فإن الدف آلة لهو لا شك، هو آلة لهو بالنصوص, لكن جاء استثناؤه في مواضع.
استدل المؤلف بهذا الحديث فقد جاء بلفظ: «أعلنوا النكاح» (١) فقد رواه أحمد، والبزار، والطبراني، من طريق عبد الله بن وهب، قال: حدثني عبد الله بن الأسود القرشي، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن النبي ﷺ .
وعبد الله بن الأسود، قال عنه أبو حاتم: (شيخ) , وذكره ابن حبان في الثقات, فالحديث فيه لين بهذا الإسناد, لكن له شاهد من حديث محمد بن حاطب الجمحي القرشي وهو صحابي صغير, وهو الذي وضع يده في القدر وهو صغير في المرق فاحترقت يده، وقرأ عليه النبي ﷺ فشفي، فحديثه هذا أخرجه، أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ولفظه: «فصلُ بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح» (٢)
وجاء بلفظ (فُصل) بالضم. فهذا يدل على مشروعية الدف في النكاح, ومشروعية الإعلان, وكان هذا يُفعل في عهد النبي ﷺ , وبحضرة
стр. 282
نسائه ﷺ , والدف له وجه واحد, ويسمونه: (الطار) , وهذا يجوز عند جماهير أهل العلم, بخلاف الطبل؛ لأن الطبل له وجهان.
مسألة: متى يجوز الدف؟ وما حكم الطبل؟
ذكرنا أن الدف من الملاهي, والأصل في الملاهي المنع؛ إلا أنه جاء في غير موضع في العهد النبوي, وأقر النبي ﷺ ضربه في غير مكان.
اختلف أهل العلم في ضرب الدف, على أقوال:
القول الأول: يستخدم في كل فرح حادث؛ كالعيد, والختان, والعرس, وقدوم الغائب, وانتهاء البناء, والولادة, إلى غير ذلك, فكل فرح يحدث للناس فإنه يستخدم فيه الدف, وهذا أوسع الأقوال.
القول الثاني: يستخدم في العيد والعرس والختان وقدوم الغائب.
القول الثالث: يستخدم في العرس والعيد وقدوم الغائب. وهو مشهور مذهب الحنابلة, واختيار الشيخ ابن عثيمين ﵀.
القول الرابع: أنه يستخدم في العيد والعرس فحسب, وهو اختيار شيخنا ابن باز ﵀.
стр. 283
وأما استخدامه بإطلاق فالصحيح أنه من آلات اللهو التي لا يجوز استخدامها بإطلاق, وإنما تجوز في مواضع. واختلفوا في هذه المواضع, ومن المواضع التي ثبت في السنة استخدامه فيها:
الأول: العيد من ذلك حديث عائشة في الصحيحين، قالت: دخل علي أبو بكر، وعند النبي ﷺ جاريتان تغنيان، أو تدففان في أيام العيد، فقال أبو بكر: ﵁ أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ !
فقال النبي ﷺ : «دعهما فإن لكل قوم عيداً» (١) وجه المنع في هذا الحديث ما سيأتي من الفوائد:
الأولى: أن أبا بكر سمى الدف بمزمور الشيطان, فدل على أن الدف الأصل فيه المنع؛ لأنه سماه مزمور الشيطان وأقره النبي ﷺ على هذه التسمية، ولم ينكر عليه.
الثانية: الدلالة على المنع من الدف أن النبي ﷺ علل الحِل وإجازة الضرب في قوله: «فإن لكل قوم عيداً» و «إن» هنا من الحروف التي تفيد التعليل, يعني علّة الإباحة وجود العيد, فلو كان ضرب الدف جائزاً في كل
стр. 284
وقت, لما كان للتعليل به فائدة, وهذا الموضع شبه اتفاق بين أهل العلم في جواز ضرب الدف فيه.
الثالثة من الفوائد: استحباب ضرب الدف به في العيد لما فيه من تمام الفرح للنساء خاصته.
الثاني مما يباح فيه ضرب الدف: النكاح وقد جاء جواز الدف فيه وتقدم حديث محمد بن حاطب وما جاء له من شواهد ومن ذلك ما أخرجه البيهقي من طريق أبي عامر العقدي واسمه عبد الملك بن عمرو عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عامر بن سعد البجلي قال: دخلت على قرظة بن كعب وأبي مسعود وذكر ثالثا قال عبد الملك: ذهب عليٌ، وجواري يضربن بالدف ويغنين فقلت تقرون على هذا وأنتم أصحاب محمد ﷺ قالوا إنه قد رخص لنا في العرسات.
الثالث: الضرب في الختان وهذا لم أقف على خبر صحيح فيه, غاية ما في الأمر أنه روى البيهقي والطبراني وغيرهما من طريق ابن سيرين عن
стр. 285
عمر ﵁: كان إذا سمع صوتاً أو دفاً، قال: ما هذا فإن قالوا: عرس أو ختان صمت. (١)
ولكن هذا لا يصح فإنه منقطع فإن ابن سيرين لم يدرك عمر فالصحيح أنه لا يضرب في الختان؛ لأن الأصل المنع حتى يثبت سبب الحل، فافهم.
الرابع: في قدوم الغائب: فيه ما رواه أحمد والترمذي وغيرهما من طريق: حسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه: أنه حينما أتى النبي ﷺ من تبوك أتته امرأة، فقالت: إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف إن ردك الله سالماً، فقال: «إن كنت نذرت فاضربي؛ وإلا فلا تضربي»
стр. 286
فأخذت تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب، ودخل عمر فوضعته، فرقا منه ووضعته تحت إستها (١)، وفي لفظ لأحمد، أن أمة سوداء .....»
