← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17128

اللباب «شرح فصول الآداب»

عبد الله بن مانع الروقي

Полный текст (352 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

اللُّبَابُ «شَرحُ فُصُولِ الْآدَابِ» تأليف أبي مُحَمَّد عبد الله بن مَانعٍ الرُّوقيِّ دَار التَّدمُريَّة

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله رب العالمين، قيوم السماوات والأرضين .. مدبر الخلائق أجمعين، باعث الرسل إلى المكلفين؛ لهدايتهم وبيان شرائع الدين، بالدلائل القطعية وواضحات البراهين، أحمده على جزيل نعمه، وأسأله المزيد من فضله وكرمه، وأصلي وأسلم على البشير النذير والسراج المنير وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد؛؛؛ فإن المولى شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة كما قال -جلّ وعلا -: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (٣)﴾ (١) أرسل إلينا الرحمة المهداة ﷺ فما من خير إلا دل الأمة عليه، وما من شر إلا حذر الأمة منه، ومن جملة ذلك ما جاء به من تكميل الآداب والحث عليها،

стр. 3

قال ﵊: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» (١) وقد اعتنى علماء الملة بتأليف الكتب التي تُعنى في هذا الباب وأفردوا لها المؤلفات المطولة والمتوسطة والمختصرة، ومن هذه المؤلفات سِفرٌ مبارك، قليل العبارة، جزيل المعاني، جمع كثيراً من مسائل الآداب، وقرن بعضها بالدلائل، ألا وهو كتاب " فصول الآداب " للإمام أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي المتوفى سنة ٥١٣هـ، إلا أن هذا الكتاب لم يخدم الخدمة التي تليق بمكانته، مما دعا شيخنا صاحب الفضيلة الشيخ/ عبدالله بن مانع الروقي إلى القيام بشرحه. وقد تم ذلك في عدة مجالس جلّى فيها فضيلة الشيخ غامضه، وتبحر في دقائق مسائله، يذكر كل مسألة مبيناً فيها أقوال من سبق، فيستدل ويناقش، ويورد ويردُّ، فعرض بعض الطلبة - لما رأوا من جمال هذا الشرح وقوّته العلمية - على الشيخ تفريغ الأشرطة وإخراج هذا الشرح؛ ليستفيد منه طلاب العلم، فوافق الشيخ على ذلك.

стр. 4

فقام بعض الإخوة بتفريغ الأشرطة المسموعة، وتخريج الأحاديث المذكورة ثم عُرض الكتاب بعد ذلك على فضيلة الشيخ فراجعه مشكوراً مأجوراً، فصحح ما كان فيه من خطأ، وزاد ما كان يحتاج إلى زيادة، حتى خرج لك الكتاب بهذه الحُلّةِ المباركة سائلين المولى أن يبارك في جهود الشيخ، وأن ينفع به الإسلام والمسلمين ... وكتب فهد بن الحميدي البراق

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، وصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمِّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّيْنَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيْنَ، وَسَلَّمَ تَسْلِيْمًا كَثِيْرًا إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ. هَذِهِ نُبْذَةٌ مِنْ فُصُوْلِ الآدَابِ، وَمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ المَشْرُوْعَةِ، قوله: (هذه نبذة من فصول الآداب ومكارم الأخلاق المشروعة) النبذة: هي القطعة اليسيرة, والشيء اليسير. ثم قال: (من فصول الآداب): والفصول جمع فصل, والآداب جمع أدب, وهو في اللغة: الضرب وحسن التناول. والأدب: اسم جامع لكل ما يحسن من الأقوال والأفعال, ومن اتصف به سُمي أديباً. ثم قال: (ومكارم الأخلاق): المكارم: جمع مكرمة، وهي فعل الخير، يقول ابن فارس: ومن هذا المعنى (أي تقدير الشيء) الخلق، وهو السّجية لأن صاحبه قد قدر عليه، يقال: فلان خليق بكذا

стр. 6

(أي: قادر عليه وجدير به)، وأخلق بكذا أي ما أخلقه، والمعنى هو ممن يقدّر فيه ذلك، والخلاق: النصيب لأنه قد قدّر لكل أحد نصيبه. (١) والأخلاق: جمع خلق وهي - بضم اللام وسُكونها -: أي الدِّين، والطَّبْع، والسَّجِيَّة، وحقيقتُه أنه لِصُورة الإنسانِ الباطنة، وهي نفْسُه وأوْصافُها ومَعانِيها المُخْتصَّة بها، بمنزلة الخَلْق لِصُورته الظاهرة وأوْصافِها ومَعانيها، ولهما أوصاف حَسَنة وقَبيحة، والثَّواب والعِقاب ممَّا يَتَعَلَّقان بأوصاف الصُّورة الباطنة، أكثر مما يَتَعَلَّقان بأوصاف الصورة الظاهرة، فالمؤلف يشير إلى أنه ينبه في كتابه على هذه الآداب الكريمة. وقد روى الإمام أحمد من طريق عبد العزيز الدراوردي، عن ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ ، قال: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» (٢) وابن عجلان حسن الحديث وأخرج له مسلم مقروناً وأحاديثه مشتهاةٌ وله أوهام في أخبار، وودت لو جمعت أحاديثه أو أوهامه ﵀ في جزء مفرد، ومن أوهامه:

