← Фикх общий

Фикх общий · id 17126

موسوعة أحكام الطهارة - الدبيان - ط 2

دبيان الدبيان

Полный текст (6 049 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

دليل من قال: لا بد من غسلها . يرى أصحاب هذا القول أن النجاسة لا تزال إلا بالماء المطلق، وقد نوقشت أدلته مع بيان الجواب عليها في بحث مستقل تحت عنوان: هل يتعين الماء لإزالة النجاسة؟ فارجع إليه غير مأمور.

стр. 5952

الفرع الثاني في مسح البول والغائط بالحجارة اختلف العلماء في جواز الاستجمار بالحجارة: فقيل: يجوز الاستجمار بالحجارة، ولو مع وجود الماء والقدرة عليه، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١)، مع أن الحجر قد لا ينقي المحل، فلا بد أن يبقى به أثر لا يزيله إلا الماء، وهذا من تيسير الشريعة، ومن التخفيف الذي وضعه الله عن عباده، خاصة أن الإنسان قد يحتاج إلى قضاء حاجته في مكان لا يوجد فيه ماء، فكان من سعة الله على عباده أن يسر لهم إزالتها بأي مزيل من أجحار ونحوها. وقيل: لا يجوز الاستجمار بالحجارة إلا لمن عدم الماء، وادَّعى أن العمل بالاستجمار قد ترك العمل به، اختاره ابن حبيب من المالكية (٢).

стр. 5953

وقد سبق ذكرنا أدلة كل قول، ومناقشتها وتبين أن الراجح منها جواز استعمال الحجارة في إزالة النجاسة، بل تجوز بكل مزيل، سواء كان مائعاً أو جامداً، فالحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً (١).

стр. 5954

الفرع الثالث في إزالة النجاسة بالمسح وهل هو مطهر حقيقة أو حكماً معلوم أن الاستجمار - وهو إزالة للنجاسة بالمسح - يبقى بعده أثر لا يزيله إلا الماء، فهل الاستجمار والحالة هذه مطهر، أو أن المحل ييقى نجساً معفواً عنه، في هذا اختلف العلماء. فقيل: طهارة الاستجمار طهارة حكمية، أي يبيح للمسلم فعل الصلاة، وليس رافعاً للنجاسة، فالمحل نجس معفو عنه. وهذا مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، وقول في مذهب الحنفية (٣)، الحنابلة (٤). وقيل: الاستجمار طهارته طهارة حقيقية، وهو القول الثاني في مذهب الحنفية (٥)، والحنابلة (٦).

стр. 5955

الدليل على أن الاستنجاء مطهر . (١٧١٠ - ٢٣٨) ما رواه الدارقطني، من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب، نا سلمة بن رجاء، عن الحسن بن فرات القزاز، عن أبيه، عن أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة، قال: إن النبي ﷺ نهى أن يستنجى بروث أو عظم، وقال: إنهما لا يطهران (١). [إسناده ضعيف] (٢). وجه الاستدلال: قوله: عن العظم والروث إنهما لا يطهران، معنى ذلك أن غيرهما مطهر مما يزيل النجاسة من حجر ونحوه، والله أعلم. الدليل الثاني: أن النجاسة تزال بأي مزيل، ولا يتعين الماء في إزالتها، فكيف زالت زال حكمها، وقد نوقشت هذه المسألة في باب مستقل، فإذا استنجى الإنسان، وأزال عين النجاسة فقد طهر المحل، والدليل على أن الماء لا يتعين في إزالة النجاسة: أحاديث كثيرة في تطهير ذيل المرأة بالتراب (٣)، وتطهير النعل بدلكه في التراب (٤)، فإذا كانت النعل تطهر بالتراب، وكان التراب لها طهوراً، وكان

стр. 5956

ذيل المرأة يطهره ما بعده من التراب الطيب، وكان الريق ربما طهر الثوب يصيبه شيء من دم الحيض (١)، فكذلك مكان البول والغائط يطهره الأحجار ونحوها، والله أعلم. دليل من قال: إن الاستجمار غير مطهر . قالوا: إن الأصل في إزالة النجاسة هو الماء - وقد ذكرنا الأدلة على هذا في مسألة مستقلة: تحت عنوان: هل يتعين الماء لإزالة النجاسة - ولكن لما كان البول والغائط يتكرران، وقد ينزلان بالإنسان وليس معه ماء خفف عنه في إزالتها، فاكتفي بالأحجار ونحوها عن الماء، ومعلوم أن الحجر لا يزيل النجاسة بالكلية، بل يبقى معه أثر لا يزيله إلا الماء، فهذا دليل على أن المحل نجس لبقاء جزء من النجاسة على المحل، وقد حكي الإجماع على أنه معفو عنه. قال ابن قدامة: وقد عفي عن النجاسات المغلظة لأجل محلها في ثلاثة مواضع: أحدها: محل الاستنجاء، فعفي فيه عن أثر الاستجمار بعد الإنقاء واستيفاء العدد بغير خلاف نعلمه (٢). وكونه معفواً عنه دليل على أن الطهارة حكمية وليست حقيقية. الراجح من أقوال أهل العلم: أن الاستجمار مطهر، وتطهير كل نجاسة بحسبها، فتطهير مكان البول