وهذا فيه الفرح بقدوم الغائب, ومنهم من خصه بقدومه ﵊؛ لأن قدومه ليس كقدوم غيره, وسلامته -بأبي هو وأمي ﷺ ليست كسلامة غيره, ومنهم من قال: أنه في قدوم الولاة خاصة, ومنهم من قال: في قدوم كل غائب وهو الصحيح, في قدوم كل غائب يفرح به؛ كالإمام والعالم والزوج والزوجة والولد ونحوهم.
стр. 287
مباحث في ضرب الدف
المبحث الأول: شروط ضرب الدف.
الشرط الأول: أن لا يكون مصلصلاً، وليس فيه حِلق ولا صنج, وهو مذهب جمهور القائلين بإباحة ضربه في هذه المواضع وقد صرحوا به, وهو اختيار شيخنا ابن باز ﵀.
الشرط الثاني: أن الذي يلي ضربه هم النساء وليس الرجال, فإن الذي كان يضربه في عهد النبي ﷺ الجواري والبنات الصغيرات والإماء, ولم يجيء في حديث قط أن الرجال كانوا يضربونه, بل كانت تضربه النساء في الأعراس والأعياد, وجمهور الأئمة الأربعة على كراهية ضربه للرجال, بل صرحوا بالمنع , قال مالك: إنما يفعله عندنا الفساق. وحكى جماعة من الأئمة: أنه إنما يفعله المخانيث وهم المتشبهون بالنساء فحينئذٍ يُقال: إن قول النبي ﷺ : «أعلنوا النكاح» وزيادة قوله ﷺ : «فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح» (١)
стр. 288
وإن كان الخطاب عاماً لكن يُخصُّ به النساء, فمن قال: يضربه الرجال فعليه الدليل, ولا أعلم أحداً من السلف قال: أن الرجال كانت تضربه, لا في عهد الصحابة ولا من بعدهم, بل صرحوا بأنه من فعل الفسقة وأهل التخنث, فضربه من الرجال حتى في الصورة التي أبيح فيها يعد من التشبه بالنساء, ويتجه جواز ضربه للرجال في صورة واحدة وهي عند قدوم الغائب حسب ,وقد نص على ذلك شيخنا ابن عثيمين ﵀.
وعُلِم بتصريح المؤلف: أن الطبل والزمر محرم, وهو كذلك, فالصحيح في الطبل أنه محرم, وهو مذهب أكثر أهل العلم, بل حكي الإجماع على ذلك وفيه أخبار عِدّة, فقد جاء في المسند من طريق: عمرو بن الوليد، عن عبد الله بن عمرو: أن النبي ﷺ ، قال: «إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة. . .» (١) وعمرو بن الوليد فيه جهالة, والحديث فيه اختلاف, ولكن له شاهد أيضاً عند أحمد من طريق علي بن بذيمة عن قيس بن حبتر قال: سألت ابن عباس عن الجرّ الأبيض .... الحديث إلى
стр. 289
قوله قال النبي ﷺ : «إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة، وكل مسكر حرام» (١) والكوبة: الطبل.
وله شواهد أخرى, وهذا الإسناد الأخير قوي, فالصحيح أن الطبل محرم, وهو قول أكثر أهل العلم، وهناك من استثنى من الطبول, طبول الحرب, وطبول قدوم الغزاة, وطبول الحجيج عند قدومهم, والصحيح أنه لا استثناء في الطبل البتة, إنما جاء الاستثناء في الدفوف, والدفوف يتلاشى صوتها بسرعة لعدم التجويف والطول الذي يوجد في الطبول , وليس في صوتها نعومة وإطراب كما في الطبل.
وأما بالنسبة للمزامير والمعازف ذوات الأوتار, فقد حكي الاتفاق على تحريمها, وممن حكاه جماعة من أهل العلم؛ كالقرطبي, وشيخ الإسلام, وابن حجر, والموفق, وجماعة كثيرون من أهل العلم.
стр. 290
وفيها أخبار عِدّة, منها حديث أبي مالك الأشعري ﵁: أن النبي ﷺ ، قال: «يأتي زمان على أمتي يستحل فيه الحر والحرير والخمر والمعازف» وقد أخرجه البخاري (١) , وهو صحيح.
ومن ذلك حديث قصة عبد الرحمن بن عوف, وحديث أنس يشد أحدهما الآخر: نهى عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نعمة ولعب ومزامير الشيطان. (٢)
وقد صح ستة أو سبعة أحاديث في تحريم المعازف، وفي المزامير أيضاً حديث ابن عمر ﵁
стр. 291
الذي رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه: (١) يرويه نافع عن ابن عمر في قصة مزمارة الراعي وسد ابن عمر أذنيه وفعله كما فعل النبي ﷺ , فهذا الحديث ثابت عن نافع من غير وجه, ففيه تحريم المزامير, وكل ما يطرب, سوى ما استُثني.
وهناك من أباح الموسيقى والغناء واستخدام آلاته, كابن حزم ﵀ وقد طعن في حديث أبي مالك الأشعري, وقد غلط في هذا ﵀ وخفي عليه حال الحديث, وضعّف ما جاء في معناه, وبعض الباحثين من المتأخرين ألف كتاباً في ذلك, وكان قد ألف قبل ذلك كتاب "أحاديث الغناء في الميزان", وصحح عدة أحاديث, منها حديث أبي مالك, فألف كتاباً آخر, فشرق بما ألف أولاً، والتزم صحة حديث أبي مالك, غير أنه قال: ليس فيه دلالة, غير أن فيه صفة قومٍ يُخسفُ بهم, وأن من صفاتهم أنهم كانوا على هذه الأشياء التي جاءت, ولكن ليس هذا وعيداً منصباً على ما كانوا يفعلون, إنما هم إما مشركون أو ما أشبه
стр. 292
ذلك!! وهذا كله من التمحل والإفلاس في رد الأحاديث الصحيحة, وقد ردَّ عليه من رد, والمسألة معروفة, والأحاديث فيها صحيحة, والإجماع فيها متناقل, أو شبه إجماع.
