ركس (١).
وسقنا إسناده في أول دليل في مسألتنا هذه. فقوله ﷺ : هذا ركس: أي نجس كما بيناه من قبل، ولا ينبغي أن يفسر الركس بمعنى الرجيع،، فإن ذلك إخبار بالمعلوم، فيؤدي الحمل عليه إلى خلو الكلام من فائدة، والله أعلم.
دليل من قال: يجوز الاستنجاء بالعظم والروث .
لا أعلم له دليلاً، وقد صرح أشهب بأنه لا يعلم فيه نهياً، وهذا دليل على أنه لم يبلغه النهي، ولو بلغه لقال به، لأن النهي ثابت في صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة وابن مسعود وغيرهما كما سقناه في أدلة القول الأول.
دليل من قال: لا يستنجي، وإذا استنجى أجزأ .
قالوا: إن كان العظم والروث طعام إخواننا من الجن، فإن هذا لا يمنع من صحة الاستنجاء، كما لو استنجى بثوب غيره، فكون اعتدى على ثوب غيره لم يمنع من الاستنجاء به، وإن كان العظم والروث نجسين فإن هذا أيضاً لا يمنع من صحة الاستنجاء، لإن العظم نجاسته لا تتعدى كما لو كان خالياً من الرطوبة، وكذلك البعر الناشف لا تتعدى نجاسته إلى البدن، فهو يزيل النجاسة، ولا ينجس غيره، وبالتالي فإن النهي عن الاستنجاء منهما منفك عن كونهما ينظفان المحل، وكيف نحكم على المحل بالنجاسة وقد زالت عينها.
стр. 877
فرع النهي عن العظام والروث للكراهة أو للتحريم
اختلف الفقهاء هل النهي عن الاستجمار بالروث والعظام هل هو للكراهة أم للتحريم؟
فقيل: يكره، اختاره بعض الحنفية (١).
وقيل: يكره في العظم والروث الطاهرين، وهو مذهب المالكية (٢).
وقيل: يحرم، اختاره بعض الحنفية (٣)، واختاره أيضاً بعض المالكية (٤)، وهو مذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦).
стр. 878
دليل من قال: يكره .
قالوا: إن الأصل في النهي التحريم، لكن مقتضى التعليل بأنه زاد إخواننا من الجن جعلنا نحمل النهي على أنه مكروه، وليس بمحرم.
دليل من قال: يحرم .
قالوا: الأصل في النهي التحريم، ولا توجد قرينة صارفة للنهي عن هذا الأصل.
بل قالوا: إن مقتضى التعليل يقتضي التحريم؛ لأن العظم والروث لما كان طعام إخواننا من الجن، كان في الاستنجاء به، تعد وإفساد له، أما التعدي فظاهر، فلأن كل عظم وروث جعل من طعامهم وطعام دوابهم، فكانوا أحق به.
وأما الإفساد، فلأن هذا الطعام إذا استنجي به أدى إلى إفساده عليهم، وما جمع بين التعدي والإفساد كيف لا يكون حراماً.
دليل من قال: يكره إن كان العظم والروث طاهرين ويحرم إن كانا نجسين .
لعلهم سبب التفريق عندهم إن العظم والروث إن كانا طاهرين كان في الاستنجاء به ملابسة النجاسة، وهي مكروهة عندهم، بخلاف ما إذا كانا طاهرين.
ولو عكسوا لم يبعدوا، لأن العظم والروث إن كانا نجسين فاستعمال النجاسة على وجه لا يتعدى لا يمنع منه، كما انتفع من شحم الميتة، فإنه يطلى به السفن ويدهن به الجلود ويستصبح به الناس كما في حديث جابر
стр. 879
المتفق عليه.
(٣٧٠ - ٢١٤) فقد روى البخاري، قال: حدثنا قتيبة، حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح،
عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح، وهو بمكة: إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة، فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا هو حرام، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود؛ إن الله لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه، ورواه مسلم (١).
وأما إذا كان العظم والروث طاهرين فإن فيه كما بينا سابقاً تعدياً وإفساداً فينبغي أن يكون حراماً، لو قيل هذا لم يبعد.
الراجح أن النهي للتحريم، لأنه الأصل في نهي رسول الله ﷺ ، وإذا خالف، واستنجى به، فهل يجزؤه أم لا؟
أما القائلون بالكراهة فظاهر، وأما القائلون بالتحريم فهل يصح أم لا فيه خلاف بيناه في مسألة مستقلة في اشتراط أن يكون المستنجى به طاهراً، وفي ما سبق من الفصول، والله أعلم.
