صحابته الكرام، ولا أنه أمر بالاستنجاء منها، وهذا كاف في عدم المشروعية.
الدليل الثالث:
قالوا: إن الريح ليس بنجس، ولو وجب منه الاستنجاء لوجب غسل الثوب؛ لأنه يلقاه. فإن قيل: تصحبه أجزاء نجسة، قيل: هذا لا سبيل إلى علمه، ولو ثبت فقدر ذلك وأكثر منه يبقى بعد مسح الأحجار، ومع ذلك يحكم بطهارة المحل بعده (١).
الدليل الرابع:
من النظر قالوا: إن الاستنجاء مأخوذ من النجو فإذا لم يكن نجو لم يشرع الاستنجاء، فإذا خرجت الريح لم يكن على السبيل منها شيء من الغائط، فيكون الاستنجاء عبثاً؛ لأن المحل نظيف.
وبعضهم يعلل بقوله: إن الريح عرض بإجماع الأصوليين (٢).
الدليل الخامس:
(٤٢٢ - ٢٦٦) ما رواه ابن عدي (٣)، ومن طريقه أبو القاسم الجرجاني في تاريخ جرجان (٤)، من طريق محمد بن زياد بن زبار، حدثنا شرقي بن قطامي، عن أبي الزبير،
عن جابر أن النبي ﷺ قال: من استنجى من الريح فليس منا.
стр. 1017
[إسناده ضعيف جداً] (١).
دليل من قال: يشرع الاستنجاء منها .
ذهب إلى أن الريح نجسة، وأنها خرجت وقد لا مست النجاسات.
قالوا: ولأن الفرج ترمص كما ترمص العين!!
والصحيح الأول، وأنها طاهرة، وكون رائحتها خبيثة لا يكفي دليلاً على نجاستها، ولو كانت نجسة لوجب غسل الثياب إذا خرجت الريح ولاقت ثياباً رطبة، والله أعلم.
стр. 1018
الباب السادس
في الاستنجاء بالماء
стр. 1019
الفصل الأول
خلاف العلماء في الاستنجاء بالماء
يجوز الاستنجاء بالماء، ويجوز تركه إلى الحجارة ولو كان قادراً على الماء، وهو مذهب الجمهور (١).
وقيل: لا يجوز الاستنجاء بالماء، حكي هذا القول عن بعض السلف، وهو مرجوح (٢).
стр. 1020
دليل من قال: يجوز الاستنجاء بالماء .
الدليل الأول:
(٤٢٣ - ٢٦٧) ما رواه البخاري، قال: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن عطاء بن أبي ميمونة،
سمع أنس بن مالك يقول: كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام إداوة من ماء وعنزة يستنجي بالماء (١).
стр. 1021
الدليل الثاني:
(٤٢٤ - ٢٦٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حجاج، قال: أخبرنا شريك، عن إبراهيم بن جرير، عن أبي زرعة،
عن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء دعا بماء، فاستنجى، ثم مسح بيده على الأرض ثم توضأ (١).
стр. 1022
[إسناده ضعيف] (١).
الدليل الثالث:
(٤٢٥ - ٢٦٩) ما رواه أحمد، قال: ما رواه أحمد، قال: حدثنا بهز، قال: حدثنا همام، قال: حدثنا قتادة، عن معاذة،
عن عائشة قالت: مرن أزواجكن يغسلوا عنهم أثر الخلاء والبول، فإنا نستحيي أن ننهاهم عن ذلك، وإن رسول الله ﷺ كان يفعله (٢).
[إسناده صحيح] (٣).
стр. 1023
الدليل الرابع:
(٤٢٦ - ٢٧٠) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا هناد بن السري، ثنا
стр. 1024
أبو الأحوص، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ خرج من غائط قط إلا مس ماء (١).
[إسناده صحيح] (٢).
الدليل الخامس:
(٤٢٧ - ٢٧١) ما رواه إسحاق بن راهوية في مسنده، قال: أخبرنا يحيى بن آدم، نا شريك، عن جابر، عن زيد العمي، عن أبي الصديق الناجي،
عن عائشة، أن رسول الله ﷺ غسل مقعدته ثلاثاً. وقال ابن عمر: قد فعلناه فوجدناه دواءً وطهوراً (٣).
