← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17128

اللباب «شرح فصول الآداب»

عبد الله بن مانع الروقي

Полный текст (352 стр.). Показаны 316–352 · переход к 321.

стр. 316

رسول الله كبشين أقرنين أملحين موجوئين. قال الخطابي: الموجوء يعني: منزوع الخصيتين, ويفيد اللحم طيباً, وينفي عنه الزهومة وسوء الرائحة. (١) وفي هذا بحثٌ قرأته على شيخنا ابن باز ﵀ ثم قال بعد نهاية البحث: الصحيح أنه جائز إذا كان للمصلحة (٢). والمصلحة في إخصاء البهائم تتضمن شيئين، وهما: ١ - منع الذكور فيما بينهما من المقاتلة والعضاض. ٢ - تطييب اللحم وإبعاد الزهومة عنه، وقطع الرائحة عنه. وعند هذا ينبغي أن يكون بأقل ما يمكن من الإيلام؛ لأن من منع الخصاء، قال: لما فيه من الإيلام للحيوان. ولكن نقول: ليس كل إيلام للحيوان ممنوع, فإن الحيوان قد يُضرب للمشي, وقد يُركب عليه, ويحصل له المشقة بذلك, وقد يكوى بالنار للوسم كما سيأتي, وما أشبه ذلك. فالإيلام اليسير الذي فيه مصلحة للإنسان لا بأس به, ومن ذلك شق السنام والإشعار في الهدي, ومن يلي الخصاء ينبغي أن يكون حاذقاً فيقوم به على وجه لا يحصل به ضرر عظيم، وهنا مسألة مشهورة عند أهل

стр. 317

الإبل وهي مسألة (التضيير) وصورتها فيما بلغني أن بعض الإبل تموت بعد ولادتها , ويعيش ولدها فيحتاج إلى لبن ناقة أخرى فيعمد إلى ناقة فيكتم نفسها , وتحشى أرحامها بشيء , ثم يخرج منها , ويلقى بين يديها الحوار الذي ماتت أمه , ويفك عن مناخرها فتظن أنها ولدته فتشمه وتدر عليه وينتفع ملاكها بلبنها , والذي يظهر لي جوازه بشرط ألا تربو مفسدته أو يكون ألمه أعظم من ألم الكي أو الإشعار كما هو في الهدي , أو خصاء البهائم كما تقدم , فإذا جاز الإشعار وهو شق سنام الإبل , وجاز الكي والخصاء ,جاز نظيره إن كان لمصلحة , وإلا فلا. قوله: (ولا كيها بالنار للوسم) الوسم: هو الكي بالنار, وأن تُجعل لها سمة, والوسم منقلبة عن واو, والصحيح جواز وسم الدواب, وقد قال البخاري في صحيحه: "باب وسم الإمام إبل الصدقة"، (١) ثم أسند عن أنس ﵁ وفيه: فوافيته وفي يده الميسم يسم إبل الصدقة. (٢)

стр. 318

وفي لفظ للبخاري: فرأيته يسم شاة حسبته في أذنها. (١) وقد ذكره أيضاً في: "باب الوسم والعلم في الصورة", (٢) والمراد بالصورة الوجه, وذلك لأن النبي ﷺ كره أن تعلم الصورة؛ كما في حديث ابن عمر ﵁ , (٣) ثم كان الأمر على جواز الوسم في غير الصورة, وفي حديث جابر عند مسلم: أن النبي ﷺ نهى عن الضرب في الوجه وعن الوسم في الوجه. (٤) وعنده من حديث ابن عباس ﵁: أن النبي ﷺ رأى حماراً قد وسم في وجهه فأنكر ذلك", وفي لفظ له قال: «لعن الله الذي وسمه» (٥) والخلاصة في مسألة وسم الدواب بالنار، أنه يجوز بشروط: ١ - أن يكون هناك حاجة, مثل أن يعرف الحيوان, ويميز مثلاً إبل الصدقة عن إبل الجهاد، أو إبل الناس. ٢ - أن يكون الوسم في غير الوجه؛ لأن الوسم في الوجه حرام, ولذلك لعن النبي ﷺ من وسم الحمار في وجهه ونهى عن ذلك.

стр. 319

٣ - أن يكون الوسم بمقدار الحاجة, بقدر ما يحرق الشعر, ويفضي إلى الجلد ولا يتجاوزه إلى العظم, ويسمه وسماً واضحاً لا يذهب، وقد كان يلي الوسم رسول الله ﷺ وكذلك أصحابه رضوان الله عليهم من بعده, وعلى هذا يكون ما ذكره صاحب المتن ليس بسديد.