стр. 7

حديث استعينوا بالركب فقد رواه ابن عجلان عن سُمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبي صالح عن أبي هريرة كذا أخرجه أحمد (٢/ ٣٤٠) وأبو داود (٩٠٢) وغيرهم، ورواه ابن عيينة وغيره عن سُمي عن النعمان بن أبي عياش عن النبي مرسلاً، فينبغي الكتابة في هذا الباب. وفي لفظ لهذا الخبر الذي معنا: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (١) وفي لفظ: «محاسن» (٢) ورواه أيضاً الحاكم في المستدرك, والبيهقي في السنن وغيرهم, وإسناده صحيح. ونبينا ﷺ بعث لتكميل هذه الأخلاق, التي كانت موجودة قبل الإسلام، وكان الناس يفخرون قبل الإسلام بالشجاعة والكرم والعفة والنجدة, ثم جاء الإسلام وهذب منها ما يحتاج إلى تهذيب, وزاد عليها الشيء الكثير, فالحمد لله على أن بعث إلينا نبيه محمداً ﷺ .

стр. 8

مِنْ تَأْلِيْفِ الشَّيْخِ الإِمَامِ القُدْوَةِ أَبِي الوَفَاءِ ابْنِ عَقِيْلٍ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-. ترجمة الإمام ابن عقيل هو الإمام الفقيه الحنبلي: أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله البغدادي الظفري المقرئ. ولد سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة في جمادى الثانية. (١) يعد ابن عقيل من أشهر المجتهدين في المذهب الحنبلي، ولما سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن معرفة المذهب في مسائل الخلاف ذكر كتاب عمدة الأدلة لابن عقيل ضمن الكتب التي يرجع إليها طالب العلم لمعرفة المذهب. (٢) وقال البعلي: انتهت إليه الرئاسة في الأصول والفروع. (٣)

стр. 9

وقال ابن بدران عنه: الإمام الأصولي المقرئ الواعظ أحد المجتهدين صاحب المؤلفات. (١) وقال ابن رجب: وكان ابن عقيل كثير التعظيم للإمام أحمد وأصحابه والرد على مخالفيهم، ومن كلامه في ذلك: ومن عجيب ما نسمع من هؤلاء الأحداث الجهال أنهم يقولون أحمد ليس بفقيه لكنه محدث، وهذا غاية الجهل؛ لأنه قد خرج عنه اختيارات بناها على الأحاديث بناءً لا يعرفه أكثرهم، وخرج عنه من دقيق الفقه ما لا تراه لأحد منهم. وقال أيضاً: وما يقصد هذا إلا مبتدع قد تمزق فؤاده من خمود كلمته وانتشار علم أحمد، حتى إن أكثر العلماء يقولون: أصلي أصلُ أحمد، وفرعي فرع فلان، فحسبك بمن يرضى به في الأصول قدوة .... (٢) وكتب بعضُهم إليه يقول له: صِف لي أصحابَ الإمام أحمد على ما عرفت من الإنصاف. فكتب إليه يقول: هُم قوْم خُشُنٌ، تقَلّصتْ أخلاقهم عن المخالطة، وغلظت طباعهم عن المداخلة، وغلب عليهم الجدّ، وقلَّ عندهم الهزل،

стр. 10

وغربتْ نفوسهم عن ذل المراءاة، وفزعوا عن الآراء إلى الروايات، وتمسكوا بالظاهر تحرّجًا عن التأويل، وغلبت عليهم الأعمال الصالحة، فلم يدققوا في العلوم الغامضة، بل دققوا في الورع، وأخذوا ما ظهر من العلوم، وما وراء ذلك قالوا: الله أعلم بما فيها، من خشية باريها، لم أحفظ على أحد منهم تشبيهًا، إنما غلبت عليهم الشناعة لإيمانهم بظواهر الآي والأخبار، من غير تأويل ولا إنكار، والله يعلم أنني لا أعتقد في الإسلام طائفة محقة، خالية من البدع، سوى من سلك هذا الطريق. والسلام. (١) وقال ابن رجب: وكان مع ذلك يتكلم كثيراً بلسان الاجتهاد والترجيح واتباع الدليل الذي يظهر له، ويقول الواجب اتباع الدليل لا اتباع أحمد. (٢) شيوخه: نقل عنه ابن رجب الحنبلي أنه كان يقول: شيخي في القراءة: ابن شيطا. وفي النحو والأدب: أبو القاسم بن برهان. وفي الزهد: أبو بكر الدينوري، وأبو بكر بن زيدان، وأبو الحسن القرزويني، وجماعة ...

стр. 11

وفي الحديث: ابن النوري، وأبو بكر بن بران، والعشاري، والجوهري، وغيرهم. وفي الشعر والترسل: ابن شبل، وابن الفضل. وفي الفرائض: أبو الفضل الهمداني. وفي الوعظ: أبو طاهر بن العلاف. وفي الأصول: أبو الوليد، وأبو القاسم بن تيان. وفي الفقه: القاضي أبو يعلى، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وأبو نصر بن الصباغ. إلى أن قال: ومن مشايخي أبو محمد التميمي، وأبو بكر الخطيب. وغيرهم كثير من أئمة عصره ﵀. ومن تلاميذه: - عمر بن ظفر بن حفص المغازلي. - المبارك بن كامل البغدادي، المعروف بابن الخفاف. - محمد بن نصر بن محمد السلامي، المحدث أبو الفضل. - صدقة بن الحسن بن الحداد الفقيه المؤرخ الحنبلي. - سعد الله بن نصر بن سعد المعروف بابن الدجاجي. (١)

стр. 12

ومن مصنفاته: لابن عقيل مصنفات كثيرة في أصول الدين والفقه والفروع والزهد وغير ذلك، فمنها: - أحاديث سئل عنها فأجاب. - الإرشاد في أصول الدين. - الإشارة، وهو اختصار لكتاب الروايتين والوجهين له. - الانتصار لأهل الحديث. - التذكرة في أصول الفقه. - تفضيل العبادات على نعيم الجنات. - تهذيب النفس. - الجدل في الفقه - جزء في الأصول. - المناظرات. - المنثور. - نفي التشبيه. - الواضح في أصول الفقه. (١) وغيرهم كثير.