[إسناده ضعيف جداً] (٤).
ولا أعلم دليلاً في مشروعية العدد في الاستنجاء بالماء، إنما جاء العدد في الاستجمار بالحجارة في أحاديث صحيحة سوف نعرض لها إن شاء الله تعالى.
стр. 1025
دليل من قال: لا يستنجي بالماء .
استدل من منع الاستنجاء بالماء بأدلة منها:
أولاً: قالوا: إن الماء مطعوم، فيجب تكريمه، والاستنجاء به إهانة له.
وثانياً: أن في الاستنجاء بالماء تلفاً للماء.
وثالثاً: أنه يبقى في اليد نتن بعد الاستنجاء.
وللجواب على هذا أن يقال:
أما دعوى أنه يبقى في اليد نتن بعد الاستنجاء، فممكن علاجها بتنظيف اليد بعده بالصابون ونحوه، وغاية ما فيه تفضيل الحجارة على الماء، مع أن الماء أبلغ في التطهير.
وأما دعوى أنه تلف للمال، فقد كان إتلافه في مقابل منفعة، وليس بدون مقابل، وبذل المال في مقابل أمر واجب، وهو طهارة المحل، لا يعتبر إتلافاً.
وأما دعوى أن المال مطعوم، ويجب صونه، فكما ثبت في تطهير دم الحيض بالماء، وهو في الصحيحين، وبول الأعرابي بالماء، وهو في الصحيحين كذلك، فدل على أن ذلك لا يعتبر امتهاناً للماء، وقد أنزل الله الماء مطهراً ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهوراً﴾ (١)، فامتن الله علينا بكونه مطهراً لنا من النجاسات والأحداث، والماء النازل من السماء ماء عذب، فهذا تعليل في مقابل النص، فيطرح.
стр. 1026
الفصل الثاني
أيهما أفضل الاستنجاء أم الاستجمار
الاستنجاء بالماء أفضل، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١).
وقيل: الاستجمار أفضل، وهو رواية عن أحمد (٢)، ومنقول عن بعض السلف (٣).
دليل من قال: الماء أفضل .
الدليل الأول:
قالوا: إن الماء قالع للنجاسة، والحجر مخفف لها، وما كان قالعاً للنجاسة فهو أفضل.
стр. 1027
الدليل الثاني:
(٤٢٨ - ٢٧٢) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن العلاء أخبرنا، معاوية بن هشام، عن يونس بن الحارث، عن إبراهيم بن أبي ميمونة، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾ قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
الدليل الثالث:
قالوا: إن الماء هو الأصل في تطهير النجاسات، وقد نص عليه في تطهير بول الأعرابي، وفي تطهير الثوب من دم الحيض، وفي تطهير المذي وفي غيرها، بينما يرى كثير من الفقهاء أن الاستجمار على خلاف الأصل، وأنه رخصة تخفيفاً عن الأمة، لأن الماء قد لا يكون موجوداً في كل مكان، والبول والغائط قد يأتي فجأة.
دليل من قال: الحجر أفضل .
عللوا بعلل منها:
أولاً: قالوا: إنه هو المعروف عند أكثر الصحابة.
وثانياً: أن الماء مطعوم، فيجب تكريمه، والاستنجاء به إهانة له.
стр. 1028
وثالثاً: أن في الاستنجاء بالماء تلفاً للماء.
ورابعاً: أنه يبقى في اليد نتن بعد الاستنجاء.
وقد أجبت عن هذه الأدلة في ما سبق. والقول الأول هو الراجح؛ لقوة دليله وتعليله، والتمكن من الرد على إيرادات المخالف، والله أعلم.
стр. 1029
الفصل الثالث
في الجمع بين الحجارة والماء وأيهما يقدم
ذهب الجمهور إلى استحباب الجمع بين الحجارة والماء، فيقدم الحجارة لتخفيف النجاسة، ثم يتبعها الماء (١).
وقيل: لا تجزئ الحجارة مع القدرة على الماء، اختاره ابن حبيب من المالكية (٢).
وقيل: لا يجوز الاستنجاء بالماء، وهو مذهب قديم مهجور لبعض
стр. 1030
السلف، وسبق ذكر دليله والجواب عنه.