стр. 320

فَصْلٌ وَيُكْرَهُ إِزَالَةُ الأَوْسَاخِ فِي الْمَسَاجِدِ كَتَقْلِيْمِ الأَظْفَارِ، وَقَصِّ الشَارِبِ، وَنَتْفِ الإِبِطِ، وَالعَمَلِ وَالصَنَائِعِ؛ كَالخِيَاطَةِ، وَالخَرَزِ، وَالحَلَجِ، وَالتِّجَارَةِ، وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ؛ إِذَا كَثُرَ. وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ إِذَا قَلَّ مِثْلُ رَقْعِ ثَوْبٍ، أَوْ خَصْفِ نَعْلٍ، أَوْ تَشْرِيْكِهَا إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُهَا. قوله: (ويكره إزالة الأوساخ في المساجد ..... إذا انقطع شسعها). استقرت العناية بالمساجد في الشريعة الإسلامية ,وتظاهرت بذلك الأخبار , فقد أمر النبي ﷺ بتطييبها, وأثنى على من كان يلي تنظيفها, بل في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ لما فقد امرأة كانت تقم المسجد, فقالوا: ماتت, فقال: «دلوني على قبرها» (١) ثم أتى وصلى عليها تكرمة لها.

стр. 321

ونهى عن البصاق فيها, واستفاضت الأخبار في النهي عن ذلك, بل قد باشر ﵊ إزالة البصاق وحكه بيده الشريفة , وكان قد أمر بتخليقها بزعفران, وكان السلف يجمِّرون المساجد ويطيبونها, ونُدِب إلى ذلك, حتى قال شيخ الإسلام في الفتاوى في المجلد الثاني والعشرين قال: والمسجد يصان حتى عن القذاة التي في العين. (١) واشتهر عند الناس خبر لا يثبت, أن قمامة المسجد مهور الحور العين, وهذا لا يصح، (٢) ولمّا بال رجل في المسجد قال ﷺ : «أهريقوا على بوله ذنوبا من ماء» ثم قال: «إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من قذر الناس» وكما قال ﷺ : «إنما هي لذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن» (٣) وأنكر أصحابه على من بال في المسجد.

стр. 322

وفي حديث عائشة ﵂ الذي في السنن (وفي إسناده مقال): أن النبي ﷺ أمر أن تُبنى المساجد في الدور وأن تطيب. (١) والدور المراد بها الأحياء، فلا يكون فيها شيء من قلامة الأظفار, ولا تقص فيها الشعور, ولا تعمل فيها الصنائع، بل تصان عما هو أولى من ذلك, كالبيع والشراء, وقد صح عنه ﷺ أنه قال: «إذا رأيتم الرجل يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك» (٢) غير أنه لا يكره إذا قل شيء من ذلك, كرقع الثوب, أو خصف النعل, أو تشريكها إذا انقطعت, فهذا لا بأس به؛ لأنها أعمال يسيرة لا تنافي حرمة المسجد.

стр. 323

فَصْلٌ وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ وَاجِبٌ ، سُئِلَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ عَنْ بِرِّ الوَالِدَيْنِ، أَفَرْضٌ هُوَ؟ فَقَالَ: لَا أَقُوْلٌ فَرْضٌ، وَلَكِنَّهُ وَاجِبٌ. وَلَا يَجُوْزُ طَاعَتُهُمَا فِي مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى، كَذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : ((لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوْقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى)). قوله: (وبر الوالدين ...... «لا طاعة لمخلوق في معصية الله تعالى») وبر الوالدين لا شك أنه فرض , ولعل الإمام أحمد ﵀ توقف لعارض, وإلا فقد قرن الله جل وعلا برهما بطاعته وعدم الإشراك به, حيث قال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (١) وفي الآية الأخرى قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٢) وأما الأخبار في بر الوالدين في السنة النبوية فهي مستفيضة.

стр. 324

ويمكن أن نقسم طاعة الوالدين إلى أقسام: ١ - أن يأمره الوالدان بما يجب لله؛ كأن يأمره الوالدان بصلاة الفريضة فهذا واجب لا إشكال فيه. ٢ - طاعته في ترك ما حرم الله؛ كأن يأمره والداه بترك محرم, فلا إشكال في وجوب الطاعة هنا أيضاً. ٣ - طاعته في المستحب؛ كأن يأمره أبوه بفعل المستحب, كما لو أمره بفعل الصلاة النافلة فهذا الأصل فيها الوجوب. ٤ - إذا أمره بترك مكروه وعدم فعله فهذا الأصل فيها وجوب الامتثال. ٥ - إذا أمره بأمر مباح, فاختلف أهل العلم في ذلك هل يجب على الولد الطاعة أم لا؟ فقيل الوالد يطاع في كل شيء ليس معصية، وقال ابن مفلح: (١) ولا يجوز لوالد منع ولده من حج واجب, ولا تحليله منه, ولا يجوز للولد طاعته فيه, وله منعه من التطوع كالجهاد. فدل على أنه لا يجوز له سفر مستحب بلا إذن وهو ظاهر ما ذكره الشيخ في بحث مسألة الجهاد, قال: ويتوجه, ويستحب استئذانه, فإن ظن أنه ينضرُّ به وجب، وأنه - أي الاستئذان - واجب للجهاد، لأنه يُراد