стр. 13

وكان ﵀ من أفاضل العلماء في أوانه، ومن أذكياء بني آدم في زمانه، مفرط الذكاء، زاهداً ورعاً متعبداً، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، متسع الدائرة في العلوم، وكان خبيرًا بالكلام، مطلعًا على مذاهب المتكلمين، وله بعد ذلك في ذم الكلام وأهله الشيء الكثير، بارعًا في الفقه وأصوله، وله في ذلك استنباطات عظيمة حسنة، وتحريرات كثيرة مستحسنة، ودرَّسَ وناظر الفحول، وكان دائم التشاغل بالعلم والعمل به، فرحمه الله رحمة الأبرار، العلماء العاملين الأخيار، وعفا عنه بمنه وكرمه. وتوفي ابن عقيل ﵀ في بغداد سنة ٥١٣هـ، في الثاني عشر من جمادى الأولى. (١) -

стр. 14

فَصْلٌ السَّلَامُ المُبْتَدَأُ يَكُوْنُ مِنَ المَاشِي عَلَى القَاعِدِ ، وَمِنَ الرَّاكِبِ عَلَى المَاشِي وَالجَالِسِ، وَالابْتِدَاءُ بِهِ سُنَّةٌ، وَإِذَا سَلَّمَ الوَاحِدُ مِنَ الجَمَاعَةِ المُشَاةِ أَوِ الرُّكَّابِ أَجْزَأَ عَنِ الجَمَاعَةِ، وَإِذَا رَدَّ وَاحِدٌ مِنَ الجُلُوسِ أَجْزَأَ عَنِ الجَمَاعَةِ. وَصِفَةُ السَّلَامِ: سَلَامٌ عَلَيْكُم، وَصِفَةُ الرَّدِّ: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ. وَالزِّيَادَةُ المَأْمُوْرُ بِهَا المُسْتَحَبَّةُ: وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَلَا يُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ. وَيُسْتَحَبُّ (وَرَحْمَةُ اللهِ)؛ لِيَتْرُكَ لِلْمُجِيْبِ الزِّيَادَةَ المَأْمُوْرَ بِهَا، وَهِيَ قَوْلُهُ: وَبَرَكَاتُهُ، بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رَدِّهَا. وَإِذَا سَلَّمَ ثُمَّ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ شَجَرَةٌ أَوْ جِدَارٌ ثُمَّ اِلْتَقَوْا عَادَتْ سُنَّةُ السَّلَامِ، كَذَلِكَ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُم. وَيُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى شَوَابِّ النِّسَاءِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَجْلُبُ جَوَابَهُنَّ، وَسمَاعَ أَصْوَاتِهِنَّ، وَعَسَاهُ يَجْلُبُ الفِتْنَةَ، وَكَمْ مِنْ صَوْتٍ جَرَّ هَوَىً وَعِشْقًا.

стр. 15

وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَامِ عَلَى العَجَائِزِ وَالبَارِزَاتِ؛ لِعَدَمِ الفِتْنَةِ بَأَصْوَاتِهِنَّ، وَلِأَنَّ البَرْزَةَ تَحْتَاجُ إِلَى السَّلَامِ عَلَيْهَا، وَرَدِّ سَلَامِهَا، وَلِلْحَاجَةِ تَأْثِيْرٌ بِذَلِكَ؛ لِجَوَازِ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِ المَرْأَةِ لِلشَّاهِدِ لِيَحْفَظَ الحِلْيَةَ فَيُقِيْمَ الشَّهَادَةَ، وَكَذَلِكَ الصَّائِغُ وَالمَغَازِلِيُّ، وَكُلُّ مَنْ تُعَامِلُهُ النِّسَاءُ مِنْ أَرْبَابِ التَّجَائِرِ وَالصَّنَائِعِ. وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَامِ عَلَى الصِّبْيَانِ، تَعْلِيْمًا لَهُمْ لَلْأَدَبِ، وَتَحْبِيْبًا لِحُسْنِ الخُلُقِ، وَتَدْرِيْبًا عَلَى حُسْنِ المُعَاشَرِةِ. وَيَسْتَحَبُّ السَّلَامُ عِنْدَ الإِنْصِرَافِ، كَمَا يُسْتَحَبُّ عِنْدَ الدُّخُوْلِ، وَالدُّخُوْلُ أَشَدُّ اِسْتِحْبَاْبًا. المؤلف ﵀ تعرض في هذا الفصل لمسائل السلام، ومسائل السلام عديدة وقد ألفت فيها مجلدات, وسأذكر منها ما يحتاج إليه مما ذكره المؤلف, وسأزيد عليه شيئاً يسيرًا إن شاء الله. فنأتي إلى حكم السلام في البداية وفضله, فقد جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ ، قال: «لا تدخلون الجنة حتى

стр. 16

تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (١) وجاء في الباب أخبار عدة. واختلف أهل العلم في حكم الابتداء بالسلام: فقال بعضهم: إنه واجب, واحتج بحديث البراء بن عازب ﵁، أنه قال: أمرنا النبي ﷺ بسبع - ومنها «إفشاء السلام» (٢) وأيضًا بما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: «خمس تجب للمسلم على أخيه» ... وفيه: «إذا لقيته فسلم عليه» (٣) وهذا أمر وقال قبله: تجب.