ومنع بعض العلماء المعاصرين الجمع بينهما، واعتبر الجمع بين الحجارة والماء من البدع، حيث لم يثبت في السنة الجمع بينهما (١).
دليل من قال باستحباب الجمع بين الحجارة والماء .
ذكروا دليلين، صريح ضعيف، وصحيح غير صريح.
الدليل الأول:
(٤٢٩ - ٢٧٣) ما رواه البزار، قال: حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا أحمد بن محمد بن عبد العزيز، وجدت في كتاب أبي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله،
عن ابن عباس: لما نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ فسألهم رسول الله ﷺ ، فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء.
قال البزار: لا نعلم أحداً رواه عن الزهري إلا محمد بن عبد العزيز، ولا عنه إلا ابنه. اهـ
[إسناده ضعيف جداً، والمعروف من حديث أهل قباء ذكر الاستنجاء بالماء دون ذكر الحجارة] (٢).
стр. 1031
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1032
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1033
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1034
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1035
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1036
الدليل الثاني:
وأما الدليل الصحيح في الجمع بين الحجارة والماء، إلا أنه ليس صريحاً.
(٤٣٠ - ٢٧٥) ما رواه البخاري، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني جدي،
عن أبي هريرة ﵁، أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها، فقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو هريرة، فقال: أبغني أحجاراً أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت حتى إذا فرغ مشيت. فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعاماً (١).
وجه الاستدلال:
قوله: "كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته" فالماء كان
стр. 1037
للوضوء والحاجة، أي لطهارة الحدث والخبث، قال: فقال: "أبغني أحجاراً استنفض بها" وقد طلب الرسول ﷺ الحجارة، فيبعد أن يسعى أبو هريرة بحمل الماء لحاجة النبي ﷺ ، ثم لا يستعمله، وهو أولى من الحجارة، وأشد أنقاء، فربما طلب الحجارة ليخفف أثر النجاسة، ثم يزيل عينها بالماء، وهو ليس صريحاً بأنه استعملهما معاً.
الدليل الثالث:
أن الرسول ﷺ ربما جمع بين التراب والماء في طهارة غير الاستنجاء، والاستنجاء مقيس عليها.
(٤٣١ - ٢٧٦) قال البخاري: حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس،
عن ميمونة، أن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة فغسل فرجه بيده، ثم دلك بها الحائط، ثم غسلها، ثم توضأ وضوءه للصلاة، فلما فرغ من غسله غسل رجليه. رواه البخاري اللفظ له ومسلم (١).
ولفظ مسلم: ثم أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ به على فرجه، وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض، فدلكها دلكاً شديداً، ثم توضأ وضوءه للصلاة. الحديث.
الدليل الرابع:
(٤٣٢ - ٢٧٧) من الآثار، ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يحيى بن يعلى، عن عبد الملك بن عمير، قال: قال علي: إن من كان قبلكم كانوا
دليل من قال: لا يجمع بين الحجارة والماء .
قال بعض العلماء المعاصرين: الجمع بين الحجارة والماء في الاستنجاء لم يصح عنه ﷺ ، فأخشى أن يكون من الغلو في الدين؛ لأن هديه ﷺ الاكتفاء بأحدهما، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها (١).
وأخشى أن يكون المنع منه فيه غلو أيضاً، وإزالة النجاسة ليست كالعبادات التوقيفة التي يطلب منها موافقة الشارع في الجنس والصفة والمقدار، والوقت؛ فمناديل الورق ليست موجودة في ذلك العهد، ولو أزال بها الإنسان ابتداء، ثم أتبع الماء لكان ذلك من النظافة، وباب التروك أخف من باب فعل المأمورات، والله أعلم.
стр. 1040
الفصل الرابع
متى يتعين الاستنجاء بالماء
стр. 1041
المبحث الأول
إذا تجاوز الخارج موضع العادة
سبق أن ذكرنا الأدلة الكثيرة على جواز الاستجمار، وهو مذهب السواد الأعظم من الناس، واختلف الفقهاء في بعض الصور، هل يجزئ الاستجمار أو يتعين الماء، فمن هذه الصور التي يتعين فيها الماء عند بعض الفقهاء إذا تجاوز الخارج الموضع المعتاد.