стр. 5957

والغائط يكون بالحجارة، وذلك أن يرجع الحجر نظيفاً لا شيء عليه من النجاسة، وتطهير ذيل المرأة بمروره على تراب طاهر، وكما قال ﷺ : يطهره ما بعده، وتطهير النعل بدلكها في التراب، وقد قال ﷺ : فإن التراب له طهور، ولا معنى لكلمة يطهره إلا أنه الطهارة الشرعية، وأما من حمله على الطهارة اللغوية - وهو النظافة - فلم يكن مصيباً؛ لأننا لا نحمله على الحقيقة اللغوية إلا إذا تعذر حمله على الحقيقة الشرعية، وهو هنا لم يتعذر، وقد سبق في بحث مستقل طهارة النعلين وذيل المرأة وذكر هناك خلاف العلماء فيهما، ورجحنا طهارتهما طهارة شرعية بما أرشد إليه الشارع من دلك النعل ومرور ذيل المرأة على مكان طاهر، والله أعلم.

стр. 5958

الفرع الرابع في وجوب تكرار المسح في إزالة النجاسة علمنا عند الكلام على كيفية التطهير بالماء: خلاف العلماء في وجوب العدد في إزالة النجاسة، وفي هذه المسألة نبحث وجوب العدد في التطهير بالمسح، فقد اختلف العلماء في وجوب العدد في إزالة النجاسة بالحجارة، فقيل: لا يجب العدد، بل المعتبر الإنقاء، فكيف حصل أجزأ، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢). وقيل: لا بد من ثلاثة أحجار، فأكثر، وهو مذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، واختيار ابن حزم (٥). وقد ذكرت أدلة كل قول مع الراجح في كتاب أحكام الطهارة آداب الخلاء فأغنى عن إعادته هنا (٦).

стр. 5959

المبحث الثاني في التطهير بالدلك اختلف العلماء في التطهير بالدلك إلى أقوال: الأول: مذهب الحنفية: ذهب الحنفية إلى أن الدلك مطهر للنعل والخفاف خاصة، فلا يطهر بالدلك البدن مطلقاً، ولا يطهر الثوب بالدلك إلا في المني خاصة، ويشترطون أن تكون النجاسة لها جرم، فإن كانت بولاً لم يطهرها الدلك، ولا بد من الغسل، وهل يشترط في الجرم أن يكون جافاً؟. فيه قولان: أحدهما قول أبي حنيفة حيث ذهب إلى اشتراط أن يكون جرم النجاسة جافاً، فإن كان رطباً تعين الغسل. وذهب أبو يوسف إلى عدم اشتراط الجفاف (١). القول الثاني: مذهب المالكية: التفريق بين ذيل المرأة والنعل. فإذا أصاب الذيل نجاسة فإنه لا يطهرها إلا الماء، وحمل حديث أم سلمة على القشب اليابس يعلق بالثوب ثم ينظفه ما بعده، وليس هذا من باب تطهير النجاسة، وإنما هو من باب التنظيف (٢).

стр. 5960

وأما في النعل والخفاف فإن الدلك يطهر النعل من أرواث الدواب وأبوالها فقط يابسة كانت أو رطبة، فإن كانت النجاسة من غير أرواث الدواب وأبوالها، فإنه لا يعفى عنه، ولا بد من غسله (١). وهل الدلك في هذه الحالة مطهر أو يقال: إنه معفو عنه للمشقة، رجح ابن جزي الأول، ورجح خليل في مختصره وشراحه الثاني (٢).

стр. 5961

القول الثالث: مذهب الشافعية: يجب غسل ذيل المرأة وأسفل الخف مطلقاً، وهو قول الشافعي في الجديد (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢).

стр. 5962

وفي القديم للشافعي: التفريق بين ذيل المرأة والخف، فيغسل الأول ويعفى عن نجاسة تصيب أسف النعل بعد دلكها وهي يابسة (١). فتلخص لنا من هذا الخلاف أقوال: الأول: أن الدلك يطهر مطلقاً، في الرطب واليابس، في نعل المرأة وفي ذيلها. الثاني: أن الدلك لا يطهر مطلقاً. الثالث: أن الدلك يطهر النجاسة الجافة دون الرطبة. الرابع: أن الدلك يطهر الخف والنعل فقط دون ذيل المرأة. وبعض هذه الأقوال ذكرناها في الحاشية، ولم نذكرها في المتن؛ لأنها أقوال في بعض

