← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

المبحث الثالث: في الماء يباع بأكثر من ثمنه هل يجب شراؤه أو يتيمم ؟ إذا وجد الرجل الماء يباع، فإما أن يباع بأكثر من ثمنه، أو يباع بثمنه بدون زيادة، فإن بيع بثمنه، وهو واجد للثمن، غير محتاج إليه لزمه شراؤه، كما يلزمه شراء الرقبة في الكفارة، وهذا مذهب الأئمة الأربعة (١). وقال النووي: يلزمه شراؤه بلا خلاف (٢). وقيل: ليس عليه شراؤه لا بما قل ولا بما كثر، فإن اشتراه لم يجز الوضوء به، ولا الغسل، وفرضه التيمم، وله أن يشتريه للشرب إن لم يعطه بلا ثمن. وهو اختيار ابن حزم ﵀ (٣). (١٤٠٥ - ٣٨) واستدل ابن حزم ﵀ بما رواه مسلم من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع فضل الماء (٤).

стр. 5182

(١٤٠٦ - ٣٩) وبما رواه ابن ماجه من طريق سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ثلاث لا يمنعن الماء والكلأ والنار (١). [إسناده صحيح] (٢). وإنما جعل الشرع الناس شركاء في الماء، والكلأ والنار؛ لأنها أسباب الحياة: حياة الإنسان، وحياة الحيوان، وما كان سبباً في حياة الناس فلا يجوز احتكاره كالهواء. وهذه المسألة: أعني بيع فضل الماء فيه خلاف بين الفقهاء، ومحل تحرير هذه المسألة في كتاب البيع، ويكفي الإشارة في ذلك إلى الأقوال الفقهية، وسوف تحرر هذه المسألة بإذن الله تعالى في مظانها من كتاب البيوع، بلغنا الله ذلك سريعاً بمنه وكرمه، إنه ولي ذلك، والقادر عليه، فأقول: قال القرطبي في المفهم: " المسلمون مجمعون على أن الإنسان إذا أخذ الماء من النيل مثلاً فقد ملكه، وأن له بيعه، وأما ماء الأنهار والعيون وآبار الفيافي التي ليست بمملوكة فالاتفاق حاصل على أن ذلك لا يجوز منعه، ولا

стр. 5183

بيعه، ولا يشك في تناول أحاديث النهي لذلك، وأما فضل ماء في ملك فهذا هو محل الخلاف، فهل يجبر على بذل فضله، أو لا يجبر، وإذا أجبر فهل هو بالقيمة أم لا؟ وسبب الخلاف معارضة النهي عن بيع فضل الماء لأصل الملكية، وقياس الماء على الطعام إذا احتيج إليه ". فالماء إذا كان نابعاً في أرض مباحة فهو مشترك بين الناس، وإن كان نابعاً في ملك رجل، فهل يجوز بيعه، أو لايجوز، فيه خلاف، والخلاف مبني على مسألة أخرى: هل يملك أو لا يملك؟ ومذهب الجمهور على أن الإنسان إذا حاز الماء من البئر واستخرجه منه فقد ملكه، وجاز له بيعه، (١٤٠٧ - ٤٠) واستدلوا بما رواه البخاري في صحيحه، من حديث الزبير ابن العوام، عن النبي ﷺ قال: لأن يأخذ أحدكم أحبلاً، فيأخذ حزمة من حطب، فيبيع، فيكف الله بها وجهه خير من أن يسأل الناس، أعطي أم منع (١). فإذا أذن الشرع في بيع الحطب، مع أن الشرع جعل الناس شركاء في الكلأ، فيحمل ذلك على أن الأمر قبل احتطابه، فكذلك الماء، إذا استخرجه من البئر في الأرض المباحة جاز له بيعه، وإن كانت البئر في أرضه فهو أحق بالماء إذا كان محتاجاً إليه، وإن كان غير محتاج إليه وجب بذله، ولا يجوز بيعه، ما دام الماء نقعاً في البئر، والله أعلم (٢).

стр. 5184

هذا فيما يتعلق بالخلاف في جواز شراء الماء للوضوء، وأن الراجح مذهب الجمهور، وهو جواز شراء الماء للوضوء، وصحة بيع الماء إذا حازه الإنسان من الآبار ونحوها. وحتى لو صححنا مذهب ابن حزم ﵀ في عدم جواز بيع الماء للتيمم، فإن الإنسان إذا منع حقه، فاشتراه فإن له أن يتوضأ به، والإثم على من منع بذله إلا بالمال، مثله مثل ما إذا احتاج إلى كلب صيد، ولم يبذل له إلا بالمال فإن له أن يشتريه، والإثم على من منعه بذل هذا الكلب إلا بالبيع.

