← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17128

اللباب «شرح فصول الآداب»

عبد الله بن مانع الروقي

Полный текст (352 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ثم قال المؤلف: (ويستحب السلام ........ أشد استحباباً) جاء هذا في السنن من طريق محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ ، قال: «إذا انتهى أحدُكم إلى المجلس فَلْيُسَلِّمْ فإن بدا له أن يجلسَ فليجلسْ ثم إذا قام فَلْيُسَلِّمْ فليست الأُولَى بِأَحَقَّ من الآخرة» (١) يعني ليس السلام الأول بأحق من السلام الآخر، فإذا قدمت على أناس جلوس فسلم، فإذا قمت فسلم إذا كانوا جلوساً, فإن انصرفوا جميعاً فإنه يسلم إذا فارقهم, ويُنَزَّل الفراق منزلة الانصراف من المجلس. ثم قال المؤلف: (والدخول أشد استحباباً) وهذا لا شك فيه كما تقدم.

стр. 37

فَصْلٌ وَالمُصَافَحَةُ مُسْتَحَبَّةٌ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ ، وَلَا تَجُوْزُ مُصَافَحَةُ النِّسَاءِ الشَوَابِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُثِيْرُ الشَّهْوَةَ. وَلَا بَأْسَ بِالْمُعَانَقَةِ، وَتَقْبِيْلِ الرَّأْسِ وَاليَدِ، لِمَنْ يَكُوْنُ مِنْ أَهْلِ الدِّيْنِ أَوِ العِلْمِ أَوِ كِبَرِ السِّنِّ فِيْ الإِسْلَامِ. وَيُسْتَحَبُّ القِيَامُ لِلإِمَامِ العَادِلِ، وَالوَالِدَيْنِ، وَأَهْلِ الدِّيْنِ وَالوَرَعِ وَالعِلْمِ وَالكَرَمِ وَالنَّسَبِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ لِغَيْرِ هَؤُلَاءِ. قال المؤلف: (والمصافحة مستحبة .... ذلك يثير الشهوة) في هذا الفصل تكلم المؤلف عن أحكام المصافحة، والمصافحة لا شك أنها من السنن بين الرجال بعضهم بعضاً, وبين النساء بعضهن بعضاً. والمصافحة حكمها: أنها سنة مؤكدة، وقد جاءت الأخبار في مشروعية المصافحة منها ما جاء في صحيح البخاري عن قتادة، قال: قلت لأنس ﵁: أكانت المصافحة في أصحاب النبي ﷺ ؟ قال: نعم. (١)

стр. 38

وما جاء في صحيحي البخاري ومسلم في حديث كعب بن مالك ﵁ في قصة توبته، قال: فقام إلي طلحة بن عبيد الله ﵁ يهرول، حتى صافحني وهنأني. (١) وما جاء بسند صحيح في سنن أبي داود عن أنس ﵁، قال: لما جاء أهل اليمن، قال لهم رسول الله ﷺ : «قد جاءكم أهل اليمن» وهم أول من جاء بالمصافحة. (٢) فائدة: المصافحة تكون بين المتصافحين باليد اليمنى .. وهذا معلوم .. وقد سألت شيخنا ابن باز ﵀ عمن شُلّت يده اليمنى، أو بها علة هل يصافح باليسرى فأجاب: نعم. فائدة أخرى: المصافحة بكلتا اليدين عند الاحتفاء مباحة لا سنة ولا بدعة .. قال البخاري ﵀ باب: الأخذ باليد، وصافح حماد بن زيد ابن المبارك بيديه .. وقال شراح الحديث إن الأخذ باليد هو مبالغة في المصافحة .. قلت: هو نوع احتفاء بالمصافَح.

стр. 39

وفُهم من قول المؤلف: (ولا تجوز مصافحة النساء الشواب) أنه يجوز مصافحة النساء غير الشواب, وفي هذا نظر, والصواب أنه لا يصافح الإنسان إلا زوجه أو محارمه من النساء, ولا يصافح المرأة الأجنبية البتة, وهناك من أهل العلم من أجاز مصافحة الأجنبية إذا كانت عجوزاً, وهذا ظاهر كلام المؤلف, لكن جمهور أهل العلم على تحريم مصافحة الأجنبية مطلقاً, والراجح عندهم أيضاً أنها ولو كانت عجوزاً, والدليل على هذا ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة ﵂، قالت: ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط. (١) وكان يبايع ﵊ البيعة بالكلام مع الحاجة إلى ذلك؛ كما هو حديث أميمة بنت رقيقة في الموطأ وغيره، قالت: يا رسول الله بايعنا، قال: «إني لا أصافح النساء، إنما قَولي لامرأة قولي لمائة امرأة» (٢) وقال بعضهم: لا بأس أن يصافح المرأة الأجنبية من وراء حائل, وتمسكوا ببعض الأخبار التي ليس لهم فيها متمسك, وفي بعضها أنه كان على يده قطعة قماش, ولكن لا يصح في هذا الباب شيء. وننبه على حديث رواه الطبراني في الكبير: من طريق شداد بن سعيد الراسبي، قال: سمعتُ يزيد بن عبد الله بن الشخير، يقول: سمعتُ معقل