стр. 325

للشهادة بخلاف غيره, ففرق الأصحاب بين السفر له ولغيره في مسألة المدِين. قال: ولا يجوز تحليله منه لوجوبه بشروعه. وقال أحمد في الفرض: إن لم تأذن لك أمك وكان عندك زاد وراحلة فحج ولا تلتفت إلى إذنها واخضع لها ودَارِها. قال: ويلزمه طاعة والديه في غير معصية ويحرم فيها, ولو أمره بتأخير الصلاة ليصلي به أخّرها, نص على ذلك كله, قال في المستوعب وغيره: ولو كانا فاسقين. وهو إطلاق كلام أحمد, وقال شيخنا - يعني ابن تيمية-: هذا فيما فيه نفع لهما, ولا ضرر عليه, فإن شق عليه ولم يضره وجب, وإلاّ فلا. ثم قال: وإنما لم يقيده أبو عبد الله لسقوط فرائض الله بالضرر, وعلى هذا بنينا تملكّه من ماله, فنفعه كماله, فليس الولد بأكثر من العبد. إلى أن قال: ونقل أبو الحارث فيمن تسأله أمه شراء ملحفة للخروج, إن كان خروجها في بر وإلا فلا يعنيها على الخروج, ونقل جعفر: إن أمرني أبي بإتيان السلطان، له عليّ طاعة؟ قال: لا, فيحتمل في هذا، والذي قبله أنه وسيلة ومظنة في المحرم فلا مخالفة لما سبق وظاهرهما المخالفة وأنه لا طاعة إلاّ في البر.

стр. 326

إلى أن قال: ونقل المرُّوذي: ما أحب أن يقيم معهما على الشبهة لأنه ﷺ ، قال: «من ترك الشبهة فقد استبرأ لدينه وعرضه» (١) ولكن يداري, فظاهره لا طاعة في مكروه, ونقل غيره فيمن تعرِضُ عليه أمه شبهة يأكل؟ فقال: إن علم أنه حرام بعينه فلا يأكل, وقال أحمد: إن منعاه الصلاة نفلاً يداريهما ويصلي, فظاهره لا طاعة في ترك مستحب, وقال: إن نهاه أبوه عن الصوم لا يعجبني صومه، ولا أحب لأبيه أن ينهاه, فظاهره: لا تجب طاعته في تركه, وذكر صاحب المحرر وتبعه ابن تميم: لا يجوز منع ولده من سنة راتبة, وأن مثله المكتري والزوج والسيد. إلى أن قال: وقوله ندب إلى طاعة أبيه، وقال أحمد فيمن يتأخر عن الصف الأول لأجل أبيه: لا يعجبني هو يقدر أن يبر أباه بغير هذا. وقال في الغنية: يجوز ترك النوافل لطاعتهما بل الأفضل طاعتهما, والمسألة مذكورة في الآداب الشرعية نحو ثلث الكتاب. والله أعلم. والذي يتحرر لي في هذه المسألة أن طاعة الوالد في المباح فيه تفصيل, أن الوالد يطاع فيما كان للوالد فيه نفع وغرض صحيح ولا ضرر على الولد.

стр. 327

وعُلم من هذا أنه إذا كان الوالد ينهى عن شيء ليس له فيه نفع ولا غرض صحيح, وللولد فيه مصلحة أو نفع - دنيوي أو ديني-, كما لو نهاه عن السنن الرواتب, أو عن الصيام النافلة, وليس للوالد نفع في ترك الولد ذلك, وليس على الولد ضرر في فعل ذلك فحينئذٍ الأقرب هو الرواية الثانية عن أحمد أن له أن يصوم, ولكن يداري الوالد, ويقول لهما قولاً ميسوراً. مثال: لو أمره أبوه بطلاق زوجته وليس للوالد غرض صحيح في ذلك, والغرض الصحيح كأن تكون المرأة سليطة اللسان, أو أنها متهمة في دينها, وما أشبه ذلك فحينئذٍ لا ينفذ أمر الوالد, ويحمل على الغرض الصحيح ما رواه أبو داود بإسناد صحيح، عن ابن عمر ﵁، قال: كان تحتي امرأة أحبها, وكان عمر يكرهها, فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إن تحتي امرأة أحبها وإن أبي يأمرني بطلاقها, فقال رسول الله ﷺ : «أطع أباك» (١)

стр. 328

وقد أتى الإمام أحمد رجل، فقال: إن تحتي امرأة وأبي يأمرني بطلاقها, فقال له الإمام أحمد: لا تطع أباك. فقال الرجل: أليس رسول الله ﷺ أمر ابن عمر أن يطيع عمر في تطليقه زوجته؟ قال الإمام أحمد: إن كان أبوك مثل عمر فطلقها. (١) فعُلم أنه لا يطاع الأب ولا الأم في طلاق الزوجة متى كانت الحال مستقيمة, وليس للوالد في ذلك غرض صحيح, وللابن في زوجته نفع, وعلى هذا يتحقق ما ذكره شيخ الإسلام كما نقله عنه ابن مفلح، والله أعلم.