стр. 880
الشرط الرابع في اشتراط أن يكون المستجمر به من الأحجار
اختلف الفقهاء هل يشترط أن يكون الاستجمار من الأحجار، أو يجوز أن يكون من الخشب والورق ونحوهما؟
فقيل: يجوز الاستجمار بكل طاهر منق من حجر أو ورق أو خشب ونحوها، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
وقيل: لا يجوز إلا الماء أو الأحجار ونحوها مما هو من جنس الأرض، ولا يجوز بالورق والخشب وغيرها من غير جنس الأحجار، وهو اختيار أصبغ من المالكية (٥)، وابن حزم من الظاهرية (٦).
стр. 881
دليل الجمهور على جواز الورق والخشب .
الدليل الأول:
(٣٧١ - ٢١٥) ما رواه البخاري ﵀، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل/ حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني جدي،
عن أبي هريرة ﵁، أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها فقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو هريرة. فقال: ابغني أحجاراً أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت. الحديث (١).
فقوله: " ولا تأتني بعظم ولا روثة " لما خص النهي بالعظم والروثة دل على جواز غيرهما، ولو لم يكن حجراً كالورق والخشب.
الدليل الثاني:
(٣٧٢ - ٢١٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا زهير، عن أبي إسحاق قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه
أنه سمع عبد الله يقول: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة، فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذا ركس (٢).
стр. 882
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ علل منع الاستنجاء بها بكونها ركساً، ولم يعلل بكونها غير حجر. وهذا يعني جواز الاستنجاء بكل طاهر منق لم يكن رجساً.
الدليل الثالث:
(٣٧٣ - ٢١٧) ما رواه البيهقي، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ببغداد، نا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا عباس بن عبد الله الترقفي، نا يحيى بن يعلى، نا أبي، عن غيلان، عن أبي إسحاق،
عن مولى عمر يسار بن نمير، قال كان عمر ﵁ إذا بال قال: ناولني شيئا أستنجي به، قال: فأناوله العود والحجر، أو يأتي حائطاً يتمسح به، أو يمس الأرض ولم يكن يغسله.
قال البيهقي: وهذا أصح ما روي في هذا الباب وأعلاه (١).
[رجاله ثقات إلا أن غيلان بن جامع لم أقف هل سمع من أبي إسحاق قبل أو بعد تغيره] (٢).
الدليل الرابع:
(٣٧٤ - ٢١٨) ما رواه الدارقطني من طريق مبشر بن عبيد، حدثني الحجاج بن أرطاة، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة ﵂ قالت: ثم مر سراقة بن مالك المدلجي على
стр. 883
رسول الله ﷺ فسأله عن التغوط، فأمره أن يتنكب القبلة ولا يستقبلها ولا يستدبرها، ولا يستقبل الريح، وأن يستنجي بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع، أو ثلاثة أعواد، أو ثلاث حثيات من تراب.
قال الدارقطني: لم يروه إلا مبشر بن عبيد، وهو متروك الحديث (١).
الدليل الخامس:
(٣٧٥ - ٢١٩) ما رواه الدارقطني، قال: نا عبد الباقي بن قانع، نا أحمد بن الحسن المضري، نا أبو عاصم، نا زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن طاوس،
عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قضى أحدكم حاجته فليستنج بثلاثة أعواد، أو ثلاثة أحجار، أو بثلاث حثيات من التراب. قال زمعة: فحدثت به ابن طاوس، فقال: أخبرني أبي عن ابن عباس بهذا سواء (٢).
[ضعيف جداً أو موضوع] (٣).
стр. 884
الدليل السادس:
من النظر، قالوا: إن النجاسة عين خبيثة، متى زالت بأي مزيل زال حكمها، وليس التعبد بالمزيل، ولكن التعبد بالإزالة، فالحجر وما كان مثله أو أنقى منه يحصل به المقصود، وهو طهارة المحل، والله أعلم.
دليل ابن حزم على وجوب الاقتصار على الماء أو الحجارة .
يرى ابن حزم أن الاستنجاء يقتصر على ما رود فيه النص، وقد جاء الاستنجاء بالماء في أحاديث كثيرة سوف نسوق ما وقفنا عليه منها في باب الاستنجاء بالماء، وجاء الاستنجاء بالحجارة، وقد ذكرنا ما وقفت عليه منها في باب الاستجمار بالحجارة، ولم يرد النص في الاستنجاء إلا بالماء أو الحجارة، فطلب الاستنجاء بغيرهما لم يدل عليه الدليل، فلا يجوز الاستنجاء به، ولا يرى ابن حزم القياس حتى يقيس على الحجارة غيرها مما يزيل النجاسة، أو ربما يكون أنقى منها في الإزالة.
стр. 885
ويقال لابن حزم: كيف جوزت الاستجمار بالرمل والتراب مع أنه لم يأت به نص، فإن كان الدليل هو الاستجمار بالحجارة، فهذا باب من القياس، وأنت لا ترى القياس، وإن كان اتباعاً للدليل فلا أعلم نصاً في السنة في الاستجمار بالرمل والتراب.