стр. 5185

هذا فيما يتعلق بالخلاف فيما إذا وجد الماء يباع من غير زيادة في ثمنه. وإن وجد الرجل الماء يباع بأكثر من ثمنه، فهل يجب عليه شراؤه، أو يتيمم؟ اختلف أهل العلم في هذا. فقيل: يلزمه الشراء، ولو كان بجميع ماله، ذهب إلى هذا الحسن البصري رحمه الله تعالى (١). وقيل: إذا زاد ثمن الماء عن قيمته، فإن كان الغبن يسيراً، وجب عليه شراؤه، وإن كان فاحشاً فله أن يتيمم، وهذا هو مذهب الحنفية (٢)، والحنابلة (٣). ونظر المالكية إلى اعتبار المشتري، فقالوا: إن كان قليل الدراهم تيمم، أي حتى ولو عرض الماء بثمن المثل، وإن كان يقدر على الشراء فليشتره ما لم يرفعوا عليه في الثمن (٤).

стр. 5186

وقيل: لا يلزمه الشراء إذا زاد عن ثمن المثل، ولو كان يسيراً، وهذا مذهب الشافعية (١)، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٢). وقيل: إن كان ذا مال كثير، ولا تجحف به الزيادة لزمه الشراء، ولو كانت الزيادة كثيرة، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣). دليل الحسن على وجوب شراء الماء ولو بماله كله . هذا القول انفرد به الحسن عن بقية العلماء، ولعل دليله، أن الله شرط للتيمم عدم وجود الماء بقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء

стр. 5187

فتيمموا﴾ (١)، وهذا واجد للماء، ثم إن المال إذا ذهب لتحصيل شرط الصلاة لم يكن مبذراً ولا مسرفاً؛ وذلك لأنه صرفه في أعظم الأعمال بعد الشهادتين، وهو الصلاة. دليل الجمهور على أن الزيادة إذا كانت فاحشة تيمم: الدليل الأول: دلت النصوص القطعية على حرمة مال المسلم، وأن حرمة ماله كحرمة نفسه، والضرر في النفس مسقط، فكذلك الضرر في المال (٢). الدليل الثاني: أن التفريق بين الغبن اليسير والغبن الفاحش مقرر في الشرع، وأن الناس قد يقع بينهم مثل ذلك في معاملاتهم، ولا يعدون ذلك موجباً لفسخ البيع، فالمصير إليه متعين في وجوب شراء الماء. والعجب أن الشافعية يوجبون التيمم، ولو كان ذلك يلحق بالبدن ضرراً كبيراً من زيادة في المرض أو تأخير في البرء، ولا يجيزون التيمم إلا مع خوف تلف النفس أو العضو، مع أن زيادة المرض نوع من الضرر يلحق بالبدن، ويجيزون التيمم إذا لحق المال ضرر يسير، مع أن الأولى مراعاة البدن على مراعاة المال. دليل المالكية على اعتبار الثلث . المالكية يجعلون الزيادة على الثلث في كثير من الأمور فرقاً بين القليل

стр. 5188

والكثير، ويستدلون بحديث سعد بن أبي وقاص ﵁، (١٤٠٨ - ٤١) فقد روى البخاري من طريق عامر بن سعد، عن سعد، قال: كان النبي ﷺ يعودني، وأنا مريض بمكة، فقلت: لي مال، أوصي بمالي كله؟ قال: لا. قلت: فالشطر؟ قال: لا. قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ... الحديث، والحديث رواه مسلم (١). ومع أن هناك فرقاً كبيراً بين أن يستثني الإنسان من ماله مقدار الثلث، وبين أن يأخذ الأجنبي من ماله الثلث فأكثر، كما أن هذا قيل في باب الوصية، فسحب هذا الحكم على كل شيء في أبواب الفقه، في العبادات والمعاوضات، فيجعل ما زاد على الثلث كثير في كل شيء فيه تكلف، وفيه قياس أمور على أخرى دون أن يكون هناك علة جامعة. دليل من قال: يلزمه الشراء إذا كان ذا مال ولا تجحف به الزيادة: أن الله شرع التيمم بشرط المرض، أو عدم الماء، فقال تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (٢)، فكان المعتبر إما عدم الماء، أو دفع الضرر كما لو كان مريضاً، وإذا كان المعتبر مع وجود الماء هو دفع الضرر، فإن صاحب المال الكثير لن يضره بذل الماء، ولو زاد على ثمنه كثيراً، وبالتالي لا يشرع له التيمم، ما دام أن الضرر أو عدم الماء غير موجود، والله أعلم.