стр. 17

وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الابتداء إنما هو سنة مؤكدة, واتفقوا جميعهم على أن الرد فرض, والمؤلف هنا مشى على أن الابتداء بالسلام سنة, والقول بالوجوب قول قوي, ولكن عامة أهل العلم على أنه سنة مؤكدة. ثم قال المؤلف: (السلام المبتدأ ............ والابتداء به سنة) وهذا لفظ حديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والقليل على الكثير» (١) فالسنة جاءت بأن الصغير يسلم على الكبير, وأن الماشي على الجالس, وأن القليل على الكثير, وأن الراكب يسلم على الماشي, ومعناه أنه مؤكد في حق الصغير, ومؤكد في حق الماشي, وفي حق القليل, وحق الراكب, والتمس العلماء حكماً في سبب أمر هؤلاء بالابتداء, وهي ظاهرة, فنحن نغلب جانب الوارد على القارّ, لأنه قد تتعارض هذه المسائل, فيكون ماشٍ كبير على قاعد صغير, أو ماشٍ قليل على قاعدٍ

стр. 18

كثير, أو ماشٍ كثير على راكب قليل, فنغلب في هذه الأشياء جانب الوارد, سواءً كان الوارد كبيرًا أو قليلاً أو ماشيًا, فإنه يسلم على القاعد الصغير والقاعد الكثير والراكب القليل. وقوله ﵊: «يسلم الصغير على الكبير» هذا محمول على حالة التلاق، ولكن إذا كان الصغير قاعداً، والكبير ماشياً، فإن الكبير هو المأمور بالسلام؛ لأنه وارد على الصغير كما تقدم تقريره، وإذا ترك فيسلم الصغير، وأما حين التلاق والحركة من الطرفين فالصغير يسلم على الكبير والقليل على الكثير والراكب على الماشي. ثم قال المؤلف: (وإذا سلم الواحد ......... أجزأ عن الجماعة) عامة أهل العلم على أن الجماعة يجزئ عنهم أن يسلم الواحد منهم, ويجزئ عن القاعدين أن يرد أحدهم, وجاء هذا في حديث رواه أبو داود وأبو يعلى والبيهقي من طريق سعيد بن خالد الخزاعي قال حدثني عبد الله بن الفضل حدثنا عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «يجزئ عن الجماعة أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن

стр. 19

القاعدين أن يرد أحدهم» (١) والحديث جاء مرسلاً كما عند مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم (٢) ومتصلاً كما عند أبي دواد وغيره (٣) كما تقدم لكن إسناد المتصل ضعيف، وحسنه ابن عبد البر في التمهيد (٤) وابن حجر في الفتوحات الربانية (٥) وأعله الدارقطني في العلل (٦)، وهذا الحديث ذكره الحافظ في بلوغ المرام ووهم حينما عزاه إلى أحمد إذ ليس هذا الحديث في المسند. (٧) وقد قال لي شيخنا ابن باز ﵀ التمسه في المسند. فقرأت مسند علي كله من المسند فلم أجده، فلما أصبحت أخبرته بذلك، وقلت

стр. 20

له: الحافظ نفسه في شرح البخاري لم يعزه لأحمد (١). فقال الشيخ: هذا وهم وقع له في البلوغ ﵀، وأيضاً ليس في أطراف المسند الحنبلي للحافظ نفسه. وعليه فالجماعة إذا مروا يكون ابتداؤهم بالسلام سنةً كفائية. ثم قال المؤلف: (وإذا رد واحد ...... الجماعة) نقول إن سلم الجميع فهو أولى، والمراد بالجماعة: اثنان فصاعدًا, وحينئذ يكون الرد على القاعدين فرض كفاية, فيكفي عن الجماعة القاعدين أن يرد واحد منهم, ويسقط الرد عن البقية, ولكن بشرط: إذا سلم الواردون كلهم أو واحداً منهم بلفظ: "السلام عليكم", جمعاً, فإما أن يرد الجميع أو واحد منهم بلفظ: "وعليكم السلام", ولا يقول: "وعليك السلام", لأن الظاهر أن الأول سلم نيابة عن القادمين, فيجب أن يرد هذا نيابة عن القاعدين. فإذا سلم أحد الواردين على أحد القاعدين لم تحتسب السنة للبقية, وكان هذا السلام من أجل المعرفة الذي نهى عنه النبي ﷺ , فقد روى الطبراني في المعجم الكبير من طريق إبراهيم عن علقمة، قال: لقي عبد الله

стр. 21

بن مسعود أعرابياً ونحن معه، فقال: السلام عليك يا أبا عبد الرحمن فضحك، فقال: صدق الله ورسوله سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: «لا تقوم الساعة حتى يكون السلام على المعرفة وإن هذا عرفني من بينكم فسلم علي» (١) أي: يسلم على من يعرف, ويترك البقية, وهذا موجود سواءً كان في السلام أو المصافحة, فتجد بعض الناس يلتقي بعضهم مع بعض فيسلم الواحد على صاحبه الذي يعرفه ويترك البقية. ثم قال المؤلف: (وصفة السلام: ....... ورحمة الله وبركاته) أما الابتداء فيجوز: "سلام عليكم", والأفضل أن يكون معرفاً: "السلام عليكم", وكذلك يكون: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته", وفي الرد إن شاء قال: "وعليكم السلام", بالواو, وإن شاء قال: "عليكم السلام", وترك الواو ما ينبغي, وإن شاء قال: "السلام عليكم", حتى في