والحكمة في تحريمها ظاهرة, لما فيها من إفساد القلب, والتطلع إلى المحرمات, وفتح باب الشهوات, والإعراض عن قراءة القرآن والذكر, ومن ألِف قلبه الغناء والمزامير والطبول, ابتعد عن القرآن وسماع الذكر, وهذا واضح لا يشك فيه أحد.
وقد قال أحد السلف: الغناء رقية الزنا. (١)
وقال ابن القيم في نونيته:
حُبُّ الكتاب وحُبُّ ألحان الغناء ... في قلب عبدٍ ليس يجتمعان. (٢)
ولا يوجد في قلب أحد حُبُّ الغناء وسماعه؛ إلا وينصرف عن سماع القرآن.
стр. 293
وعُلم مما سبق أن حضور هذه المجالس محرم, وإن اشتملت عليها دعوة فلا يجوز إجابتها؛ إلا أن يكون يجيب وينكر, فإن لم يزل المنكر فلا يترخص بالقعود, فإن زال جاز له القعود.
مسألة: الضرب بالقضيب أو بالأصابع على غير الدف, هناك من كرهه من أهل العلم, وهناك من منع منه, وهناك من أجازه, والصحيح: الجواز, فالضرب على الحديد والأخشاب, وما أشبه ذلك, سواء بالقضيب أو بالأصابع مباح؛ لأنه الأصل، ومن منع فعليه الدليل.
مسألة: أما بالنسبة للعرضة فهي غير جائزة مادام أن فيها دفاً, ومنهم من أجازها إذا كانت عند قدوم ولي الأمر إذا كان فرحاً بقدومه.
ومنهم من قال: أن الضرب بالدف مكروه؛ ولكن إن كان بنذر جاز فإنه ﷺ ، قال: «إن كنت نذرت فاضربي» فإذا نذر أن يضرب بالدف, فقد نذر مباحاً, فيلزمه, وإن لم ينذر فلا وفي التعليل, بكونه نذر أو لا! فيه نظر, والصحيح أنه مباح في هذا الموضع تأكد بالنذر , كالضرب عند قدوم الغائب، بل في الحديث إخبارٌ، عن أنه غير مرغوب فيه تلك الرغبة لقوله إن كنت نذرتي فاضربي وإلا فلا تضربي إذ لو كان مباحاً ومحبوباً لحل عند قدوم الغائب بدون نذر ويكون من حجج من قصر الضرب
стр. 294
على موضعين العيد والعرس: وتقدم الكلام فيه لكن يجاب على هذا المفهوم إما بالكراهة أوعدم رغبة المصطفى في سماعه ﷺ ويستفاد ذلك من توجيهه لها ( ﷺ وحينئذ يقال إن ضرب الدف سُنَّة في موضعين ,ومباح في موضع , وهذا أحسن ما قيل.
والمسألة السابقة وهي الضرب من غير آلة ضرب، كما لو ضرب على قدر، أو نحوه، قد جاء ما يدل عليها، فقد أخرج أحمد عن مَكِّي بن إبراهيم، حدثنا الجعيد، عن يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد: أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ ، فقال يا عائشة: «أتعرفين هذه»؟ قالت: لا يا نبي الله، فقال: هذه قينة بني فلان, أتحبين أن تغنيك؟ قالت: نعم، قال: فأعطاها طبقاً، فغنتها، فقال النبي ﷺ : «قد نفخ الشيطان في منخريها» (١) وأخرجه النسائي في الكبرى (٨٩٦٠) من طريق مكي به مختصراً وهذا الإسناد بعينه وقع للبخاري في حديث أخرجه في كتاب الحدود فهذا إسناد صحيح وفيه الدلالة على جواز الضرب بقدر ونحوه مطلقاً، فالأصل الإباحة.
стр. 295
فَصْلٌ
وَالتَّدَاوِيْ بِالحِجَامَةِ وَالفَصْدِ وَالكَيِّ وَشُرْبِ الأَدْوِيَةِ جَائِزٌ.
وَلَا يَجُوزُ التَدَاوِيْ بِمُحَرَّمٍ وَلَا نَجِسٍ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ كَرَاهَةُ الكَيِّ وَقَطْعِ العُرُوْقِ. وَالرِّوَايَةُ الأُوْلَى أَصَحُّ.