стр. 5189

الراجح من الخلاف: بعد استعراض الأقوال، وحجة كل قول نجد أن أضعف الأقوال هو قول الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى، وهو وجوب بذل المال كله في شراء الماء، حتى ولو كان ذلك يلحق الضرر به. كما أن مذهب الشافعية الذي يعتبرون أدنى زيادة في قيمة الماء تجيز للإنسان أن يتيمم، ولو كان ذا مال كثير، هو قول ضعيف أيضاً. بقي قول الجمهور بأن الغبن إذا كان فاحشاً فإن له أن يتيمم، وقول من قال: يشتريه ولو كان الغبن فاحشاً إذا كان ذا مال، وكانت الزيادة لا تضره، فهذا القولان لهما حظ من النظر، وأجد نفسي تميل إلى اعتبار الضرر بقيمة الماء، فإن كانت قيمة المال تضره لم يجب عليه الشراء، ولو كان الماء بثمن المثل، وإن كانت لا تضره فإنه يجب عليه الشراء، والله أعلم.

стр. 5190

المبحث الرابع: إذا وهب للرجل الماء فهل يجب قبوله ؟ إذا وهب للرجل ماء ليتوضأ به، فهل يلزمه قبوله؟. قيل: يلزمه، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والصحيح المنصوص في مذهب الشافعية (٣)، وأصح الوجهين في مذهب الحنابلة (٤)، وهو اختيار ابن حزم (٥). وقيل: لا يلزمه، اختاره بعض المالكية (٦)، حكاه بعضهم وجهاً في مذهب الشافعية (٧). ومن أجاز رأى أن بذل الماء بين الناس ليس فيه منة، فأوجب قبول الهبة.

стр. 5191

ومن منع رأى أن ذلك لا يسلم من منة، والمنة نوع من الحرج والأذى، وقد قال : ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (١). والحقيقة أن المنة لها تعلق بالآخذ وبالدافع، فإن كان يعرف من حال الدافع أنه يتبع هبته المن والأذى، لم يلزمه قبوله، فإن بعض الناس قد يمن بالشيء الحقير، وبعض الناس قد يرى أن أخذك لهديته نوع من الإحسان عليه، كما قال الشاعر: يا ذا الذي يعطي الكثير وعنده ... أني عليه بأخذه أتصدق كما أن بعض الناس لم يتعود أن يسأل الناس شيئاً، حتى ولو لم يكن في ذلك منة من الدافع، فقد تعود أن تكون يده دائماً عليا، واليد العليا خير من اليد السفلى. وقد كان الرسول ﷺ يبايع الناس على ألا يسألوا الناس شيئاً، كما في صحيح مسلم، قال الراوي: فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم، فما يسأل أحداً يناوله إياه (٢). ثم هناك فرق بين أن يعطى الماء دون مسألة، وبين أن يسأل الناس الماء، ففي الأول أقل مِنَّة من الثاني. وإذا غلب على ظنه أن يمنعه، أو يمن عليه ينبغي أن يقال: لا يجب عليه السؤال حتى على مذهب الجمهور القائلين بأنه إذا وهب له وجب عليه قبوله. جاء في النوادر والزيادات: " وإنما على المسافر أن يطلب الماء ممن يليه، أو ممن يرجو أن يعطيه، وليس عليه أن يطلب أربعين رجلاً " (٣).

стр. 5192

فقوله: " ممن يرجو أن يعطيه " دليل على أنه إذا غلب على ظنه أن لا يبذل له الماء لم يجب عليه السؤال. وقال الغزالي في الوسيط: " وهل يجب عليه الابتداء بسؤال هذه الأمور؟ فيه وجهان: لأن السؤال أصعب على ذوي المرواءت، وإن هان قدر المسؤول" (١). وأما إذا وهب له ثمنه، فقد قال النووي: لم يلزمه قبوله بالاتفاق، ونقل إمام الحرمين الإجماع فيه (٢). وينبغي أن يقيد ذلك بأن لا يكون الواهب ابناً أو أباً؛ وذلك لأنه لا منة من الأب على ابنه، فإن الأب هو سبب وجود الابن، فالمنة له قائمة على ولده، أخذ منه ثمن الماء أو لم يأخذ، كما أن الولد لا يمن على أبيه إذا أعطاه ثمن الماء، وذلك لأن الأب إذا احتاج إلى مال ولده فله أن يأخذ قدر كفايته منه، والله أعلم.

стр. 5193

الفصل الثالث: في التيمم خوفاً من فوات العبادة ذكرنا فيما سبق سببين من أسباب التيمم، وهو فقد الماء، والثاني: التعذر عن استعماله، وسوف نتناول في هذا الفصل بحثاً آخر، وهو في الرجل بين يديه الماء، إن توضأ به فاتته العبادة، أو فاته وقت أدائها، فهل يتيمم ليدرك العبادة، أو يتوضأ، والمسائل التي يتكلم عليها الفقهاء في مثل هذه المسألة ثلاث: الأولى: إذا خشي خروج وقت الفريضة. الثانية: إذا خاف فوت صلاة العيد أو صلاة الجنازة. الثالثة: إذا خاف فوت الجمعة.