стр. 5963

المذاهب ليست مشهورة، فلينتبه لهذا. وأما أدلة هذه المسألة فهي ترجع إلى مسألة بحثناها في فصل مستقل: وهي: هل يتعين الماء لإزالة النجاسة، أو أن النجاسة تزال بأي مزيل كان؟ فمن رأى أن النجاسة لا يزيلها إلا الماء المطلق منع إزالة النجاسة بالدلك، وأجاب عن حديث ذيل المرأة بما نقله ابن عبد البر في التمهيد، بأن المقصود به النجاسة اليابسة التي تعلق بالثوب، وهي نجاسة لا تتعدى، فالفرك يسقط النجاسة، والمحل لم يتنجس أصلاً، وقد نقلنا كلامه عند عرض الأقوال. واعترض على هذا التفسير: بأن القشب اليابس لا يعلق بالثوب، وأي شيء يبقى حتى يقول ﷺ : يطهره ما بعده. وأجيب: بأن القشب قد يكون له غبار يعلق بالثوب، فإذا مر على ما بعده طهره (١). أو يقال: المراد يطهره الطهارة اللغوية، وليست الطهارة الشرعية (٢). وهذا الجواب ليس بسديد؛ لأن غبار النجاسة ليس بنجس، ولم يقم دليل على أن الغبار منه ما هو طاهر ومنه ما هو نجس. وأما حمل اللفظ على الطهارة اللغوية: أي النظافة، فالطهارة إذا جاءت من الشارع فهي على حقيقتها الشرعية، فالأصل في كلام الشارع حمله على الحقيقة الشرعية حتى يمنع من ذلك مانع، ولم يوجد مانع يمنع من ذلك. ومن أجاز إزالة النجاسة بأي مزيل قالع للنجاسة أجاز إزالة النجاسة بالدلك.

стр. 5964

ومن اشترط أن تكون النجاسة يابسة: رأى أن هناك إجماعاً أن النجاسة الرطبة على الخف لا يكفي في تطهيرها الدلك، كما نقله النووي عن الخطابي ونقلناه عن النووي (١)، والحقيقة أن المسألة ليس فيها إجماع، والأحاديث مطلقة، تشمل الرطب واليابس، بل إن الحديث نص في الرطب. (١٧١١ - ٢٣٩) فقد روى أحمد، قال: ثنا أبو كامل، ثنا زهير ـ يعنى ابن معاوية ـ ثنا عبد الله بن عيسى، عن موسى بن عبد الله، قال: وكان رجل صدق، عن امرأة من بني عبد الأشهل قالت: قلت: يا رسول الله إن لنا طريقاً إلى المسجد منتنة فكيف نصنع إذا مطرنا؟ قال: أليس بعدها طريق هي أطيب منها؟ قالت: قلت: بلى قال: فهذه بهذه (٢). [إسناده صحيح] (٣).

стр. 5965

ومن قيد النجاسة بأن تكون في أرواث الدواب وأبوالها خاصة نظر إلى أن هذا النوع من النجاسة يشق الاحتراز منه، ويكثر في الطرقات فعفي عنها، وخفف في طهارتها بخلاف غيرها من النجاسات. وما سبق ترجيحه هناك بأن النجاسة أياً كانت تزال بأي مزيل فهو الراجح هنا، والله أعلم.

стр. 5966

المبحث الثالث التطهير بالجفاف إذا أصابت النجاسة أرضاً، فتركت حتى جفت، إما بفعل الشمس أو بفعل الريح أو بغيرهما، فذهبت عين النجاسة ولونها وريحها، فهل هذا كاف في طهارتها، أو لا بد من غسل النجاسة؟ فقيل: إن الجفاف يطهر الأرض في حق الصلاة فقط، ولا يجوز التيمم بها، وهذا مذهب الحنفية (١). وقيل: لا تطهر الأرض بالجفاف، بل لا بد من غسلها، وهذا مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، واختيار زفر من الحنفية (٥).

стр. 5967

وقيل: الجفاف مطهر مطلقاً، في حق الصلاة وفي حق التيمم وفي حق غيرهما، وهو رواية عن أحمد، نصرها ابن تيمية (١). دليل من قال: إن النجاسة يطهرها الجفاف: الدليل الأول: (١٧١٢ - ٢٤٠) ما رواه البخاري في صحيحه، قال: وقال أحمد بن شبيب، حدثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني حمزة بن عبد الله، عن أبيه قال كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ ، فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك (٢). استدل به أبو داود في السنن على أن الأرض تطهر إذا لاقتها النجاسة بالجفاف، لقوله " فلم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك " فإذا نفي الرش كان نفي صب الماء من باب الأولى، فلولا أن الجفاف يفيد تطهير الأرض ما تركوا ذلك الدليل الثاني: أن المطلوب زوال النجاسة، فإذا زالت فقد زال حكمها، والجفاف خاصة في البلاد الحارة يذهب بالنجاسة لوناً وطعماً وريحاً، وهذا هو عين المطلوب. الدليل الثالث: (١٧١٣ - ٢٤١) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق إسماعيل الأزرق، عن

стр. 5968

ابن الحنفية، قال: إذا جفت الأرض فقد زكت (١). [في إسناده إسماعيل بن سلمان الأزرق ضعيف] (٢). دليل من قال: إن الجفاف غير مطهر: أدلة أصحاب هذا القول هي أدلتهم على أن النجاسة لا تزال إلا بالماء الطهور، وقد سبق ذكر أدلتهم والجواب عليها في مسألة: هل يتعين الماء لإزالة النجاسة؟ فانظرها مشكوراً هناك. فالراجح أن الجفاف مطهر بشرط أن يذهب معه أثر النجاسة.