стр. 329

فَصْلٌ وَيُكْرَهُ الاتِّكَاءُ عَلَى يُسْرَى يَدَيْهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ. وَيُكْرَهُ الجُلُوْسُ بَيْنَ الشَّمْسِ وَالظِّلِّ. قوله: (ويكره الاتكاء على يسرى ....... الشمس والظل) ذكر المؤلف كراهية الاتكاء على اليسرى من وراء ظهره, والأصل في هذه المسألة ما أخرجه أبو داود, ومن طريقه البيهقي في السنن وفي الآداب, وأحمد، وابن حبان، والطبراني في المعجم الكبير، والحاكم, كلهم من طريق عيسى بن يونس، قال: حدثنا جريج عن إبراهيم بن ميسرة، عن عمرو بن الشريد بن سويد، عن أبيه، قال: مر بي النبي ﷺ وأنا جالس هكذا وقد وضعت يدي اليسرى, واتكأت على إلية يدي فقال: «أتقعد قِعدة المغضوب عليهم» (١)

стр. 330

وهذا الإسناد إسناد لا بأس به, وبوب عليه أبو داود في آخر سننه في كتاب الآداب: "باب في الجلسة المكروهة" (١) وأخرجه عبد الرزاق, ومن طريقه ابن حزم في المحلى من طريق ابن جريج عن إبراهيم بن ميسرة: أنه سمع عمرو بن الشريد يخبر عن النبي ﷺ أنه يقول في وضع الرَّجُلِ شماله إذا جلس في الصلاة: «هي قعدة المغضوب عليهم» (٢) وهذه الرواية فيها إرسال، فإن عمرو بن الشريد يخبر عن النبي ﷺ , وفي الخبر الأول يخبر عن أبيه الشريد بن سويد, وعمرو تابعي, وهناك إشكال آخر في هذه الرواية أنها في الصلاة،. وقد اختلف العلماء في هذه الِجلسة - وهي وضع اليد اليسرى خلف الظهر والاعتماد عليها. إلية اليد: هي اللحمة التي في أصل الإبهام وأصل الكف.

стр. 331

فالذي يظهر لي أن هذه الجلسة إنما نهي عنها في الصلاة فقط, لوجوه: الوجه الأول: ما أخرجه أبو داود وأحمد وتمّام في فوائده والبيهقي في سننه وابن حزم في المحلى وعبد الرزاق عن معمر عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر قال: نهى النبي ﷺ أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يديه. (١) وأخرجه الحاكم ومن طريقه البيهقي من طريق هشام بن يوسف عن معمر عن إسماعيل بن أمية به، ولفظه: نهى رجلاً وهو جالس معتمد على يده اليسرى في الصلاة فقال: «إنها صلاة يهود» (٢) فهذه الطريق فيها ذكر الاعتماد على اليد اليسرى, وفيها تفسير المغضوب عليهم بأنهم اليهود، فالصحيح في تفسير المغضوب عليهم كما سيأتي أن المراد بهم اليهود, وأيضاً فقد أخرجه أبو داود واللفظ له ومن طريقه البيهقي من طريق هشام بن سعد عن نافع: أن ابن عمر ﵁ رأى

стр. 332

رجلاً يتكئ على رجله اليسرى وهو قاعد في الصلاة ساقطاً على شقه الأيسر، فقال: لا تجلس هكذا فإن هكذا يجلس الذين يعذبون. (١) ورواه أيضاً عن هشام زيد بن أبي الزرقاء وابن وهب وجعفر ابن عون وإسناده لا بأس به. وهشام بن سعد فيه كلام يسير, وفيه لين, وأصح رواياته ما كان عن زيد بن أسلم, فإنه مولاه وتربى في حجره, ورواه عن هشام أيضاً محمد بن عبد الله بن الزبير, كما عند أحمد فرفعه، والموقوف أصح؛ فإنه رواه عن هشام زيد بن أبي الزرقاء وابن وهب وجعفر بن عون فوقفوه. وأخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني نافع عن ابن عمر رأى رجلاً جالساً معتمداً على يديه، فقال: «ما يجلسك في صلاتك جلوس المغضوب عليهم؟» (٢) كالمستفهم. وأخرجه أيضاً عبد الرزاق: عن ابن عيينة، عن محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر ﵁: أنه رأى رجلاً جالساً معتمداً بيده على الأرض، فقال: إنك جلست جلسة قوم عذبوا. (٣)

стр. 333

فهذه الروايات تفيد أن النهي في الصلاة, فيحمل المطلق على المقيد, لا سيما مع اتحاد الحكم والسبب, فالحكم أنها جلسة المغضوب عليهم, والسبب أنه يضع يده اليسرى خلف ظهره. فهنا يجب حمل المطلق على المقيد. ومما يدل على هذا ويوضحه أنه وصف من يفعلها بأنه من المغضوب عليهم, وهذا يطابق اللفظ في حديث الشريد بن سويد, فإنه وصف المغضوب عليهم, والمراد بهم اليهود, كما في قوله بالفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ (١) وقد جاءت الآثار في تفسيرها عن النبي ﷺ , وعن التابعين ومن بعدهم, بأن اليهود مغضوب عليهم, والنصارى ضالون. وأيضاً مما يدل على ذلك التصريح من ابن عمر بأن المغضوب عليهم هم اليهود, وهذه جاءت في لفظ صحيح كما تقدم, من حديث هشام