стр. 5194

المبحث الأول: إذ خاف خروج وقت الفريضة إذا خشي خروج الوقت لو توضأ، فهل يتيمم ليدرك الوقت، أو يتوضأ ولو صلى خارج الوقت، في هذه المسألة وقع نزاع بين أهل العلم، فقيل: يتيمم، ويصلي بالوقت، وهو المشهور من مذهب مالك (١).

стр. 5195

وقيل: بالتفريق بين النائم والناسي وبين غيرهما، فإن كان نائماً، فاستيقظ من نومه، أو ناسياً فتذكر في آخر الوقت، فرأى إن اشتغل بتحصيل الطهارة بالماء خرج الوقت، وإن تيمم أدرك الوقت، أنه يتوضأ، وإن خرج الوقت، وإن لم يكن نائماً ولا ناسياً، فإنه يتيمم لإدراك الوقت، وهذا اختيار ابن تيمية رحمه الله تعالى (١).

стр. 5196

وقيل: يتوضأ، ولو صلى خارج الوقت، اختاره المغاربة من المالكية (١)، وهذا مذهب الحنفية (٢)، والحنابلة (٣). دليل من قال: يتيمم ويصلي . الدليل الأول: قالوا: إن التيمم إنما شرع للحاجة إلى أداء الصلاة في الوقت، ولولا مراعاة الشارع لهذه المصلحة لقيل: ينتظر إلى حين وجود الماء، فيصليها بالماء، فمشروعية التيمم دليل على اهتمام الشارع بالوقت، وأن المحافظة على الوقت بالتيمم، أولى من المحافظة على الطهارة المائية خارج الوقت. والدليل على عناية الشارع بالوقت أنه لم يجعل قتال العدو مبيحاً لتأخير

стр. 5197

الصلاة عن وقتها، قال تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً﴾ (١). فرخص الله لعبيده في الصلاة حال الخوف رجالاً على الأقدام، أو ركباناً على الخيل والإبل ونحوهما، إيماء وإشارة بالرأس حيثما توجه، وجوز ترك بعض الشروط كاستقبال القبلة، بل ومن الاكتفاء بالإيماء عن الركوع والسجود كل ذلك من أجل المحافظة على الوقت، مع أنه يمكنه أن يصلي خارج الوقت مع قيامه بشروط العبادة وأركانها، فالوقت أولى بالمراعاة من الطهارة المائية، والله أعلم. الدليل الثاني: القياس على المسافر، وذلك أن المسافر إذا علم أنه لا يجد الماء إلا بعد خروج الوقت كان فرضاً عليه أن يصلي بالتيمم باتفاق الأئمة، وليس له أن يؤخر الصلاة عن وقتها حتى يصل إلى الماء، بل إذا فعل ذلك كان عاصياً بالاتفاق (٢)، فكذلك الحال هنا، يجب عليه أن يؤدي الصلاة بالتيمم، ولا يخرج العبادة عن وقتها طلباً للطهارة المائية. الدليل الثالث: (١٤٠٩ - ٤٢) ما رواه البخاري، قال: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، قال: سمعت عميراً مولى ابن عباس قال: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري،

стр. 5198

فقال أبو الجهيم الأنصاري: أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇. وأخرجه مسلم (١). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ لما خشي فوات الرد على الرجل إن هو توضأ لرد السلام، تيمم في الحضر مع وجود الماء من أجل إدراك الرد على الرجل على طهارة، فكذلك إذا خشي فوات وقت الفريضة تيمم لإدراك الوقت، وإن كان الماء موجوداً. دليل من قال: يتوضأ، ولا يتيمم . (١٤١٠ - ٤٢) ما رواه أبو ذر، قال النبي ﷺ له: إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك لهو خير (٢). [حديث حسن] (٣). فقوله: " فإذا وجد الماء فليمسه بشرته " مطلق، سواء خاف خروج الوقت أو لا، فالله إنما أجاز التيمم بشرطين: فقد الماء، أو العجز عن استعماله لمرض ونحوه، أما مع وجود الماء، والقدرة على استعماله فإنه يجب عليه استعماله، ولو خرج الوقت؛ وخروج الوقت معذور فيه؛ لأنه مشتغل بتحصيل شرط العبادة.

