← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

ومنها أن طهارة الحدث تعبدية، فليست ناشئة عن نجاسة، ولا ينجس المؤمن بالحدث، بخلاف الخبث، فإنه عين مستقذرة شرعاً. فهذه بعض الفروق بين الطهارتين مما يجعل قياس طهارة الحدث على طهارة الخبث قياس مع الفارق، والله أعلم. الراجح: مذهب جماهير أهل العلم، وأن التيمم عن النجاسة غير مشروع، والله أعلم.

стр. 5322

الباب الخامس: في فروض التيمم الفرض الأول: مسح الوجه واليدين مع الاستيعاب . المبحث الأول: في ضرب اليدين في الأرض ليمسح بهما وجهه ويديه اختلف الفقهاء في كيفية الضرب والمسح، فقيل: يجب للتيمم ضربتان في الأرض، ضربة يمسح بهما وجهه، وضربة يمسح بهما يديه إلى المرفقين، هذا مذهب الحنفية (١)، وقول في مذهب المالكية (٢)،

стр. 5323

والشافعية (١). وقيل: التيمم ضربة واحدة، للوجه والكفين، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (٢)، وأشهر القولين عن الأوزاعي رحمه لله (٣). وقيل: الضربة الأولى ومسح اليدين إلى الكوعين فرض، والضربة الثانية ومسح اليدين إلى المرفقين سنة، وهو المشهور عند المالكية (٤)،

стр. 5324

واختاره القاضي من الحنابلة (١). وقيل: مسح اليدين إلى الآباط، وهو مذهب الزهري رحمه الله تعالى (٢). وقيل: اليتمم ضربتان، يمسح بكل ضربة وجهه وذراعيه ومرفقيه، وهذا قول ابن أبي ليلى، والحسن بن حي. قال ابن عبد البر: وما أعلم قال ذلك غيرهما (٣). وقيل: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى الكوعين، وهذا أحد القولين عن الأوزاعي (٤)، وهو قول في مذهب الحنابلة (٥). وتقدم القول الأول عنه، أنه ضربة واحدة، للوجه واليدين إلى الكوعين. هذا تقريباً كل ما قيل من أقوال في المسألة (٦)، والأقوال الشاذة لن نعنى بها، وبذكر أدلتها، وإنما الذي يهمنا في هذا الباب ذكر أدلة أشهر الأقوال، والله أعلم.

стр. 5325

دليل من قال: التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين: الدليل الأول: (١٤٤٤ - ٧٦) ما رواه أبو داود من طريق محمد بن ثابت العبدي، أخبرنا نافع، قال: انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس، فقضى ابن عمر حاجته، فكان من حديثه يومئذ أن قال: مر رجل على رسول الله ﷺ في سكة من السكك، وقد خرج من غائط أو بول، فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة ضرب بيديه على الحائط، ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه، ثم رد على الرجل السلام وقال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على طهر (١). [المعروف أنه موقوف على ابن عمر، وقد أنكر رفعه أحمد بن حنبل والبخاري وأبو داود وأبو زرعة والبيهقي وغيرهم] (٢).

стр. 5326

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5327

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5328

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5329

الدليل الثاني: (١٤٤٥ - ٧٧) ما رواه الدارقطني، قال: حدثنا محمد بن مخلد وإسماعيل ابن علي وعبد الباقي بن قانع، نا إبراهيم بن إسحاق الحربي، ثنا عثمان بن محمد الأنماطي، ثنا حرمي بن عمارة، عن عزرة بن ثابت، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ ، قال: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين (١). [صوب الدارقطني وقفه] (٢).

стр. 5330

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5332

الدليل الثالث: (١٤٤٦ - ٧٨) ما رواه الطحاوي من طريق أبي يوسف، عن الربيع بن بدر، حدثنا أبي، عن جدي، عن أسلع التميمي، قال: كنت مع رسول الله ﷺ في سفر، فقال لي: يا أسلع قم، فارجل لنا. قلت: يا رسول الله أصابتني بعدك جنابة، فسكت حتى أتاه جبريل بآية التيمم، فقال لي: يا أسلع، قم فتيمم صعيداً طيباً: ضربتين، ضربة لوجهك، وضربة لذراعيك، ظاهرهما وباطنهما، فلما انتهينا إلى الماء، قال: يا أسلع قم، فاغتسل (١). [حديث منكر، وقصة نزول آية التيمم مشهورة في الصحيحين، حين كان الصحابة في سفر، وقد ضاع عقد لعائشة، فقاموا، وليس معهم ماء، وليسوا على ماء، فنزلت آية التيمم، ولم تنزل الآية لهذه الحادثة] (٢).

