موصوف في مال نفسه، محرم عليه ذلك من مال غيره بإقراركم سواء سواء. وهذا لا سبيل لهم إلى الانفكاك منه. وليس هذا قياساً، بل هو حكم واحد داخل تحت تحريم الأموال، وتحت العمل بخلاف أمر الله تعال، ى وقد قال رسول الله ﷺ : "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" وكل هؤلاء عمل عملا ليس عليه أمر الله تعالى وأمر رسول الله ﷺ فهو مردود بحكم النبي ﷺ (١).
وأجيب:
بأن التحريم والصحة غير متلازمين، فتلقي الجلب منهي عنه، وإذا تُلُقِيَ كان البيع صحيحاً، وللبائع الخيار إذا أتى السوق، فثبوت الخيار فرع عن صحة البيع.
وانظر بقية الأقوال وأدلتها ومناقشتها في باب المياه في الوضوء بالماء المحرم.
стр. 912
المبحث الرابع
ألا يكون المستنجى به حيواناً
стр. 913
الفرع الأول
الاستنجاء بشيء من الحيوان متصلا به
اختلف الفقهاء في الاستنجاء بشيء متصل بالحيوان كالذنب والصوف والأذن ونحوها:
فقيل: يكره الاستجمار بشيء متصل بحيوان، وهو مذهب المالكية (١).
وقيل: لا يجوز الاستنجاء بها، وعليه أكثر الشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: يصح الاستجمار بما اتصل بالحيوان، واختاره الماوردي والشاشي من الشافعية (٤)، والأزجي من الحنابلة (٥).
دليل من حرم الاستنجاء بما هو متصل بحيوان .
الدليل الأول:
قالوا: إ الحيوان محترم فأشبه الاستنجاء بالطعام.
стр. 914
الدليل الثاني:
القياس على النهي عن الاستنجاء بعلف الدواب، فإذا كان قد نهي عن الاستنجاء بعلف الدواب، فالاستنجاء بها أولى بالنهي.
دليل من قال: بالجواز .
الدليل الأول:
قالوا: الأصل الجواز، ومن منع كلف الدليل، وقد نهي عن الاستنجاء بالروث والعظام، ولم يأت نهي عن الاستنجاء بالحيوان.
الدليل الثاني:
قالوا: إن حرمة الحيوان بمنع إيلامه، لا منع ابتذاله بخلاف المطعوم.
الدليل الثالث:
إذا صححنا الاستنجاء بالشعر والصوف إذا جز من الحيوان، صح الاستنجاء بهما وهما على الحيوان، غاية ما هنالك أن الحيوان قد تنجس، وتنجس بدن الحيوان في مقابلة منفعة الآدمي لا يمنع منها.
دليل من قال: يكره الاستنجاء بالحيوان .
قال: إن في الاستنجاء به تنجيس لبدن الحيوان الطاهر، وتنجيسه بلا حاجة مكروه.
الراجح: جواز الاستنجاء به إذا احتاج إليه الإنسان كما لو لم يجد بقربه إلا ذيل حيوان طاهر، لكن مع الحاجة قد يتجه القول بأنه خلاف الأولى، والله أعلم.
стр. 915
الفرع الثاني
الاستنجاء بجلد الحيوان المنفصل
اختلف الفقهاء في الاستنجاء بالجلد.
فقيل: يجوز بالجلد المدبوغ دون غيره، وهو المشهور من مذهب الشافعية (١).
وقيل: يجوز بالجلد مطلقاً مدبوغاً كان أو غير مدبوغ، وهو قول في مذهب الشافعية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: لا يجوز مطلقاً، وهو قول في مذهب الشافعية (٤).
وقيل: لا يجوز إن كان مذكى، وهو قول في مذهب الحنابلة (٥).
وقيل: لا يجوز إن كان مدبوغاً (٦).
دليل من قال: يجوز بالجلد إن كان مدبوغاً .
قال: إنه بالدباغ خرج الجلد من كونه من اللحوم إلى كونه من الثياب،
стр. 916
والاستنجاء بالثياب جائز.
ثم إن الدباغ مطهر له على الراجح، فيكون الاستنجاء بجلد طاهر منق أشبه الاستنجاء بالخزف.
دليل من قال: لا يستنجى به إن كان غير مدبوغ .