стр. 40

بن يسار، أنه قال: سمعت الرسول ﷺ ، قال: «لأن يُطعن في رأس أحدكم مخيط من حديد خير له من أن يمس يد امرأةً لا تحل له» (١) وصححه بعض المتأخرين, (٢) , ووهم في ذلك, والصواب أنه من قول معقل بن يسار، كما أخرج ذلك ابن أبي شيبة في المصنف من طريق بشير بن عقبة، قال: حدثني يزيد بن عبد الله الشخّير، عن معقل بن يسار، قال: لأن يعمد أحدكم .... , الحديث موقوف على معقل. (٣) ولكن هذا قول صحابي لا يخالفه أحد, فالصحيح أن المرأة الأجنبية لا يُمَسُّ بدنها ولو من وراء حائل، لأن العورات متى كانت عورة فإنه لا يجوز النظر إليها, ولا مسها مباشرة, ولا مسها من وراء حائل, ولهذا جاء في الحديث النهي عن النظر إلى العورات، كما في حديث جرير عند مسلم، قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري. (٤)

стр. 41

وأيضا من حديث بريدة عند أبي داود، والترمذي، قال رسول الله ﷺ لعلي ﵁: «يا علي، لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة» (١) ومعلوم أن النهي في نظر الفجأة هنا إنما هو عن النظر إلى المحرم من العورات، ونحوها، أما لو وقع نظره على شيء مباح لم يؤمر بصرفه، والله أعلم. وجاءت الأحاديث أيضا في النهي عن مس المرأة الأجنبية كما تقدم, وجاءت الأخبار أيضاً بما ثبت في الصحيح: أن رجلاً من الأنصار كسع رجلاً من المهاجرين - أي ضربه على دبره- فغضب المهاجري، فقال: يا للمهاجرين, فغضب الأنصاري بعد ما خاصمه المهاجري، وقال: يا للأنصار. (٢) والمقصود أنه لما ضربه على دبره أغضبه, وقال أهل العلم إن ضرب الرجل الرجلَ الآخر على العورة المغلظة لا يجوز, ولو من وراء الثياب, ولو كان بين النساء، بينما يجوز مس الفخذ من الغير إذا كان مستوراً ولم تكن هناك فتنة, فقد ضرب النبي ﷺ على فخذ أبي ذر كما في صحيح

стр. 42

مسلم (١) , وهذا يدل على أن الفخذ عورة مخففة, ليست عورة مغلظة, فهي عورة في باب النظر, فلا يجوز النظر إليها, ويجب سترها في الصلاة, لكن يجوز مسها من وراء الثياب ما لم تكن فتنة, أما العورة المغلظة, كالسوأتين والإلية, فلا يجوز مسها من وراء الثياب من الغير. مسألة: إذا كان الإنسان يصلي ومر بينه وبين سترته امرأة, وقد عُلم أن المرأة والرجل وغيره ممن يمر بينك وبين سترتك أنك تدافعه فهل له أن يدفعها؟ الجواب: نعم يجوز أن يدفع المرأة لأن هذا المس غير مقصود للمرأة, ولأنها قد تنزجر قبل وصول اليد إليها, ولأن مسها باليد مس عارض يسير لدفع إبطال الصلاة, ثم إنه إن لم يمنعها ستبطل صلاته, لأن المرأة إذا مرت بين الرجل وبين محل سترته بطلت صلاته, لقول النبي ﷺ : «يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه كمؤخرة الرحل، المرأة، والحمار، والكلب الأسود» (٢)

стр. 43

ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب, ولا يتم حفظ الصلاة إلا بدرء المرأة, فحينئذ يشرع, وقد نص على هذا شيخنا ابن عثيمين ﵀ أنه لا بأس برد المار ولو كان امرأة, ولو لزم من ذلك مسها, لأنه إذا مست هذه المرأة في هذه المرة فإنها تتأدب في المرات الأخرى. مسألة: من أحكام المصافحة: مصافحة الكفار, فهل يجوز مصافحة الكفار؟ الجواب: نقول: مصافحة الكفار تابعه للسلام عليهم, ونرجع حينئذٍ إلى السلام عليهم, فأما ابتداء الكافر بالسلام فلا يجوز, وقد جاء عند مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ ، قال: «لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه» (١) فإذا كان لا يجوز ابتدائهم بالسلام فلا يجوز ابتدائهم بالمصافحة, وعلى هذا إذا دعا الأمر أن تتعامل مع شخص كافر, ثم أراد أن يسلم