فقيل: لا تجزئ الحجارة، وهو مذهب الحنفية (١) والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، إلا أن الحنفية قالوا: يكفي أي مائع طاهر مزيل (٥).
وقال الباقي: يتعين الماء الطهور.
واختلفوا في مقدار التجاوز:
فقيل: أن يكون انتشار النجاسة أكثر من قدر الدرهم مع سقوط موضع الاستنجاء، وهو مذهب الحنفية (٦).
стр. 1042
وقيل: إذا انتشر انتشاراً كثيراً: وهو ما زاد على ما جرت العادة بتلويثه كأن ينتهي إلى الألية. وهو مذهب المالكية، والشافعية (١)،
стр. 1043
وقيل: إلى نصف الألية اختاره بعض الحنابلة.
وقيل: المخرج فقط، وهو قول في مذهب الحنابلة أيضاً (١).
وقيل: يجزئ الاستجمار مطلقاً، تجاوز الخارج أو لم يتجازو، وهو اختيار ابن تيمية (٢).
وسبب الاختلاف اختلافهم في الاستجمار هل هو رخصة، فلا يستعمل إلا فيما جرت فيه العادة، أو ليس برخصة، فيستعمل مطلقاً سواء تجاوز الحدث الموضع المعتاد أم لا؟
стр. 1044
وعلى القول بأنه رخصة، فلا يستعمل إلا في الموضع المعتاد، فإذا تجاوز الخارج الموضع المعتاد، فهل النجاسة لا تزال إلا بالماء فيتعين كمذهب الجمهور، أو تزال بكل مائع مزيل طاهر كمذهب الحنفية، أو تزال بكل مزيل مائعاً كان أو غير مائع، كما هو اختيار ابن تيمية؟
وهذه مسألة بحثناها في مسألة مستقلة، وذكرنا أدلة كل قول، فلا داعي لإعادتها.
دليل من قال: يتعين الماء إذا انتشر الخارج .
الدليل الأول:
قالوا: الرخصة في استعمال الحجارة ورد في المحل المعتاد؛ للمشقة في غسله، لتكرار النجاسة فيه، فما لا يتكرر لا يجزئ فيه إلا الماء.
الدليل الثاني:
لو كانت النجاسة على سائر البدن تعين الماء، كما لو كان البول أو الغائط على يد الإنسان أو ثوبه، فإذا كانت النجاسة على غير المخرج المعتاد، تعين الماء قياساً عليها.
دليل من قال: يجزئ الاستجمار مطلقاً تجاوز أم لا .
الدليل الأول:
قال: استعمال الحجارة في الاستجمار جاء في النصوص مطلقاً، غير مقيد بأن تكون النجاسة على المخرج المعتاد، وما كان مطلقاً من النصوص لا يجوز تقييده إلا بنص مثله.
стр. 1045
الدليل الثاني:
أين الدليل على أن استعمال الحجارة في الاستجمار رخصة، حتى يقال: لا تستعمل الرخصة إلا بمقدار ما ورد، بل إن القول في تعين الماء في إزالة النجاسة قول تخالفه النصوص الكثيرة، منها طهارة النعل بدلكه بالتراب (١)، ومنها طهارة ذيل المرأة (٢)، فليس الاستجمار على خلاف القياس، بل إنه دليل على جواز إزالة النجاسة بكل مزيل.
فإن قيل: إن الاستجمار قد يبقى بعده أثر يسير، قلنا: إن اليسير من النجاسات معفو عنه مطلقاً في مكان الاستجمار وفي غيره.
الراجح: بعد استعراض الأدلة نرى أن قول ابن تيمية قول قوي جداً، وأن النجاسات كل النجاسات تزال بأي مزيل كان، فالحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فمتى زالت النجاسة زال حكمها، والله أعلم.
стр. 1046
المبحث الثاني
إذا استجمر بمنهي عنه ثم استجمر بعده بمباح فهل يتعين الماء
إذا استجمر بمنهي عنه، ثم استجمر بمباح، فاختلف الفقهاء هل يتعين الماء في مثل هذه الصورة، أم يكفي الأحجار.
فقيل: إن أنقى المنهي عنه أجزأ مع الإثم. وهو مذهب الحنفية والمالكية.
وقيل: لا يجزئ، ولو أنقى، لكن إن انتشرت النجاسة تعين الماء، ويكفيه الحجر إن لم تنتشر. وهو مذهب الشافعية.