إن كان من ميتة فمانع الاستنجاء به هو النجاسة، والاستنجاء بالنجس عنده لا يجوز، وقد ناقشت هذه المسألة في مبحث مستقل، وهو اشتراط طهارة ما يستنجى به، فليراجع.
وإن كان من حيوان مذكى فإنه رطب، فينشر النجاسة، ولا يزيلها، وقد ذكرنا في مبحث مستقل هل يشترط أن يكون جامداً، والجمهور على اشتراطه، والصحيح خلافه.
دليل من قال: يشترط أن يكون مذكى .
من اشترط أن يكون مذكى حتى يخرج من كون الجلد نجساً، لأن النجس عنده لا يطهر، والصحيح أن النجس إن كان منقياً جاز الاستجمار به، إلا العظم والروث.
دليل من قال بالجواز مطلقاً .
قال: إن المقصود هو الإنقاء، فإذا أنقى الجلد وطهر المحل حكمنا بطهارة المحل، سواء كان الجلد مدبوغاً أم غير مدبوغ.
والراجح جوز الاستنجاء به مطلقاً، ولا يوجد دليل يمنع من الاستنجاء به، وعلى فرض أن يكون الاستنجاء به ينجسه، فإن تنظيفه ممكن، كما لو وقع على الثوب نجاسة، والله أعلم.
стр. 917
فرع
ما منع الاستنجاء به لحرمته لا يجوز البول عليه
لا يبول على ما منع الاستنجاء به لحرمته: كالروث والعظم والطعام (١).
التعليل:
لأنه إذا نهي عن الاستنجاء به، فالبول عليه من باب أولى، وهذا ما يسميه الفقهاء بالقياس الجلي.
стр. 918
الباب الخامس
في ما يستنجى منه
стр. 919
الفصل الأول
في الاستنجاء من البول والغائط
أجمع العلماء على مشروعية الاستنجاء من البول والغائط، بالماء أو بالإحجار على خلاف بينهم هل هو واجب أو مستحب -على التفصيل المذكور في حكم الاستنجاء- وذلك للإجماع على نجاسة البول والغائط، وقد نقل الإجماع على نجاستهما خلق كثير من العلماء:
منهم الطحاوي والسرخسي والعيني وعلي القارئ، وابن عبد البر وابن جزي وابن رشد، وابن المنذر والنووي والخطابي وابن تيمية وغيرهم، وإليك النقول عنهم:
قال الطحاوي: لحوم بني آدم قد أجمع أنها لحوم طاهرة، وأن أبوالهم حرام نجسة (١).
وقال العيني: بول الآدمي الكبير فحكمه أنه نجس مغلظ بإجماع المسلمين من أهل الحل والعقد (٢).
وقال علي القاري: وقد قال أبو حنيفة: لو قلت بالرأي لأوجبت الغسل بالبول؛ أي لأنه نجس متفق عليه، والوضوء بالمني؛ لأنه نجس مختلف فيه (٣).
وقال ابن عبد البر: أجمع المسلمون على أن بول كل آدمي يأكل الطعام نجس (٤).
стр. 920
وقال ابن رشد: وأما أنواع النجاسات فإن العلماء اتفقوا من أعيانها على أربع، ثم قال: وعلى بول ابن آدم ورجيعه (١).
وقال ابن جزي: وأما الأبوال والرجيع فذلك من ابن آدم نجس إجماعاً.
وقال أيضاً: النجاسات المجمع عليها في المذاهب اثنتا عشرة: بول ابن آدم الكبير ورجيعه (٢).
وقال ابن المنذر: وأجمعوا على إثبات نجاسة البول (٣).
وقال النووي: فأما بول الآدمي الكبير فنجس بإجماع المسلمين، نقل الإجماع فيه ابن المنذر وأصحابنا وغيرهم، ودليله الأحاديث السابقة مع الإجماع (٤).
وقال أبو الخطاب: البول مجمع على نجاسته (٥).
وحكى الإجماع الزركشي في شرحه (٦).
وقال ابن تيمية: قد أجمع المسلمون على جواز الاستجمار (٧).
وجاءت أحاديث كثيرة تدل على نجاسة البول، منها:
(٣٨٦ - ٢٣٠) ما وراه البخاري، قال: حدثنا عثمان، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد،
стр. 921
عن ابن عباس قال: مر النبي ﷺ بحائط من حيطان المدينة أو مكة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال النبي ﷺ : يعذبان، وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى، كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة. الحديث ورواه مسلم بنحوه (١).