واستدل بعضهم من وجه آخر، فقال: إن الاستجمار رخصة، فيقتصر بها على ما ورد (١).
وقال ابن المنذر: لا نحفظ عن رسول الله شيئاً من الأخبار أنه أمر بالاستنجاء بغير الحجارة، ومن استنجى بالحجارة كما أمر به رسول الله ﷺ فقد أتى بما عليه، وإن استنجى بغير الحجارة، فالذي نحفظ عن جماعة من أهل العلم أنه قالوا: ذلك جائز، والاستنجاء بالحجارة أحوط (٢).
стр. 886
الشرط الخامس أن يكون الحجر ونحوه منقياً
اشترط الفقهاء أن يكون الحجر أو ما يقوم مقامه منقياً (١).
لأن المقصود من الاستجمار هو الإنقاء، فالذي لا ينقي لا حاجة إلى الاستجمار به.
وعليه فقيل: يكره الاستجمار بزجاج، وهو مذهب الحنفية (٢).
وقيل: لا يجوز الاستجمار بالزجاج، وهو مذهب الجمهور (٣).
стр. 887
علة النهي عن الاستنجاء بالزجاج .
علل الفقهاء النهي عن الاستنجاء بالزجاج بأمرين:
الأول: أنه لا ينقي، والمقصود من الاستجمار هو الإنقاء، فإذا كان الزجاج لا ينقي المحل كان الاستنجاء به عبثاً.
الثاني: أن الزجاج قد يضر بالمقعدة.
والذي يظهر من التعليل أنه لا يوجد نص في النهي عن الاستنجاء بالزجاج أو بالحجر الأملس، وإذا استنجى به فإن تم المقصود، وأزل عين النجاسة فقد طهر المحل، وإن لم ينق فإنه يكون مطالباً بالاستنجاء حتى يطهر المحل، والله أعلم.
стр. 888
فرع إذا استنجى بالزجاج، فهل يجزئه الاستجمار أو يتعين الماء
اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
فقيل: إن كان حين استنجى بالزجاج بسط النجاسة بحيث تعدت محلها، فإن الماء يتعين في هذه الحالة، وإلا فتكفيه الحجارة، وهذا مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢).
وفي مذهب الحنابلة ثلاثة أقوال فيما إذا استجمر بمنهي عنه، ثم استجمر بمباح:
فقيل: لا يجزئ مطلقاً، ويتعين الماء.
وقيل: يجزئ مطلقاً الاستجمار بالحجارة.
وقيل: إن أزال شيئاً أجزأ، وإلا تعين الماء (٣).
وأما من يرى أن الاستجمار مجزئ، ولو تعدت النجاسة مخرجها المعتاد، فإنه ليس بحاجة إلى هذا التفصيل، وهو الراجح، وسوف يأتي الكلام في مسألة مستقلة: خلاف الفقهاء فيما إذا تجاوزت النجاسة مخرجها المعتاد، في بحث: متى يتعين الماء، فانظره إن شئت.
стр. 889
الشرط السادس
هل يشترط أن يكون جامداً
اختلف الفقهاء فيما يستجمر به هل يشترط أن يكون جامداً، أو يجزئ الاستنجاء بكل رطب أو مائع غير الماء؟
فقيل: يجزئ كل مائع طاهر مزيل للنجاسة، وهذا مذهب الحنفية (١).
وقيل: لا يجزئ إلا ما كان جامداً، أما الرطب والمائع من غير الماء فلا يجزئ الاستنجاء به، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
وقيل: يجزئ كل مزيل، سواء كان مائعاً أو جامداً أو رطباً، وهو اختيار ابن تيمية (٥).
стр. 890
دليل الحنفية على إزالة الاستجمار بكل مائع ورطب .
قالوا: إن كل مائع مزيل فإنه يطهر النجاسة، قياساً على إزالة النجاسة بالماء بناء على أن الطهارة بالماء معلولة بعلة كونه قالعاً لتلك النجاسة، والمائع قالع فهو محصل ذلك المقصود فتحصل به الطهارة.
وقيدوا المائع بكونه مزيلاً ليخرج الدهن والسمن واللبن وما أشبه ذلك؛ لأن الإزالة إنما تكون بأن يخرج أجزاء النجاسة مع المزيل شيئا فشيئاً، وذلك إنما يتحقق فيما ينعصر بالعصر بخلاف الخل وماء الباقلاء الذي لم يثخن فإنه مزيل، وكذا الريق، وعلى هذا فرعوا طهارة الثدي إذا قاء عليه الولد ثم رضعه حتى أزال أثر القيء (١)، وكذا إذا لحس أصبعه من نجاسة بها حتى ذهب الأثر، أو شرب خمراً ثم تردد ريقه في فيه مراراً طهر (٢) حتى لو صلى صحت صلاته (٣).