وقيل: يتعين الماء، ولو أنقى المنهي عنه، ولا يكفيه الحجارة، وهو المشهور عند متأخري الحنابلة.
وسبق بحث هذه المسألة والإحالة على المراجع في أكثر من مسألة منها لو استنجى بمطعوم وأنقى، أو استنجى بروث أو عظم كذلك، ومنها لو استنجى بزجاج، فارجع إليها غير مأمور.
стр. 1047
المبحث الثالث
يتعين الماء في الاستنجاء من المذي
اختلف الفقهاء في الطهارة من المذي، هل يتعين الماء، أو تكفي الحجارة؟
فقيل: يتعين الماء وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)،
على خلاف بينهم هل يجب غسل موضع الحشفة فقط كما هو مذهب الحنفية والشافعية، ونسبه النووي للجمهور (٥)، ورجحه ابن عبد البر (٦).
أو يجب غسل الذكر كله، وعليه أكثر أصحاب مالك (٧)، وهو رواية عن أحمد (٨).
أو يجب غسل الذكر كله مع الإنثيين، كما هو مذهب الحنابلة، وذكروه
стр. 1048
من المفردات، وهو مذهب ابن حزم (١).
وقيل: يجزئ الاستجمار، وهو قول في مذهب الشافعية (٢).
وقيل: المذي طاهر، وهو رواية عن أحمد (٣).
وقد سبق لنا عند ذكر ما يستنجى منه بحث الاستنجاء من المذي، وذكر أدلة كل قول، والراجح، والله أعلم.
стр. 1049
المبحث الرابع
يتعين الماء في الاستنجاء من الدم والقيح
إذا خرج من مقعد الرجل دم أو قيح وصديد بسبب بواسير أو خرج من فرج المرأة دم لمرض أو حيض (١)، فهل يجزئ الاستجمار أو يتعين الماء، فيه خلاف.
فقيل: يتعين المائع، ولا تكفي الحجارة، وهو مذهب الحنفية (٢)،
وقيل: يتعين الماء، وهو مذهب المالكية (٣)، وقول في مذهب الشافعية (٤)،
стр. 1050
وقيل: يجزئ الحجر، وهو أصح القولين في مذهب الشافعية (١)، وهو الراجح.
وأدلة هذه المسألة هي أدلة المسائل السابقة من كون الاستجمار رخصة في ما رود من بول أو غائط، وقد أجبت على هذا، وأن الاستجمار على وفق القياس.
لكن الطهارة من دم الحيض والنفاس هي طهارة من الحدث، وليست من الخبث، فلا يجزئ فيها الاستجمار، اللهم ألا أن تكون المرأة عادمة للماء، ويكون التيمم هو المشروع في حقها فإنه تستجمر، ثم تتيمم، والله أعلم.
стр. 1051
المبحث الخامس
هل يتعين الماء في بول المرأة
يجزئ المرأة الاستجمار من الغائط بالاتفاق، واختلفوا في البول.
فقيل: لا يجزئ الاستجمار مطلقاً بكراً كانت أو ثياباً، بل يتعين الماء، وهو مذهب المالكية (١).
وقيل: يجزئ البكر، وهو مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، واختلفوا في الثيب.
فقيل: لا يجزئ الاستجمار بحقها مطلقاً، وهو وجه شاذ في مذهب الشافعية (٤)، وقول في مذهب الحنابلة (٥).
وقيل: يجزئ الاستجمار بحقها مطلقاً، وهو قول في مذهبهما (٦)، وهو الراجح.
وقيل: إن نزل البول إلى ظاهر المهبل، كما هو الغالب لم يكف الا الماء، وإلا كفى، وهو الراجح عند الشافعية (٧) والحنابلة (٨).
стр. 1052
دليل من قال يتعين الماء في بول المرأة مطلقاً .
قالوا: إن المرأة لا يجزيها المسح بالحجر من البول لتعديه مخرجه إلى جهة المقعدةوحملوا كلام ابن المسيب قوله عن الاستنجاء بالماء: هذا وضوء النساء، قالوا: يريد أن ذلك إنما يكون في حق النساء، فإن المرأة لا يجزيها المسح بالحجر من البول؛ لأنه يتعدى مخرجه ويجري إلى مقاعدهن وكذلك الخصي (١).
