[الحديث ضعيف، وفيه عنعنة حبيب بن أبي ثابت، وعروة مختلف فيه، قيل: عروة المزني، وهو مجهول، وقيل: عروة بن الزبير] (١).
стр. 982
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 983
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 984
الدليل الثالث:
(٤١٤ - ٢٥٨) ما رواه الدرامي، قال: أخبرنا محمد بن عيسى، ثنا شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال:
المستحاضة تدع الصلاة أيام حيضها في كل شهر، فإذا كان عند انقضائها اغتسلت وصلت، وصامت، وتوضأت عند كل صلاة (١).
[ضعيف جداً] (٢).
стр. 985
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 986
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 987
الدليل الرابع:
(٤١٥ - ٢٥٩) ما رواه الطبراني في الأوسط، قال: حدثنا أحمد بن القاسم الطائي، ثنا بشر بن الوليد الكندي، ثنا أبو يوسف القاضي، عن عبد الله بن علي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل،
عن جابر: عن رسول الله ﷺ أنه مر المستحاضة بالوضوء لكل صلاة.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي أيوب الأفريقي، وهو عبد الله ابن علي، إلا أبو يوسف (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
стр. 988
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 989
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 990
الدليل الخامس:
(٤١٦ - ٢٦٠) ما رواه الطبراني في الأوسط، قال: حدثنا مورع بن عبد الله، ثنا الحسن بن عيسى، ثنا حفص بن غياث، عن العلاء بن المسيب، عن الحكم بن عتيبة عن جعفر، عن سودة بنت زمعة قالت: قال رسول الله ﷺ :
المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تجلس فيها، ثم تغتسل غسلاً واحداً ثم تتوضأ لكل صلاة " (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
فتبين أن الأمر بالوضوء لكل صلاة من حديث عائشة، المحفوظ أنه موقوف على عروة، ورفعه شاذ، والشاذ غير صالح للاعتبار.
ومن حديث غيرها ضعيف، ومن يحسن بالشواهد مطلقاً، فإن الحديث عنده قد يرقى إلى الحسن.
فحمل الحنفية والحنابلة على أن المراد: توضئي لكل صلاة: أي لوقت كل صلاة.
وحمل الشافعية على أن المراد: توضئي لكل صلاة فريضة، بخلاف النافلة، فاعتبروه خروجه حدثاً في صلاة الفرض، ولم يتعبروه حدثاً في صلاة النفل.
وحمله ابن حزم على ظاهره، فقال بوجوب الوضوء لكل صلاة، وقد
стр. 991
ذكرنا دليل كل قول في كتابي الحيض والنفاس، فليراجعه من شاء، لأن البحث هنا هو في اعتبار الخارج حدثاً، وليس في ما يترتب على ذلك من حيث الصلاة، والله أعلم.
دليل المالكية على أن الخارج الدائم ليس حدثاً، ولا يجب منه الوضوء .
الدليل الأول:
قالوا: إن من كان به حدث دائم لو تطهر فلن يرتفع حدثه، وإذا كان كذلك، كان طهارته استحباباً لا وجوباً.
الدليل الثاني:
إذا كان دم الاستحاضة لايبطل الطهارة بعد الوضوء، وقبل الصلاة، لم يكن حدثاً يوجب الوضوء عند تجدد الصلاة أو خروج الوقت، ولذا حملنا الأمر على الاستحباب.
الدليل الثالث:
دم العرق لاينقض الوضوء، فلو خرج دم من عرق اليد، أو الرجل لم ينتقض وضوءه على الصحيح، فكذلك دم الاستحاضة، فإنه دم عرق كما في أحاديث الصحيحين، ولا يقال: إن خروجه من الفرج جعل حكمه يختلف؛ لأن المني يخرج من الفرج، ومع ذلك هو طاهر.
الدليل الرابع:
الشارع حكيم، لا يؤاخذ الإنسان إلا بما فعل، فإذا كان خروج الدم ليس من فعل الإنسان، ولا من قصده، لم تفسد عبادته، ولهذا لايؤاخذ الإنسان باللغو في اليمين لعدم توفر القصد.