دليل الجمهور على اشتراط الماء أو الجامد .
قالوا: جاءت أحاديث كثيرة في الاستنجاء بالماء (٤)، كما جاءت أحاديث كثيرة بجواز الاستجمار بالحجارة (٥)، قالوا: والأصل في النجاسات
стр. 891
كلها أنها لا تزال إلا بالماء، جاء الاستجمار بالأحجار على خلاف الأصل فقبلناه في محله، ولا نتعداه لغيره، فلا نزيل النجاسة بالأحجار إذا كانت النجاسة على غير المخرج، ولا نزيلها بمائع غير الماء لعدم الدليل، بل إن المائع غير الماء قد ينشر النجاسة أكثر؛ لأنه سوف يتنجس المائع بمجرد الملاقاة، فيكون ما يصيب البدن منه يكون نجساً، والنجس لا يطهر.
و الدليل على أن النجاسة لا تزال إلا بالماء أدلة كثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾ (١).
وجه الاستدلال:
قال النووي: ذكر الله سبحانه امتناناً، فلو حصل -يعني التطهير- بغيره لم يحصل الامتنان (٢).
الدليل الثاني:
(٣٧٦ - ٢٢٠) ما رواه البخاري، قال: حدثنا خالد بن مخلد، قال: وحدثنا سليمان، عن يحيى بن سعيد، قال:
سمعت أنس بن مالك: قال جاء أعرابي، فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي ﷺ ، فلما قضى بوله أمر النبي ﷺ بذنوب من ماء، فأهريق عليه. ورواه مسلم (٣).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ حين أراد تطهير المسجد من بول الأعرابي أمر بالماء لقوله
стр. 892
في الحديث: " أمر النبي ﷺ بذنوب من ماء " فهذا الأمر دال على اختصاص الماء بالتطهير.
الدليل الثالث:
(٣٧٧ - ٢٢١) ما رواه البخاري، قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا يحيى، عن هشام، قال: حدثتني فاطمة،
عن أسماء قالت: جاءت امرأة النبي ﷺ فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب كيف تصنع؟ قال: تحته، ثم تقرصه بالماء، وتنضحه وتصلي فيه، ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ أرشد في تطهير الثوب من دم الحيض إلى الماء، ولم يرشد إلى غيره، فتعين الماء لإزالة النجاسة من دم الحيض، لكونه منصوصاً عليه، وباقي النجاسات مقيسة عليه.
وأجيب عن هذه الأدلة:
بأن هذه الأدلة تدل على أن الماء يزيل النجاسة، وهذا لا إشكال فيه، وهو محل إجماع، لكن ليس فيها دلالة على أن النجاسة لا تزال إلا بالماء .. وفرق بين المسألتين.
الدليل الرابع:
قالوا: إذا كانت طهارة الحدث لا تكون إلا بالماء مع وجوده، فكذلك إزالة النجاسة لا تكون إلا بالماء.
стр. 893
وأجيب: بأن القياس على طهارة الحدث قياس مع الفارق.
أولا: طهارة الحدث من باب فعل المأمور، وأما طهارة الخبث فمن باب ترك المحضور.
ثانياً: طهارة الحدث تشترط لها النية على الصحيح خلافاً للحنفية، بخلاف طهارة الخبث فهي من باب التروك لا تشترط لها النية كترك الزنا والخمر ونحوها.
ثالثاً: طهارة الحدث طهارة تعبدية محضة غير معقولة المعنى، فبدن المحدث وعرقه وريقه طاهر، وأما طهارة الخبث فإنها طهارة معللة بوجود النجاسة الحسية.
رابعاً: طهارة الحدث الصغرى تختص بأعضاء مخصوصة، ربما ليس لها علاقة بالحدث، فالحدث: الذي هو البول والغائط موجب لغسل الأعضاء الأربعة الطاهرة، بينما طهارة الخبث تتعلق بعين النجاسة أين ما وجدت.
خامساً: طهارة الحدث لا تسقط بالجهل والنسيان على الصحيح بخلاف طهارة الخبث.
دليل من قال: تزال النجاسة بأي مزيل .
الدليل الأول:
الاستجمار ليس رخصة على خلاف القياس، بل إذا صح الاستجمار بالحجارة صح إزالة النجاسة بأي مزيل، فلما سقط تعين الماء في الاستجمار سقط تعين الماء في غير الاستجمار.