اتفق العلماء على مشروعية التداوي، فمنهم من قال بالاستحباب وهو قول الجمهور ودليلهم حديث المرأة التي كانت تصرع وهو صارف عن الوجوب، وقد جاء عن بعض الصحابة ترك التداوي كما ثبت عن أبي بكر وأُبي بن كعب، وغيرهما. (١)
وقد يجب في بعض الأحوال كما في قطع الآكلة التي تسري في الجسد فتقتله أو في مثل حسم الجروح النازفة والعروق المفتوحة حتى يبقى الدم في الجسد
قال المؤلف: (والتداوي بالحجامة والفصد والكي وشرب الأدوية جائز)
стр. 296
الحجامة في اللغة: حَجَمَهُ الحَاجِمُ حَجْمًا من باب قتل شرطه وهو: حَجَّامٌ أيضاً مبالغة واسم الصناعة، وحِجَامَةٌ: بالكسر القارورة. ومِحْجَمَةٌ: بكسر الأول، والهاء تثبت وتحذف، والمَحْجَمُ: مثل جعفر موضع. والحِجَامَةِ: ومنه يندب غسل المحَاجِمِ. (١)
وقد جاء في الحجامة عدة أحاديث منها ما ثبت في الصحيحين من حديث جابر ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إنْ كان في شيء من أدْوِيتكم خير، ففي شَرْطَةِ محجم، أو شَربةِ عسل، أو لَذْعَة بنار توَافِقُ الدَّاء، وما أُحِبُّ أن أكْتَويَ» وفي رواية: «إن كان في شيء من أدويتكم شفاء، ففي شرطة محجم أو لذعة بنار، وما أحِبُّ أن أكتويَ» (٢)
وفي الصحيحين من حديث أنس ﵁، أن النبي ﷺ قال: «إن أفضل ما تداويتم به الحجامة والقسط البحرى فلا تعذبوا صبيانكم بالغمز» (٣)
فائدة: لم يثبت في توقيت الحجامة حديث، وأحسن ما جاء في ذلك في الربع الثالث من الشهر السابع عشر والتاسع عشر والحادي والعشرين.
стр. 297
مسألة: كسب الحجام:
عامة أهل العلم على أن الحجام إذا حجم استحق أجرة حجمه، هذا بالنسبة لإعطائه، واختلفوا بالنسبة لأخذه الأجرة، فمنهم من قال يحرم لقول النبي ﷺ : «ثمن الكلب خبيث ومهر البغي خبيث وكسب الحجام خبيث» (١) فتسميته خبيثاً تقتضي تحريمه كتحريم مهر البغي.
ومنهم من قال: لا يحرم وهو الراجح؛ لأن النبي ﷺ احتجم كما في الصحيحين من حديث ابن عباس: احتجم النبي ﷺ وأعطى الحجام أجره ولو كان محرماً لم يعطه. (٢) ولو كان سحتاً لم يعطه إياه.
وفي الصحيحين: عن حميد الطويل عن أنس ﵁: أنه سئل عن أجر الحجام، فقال: احتجم رسول الله ﷺ حجمه أبو طيبة وأعطاه صاعين من طعام. (٣) وقالوا ليس معنى خبيث أن يكون محرماً، فقد سمى النبي ﷺ الثوم والبصل خبيثتين مع إباحة أكلهما؛ لكنه يكره للحر كراهية تنزيه؛ لأن النبي ﷺ أذن للحجام أن يطعمه الرقيق والبهائم، وقد روى أحمد في مسنده عن سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِا عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ فَقَالَ «اعْلِفْهُ نَاضِحَكَ، فدل على
стр. 298
كراهية هذا الكسب، إلا أنه مع ذلك خير من سؤال الناس كما قال بعض السلف: كسب فيه دناءة خير من مسألة الناس. (١)
والفَصْد: فَصْد العِرْق؛ فَصَدَ يفصِد فَصْداً وفِصاداً، وكذلك فَصْدُ الناقةِ، إذا قُطِع عِرق منها فاستُخرج دمه ليُشرب، وذلك الدم يسمّى المجدوح. والفصيد المفصود واحد. والمِفْصَد: الحديدة التي يُفصد بها، وربما سُمّي الدم فَصيداً. (٢)
والفصد: هو شق العرق بالطول، ويشبه التبرع، وهو: استفراغ كلي يستفرغ الكثرة، والكثرة هي تزايد الأخلاط على تساويها في العروق.
والحجامة تنقي سطح البدن أكثر من الفصد، والفصد لأعماق البدن أفضل، والحجامة تستخرج الدم من نواحي الجلد.
قال ابن القيم: والتحقيق في أمرها وأمر الفصد، أنهما يختلفان باختلاف الزمان، والمكان، والأسنان، والأمزجة، فالبلاد الحارة، والأزمنة الحارة، والأمزجة الحارة التي دم أصحابها في غاية النضج الحجامة فيها أنفع من الفصد بكثير، فإن الدم ينضج ويرق ويخرج إلى سطح الجسد الداخل، فتخرج الحجامة ما لا يخرجه الفصد، ولذلك كانت أنفع للصبيان من
стр. 299
الفصد، ولمن لا يقوى على الفصد، وقد نص الأطباء على أن البلاد الحارة الحجامة فيها أنفع وأفضل من الفصد، وتستحب في وسط الشهر، وبعد وسطه. وبالجملة، في الربع الثالث من أرباع الشهر؛ لأن الدم في أول الشهر لم يكن بعد قد هاج وتبيغ (من البغي) (١)، وفي آخره يكون قد سكن. وأما في وسطه وبعيده، فيكون في نهاية التزيد. (٢)
والكي: هو إحراق جزء من الجسد بشيء حمّي على النار.
