← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

محمد بن مسلمة: يريد أن يكون طاهراً، ولم يرد كرم الأرض ولا لؤمها (١). فالطيب: ضده الخبيث، ولا نعرف خبيثاً يمكن أن يوصف به الصعيد إلا أن يكون نجساً. والقول الثاني: الصعيد هو وجه الأرض. قال في المصباح المنير: الصعيد وجه الأرض تراباً كان أو غيره، قال الزجاج: ولا أعلم اختلافاً بين أهل اللغة في ذلك (٢). وقال الباجي: " الصعيد وجه الأرض تراباً كان أو رملاً أو حجراً، قاله ابن الأعرابي وأبو إسحاق، والزجاج، قال أبو إسحاق: لا أعلم فيه خلافاً بين أهل اللغة " (٣). فهذان إمامان من أهل اللغة يحكيان الإجماع على أن الصعيد هو وجه الأرض، وينفيان وقوع اختلاف بين أهل اللغة في ذلك. قلت: ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فتصبح صعيداً زلقاً﴾ (٤). وقال : ﴿صعيداً جرزاً﴾ (٥). والجرز: هي الأرض التي لا نبات عليها ولا زرع ولا غرس (٦).

стр. 5287

وقال ابن كثير: صعيداً جرزاً: أي لا ينبت ولا ينتفع به (١). وقال في المصباح المنير أيضاً: الصعيد في كلام العرب يطلق على وجوه: على التراب الذي على وجه الأرض، وعلى وجه الأرض، وعلى الطريق، وتجمع هذه على صعد بضمتين وصعدات، مثل طريق وطرق وطرقات. فالخلاصة: أن الصعيد على هذا التفسير الأخير اسم مشترك يطلق على التراب، وعلى وجه الأرض، فمن استدل بالآية على أنها دليل على أنه لا يجوز التيمم إلا على التراب فقط فقد أخطأ؛ والذين يجوزون التيمم بكل ما هو على وجه الأرض لا يمنعون من التيمم بالتراب، وإنما ينكرون أن في الآية دليلاً على اختصاص التيمم بالتراب فقط. فإذا عرفنا منشأ الخلاف فهذا أوان ذكر أدلة كل قول. دليل من قال: يتيمم بكل ما هو من جنس الأرض: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيداً طيباً﴾ (٢). وجه الاستدلال: قد قدمنا كلام أهل اللغة في معنى الصعيد، وأنه لفظ مشترك يطلق على التراب، وعلى وجه الأرض، ويجب استعمال المشترك في معنييه إلا أن يمنع من ذلك مانع، ولا مانع هنا.

стр. 5288

الدليل الثاني: (١٤٣٥ - ٦٧) ما رواه البخاري من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار، قال: حدثنا يزيد - هو ابن صهيب الفقير - قال: أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: " أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ... "الحديث، والحديث رواه مسلم (١). وجه الاستدلال: فكل موضع جازت الصلاة فيه من الأرض جاز التيمم به. الدليل الثالث: أنه ﷺ في غزوة تبوك مر برمال كثيرة، ولم يكن يحمل معه التراب، ولم ينقل أنه كان يصلي بدون تيمم. الدليل الرابع: لو كان التيمم يختص بالتراب لجاءت النصوص صريحة واضحة بالنهي عن التيمم بالرمال والحجارة ونحوها؛ لأن الأمر يتعلق بالطهارة، والطهارة تتعلق بالركن الثاني للإسلام وهو الصلاة، فلما لم يأت نصوص تنهى عن التيمم بغير التراب، علم أن الأرض كلها يجوز التيمم عليها، والله أعلم.

стр. 5289

دليل من قال: التيمم خاص بالتراب ذي الغبار: أما الدليل على اشتراط التراب، فاستدلوا بما يلي. الدليل الأول: استدلوا بقوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيداً طيباً﴾ (١)، قالوا: الصعيد: هو التراب. وسبق الجواب عن ذلك، بأن الصعيد كما يطلق على التراب يطلق على وجه الأرض، فهو لفظ مشترك، فمن قصر الصعيد على التراب فقد قصر اللفظ المشترك على أحد معنييه بدون قرينة تقضي تخصيص إحدى المعنيين. الدليل الثاني: (١٤٣٦ - ٦٨) استدلوا بما رواه مسلم في صحيحه من طريق أبي مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء، وذكر خصلة أخرى. وجه الاستدلال: أن الحديث جعل الأرض كلها مسجداً، وخص الطهورية بالتربة، وأخرج ذلك في مقام الامتنان وبيان الاختصاص فلولا أن الطهورية لا تعم جميع أجزاء الأرض لكان ذكر التربة لا معنى له، بل كان زيادة في اللفظ، ونقصاً في المعنى، وهذا لا يليق بمن أوتي جوامع الكلم (٢).