الدليل الثاني:
صح تطهير النعلين بالتراب، وهو غير الماء، وليس في محل الاستجمار،
стр. 894
(٣٧٨ - ٢٢٢) فقد روى أحمد، قال: ثنا يزيد، أنا حماد بن سلمة، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري،
أن رسول الله ﷺ صلى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا. قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثاً فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله فلينظر فيها فإن رأى بها خبثاً فليمسه بالأرض ثم ليصل فيهما (١).
[الحديث إسناده صحيح] (٢).
وصح تطهير ذيل المرأة بغير الماء، وفي غير محل الاستجمار أيضاً
(٣٧٩ - ٢٢٣) روى أحمد، قال: ثنا أبو كامل، ثنا زهير -يعنى ابن معاوية- ثنا عبد الله بن عيسى، عن موسى بن عبد الله، قال: وكان رجل صدق، عن امرأة من بني عبد الأشهل قالت: قلت:
يا رسول الله إن لنا طريقاً إلى المسجد منتنة، فكيف نصنع إذا مطرنا؟ قال: أليس بعدها طريق هي أطيب منها؟ قالت: قلت: بلى. قال: فهذه بهذه (٣).
[إسناده صحيح] (٤).
فسقط دعوى أن إزالة النجاسة في الاستجمار بالحجارة على خلاف
стр. 895
القياس، وأنه لا يتعدى فيها محلها، بل تزال النجاسة بأي مزيل كان.
الدليل الرابع:
من النظر، قالوا: إن النجاسة عين خبيثة لها طعم أو لون أو رائحة، والمطلوب ازالة كل ذلك فإذا ذهب طعمها ولونها ورائحتها بأي مزيل زال حكمها وأصبح المحل طاهراً. وهذا هو القول الراجح، والله أعلم.
стр. 896
الشرط السابع
ألا يكون المستجمر به حُمَمَة
وقع خلاف بين الفقهاء في حكم الاستنجاء بالحمم، ومثله الرماد (١).
فقيل: يكره الاستنجاء به، وهو مذهب الحنفية (٢)، وقول في مذهب المالكية (٣).
وقيل: لا يجزئ مطلقاً، اختاره العراقيون من الشافعية (٤).
وقيل: إن كان صلباً لا يتفتت أجزأ الاستنجاء به، وإن كان رخواً يتفتت لم يجزئ، اختاره الخرسانيون من الشافعية (٥).
стр. 897
وقيل: يجزئ الاستنجاء بالحممة، وهو قول في مذهب المالكية (١).
دليل من قال: بالكراهة أو المنع .
(٣٨٠ - ٢٢٤) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا حيوة بن شريح الحمصي، ثنا ابن عياش، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن عبد الله بن الديلمي،
عن عبد الله بن مسعود، قال: قدم وفد الجن على رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد إنه أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حممة؛ فإن الله تعالى جعل لنا فيها رزقاً. قال: فنهى النبي ﷺ عن ذلك (٢).
[حديث ابن مسعود في مسلم وليس فيه إلا العظم والروثة] (٣).
стр. 898
. . . . . . . . . . . . .
стр. 899
الدليل الثاني:
(٣٨١ - ٢٢٥) ما رواه البزار، من طريق أبي الأسود، قال: أنا ابن لهيعة، عن ابن المغيرة -يعني عبيد الله- عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،
عن عبد الله بن الحارث بن جزء ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يستنجي أحد بعظم أو روثة أو حممة (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
الدليل الثالث:
من النظر: قالوا: إن الحممة إن كانت صلبة فقد تسود الجسم، وإن كانت تتفتت فلا يحصل منها الإنقاء المطلوب.
دليل من قال يجزئ الاستنجاء بالحممة .
الدليل الأول:
لم يثبت نهي عن الاستنجاء بالحممة، والأصل الجواز، فقد نقل عن
стр. 900
مالك أنه قال: ما سمعت فيها نهياً (١).
الدليل الثاني:
كونها قد تتفتت هذا لا يكفي دليلاً في المنع، فقد ذهب كثير من الفقهاء إلى الاستنجاء بالرمل، وهو أكثر نعومة من الفحم إذا تتفتت، ومع ذلك فالرمل ينقي، وكونها قد تسود الجسم، فإنها عين طاهرة لا تنجس البدن حتى يتقى هذا، وقد يحتاج إلى الاستنجاء بها، ويكفي أن الكلام هذا لا يصح أن يكون دليلاً شرعياً في المنع من الاستنجاء بها.
الراجح: إن ثبت النهي عن الاستنجاء بالحممة قلت به، وإن كان النهي غير محفوظ، فالأصل الجواز، والله أعلم.
стр. 901
الشرط الثامن
أن يكون المستجمر به غير محترم
стр. 902
المبحث الأول
الاستنجاء بالكتب الشرعية
لا يستنجي بالكتب الشرعية، وهل هو على التحريم أو الكراهة خلاف؟
فقيل: يكره، ويجزئ، وهو مذهب الحنفية (١).