والكي أيضا نوعان:
النوع الأول: إذا كان الشفاء من المرض بالكي محتملاً وليس محققاً. أو كان الجرح الذي يتركه الكي أكبر من المرض، أو وجد دواء يصار إليه قبل الكي، فيكره لأنه من باب التعذيب بالنار، وكذلك كي الصحيح لئلا يعتل، فهذا الكي ينهي عنه. (٣)
أما إذا كان الكي سبباً في حصول الشفاء، ككي الجرح إذا فسد ونزف وككي العضو إذا قطع، فالكي هنا واجب؛ خاصة إذا لم توجد طريقة للاستشفاء غير الكي؛ والنبي ﷺ اكتوى للجرح الذي أصابه في
стр. 300
أُحُد، فقد أحرقت فاطمة ﵂ حصيراً فحشت به جرحه. (١) وقال النبي ﷺ : «إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار توافق وما أحب أن أكتوي» (٢)
وجاءت نصوص الكي على أوجه متعددة:
الوجه الأول: فعله ﷺ فقد كوى النبي ﷺ سعد بن معاذ ﵁، (٣) وروي أنه كوى أسعد بن زرارة، (٤) وبعث إلى أبي بن كعب طبيباً فقطع له عرقاً، ثم كواه عليه. (٥)
стр. 301
الوجه الثاني: كراهته ﷺ للكي ففي الصحيح أنه ﷺ قال: «وما أحب أن أكتوي» وعند أحمد وغيره من حديث عقبة بن عامر: «وأنا أكره الكى ولا أحبه» (١)
الوجه الثالث: الثناء على تاركه، ففي حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب، قال ﷺ : «فإذا سواد عظيم فقيل لى هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب قيل من هم يا رسول الله قال الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون» (٢)
الوجه الرابع: النهي عنه، ففي الصحيح: «الشفاء في ثلاثة في شرطة محجم أو شربة عسل أو كية بنار وأنا أنهى أمتي عن الكي» (٣)
قال ابن القيم في الهدي:
стр. 302
ولا تَعَارُض بينها بحمدِ الله تعالى، فإنَّ فِعلَه يدلُّ على جوازه، وعدمَ محبتِه له لا يدلُّ على المنع منه. وأما الثناءُ على تاركِه، فيدلُّ على أنَّ تَرْكَه أولى وأفضلُ. وأما النهيُ عنه، فعلى سبيل الاختيار والكراهة، أو عن النوع الذي لا يُحتاجُ إليه، بل يفعل خوفاً من حدوث الداء .. والله أعلم (١).
قال المؤلف: (ولا يجوز التداوي بمحرم .....)
والتداوي بالمحرم إما أن يكون بالخمر أو بغيره من المحرمات، فأما الخمر فجمهور أهل العلم على تحريم التداوي به، وفي صحيح مسلم: «إنها ليست بدواء ولكنها داء» (٢)
وأما غير الخمر فاختلف العلماء في التداوي به على قولين:
القول الأول: الجواز، وهو مذهب الأحناف والشافعية وابن حزم.
القول الثاني: المنع، وهو مذهب أحمد ومالك.
стр. 303
واستظهر بعضهم جواز التداوي بغير الخمر من المحرمات عند الضرورة، لكن بشروط:
١ - أن يكون به حاجة ملحة.
٢ - أن لا يوجد غيرها يقوم مقامها.
٣ - أن يحصل به غلبة الظنّ بالشفاء.
стр. 304
فَصْلٌ
وَمَنْ رَأَى مِنَ الحَيَّاتِ شَيْئًا فِي مَنْزِلِهِ فَلْيُؤْذِنْهُ ثَلَاثًا، إِنْ بَدَا لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَتَلَهُ.
وَقَدْ قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ إِنْ كَانَ ذُو الطُفْيَتَيْنِ وَالأَبْتَرُ قَتَلَهُ، وَلَمْ يُؤْذِنْهُ. وَذُوْ الطُّفَّتَيْنِ: الَّذِيْ بِظَهْرِهِ خَطٌّ أَسْوَدٌ.
وَالأَبْتَرُ: الغَلِيْظُ القَصِيْرُ الذَّنَبِ.
وَصِفَةُ القَوْلِ الَّذِيْ يُؤذِنُهُ: اِمْضِ بِسَلَامٍ، أَوِ اِذْهَبْ بِسَلَامٍ.
وقول المؤلف: (ومن رأى من الحيات ..... أو اذهب بسلام)
قال ابن عبد القوي في منظومته.
وقتلك حيات البيوت ولم تقل ... ثلاثاً له اذهب سالماً غير معتد
وذا الطفيتين اقتل وأبتر حيةٍ ... وما بعد إيذانٍ يُرى أو بفدفدِ. (١)
فمما ينهى عن قتله حيات البيوت، إذا لم تنذرها ثلاثاً ولم تقل: اذهب سالماً غير معتد.
стр. 305
بعض العلماء يرى أنه لا يجوز قتل حيات البيوت؛ إلا بعد إنذارها في أي مكان.
وبعضهم يقول: إن هذا خاص بالمدينة، لقول النبي ﷺ : «إن جناً بالمدينة قد أسلموا» والجن منهم من يكون على هيئة حيات، ومنهم من يكون على هيئة السحالي، ومنهم من يطيرون، ومنهم من يحلون ويظعنون مثل أهل البادية.
فما دامت الجن تتمثل بالحيات والكلاب، فلابد من إنذار الحية قبل قتلها، علماً بأن الكلب الأسود شيطان فيقتل مباشرة ومعنى شيطان أي شيطان جنسه لكثرة خبثه لا أنه شيطان حقيقة، نعم، قد يتشكل الجن بصورته لكن الحديث المراد به الأول، لكن الحية قد تكون جناً مسلماً، وقد تكون جناً كافراً، وقد تكون حية أفعى حقيقية.
فقالوا: إن حيات البيوت تنذر إذا وجدت في بيوت المدينة للحديث، وبعضهم قال: لا تقتل الحيات العوامر التي تسكن البيوت في أي بيتٍ وفي أي مدينةٍ، إذا وجدها لا يقتلها مباشرة، وإنما يُنذرها.