стр. 334

بن يوسف عن معمر, وأيضاً أن هذا معدود من التشبه باليهود في صلاتهم, فنهي عنه لذاته, ومما يؤيد الخصوصية بالصلاة أن الأصل إباحة الجلوس في خارج الصلاة, وقد قال البخاري في صحيحه في كتاب الاستئذان "باب الجلوس كيفما تيسر". (١) ومن قال بالعموم، قال: إن هذه الجلسة ممنوعة مطلقاً, واحتج بأن النبي ﷺ ، خاطب الشريد, فكيف يخاطب رجلاً يصلي, ونقول: قد جاءت عدة أحاديث فيها خطاب المصلي والإنكار عليه, في قصة الرجل الذي صلى وكان يصلي النافلة والصلاة تقام, فقال: «يوشك أحدكم أن يصلي الصبح أربعاً» (٢) وقال: «أصلاتان معاً» (٣) فخطاب المصلي والإنكار عليه ليس فيه إشكال, وقالوا أيضاً أن الروايات الصحيحة للحديث ليس فيها ذكر الصلاة, فلم يجيء التقييد إلا في رواية مرسلة, وتقدم الجواب عليه, وقالوا

стр. 335

أيضاً إن أبا داود قد ترجم له: "الجلسة المكروهة", (١) في كتاب الأدب, ولم يذكرها في كتاب الصلاة ... وممن اختار العموم أيضاً شيخنا ابن باز ﵀ واللجنة الدائمة والشيخ ابن عثيمين ﵀ فهم يرون أن المنع في هذه الجلسة منع مطلق, والذي يظهر لي ما تقدم, وهذا اختيار الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ في السلسة الضعيفة, وأن المنع فيها إنما هو في الصلاة فقط. والحكمة ظاهرة لأجل التشبه، فإن قال قائل: إذا نهي عن هذا في الصلاة ألا يكون من التشبه بهم في خارج الصلاة؟ نقول: لا, ليس بلازم, فإنه قد يُنهى عن الشيء في الصلاة فقط, ولا يُنهى عنه خارج الصلاة, فقد نُهي عن الاختصار في الصلاة, ولم ينه عنه خارج الصلاة, وقد قالت عائشة ﵂: «إنها صلاة اليهود» (٢) يعني يختصرون يضعون أيديهم على خواصرهم, فقد ينُهى عن الشيء في الصلاة ولا

стр. 336

ينهى عنه خارج الصلاة, وقد يُخبَر عن الشيء بأنه يفعله الكفرة في عباداتهم أو صلاتهم, فلا يكون منهياً عنه خارج الصلاة, وهذا هو الأقرب. وهذه الصفة الخاصة فيها محذوران: الاعتماد على اليد وهذه الهيئة الخاصة فجاء النهي عنهما، وإذا اعتمد على يده اليمنى في الصلاة, فإنه منهي عنه أيضاً, فالواجب أنه يجلس, ولأن المعتمد في الجلوس في الصلاة حكمه حكم المضطجع عند أهل العلم, فلو أن إنسان كان يصلي وفي التشهد اعتمد على إحدى يديه أو استند إلى شيء خلفه فحكمه حكم المضطجع. مثال: لو كان إنسان يصلي وهو قائم واعتمد خلفه على سارية, بحيث لو أزيلت السارية لسقط, فهذا عند أهل العلم مخل بالقيام, تارك لركن القيام, فلابد أن يصلُب للقيام ويعتمد, حتى يكون هناك تكليف, فمثله من يعتمد على يديه, إلا إذا كان مريضاً أو محتاجا لها, فهذا شيء آخر. وإذا كان خارج الصلاة فتزول الكراهية إذا اعتمد على كلتا يديه خلف ظهره، أو أعتمد على يمينه خلف ظهره، أو على يمينه جهة يمينه،

стр. 337

أو على يساره جهة يساره، ولا يشمل النهي خارج الصلاة؛ إلا صفة واحدة وهي الاعتماد على اليسرى خلف الظهر (على القول الآخر). وظاهر الحديث أيضاً أن هذه الجلسة محرمة, ليست مكروهة؛ لأن التشبه الأصل فيه التحريم, وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم» (١) قوله: (ويكره الجلوس بين الشمس والظل) . جاء في ذلك عدة أخبار, فمنها حديث بريدة الذي أخرجه ابن أبي شيبة، ومن طريقه ابن ماجه، عن زيد بن حباب، عن أبي المنيب العتكي, عن ابن بريدة -وهو عبدالله بن بريدة- عن أبيه: أن النبي ﷺ نهى أن يقعد بين الظل والشمس» (٢) وأبو المنيب هو عبيد الله بن عبد الله العتكي, (٣) والصحيح أنه حسن الحديث,

стр. 338

قال في الزوائد: إسناده حسن. (١) ومنها أيضاً ما أخرجه أحمد في المسند عن بهز، وعفان، قالا: حدثنا قتادة، عن كثير بن أبي كثير، عن أبي عياض، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ : أن النبي ﷺ نهى أن يجلس بين الضَّحِّ والظل، وقال: «مجلس شيطان» (٢)

стр. 339

وأخرجه الحاكم (١) أيضاً من طريق عبد الله بن رجاء الغداني دون قوله: «مجلس شيطان» وسمى الصحابي المبهم -الذي هو رجل من أصحاب النبي ﷺ سماه أبا هريرة, لكن التسمية هنا غير محفوظة؛ لأن بهز بن أسد العمي وعثمان بن الصفار خالفا عبد الله بن رجاء, فالصحيح أن الصحابي مبهم, وفي إسناده مقال. ويشهد لهذا الخبر ما أخرجه أحمد أيضاً عن عفان قال: حدثنا عبد الوارث، حدثنا محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ ، قال: «إذا كان أحدكم جالساً في الشمس فقلصت عنه فليتحول من مجلسه» (٢) وهذا فيه انقطاع بين ابن المنكدر وأبي هريرة, وأخرجه كذلك أبو داود (٣) والحميدي (٤) والبيهقي (٥) , واختُلف في رفع هذا الحديث ووقفه.