стр. 992
قال ابن المنذر في الأوسط: والنظر دال على ما قال ربيعة -يعني: في عدم وجوب الوضوء- إلا أنه قول لا أعلم أحداً سبقه إليه. وإنما قلت: النظر يدل عليه؛ لأنه لافرق بين الدم الذي يخرج من المستحاضة قبل الوضوء، والذي يخرج في أضعاف الوضوء، والدم الخارج بعد الوضوء؛ لأن دم الاستحاضة إن كان يوجب الوضوء فقليل ذلك وكثيره في أي وقت كان يوجب الوضوء، فإذا كان هكذا، وابتدأت المستحاضة في الوضوء، فخرج منها دم بعد غسلها بعض أعضاء الوضوء، وجب أن ينتقض ما غسلت من أعضاء الوضوء، لأن الدم الذي يوجب الطهارة في قول من أوجب على المستحاضة الطهارة قائم.
وإن كان ما يخرج منها بين أضعاف الوضوء، وما خرج منها قبل أن تدخل الصلاة، وما حدث في الصلاة منه لاينقض طهارة، وجب كذلك أن ما خرج منها بعد فراغها من الصلاة لا تنقض طهارة إلا بحدث غير دم الاستحاضة هذا الذي يدل عليه النظر. اهـ (١).
فالراجح ما ذهب إليه مالك ﵀، ولا ينهض عندي تحسين الأحاديث الضعيفة بالشواهد؛ لأن اللفظ في حديث عائشة بالأمر بالوضوء لكل صلاة شاذ، والشاذ لا يصلح للشواهد، وما عداه لا يكفي للتحسين بمثل هذه المسألة التي يحتاج إليها، وقد وقعت في عهد النبي ﷺ ، وتكرر وقوعه مرات، فلو كان الأمر بها محفوظاً لجاءت الأحاديث الصحيحة التي تبين وجوب الوضوء بصورة تقوم بمثلها الحجة. والله أعلم.
ولو قلنا: بموجب حديث: توضيء لكل صلاة، لكان الوضوء واجباً
стр. 993
لكل صلاة، فرضاً كانت أو نفلاً، خرج الوقت أو لم يخرج، وهذا رأي ابن حزم، للأمر بالوضوء لكل صلاة
وأما حمل الأمر بالوضوء لكل صلاة: أي لوقت كل صلاة، كما هو مذهب الحنفية فيحتاج الأمر إلى دليل على أن المراد الوقت، وليس خروج الوقت حدثاً، ويكفي أن حملهم خلاف ظاهر اللفظ بلا مسوغ.
والجواب عما قاله الحنفية ﵏: أن إطلاق الصلاة قد يطلق ويراد بذلك الوقت إذا صح إنما يصح لقرينة تمنع من إرادة الصلاة نفسها، وإلا فالأصل في الكلام عدم الحذف وعدم التقدير، ولا قرينة هنا تمنع من إرادة الصلاة، أي فعلها، فوجب حمل اللفظ على ظاهره، لو قلنا بصحة الحديث.
وأما حمل الشافعية الصلاة بأن المراد بها الفريضة دون النافلة، فهذا من أضعف الأقوال.
стр. 994
المبحث الثاني
الكلام في غسل فرج من به حدث دائم عند الوضوء
لم يذكر ذلك الحنفية، ولعل ذلك لأن الاستنجاء ليس بواجب عندهم (١) وغسله إنما هو من قبيل الاستنجاء (٢).
وأوجب غسل الفرج الشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
وهل يكفي غسله مرة واحدة؟ أو تغسله لكل صلاة.
المشهور من مذهب الشافعية ما قاله النووي: في شرح صحيح مسلم:
قال: وأما تجديد غسل الفرج وحشوه، وشده لكل فريضة، فينظر فيه: فإن زالت العصابة عن موضعها زوالاً له تأثير، أو ظهر الدم على جوانب
стр. 995
العصابة وجب التجديد، وإن لم تزل العصابة عن موضعها ولا ظهر الدم، ففيه وجهان لأصحابنا، أصحهما: وجوب التجديد كما يجب تجديد الوضوء. اهـ (١).
وأما المشهور من المذهب الحنبلي، أنه لا يلزمها غسل الفرج لكل صلاة إذا لم تفرط (٢). وفي مذهب الحنابلة قولان آخران:
قيل: يلزمها ذلك.