стр. 5290

وهذا أقوى دليل لمن اشترط التراب، وأجيب عنه بأجوبة منها: الأول: أن حديث جابر: " جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً " منطوقه يدل على أن جميع الأرض طهور. وحديث حذيفة منطوقه يدل على أن التراب طهور، فمنطوقه موافق لمنطوق حديث جابر. ومفهوم حديث حذيفة: أن غير التراب ليس مطهراً، وإذا تعارض في غير التراب دلالة المفهوم الذي يقتضي عدم طهوريته، ودلالة المنطوق الذي يقتضي طهوريته، فالمنطوق مقدم على المفهوم، لأن دلالة المفهوم دلالة ضعيفة، بخلاف المنطوق، ولا يمكن أن نخصص أو نقيد بالمفهوم (١). الجواب الثاني: إذا ذكر عموم أو مطلق بحكم، ثم ذكر فرد من أفراده بحكم يوافق حكم العام أو المطلق، فإن هذا الفرد لا يعتبر مخصصاً ولا مقيداً للعموم. مثال ذلك: إذا قلنا: أكرم طلبة العلم، فهذا لفظ يفيد عموم الطلبة، ثم قلنا: أكرم زيداً، وكان زيد من طلبة العلم، فإنه لا يفهم منه تخصيص الإكرام لزيد وحده. فحديث جابر: " جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً " مطلق يشمل جميع الأرض. وحديث " وجعلت تربتها لنا طهوراً " التراب فرد من أفراد الأرض، ذكر بحكم يوافق حكم الأرض بكونها طهوراً، فلم يقتض ذلك تقييداً ولا تخصيصاً.

стр. 5291

قال ابن المنذر في الأوسط للتدليل على هذه القاعدة: ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات﴾ الآية (١)، فأمر بالمحافظة على الصلوات، والصلوات داخلة في جملة قوله: ﴿حافظوا على الصلوات﴾ (٢)، ثم خص الوسطى بالأمر بالمحافظة عليها، فقال: ﴿والصلاة الوسطى﴾ (٣)، فلم تكن خصوصية الوسطى بالأمر بالمحافظة عليها مخرجاً سائر الصلوات من الأمر العام الذي أمر بالمحافظة على الصلوات " اهـ (٤). فكأن ابن المنذر يقول مفهوم ﴿والصلاة الوسطى﴾ (٥) الآية، لم يؤخذ ويعارض به منطوق حافظوا على الصلوات. الدليل الثالث: (١٤٣٧ - ٦٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا المثنى بن الصباح، أخبرني عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله إني أكون في الرمل أربعة أشهر، أو خمسة أشهر، فيكون فينا النفساء والحائض والجنب، فما ترى؟ قال: عليك بالتراب (٦). [إسناده ضعيف] (٧).

стр. 5292

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5293

وأما الدليل على اشتراط الغبار: فلقوله تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيدكم منه﴾ (١). وجه الاستدلال: أن لفظة " منه " دالة على التبعيض، ولا يتحقق ذلك إلا بغبار يعلق باليد، ويمسح به الوجه واليدان. وأجيب: أولاً: أن كلمة " منه " في الآية ليست دالة على التبعيض، وإنما هي لابتداء الغاية، كما في قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام﴾ (٢). ثانياً: أن آية التيمم في سورة النساء ليس فيها كلمة (منه) قال تعالى: ﴿فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ (٣). ثالثاً: في حديث عمار ﵁ الذي رواه البخاري وفيه، فقال النبي ﷺ : " إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح وجهه وكفيه " (٤). والنفخ قد يزيل أثر التراب والغبار.

стр. 5294

رابعاً: أن الرسول ﷺ كان يسافر في الأرض الرملية، ولم ينقل عنه ترك التيمم لعدم وجود الغبار، كل ذلك دليل على أن اشتراط الغبار قول ضعيف، والله أعلم. دليل من خص التيمم بالتراب والرمل: لعل صاحب هذا القول حمله على إدخال الرمل خاصة مع التراب، كونه رأى أن الرسول ﷺ لما سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك، قطعوا تلك الرمال في طريقهم، وكان ماؤهم في غاية القلة، ولم يرو عنه أنه حمل التراب معه، ولا أمر بحمله، ولا فعله أحد من أصحابه مع القطع بأن في المفاوز الرمال أكثر من التراب، فجعل الرمل ملحقاً بالتراب، والله أعلم.

стр. 5295

الفرع الثاني: في طهارة ما يتيمم به ذهب أكثر أهل العلم إلى اشتراط طهارة ما يتيمم به، فلا يصح التيمم على الأرض النجسة (١). وفي مذهب المالكية قولان فيمن تيمم على أرض نجسة: أحدهما: يعيد ما دام في الوقت. والثاني: يعيد أبداً (٢).

стр. 5296

وعلى القول بأنه يعيد ما دام في الوقت فإن الإعادة ليست واجبة؛ لأن الذمة لو كانت مشغولة في وجوب الإعادة لم يكن هناك فرق بين الوقت وبين خارج الوقت، وقد قال بعضهم عن أصحاب مالك: إن كل موضع يقول فيه مالك: إنه يعيد في الوقت هو استحباب ليس بإيجاب (١). وقد أثبت جماعة من أهل العلم الخلاف في التيمم بالتراب النجس، وأنه ليس من مسائل الإجماع، منهم ابن حزم (٢)، وابن المنذر (٣)، وسائر من نقلنا عنه من كتب المالكية ممن حرر الخلاف. دليل من اشترط الطهارة: قوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيداً طيباً﴾ (٤)، والطيب ضد النجس (٥). قال ابن قدامة: الطيب: الطاهر (٦). (١٤٣٨ - ٧٠) ولما رواه ابن الجارود في المنتقى من طريق حماد، عن ثابت وحميد،