وقيل: يحرم ويجزئ، وهو مذهب المالكية (٢).
وقيل: يحرم ولا يجزئ، وهو مذهب الحنابلة (٣)، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (٤).
تعليل الكراهة أو المنع .
قالوا: إن الكتب الشرعية يجب احترامها، لما فيه من علم محترم، والاستنجاء بها إهانة، وهذا منهي عنه.
ولأن الكتب الشرعية تعتبر من المال، فهي لها قيمة شرعاً، والاستنجاء
стр. 903
بها إفساد لهذا المال، وإفساد الأموال منهي عنه.
ولأن الكتب الشرعية لا تخلو من أسماء الله ومن أحاديث شريفة يجب توقيرها، ولا يجوز إهانتها.
وقياساً على النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث؛ لأنه طعام إخواننا من الجن وطعام دوابهم، فإذا كان زاد الأبدان منهياً عنه، فكذلك زاد الأرواح من العلوم الشرعية.
والكراهة التي عند الحنفية لا يبعد أن تكون كراهة تحريم، لا كراهة تنزيه.
تعليل من قال: إن استنجى بها، فأنقى أجزأ .
قالوا: إن النجاسة قد زالت، فلا يمكن أن نحكم للمحل بالنجاسة وقد زالت عين النجاسة، والتحريم والصحة غير متلازمين، خاصة أن النهي عن الاستنجاء بها لمعنى آخر وهو احترام ما فيها، فكما نصحح الصلاة في الأرض المغصوبة، والصلاة في الثوب المسروق؛ لأن النهي ليس عائداً للصلاة، وإنما لوصف الغصب والسرقة، وهذا لا يختص بالصلاة، فكذلك الا ستنجاء بالكتب الشرعية، والله أعلم.
تعليل من قال: لا يجزئ .
الدليل الأول:
قالوا: إن الاستجمار بغير الماء رخصة؛ لأن الأصل أن الاستنجاء يكون بالماء وحده، والرخصة لا تستباح بمعصية.
الدليل الثاني:
قال: أن هذا مخالف لأمر الله ورسوله، فإذا صححنا الفعل المحرم نكون
стр. 904
بذلك قد رتبنا على الفعل المحرم أثراً صحيحاً، وهذا فيه مضادة لله ولرسوله ﷺ ، ولأن تصحيح الفعل المحرم فيه تشجيع على فعله، بخلاف ما إذا جعل لغواً، فهذا يحمله على تركه.
(٣٨٢ - ٢٢٦) وقد روى مسلم، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد، جميعاً، عن أبي عامر، حدثنا عبد الله بن جعفر الزهري، عن سعد بن إبراهيم، قال: سألت القاسم بن محمد عن رجل له ثلاثة مساكن، فأوصى بثلث كل مسكن منها، قال يجمع ذلك كله في مسكن واحد، ثم قال: أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد (١).
وروى البخاري القدر المرفوع منه معلقاً (٢) ..
وقد سبق أن نقلنا كلام ابن القيم في شرحه لقوله: فهو رد. وأن الرد: فَعْل بمعنى المفعول، أي فهو مردود، وعبر عن المفعول بالمصدر مبالغة، حتى كأنه نفس الرد، وهذا تصريح بإبطال كل عمل على خلاف أمره ورده، وعدم اعتباره في حكم المقبول، ومعلوم أن المردود هو الباطل بعينه، بل كونه رداً أبلغ من كونه باطلاً، إذ الباطل قد يقال لما لا نفع فيه أو منفعته قليلة جداً، وقد يقال لما ينتفع به ثم يبطل نفعه، وأما المردود فهو الذي لم يجعله شيئاً ولم يترتب عليه مقصوده أصلاً (٣).
стр. 905
الراجح من الخلاف:
القول بتحريم الاستجمار بالكتب الشرعية، وإذا خالف فعليه التوبة وعدم العود إلى هذا الفعل، مع الإجزاء، وقولهم: إن الاستنجاء بغير الماء رخصة، والرخصة لا تستباح بالمعصية غير مسلم لا في مقدمتها ولا في نتيجتها، أما المقدمة: وهو قولهم: إن الاستجمار رخصة، فنقول: الصحيح أن الاستجمار ليس برخصة، وأن النجاسة إذا زالت بأي مزيل زال حكمها، وقد ناقشنا هذا في مسألة مستقلة، وقدمت أدلة كثيرة على إزالة النجاسة بغير الماء، فإذا لم تصح المقدمة لم تسلم النتيجة، وعلى فرض أن تكون المقدمة صحيحة فلا نسلم النتيجة، وأن الرخصة لا تستباح بمعصية، بل الرخصة إذا حصل سببها إبيحت، فالمسح على الخفين يمسح المسافر مطلقاً سواء كان المسافر في سفر طاعة أم معصية، وكذلك يقصر الصلاة ويفطر في رمضان، لأن النصوص مطلقة غير مقيدة، ولا يقيد النص الشرعي إلا نص مثله، وقد ناقشت هذه المسألة بشيء من التفصيل في كتابي المسح على الحائل، فليراجعه من شاء، والله أعلم.