стр. 5333

الدليل الرابع: (١٤٤٧ - ٧٩) ما رواه الدارقطني من طريق محمد بن إسحاق، عن أبي صالح، حدثني الليث، حدثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عمير مولى بن عباس، أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي الجهم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو الجهم: أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل، فسلم عليه، فلم يرد عليه رسول الله ﷺ السلام حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه وذراعيه، ثم رد ﵇ " (١). [ذكر الذراعين في الحديث ليس بمحفوظ، وقد اختلف على أبي صالح في ذكر هذه الزيادة، والحديث في صحيح البخاري، وليس فيه مسح الذراعين] (٢).

стр. 5334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5335

الدليل الخامس: (١٤٤٨ - ٨٠) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا موسى بن إسمعيل، حدثنا أبان، قال: سئل قتادة عن التيمم في السفر؟ فقال: حدثني محدث عن الشعبي، عن عبد الرحمن ابن أبزى، عن عمار بن ياسر أن رسول الله ﷺ قال إلى المرفقين (١). [إسناده ضعيف، وهو مخالف لما رواه أبان عن قتادة، ومخالف لما كان يفتي به قتادة، ومخالف لما رواه الناس عن عبد الرحمن بن أبزى، عن عمار] (٢).

стр. 5336

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5337

الدليل السادس: القياس على الوضوء، وذلك أن الفرض في الوضوء غسل اليدين إلى المرفقين، فكذلك التيمم يجب أن يكون المسح فيه إلى المرفقين، ولما كان غسل الوجه بالماء غير غسل اليدين، فكذلك يجب أن تكون الضربة في التيمم للوجه غير الضربة لليدين (١). ويجاب: بأن هذا نظر في مقابل النص، فيكون فاسداً، وهل هذا النظر إلا مثل نظر عمار بن ياسر ﵁ حين تمرغ في التراب قياساً على طهارة الماء، فطهارة المسح لا ينبغي أن تقاس على طهارة الغسل، فطهارة المسح المشروع فيها التخفيف. دليل من قال: التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ (٢). فذكر " اليد " وأطلق فلم يقيدها بشيء كما فعل في الوضوء، في قوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ (٣)، واليد عند الإطلاق إنما يراد بها الكف، بدليل قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ (٤)، وقد أجمعوا

стр. 5338

على أن القطع إلى الكوعين، نقل الإجماع ابن عبد البر (١)، فالمسح ينبغي أن يكون إلى الكوعين. قال ابن عبد البر: وحجة من رأى التيمم إلى الكوعين جائز، ولم ير بلوغ المرفقين واجباً: ظاهر قوله : ﴿فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ (٢)، ولم يقل: إلى المرفقين ﴿وما كان ربك نسياً﴾ (٣)، فلم يجب بهذا الخطاب إلا أقل ما يقع عليه اسم يد؛ لأنه اليقين، وما عدا ذلك شك، والفرائض لا تجب إلا بيقين، وقد قال الله : ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ (٤)، وثبتت السنة المجتمع عليها أن الأيدي في ذلك أريد بها من الكوع، فكذلك التيمم، إذ لم يذكر فيه المرفقين، وقد ثبت عن النبي ﷺ في أكثر الآثار في التيمم أنه مسح وجهه وكفيه، وكفى بهذا حجة؛ لأنه لو كان ما زاد على ذلك واجباً لم يدعه رسول الله ﷺ (٥). الدليل الثاني: (١٤٤٩ - ٨١) ما رواه البخاري من طريق الحكم، عن ذر، عن سعيد ابن عبد الرحمن ابن أبزى،