стр. 5969

المبحث الرابع في التطهير بالاستحالة قد تتحول العين النجسة إلى عين أخرى، سواء بفعل آدمي، أو بمرور الوقت، أو بغيرهما (١)، فإذا تغيرت هذه العين النجسة إلى عين طاهرة فهل ننظر إلى أصلها فنحكم لها بالنجاسة، أو ننظر إلى حالها الحادث، فنحكم لها بالطهارة؟. هذه المسألة محل خلاف بين العلماء، بعد اتفقاهم على طهارة الخمر إذا انقلب خلاً بنفسه على القول بنجاسة الخمر. واتفاقهم على طهارة الدم المنقلب إلى مسك، على القول بنجاسة الدم.

стр. 5970

فقيل: إن الاستحالة مطهرة، وهو مذهب الحنفية (١)، ومذهب المالكية (٢)، واختيار ابن حزم (٣)، ورجحه ابن تيمية (٤). وقيل: لا تأثير للاستحالة، وهو مذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦). دليل من قال: إن الاستحالة مطهرة . الدليل الأول: القياس على الخمرة تنقلب خلاً بذاتها، فقد أجمع العلماء على أن الخمر إذا تخللت من ذاتها حَلَّت وجاز تناولها بالإجماع، فكذلك سائر النجاسات إذا انقلبت إلى عين طاهرة صار لها حكم الطاهرات. قال ابن تيمية: إذا انقلبت الخمر خلا بغير قصد آدمي فإنها طاهرة حلال باتفاق الأئمة (٧).

стр. 5971

واعترض عليه: بأن هذا خاص بالخمرة، وذلك لأن نجاستها كانت عن طريق الاستحالة، فتكون طهارتها عن طريق الاستحالة، وأما غيرها من النجاسات فإنها نجسة العين ابتداء بدون استحالة. ورد عليهم: لا نسلم أن سائر النجاسات نجاستها ابتداء بدون استحالة، فهذا البول والغائط نجاسته عن طريق استحالة الطعام الطيب إلى خبيث، ومع ذلك تمنعون طهارته بالاستحالة، فما الفرق؟. وهذا الدم تقولون بنجاسته، وهو مستحيل من الطعام أيضاً، وهذا المني طاهر عند المالكية والحنابلة، وهو مستحيل من الدم النجس عند الأئمة الأربعة. الدليل الثاني: إذا كان الطعام الطيب إذا استحال إلى شيء خبيث كالبول والغائط أصبح له حكم البول والغائط من النجاسة، فكذلك الشيء النجس إذا استحال إلى طيب أعطي له حكم الطيب من الحل والطهارة. قال ابن حزم: ومن خالف هذا لزمه أن يحرم اللبن , لأنه دم استحال لبنا, وأن يحرم التمر والزرع المسقي بالعذرة والبول, ولزمه أن يبيح العذرة والبول, لأنهما طعام وماء حلالان، استحالا إلى اسم منصوص على تحريم المسمى به (١). ومعلوم أنه إذا استحال الشيء بالشيء حتى لا يرى له ظهور يحكم له بالعدم، وعلى هذا فلو وقعت قطرة من لبن امرأة في ماء، فاستهلكت فيه،

стр. 5972

وشربه الرضيع خمس رضعات فأكثر، لم تنتشر الحرمة، ولو كانت قطرة خمر فاستهلكت في الماء البتة، لم يجلد بشربه، وهكذا، والاستهلاك بالشيء نوع من الاستحالة، ومع ذلك لم يعتبر الأصل بل اعتبر الحال. والفرق بين الأعيان الطاهرة والأعيان النجسة وجود صفات فيها، فإذا وجدت في الأعيان حكم لها بالطهارة أو بالنجاسة، فإذا لم توجد هذه الصفات التي تجعلنا نحكم للشيء بالنجاسة لم نحكم له بذلك. الدليل الثالث: (١٧١٤ - ٢٤٢) ما رواه البخاري في صحيحه، قال: وقال أحمد بن شبيب، حدثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني حمزة بن عبد الله، عن أبيه قال كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد، في زمان رسول الله ﷺ فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك (١). فهذا النوع من الطهارة، وهو ذهاب النجاسة عن طريق الشمس والريح استحالة للنجاسة بانقلابها إلى عين طاهرة. الدليل الرابع: (١٧١٥ - ٢٤٣) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق إسماعيل الأزرق، عن ابن الحنفية، قال: إذا جفت الأرض فقد زكت (٢). [ضعيف وقد سبق تخريجه في المسألة التي قبل هذه].