стр. 5297

عن أنس ﵁، قال: جعلت لي كل أرض طيبة مسجداً وطهوراً " (١). [إسناده صحيح] (٢). دليل من قال: يعيد ما دام في الوقت: لقد ذكر ابن عبد البر: أن هذا الحكم إنما هو في أرض أصابتها نجاسة، ولم يظهر لها أثر في الأرض، وأما الأرض التي تُرَى فيها النجاسة، فإنه يعيد أبداً (٣)، فإذا كان ذلك كذلك، فهل الأرض بذلك تكون نجسة، ولا بد من غسلها بالماء، أو يحكم بطهارتها ما دامت لم تظهر فيها النجاسة، الخلاف في هذه المسألة كالخلاف في الماء القليل الذي وقعت فيه نجاسة فلم يظهر لها لون أو طعم أو رائحة، وفيه قولان لأهل العلم، فمنهم من يرى نجاسته، ومنهم من يرى أنه طاهر حتى يتأثر بالنجاسة، وقد حررت ذلك في كتاب المياه، وذكرت أدلة كل قول، ورجحت أن الماء لا يحكم له بالنجاسة حتى تكون

стр. 5298

النجاسة غالبة على الماء، وذلك بأن يظهر لها أثر في الماء من طعم أو لون أو رائحة، فإذا لم يظهر لها شيء من ذلك، واستهلكت في الماء، فإن الماء طهور، والحكم لا يختلف عنه في الأرض، فإن لم يكن للنجاسة وجود محسوس لم تكن الأرض نجسة، ولكن ما هو الدليل على استحباب الإعادة بالوقت، ذكروا وجوهاً للاستحباب منها: أن التيمم لا يجب فيه إيصال التراب إلى البشرة، إذ لو تيمم على الحجر الصلد أجزأه، وإنما الواجب قصد الأرض وضربها باليد، والمرتفع من التراب النجس إلى الأعضاء لم يحصل به خلل في طهارة الحدث، وإنما هو حامل لنجاسة لم يتعمدها، فيعيد في الوقت على قاعدة إزالة النجاسة. أو لأن الغبار ينتقل مع الريح الجارية على هذا المكان، والتيمم إنما يقع على أعلى المنتقل الطاهر (١). أو لأن الأمام طلب الإعادة بالوقت مراعاة للقائل من الأئمة بطهارة الأرض بالجفاف كمحمد بن الحنفية والحسن البصري (٢). قلت: هذه مسألة أخرى سوف أتعرض لها في المسألة التالية لهذه. أو لأن الحكم عائد إلى حكم الصلاة بالثوب النجس، فإن في مذهب المالكية قولاً باستحباب التخلي عن النجاسة في الصلاة، وأن الطهارة من الخبث ليس شرطاً ولا واجباً من واجبات الصلاة، وأن من صلى في الثوب النجس يعيد ما دام في الوقت، ولا يعيد إذا خرج الوقت، فهذا مثله. وقد ناقشت أدلة هذه المسألة ولله الحمد في كتاب أحكام النجاسات، فانظرها مشكوراً.

стр. 5299

الراجح من الخلاف: التيمم على النجاسة يختلف عن التيمم على التراب النجس، فالتميم على النجاسة لا يجوز، وأما على التراب المتنجس، فإن كانت الأرض لم تظهر عليها النجاسة، فإن الأرض طيبة، يجوز التيمم والصلاة عليها، وإن كانت النجاسة ترى على الأرض فإنه لا يتيمم عليها، ولكن أن يجعل ذلك شرطاً في صحة التيمم نحتاج إلى نص شرعي ينفي صحة التيمم، ولا يكفي كون الشيء واجباً أن يكون شرطاً، فإن الشرطية أخص من الوجوب، ولا بد في إثبات الشرطية أن نستند إلى نص ينفي صحة التيمم على الأرض النجسة، كما عبر عن الشرطية في الطهارة بقوله ﷺ في الحديث الصحيح: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ " (١).

стр. 5300

الفرع الثالث: في التيمم على الأرض التي أصابتها نجاسة ثم جفت إذا أصابت الأرض نجاسة، ثم جفت، وذهب أثرها، فهل يتيمم بها؟ اختلف العلماء في هذا بناء على اختلافهم في طهارة الأرض المتنجسة بالجفاف، وهل يتعين الماء لإزالة النجاسة، أو تزال بأي مزيل، ومنه الجفاف؟ فقيل: يتيمم بها، وهو قول في مذهب الحنفية (١). وقيل: يصلي عليها، ولا يتيمم بها، وهو أحد القولين في مذهب الحنفية (٢). وقيل: لا يتيمم بها، وهو مذهب الجمهور. (٣). دليل الحنفية في التفريق بين الصلاة والتيمم: قالوا: لا يصح التيمم بها، وإن صحت الصلاة عليها؛ لأن الأرض التي

стр. 5301

أصابتها نجاسة ثم جفت أصبحت طاهرة، غير مطهرة، وطهارتها كافية في الصلاة عليها، وأما التيمم فلا بد من طهورية الأرض، وبناء على هذا القول فهم يقسمون التراب إلى طهور وطاهر ونجس. وقد أجبنا على ضعف قول من ذهب إلى هذا التقسيم في المسألة السابقة. دليل من قال: يتيمم بها: ذهب إلى أن الطهارة تزال بأي مزيل، ولا يتعين ذهابها بالماء، فإذا ذهبت عين النجاسة فقد ذهب حكمها. دليل من قال: لا يتيمم بها: ذكرنا أدلتهم في مسألة سابقة، وسنذكرها في مسألة لاحقة، أما المسألة السابقة فقد ذكرنا أدلتهم في مسألة خلاف العلماء في وجوب تعيين الماء لإزالة النجاسة، فالجمهور يذهبون إلى أن النجاسة لا تذهب حتى تزال بالماء فإذا لم تغسل بالماء فما زال حكم النجاسة باقياً، ولو ذهبت عين النجاسة. وسنكمل أدلتهم في مسألة لاحقة ولله الحمد، وهي مسألة: هل الطهارة بالجفاف مطهر للنجاسات، أو لا؟ في كتاب أحكام النجاسات من هذه السلسلة، فانظره في الموضعين غير مأمور.