فظاهر الحديث أن ترك الاستنجاء كبيرة من كبائر الذنوب، كيف والطهارة تتعلق بأعظم أركان الإسلام العملية، ألا وهي الصلاة.
(٣٨٧ - ٢٣١) وروى البخاري أيضاً، قال: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود،
أن أبا هريرة قال: قام أعرابي، فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ : دعوه وهريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء؛ فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين (٢).
وجاء قصة بول الأعرابي من مسند أنس في الصحيحين (٣).
(٣٨٨ - ٢٣٢) وروى البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت أتي رسول الله ﷺ بصبي، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فأتبعه إياه، ورواه مسلم (٤).
стр. 922
الفصل الثاني
في الاستنجاء من المذي
ذهب الأئمة الأربعة إلى مشروعية الاستنجاء من المذي على خلاف بينهم هل يجب الماء، أو تكفي الحجارة؟
فقيل: يجب غسل موضع الحشفة فقط، وهو مذهب الحنفية (١) والشافعية (٢)، ونسبه النووي للجمهور (٣)، ورجحه ابن عبد البر (٤).
وقيل: يجب غسل الذكر كله، ولا يجزئ الأحجار في المذي، وعليه أكثر أصحاب مالك (٥).
وقيل: يجب غسل الذكر كله مع الأنثيين، وهو مذهب الحنابلة، وذكروه من المفردات (٦)، وهو مذهب ابن حزم (٧).
وقيل: يجزئ الاستجمار، وهو قول في مذهب الشافعية (٨).
стр. 923
وقيل: المذي طاهر، وهو رواية عن أحمد (١).
أما الدليل على مشروعية الاستنجاء من المذي .
حكى الإجماع على نجاسته، وعلى وجوب الوضوء.
قال ابن عبد البر: وأما المذي المعهود المتعارف عليه، وهو الخارج عند ملاعبة الرجل أهله لما يجده من اللذة، أو لطول عزبة، فعلى هذا المعنى خرج السؤال في حديث علي هذا، وعليه وقع الجواب، وهو موضع إجماع لا خلاف بين المسلمين في إيجاب الوضوء منه، وإيجاب غسله لنجاسته (٢).
وقال النووي: أجمعت الأمة على نجاسة المذي والودي (٣).
وسبق لنا أن الإمام أحمد في رواية عنه أن المذي طاهر، فالخلاف محفوظ، لكنه خلاف شاذ.
دليل من قال: يغسل موضع الحشفة .
(٣٨٩ - ٢٣٣) ما رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع وأبو معاوية وهشيم، عن الأعمش، عن منذر بن يعلى -ويكنى أبا يعلى- عن ابن الحنفية،
عن علي قال كنت رجلا مذاء وكنت أستحيي أن أسأل النبي ﷺ لمكان ابنته فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال يغسل ذكره ويتوضأ،
стр. 924
ورواه البخاري بنحوه (١).
وجه الاستدلال:
قالوا: إن من غسل مخرج المذي من الذكر، فقد غسل ذكره، فإيجاب غسل الذكر كله لا دليل عليه من الشرع.
الدليل الثاني:
أن ابن عباس تارة يقول: "يغسل ذكره" وتارة يقول: "يغسل حشفته" فدل على أن مراده بقوله: " اغسل ذكرك" أي الحشفة، وفهم الصحابي أولى من فهم غيره؛ لأنه عربي قح لم تدخل لسانه العجمة، وهو ممن روى عن علي حديث غسل الذكر من المذي، فلو كان يقتضي ذلك غسل الذكر كله لكان ابن عباس أولى بفهم ذلك من غيره، كما أن ابن عباس لم يذكر غسل الأنثيين، فلو كان غسل الأنثيين محفوظاً من حديث علي لقال به، خاصة أنه كما قلنا: ممن روى عن علي حديثه في طهارة المذي، وإليك تخريج الروايات التي جاءت عن ابن عباس.
(٣٩٠ - ٢٣٤) روى عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال في المذي والودي والمني: من المني الغسل، ومن المذي والودي الوضوء، يغسل حشفته ويتوضأ (٢).