стр. 5339

عن أبيه قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت، فصليت، فذكرت للنبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه، ورواه مسلم معلقاً بنحوه (١). وهذا صريح أن المسح ضربة واحدة، وأنه في اليدين إلى الكفين، وقد أخرجه البخاري في صحيحه، فيجب المصير إليه، وظاهر آية المائدة تؤيده كما سقت ذلك في الدليل الأول. قال الحافظ ابن حجر: الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم وعمار، وما عداهما فضعيف، أو مختلف في رفعه ووقفه، والراجح عدم رفعه، فأما حديث أبي جهيم فورد بذكر اليدين مجملاً (٢)، وأما حديث عمار فورد بذكر الكفين في الصحيحين، وبذكر المرفقين في السنن، وفي رواية إلى نصف الذراع، وفي رواية إلى الآباط، فأما رواية المرفقين وكذا نصف الذراع ففيها مقال ... " (٣). قلت: وكذلك رواية الآباط لا تثبت عن النبي ﷺ أيضاً، وقد سبق

стр. 5340

تخريجها والتيمم إلى الآباط، قول لا يعرف إلا لابن شهاب رحمه الله تعالى (١). فلم يبق من روايات حديث عمار إلا ما ورد في الصحيحين، وأن التيمم للكفين فقط، والله أعلم. دليل من قال: التيمم إلى الآباط: (١٤٥٠ - ٨٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حجاج، حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عمار بن ياسر أبي اليقظان، قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، فهلك عقد لعائشة، فأقام رسول الله ﷺ حتى أضاء الفجر، فتغيظ أبو بكر على عائشة، فنزلت عليهم الرخصة في المسح بالصعدات، فدخل عليها أبو بكر، فقال: إنك لمباركة، لقد نزل علينا فيك رخصة، فضربنا بأيدينا لوجوهنا، وضربنا بأيدينا ضربة إلى المناكب والآباط (٢). [الحديث فيه اضطراب كثير، وسبق تخريجه] (٣). وقد حاول بعض العلماء الإجابة عنه، على احتمال ثبوته بأجوبة منها: الأول: أن يكون ذلك في أول الأمر، ثم نسخ. ذكر الشافعي رحمه الله تعالى وأبو بكر الأثرم وغيرهما من العلماء: أن التيمم إلى الآباط إن كان وقع ذلك بأمر النبي ﷺ فكل تيمم صح للنبي ﷺ بعده، فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره فالحجة فيما أمر به. اهـ

стр. 5341

ومما يقوي رواية الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين كون عمار كان يفتي بعد النبي ﷺ بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره، ولا سيما الصحابي المجتهد " (١). الثاني: أن يكون ذلك وقع من الصحابة على وجه الاجتهاد قبل معرفتهم للصفة المشروعة من النبي ﷺ . قال ابن عبد البر: " يحتمل أن يكون من تيمم عند نزول الآية إلى المناكب أخذ بظاهر الكلام، وما تقتضيه اللغة من عموم لفظ الأيدي، ثم أحكمت الأمور بعدُ بفعل النبي ﵇، وأمره بالتيمم إلى المرفقين" (٢). وقال ابن الجوزي: وحديث عمار: " تيممنا مع النبي ﷺ إلى المناكب والآباط " ليس هو بمخالف لحديث الوجه والكفين؛ لأن عماراً لم يذكر أن النبي ﷺ أمرهم بالوجه والكفين، والدليل على ذلك ما أفتى به عمار بعد النبي ﷺ في التيمم، أنه قال: الوجه والكفين. ففي هذا دلالة أنه انتهى إلى ما عَلَّمه النبي ﷺ " (٣). وقال ابن رجب: " وعلى تقدير صحته، ففي الجواب عنه وجهان: أحدهما: أن النبي ﷺ لم يعلم أصحابه التيمم على هذه الصفة، وإنما فعلوه عند نزول الآية لظنهم أن اليد عند الإطلاق تشمل الكفين والذارعين والمنكبين والعضدين، ففعلوا ذلك احتياطاً كما تمعك عمار بالأرض للجنابة، وظن أن تيمم الجنب يعم البدن كله كالغسل، ثم بين