стр. 5973

الدليل الخامس: قالو: إن المسلم قد يبتلى بشرب الخمر، والكافر يشربه ويأكل الخنزير، ولا يكون ظاهرهما نجساً؛ إذ لو تنجسا ما طهرهما الاغتسال، ويلزم من قولهم: إن الاستحالة مؤثرة أن تكون الحيوانات نجسة؛ لأنها متولدة من المني، والمني من الدم، والدم عندهم نجس. دليل من قال: إن الاستحالة غير مطهرة: الدليل الأول: (١٧١٦ - ٢٤٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى، عن هشام، حدثنا قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ عن لبن شاة الجلالة، وعن المجثمة، وعن الشرب من في السقاء (١). [إسناده صحيح] (٢). وأجيب بعدة أجوبة: الأول: بأننا إذا عرفنا الجلالة على القول الصحيح بأنها: هي الدابة التي ظهر فيها أثر النجاسة من ريح ونتن، وهو قول في مذهب الحنفية (٣)،

стр. 5974

ومذهب الشافعية (١). ففي الحالة التي يظهر فيها أثر للنجاسة دليل على تغير الطاهر بالنجاسة، فإذا كان الماء الذي خلق طهوراً، ومنه تطهر الأعيان النجسة إذا تغير بالنجاسة حكمنا له بالنجاسة، فما بالك بغير الماء، فلا يكون في هذا دليل على أن الاستحالة غير مؤثرة، فإذا أكل الحيوان النجاسة ولم يظهر فيه نتنها نحكم لها بالطهارة؛ لأن النجاسة استحالت واستهلكت في العين الطاهرة، كما حكمنا للماء إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره بأنه طهور. (١٧١٧ - ٢٤٥) ثانياً: روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عمرو بن ميمون، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثاً (٢). [إسناده صحيح] (٣).

стр. 5975

وهذا أحسن ما ورد في حبس الجلالة، فهذا دليل على أن الجلالة التي نهي عنها لتناولها النجاسة قد طهرت بالاستحالة، وذلك بحبسها فلما زال أثر النتن عن لحمها أصبحت طاهرة حلالاً بدون غسل النجاسة، وإنما عن طريق الاستحالة أيضاً. الجواب الثالث: قيل: إن النهي للكراهة، وهو ما سبق ترجيحه في الخلاف في حكم الجلالة. الجواب الرابع: قيل: إن تحريم الأكل لا يعني النجاسة، فليس كل محرم نجساً. وهذا الجواب لعله من أضعفها، فإن النهي إنما هو بسبب النجاسة لا غير. الدليل الثاني: (١٧١٨ - ٢٤٦) ما رواه البخاري ﵀، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا همام، أخبرنا إسحاق، عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ رأى أعرابياً يبول في المسجد، فقال: دعوه حتى إذا فرغ دعا بماء فصبه عليه، ورواه مسلم (١). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ بادر إلى صب الماء على النجاسة، ولو كانت الاستحالة تطهره أو تطهره الشمس أو الريح أو الجفاف لتركه ﵊، ولما أمر بصب الماء عليه.

стр. 5976

ويجاب عن هذا: بأن حديث الأعرابي مجرد فعل من الرسول ﷺ ، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، نعم فيه دليل على استحباب المبادرة إلى إزالة النجاسة؛ لأن الماء معلوم بأنه أسرع في إزالة النجاسة من الاستحالة؛ لأن الاستحالة ربما احتاجت إلى وقت طويل كي تتحول فيه النجاسة إلى عين طاهرة؛ ولأن بقاع المساجد أحب البقاع إلى الله تعالى، وأطهرها، فيجب أن تكون هذه البقاع أطهر ما يكون وعلى أتم الاستعداد لأداء العبادة فيها بين لحظة وأخرى لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، فالماء هو أسرع وسيلة في تطهير النجاسة وإزالتها، فمن أجل ذلك بادر بصب الماء عليها، وهذا لا يعني عدم زوال النجاسة بالجفاف، والله أعلم. الراجح من أقوال أهل العلم: الراجح أن الاستحالة مؤثرة سواء في انقلاب العين الطاهرة إلى نجسة أو العكس. قال ابن القيم: على هذا الأصل فطهارة الخمر بالاستحالة على وفق القياس؛ فإنها نجاسة لوصف الخبث، فإذا زال الموجِب زال الموجَب، وهذا أصل الشريعة في مصادرها ومواردها، بل وأصل الثواب والعقاب، وعلى هذا فالقياس الصحيح تعدية ذلك إلى سائر النجاسات إذا استحالت، وقد نَبَشَ النبي ﷺ قبور المشركين من موضع مسجده، ولم ينقل التراب، وقد أخبر الله عن اللبن أنه يخرج من بين فرث ودم، وقد أجمع المسلمون على أن الدابة إذا علفت بالنجاسة، ثم حبست وعلفت بالطاهرات حَّلَ لبنها ولحمها، وكذلك الزرع والثمار إذا سقيت بالماء النجس، ثم سقيت بالطاهر

стр. 5977

حَلَّت؛ لاستحالة وصف الخبث وتبدله بالطيب، وعكس هذا أن الطيِّب إذا استحال إلى خبيث صار نجساً، كالماء والطعام إذا استحال بولاً وعذرة، فكيف أثرت الاستحالة في انقلاب الطيب خبيثاً، ولم تؤثر في انقلاب الخبيث طيباً؟ والله تعالى يخرج الطيب من الخبيث والخبيث من الطيب، ولا عبرة بالأصل، بل بوصف الشيء في نفسه (١). وقال ابن تيمية: ولا ينبغي أن يعبر عن ذلك بأن النجاسة طهرت بالاستحالة، فإن نفس النجس لم يطهر بل استحال، وهذا الطاهر ليس هو ذلك النجس، وإن كان مستحيلاً منه، والمادة واحدة، كما أن الماء ليس هو الزرع والهواء والحب، وتراب المقبرة ليس هو الميت، والإنسان ليس هو المني، والله تعالى يخلق أجسام العالم بعضها من بعض، ويحيل بعضها إلى بعض، وهي تبدل مع الحقائق، ليس هذا هذا (٢).