[إسناده صحيح].
وهذا يفسر ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد،
стр. 925
عن ابن عباس، قال: المني والودي والمذي، فأما المني ففيه الغسل، وأما المذي والودي ففيهما الوضوء، ويغسل ذكره (١).
[إسناده صحيح] (٢).
فصار مقصود ابن عباس بقوله: يغسل ذكره، أي: يغسل حشفته.
الدليل الثالث:
من النظر، قال الطحاوي في شرح معاني الآثار: رأينا خروج المذي حدثاً، فأردنا أن ننظر في خروج الأحداث ما الذي يجب به؟ فكان خروج
стр. 926
الغائط يجب به غسل ما أصاب البدن منه، ولا يجب غسل ما سوى ذلك إلا التطهر للصلاة، وكذلك خروج الدم في أي موضع خرج -في قول من جعل ذلك حدثاً- فالنظر على ذلك أن يكون كذلك خروج المذي، الذي هو حدث، ولا يجب غسل غير الموضع الذي أصاب من البدن غير التطهر للصلاة، فثبت ذلك أيضاً بما ذكرنا من طريق النظر، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن رحمهم الله تعالى (١).
دليل من قال: يجب غسل ذكره كله ولا يكفي الاستجمار .
(٣٩١ - ٢٣٥) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا زائدة، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن،
عن علي قال كنت رجلا مذاء فأمرت رجلا أن يسأل النبي ﷺ لمكان ابنته فسأل فقال توضأ واغسل ذكرك (٢).
فقوله ﷺ : اغسل ذكرك، حقيقة في جميع الذكر، فهو مفرد مضاف، فيعم جميع الذكر.
فيغسل مخرج الذكر من أجل النجاسة، أما بقية الذكر فهل غسله تعبدي غير معقول المعنى، بحيث يحتاج الأمر إلى نية؟ أو غسله من أجل قطع مادة المذي، فهو كغسل النجاسات، لا يفتقر إلى نية، قولان في مذهب مالك (٣).
стр. 927
وقوله في الحديث: " يغسل ذكره " دليل على أن الاستجمار لا يكفي، قال ابن عبد البر: وليس في أحاديث المذي على كثرتها ذكر الاستجمار (١).
وقال ابن دقيق العيد: الحديث دليل على تعين الماء فيه دون الأحجار، لأن ظاهره يعين الغسل، والمعين لا يقع الامتثال إلا به (٢).
دليل من قال: يغسل ذكره وأنثييه .
الدليل الأول:
(٣٩٢ - ٢٣٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا هشام بن عروة،
عن أبيه: قال: قال علي كنت رجلا مذاء، وكنت أستحي أن أسأل النبي ﷺ لمكان ابنته، فأمرت المقداد، فسأله، فقال: يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ (٣).
[رجاله ثقات إلا أن إسناده منقطع، وذكر غسل الأنثيين ليس محفوظاً] (٤).
стр. 928
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 929
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 930
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 931
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 932
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 933
الدليل الثاني:
(٣٩٣ - ٢٣٧) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حزام بن حكيم،
عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري، قال: سألت النبي ﷺ عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء؟ فقال: ذلك المذي، وكل فحل يمذي، فتغسل من ذلك فرجك وإنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة (١).
стр. 934
[إسناده ضعيف] (١).
دليل من قال: يجزئ الاستجمار بالحجارة .
الدليل الأول:
القياس على البول، بجامع أن كلاً منهما سائل نجس، خرج من مخرج واحد، فإذا ثبتت الطهارة من البول بالحجارة ثبتت الطهارة بالحجارة من المذي، ولا فرق، ولا يجمع الشارع بين متفرقين، ولا يفرق بين متماثلين.
الدليل الثاني:
أن الماء لا يتعين في إزالة النجاسات، فالنجاسة تزال بأي مزيل كان سواء كانت النجاسة مذياً أم بولاً أم غائطاً أم غيرها من النجاسات، وقد دلت أحاديث كثيرة على اعتبار التطهير بغير الماء، أسوق منها:
تطهير ذيل المرأة، وتطهير النعل، وتطهير دم الحيض، وغيرها من النجاسات.