وقيل: يلزمها إن خرج شيء، وإلا فلا (٣).
أدلة الشافعية والحنابلة على وجوب غسل الفرج .
استدلوا بأدلة عامة، وخاصة.
أما الدليل الخاص.
(٤١٧ - ٢٦١) فاستدلوا بما رواه البخاري، قال: حدثنا محمد، قال: ثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت:
جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : لا؛ إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا
стр. 996
أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي. ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ في الحديث: " فاغسلي عنك الدم وصلي ".
قال ابن رجب في شرحه للبخاري: واختلفوا هل يجب عليها غسل الدم، والتحفظ والتلجم عند كل صلاة؟ فيه قولان: هما روايتان عن أحمد.
وربما يرجع هذا الاختلاف إلى الاختلاف المشهور في أن الأمر المطلق هل يقتضي التكرار أم لا؟ وفيه خلاف مشهور، لكن الأصح هنا أنه لايقتضي التكرار لكل صلاة، فإن الأمر بالاغتسال وغسل الدم إنما هو معلق بانقضاء الحيضة وإدبارها فإذا قيل: إنه يقتضي التكرار، فالجواب أنه لم يقتضيه إلا عند إدبار كل حيضة فقط. اهـ (٢).
وأما الأدلة العامة:
فهي من قبيل القياس، فيقاس غسل الفرج من دم الاستحاضة بأحاديث الاستنجاء والاستجمار، بجامع أن كلاً منها قطع للنجاسة من السبيلين. وأحاديث الاستنجاء كثيرة، ويكفي منها:
(٤١٨ - ٢٦٢) ما رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية ووكيع والأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان، قال:
قيل له: قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة. قال: أجل، لقد
стр. 997
نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم. رواه مسلم (١).
ولا يسلم القياس إلا بتحقق أمرين:
أولهما: أن يكون غسل الفرج قاطعاً للخارج، كما أن الاستنجاء يقطع الخارج. وهذا لا يتحقق هنا؛ لأن الاستنجاء هنا لن يقطع دم الاستحاضة.
وثانيهما: أن يكون دم الاستحاضة نجساً، كالحال في الاستنجاء من البول والغائط، وأما من رأى أن دم الاستحاضة طاهر؛ لأنه دم عرق، مثله مثل دم سائر العروق من البدن، فلا يسلم القياس، ولا يوجب غسل الفرج؛ لأنه كالمني لا يجب الاستنجاء منه، والله
أعلم.
دليل الحنفية على أن الاستنجاء ليس بواجب، ومنه غسل الفرج من دم الاستحاضة .
سقت أدلتهم في مسألة مستقلة في حكم الاستنجاء، وأجيب عنها، فانظرها غير مأمور.
стр. 998
المبحث الثالث
شد عصابة الفرج عند الوضوء
ذهب الحنفية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣) إلى أنه يجب على المستحاضة
стр. 999
أن تشد فرجها وتعصبها،
وهل يجب عليها ذلك في كل صلاة؟ على الخلاف السابق في غسل الفرج.
الأدلة على وجوب التلجم والتحفظ.
الدليل الأول:
(٤١٩ - ٢٦٣) ما رواه مالك في الموطأ، قال: عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أن امرأة كانت تهراق الدماء في عهد رسول الله ﷺ ، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله ﷺ ، فقال:
لتنظر إلى عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر، قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت فلتغتسل، ثم لتستثفر، ثم لتصلي (١).
[والحديث رجاله ثقات، إلا أنه أعل بالانقطاع، وفي إسناده اضطراب] (٢).
стр. 1000
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1001
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1002
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1003
وجه الاستدلال:
قوله: " ثم لتستثفر بثوب ".
قال ابن منظور في اللسان: وهو أن تشد فرجها بخرقة عريضة أو قطنة تحتشي بها، وتوثق طرفيها في شيء تشده على وسطها فتمنع سيلان الدم وهو مأخوذ من: ثَفَر الدابة الذي يجعل تحت ذنبها.