стр. 5199

ويجاب: بأن من المسافر إذا علم أنه يدرك الماء بعد خروج الوقت لم يجز له تأخير الصلاة، ووجب عليه التيمم، ولم يكن اشتغاله بتحصيل شرط العبادة عذراً له في ترك التيمم، بل وجب عليه التيمم، فتبين أن هذا التعليل ليس بجيد. دليل ابن تيمية على التفريق بين النائم والناسي وبين غيرهما: قال: إن الوقت في حق النائم من حين الاستيقاظ، فلا تفوته الصلاة، (١٤١١ - ٤٣) وقد قال ﷺ : " أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجئ وقت الصلاة الأخرى. الحديث قطعة من حديث طويل أخرجه مسلم من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة (١). فإذا كان النوم ليس فيه تفريط، وقد أمر النائم بإيقاع الصلاة إذا قام من النوم، فهذا هو وقتها بالنسبة إليه، لا فرق بين كون الصلاة في الوقت أو خارج الوقت. الراجح: بعد استعراض الأقوال، نجد أن مذهب الحنابلة والشافعية أضعف الأقوال القائلين بتقديم الطهارة على تحصيل الوقت، ويبقى الترجيح بين قول المالكية وبين اختيار ابن تيمية، وذلك في التفريق بين النائم وغيره، وهو محل اجتهاد لم يتبين لي الراجح فيه، وإن كنت أميل ميلاً طفيفاً إلى رأي المالكية، والله أعلم.

стр. 5200

المبحث الثاني: إذا خاف فوت صلاة الجنازة والعيد، فهل يتيمم ؟ اختلف أهل العلم في الرجل يخشى فوات صلاة الجنازة وصلاة العيد، هل يتيمم؟. فقيل: يتيمم ويصلي، وهذا مذهب الحنفية (١)، ورواية عن أحمد (٢)، اختارها ابن تيمية (٣). وقيل: لا يتيمم في الحضر لصلاة جنازة إلا إن تعينت عليه، ويتيمم لها المسافر والمريض مطلقاً تعينت عليه أم لا، وهذا مذهب المالكية (٤).

стр. 5201

وقيل: لا يتيمم مطلقاً للجنازة والعيد، وهذا مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢).

стр. 5202

وقيل: يصلي عليها من غير وضوء ولا تيمم، وهو قول الشعبي (١)، ومحمد بن جرير الطبري (٢). دليل من قال: يتيمم لفوت الجنازة . الدليل الأول: (١٤١٢ - ٤٤) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عمر بن أيوب الموصلي، عن مغيرة بن زياد، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: إذا خفت أن تفوتك الجنازة، وأنت على غير وضوء، فتيمم، وصل (٣). [المحفوظ وقفه على عطاء، وأنكر أحمد وابن معين والبيهقي إسناده إلى ابن عباس ﵁] (٤).

стр. 5203

الدليل الثاني: (١٤١٣ - ٤٥) ما رواه ابن عدي من طريق يمان بن سعيد، حدثنا وكيع ابن الجراح، ثنا معافي بن عمران، عن مغيرة بن زياد، عن عطاء،

стр. 5204

عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: إذا فاجأتك جنازة، وأنت على غير وضوء، فتيمم (١). [وهذا أشد نكارة من الذي قبله] (٢). الدليل الثالث: (١٤١٤ - ٤٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، قال: سمعت عميراً مولى ابن

стр. 5205

عباس قال: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو الجهيم الأنصاري: أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇. وأخرجه مسلم (١). وجه الاستدلال: أنه لما تيمم بالمدينة مع جود الماء خوفاً من فوت السلام، كان تيممه خوفاً من فوات الجنازة وصلاة العيد من باب أولى، فكل ما يفوت لا إلى بدل يجوز أداؤه بالتيمم، بخلاف الجمعة فإنها تفوت إلى بدل، وهو الظهر، وبخلاف الصلوات الخمس، فإنها تفوت إلى بدل، وهو القضاء. ولأنه جعل التيمم في تلك الحالة طهوراً، لأنه حين تيمم تحقق له أنه ذكر الله على طهارة، فاقتضى أن يكون فعل الصلاة به جائزاً، ولأنها صلاة لا يقدر على فلعها إلا بالتيمم، فاقتضى أن يجزئه كالمريض والمسافر. ويجاب: قالوا: إن الطهارة ليست بشرط في رد السلام، فالتيمم لذلك أهون مما هو شرط فيها كالصلاة على الجنازة والعيد. وأما الصلاة على الجنازة فإنها لا تفوت، لأنه يمكنه الصلاة على القبر، قال النووي: " الجنازة لا تفوت، بل يصليها على القبر إلى ثلاثة أيام بالإجماع، ويجوز بعدها عندنا" (٢).