стр. 22

الرد, لما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «خلق الله آدم وطوله ستون ذراعاً، ثم قال: اذهب فسلم على أولئك من الملائكة فاستمع ما يحيونك، تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله» (١)، فيجوز في الرد أيضًا أن يقول الإنسان: "السلام عليك", والأفضل أن يقول: "وعليكم السلام", وسبق لنا أن هذا الرد فرض. وقد قال الله : ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (٢) فالأمر بالرد بالأحسن عند أهل العلم للاستحباب وأما قوله تعالى: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ فهذا الفرض, فيقول لمن سلم عليه: "السلام عليك", أو "عليكم", "وعليكم السلام", ويستحب أن يقول: "ورحمة الله", وإن زاد فهو أفضل, وإذا سلم عليك: "السلام عليكم", أو قال "السلام عليكم ورحمة الله" وجب أن يرد عليه بقوله: "وعليكم السلام ورحمة الله", وسن أن يزيد: "وبركاته", وإذا سلم عليك: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته", وجب أن يقول: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته".

стр. 23

وهل بعد هذه الصورة الأخيرة رتبة فضل في رد السلام ؟ قال بعض أهل العلم: أن الإنسان إذا سُلم عليه: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته", فله أن يرد بما جاء من زيادة فضل في رد السلام, وهو أن يقول: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته", وذلك لما رواه البيهقي في الشعب, وابن عدي في الكامل والبخاري في التاريخ الكبير, من طريق إبراهيم المختار عن شعبة عن عون بن سعد عن أمامة بن عقبة عن زيد بن أرقم ﵁، قال: كان النبي ﷺ إذا سلم علينا فرددنا ﵇، قلنا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته. (١) ولكن هذا الحديث فيه أكثر من علة: العلة الأولى: هي تفرد إبراهيم المختار وقد نبه على هذه العلة البيهقي في شعب الإيمان, فقال: رواه عن شعبة من ليس بالمعروف أو ليس بالمشهور, وأيضًا يرويه عن إبراهيم بن المختار محمد بن حميد الرازي, وهو ضعيف, فالصحيح أنه لا يثبت بعد البركة خبر، وأن زيادة ومغفرته ليس

стр. 24

لها أصل في الأحاديث النبوية, وقد أنكرها جماعة من الصحابة, فقد صح عن ابن عباس ﵁ كما أخرج ذلك مالك في الموطأ: "عن وهب بن كيسان عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه قال: كنت جالسا عند عبد الله بن عباس فدخل عليه رجل من أهل اليمن فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ثم زاد شيئا مع ذلك أيضاً، قال ابن عباس: إن السلام انتهى إلى البركة. (١) وجاء ذلك أيضا عن ابن عمر ﵄، بسند صحيح كما عند عبد الرزاق في مصنفه: أن رجلاً كان يلقى ابن عمر فيقول السلام عليك ورحمة الله وبركاته ومغفرته ومعافاته، قال: يكثر من هذا. فقال له ابن عمر: وعليك مئة مرة لئن عدت إلى هذا لأسوءنك. (٢) فابن عمر قالها لمن سلم عليه: السلام عليكم ورحمة الله ومغفرة. وإن كانت في الابتداء ولكنه أنكرها.

стр. 25

وجاء أيضا عن عمر بن الخطاب ﵁ كما عند البيهقي في (الشعب) قال: انتهى السلام إلى وبركاته. ورجاله ثقات. (١) وقد استدل ابن عباس ﵁ أن السلام قد انتهى إلى البركة بآية هود: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾ (٢) كما أخرج ذلك ابن أبي حاتم في تفسيره: أن عطاء بن أبي رباح، قال: إن ابن عباس أتاهم يوما في مجلس، فسلم عليهم فقال: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقلت: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته فقال: من هذا؟ فقلت: عطاء فقال: انته إلى بركاته قال: ثم ذكر هذه الآية. (٣) فالصحيح أن زيادة مغفرته وغيرها من الألفاظ (ومرضاته ومعافاته) لا يثبت فيها شيء, وحينئذٍ يكون الرد بهذه الصفة غير مشروع, وعليه فنقول إذا سُلِّم عليك: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته", فليس لك إلا هذا الخيار, وهو الرد عليه إلى البركة فقط؛ كما جاء ذلك عن عروة بن

стр. 26

الزبير عند البيهقي في الشعب بسند صحيح: أن رجلا سلم عليه، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال عروة: ما ترك لنا فضلاً، إن السلام انتهى إلى: وبركاته. (١) وجاء في فضل درجات هذا الرد ما أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما من حديث عمران بن حصين: أن رجلاً أتى النبي ﷺ ، فقال: السلام عليك، ثم قال: «وعليكم السلام» ثم قعد, فقال: «عشر» , ثم سلم عليه مرة أخرى رجل آخر, فقال: «السلام عليك ورحمة الله» ثم قعد فرد عليه, وقال: «عشرون» ثم سلم عليه آخر، فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته, ثم قعد, فرد عليه، ثم قال: «ثلاثون» (٢) وهذا هو القدر المحفوظ من حديث عمران.