стр. 5302

الفرع الرابع: في التيمم بالتراب المستعمل في طهارة واجبة واختلفوا في التيمم بالتراب المستعمل في طهارة واجبة. فقيل: يجوز التيمم به، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وأحد القولين في مذهب الشافعية (٣)، ووجه في مذهب الحنابلة (٤)، واختيار ابن حزم (٥). وقيل: لا يجوز التيمم به، وهو أصح القولين في مذهب الشافعية (٦)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٧). دليل من قال: يجوز التيمم بالتراب المستعمل: الدليل الأول: لا يوجد دليل على تقسيم التراب إلى طهور وطاهر ونجس، بل التراب كالماء قسمان: إما طهور، وإما نجس.

стр. 5303

الدليل الثاني: كل الأدلة التي سيقت في الاستدلال على جواز الوضوء بالماء المستعمل في طهارة واجبة تصح دليلاً على صحة التيمم بالتراب المستعمل في طهارة واجبة، وقد سبق ذكرها في كتاب المياه. الدليل الثالث: قال ﷺ : " جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً " (١)، والاستدلال في الحديث من وجهين: الأول: أن الحديث قد نص على أن الأرض قد جعلها الله طهوراً، خرج من ذلك الأرض النجسة بالدليل الشرعي، بقوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيداً طيباً﴾ (٢)، وبقي ما عداه على الطهورية. الوجه الثاني: أن كلمة " طهور " على وزن فعول، وهذا الصيغة تدل على التكرار، فدلت بالإشارة إلى جواز التيمم بالتراب المستعمل (٣). الدليل الرابع: أن التيمم لا يمكن أن ينفك عن استعمال التراب المستعمل، خاصة إذا قلنا: إن التيمم ضربة واحدة كما هو الصحيح من أقوال أهل العلم، وسوف نعرض لها إن شاء لله تعالى في مبحث مستقل، فإذا مسح المتيمم وجهه، ثم عاد ومسح يديه بنفس الضربة، فقد مسحهما بالتراب المستعمل في مسح

стр. 5304

الوجه، وهذا دليل على جواز استعمال التراب المستعمل في طهارة واجبة. الدليل الخامس: ذكر بعضهم: أن التيمم لا يرفع الحدث، فلا يصير التراب مستعملاً بخلاف الماء. والصحيح أن التيمم يرفع الحدث رفعاً مؤقتاً، ولا نحتاج إلى هذا الدليل في التفريق بين الماء المستعمل في طهارة واجبة، وبين التراب المستعمل في طهارة واجبة، بل الكل طهور. دليل من قال: لا يجوز التيمم بالتراب المستعمل: إذا كان الماء المستعمل في طهارة واجبة لا يرفع الحدث، فكذلك التراب المستعمل في طهارة واجبة. وقد بينا ضعف هذا القياس، وأن الصحيح أن الماء المستعمل في طهارة واجبة ماء طهور، وإذا كان الأصل ضعيفاً، فما بني على القول الضعيف فهو ضعيف. الراجح من الخلاف: بعد استعراض الأدلة نجد أن القول الذي يقسم التراب أو الماء إلى طهور وطاهر قول ضعيف، وأن الصحيح أن التراب إما طهور، وإما نجس، ولا فرق بين الماء والتراب، وعلى التنزل بأن الماء المستعمل في طهارة واجبة ليس ماء مطلقاً، فهل التراب المستعمل أيضاً لا يقال له تراب مطلق، فالتيمم بالتراب لا يخرجه عن كونه تراباً، وهو باق على صفته التي خلقه الله عليها، فكيف يمنع من التيمم به، ونقول له: إذا لم يجد غيره صل بدون تيمم.

стр. 5305

الفرع الخامس: في التيمم بالتراب المغصوب اختلف العلماء في التيمم بالتراب المغصوب، فقيل: يصح التيمم به، وهو مذهب الجمهور (١). وقيل: لا يصح، وهو مذهب الحنابلة (٢). والخلاف في هذه المسألة كالخلاف في الوضوء بالماء المغصوب، قال ابن مفلح: " وتراب مغصوب كالماء " (٣).فالأدلة في المسألتين واحدة، وقد سبق بحث خلاف العلماء في الوضوء بالماء المغصوب، مع ذكر أدلة كل قول، وبينت أن الراجح صحة الوضوء، وأن التحريم والصحة منفكان، غير متلازمين، فقد يكون الشيء حراماً صحيحاً، وقد يكون الشيء حراماً فاسداً، باعتبارات تعود إلى المنهي عنه، فتارة يكون النهي عائداً إلى ذات الشيء المنهي عنه، وتارة يكون النهي لا يعود إليه، وإنما يعود لأمر خارج، فانظر أدلة كل فريق في كتاب أحكام الطهارة: (المياه والآنية).