стр. 5978

الفصل الرابع في كيفية تطهير المائع المتنجس المبحث الأول في كيفية تطهير الماء المتنجس اختلف العلماء في كيفية تطهير الماء، وقبل أن أذكر خلافهم ينبغي أن نعلم هل نجاسة الماء نجاسة عينية أو نجاسة حكمية؟ الصحيح أن نجاسة الماء حكمية، فهو كالثوب النجس؛ لأنه يطهر غيره فنفسه من باب أولى، وهذا مذهب الجمهور، كما سيأتي التفصيل عنهم في كيفية تطهير الماء المتنجس، وهو اختيار ابن تيمية (١)، وصوبه فى الإنصاف (٢). وقيل: إن نجاسته نجاسة عينية. قال ابن مفلح فى الفروع: وهو ظاهر كلام الأصحاب، وتعقبه المرداوي في تصحيح الفروع (٣). وفي قوله: إنها عينيه نظر، لأن الحنابلة قالوا: النجاسة العينية لايمكن تطهيرها، وهذا يمكن تطهيره (٤).

стр. 5979

وقيل: نجاسته نجاسة مجاورة سريعة الإزالة، ولهذا يجوز بيعه (١). وقد ذهب أهل العلم في عصرنا كالمجمع الفقهي في رابطة العالم الإسلام إلى تطهير مياه المجاري إذا عولجت بالطرق الحديثة، وزال تغيرها بالنجاسة عن طريق الترشيح والتقطير، وتحولت بذلك إلى مياه عذبة، فلا مانع من استعمالها في الشرب وغيره، وسوف أنقل لكم نص قرار المجمع عند الكلام على كلام أهل العلم في كيفية تطهير المتنجس، وممكن أن نقسم لكم الكلام في تطهير الماء المتنجس إلى فروع.

стр. 5980

الفرع الأول أن يزول تغير الماء الكثير بنفسه إذا زال تغير الماء بنفسه فإما أن يكون كثيراً وإما أن يكون قليلاً، على خلاف بين أهل العلم في حد القليل والكثير (١).

стр. 5981

فإن كان كثيراً وزال تغيره بنفسه، فقيل: إن الماء يتحول إلى طهور، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وقيل: إنه نجس، وهو قول في مذهب المالكية (٤)، وقول في مذهب

стр. 5982

الحنابلة (١). وقيل: إنه طاهر، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢). دليل من قال: إن الماء يتحول إلى طهور: الدليل الأول: قالوا: إن الحكم بالنجاسة إنما هو لأجل التغير بالنجاسة، وقد زالت النجاسة، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. الدليل الثاني: إذا كان الخمر إذا تحول بنفسه إلى خل أصبح طاهراً، فكذلك الماء من باب أولى؛ لأن الماء أصلاً خلق طهوراً مطهراً، بخلاف الخمر. دليل من قال: إنه نجس: الدليل الأول: قالوا: الأصل في إزالة النجاسة هو الماء المطلق (الماء الطهور) وهذا ما لم يحصل هنا، فيبقى نجساً، ولو زال تغيره بالنجاسة. الدليل الثاني: إذا زال تغير الماء النجس فإنما طهر عن طريق الاستحالة، والاستحالة عندنا غير مطهرة.

стр. 5983

وقد سبق بحث مستقل في طهارة الأعيان النجسة بالاستحالة، مع ذكر حجج الفريقين، فارجع إليها غير مأمور. دليل من قال: يكون الماء طاهراً غير مطهر: قالوا: لا يكون مثل هذا الماء طهوراً، وقد زالت به النجاسة، ولا يكون نجساً، وهو ماء كثير غير متغير، قاسوه على الماء القليل إذا كان آخر غسلة زالت بها النجاسة عندهم، فإنه عندهم يكون طاهراً غير مطهر. وقد ترجح في بحث سابق أن الماء قسمان: طهور ونجس، ولا يوجد قسم من المياه يكون طاهراً غير مطهر (١). الراجح: أن الماء إذا زال تغيره بنفسه فإنه يكون طاهراً مطهراً، وإنما حكم عليه بالنجاسة لتغيره بها، وقد زال عنه هذا الوصف، فرجع إلى أصله. هذا خلاف أهل العلم في الماء الكثير إذا زال تغيره بنفسه، وهل يختلف الحكم إذا كان الماء المتغير بنفسه قليلاً؟ الجواب: اختلف أهل العلم في الماء النجس القليل إذا زال تغيره بنفسه: فقيل: إذا وقعت في الأواني أو في الحوض الصغير نجاسة، فلهم في تطهير الماء بشرط زوال تغيره إن وجد ثلاثة أقوال: فقيل: إذا دخل فيه ماء آخر، وخرج الماء منه طهر، وإن قل إذا كان الخروج حال دخول الماء فيه؛ لأنه بمنزلة الجاري. وقيل: لا يطهر إلا بخروج ما فيه. وقيل: لا يطهر إلا بخروج ثلاثة أمثال ما كان فيه من الماء، وسائر