стр. 27

وأخرج أبو داود في سننه من حديث سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه عن النبي ﷺ بمعناه -أي بمعنى حديث عمران - زاد: ثم أتى آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فقال: «أربعون» قال: «هكذا تكون الفضائل» (١) ولا يصح. قوله: (ولا يستحب الزيادة على ذلك) وهذا هو الصواب كما قررنا فيما تقدم. ثم قال المؤلف: (ويستحب ورحمة الله ........ أو ردوها). الصواب أنه ليس بمستحب, فما المانع إن أُسلمَ سلامًا كاملاً, ويردُ علي السلام كاملاً، ففي كلام المؤلف هنا نظر. ثم قال المؤلف: (وإذا سلم ثم حال ...... ورضي عنهم.) ما ذكره المؤلف هنا هو نص حديث عند أبي داود من حديث معاوية بن صالح عن أبي موسى عن أبي مريم عن أبي هريرة ﵁، قال: إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه أيضا. وقال معاوية وحدثني عبد الوهاب بن بخت عن أبي

стр. 28

الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ ، مثله سواء. (١) وهذا الإسناد حسن في الشواهد، وقد جاء ما يشدهُ كما أخرج الطبراني من حديث أنس بن مالك ﵁، قال: كنا إذا كنا مع رسول الله ﷺ فتفرق بيننا شجرة، فإذا التقينا سلم بعضنا على بعض. رواه الطبراني بإسناد حسن. (٢) ومن المعلوم أن السلام مشروع عند التلاقي, والتلاقي أعم من أن يكون له صورة واحدة، وأعم من أن يكون غياب عن النظر, وقد تلتقي به بعد أن فارقته ولم يغب عن ناظريك, وقد كان هذا هو هدي الصحابة ﵃ كما تقدم عن أنس، أنهم إذا كانوا يمشون وكان بينهم جدار أو شجرة أو ما شابه ذلك والتقوا بعد ذلك, يسلم بعضهم على بعض, تحقيقاً لقول النبي ﷺ : «إذا لقيته فسلم عليه» (٣)

стр. 29

وفي هذا من الفوائد أنه يشرع السلام وإن لم تتحقق صورة الانفصال والغياب عن النظر, ومن الأدلة على هذا حديث المسيء صلاته (١) , فإنه أتى وصلى صلاة ليست بشرعية, ثم أتى النبي ﷺ فسلم عليه، فقال النبي ﷺ : وعليكم السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل» فذهب الرجل يصلي والنبي ﷺ ينظر إليه, بدليل أنه لما رجع، قال: «ارجع فصل فإنك لم تصل» وسلم مرة ثانية وأقره النبي ﷺ على السلام, وفي هذا دلالة على شرعية السلام عند المفارقة العرفية, وإن لم تتحقق صورة الانفصال والبعد عن النظر, ومعلوم أن الإنسان إذا التقى بشخص في مكان واسع, ثم ذهب أحدهم ثم رجع فإننا نقول: فارقه، وفي البيوع تقرر ذلك حين المفارقة العرفية. وعليه فإذا تمت المفارقة العرفية وتحققت صورة الانفصال عن مسمع أو مرأى فيشرع السلام حينئذ عند التلاق. ثم قال المؤلف: (ويكره السلام ..... التجائر والصنائع) سبق أن ذكرنا أن السلام مشروع بعامة, وهو من حق المسلم على أخيه، فهل هذا يشمل السلام بين الرجال والنساء؟

стр. 30

نقول: الأصل العموم, فإن الإنسان يسلم على كل أحد؛ لكن في مسألة السلام على النساء تفصيل، فالنساء ينقسمن بالنسبة إلى المُسلِّم إلى أقسام: القسم الأول: أن يكن محارماً. القسم الثاني: أن يكن أجانب عن الرجل لكنهن من معارفه. القسم الثالث: أجانب غير معارف. فأما القسم الأول: وهن المحارم فلا إشكال في ذلك ,وهن: من تحرم على الرجل على التأبيد, بنسب, أو سبب مباح, ويلحق بذلك الزوجة، فالإنسان يسلم على زوجه ومحارمه, كأمه, وأخته, وابنته, وعمته, وخالته, وابنة أخيه, وابنة أخته, وحديث السلام ينطبق على هذا الوصف بلا إشكال. القسم الثاني: أجانب معارف. والأجنبية: هي من سوى المحارم , فالصحيح أنه يجوز السلام عليها, كابنة العم, فإنها أجنبية, ويحل أن يتزوج منها, ويلقي السلام عليها إن لم يكن هناك فتنة, وهذا للقرابة وكذلك ابنة الخال للمعرفة, إن لم يكن هناك فتنة, ويلحق بهؤلاء زوجة الأخ, وأخت الزوجة, فإنهن أجانب معارف؛ لأن الصلة في مثل هذه الأمور قد تعارف الناس على أنها مستحبة, فيكره

стр. 31

ترك السلام عند اللقاء, لكثرة التلاقي بين هؤلاء الأجناس ولأن ترك السلام عند اللقاء هنا قد يدل على وحشة وجفاء, ما لم يكن هناك فتنة ظاهرة. القسم الثالث: أجانب غير معارف وهن من سوى ذلك, من نساء العالمين، وهؤلاء لا يشرع السلام عليهن إن كن شوابّ, وعلى هذا جمهور السلف, وعلله المؤلف بقوله: (فإن ذلك يجلب جوابهن وسماع أصواتهن وعساه يجلب الفتنة وكم من صوت جر هوى وعشقا) ولا شك أن الأجنبية من غير المعارف لا يشرع استنطاقها إلا لحاجة وحينئذ لا يشرع السلام عليها، ولهذا هي لا تؤذن ولا تقيم ولا تنبه في الصلاة؛ إلا بالتصفيق خشية الفتنة, ثم إن ترك السلام عليها لا ينافي الإفشاء. ومحادثة المرأة الأجنبية لا يجوز إلا للحاجة، وتكون هذه المحادثة بقدر تلك الحاجة، وإلا هو باب فتنة وبلاء، والتلذذ بذلك من المحرمات ومما يفسد قلب العبد، ويجلب له المصائب.