стр. 906
المبحث الثاني
ألا يكون المستنجى به مطعوماً
ذهب الأئمة الأربعة (١) إلى تحريم الاستنجاء بالطعام.
وإذا خالف واستنجى أجزأه إذا حصل الإنقاء عند الحنفية والمالكية.
وقيل: لا يجزئ في مذهب الشافعية والحنابلة.
ومثل طعام الآدمي طعام البهيمة فلا يستنجي به (٢).
стр. 907
دليل المنع من الاستنجاء بالطعام .
(٣٨٣ - ٢٢٧) ما رواه مسلم، قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، عن داود، عن عامر قال:
سألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن، قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود، فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل. قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء. قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك، فطلبناك، فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن قال: فانطلق بنا، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة علف لدوابكم. فقال رسول الله ﷺ : فلا تستنجوا بهما؛ فإنهما طعام إخوانكم (١).
وجه الاستدلال:
فإذا نهي عن الاستنجاء بالعظم والروث؛ لأنه طعام الجن وطعام دوابهم، فالنهي عن طعام الإنس وطعام دوابهم من باب أولى.
الدليل الثاني:
أن الاستنجاء بالطعام مناف لشكر النعمة وتعظيمها، وعدم امتهانها،
стр. 908
وقد ينتفع بها حيوان أو طير أو غيرهما من دواب الأرض، وعلى هذا ما يفعله بعض الناس من وضع بقايا الطعام مع حفائظ الأطفال المتنجسة، ودفعها على عمال النظافةواختلاطها بها من المنكر الذي يجب الابتعاد عنه شكراً لنعمة الله، وحرصاً على المحافظ عليها.
وأما أدلة الخلاف هل يجزئ فيما لو خالف واستنجى بطعام وأنقى المحل فانظره في المسألة التي قبل هذه، وهي الاستنجاء بالكتب الشرعية؛ فإن الأدلة فيها واحدة، بجامع أن كلا منهما محترم شرعاً.
و الراجح في هذه المسألة هو ما رجحته في المسألة التي قبل هذه، من صحته مع الإثم، والله أعلم.
стр. 909
المبحث الثالث
أن يكون المستنجى به مباحاً
اشترط الحنابلة إباحة المستجمر به، فلا يجوز الاستجمار بشيء مغصوب كورق وحجر ونحوها، قال المرداوي: وهو من المفرادت (١).
دليل اشتراط الإباحة.
قالوا: إن الاستجمار يرونه رخصة، والرخصة لا تسباح بمحرم.
والشيء المغصوب كسبه محرم بالاتفاق،
(٣٨٤ - ٢٢٨) فقد روى البخاري، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، قال: حدثنا حماد، عن أيوب، عن محمد، عن ابن أبي بكرة،
عن أبي بكرة ذكر النبي ﷺ قال: فإن دماءكم وأموالكم، قال محمد: وأحسبه قال: وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب (٢).
فإذا كان كسبه محرماً وصححنا الوضوء به نكون بذلك قد رتبنا على الفعل المحرم أثراً صحيحاً، وهذا فيه مضادة لله ولرسوله ﷺ .
(٣٨٥ - ٢٢٩) وقد روى مسلم، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم
стр. 910
وعبد بن حميد جميعاً عن أبي عامر، قال عبد: حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا عبد الله بن جعفر الزهري، عن سعد بن إبراهيم، قال: سألت القاسم بن محمد، عن رجل له ثلاثة مساكن، فأوصى بثلث كل مسكن منها، قال: يجمع ذلك كله في مسكن واحد، ثم قال:
أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد (١).
ومعنى رد: أي مردود عليه، والوضوء بالماء المغصوب خلاف أمر الله ورسوله ﷺ .