стр. 5984

المائعات كالماء في القلة والكثرة، وهذا مذهب الحنفية (١). تعليل الحنفية: أن الماء النجس إذا دخل فيه ماء آخر، وخرج الماء منه، وكان خروج الماء حال دخول الماء الجديد فيه؛ أصبح بمنزلة الماء الجاري، والماء الجاري لا ينجس إلا بالتغير. وقيل: إنه لا يمكن أن يطهر بنفسه، وهو قليل، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). لأن الماء القليل عند الشافعية والحنابلة ينجس مطلقاً إذا لاقى النجاسة ولو لم يتغير، فزوال النجاسة إنما هو شرط في تطهير الماء الكثير، وأما الماء القليل فإنه ينجس بمجرد ملاقاته للنجاسة. ويستدلون بأدلة أشهرها: (١٧١٩ - ٢٤٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله، عن ابن عمر، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الماء يكون بأرض الفلاة

стр. 5985

وما ينوبه من السباع والدواب، فقال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث (١). [إسناده صحيح إن شاء الله] (٢). وجه الاستدلال بالحديث من وجهين: الوجه الأول: أن قوله ﷺ : إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، مفهومه أنه إذا كان دون القلتين فإنه يحمل الخبث. الوجه الثاني: لو كان الماء لا ينجس إلا بالتغير لم يكن للتحديد بالقلتين فائدة؛ لأن الماء إذا تغير بالنجاسة نجس، ولو كان مائة قلة. الدليل الثاني: (١٧٢٠ - ١٤٨) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، قال: أخبرنا أبو الزناد، أن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج حدثه، أنه سمع أبا هريرة، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه. ولمسلم: ثم يغتسل منه (٣). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ : نهى عن البول في الماء الدائم، وقد يتغير، وقد لا يتغير، ونهيه عن الاغتسال فيه دليل على أنه يؤثر فيه البول، ولم يشترط الرسول ﷺ التغير.

стр. 5986

الدليل الثالث: (١٧٢١ - ٢٤٩) ما رواه مسلم، قال: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب. (١٧٢٢ - ٢٥٠) ورواه مسلم من طريق علي بن مسهر، عن الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه، ثم ليغسله سبع مرار (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب، وجعله طهارة لهذا الإناء، كما أمر بإراقة سؤره، ولم يفرق بين ما تغير وما لم يتغير، وهذا دليل على أن النجاسة تؤثر في الماء ولو لم يتغير الماء. وإذا كان الماء القليل يحكم له بالنجاسة ولو لم يتغير لم يكن زوال تغيره بنفسه مؤثراً في طهارته. والصحيح أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، وقد سبق الكلام على هذه المسألة في بحث مستقل، وذكرت أدلة الأقوال في كتاب أحكام الطهارة، فأغنى عن إعادته هنا.

стр. 5987

الفرع الثاني أن يزول تغير الماء بإضافة ماء آخر عليه إذا زال تغير الماء النجس بإضافة ماء آخر، فهل يطهر؟ اختلف العلماء في ذلك، القول الأول: مذهب المالكية: ذهب المالكية إلى أن الماء يطهر مطلقاً بإضافة ماء آخر عليه، ولا يشترط أن يكون الماء المضاف قلتين، وإنما يشترط أن يزول تغيره بنفسه، وأن يكون الماء المضاف ماء مطلقاً: أي ليس ماء نجساً، ولا ماء طاهراً غير مطهر. وهذا مذهب المالكية (١). القول الثاني: مذهب الشافعية: قالوا: إن كان الماء قلتين فأكثر فإنه يطهر بإضافة ماء آخر عليه، سواء كان المضاف طاهراً أم نجساً، قليلاً أم كثيراً، صب عليه الماء أو نبع فيه، فإذا زال تغيره طهر. وإن كان الماء دون القلتين فيكون تطهيره بأن يزول تغيره بإضافة ماء آخر عليه حتى يبلغ قلتين، حتى ولو كان المضاف نجساً، ما دام أنه إذا بلغ الماء قلتين فقد زال تغيره، فإنه يطهر. وأما إذا أضيف إليه ماء دون القلتين، ففيه وجهان عندهم: الأول: يكون طاهراً غير مطهر.