стр. 32

والله نهى النساء عند محادثة الرجال عن الخضوع بالقول، وهو تليينه وترقيقه، فنهى الله نساء نبيه عن ذلك وهن سيدات نساء الأمة ﵅، فقال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ (١) والنهي عن الخضوع بالقول فيه إباحة للقول دون ذلك، لأن النهي عن الأخص مستلزم لجواز الأعم، وشواهد ذلك من السنة لا تحصر، وأمَّا ما أخرجه أحمد في المسند من حديث أم عطية ﵂، قالت: ... «كنت فيمن بايع النبي ﷺ فكان فيما أخذ علينا أن لا ننوح ولا نُحَدِّث من الرجال إلا محرماً (٢)» فلا يصح. وروي النهي عن محادثة النساء ولا يصح أيضاً. (٣) ولكن يستثنى من الأجانب غير المعارف صنفاً واحداً وهنَّ العجائز, فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يسلمون على العجائز, ومن ذلك ما وقع في حديث سهل بن سعد في صحيح البخاري، أنه قال: إنا كنا نفرح

стр. 33

بيوم الجمعة، كانت لنا عجوز تأخذ من أصول سلق لنا، كنا نغرسه في أربعائنا، فتجعله في قدر لها فتجعل فيه حبات من شعير - لا أعلم إلا أنه قال - ليس فيه شحم ولا ودك، فإذا صلينا الجمعة زرناها فقربته إلينا، فكنا نفرح بيوم الجمعة من أجل ذلك. (١) مع العلم أنه ليس كل الذين مع سعد من المحارم, أو قد لا يكون سعد من محارمها، فالعجوز القاعدة عن النكاح لا بأس بالسلام عليها إذ لا فتنة. قول المؤلف (والبارزات لعدم الفتنة بأصواتهن) المراد بالمرأة البرزة: هي المرأة التي تحتاج إلى الخروج لتجارة, أو عمل, وعادة تكون كبيرة؛ لأن الأبكار والعواتق وذوات الخدور والعذارى, يكن في أماكنهن لا يخرجن, فقد كان نبينا ﷺ : «أشد حياءً من العذراء في خدرها». (٢)

стр. 34

وفي حديث أم عطية: كنا نخرج العواتق والحيض وذوات الخدور في صلاة العيد. (١) ففي ذلك الوقت كان لا يخرج في الغالب إلا الكبار، فقد كانت المرأة البرزة وهي الكبيرة تخرج وتتعاطى أموراً، وتحتاج أن تكلم الرجال وقد نص أهل العلم على أن البرزة يجوز السلام عليها. وبناء على ما تقدم فتنقسم الأجنبيات إلى ثلاثة أقسام: ١: الشابة فيترك السلام عليها بالاتفاق. ٢: العجوز الكبيرة فيسلم عليها. ٣: الكبيرة غير العجوز فيشرع السلام إذا احتيج إلى ذلك؛ كأن يكون لها حرفة، وإن لم يكن لها شيء من ذلك، ولم تكن هناك حاجة، فقد يقال: لا يشرع السلام.

стр. 35

ثم قال المؤلف: (ولا بأس بالسلام ... على حسن المعاشرة.) الصبي هو: من لم يبلغ، فكل من لم يبلغ فهو صبي، وقد جاء في الصحيحين من حديث أنس ﵁: أنه مر على صبيان فسلم عليهم، وقال: كان النبي ﷺ يفعله. (١) وبوب عليه البخاري باب التسليم على الصبيان. (٢) وتأمل كيف بدأهم بالسلام ﵊ , مع قوله ليسلم الصغير على الكبير. . كل هذا من كمال خصاله وجميل فعاله بأبي هو وأمي , وحتى يتربى الصغار على مثل هذا فإن الصبية يحتاجون للتكرار في التعليم والتربية. فيسلم على الصبيان حتى لو كانوا منفردين, وهذه هي سنته ﵊. والتسليم على الصبيان من إفشاء السلام, ومن حسن الأدب معهم, سواء غلب على ظنه أنهم سيردون أم لا، ويشمل هذا الصبيات أيضاً ما لم يكن هناك ريبة، وفي سلامه ﷺ عليهم دلالة لما تقدم ذكره من أن المارّ هو الذي يسلم على القارّ كما تقدم تقريره في جميع الأحوال وهذا ظاهر بحمد الله.

стр. 36

ثم قال المؤلف: (ويستحب السلام ........ أشد استحباباً) جاء هذا في السنن من طريق محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ ، قال: «إذا انتهى أحدُكم إلى المجلس فَلْيُسَلِّمْ فإن بدا له أن يجلسَ فليجلسْ ثم إذا قام فَلْيُسَلِّمْ فليست الأُولَى بِأَحَقَّ من الآخرة» (١) يعني ليس السلام الأول بأحق من السلام الآخر، فإذا قدمت على أناس جلوس فسلم، فإذا قمت فسلم إذا كانوا جلوساً, فإن انصرفوا جميعاً فإنه يسلم إذا فارقهم, ويُنَزَّل الفراق منزلة الانصراف من المجلس. ثم قال المؤلف: (والدخول أشد استحباباً) وهذا لا شك فيه كما تقدم.