стр. 5306

الباب الرابع: فيما يتيمم عنه الفصل الأول: في التيمم عن الحدث أما التيمم عن الحدث الأصغر فإنه إجماع بين أهل العلم، قال النووي: " يجوز التيمم عن الحدث الأصغر بالكتاب والسنة والإجماع" (١). واختلفوا في التيمم عن الحدث الأكبر، فقيل: يتيمم عنه، وهو مذهب الأئمة الأربعة (٢).

стр. 5307

وقيل: لا يتيمم، وهو مذهب عمر وابن مسعود ﵄ (١). دليل من قال بمشروعية التيمم عن الجنابة: استدلوا من كتاب الله بآية المائدة، سواء من قال: إن قوله تعالى: ﴿أو لا مستم النساء﴾ (٢)، المقصود به الجماع، أو من قال إن المقصود به الحدث الأصغر وهو مس بدن المرأة. لكن من قال: إن المقصود بقوله تعالى ﴿أو لامستم النساء﴾ الحدث الأصغر كان توجيه للاستدلال بالآية على النحو التالي، قال: إن قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم .. إلى قوله سبحانه: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ ثم قال تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (٣)، وهو عائد إلى المحدث والجنب جميعاً. وأما من قال: إن المراد بقوله تعالى ﴿أو لا مستم النساء﴾ هو الجماع، وهو تفسير ابن عباس ﵄، وهو الموافق لبلاغة القرآن، فالآية نص في تيمم الجنب، وتوجيه الآية: أن الله ذكر طهارتين: الماء والتيمم، وذكر في وجوب طهارة الماء سببين: الحدث الأصغر والأكبر، فالأصغر في قوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيدكم إلى المرافق .. ﴾ والحدث الأكبر بقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾. وفي طهارة التيمم كذلك: ذكر حدثين: الأصغر والأكبر، فالأصغر بقوله

стр. 5308

تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ والأكبر بقوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ أي جامعتم النساء، ولو حمل على اللمس باليد لكان معنى الآية هذا أن الآية كررت ذكر حدثين أصغرين، وأهملت الحدث الأكبر في طهارة التيمم، وهذا مناف للبلاغة المعهودة من كتاب الله ، فكان مقتضى التقسيم في طهارة الماء من ذكر الحدث الأصغر والأكبر، أن يعاد التقسيم نفسه في طهارة التيمم، لا أن يكرر الحدث الأصغر، ويهمل الحدث الأكبر، وهذه القرينة كافية في حمل اللمس على الجماع في الآية الكريمة، وقد فسرها ابن عباس بالجماع، وهو ترجمان القرآن، (١٤٣٩ - ٧١) فقد روى ابن أبي شيبة، من طريق عبد الملك بن ميسرة، عن سعيد بن جبير، قال: اختلفت أنا وأناس من العرب في اللمس، فقلت: أنا وأناس من الموالي: اللمس ما دون الجماع، وقالت العرب: هو الجماع، فأتينا ابن عباس، فقال: غلبت العرب، هو الجماع. [وإسناده صحيح] (١). وقد احتج أبو موسى ﵁ بآية المائدة على مشروعية التيمم عن الجنابة، وذلك حين ناظر ابن مسعود، وانقطع ابن مسعود عن الجواب عن الآية، واعتذر بذلك بأنه قال بالمنع سداً للذريعة: (١٤٤٠ - ٧٢) فقد روى البخاري من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن شقيق قال: كنت جالسا مع عبد الله وأبي موسى الأشعري، فقال له أبو موسى: لو أن رجلا أجنب فلم يجد الماء شهراً أما كان يتيمم

стр. 5309

ويصلي؟ فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾؟ فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا الصعيد، قلت: وإنما كرهتم هذا لذا، قال: نعم ... الحديث (١). وفي رواية للبخاري: " فقال أبو موسى: فدعنا من قول عمار، فكيف تصنع بهذه الآية، فما درى عبد الله ما يقول، فقال: إنا لو رخصنا لهم .... وذكر الكلام السابق (٢). وجواب ابن مسعود لم يكن مطابقاً للسؤال؛ لأن السؤال عن رجل أجنب فلم يجد الماء شهراً، فهو عادم للماء، فقال: لا يصلي، واعتذر ابن مسعود بأنه لو رخص في هذا لتيمم الرجل الذي يجد الماء إذا برد عليه، وجواب ابن مسعود مشكل من الناحية الشرعية؛ لأن سد الذرائع يجب ألا يؤدي القول بها إلى إسقاط واجب أو ارتكاب محرم، وسوف أعلق عليه عند الكلام على مذهب عمر وابن مسعود ﵄. الدليل الثاني: (١٤٤١ - ٧٣) ما رواه البخاري من طريق الحكم، عن ذر، عن سعيد ابن عبد الرحمن ابن أبزى، عن أبيه قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر

стр. 5310

أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت، فصليت، فذكرت للنبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه، ورواه مسلم بنحوه (١). الدليل الثالث: (١٤٤٢ - ٧٤) ما رواه البخاري، قال: أخبرنا عبد الله، قال أخبرنا عوف، عن أبي رجاء، قال: حدثنا عمران بن حصين الخزاعي، أن رسول الله ﷺ رأى رجلا معتزلاً لم يصل في القوم، فقال: يا فلان ما منعك أن تصلي في القوم؟ فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك (٢). الدليل الرابع: (١٤٤٣ - ٧٥) ما رواه أبو داود من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر، قال: اجتمعت غنيمة عند رسول الله ﷺ ، فقال: يا أبا ذر ابد فيها، فبدوت إلى الربذة، فكانت تصيبني الجنابة، فأمكث الخمس والست، فأتيت النبي ﷺ ، فقال أبو ذر: فسكت، فقال: ثكلتك أمك أبا ذر، لأمك الويل، فدعا لي بجارية سوداء، فجاءت بعس فيه ماء، فسترتني بثوب، واستترت بالراحلة، واغتسلت، فكأني ألقيت عني جبلاً، فقال:

стр. 5311

الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك؛ فإن ذلك خير (١). [حديث حسن وسبق تخريجه] (٢). الدليل الخامس: من النظر، فإن التيمم إنما شرع من أجل استدارك مصلحة الوقت، لأن عادم الماء قد يستطيع أن يصلي خارج الوقت بالماء، فشرع لإدراك فضيلة الوقت، وهذا قدر مشترك بين الحدثين الأصغر والأكبر. دليل عمر وابن مسعود على أن الجنب لا يتيمم: الدليل الأول: عدم العلم بالدليل، وهو في حقهما كاف في الاستدلال؛ لأن الأصل في العبادات الحضر حتى يقوم دليل على المشروعية، إلا أن من لم يعلم بالدليل لا يكون قوله حجة على من علم، وقد حفظ غيرهما التيمم عن الجنابة من حديث عمران بن الحصين ومن حديث أبي ذر ﵁ فضلاً عن حديث عمار المتفق على صحته. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ (٣). وجه الاستدلال:

стр. 5312

أن الله نهى الجنب أن يقرب مصلى المسلمين إلا مجتازاً فيه حتى يغتسل، ولم يرخص له بالتيمم. قالوا: وتأويل قوله تعالى: ﴿أولا مستم النساء﴾ قالوا: اللمس قالوا: المقصود به: اللمس باليد دون الفرج ودون الجماع (١). وقد تكلمت في أدلة الجمهور على أن الراجح في معنى اللمس: هو الجماع خاصة، ولكن الله يكني بذكره كما قال تعالى: ﴿فالآن باشروهن﴾ (٢)، وقال: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ (٣)، وهذا يراد به الجماع. وقد قال ابن عبد البر: " لم يتعلق بقول عمر وعبد الله أحد من فقهاء الأمصار من أهل الراي وحملة الآثار " (٤). قلت: قد تبعهما على ذلك إبراهيم النخعي من فقهاء التابعين، فيما حكاه ابن المنذر (٥). وقد حاول بعض أهل العلم أن ينسب إليهما الرجوع عن هذا القول، وعندي أن دعوى الرجوع تحتاج إلى إثباته عنهما بسند صحيح صريح، وكثير من الأقوال الضعيفة التي قال بها بعض الصحابة، كالقول بجواز المتعة، أو القول بجواز مسح القدم بلا خف، أو نفي القول بمشروعية المسح على الخفين

стр. 5313

أو القول بجواز ربا الفضل ونحوها تجد من أهل العلم من يحاول أن يثبت أن الصحابي الذي قال بهذا القول بأنه قد رجع، ولا يكون له دليل على هذه الدعوى إلا أنه قد ينبل بالصحابي أن يقول بهذا القول الضعيف فيحمله هذا على دعوى الرجوع، وقد يكون له دليل غير صحيح، أو صحيح ولكنه غير صريح، فمن ذلك مسألتنا هذه، فقد رأى بعض أهل العلم أن عمر وابن مسعود قد رجعا عن قولهما. قال النووي: " التيمم عن الحدث الأكبر جائز، هذا مذهبنا، وبه قال العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلا عمر بن الخطاب وعبد الله ابن مسعود وإبراهيم النخعي التابعي، فإنهم منعوه، قال ابن الصباغ وغيره: قيل إن عمر وعبد الله رجعا " (١). فقد ساق الرجوع بصيغة التمريض، وحكاية قيل ليست جزماً برجوعهما. قال ابن عبد البر: " قال قائل: إن في بعض الأحاديث عن عمار، أن عمر لم يقنع بقول عمار، فالجواب: أن عمر كان يذهب إلى أن الجنب لا يجزيه إلا الغسل بالماء، فلما أخبره عمار عن النبي ﷺ بأن التيمم يكفيه سكت عنه، ولم ينهه، فلما لم ينهه علمنا أنه قد وقع في قلبه تصديق عمار؛ لأن عماراً قال له: إن شئت لم أذكره، ولو وقع في قلبه تكذيب عمار لنهاه؛ لما كان الله قد جعل في قلبه تعظيم حرمات الله، ولا شيء أعظم من الصلاة، وغير متوهم على عمر أن يسكت على صلاة تصلى عنده بغير طهارة، وهو الخليفة المسؤول عن العامة، وكان أتقى الناس لربه، وأنصحهم لهم في دينهم في ذلك