فرجع الدليل إلى مسألة إذا تجاوز الخارج موضع العادة، وقد ذكرنا بحثه في مسألة مستقلة.
دليل من قال: يتعين الماء إذا نزل إلى ظاهر المهبل .
دليله ما ذكرناه في مسألة مستقلة من أن الخارج إذا تعدى الموضع المعتاد وجب الماء، وأن حقيقة الاستنجاء إنما هو في إزالة الخارج على مخرج البول والغائط، فإذا كانت النجاسة ليست عليهما فلا يسمى استنجاء، وإذا لم يكن استنجاء تعين الماء؛ لأن الاستجمار إنما ورد رخصة في مكانه المعتاد. وقد أجبت عنه هناك، وأنه لا يوجد قيد في الاستجمار أن يكون على الموضع المعتاد.
دليل من قال: يجزئ الاستجمار مطلقاً .
الدليل الأول:
قال: إن الأحاديث في الاستجمار وردت مطلقة، في حق الرجل والمرأة، ولو قدر أنها وردت في الرجال فما ثبت للرجل ثبت للمرأة إلا بدليل، ولا
стр. 1053
يوجد دليل يخص المرأة من الاستجمار بالأحجار، فمن ادعى خروج المرأة فعليه الدليل.
الدليل الثاني:
أن نزول البول إلى ظاهر المهبل معتاد من المرأة، فلم يخرج عن قاعدتكم إن الخارج تجاوز الموضع المعتاد، وما كان معتاداً لم يستثن من الاستجمار، وهذا على وفق ما قعدتوه.
الدليل الثالث:
قدمنا أن الصحيح في إزالة النجاسة إزالتها بأي مزيل، فإذا زالت فقد زال حكمها، واشتراط أن تكون النجاسة على المخرج شرط غير معتبر على الصحيح، بدليل مسألتنا، فالمرأة معتاد أن البول قد ينزل على ظاهر المهبل، ومع ذلك لم تأت نصوص من الشرع تمنع المرأة من الاستجمار، والله أعلم.
стр. 1054
المبحث السادس
هل يتعين الماء إذا عرق فسال أثر الاستجمار
إذا عرف فسأل أثر الاستجمار على بدنه أو سراويله، فهل ينجس أم لا؟
فيه خلاف.
فقيل: إنه نجس.
وقيل: طاهر، ولا تتنجس الملابس بذلك.
وهذه المسألة ترجع إلى مسألة سابقة قد تم بحثها، بعد الاتفاق على أن أثر الاستجمار معفو عنه، فهل هو طاهر أم نجس؟
فمن قال: إنه نجس فإنه ينجس الثياب والماء والأبدان إذا سال أثر الاستجمار.
ومن قال: إن الاستجمار مطهر، فإنه لا ينجس الثياب ولا الأبدان ولا المياه فيما لو جلس في ماء قليل فسال أثر الاستجمار، فإن أردت الوقوف على أدلة كل فريق فارجع إليه في مسألة أثر الاستجمار هل هو طاهر أم نجس؟
стр. 1055
المبحث السابع
هل يتعين الماء إذا خرج الحدث من غير السبيلين
قد يفتح للإنسان فتحة في بدنه يخرج منها البول والغائط تكون بديلة عن السبيلين، فإذا خرج منها الحدث هل يكفي الاستجمار أم يتعين الماء؟
فقيل: إذا انسد المخرج المعتاد، وكانت الفتحة تحت المعدة أجزأ الاستجمار قولاً واحداً في مذهب المالكية (١)، واختاراه بعض الحنابلة (٢).
وإن كانت الفتحة فوق المعدة، أو لم ينسد المخرجان فقولان في مذهب المالكية أرجحهما وجوب الماء؛ لأنه غير ناقض.
وقيل: يجزئ الاستجمار مطلقاً إذا انسد المخرج سواء كانت الفتحة فوق أو تحت المعدة، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: لا يجزئ فيه الاستجمار مطلقاً، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (٤).
دليل من قال: يجزئ فيه الاستجمار مطلقاً .
قدمنا في مسألة مستقلة أن النجاسة أي نجاسة لا يتعين في إزالتها الماء،