стр. 5988

لماذا كان طاهراً، وقد لاقى النجاسة، وهو قليل؟ قالوا: لأن الماء القليل إنما ينجس بالنجاسة إذا وردت عليه، أما إذا ورد الماء على النجاسة كما هو الحال هنا فلا ينجس. ولماذا إذاً لا يكون طهوراً؟ قالوا: لأنه ماء استعمل فى إزالة النجاسة. الوجه الثاني: قالوا لا يطهر، لأنه ماء استعمل في إزالة النجاسة، فيبقى نجساً (١). القول الثالث: مذهب الحنابلة . أن يكون الماء دون القلتين، وفي هذه الحال إما أن تكون نجاسته بالتغير، أو بالملاقاة ولو لم يتغير. فيشترط لتطهير الماء المتنجس بالملاقاة شرط واحد، هو أن تضيف إليه قلتين من الماء الطهور، وبالتالي يصبح طهوراً فإن أضفت إليه دون القلتين لم يطهر. التعليل: لأن الماء القليل لا يدفع النجاسة عن نفسه، فكيف يدفعها عن غيره؟ لقوله ﷺ فى حديث ابن عمر: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث (٢). لوقال قائل: لنفرض أن الماء المتنجس بالملاقاة قلة واحدة، فأضفت إليها قلة أخرى، حتى أصبح الماء قلتين، فهل يطهر؟. أكثر الأصحاب على أنه لا يطهر، وهو المشهور من المذهب، وحكى بعضهم وجهاً بالتطهير، وصوبه صاحب الإنصاف.

стр. 5989

وإن كانت نجاسة الماء القليل أو الكثير بالتغير ففي هذه الحالة تضيف إليه قلتين من الماء الطهور، ثم تنظر هل زال التغير أم بقي؟ فإن زال فقد طهر، وإن لم يزل فإنك تضيف إليه حتى يذهب تغيره. أما إذا أضفت إليه دون القلتين فإن الماء يكون نجساً، حتى ولو زال تغيره، وهذا هو المذهب. وقيل: إنه يكون طهوراً حتى على قواعد المذهب، أو القائلين بالنجاسة ولو لم يتغير، قالوا: لأن الماء إنما ينجس بالنجاسة إذا كانت واردة عليه وهنا قد ورد الماء على النجاسة. ولو قلنا بنجاسة الماء هنا لقلنا بنجاسة الماء إذا صب على ثوب نجس، إلا أن يكون قلتين، ولما كان الدلو مطهراً لبول الأعرابي، لأنه بالتأكيد ليس قلتين ولا حتى قلة، بل إن هذا أولى من تطهير الخمر القليل الذي استحال إلى خل فطهر. وهذه الطريقة في تطهير الماء عند الحنابلة ﵏ إذا كان تنجيس الماء بالتغير، سواء كان قليلاً أم كثيراً، ما لم تكن النجاسة بول آدمي أو عذرته المائعة، فإن كانت النجاسة بول آدمي أو عذرته المائعة وكانت النجاسة لم تغير الماء، وكان لا يشق نزحه، فإن تطهيره بإضافة ما يشق نزحه، فيطهر بذلك. وإن كانت نجاسة الماء بالتغير، فإنه يضيف إليه ما يشق نزحه، بشرط زوال التغير، فإن زالت فقد طهر، وإلا فيضيف إليه حتى يزول أثر النجاسة (١).

стр. 5990

وهذا التفريق بين نجاسة بول الآدمي وعذرته المائعة، وبين غيرها من النجاسات من المسائل التي انفرد بها المذهب الحنبلي. تلخص لنا مما سبق: أن التطهير بالإضافة عند العلماء يشترط له شروط: الأول: أن يكون الماء المضاف طهوراً، وهذا شرط عند المالكية، والحنابلة، وليس بشرط عند الشافعية، إذ لا مانع أن تضيف عندهم ماء نجساً إذا كان بإضافته سوف يزول تغير الماء بالنجاسة. الثاني: أن يكون المضاف كثيراً - قلتان فأكثر - وهذا شرط للحنابلة، وليس بشرط عند المالكية، والشافعية. الثالث: أن يبلغ الماء قلتين بعد الإضافة، وليس بشرط عند المالكية، وأما الحنابلة فلا يكفي هذا عندهم؛ لأنهم يشترطون أن يكون المضاف نفسه قلتين. والراجح أن الماء إذا زال تغيره بإضافة ماء عليه طهر، سواء كان المضاف قليلاً أم كثيراً، وسواء كان طهوراً أم نجساً، ما دام أنه قد زال تغيره بعد الإضافة، لأن الحكم عليه بالنجاسة إنما كان من أجل تغيره بالنجاسة، وقد زال، فيرجع إلى أصله، وهو أن الماء طهور. وقد ذكرنا أن المجمع الفقهي الإسلامي رجح طهارة مياه المجاري إذا عولجت وذهب تغيرها بالنجاسة، وهذا أوان الوفاء بما وعدنا به من نقل نص القرار، يقول القرار: صدر قرار من مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشرة، المنعقدة في مكة المكرمة يوم الأحد ١٣ رجب ١٤٠٩ هـ منه: " وبعد مراجعة المختصين بالتنقية بالطرق الكيماوية وما قرروه من أن التنقية تتم بإزالة النجاسة منه على مراحل: وهي الترسيب
следующие страницы →