стр. 5314

الوقت رحمة الله عليه " (١). قلت: ليست القسمة أن يقع في قلب عمر تصديق عمار أو تكذيبه، بل هناك قسم ثالث، وهو أن يقع في قلبه خطأ عمار، وقد قال لعمار: نوليك ما توليت (٢)، يعني: أنت تتحمل مسؤولية هذا البلاغ، وأنا برئ من هذا، فهو في أحسن أحواله لا يذكر شيئاً، ولذلك قال عمر لعمار: اتق الله يا عمار (٣)، فهذا دليل على أنه لم يقنع بكلام عمار. وقال الباجي: " والذي يظهر لي من قولهما أنهما إنما منعا ذلك للذريعة، وذلك أن أبا وائل روى عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لو رخصنا لهم فيها لأوشك إذا برد على أحدهم الماء أن يدعه ويتمم " (٤). وهذا الكلام يمكن أن يصدق على ابن مسعود وحده، ولا يصدق هذا الكلام على عمر، وذلك لأن عمر قد وعظ عماراً حين ذكر له قصة التيمم، وقال له: اتق الله يا عمار، وأخبره بأنه لا يذكر شيئاً، وأما عن ابن مسعود فهو ثابت عنه، وفيه إشكال كبير، ولا بد من توجيهه، فالعمل في سد الذرائع سائغ بشرط ألا يؤدي ذلك إلى إسقاط واجب، أو ارتكاب محرم، فالجنب إذا منعناه من التيمم كان معنى ذلك إما أن يدع الصلاة إلى أن يجد الماء، أو يصلي بدون طهارة، وكلا الأمرين حرام، ثم لو صح كلام ابن مسعود في الجنب إذا تيمم مع وجود الماء

стр. 5315

خوفاً من البرد، لم يصح كلامه في الجنب إذا تيمم لفقد الماء، وعمر وابن مسعود يمنعان الجنب من التيمم مطلقاً مع عدم الماء، ومع وجوده والخوف من استعماله، فلا بد من توجيه كلام ابن مسعود ﵁، خاصة أنه من كبار فقهاء الصحابة ﵃، فيقال: إن ابن مسعود ذكر سبباً واحداً من الأسباب التي حملته على القول بعدم تيمم الجنب، ولم يذكر كل الأسباب التي حملته على القول بالمنع، ولقد كان ابن مسعود ﵁ شديد المتابعة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فحين رأى أن عمر لم يقنع بكلام عمار كما ذكر ابن مسعود ذلك في مناظرته لأبي موسى، ورأى أنه تعارض عنده كلام عمر وكلام عمار، وعمر أفقه من عمار ﵁، فاتبع ابن مسعود أفقه الرجلين، ولا بد من القول بذلك؛ لأن الاعتذار الذي ذكره ابن مسعود ﵁ من كونه منع ذلك من باب سد الذرائع لا يجوز القول به، وهو يؤدي إلى ترك الواجبات، والوقوع في المحرمات، وإنما كان ذلك من جملة المرجحات، وليس المرجح الوحيد، والله أعلم. وأعتقد أن مذهب عمر وابن مسعود أصبح مهجوراً في هذا العصر، فليس له أتباع فيما أعلم، والعجب ليس من نسيان عمر ﵁ ما حدث له مع عمار، فإن الإنسان مهما أوتي من حفظ فإنه معرض للنسيان، ولكن العجب كيف خفي على عمر وابن مسعود وأبي موسى الأشعري ﵁ الأحاديث الأخرى في تيمم الجنب، كحديث عمران بن الحصين، وقد كان وقع ذلك في الغزو بشهود عدد كثير من الصحابة، وكيف خفي عليهم حديث أبي ذر ﵁، فأبو موسى لم يحتج على ابن

стр. 5316

مسعود إلا في حديث عمار، وآية المائدة مما يدل على أنه لا يعلم الأحاديث الأخرى، وفي ذلك تسلية لطالب علم الحديث، فإنه قد يحكم لإسناد ما بأنه ضعيف، وهناك طريق أخرى صحيحة لم يقف عليها، وهذا أمر لا يسلم منه أحد، فالله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 5317

الفصل الثاني: في التيمم عن النجاسة تبين لنا فيما سبق أن التيمم عن الحدث الأصغر محل اتفاق بين العلماء، وأن التيمم عن الجنابة أيضاً هو مذهب الأئمة الأربعة، ولم يخالف في ذلك إلا عمر بن الخطاب وابن مسعود وإبراهيم النخعي، وسوف نبحث في هذه المسألة التيمم عن طهارة الخبث، فإن كانت النجاسة على ثيابه لم يتيمم لها قولاً واحداً (١)، وإن كانت النجاسة على بدنه، وليس عنده ما يزيلها، أو تضره إزالتها، فهل يتيمم لها؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، فقيل: لا يتيمم عن طهارة الخبث، وهو مذهب الجمهور (٢)، ورواية عن أحمد (٣).

стр. 5318

وقيل: بل يتيمم عنها، وبه قال الحسن البصري (١)، وهو مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى (٢). وقيل: يمسح موضع النجاسة بالتراب، ويصلي، وبه قال الثوري والأوزاعي، وحكاه أبو ثور عن الشافعي (٣). دليل من قال: لا يتيمم عن النجاسة: الدليل الأول: النص الشرعي ورد في التيمم عن الحدث، ولم يوجد دليل من الكتاب ولا من السنة على صحة التيمم عن النجاسة، والأصل في العبادات الحضر

стр. 5319

حتى يقوم دليل على المشروعية. الدليل الثاني: أن طهارة الحدث عبادة تعبدية، فإذا تعذر الماء تعفر بالتراب، وأما الطهارة من النجاسة فهي عبادة معقولة المعنى، وكان المطلوب من استعمال الماء في غسل النجاسة هو إزالتها فمتى زالت النجاسة عن البدن ولو بلا نية طهر المحل، وهذا لا يحصل بالتيمم، فالتيمم لا يزيل النجاسة ولا يخففها، فلهذا لم يشرع. الدليل الثالث: الطهارة من النجاسة إنما تكون في محل النجاسة حيث كانت دون غيره، فلو كان هناك مطهر من ماء ونحوه لم يغسل من البدن إلا ما أصابته النجاسة، وأما التيمم فمحل التطهير في الوجه والكفين، فكيف يكون التراب مطهراً للنجاسة في غير محل التطهير؟. دليل من قال: يصح التيمم عن النجاسة إذا كانت على البدن: أما اشتراط كون النجاسة على البدن، فلحديث أبي ذر: الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته " سبق تخريجه (١). فقوله: " فليمسه بشرته " دليل على تعلق التيمم بطهارة بالبدن دون طهارة الثوب والبقعة.