стр. 37

فَصْلٌ وَالمُصَافَحَةُ مُسْتَحَبَّةٌ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ ، وَلَا تَجُوْزُ مُصَافَحَةُ النِّسَاءِ الشَوَابِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُثِيْرُ الشَّهْوَةَ. وَلَا بَأْسَ بِالْمُعَانَقَةِ، وَتَقْبِيْلِ الرَّأْسِ وَاليَدِ، لِمَنْ يَكُوْنُ مِنْ أَهْلِ الدِّيْنِ أَوِ العِلْمِ أَوِ كِبَرِ السِّنِّ فِيْ الإِسْلَامِ. وَيُسْتَحَبُّ القِيَامُ لِلإِمَامِ العَادِلِ، وَالوَالِدَيْنِ، وَأَهْلِ الدِّيْنِ وَالوَرَعِ وَالعِلْمِ وَالكَرَمِ وَالنَّسَبِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ لِغَيْرِ هَؤُلَاءِ. قال المؤلف: (والمصافحة مستحبة .... ذلك يثير الشهوة) في هذا الفصل تكلم المؤلف عن أحكام المصافحة، والمصافحة لا شك أنها من السنن بين الرجال بعضهم بعضاً, وبين النساء بعضهن بعضاً. والمصافحة حكمها: أنها سنة مؤكدة، وقد جاءت الأخبار في مشروعية المصافحة منها ما جاء في صحيح البخاري عن قتادة، قال: قلت لأنس ﵁: أكانت المصافحة في أصحاب النبي ﷺ ؟ قال: نعم. (١)

стр. 38

وما جاء في صحيحي البخاري ومسلم في حديث كعب بن مالك ﵁ في قصة توبته، قال: فقام إلي طلحة بن عبيد الله ﵁ يهرول، حتى صافحني وهنأني. (١) وما جاء بسند صحيح في سنن أبي داود عن أنس ﵁، قال: لما جاء أهل اليمن، قال لهم رسول الله ﷺ : «قد جاءكم أهل اليمن» وهم أول من جاء بالمصافحة. (٢) فائدة: المصافحة تكون بين المتصافحين باليد اليمنى .. وهذا معلوم .. وقد سألت شيخنا ابن باز ﵀ عمن شُلّت يده اليمنى، أو بها علة هل يصافح باليسرى فأجاب: نعم. فائدة أخرى: المصافحة بكلتا اليدين عند الاحتفاء مباحة لا سنة ولا بدعة .. قال البخاري ﵀ باب: الأخذ باليد، وصافح حماد بن زيد ابن المبارك بيديه .. وقال شراح الحديث إن الأخذ باليد هو مبالغة في المصافحة .. قلت: هو نوع احتفاء بالمصافَح.

стр. 39

وفُهم من قول المؤلف: (ولا تجوز مصافحة النساء الشواب) أنه يجوز مصافحة النساء غير الشواب, وفي هذا نظر, والصواب أنه لا يصافح الإنسان إلا زوجه أو محارمه من النساء, ولا يصافح المرأة الأجنبية البتة, وهناك من أهل العلم من أجاز مصافحة الأجنبية إذا كانت عجوزاً, وهذا ظاهر كلام المؤلف, لكن جمهور أهل العلم على تحريم مصافحة الأجنبية مطلقاً, والراجح عندهم أيضاً أنها ولو كانت عجوزاً, والدليل على هذا ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة ﵂، قالت: ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط. (١) وكان يبايع ﵊ البيعة بالكلام مع الحاجة إلى ذلك؛ كما هو حديث أميمة بنت رقيقة في الموطأ وغيره، قالت: يا رسول الله بايعنا، قال: «إني لا أصافح النساء، إنما قَولي لامرأة قولي لمائة امرأة» (٢) وقال بعضهم: لا بأس أن يصافح المرأة الأجنبية من وراء حائل, وتمسكوا ببعض الأخبار التي ليس لهم فيها متمسك, وفي بعضها أنه كان على يده قطعة قماش, ولكن لا يصح في هذا الباب شيء. وننبه على حديث رواه الطبراني في الكبير: من طريق شداد بن سعيد الراسبي، قال: سمعتُ يزيد بن عبد الله بن الشخير، يقول: سمعتُ معقل

стр. 40

بن يسار، أنه قال: سمعت الرسول ﷺ ، قال: «لأن يُطعن في رأس أحدكم مخيط من حديد خير له من أن يمس يد امرأةً لا تحل له» (١) وصححه بعض المتأخرين, (٢) , ووهم في ذلك, والصواب أنه من قول معقل بن يسار، كما أخرج ذلك ابن أبي شيبة في المصنف من طريق بشير بن عقبة، قال: حدثني يزيد بن عبد الله الشخّير، عن معقل بن يسار، قال: لأن يعمد أحدكم .... , الحديث موقوف على معقل. (٣) ولكن هذا قول صحابي لا يخالفه أحد, فالصحيح أن المرأة الأجنبية لا يُمَسُّ بدنها ولو من وراء حائل، لأن العورات متى كانت عورة فإنه لا يجوز النظر إليها, ولا مسها مباشرة, ولا مسها من وراء حائل, ولهذا جاء في الحديث النهي عن النظر إلى العورات، كما في حديث جرير عند مسلم، قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري. (٤)
следующие страницы →