стр. 340

وقد أخرج ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عبدالله بن عمرو ﵄ أنه قال: القعود بين الظل والشمس مقعد الشيطان. (١) وأخرج أيضاً ابن أبي شيبة عن وكيع، عن شعبة، عن قتادة، عن النبي ﷺ : أنه نهى عن الجلوس بين الظل والشمس. (٢) وهذا مرسل صحيح, يعني: مرسل إلى قتادة, وهو صحيح إلى قتادة, وقتادة تابعي, وجاء أيضاً هذا الحديث موقوفاً على أبي هريرة, وأيضاً فقد صححه الإمام أحمد وإسحاق بن راهوايه, كما في مسائل المروزي, وقال الإمام أحمد عن حديث الصحابي المبهم: "إسناده جيد", نقله عنه المنذري. مسألة: هل النهي عن الجلوس بين الشمس والظل للكراهة أو التحريم؟ بمجموع هذه الطرق الخبر لا بأس به, والذي يظهر لي أنه يكره كراهية شديدة, أو يحرم لأمور:

стр. 341

أولاً: نسبته إلى الشيطان, وهذا جاء في كلام عبد الله بن عمرو ﵁ الصحيح عنه, وفي رواية الحاكم من طريق عبد الله بن رجاء الغداني, وفيه ذكر مجلس الشيطان, ولها شواهد في المعنى يأتي إن شاء الله ذكرها, وقد قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ (١) ثانياً: أنه يضر بالجسم, خصوصاً إذا اعتاده الإنسان, قال ابن القيم: (٢) والنوم في الشمس يثير الداء الدفين، ونوم الإنسان بعضه في الشمس وبعضه في الظل رديء. ثالثاً: وأيضاً فهو منافي للعدل بين الجوارح, فإما أن يكون جميع البدن في الشمس, أو في الظل, وهذا من كمال الشريعة, ولهذا نُهي عن المشي في نعل واحدة, كما في الصحيحين (٣) من حديث مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة, وجاءت تسمية مشية الذي ينتعل بنعل واحدة أنها مشية الشيطان, كما أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار من طريق الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة "أن

стр. 342

النبي ﷺ نهى عن المشي في النعل الواحدة وقال: «إن الشيطان يمشي بالنعل الواحدة» (١) وهذا إسناده صحيح, وجعفر بن ربيعة ثقة من رجال الجماعة, ولا يقال إنه خالف أبا الزناد فلم يذكر أن الشيطان يمشي بالنعل الواحدة, فإن هذا مما يحتمل فيه, وجعفر مشهور بالعدالة, ومن رجال الستة. ووقفت على تقرير طبي نصه: أمر البدن لا يستقيم إلا إذا سار العضو على وتيرة واحدة في جميع أعضاءه, ففي وضع الشمس هناك الأشعة الحمراء التي تسخن الأعضاء, والأشعة دون البنفسجية التي تصبغ الجلد وتحمره, فإذا حصل ذلك في جزء من البدن دون الجزء الآخر ودونما حاجة إلى ذلك, تشوش الدوران, واضطربت وظائف الأعضاء, وهذا ما يحصل عند الجلوس أو النوم بين الظل والشمس. فالحكمة من هذا أنه مشابه للشيطان, وأنه خروج عن الاعتدال, وقال الذهبي في المهذب في اختصار السنن الكبير على حديث بريدة: أراد بذلك العدل في الجسد كما نهي عن المشي في نعل واحدة عدلاً بين الرجلين.

стр. 343

ويشمل النوم والجلوس وكيفما كان، فلا يكون بين الشمس والظل، ومن أهل العلم من قال: أنك إذا جلست أنه إنما نهي عنه إذا قلص الظل عنه وبدأ يزحف، أما إذا جلست مباشرة بين الشمس والظل فلا بأس, وهذا ليس بصحيح, فإن هذا مصادم للنص. مسألة: هل هذا يشمل الجالس في مجلس يجب عليه الجلوس فيه كالجالس لخطبة الجمعة؟ نعم, هذا يشمل كل جلوس, سواءً كان هذا الجلوس جلوساً واجباً, أو جلوساً مستحباً, أو جلوساً مباحاً, فإنه يتحول ويكون هذا من الأمر الشرعي, فيتحول إذا قلص عنه الظل في مسجد مكشوف, أو في خارج المسجد, فيتحول قدر الاستطاعة