стр. 5342

النبي ﷺ التيمم بفعله وقوله " التيمم للوجه والكفين " فرجع الصحابة كلهم إلى بيانه ﷺ ، ومنهم عمار راوي الحديث، فإنه أفتى أن التيمم ضربة للوجه والكفين " (١). وهذا الجواب لا حاجة إليه مع تضعيف حديث عمار من طريق الزهري، لأنه يبعد كل البعد أن يكون التيمم نزل على رسول الله ﷺ ، وهم في السفر، ثم يتيمم أصحابه ﵃ دون أن يسألوا رسول الله ﷺ عن صفة التيمم، مع حرصهم على متابعة الرسول ﷺ في الدقيق والجليل، وإمكان الرجوع إلى المصطفى ﷺ في معرفة تلك الصفة، وعلى فرض أن يكون بعضهم فعل ذلك اجتهاداً مع وجود الرسول ﷺ بينهم، فإن الرسول ﷺ كان سيعلم ذلك إما من الوحي لمخالفته الصفة المشروعة، وإما من الناس خاصة إذا شاهدوا تيمم الرسول ﷺ مخالفاً لما فعلوه، وهذا إنما نقوله في المناظرة، وإلا فهو بعيد جداً، ولم يكن الصحابة يجتهدون إلا حيث لم يكن رسول الله ﷺ معهم، وأما إذا كان معهم فإنه يرجعون إليه، ويصدرون عنه، فالصواب أن حديث عمار من طريق الزهري حديث مضطرب، وقد بينت اختلاف أصحاب الزهري عليه في إسناده في أول كتاب التيمم، وهذا الذي دفع ابن عبد البر أن يقول: " أحاديث عمار في التيمم كثيرة الاضطراب، وإن كان رواتها ثقات " (٢).

стр. 5343

قال ابن رجب: " هذا حديث منكرجداً، لم يزل العلماء ينكرونه، وقد أنكره الزهري راويه، وقال: هو لا يعتبر به الناس، ذكره الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما، وروي عن الزهري أنه امتنع أن يحدث به، وقال: لم أسمعه إلا من عبيد الله، وروي عنه أنه قال: لا أدري ما هو؟ وروي عن مكحول أنه كان يغضب إذا حدث الزهري بهذا الحديث، وعن ابن عيينة أنه امتنع أن يحدث به، وقال: ليس العمل عليه، وسئل الإمام أحمد عنه، فقال: ليس بشيء، وقال: أيضاً: اختلفوا في إسناده، وكان الزهري يهابه، وقال: ما أرى العمل عليه " (١). الدليل الثاني لمن قال: يمسح إلى الآباط: قالوا: إن اليد إذا أطلقت يتناول جميع اليد، من رؤوس الأصابع إلى الآباط. ويجاب. هذا يحتاج إلى دليل على أن اليد تطلق على جميع الجارحة، بل الدليل قام من القرآن على خلاف هذا، والقرآن إنما نزل بلغة العرب، فهو بلسان عربي مبين، قال تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ (٢)، فأطلق اليد، ولم يفهم منه الرسول ﷺ ، ولا صحابته الكرام أن القطع يشمل جميع الجارحة من رؤوس الأصابع إلى الآباط، بل قام الإجماع على أن القطع للكف فقط، وقد نقلته عن ابن عبد البر في أدلة القول السابق.

стр. 5344

الراجح: بعد استعراض أدلة الأقوال، نجد أن القول بأن التيمم يقتصر على الوجه والكفين بضربة واحدة هو أقوى الأقوال دليلاً، وأسلمها من الاعتراض، فلم يثبت حديث مرفوع إلى النبي ﷺ بالتيمم إلى المرفقين، وإنما صح ذلك موقوفاً على بعض الصحابة، وليس في قولهم حجة مع مخالفتهم لحديث عمار المرفوع في الصحيحين، كما لم يثبت حديث مرفوع في أن التيمم ضربتان، والمصير في صفة التيمم إلى آية المائدة، مع حديث عمار بن ياسر، وما خالفهما فهو إما موقوف أو ضعيف، والله أعلم.