وفي نسخة: " وتوثق طرفيها، ثم تربط فوق ذلك رباطاً، تشد طرفيه إلى حقب تشده كما تشد الثفر تحت ذنب الدابة " (١).
وقال في تاج العروس: " والاستثفار أن يدخل الإنسان إزاره بين فخذيه ملوياً ثم يخرجه، والرجل يستثفر بإزاره عند الصراع، إذا هو لواه على فخذيه فشد طرفيه في حجزته وزاد ابن ظفر في شرح المقامات: حتى يكون كالتُّبان، وقد تقدم أن التبان هو السراويل الصغير، لا ساقين له .. الخ كلامه (٢).
وورد كذلك التلجم والتحفظ في حديث حمنة بنت جحش،
стр. 1004
(٤٢٠ - ٢٦٤) فقد رواه أحمد، وفيه: فقلت: يا رسول الله، إني استحاض حيضة كثيرة شديدة، فما ترى فيها، قد منعتني الصلاة والصيام، قال: أنعت لك الكرسف؛ فإنه يذهب الدم، قالت: هو أكثر من ذلك. قال: فتلجمي. قالت: إنما اثج ثجاً ... الحديث (١).
[والحديث ضعيف] (٢).
стр. 1005
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1006
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1007
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1008
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1009
وجه الاستدلال:
قوله: "تلجمي"، قال ابن منظور في اللسان: تلجمت المرأة، إذا استثفرت لمحيضها. واللجام: ما تشده الحائض، وفي حديث المستحاضة: "تلجمي " أي شدي لجاماً، وهو شبيه بقوله: " استثفري " أي: ألجمي موضع خروج الدم عصابة تمنع الدم، تشبيهاً بوضع اللجام في فم الدابة (١).
وقال: نحوه في تاج العروس (٢).
وكانت النساء تستثفر ولو لم تجب عليها الصلاة حرصاً على عدم تلوثها
стр. 1010
في الدم.
(٤٢١ - ٢٦٥) فجاء في حديث جابر عند مسلم في صفة حج النبي ﷺ وفيه:
" إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله ﷺ حاج، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ، ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه، حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ قال: اغتسلي، واستثفري، وأحرمي (١)، والله أعلم.
стр. 1011
الفصل السادس
في الاستنجاء من البعر الناشف والحصاة والدود
إذا خرج البعر ناشفاً وكذلك الحصاة والدود، فاختلف الفقهاء هل يستنجي منها أم لا؟
فقيل: لا يستنجي، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والأظهر عند الشافعية (٣)، ورحجه بعض الحنابلة (٤).
وقيل: يشرع الاستنجاء، وهو قول في مذهب الشافعية (٥)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٦).
стр. 1012
دليل من قال: لا يستنجي .
الدليل الأول:
الاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة، ولا نجاسة هنا. فالاستنجاء والمحل نظيف شبيه بالعبث.
الدليل الثاني:
قالوا: الحصاة طاهرة خاصة إذا خرجت، وهي ناشفة، فهي تشبه الريح،
стр. 1013
بل هي أولى من الريح بعدم الاستنجاء، لأن الريح لها رائحة منتنة بخلاف الحصاة. وكيف يستنجي أو يستجمر من طاهر؟
فإن قيل: قد يتصور وجود بلة يسيرة.
قيل: إن كان يسيراً فهو معفو عنه، كما يعفى عن أثر الاستجمار، وإن كانت البلة كثيرة خرج البحث عن مسألتنا؛ لأن البحث فيما لو خرجت الحصاة ناشفة، أو البعرة جافة.
دليل من قال: يستنجي منها .
لا أعلم له دليلاً من كتاب أو سنة إلا القياس على البول والغائط، وهو قياس مع الفارق، لأن البول الغائط نجسان ملوثان، فيحتاج المحل إلى الإنقاء منهما، وأما الحصاة والدودة وحتى البعرة الناشفة فهي أشياء غير ملوثة، فالمحل يعتبر طاهراً فلم يحتج إلى تطهير.
وقد يقولون: إن المحل لا يسلم من بلة يسيرة، وهذا غير كاف في مشروعية الاستنجاء، وقد أجبت عنه في ما تقدم.