стр. 5206

ويرد على الجواب: بأن رد السلام ليس من شرطه الطهارة، هذا لا خلاف فيه، وإذا تحقق أن المتيمم لرد السلام قد ارتفع حدثه وأصبح طاهراً، فقد أذن لمن تطهر أن يصلي على الجنازة وأن يصلي صلاة العيد، لأن الحدث قد ارتفع. وأما قولهم بأن الجنازة لا تفوت بإمكان الصلاة على القبر، قلنا: المقصود بقولنا تفوت ما قاله المرداوي، في كتابه الإنصاف، قال: " مراد المصنف (ابن قدامة) وغيره بفوات الجنازة: فواتها مع الإمام، قاله القاضي وغيره. قال جماعة: ولو أمكنه أن يصلي على قبره لكثرة وقوعه، وعظم المشقة فيه ". قلت: والذي أذن بأن تقضى السنة الراتبة للفجر بعد الصلاة إذا فاتته مع أنه وقت نهي، مع إمكان أن يصليها ضحى في غير وقت النهي، لكن باعتبار أن ذلك قد يشق عليه، أذن له أن ينتهك وقت النهي، فهذا مثله، وقد يشق عليه اتباع الجنازة للمقبرة والصلاة على القبر، وإذا فرغ الإمام من الصلاة رفعت الجنازة. الدليل الرابع: (١٤١٥ - ٤٧) ما رواه ابن المنذر من طريق محمد بن عمرو، ثنا ابن نمير، عن إسماعيل بن مسلم، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أنه أتي بجنازة، وهو على غير وضوء، فتيمم وصلى عليها (١). [وقفه على ابن عمر وهم، والصواب كون الأثر موقوفاً على عامر الشعبي] (٢).

стр. 5207

دليل من قال: لا يتيمم . الدليل الأول: قال تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (١)، وهذا واجد للماء مع القدرة على استعماله من غير خوف، ولا ضرر، فلا يعذر بالتيمم. الدليل الثاني: (١٤١٦ - ٤٨) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر أنه أتى النبي ﷺ وقد أجنب، فدعا النبي ﷺ بماء، فاستتر واغتسل، ثم قال له النبي ﷺ : إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر

стр. 5208

سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك هو خير (١). وجه الاستدلال: قوله: " فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته " فأوجب مس الماء للبشرة إذا وجد الماء، وهذا واجد للماء، فكيف يتيمم مع وجوده. والجواب عن هذا الدليل والذي قبله: ما ذكرنا من مشروعية التيمم إذا خاف خروج الوقت مع وجود الماء، فالتيمم إنما شرع من أجل المحافظة على الوقت، فإنه يمكن لمن عدم الماء في السفر أن يؤخر الصلاة عن وقتها، ويصليها إذا وجد الماء، فإذا كان لا يجوز له ذلك، وإن كان يعلم أنه يجد الماء بعد خروج الوقت، فكذلك يشرع له التيمم إذا خاف فوت العبادة، لأن فوت العبادة أبلغ من فوت وقتها، والله أعلم. الدليل الثالث: (١٤١٧ - ٤٩) ما رواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: لا يصلي الرجل على الجنازة إلا وهو طاهر (٢). إسناده صحيح. ويجاب عن هذا: بأن هذا الأثر رد على الشعبي والطبري ممن يجيز الصلاة على الجنازة بغير طهارة، وأما من اشترط لها التيمم، فقد صلاها بطهارة، لأن التيمم على

стр. 5209

الصحيح مطهر، كما مر معنا في الأحاديث الصحيحة: " وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً " وحديث " الصعيد الطيب طهور المسلم ". دليل من قال: يصلى على الجنازة بالتيمم بشرط إن تعينت عليه: تعليلهم في ذلك، بأن صلاة الجنازة إذا تعينت أصبحت فرض عين عليه، فصار معذوراً في التيمم لها، وأما إذا لم تتعين، بأن وجد من يصلي عليها من المتوضئين فإنها لا تجب عليه، لأنها لما كانت على الكفاية جرت مجرى السنن في حقه. وهذا التعليل عليل، فالرسول ﷺ تيمم لرد السلام، والطهارة ليست شرطاً، بل ولا واجباً في رد السلام، وإنما رد السلام من ذكر الله، والطهارة للذكر سنة بالاتفاق، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الخطاب في فرض الكفاية موجه إلى جميع الناس إلى أن تفعله طائفة منهم، وأن فعل الجميع يقع فرضاً، وليس من قبيل السنن. دليل الشعبي والطبري على جواز صلاة الجنازة بدون طهارة: حجتهم في ذلك بأن الصلاة على الميت دعاء له بالمغفرة والرحمة، وهذا الفعل لا تشترط له الطهارة. والصحيح أن الدعاء للميت صلاة، وليست مجرد دعاء له. قال ابن عبد البر: " وقد أجمعوا أنه لا يصلى عليها إلا إلى القبلة، ولو كانت دعاء كما زعم الشعبي لجازت إلى غير القبلة، ولما أجمعوا على التكبير فيها، واستقبال القبلة علم أنها صلاة، ولا صلاة إلا بوضوء" (١).