(٣٩٤ - ٢٣٨) فقد روى أحمد، قال: ثنا أبو كامل، ثنا زهير -يعنى ابن معاوية- ثنا عبد الله بن عيسى، عن موسى بن عبد الله، قال: وكان رجل صدق، عن امرأة من بني عبد الأشهل قالت: قلت:
يا رسول الله إن لنا طريقاً إلى المسجد منتنة، فكيف نصنع إذا مطرنا؟
стр. 935
قال: أليس بعدها طريق هي أطيب منها؟ قالت: قلت: بلى. قال: فهذه بهذه (١).
[إسناده صحيح] (٢).
(٣٩٥ - ٢٣٩) ومنها ما رواه أحمد، قال: ثنا يزيد، أنا حماد بن سلمة، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري،
أن رسول الله ﷺ صلى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا. قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثاً فإذا جاء أحدكم
стр. 936
المسجد فليقلب نعله فلينظر فيها فإن رأى بها خبثاً فليمسه بالأرض ثم ليصل فيهما (١).
[الحديث إسناده صحيح] (٢).
стр. 937
(٣٩٦ - ٢٤٠) ومنها ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال:
قالت عائشة: ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم، قال بريقها فقصعته بظفرها (١).
ومن النظر: أن النجاسة عين خبيثة لها طعم، أو لون، أو رائحة. والمطلوب هو إزالة كل ذلك، فإذا ذهب طعمها، ولونها ورائحتها بأي مزيل زال حكمها، وأصبح المحل طاهراً، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
هذا ما وقفت عليه من أدلة كل قول، والحق أن غسل الأنثيين لا يثبت الأمر فيه، وأحاديث الصحيحين ليس فيها غسل الأنثيين، وأما هل تكفي الحجارة أم لا؟ الحديث نص على الماء، فمن عمل به، فهو أسعد بالدليل، ومن طهره بغيره، فالقياس جوازه، والله أعلم.
стр. 938
الفصل الثالث
في الاستنجاء من الودي
الودي نجس، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١).
وقيل: طاهر، وهو رواية عن أحمد (٢).
وعلى القول بنجاسته، فهل يجب الماء في الاستنجاء منه، أم يكفي فيه الحجارة؟ اختلف الفقهاء،
فقيل: يجب منه ما يجب من البول. وهو قول الجمهور (٣).
стр. 939
وقيل: لا بد من الماء في إزالته، وهو قول في مذهب المالكية (١)، وقول في
стр. 940
مذهب الشافعية (١).
دليل من قال: يتعين الماء .
الدليل الأول:
(٣٩٧ - ٢٤١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن الركين، عن حصين بن قبيصة الفزاري،
عن علي قال: كنت رجلا مذاء، وكانت تحتي بنت رسول الله ﷺ ، فكنت أستحي أن أسأله، فأمرت رجلاً فسأله فقال: إذا رأيت المذي فتوضأ، واغسل ذكرك، وإذا رأيت الودي فضخ الماء فاغتسل (٢).
[رجاله ثقات إلا أن ذكر الودي فيه غير محفوظ] (٣).
стр. 941
الدليل الثاني:
(٣٩٨ - ٢٤٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد،
عن ابن عباس، قال: المني والودي والمذي، فأما المني ففيه الغسل، وأما المذي والودي ففيهما الوضوء، ويغسل ذكره (١).
[إسناده صحيح] (٢).
دليل من قال: يكفي فيه الاستجمار .
ذكرنا أدلتهم في باب الخلاف في الاستنجاء من المذي، فارجع إليها إن شئت، فلا داعي لإعادتها هنا، والله أعلم.
دليل من قال: إن الودي طاهر .
قالوا: لا نعلم في الكتاب، ولا في السنة المرفوعة نصاً بأن الودي نجس، وإذا كان كذلك فالأصل طهارته، ولا يكفي في كونه يخرج من من مخرج البول حتى يعطى حكمه، فهذا المني يخرج من نفس المخرج، ومع ذلك فهو طاهر، وإذا كان يخرج عقب البول، كان الاستنجاء منه بسبب البول، لا
стр. 942
بسببه.
قلت: لا شك أن أكثر الأقوال على أن الودي يخرج عقب البول، لكن قال بعض الفقهاء أن خروج الودي بعد البول غالب لا دائم، فقد يخرج بعد حمل شيء ثقيل، وقد يخرج وحده بلا سبب (١).