стр. 5345

المبحث الثاني: في استيعاب المسح للوجه واليدين اختلف العلماء في حكم استيعاب المسح للوجه واليدين، فلو أن المتيمم ترك شيئاً يسيراً من مسح وجهه أو يديه، فهل يصح تيممه؟ فقيل: الاستيعاب فرض، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). وقيل: الاستيعاب ليس بفرض، فمسح الأكثر يقوم مقام الكل، وهو

стр. 5346

رواية الحسن عن أبي حنيفة (١)، واختيار ابن مسلمة من المالكية (٢)، ورجحه ابن حزم ﵀ (٣). ولذلك أوجب الأئمة الأربعة نزع الخاتم من أجل القيام بفرض الاستيعاب (٤). وأما تخليل الأصابع في التيمم: فمن ذهب منهم إلى جواز التيمم على الحجر ونحوه أوجب تخليل الأصابع، لكي يقوم بواجب الاستيعاب كالحنفية (٥)، والمالكية على المشهور (٦). ومن اشترط الغبار اشترط تفريج أصابعه إذا ضرب الأرض، حتى

стр. 5347

يتخللها الغبار كالشافعية (١)، والحنابلة (٢).

стр. 5348

وقيل: ليس عليه تخليل أصابعه ولا نزع خاتمه، وهو رواية الكرخي عن أبي حنيفة (١)، وأحد القولين في مذهب المالكية (٢).

стр. 5349

دليل من قال: يجب الاستيعاب: قال تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ (١). (١٤٥١ - ٨٣) وفي البخاري من حديث عمار بن ياسر: قال النبي ﷺ : إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (٢). فقوله: " ثم مسح بهما وجهه وكفيه " يقتضي أن يكون المسح لجميع الوجه واليدين، والحديث امتثال وبيان للآية الكريمة ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ (٣)، وهو يرفع ما قد يتوهم في الباء من تبعيض، وقد بينا في فرائض الوضوء من قوله تعالى ﴿فامسحوا برؤوسكم﴾ أن الباء لا تأتي للتبعيض، فهي كالباء في قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ (٤)، ولا يجوز بالإجماع الطواف ببعض البيت، والذين ذهبوا إلى جواز مسح بعض الرأس، مستدلين بأن الباء للتبعيض في قوله تعالى: ﴿فامسحوا برؤوسكم﴾ لم يقولوا هذا في آية التيمم ﴿فامسحوا بوجوهكم﴾ وهي واحدة في الآيتين، ومتعلقها واحد، وهو فعل الأمر (امسحوا) وهذا نوع من التناقض. الدليل الثاني: القياس على طهارة الماء، فكما أن غسل الوجه واليدين يجب أن يشمل جميع الوجه واليدين، فكذلك في طهارة التيمم يجب أن يشمل جميع الوجه واليدين، لأن البدل له حكم المبدل.

стр. 5350

ويجاب: بأن البدل إنما يقوم مقام المبدل في حكمه لا في وصفه، ولهذا المسح على الخفين بدل عن غسل الرجلين، ولا يجب فيه الاستيعاب مع وجوبه في الرجلين (١). ثم إن هذا الدليل أنتم لا تأخذون به من كل وجه، فهل ترون أنه يجب أن يصل الماء إلى باطن الفم والأنف ليقوم مقام المضمضة والاستنشاق، أو إلى باطن الشعر الخفيف كشعر الحاجبين واللحية الخفيفة (٢)، فإذا استثنيتم ذلك، بطل القياس على طهارة الماء. الدليل الثالث: حكى الإمام أحمد أن التعميم في مسح الوجه إجماع. قال ابن رجب: " قال الجوزجاني: ثنا إسماعيل بن سعيد الشالنجي، قال: سألت أحمد بن حنبل عمن ترك مسح بعض وجهه في التيمم، قال: يعيد الصلاة. فقلت له: فما بال الرأس يجزئ في المسح، ولم يجز أن يترك ذلك من الوجه في التيمم؟ فقال: لم يبلغنا أن أحداً ترك ذلك من تيممه " (٣). فإن كان فُهِم من كلام الإمام أحمد أنه إجماع كما فهمه ابن رجب ﵀، فهو إجماع على حكاية فعل، وليس إجماعاً قولياً على وجوب التعميم، فهناك فرق بين النقل بأن أحداً لم يترك كذا، وبين القول بوجوب