قال ابن حزم ﵀: من توضأ بماء مغصوب، أو أخذ بغير حق، أو اغتسل به، أو من إناء كذلك، فلا خلاف بين أحد من أهل الإسلام أن استعماله ذلك الماء وذلك الإناء في غسله ووضوئه حرام، وبضرورة يدري كل ذي حس سليم أن الحرام المنهي عنه هو غير الواجب المفترض عمله، فإذ لا شك في هذا فلم يتوضأ الوضوء الذي أمره الله تعالى به، والذي لا تجزئ الصلاة إلا به، بل هو وضوء محرم، هو فيه عاص لله تعالى، وكذلك الغسل، والصلاة بغير الوضوء الذي أمر الله تعالى به وبغير الغسل الذي أمر الله تعالى به لا تجزئ، وهذا أمر لا إشكال فيه. ونسأل المخالفين لنا عمن عليه كفارة إطعام مساكين، فأطعمهم مال غيره، أو من عليه صيام أيام، فصام أيام الفطر والنحر والتشريق، ومن عليه عتق رقبة فأعتق أمة غيره، أيجزيه ذلك مما افترض الله تعالى عليه؟ فمن قولهم: لا. فيقال لهم: فمن أين منعتم هذا وأجزتم الوضوء والغسل بماء مغصوب وإناء مغصوب؟ وكل هؤلاء مفترض عليه عمل
стр. 911
موصوف في مال نفسه، محرم عليه ذلك من مال غيره بإقراركم سواء سواء. وهذا لا سبيل لهم إلى الانفكاك منه. وليس هذا قياساً، بل هو حكم واحد داخل تحت تحريم الأموال، وتحت العمل بخلاف أمر الله تعال، ى وقد قال رسول الله ﷺ : "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" وكل هؤلاء عمل عملا ليس عليه أمر الله تعالى وأمر رسول الله ﷺ فهو مردود بحكم النبي ﷺ (١).
وأجيب:
بأن التحريم والصحة غير متلازمين، فتلقي الجلب منهي عنه، وإذا تُلُقِيَ كان البيع صحيحاً، وللبائع الخيار إذا أتى السوق، فثبوت الخيار فرع عن صحة البيع.
وانظر بقية الأقوال وأدلتها ومناقشتها في باب المياه في الوضوء بالماء المحرم.
стр. 912
المبحث الرابع
ألا يكون المستنجى به حيواناً
стр. 913
الفرع الأول
الاستنجاء بشيء من الحيوان متصلا به
اختلف الفقهاء في الاستنجاء بشيء متصل بالحيوان كالذنب والصوف والأذن ونحوها:
فقيل: يكره الاستجمار بشيء متصل بحيوان، وهو مذهب المالكية (١).
وقيل: لا يجوز الاستنجاء بها، وعليه أكثر الشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: يصح الاستجمار بما اتصل بالحيوان، واختاره الماوردي والشاشي من الشافعية (٤)، والأزجي من الحنابلة (٥).
دليل من حرم الاستنجاء بما هو متصل بحيوان .
الدليل الأول:
قالوا: إ الحيوان محترم فأشبه الاستنجاء بالطعام.
стр. 914
الدليل الثاني:
القياس على النهي عن الاستنجاء بعلف الدواب، فإذا كان قد نهي عن الاستنجاء بعلف الدواب، فالاستنجاء بها أولى بالنهي.
دليل من قال: بالجواز .
الدليل الأول:
قالوا: الأصل الجواز، ومن منع كلف الدليل، وقد نهي عن الاستنجاء بالروث والعظام، ولم يأت نهي عن الاستنجاء بالحيوان.
الدليل الثاني:
قالوا: إن حرمة الحيوان بمنع إيلامه، لا منع ابتذاله بخلاف المطعوم.
الدليل الثالث:
إذا صححنا الاستنجاء بالشعر والصوف إذا جز من الحيوان، صح الاستنجاء بهما وهما على الحيوان، غاية ما هنالك أن الحيوان قد تنجس، وتنجس بدن الحيوان في مقابلة منفعة الآدمي لا يمنع منها.
دليل من قال: يكره الاستنجاء بالحيوان .
قال: إن في الاستنجاء به تنجيس لبدن الحيوان الطاهر، وتنجيسه بلا حاجة مكروه.
الراجح: جواز الاستنجاء به إذا احتاج إليه الإنسان كما لو لم يجد بقربه إلا ذيل حيوان طاهر، لكن مع الحاجة قد يتجه القول بأنه خلاف الأولى، والله أعلم.
стр. 915
الفرع الثاني
الاستنجاء بجلد الحيوان المنفصل
اختلف الفقهاء في الاستنجاء بالجلد.
فقيل: يجوز بالجلد المدبوغ دون غيره، وهو المشهور من مذهب الشافعية (١).
وقيل: يجوز بالجلد مطلقاً مدبوغاً كان أو غير مدبوغ، وهو قول في مذهب الشافعية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: لا يجوز مطلقاً، وهو قول في مذهب الشافعية (٤).
وقيل: لا يجوز إن كان مذكى، وهو قول في مذهب الحنابلة (٥).
وقيل: لا يجوز إن كان مدبوغاً (٦).
دليل من قال: يجوز بالجلد إن كان مدبوغاً .
قال: إنه بالدباغ خرج الجلد من كونه من اللحوم إلى كونه من الثياب،