стр. 5210

قلت: ولو قال: ولا صلاة إلا بطهور لكان أعم، لأن الصلاة بالتيمم تجوز، وهي بلا وضوء. الراجح من أقوال أهل العلم. بعد استعراض أدلة الأقوال، نجد أن القول بجواز التيمم لمن خاف فوات الصلاة على الجنازة أو العيد، ويشق عليه أن يصلى على الجنازة بالمقبرة أو على القبر فإن ذلك سائغ إن شاء الله تعالى، والأصل في مشروعيته تيمم الرسول ﷺ لرد السلام، والله أعلم.

стр. 5211

المبحث الثالث: التيمم لخوف فوات الجمعة اختلف العلماء فيما إذا خاف الرجل أن تفوته صلاة الجمعة، فهل يتيمم لها، أو يتوضأ ولو فاتته، بناء على أن الجمعة لها بدل، وهو صلاة الظهر، وصلاة الظهر يمكنه أن يصليها في وقتها؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم، فقيل: لا يتيمم لها، وهو مذهب الحنفية (١)، والمشهور من مذهب المالكية (٢)، ومذهب الشافعية (٣)، ومذهب الحنابلة (٤). وقيل: بل يتيمم لها، وهو قول في مذهب المالكية خلاف المشهور عند المتأخرين (٥)، واختاره ابن تيمية (٦). وقيل: يتيمم، ويصلي الجمعة، ثم يتوضأ، ويعيدها ظهراً، وهو قول في مذهب المالكية (٧).

стр. 5212

والأدلة في هذه المسألة هي الأدلة في المسألة السابقة، وهي إذا خشي فوات العيد، هل يتيمم، حتى يدرك الصلاة أو لا يتيمم في الحضر مع وجود الماء، إلا أن صلاة الجمعة قد رأى بعضهم إن هناك إجماعاً على عدم صلاتها بالتيمم؛ والإجماع لعله غير محفوظ. قال ابن المنذر: "قال أبو ثور: لا أعلم خلافاً أن رجلاً لو أحدث يوم الجمعة، وخاف فواتها أن ليس له أن يتيمم، ويصلي، فإذا كان هذا من القوم إجماعاً لوجود الماء، كان كل محدث في موضع يجد فيه الماء مثله " (١). والخلاف محفوظ عند المالكية كما تبين لك من خلال عرض الأقوال في المسألة، كما أنه رأي ابن تيمية.

стр. 5213

الباب الثالث: في شروط التيمم الشرط الأول: النية الكلام في النية طويل ومتشعب، وكنت قد تطرقت إلى كثير من أحكامها في كتاب الوضوء، عند الكلام على شروط الوضوء، وسوف أتطرق إلى مباحث النية الخاصة بالتيمم، والتي لم نتطرق لها في أحكام الوضوء، وسوف أقسم الكلام على أحكام النية إلى ثلاثة فصول إن شاء الله تعالى، وأقسم هذه الفصول إلى مباحث، والمباحث إلى فروع، والفروع إلى مسائل، حتى آتي إن شاء الله تعالى على أكثر أحكامها، يسر الله ذلك بمنه وكرمه.

стр. 5214

الفصل الأول: في اشتراط النية لطهارة التيمم اختلف العلماء في اشتراط النية في الطهارة عموماً، وقد سبق لنا أن ذكرنا خلاف العلماء في كتاب الوضوء، فقيل: النية شرط في طهارة الأحداث كلها، الأصغر والأكبر، لا فرق بين طهارة الماء، وبين طهارة التيمم، وهو مذهب الجمهور (١). وقيل: عكسه، أن النية ليست بشرط مطلقاً، وهذا القول منسوب لزفر من الحنفية (٢)، وللأوزاعي رحمه الله تعالى (٣)، وللحسن بن صالح (٤). وقيل: كل طهارة بالماء تجوز بغير نية، ولا يجزئ التيمم إلا بنية، وهو

стр. 5215

مذهب الحنفية (١)، وبه قال سفيان الثوري (٢). دليل الجمهور على اشتراط النية في الطهارتين الماء والتيمم: سبق لنا أن ذكرنا أدلتهم في كتاب الحيض والنفاس، فأغنى عن إعادته هنا. دليل الحنفية على التفريق بين طهارة الماء وطهارة التراب. أما دليل الحنفية على عدم اشتراط النية في طهارة الماء، فقد ذكرته، وأجبت عنه، في كتابي أحكام المسح على الحائل (٣). وأما وجه التفريق بين طهارة الماء وطهارة التراب: ذكروا وجوهاً منها: الأول: أن التيمم في اللغة: القصد، وذلك يدل على اشتراط النية فيه، بخلاف الوضوء والغسل، فإن النية قدر زائد على مرور الماء على الأعضاء المغسولة، فإذا جرى الماء على أعضاء الوضوء، أو عم الماء جميع البدن فيصدق عليه أنه امتثل الأمر الشرعي بقوله: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ (٤).