стр. 5351

التعميم؛ لأن الإجماع هنا قد يؤخذ منه على القول بثبوته على مشروعية التعميم، وليس على وجوبه؛ وذلك لأن الرسول ﷺ لم ينقل عنه أنه أخل بالترتيب في الوضوء، ومع ذلك فالخلاف في وجوبه محفوظ، فما بالك بالنقل عن فعل السلف، وقد أثبتنا أن هناك قولاً في مذهب الحنفية أنه يجزئ مسح أكثر الوجه واليدين، وهذا اختيار ابن حزم، فهذا كاف في خرق الإجماع، والله أعلم. دليل من قال: مسح الأكثر يقوم مقام الكل: ذكر ابن حزم: أن الله قال: ﴿بلسان عربي مبين﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم﴾ (٢)، والمسح في اللغة لا يقتضي الاستيعاب، فوجب الوقوف عند ذلك، ولم يأت بالاستيعاب في التيمم قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا قول صاحب، نعم ولا قياس، فبطل القول به ... والعجب أن لفظة المسح لم تأت في الشريعة إلا في أربعة مواضع، ولا مزيد: مسح الرأس، ومسح الوجه واليدين في التيمم، ومسح على الخفين، والعمامة والخمار، ومسح الحجر الأسود في الطواف، ولم يختلف أحد من خصومنا المخالفين لنا في أن مسح الخفين ومسح الحجر الأسود لا يقتضي الاستيعاب، وكذلك من قال منهم بالمسح على العمامة والخمار، ثم نقضوا ذلك في التيمم، فأوجبوا فيه الاستيعاب تحكماً بلا برهان .. واضطربوا في الرأس .. ثم ذكر اختلافهم (٣).

стр. 5352

الدليل الثاني: أن طهارة المسح مبنية على التخفيف، بخلاف طهارة الغسل، فإيجاب الاستيعاب في طهارة المسح فيه عسر ومشقة. الدليل الثالث: إذا كان المتيمم يمسح وجهه مرة واحدة بكلتا يديه، فلا تكفي يداه لاستيعاب كل جزء في وجهه مهما قل، فلو كان الاستيعاب فرضاً لكان شرع تكرار المسح للوجه؛ ليحصل الاستيعاب، فلما لم يشرع تكرار المسح للوجه علم أن الاستيعاب ليس فرضاً. الراجح من الخلاف: المطلوب أن يمسح وجهه بكلتا يديه، ولا يكرر المسح، فما أتت يداه على وجهه بالمسح كاف في حصول المقصود، فإن الرسول ﷺ مسح وجهه مرة واحدة بكلتا يديه، ويعلم أن مسح الوجه باليدين لا يمكن أن يمسح كل جزء من وجهه، فإنه إن جمع أصابعه ليعمم بالمسح كل جزء من وجهه بقي طرفا الوجه بدون مسح، وإن فرج أصابعه ليمسح أكبر قدر ممكن من وجهه فإن ما بين أصابعه لم يصبه المسح، فيكون بذلك قد فوت جزءاً، ولو يسيراً، وهذا دليل على أن مسح الغالب يقوم مقام الكل، وأما تخليل الأصابع فلم يقم دليل صحيح بل ولا ضعيف فيما أعلم على مشروعية تخليل الأصابع في التيمم، فضلاً أن يكون التخليل واجباً، والتعليل في أن التراب ليس له نفوذ الماء وسريانه، فيعتبر التخليل آكد منه في التيمم منه في الوضوء، فهذا القول ممكن أن يعكس، فيقال: طهارة المسح مبنية على التخفيف، بخلاف طهارة الماء، فيستحب التخليل في الوضوء، ولا يشرع التخليل في التيمم، ثم إننا