стр. 344

فَصْلٌ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُوْلَ عِنْدَ النُّهُوْضِ مِنَ المَجْلِسِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوْبُ إِلَيْكَ، فَهِيَ كَفَّارَةُ المَجْلِسِ. وَيُكْرَهُ الجُلُوسُ فِي ظِلِّ المَنَارَةِ، وَكَنْسُ البَيْتِ بِالخِرْقَةِ، وَالشُّرْبُ مِنْ ثُلَمَةِ الإِنَاءِ. فَهَذِهِ جُمْلَةٌ مِنَ الآدَابِ، وَاللهُ تَعَالَى المُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. قوله: (ويستحب أن يقول .... فهي كفارة المجلس) أما كفارة المجلس, فجاءت فيها أخبار كثيرة, واشتهر عن البخاري ﵀ أنه ضعف هذا الخبر, وهذا من عدم فهم ما نقل عن البخاري, فإنه نقل عنه أنه أعل حديث أبي هريرة, فإن الحاكم أخرجه في المستدرك, وهو عند الترمذي أيضاً, والنسائي في عمل اليوم والليلة, كلهم من رواية حجاج بن محمد - وهو المصيصي - عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «من جلس في مجلس وكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك

стр. 345

وأتوب إليك، إلا غفر الله ما كان في مجلسه ذلك» (١) هذا لفظ الترمذي, وقال: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث سهيل من هذا الوجه, قال الحافظ: وفي الباب عن أبي برزة - إلى قوله: قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم, والبخاري أعله برواية وهيب عن موسى بن عقبة عن سهيل عن أبيه عن كعب الأحبار، كذا قال في المستدرك, قال الحافظ: ووهم في ذلك, فليس في هذا السند ذكر لوالد صهيب ولا كعب والصواب عن سهيل عن عون, وكذا ذكره أهل الصواب في علوم الحديث، فإنه ساق فيه من طريق البخاري عن محمد بن سلام عن مخلد بن يزيد عن ابن جريج بسنده ثم قال: قال البخاري: هذا حديث مليح لا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث إلا أنه معلول, حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا وهيب، حدثنا موسى بن عقبة، عن عون بن عبد الله، قوله - يعني أن هذا الخبر إنما هو من قول عون بن عبد الله - هذا أولى فإنا لا نذكر لموسى بن عقبة سماعاً من صهيب. وأخرج البيهقي في المدخل عن الحاكم بسنده المذكور في علوم الحديث عن البخاري، فقال عن أحمد ويحيى بن معين، كلاهما عن حجاج

стр. 346

بن محمد، وساق كلام البخاري؛ لكن قال: لا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا غير هذا الحديث, إلا أنه معلول, وقوله لا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا, هو المنقول عن البخاري, وقوله: (لا أعلم في هذا الباب غير هذا الحديث) , فإن في الباب عدة أحاديث لا تخفى على البخاري. وقد ساق الخليلي في الإرشاد هذه القصة عن غير الحاكم وذكر فيها أن مسلماً قال للبخاري: أتعرف بهذا الإسناد في الدنيا حديث غير هذا؟ فقال: لا, إلا أنه معلول. ثم ذكره عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب، عن موسى بن عقبة، عن عون بن عبد الله، من قوله, والبخاري أنكر هذا الإسناد وأعله, وإلا فهذا المتن جاء من أسانيد جماعة من الصحابة. قال الحافظ: وقد تتبعت طرقه فوجدته قد ورد من رواية جماعة من الصحابة عدتهم سبعة زائدة على من ذكر الترمذي, وأحال بيان ذلك على تخريجه لأحاديث الإحياء. وقد تتبعت طرقه ووجدته من رواية خمسة آخرين, فكانوا خمسة عشر نفساً, ومعهم صحابي لم يسم فلم أضفه إلى العدد لاحتمال أن يكون أحدهم, وقد خرجت طرقه فيما كتبت عن علوم الحديث, وأذكره هنا ملخصاً, وهم:

стр. 347

١ - عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عند الطبراني في المعجم الكبير, أخرجه موقوفاً وعند أبي داود أخرجه موقوفاً, -كما تقدم التنبيه عليه-. ٢ - وأبو برزة الأسلمي وحديثه عند أبي داود والنسائي والدارمي, وسنده قوي. ٣ - وجبير بن مطعم وحديثه عند النسائي وابن أبي عاصم, ورجاله ثقات. ٤ - والزبير ابن العوام وحديثه عند الطبراني في المعجم الصغير, وسنده ضعيف. ٥ - وعبدالله ابن مسعود وحديثه عند ابن عدي في الكامل وسنده ضعيف. ٦ - والسائب بن يزيد وحديثه عند الطحاوي في مشكل الآثار والطبراني في الكبير, وسنده صحيح. ٧ - وأنس بن مالك وحديثه عند الطبراني والطحاوي وسنده ضعيف. ٨ - وعائشة وحديثها عند النسائي وسنده قوي. ٩ - وأبو سعيد الخدري وحديثه في كتاب الذكر لجعفر في الرياء بسند صحيح إلا أنه لم يصرح برفعه. ١٠ - وأبو أمامة حديثه عند أبي يعلى وابن السني, وسنده ضعيف.