وبناء على ذلك فلا يجب الاستنجاء مما خرج ناشفاً غير منجس للمحل؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فمتى وجدت العلة: وهي النجاسة هنا وجد الحكم، وهو تطهير المحل بالاستنجاء، ومتى عدمت العلة المذكورة عدم الحكم.
стр. 1014
الفصل السابع
في الاستنجاء من الريح
لا يشرع الاستنجاء من الريح، وهو مذهب الحنفية (١)،
والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
وقيل: يستنجي، اختاره حنابلة الشام (٥)، وهو خلاف شاذ.
وهل الاستنجاء منها على الكراهة أو التحريم فيه خلاف:
فقيل: للتحريم، وهو ظاهر مذهب الحنفية حيث أطلقوا على الاستنجاء من
стр. 1015
الريح بأنه بدعة (١)، واختاره بعض الشافعية (٢).
وقيل: يكره الاستنجاء من الريح، وهو مذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤).
وقيل: لا يكره الاستنجاء من الريح إن خرجت والمحل رطب، قاله بعض الشافعية (٥).
دليل من قال: لا يستنجي .
الدليل الأول:
الإجماع على أن الاستنجاء لا يجب من الريح، حكى الإجماع جماعة منهم النووي في المجموع (٦)، وابن قدامة في المغني (٧) وغيرهما.
الدليل الثاني:
الأصل عدم الوجوب حتى يوجد دليل من كتاب أو سنة أو إجماع على مشروعية الاستنجاء، ولم ينقل أن الرسول ﷺ استنجى من الريح، ولا
стр. 1016
صحابته الكرام، ولا أنه أمر بالاستنجاء منها، وهذا كاف في عدم المشروعية.
الدليل الثالث:
قالوا: إن الريح ليس بنجس، ولو وجب منه الاستنجاء لوجب غسل الثوب؛ لأنه يلقاه. فإن قيل: تصحبه أجزاء نجسة، قيل: هذا لا سبيل إلى علمه، ولو ثبت فقدر ذلك وأكثر منه يبقى بعد مسح الأحجار، ومع ذلك يحكم بطهارة المحل بعده (١).
الدليل الرابع:
من النظر قالوا: إن الاستنجاء مأخوذ من النجو فإذا لم يكن نجو لم يشرع الاستنجاء، فإذا خرجت الريح لم يكن على السبيل منها شيء من الغائط، فيكون الاستنجاء عبثاً؛ لأن المحل نظيف.
وبعضهم يعلل بقوله: إن الريح عرض بإجماع الأصوليين (٢).
الدليل الخامس:
(٤٢٢ - ٢٦٦) ما رواه ابن عدي (٣)، ومن طريقه أبو القاسم الجرجاني في تاريخ جرجان (٤)، من طريق محمد بن زياد بن زبار، حدثنا شرقي بن قطامي، عن أبي الزبير،
عن جابر أن النبي ﷺ قال: من استنجى من الريح فليس منا.
стр. 1017
[إسناده ضعيف جداً] (١).
دليل من قال: يشرع الاستنجاء منها .
ذهب إلى أن الريح نجسة، وأنها خرجت وقد لا مست النجاسات.
قالوا: ولأن الفرج ترمص كما ترمص العين!!
والصحيح الأول، وأنها طاهرة، وكون رائحتها خبيثة لا يكفي دليلاً على نجاستها، ولو كانت نجسة لوجب غسل الثياب إذا خرجت الريح ولاقت ثياباً رطبة، والله أعلم.
стр. 1018
الباب السادس
في الاستنجاء بالماء
стр. 1019
الفصل الأول
خلاف العلماء في الاستنجاء بالماء
يجوز الاستنجاء بالماء، ويجوز تركه إلى الحجارة ولو كان قادراً على الماء، وهو مذهب الجمهور (١).
وقيل: لا يجوز الاستنجاء بالماء، حكي هذا القول عن بعض السلف، وهو مرجوح (٢).
стр. 1020
دليل من قال: يجوز الاستنجاء بالماء .
الدليل الأول:
(٤٢٣ - ٢٦٧) ما رواه البخاري، قال: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن عطاء بن أبي ميمونة،
سمع أنس بن مالك يقول: كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام إداوة من ماء وعنزة يستنجي بالماء (١).