стр. 5353

نقول: لسنا بحاجة إلى القياس بالعبادات، وخاصة إن التخليل إما أن يكون مشروعاً أو لا؟. فإن لم يكن مشروعاً فظاهر، وإن كان مشروعاً فلا بد أن يفعله الرسول ﷺ ، أو يرشد إليه، خاصة أنه تيمم ﵊، وفعله الصحابة في عهده، وبعد وفاته، فهل قدمتم دليلاً على أن الرسول ﷺ قد فعل ذلك، فإذا لم يوجد دليل كان هذا دليلاً على أن السنة تركه، فما تركه الرسول ﷺ فالسنة تركه، والله أعلم. قال سليمان بن داود الهاشمي: "يجزئه في التيمم إن لم يصب بعض وجهه، أو بعض كفيه؛ لأنه بمنزلة المسح على الرأس إذا ترك منه بعضاً أجزأه" (١). وقال يحيى بن يحيى النيسابوري: المسح في التيمم كما يمسح الرأس، لا يتعمد لترك شيء من ذلك، فإن بقي شيء منه لم يعد، وليس هو عندي بمنزلة الوضوء (٢). وقال الجوزجاني: لم نسمع أحداً يتبع ذلك من رأسه في المسح ولا بين أصابعه في التيمم، كما يتبعون في الوضوء بالتخليل (٣). ونقل حرب، عن إسحاق أنه قال: تضرب بكفيك على الأرض، ثم تمسح بهما وجهك، وتمر بيديك على جميع الوجه واللحية، أصاب ما أصاب، وأخطأ ما أخطأ، ثم تضرب مرة أخرى بكفيك (٤).

стр. 5354

المبحث الثالث: في مسح ما تحت الشعر الخفيف في التيمم سبق لنا في طهارة الماء وجوب غسل ما تحت الشعر الخفيف، واختلف العلماء في طهارة التيمم، هل يجب مسح ما تحت الشعر الخفيف كالعنفقة وشعر الحاجبين، وشعر اللحية الخفيف، أو لا يجب؟. فقيل: يجب مسح ما تحت الشعر الخفيف، وهو مذهب الحنفية (١)، وأحد الوجهين في مذهبي الشافعية (٢)، والحنابلة (٣).

стр. 5355

وقيل: لا يجب مسح ما تحت الشعر، اختاره أبو يوسف والطحاوي من الحنفية (١)، وهو مذهب المالكية (٢)، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وقيل: لا يجب عليه مسح اللحية في التيمم، وهو قول في مذهب الحنفية (٥).

стр. 5356

وسبب الخلاف اختلافهم في مسألتين: الأولى: وسبق بحثها، هل يجب استيعاب الوجه واليدين بالمسح في التيمم، وقد ترجح بأن الاستيعاب ليس بواجب، وأن عليه أن يمسح وجهه بكلتا يديه، ولا يتعمد ترك شيء منه، فإن بقي منه شيء لا يرجع إليه بالمسح. والثانية: قياس التيمم على الوضوء، فلما كان الوضوء يجب غسل ما تحت الشعر الخفيف، فهل يقاس عليه التيمم، فيقال بوجوب مسح ما تحت الشعر الخفيف؟ الصحيح أن قياس التيمم على الوضوء قياس مع الفارق؛ لأن المسح مبني على التخفيف، بخلاف طهارة الغسل، والله أعلم.

стр. 5357

المبحث الرابع: في صفة مسح الوجه واليدين عند الفقهاء (١) اختلف العلماء في صفة المسح بالتيمم: فقيل: يضرب بيديه الصعيد، فيقبل بهما ويدبر (٢)، ثم ينفضهما، ثم يمسح بهما وجهه، ثم يعود بكفيه على الصعيد مرة ثانية، فيقبل بهما ويدبر، ثم ينفضهما، ثم يمسح بذلك ظاهر الذراعين وباطنهما إلى المرفقين، وهذه الصفة رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة (٣). وقيل: يمسح بباطن أربع أصابع يده اليسرى، ظاهر يده اليمنى، من رؤوس الأصابع إلى المرفق، ثم يمسح بكفه اليسرى دون الأصابع باطن يده