وصفة الإنذار أن يقول: أُحرّج عليك بالله أن تخرجي، ثلاثاً واختلف العلماء في معنى ثلاثاً التي جاءت في الحديث، هل هي ثلاثة أيام، أو هي
стр. 306
ثلاث مرات، هل ينذرها ثلاثة أيام كل يوم يقول: أحرج عليك بالله أن تخرجي، أي: أقسم عليك بالله أن تخرجي وتتركي بيتنا مثلاً؟ إن كان جناً مسلماً فسيغادر، وإن لم يغادر فهو شيطان فاقتله، هكذا أمر النبي ﷺ . لكن اختلفوا هل هي ثلاثة أيام أو ثلاث مرات؟ والصحيح الثلاث المراد عدد مرات التحريج.
ولو قال قائل: هل أنتظرها حتى تذهب وتدخل في متاع البيت ولا أدري أين تذهب، وقد تكون أفعى عادية وليس لها علاقة بالجن، فهل أتركها؟
نقول له: أنتَ لست ملزماً بإبقائها في البيت، لكن منهي عن قتلها فقط، حتى تحرج عليها، إذا وجدتها بعد ذلك فاقتلها ولا حرج.
وجاء أن رجلاً من شباب الأنصار كان مع النبي ﷺ ، في غزوة الخندق وأراد أن يذهب إلى أهله - وكان حديث عهد بعرس - فأذن له النبي ﷺ وأمره أن يأخذ معه سلاحه، وقال ﷺ : «خذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك قريظة» فأخذ الرجل سلاحه ثم رجع، فإذا امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إليها الرمح ليطعنها به، وأصابته غيرة، فقالت له: اكفف عليك رمحك، وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني، فدخل فإذا بحية
стр. 307
عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به، ثم خرج فركزه في الدار، فاضطربت عليه، فما يدري أيهما كان أسرع موتا الحية أم الفتى؟ قال أبو سعيد راوي الحديث: فجئنا إلى رسول الله ﷺ فذكرنا له وقلنا ادع الله يحييه لنا، فقال: «استغفروا لصاحبكم» ثم قال: إن بالمدينة جناً قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئاً، فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان» (١) .. هذا الحديث صريح بأنه ينذر ثلاثة أيام وقد أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد لكن يظهر لي أنه من فهم الراوي وإلا المراد ثلاث مرات, والأصول تعضد ذلك, فإن الغاصب والصائل والمعتدي يجب أن ينزع عن مظلمته فورا, وإلا وجبت عقوبته.
وهناك حيات تقتل مباشرةً سواء أكانت في البيت أو خارج البيت، وهي:
ذو الطفيتين: وهو نوع معين من الحيات له خطان على ظهره، خطان متوازيان، قيل خطان أبيضان، وقيل خطان أسودان، هذا يسمى ذا الطفيتين، يُقتل مباشرة لا يُنذر ولا يُمهل.
стр. 308
والأبتر: عظيم النهاية، والحيات تكون في العادة غليظة من فوق والمنتصف، وفي نهايتها تدق حتى يكون لها ذنبٌ أو ذيلٌ دقيق، أما الأبتر فكأنه مقطوع الذنب، فهو من جهة الذنب في النهاية غليظ؛ كأنه مقطوع الذيل، فهذا يقتل مباشرة؛ وذلك أن النبي ﵊ قال في حديث في الصحيحين: «اقتلوا الحيات واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر فإنهما يطمسان البصر ويستسقطان الحبل» (١) أي: أن المرأة تسقط الولد الذي في بطنها بمجرد رؤيته، وكذلك يلتمسان البصر، قيل: إنه بمجرد النظر إليه يُعمي، وقيل: إنه يستهدف بصر الإنسان عند اللسع، ففيه قوةٌ سمية تسبب العمى، وقيل إنه ينفث سماً من غُدده السمية التي في نابيه على وجه الشخص وعينه فإذا أصاب السم العين أصابها بالعمى، ونظراً لضرره، ولأن الجني المسلم لا يتمثل بهذا النوع فإنه يقتل مباشرةً.
والفدفد: هي الفلاة، فالحيات في الفلاة تقتل مباشرة، لا يلزم تحريج ولا قسم ولا شيء، فالحكم إذاً بالتحريج خاصٌ بحيات البيوت، ويستثنى من حيات البيوت ذو الطفيتين والأبتر.
стр. 309
وقد ورد في صفة التخريج ما أخرجه أبو داود في سننه من طريق ابْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ حَيَّاتِ الْبُيُوتِ فَقَالَ «إِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُنَّ شَيْئًا فِي مَسَاكِنِكُمْ فَقُولُوا أَنْشُدُكُنَّ الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْكُنَّ نُوحٌ أَنْشُدُكُنَّ الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْكُنَّ سُلَيْمَانُ أَنْ لاَ تُؤْذُونَا فَإِنْ عُدْنَ فَاقْتُلُوهُنَّ». وفي هذا الإسناد ضعف من أجل محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى فإنه سيء الحفظ.
стр. 310
فَصْلٌ
وَيَجُوْزُ قَتْلُ الأَوْزَاغِ . وَلَا يَجُوْزُ قَتْلُ النَّمْلِ، وَلَا تَخْرِيْبُ أَجْحُرَتِهِنَّ. وَيُكْرَهُ قَتْلُ القَمْلِ بِالنَّارِ. وَلَا يَحِلُّ قَتْلُ الضَفَادِعِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ الضِّفْدَعِ.
الأوزاغ: جمع وزغ، وفي الصحيحين ورد تسميته بالفويسقة.
وحكم قتل الدواب ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما أُمر بقتله، مثل: الحية والعقرب والوزغ ... وكل ما آذى يقتل.
فائدة: يكره قتل الوزغ باليد.