стр. 5216

وقوله: ﴿ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ (١). فهذا الأمر تحصيله لا يتوقف على النية. الثاني: الماء مطهر بنفسه، فلم يفتقر إلى قصد فإذا وجدت النظافة به على أي وجه كان فقد حصل المقصود، بخلاف التراب فإنه ملوث، وإنما جعل طهارة عند الحاجة، والحاجة إنما تعرف بالنية. ويجاب عن هذا بجوابين: الأول: أن يقال: وكذلك التراب ملوث بنفسه، فلم يفتقر إلى قصد فإذا وجد التلوث به على أي وجه كان فقد حصل المقصود. الوجه الثاني: لا نسلم أن التراب غير مطهر، فإنه قد ثبت أنه مطهر للحدث والخبث معاً، فالدليل على أنه مطهر من الأحداث قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم﴾ (٢). فنص على أن الغاية من مشروعية التيمم إرادة التطهير مع نفي الحرج عن هذه الأمة. ومن السنة، قال رسول الله ﷺ كما في حديث جابر " وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ... "الحديثَ، والحديث رواه مسلم، واللفظ للبخاري (٣).

стр. 5217

وفي حديث أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير (١). [حديث حسن وسبق تخريجه] (٢). فحكم الرسول ﷺ على أن الصعيد طهور المسلم. فهذا دليل على أن التراب مطهر للحدث، وأما طهارة الخبث بالتراب فذلك مثل الاستجمار، ومثل طهارة النعل بالتراب، وطهارة ذيل المرأة بمروره على تراب طاهر، فالقول بأن التراب غير مطهر مخالف لنصوص الكتاب والسنة، والتفريق بين الوضوء والتيمم، فلا تجب النية في طهارة الوضوء، وتجب النية في طهارة التيمم تفريق بين ما جمع الله ، فقد جمع بينهما في آية المائدة، ذاكراً الوضوء بقوله ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ إشارة إلى النية، وقال في التيمم ﴿فتيمموا﴾ إشارة إلى قصد الصعيد، فمن فرق بينهما فقد فرق بين ما جمع الله، وقوله في غاية الضعف. دليل من قال: التيمم يصح بدون نية: قالوا: إن التيمم بدل عن طهارة الماء، وإذا كانت طهارة الماء وهي الأصل تصح بلا نية، فكذلك طهارة البدل؛ لأن البدل يأخذ حكم المبدل.

стр. 5218

ويجاب: لا نسلم أن طهارة الماء تصح بلا نية، وما بني على قول ضعيف كان ضعيفاً، فالصحيح من أقوال أهل العلم أن الطهارة من الأحداث كلها تفتقر إلى نية، وقد قدمنا مجموعة من الأدلة على اشتراط النية في بحث سابق، فأغنى عن إعادته هنا (١)، والله أعلم. الراجح من الخلاف . بعد استعراض أدلة الفريقين نجد أن القول بأن النية شرط في طهارة الحدث مطلقاً، سواء كانت الطهارة بالماء، أو بالتراب هو القول الراجح، لقوة أدلته، وضعف أدلة الأقوال الأخرى، والله أعلم.

стр. 5219

الفصل الثاني: لو سفت الريح التراب على وجهه ونوى به التيمم . اختلف أهل العلم فيما لو ألقت عليه الريح تراباً عمَّ وجهه ويديه، هل يصح تيممه؟. قال النووي: فإن لم يقصدها لم يجزه بلا خلاف (١). قلت: ينبغي أن يكون فيه خلاف، فإن من لم يشترط النية ربما صحح تيممه، كما أن من لم يشترط النية في غسل الجنابة، لو انغمس في نهر ارتفع حدثه، إلا أنني لم أقف على من صرح بصحة تيممه في مسألتنا هذه، فليتأمل. وأما إذا نوى به التيمم وصمد للريح، فقيل: لا يصح تيممه، وهو مذهب المالكية (٢)، والمنصوص في مذهب الشافعية، وعليه أكثرهم (٣)، ورجحه كثير من الحنابلة (٤).

стр. 5220

وقيل: يصح تيممه، اختاره بعض الشافعية (١)، وبعض الحنابلة (٢). وقيل: إن مسح أجزأ، وإلا فلا، اختاره ابن الصباغ من الشافعية (٣)، والمتأخرون من الحنابلة، قال صاحب الإنصاف: وهذا الصحيح قياساً على مسح الرأس (٤). تعليل من قال: لا يصح تيممه: قالوا: إن النقل شرط، ولم يوجد. ويجاب: أين الدليل على أن النقل شرط، فالقصد للشي: وهو النية كافية في المطلوب، وقصده لا يستلزم قصد النقل، وكما أن النقل ليس شرطاً في طهارة الماء، وهي أصل، كذلك لا تكون شرطاً في طهارة البدل، فلو نزل المطر على بدن الجنب ونوى به الغسل، حتى عمم به جميع بدنه ارتفع حدثه، فكذلك هنا.
следующие страницы →