стр. 5358

اليمنى من المرفق إلى الرسغ، ثم يمر بباطن إبهامه اليسرى على ظاهر إبهامه اليمنى، ثم يفعل باليد اليسرى كذلك. وهذه هي الصفة المختارة عند الحنفية (١). وذلك لأن مسح ظاهر اليد اليمنى بباطن الأصابع، ثم مسح باطن اليد اليمنى بباطن الكف دون الأصابع فيه احتراز من استعمال التراب المستعمل (٢). ونحوها عند المالكية، إلا أنهم لم يجعلوا الأصابع تمسح ظاهر اليد، والكف يمسح باطن اليد، بل الكف بأصابعها تمسح ظاهر اليد وباطنها، فقالوا في صفة التيمم المستحبة ما يلي: " أن يضرب الأرض بيديه جميعاً ضربة واحدة، فإن تعلق بها شيء نفضه نفضاً خفيفاً، ومسح بهما وجهه، ثم يضرب أخرى لليدين ويضع اليسرى على اليمنى فيمرها من فوق الكف إلى المرفق، ومن باطن المرفق إلى الكوع، ويفعل باليسرى كذلك. وأجاز الشيخ أبو الحسن وعبد الحق مسح كف اليمنى قبل الشروع في اليسرى؛ لأن الأصل أن لا يشرع في عضو إلا بعد كمال ما قبله. وروى ابن حبيب تركها حتى يصل إلى كوع الأخرى، ويمسح الكوعين.

стр. 5359

وجهه: أن كفه اليمنى كما تمسح ذراعه فكذلك ذراعه يمسح كفه، والتكرار في التيمم غير مطلوب، فلا يؤمر بمسح كفه بكفه، ولأنه يذهب بما في كفه اليمين من التراب (١). وذكر صاحب الرسالة أنه إذا وصل إلى الكوع مسح بباطن إبهام اليسرى ظاهر إبهامه اليمنى، وكذلك في اليسرى (٢). وذكر الشافعية صفة التيمم المستحبة نحواً من ذلك، حيث قالوا: أن يضع بطون أصابع اليسرى سوى الإبهام على ظهور أصابع اليمنى سوى الإبهام، بحيث لا تخرج أنامل اليمنى عن مسبحة اليسرى، ولا مسبحة اليمنى عن أنامل اليسرى، ويمرها على ظهر كفه اليمنى، فإذا بلغ الكوع ضم أطراف أصابعه إلى حرف الذراع، ويمرها إلى المرفق، ثم يدير بطن كفه إلى بطن الذراع، فيمرها عليه رافعاً إبهامه فإذا بلغ الكوع أمر إبهام اليسرى على إبهام اليمنى، ثم يفعل باليسرى كذلك، ثم يمسح إحدى الراحتين بالأخرى (٣). وذكر النووي بأن مسح إحدى الراحتين، سنة على قول جمهور العراقيين، ونقله ابن الصباغ عن الأصحاب مطلقاً إذا كان قد فرق بين أصابعه في الضربة الثانية.

стр. 5360

وقال البغوي: إن قصد بإمرار الراحتين على الذراعين مسحهما حصل، وإلا فلا. قلت: كلام البغوي فيه نظر؛ لأن نية التيمم كافية، ولا تشترط نية عند كل فعل من أفعال التيمم، ومثله سائر العبادات، فالصلاة نية واحدة، والوضوء نية واحدة، والله أعلم. وصوب النووي طريقة العراقيين، قال: فإن قيل: إذا سقط فرض الراحتين صار التراب الذي عليهما مستعملاً، فكيف يجوز مسح الذراعين به؟ ولا يجوز نقل الماء الذي غسلت به إحدى اليدين إلى الأخرى؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن اليدين كعضو واحد، ولهذا جاز تقديم اليسار على اليمين، ولا يصير التراب مستعملاً إلا بانفصاله، والماء ينفصل عن اليد المغسولة، فيصير مستعملاً. الثاني: أنه يحتاج إلى هذا هاهنا، فإنه لا يمكنه أن يتم الذارع بكفها، بل يفتقر إلى الكف الأخرى، فصار كنقل الماء من بعض العضو إلى بعضه. ونقل صاحب البيان وجهاً أنه يجوز نقل الماء من يد إلى يد أخرى؛ لأنهما كيد، فعلى هذا يسقط السؤال (١). وأما صفة التيمم عند الحنابلة: فقالوا: يضرب بيديه مفرجتي الأصابع ضربة واحدة، يمسح وجهه بباطن أصابعه، وكفيه براحتيه (٢).
следующие страницы →