القسم الثاني: ما نُهي عن قتله، مثل: النحل والنمل والهدهد والصرد، وفي الصحيحين قصة النبي الذي أحرق وادي النمل، قال أبو هريرة ﵁: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «قَرَصَت نملةٌ نبيّاً من الأنبياء، فأمرَ بقَريةِ النَّملِ فَأُحْرِقَت، فأوحى اللهُ إِليهِ: أَنْ قرَصَتْكَ نَملةٌ أَحرَقْتَ أُمَّة مِن الأُممِ تُسبِّح؟».
стр. 311
وفي رواية، قال: نزل نبيّ من الأنبياء تحت شجرة، فلدَغَته نملة فأمر بجَهَازهِ فأُخرج من تحتها، ثم أَمرَ ببيتها فأُحرقَ بالنار،
فَأوحَى اللهُ إليه: «فهَلا نملة واحدة؟». وزاد النسائي: «فإِنهنَّ يُسبِّحن» (١)
وقد جاء عن النبي ﷺ ، من حديث ابن عباس: أنه نهى عن قتل أربع من الدواب النملة والنحلة والهدهد والصرد. (٢) وفي إسناده اختلاف، والاقرب أنه حسن.
إلا أنه يستثنى منه النمل الذي عرف عنه الأذى؛ فإنه يقتل ابتداءً
القسم الثالث: ما سكت عنه، وهذا القسم يترك، فلله حكمة في خلقه، وقد أمر الله النبي نوحاً بأن يحمل من كُلٍّ زوجين اثنين، وهذا فيه استبقاء لحياته، ولو أراد الله إعدامه بعد خلقه أولاً لأمر نبيه نوحاً بأمر خاص بحمل كذا وترك كذا .. وإن ربك حكيم عليم.
وقول المؤلف: (ويكره قتل القمل بالنار ...)
стр. 312
يُفهم منه جواز قتل غير القمل بالنار، وهذا ليس بصحيح، بل يحرم قتل القمل وغيره بالنار لنهي النبي ﷺ عن ذلك، قال ﷺ : «فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار» (١)
قال المؤلف: (ولا يحل قتل الضفادع؛ لأن النبي ﷺ نهى عن قتل الضفدع)
نعم، يحرم قتل الضفدع بجميع أنواعه حتى السام منها، والتعليل:
ما جاء عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة: أن النبي ﷺ ، قال: كانت الضفدع تطفىء النار عن إبراهيم وكان الوزغ ينفخ فيه فنهي عن قتل هذا وأمر بقتل هذا. (٢) إسناده صحيح.
وجاء أيضاً عند عبد الرزاق في المصنف من قول ابن عمرو ﵁، قال: لا تقتلوا الضفدع فإن صوتها الذي تسمعون تسبيح وتقديس. (٣) وإسناده ثابت.
стр. 313
وعن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «أمنوا الضفدع، فإن صوته الذي تسمعون تسبيح وتقديس وتكبير، إن البهائم استأذنت ربها في أن تطفىء النار عن إبراهيم، فأذن للضفادع، فتراكبت عليه، فأبدلها الله بَحرّ النار الماء» (١) وإسناده واه وفي قتل الأوزاغ أخبار ثابتة، فعن أم شريك ﵁ قالت: إن النبي ﷺ أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقاً وقال: كان ينفخ النار على إبراهيم (٢).
وعند مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً، «من قتل وزغاً في أول ضربة فله مئة حسنة .....) الحديث (٣)
стр. 314
فَصْلٌ
وَلَا يَجُوْزُ إِخْصَاءُ البَهَائِمِ ، وَلَا كَيُّهَا بِالنَّارِ لِلْوَسْمِ. وَتَجُوْزُ المُدَاوَاةُ حَسْبَ مَا أَجَزْنَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ
قوله: (فصل: ولا يجوز إخصاء البهائم .... في الروايتين)
أما الإخصاء فهو (سَلُّ الخصية) من الذكور, فهذا فيه خلاف بين أهل العلم فمنعه جماعة, واحتجوا بما رواه أحمد في مسنده وابن أبي شيبة في مصنفه عن وكيع، عن عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر رضي ﵁: أن النبي ﷺ نهى عن إخصاء الخيل والبهائم» (١) وهذا الخبر لا يصح.
والصحيح في هذا الخبر أنه موقوف على ابن عمر ﵁؛ كما أخرجه مالك (٢) عن نافع عن ابن عمر موقوفاً عليه, وكذلك روي النهي عن إخصاء البهائم من حديث ابن عباس عند البزار والبيهقي (٣) ولا يصح.
стр. 315
وقد روي عن عمر ﵁ النهي موقوفاً عليه عند عبد الرزاق, ولفظه أنه كتب إلى سعد ﵁: أن لا يخصى فرس. (١)
قال البيهقي: ومتابعة قول ابن عمر وابن عباس مع ما فيه من السنة النبوية أولى ... إلى أن قال: ويحتمل جواز ذلك - أي جواز إخصاء البهائم - إذا اتصل به غرض صحيح؛ كما حكينا عن التابعين، وروينا في كتاب الضحايا، في تضحية النبي ﷺ بكبشين موجوءين لما فيه من تطييب اللحم. (٢)
وممن ذكر الخلاف القرطبي في تفسيره، (٣) وقال ابن مفلح في الآداب: ويباح خصي الغنم لما فيه من إصلاح لحمها وقيل يكره. (٤)
ونقل عن أحمد كراهة ذلك, وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري بعد ما ذكر الحديث الذي رواه أبو داود من حديث جابر، قال: ذبح
стр. 316
رسول الله كبشين أقرنين أملحين موجوئين. قال الخطابي: الموجوء يعني: منزوع الخصيتين, ويفيد اللحم طيباً, وينفي عنه الزهومة وسوء الرائحة. (١)
وفي هذا بحثٌ قرأته على شيخنا ابن باز ﵀ ثم قال بعد نهاية البحث: الصحيح أنه جائز إذا كان للمصلحة (٢).