стр. 943
الفصل الرابع
في الاستنجاء من المني
اختلف العلماء في الاستنجاء من المني لاختلافهم في طهارته.
فقيل: يستنجي منه إن كان رطباً بكل مائع مزيل (١)، ولا يكفي الاستجمار بالحجارة، وإن كان يابساً ففيه قولان في مذهب الحنفية:
فقيل: يكفي فركه، اختاره الكرخي من الحنفية.
وقيل: لا يكفي بل لا بد من غسله، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة (٢).
стр. 944
وقيل: يتعين الماء وحده، ولا يجزئ الفرك، اختاره أبو يوسف من الحنفية (١)، وهو مذهب المالكية (٢).
стр. 945
وقيل: لا يستنجي منه بناء على أن المني طاهر، وهو مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، ورجحه ابن حزم (٣).
دليل من قال يستنجى من المني، وأنه نجس .
الدليل الأول:
(٣٩٩ - ٢٤٣) قال البخاري: حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن
стр. 946
ابن عباس، عن ميمونة،
أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة، فغسل فرجه بيده، ثم دلك بها الحائط، ثم غسلها، ثم توضأ وضوءه للصلاة، فلما فرغ من غسله غسل رجليه. رواه البخاري ومسلم واللفظ للأول (١).
قال ابن تيمية: الاستنجاء من المني فعل النبي ﷺ وأصحابه على الدوام، ولا أعلم إخلالهم به بحال (٢).
الدليل الثاني:
الأدلة الدالة على نجاسة المني، وإذا كان نجساً كان الاستنجاء منه مشروعاً، ومن هذه الأدلة.
(٤٠٠ - ٢٤٤) ما رواه أبو يعلى، قال: حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا ثابت بن حماد أبو زيد، حدثنا علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب،
عن عمار، قال: مر بي رسول الله ﷺ ، وأنا أسقي ناقة لي فتنخمت،
стр. 947
فأصابت نخامتي ثوبي، فأقبلت أغسل ثوبي من الركوة التي بين يدي، فقال النبي ﷺ : يا عمار ما نخامتك ولا دموع عينيك إلا بمنزلة الماء الذي في ركوتك، إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني من الماء الأعظم والدم والقيء (١).
[إسناده ضعيف جداً] (٢).
стр. 948
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 949
(٤٠١ - ٢٤٥) ومنها أيضاً ما رواه مالك في الموطأ، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أنه اعتمر مع عمر بن الخطاب في ركب فيهم عمرو بن العاص، وأن عمر بن الخطاب عرس ببعض الطريق قريباً من بعض المياه، فاحتلم عمر، وقد كاد أن يصبح فلم يجد مع الركب ماء، فركب حتى جاء الماء، فجعل يغسل ما رأى من ذلك الاحتلام حتى أسفر، فقال له عمرو بن العاص: أصبحت ومعنا ثياب، فدع ثوبك يغسل. فقال عمر بن الخطاب: واعجباً لك يا عمرو بن العاصي، لئن كنت تجد
стр. 950
ثياباً أفكل الناس يجد ثياباً، والله لو فعلتها لكانت سنة، بل أغسل ما رأيت، وأنضح ما لم أر (١).
[إسناده منقطع] (٢).
وجه الاستدلال:
قال الباجي: قوله " فجعل يغسل ما رأى من الاحتلام حتى أسفر" يريد أنه تتبع ما كان في ثوبه من المني حتى أسفر الصبح، رأى أن تطهير ثوبه الذي هو فرض، أولى من مبادرة أول الوقت الذي هو أفضل، وهذا يدل على نجاسة المني؛ لأن اشتغاله به وتتبعه له حتى ذهب أكثر الوقت وخيف عليه من ضيقه، وأنكر عليه عمرو بن العاص التأخير، وأمره باستبدال ثوب دليل على نجاسة الثوب عندهم، ولو لم يكن نجساً عندهم لما اشتغل عمر بغسله، ولو اشتغل به لقيل له: تشتغل عن الصلاة بإزالة ما لم تلزم إزالته (٣).
(٤٠٢ - ٢٤٦) ومنها ما استدل به فقهاء الحنفية مما يروى عن النبي ﷺ أنه قال لعائشة: إذا وجدت المني رطباً فاغسليه، وإذا وجدته يابساً فحتيه.
[لا أصل له] (٤).