стр. 348

١١ - ورافع بن خديج وحديثه عند الحاكم والطبراني في الصغير, ورجاله موثّقون إلا أنه اختلف على راويه في سنده. ثم ذكر جملة بقية الصحابة الذين رووه, ثم ختم هو كتابه شرح البخاري، بقوله: ورأيت أن أختم الفتح بطريق من طرق هذا الحديث ثم ساق إسناد حديث عائشة، الذي رواه النسائي في سننه من طريق خالد ابن أبي عمران، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ إذا جلس مجلساً أو صلى تكلم بكلمات, فسألته عن ذلك فقال: «إن تكلم بكلام خير كان طابعاً عليه -يعني خاتماً عليه- إلى يوم القيامة, وإن تكلم بغير ذلك كانت كفارة له, سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك» (١). (٢) وهذا من آخر كلام الحافظ في شرح البخاري, فيكون هذا الحديث ثابت من حديث أبي برزة وحديث عائشة, وجماعة من الصحابة. ويقال عند نهاية المجلس, وهذا الدعاء يكفر الصغائر, وإن كان بتوبة كفّر الكبائر التي ليست متعلقة بالمخلوقين, فإن فيه: «أستغفرك وأتوب إليك»

стр. 349

فإن كان هذا يتعلق بكلام يختص بمخلوق, فإنه لا بد من رد حقوق المخلوقين, ولكن إذا كان هذا كلاماً سيئاً وفحشاً من القول فإنه يُكَفَّر إذا كان صادقاً فيما يقول، دون أن يكون فيه غيبة أو نميمة أو سب أو قدح. فإن كان صاحبه يقول هذا الذكر وليس مستحضراً لمعنى التوبة فهل يقال إنه ما يكفر إلا الكبائر التي ذكرناها قبل قليل، التي تتعلق بحقوق المخلوقين؟ نقول: فيه وجهان عند أهل العلم, فإن الإنسان إذا قال: أستغفر الله, فلا يخلو استغفاره أن يكون عن ندم وتوبة, أو يكون مجرد دعاء, فإن كان مجرد دعاء, فالدعاء قد يستجاب وقد لا يستجاب, وإن كان مقروناً بندم أو توبة فإنه يتضمن التكفير, وهذا يقال في مطلق المجالس, وقد كان النبي ﷺ يقوله في بعض مجالسه, فإنه ورد عن النبي ﷺ من فعله, وأمر به ورغّب فيه, فيقال في مجلس الخير وفي غيره من المجالس، ويقال في آخر المجلس. وهذا الذكر بعينه جاء مما يقال أيضاً عند الوضوء, كما أخرجه النسائي في الكبرى (١) بسند صحيح، عن أبي سعيد موقوفاً عليه, أن هذا مما يقال عند نهاية الوضوء, فيكون أحد النوعين الذين يقالان بعد الضوء

стр. 350

منها: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله» ومنها «سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك» والموقوف عن أبي سعيد له حكم الرفع؛ لأن هذا لا يقال بالرأي. قوله: (ويكره الجلوس في ظل المنارة وكنس البيت بالخرقة). أما الجلوس في ظل المنارة فيحتمل لما تقدم من أن المنارة قد لا تستره إلا قليلاً، فيكون من الجلوس بين الشمس والظل, وتقدم الكلام عليه, وأما كنس البيت بخرقة فلا يتبين لي العلة, وليس في النصوص ما يدل على هذا الشيء, وقد يقال أنه يخشى من هذا جرح في اليد, وأذيتها, أو ربما يصادف دابة أو ما أشبه ذلك, ولا أعلم في هذا خبراً. قوله: (والشرب من ثلمة الإناء). جاء في ذلك أخبار, منها ما رواه أبو داود من طريق عبد الله بن وهب، قال: أخبرني قرة بن عبد الرحمن - وهو ابن حيوه - عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي سعيد ﵁، وفيه: أن النبي ﷺ نهى عن الشرب من ثلمة القدح وعن النفخ في الشراب. (١)

стр. 351

وقرة بن عبد الرحمن: الصحيح أنه لين الحديث, وكيف ينفرد عن الزهري وتلاميذ الزهري كُثر، وله شواهد منها حديث سهل بن سعد عند الطبراني (١)؛ لكن في إسناده عبد المهيمن بن العباس بن سهل بن سعد, حفيد الصحابي سهل بن سعد, وعبد المهيمن هذا ضعيف, وله شاهد أيضاً موقوف على ابن عباس وابن عمر, وأخرجه الطبراني في الكبير من طريق إبراهيم بن طهمان عن إبراهيم عن معاذ عن أبيه عن مجاهد عن ابن عباس وابن عمر. (٢) وهذا فيه أكثر من علة, فإبراهيم بن المهاجر فيه لين, وكذا نعيم بن حماد, ووالد إبراهيم المهاجر غير معروف, وأخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة, وإسناده من طريق موسى ابن إسماعيل عن ابن المبارك عن معمر عن جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة ﵁: نهى الإنسان أن يشرب من كسر القدح. (٣)

стр. 352

والظاهر أن هذا الإسناد إن سلم من العلة الخفية فإنه لا بأس به, ويكون شاهداً لحديث أبي سعيد, والنهي لا يتعدى الكراهة. والحكمة التشويش على الشارب بحيث لا يتمكن من الشرب ومجمع للأوساخ والزهومات، وقد تجرح الثلمة فم الشارب، وأيضاً قد ينسكب على الشارب مما في الإناء. وفي الختام نسأل الله أن ينفع به كاتبه وقارئه والحمد لله رب العالمين. وكتب أبو محمد- عفا الله عنه-