стр. 5320

وقوله " طهور المسلم " مطلق، يشمل طهارته عن الحدث، وعن الخبث. ويجاب: بأن الحديث ورد جواباً على سؤال وقع من أبي ذر، وهو أنه تصيبه الجنابة الليالي لا يقدر علىالماء، فقال له الرسول ﷺ : "الصعيد الطيب طهور المسلم " أي طهوره من الجنابة، وليس من الخبث. الدليل الثاني: أن المكان النجس هو موضع من البدن يجب تطهيره بالماء مع القدرة عليه، فإذا عجز عن الماء وجب له التيمم بالتراب قياساً على طهارة الحدث. ويجاب: بأن قياس طهارة الخبث على طهارة الحدث قياس مع الفارق، وذلك أن طهارة الحدث تجب لها النية، وطهارة الخبث تصح بدون نية، فلو نزل المطر على ثوب نجس حتى ذهب بعين النجاسة طهر الثوب، ولو لم ينو صاحبه إزالة النجاسة. ومنها أن طهارة الحدث من قبيل فعل المأمور، وأما طهارة الخبث فهي من قبيل ترك المحضور، ولذلك لو صلى بدون طهارة الحدث وجب عليه إعادة الصلاة، بخلاف ما لو صلى ناسياً أن عليه نجاسة، فإن صلاته صحيحة، ولا تجب عليه الإعادة. ومنها أن طهارة الحدث تكون في أعضاء مخصوصة، بينما طهارة الخبث تتبع موضع النجاسة حيث كانت.

стр. 5321

ومنها أن طهارة الحدث تعبدية، فليست ناشئة عن نجاسة، ولا ينجس المؤمن بالحدث، بخلاف الخبث، فإنه عين مستقذرة شرعاً. فهذه بعض الفروق بين الطهارتين مما يجعل قياس طهارة الحدث على طهارة الخبث قياس مع الفارق، والله أعلم. الراجح: مذهب جماهير أهل العلم، وأن التيمم عن النجاسة غير مشروع، والله أعلم.

стр. 5322

الباب الخامس: في فروض التيمم الفرض الأول: مسح الوجه واليدين مع الاستيعاب . المبحث الأول: في ضرب اليدين في الأرض ليمسح بهما وجهه ويديه اختلف الفقهاء في كيفية الضرب والمسح، فقيل: يجب للتيمم ضربتان في الأرض، ضربة يمسح بهما وجهه، وضربة يمسح بهما يديه إلى المرفقين، هذا مذهب الحنفية (١)، وقول في مذهب المالكية (٢)،

стр. 5323

والشافعية (١). وقيل: التيمم ضربة واحدة، للوجه والكفين، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (٢)، وأشهر القولين عن الأوزاعي رحمه لله (٣). وقيل: الضربة الأولى ومسح اليدين إلى الكوعين فرض، والضربة الثانية ومسح اليدين إلى المرفقين سنة، وهو المشهور عند المالكية (٤)،

стр. 5324

واختاره القاضي من الحنابلة (١). وقيل: مسح اليدين إلى الآباط، وهو مذهب الزهري رحمه الله تعالى (٢). وقيل: اليتمم ضربتان، يمسح بكل ضربة وجهه وذراعيه ومرفقيه، وهذا قول ابن أبي ليلى، والحسن بن حي. قال ابن عبد البر: وما أعلم قال ذلك غيرهما (٣). وقيل: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى الكوعين، وهذا أحد القولين عن الأوزاعي (٤)، وهو قول في مذهب الحنابلة (٥). وتقدم القول الأول عنه، أنه ضربة واحدة، للوجه واليدين إلى الكوعين. هذا تقريباً كل ما قيل من أقوال في المسألة (٦)، والأقوال الشاذة لن نعنى بها، وبذكر أدلتها، وإنما الذي يهمنا في هذا الباب ذكر أدلة أشهر الأقوال، والله أعلم.

стр. 5325

دليل من قال: التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين: الدليل الأول: (١٤٤٤ - ٧٦) ما رواه أبو داود من طريق محمد بن ثابت العبدي، أخبرنا نافع، قال: انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس، فقضى ابن عمر حاجته، فكان من حديثه يومئذ أن قال: مر رجل على رسول الله ﷺ في سكة من السكك، وقد خرج من غائط أو بول، فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة ضرب بيديه على الحائط، ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه، ثم رد على الرجل السلام وقال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على طهر (١). [المعروف أنه موقوف على ابن عمر، وقد أنكر رفعه أحمد بن حنبل والبخاري وأبو داود وأبو زرعة والبيهقي وغيرهم] (٢).
следующие страницы →