائض والنوافل أقوى من حيث الاستدلال، وذلك لأن القول بأنه ليس له أن يصلي إلا فريضة واحدة، وله أن يصلي ما شاء من النوافل خلاف القياس، فإن كان له أن يجمع من النوافل ما شاء، فله أن يصلي من الفرائض ما شاء، إذ ليس بين طهارته للمكتوبة وطهارته للنافلة فرق في شيء من الأحكام، وغير جائز أن نقول: إذا صليت النافلة فأنت متطهر، وإذا صليت المكتوبة فأنت غير متطهر، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإن من تطهر بموجب الكتاب والسنة فهو على طهارته، ولا ينقضها إلا كتاب أو سنة أو إجماع، أو قول صاحب لا مخالف له، ولا يوجد في هذه المسألة شيء من هذه الأمور، والعجب في مذهب المالكية رحمهم الله تعالى كيف يصلي الرجل مجموعة من الفرائض بتيمم واحد إذا كانت مقضية، ولا يصليها إذا كانت أداء، فهل هذا إلا دليل على أن هذا القول بني على الرأي المحض، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً، والله أعلم.
стр. 5254
المسألة الخامسة: لو تيمم للنافلة فهل له أن يصلي به نوافل أخرى
لو تيمم الرجل ينوي بتيممه فعل نافلة من النوافل، فهل له أن يصلي بهذا التيمم نوافل أخرى، اختلف الفقهاء في ذلك،
فقيل: له أن يصلي ما شاء من النوافل، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
وقيل: له أن يصلي نوافل أخرى بشرط أن تكون متصلة، فإن كان بينها فاصل طويل عرفاً أعاد تيممه، وهذا مذهب المالكية (٤).
وهذه المسألة وإن كانت متفرعة عن المسائل السابقة، من كون التيمم يرفع الحدث، أو لا يرفعه، وإنما يبيح فعل الصلاة، ومع ذلك فقد خفف الجمهور في مسألة النوافل، فأجازوا فيها صلاة أكثر من نافلة بتيمم واحد، ولم يجيزوا ذلك في الفرض، وهذا راجع إلى أن النوافل مبنية على التيسير، فهذا الرسول ﷺ كان يصلي حيث توجهت به راحلته.
стр. 5255
المبحث الرابع:
لو تيمم يريد به تعليم الغير
لو تيمم الرجل يريد تعليم الغير، فهل له أن يصلي بهذا التيمم؟ اختلف في ذلك.
فقيل: يصلي به، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة (١).
وقيل: لا يصلي به، وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).