والمصلحة في إخصاء البهائم تتضمن شيئين، وهما:
١ - منع الذكور فيما بينهما من المقاتلة والعضاض.
٢ - تطييب اللحم وإبعاد الزهومة عنه، وقطع الرائحة عنه.
وعند هذا ينبغي أن يكون بأقل ما يمكن من الإيلام؛ لأن من منع الخصاء، قال: لما فيه من الإيلام للحيوان. ولكن نقول: ليس كل إيلام للحيوان ممنوع, فإن الحيوان قد يُضرب للمشي, وقد يُركب عليه, ويحصل له المشقة بذلك, وقد يكوى بالنار للوسم كما سيأتي, وما أشبه ذلك.
فالإيلام اليسير الذي فيه مصلحة للإنسان لا بأس به, ومن ذلك شق السنام والإشعار في الهدي, ومن يلي الخصاء ينبغي أن يكون حاذقاً فيقوم به على وجه لا يحصل به ضرر عظيم، وهنا مسألة مشهورة عند أهل
стр. 317
الإبل وهي مسألة (التضيير) وصورتها فيما بلغني أن بعض الإبل تموت بعد ولادتها , ويعيش ولدها فيحتاج إلى لبن ناقة أخرى فيعمد إلى ناقة فيكتم نفسها , وتحشى أرحامها بشيء , ثم يخرج منها , ويلقى بين يديها الحوار الذي ماتت أمه , ويفك عن مناخرها فتظن أنها ولدته فتشمه وتدر عليه وينتفع ملاكها بلبنها , والذي يظهر لي جوازه بشرط ألا تربو مفسدته أو يكون ألمه أعظم من ألم الكي أو الإشعار كما هو في الهدي , أو خصاء البهائم كما تقدم , فإذا جاز الإشعار وهو شق سنام الإبل , وجاز الكي والخصاء ,جاز نظيره إن كان لمصلحة , وإلا فلا.
قوله: (ولا كيها بالنار للوسم)
الوسم: هو الكي بالنار, وأن تُجعل لها سمة, والوسم منقلبة عن واو, والصحيح جواز وسم الدواب, وقد قال البخاري في صحيحه: "باب وسم الإمام إبل الصدقة"، (١) ثم أسند عن أنس ﵁ وفيه: فوافيته وفي يده الميسم يسم إبل الصدقة. (٢)
стр. 318
وفي لفظ للبخاري: فرأيته يسم شاة حسبته في أذنها. (١)
وقد ذكره أيضاً في: "باب الوسم والعلم في الصورة", (٢) والمراد بالصورة الوجه, وذلك لأن النبي ﷺ كره أن تعلم الصورة؛ كما في حديث ابن عمر ﵁ , (٣) ثم كان الأمر على جواز الوسم في غير الصورة, وفي حديث جابر عند مسلم: أن النبي ﷺ نهى عن الضرب في الوجه وعن الوسم في الوجه. (٤) وعنده من حديث ابن عباس ﵁: أن النبي ﷺ رأى حماراً قد وسم في وجهه فأنكر ذلك", وفي لفظ له قال: «لعن الله الذي وسمه» (٥)
والخلاصة في مسألة وسم الدواب بالنار، أنه يجوز بشروط:
١ - أن يكون هناك حاجة, مثل أن يعرف الحيوان, ويميز مثلاً إبل الصدقة عن إبل الجهاد، أو إبل الناس.
٢ - أن يكون الوسم في غير الوجه؛ لأن الوسم في الوجه حرام, ولذلك لعن النبي ﷺ من وسم الحمار في وجهه ونهى عن ذلك.
стр. 319
٣ - أن يكون الوسم بمقدار الحاجة, بقدر ما يحرق الشعر, ويفضي إلى الجلد ولا يتجاوزه إلى العظم, ويسمه وسماً واضحاً لا يذهب، وقد كان يلي الوسم رسول الله ﷺ وكذلك أصحابه رضوان الله عليهم من بعده, وعلى هذا يكون ما ذكره صاحب المتن ليس بسديد.
стр. 320
فَصْلٌ
وَيُكْرَهُ إِزَالَةُ الأَوْسَاخِ فِي الْمَسَاجِدِ كَتَقْلِيْمِ الأَظْفَارِ، وَقَصِّ الشَارِبِ، وَنَتْفِ الإِبِطِ، وَالعَمَلِ وَالصَنَائِعِ؛ كَالخِيَاطَةِ، وَالخَرَزِ، وَالحَلَجِ، وَالتِّجَارَةِ، وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ؛ إِذَا كَثُرَ.
وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ إِذَا قَلَّ مِثْلُ رَقْعِ ثَوْبٍ، أَوْ خَصْفِ نَعْلٍ، أَوْ تَشْرِيْكِهَا إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُهَا.
قوله: (ويكره إزالة الأوساخ في المساجد ..... إذا انقطع شسعها).
استقرت العناية بالمساجد في الشريعة الإسلامية ,وتظاهرت بذلك الأخبار , فقد أمر النبي ﷺ بتطييبها, وأثنى على من كان يلي تنظيفها, بل في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ لما فقد امرأة كانت تقم المسجد, فقالوا: ماتت, فقال: «دلوني على قبرها» (١) ثم أتى وصلى عليها تكرمة لها.