стр. 44

عليك فلا تبتدئه, فإذا قال هو: السلام عليكم ورحمة الله, فقل: وعليكم السلام, وهل يقول: ورحمة الله؟ نعم, يقول: ورحمة الله, وأما قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ (١) فمعنى تبين لهم: أي بالموت, فعلى هذا فلا بأس بالرد عليه: وعليكم السلام ورحمة الله, وإسلام الكافر ممكن, وهذا إذا أوضح لفظ السلام, وقد كان اليهود يسلمون على النبي ﷺ , فيقولون: السام عليك يا محمد- أي الموت- فيقول عليه الصلاة السلام: «وعليكم» (٢) واختلف أهل العلم في الرد على أهل الكتاب, هل يقول وعليكم مطلقاً سواء أفصحوا اللام أم لم يفصحوا؟

стр. 45

الجواب: قال بعضهم: لا يسلم عليه إلا بقوله: وعليكم, سواء كان السلام ظاهراً أو غير ظاهر, وقال بعضهم: إن النبي ﷺ قال: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فإنما يقولوا السام عليكم» (١) فنص على أن هذا الرد في هذه الصفة, فأما إذا أوضح لفظ السلام فحينئذٍ نرد السلام, وهذا هو الصحيح وهو اختيار ابن القيم في كتابه أحكام أهل الذمة (٢) , وإذا مد يده فمد يدك, أما إذا لم يمد يده فلا تبتدئه. وحينئذٍ نقول: لا يجوز البُداءة بمصافحة الكافر، أما إذا كان المصافح امرأة, فهذا أعم من أن يكون في مسألتنا, وقد تكون امرأة أجنبية, فإذا دنا الإنسان من امرأة من غير محارمه لسبب أو لآخر, فمدت يدها تريد السلام, فحينئذٍ امتنع ولا تمد يدك, فإن قال قائل: في هذا إحراج للمرأة, وقد تكون كافرة فتزداد بلاءاً, أو تكره الإسلام بسببك, وقد تكون

стр. 46

مسلمة فتحقد عليك, فنقول: فليكن ذلك, لأن مس يد الأجنبية محرم, سواء كانت مسلمة أو كافرة. لكن نقول أولاً: حتى لا تقع في هذا الموقف المحرج لا تَدْن من المرأة الأجنبية، اجعل بينك وبينها مسافة لا تسمح لها أن تمد يدها إليك، وأيضاً ضم يديك حتى تشعرها بأنك لن تصافح حتى تتخلص من هذا الموقف وتخلصها معك. وقد ذكرنا فيما تقدم السلام على المعارف غير المحارم من النساء, وأنك لا تصافحها لهدي النبي ﷺ في ذلك, وقد يكون الإنسان في البداية يواجه هذا الإحراج, ثم بعد ذلك سيعلمون أن هذا الرجل لا يصافح النساء, فيكون السلام بعد ذلك كلاماً, فتنتهي المشكلة. وقد وقع لبعض الصحابة شيء نظير هذا الشيء - ليس المصافحة إنما نوع آخر من أنواع عدم قبول الشيء لأجل أنه لا يحل - فقد أخرج البخاري ومسلم عن الصعب بن جثامة الليثي: أنه أهدى لرسول الله صلى ﷺ حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه فلما رأى- أي النبي ﷺ ما في وجهه - وكان مضيافاً ﵁ قال له النبي ﷺ : «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم» (١)

стр. 47

يعني لم أرده عليك كراهية لهديتك, أو طعناً فيها, أو بشخصك, ولكن لأننا محرمون, ففرح بذلك، وذهب ما في نفس الصعب ﵁ , فالإنسان يعتذر في مثل هذه الأشياء ويذكر كلاما مناسبا, والصدق مع الله نجاة , وعواقبه لذيذة. وأما قوله: (ولا بأس بالمعانقة .... في الإسلام). فهذا من باب الإكرام وليس له علاقة بالتحية لأن التحية الشرعية في الإسلام هي: (السلام والمصافحة) فالسلام بالكلام , والمصافحة باليد. أما تقبيل الرأس أو اليد فهذا من باب الإكرام, وبعض الناس يغلط, فيقابل كبير السن أو العالم, ويأخذ برأسه ويقبله, ويظن أن هذا سلام, فلا يصافحه ولا يسلم عليه, فإن قال: السلام عليكم, وأخذ برأسه وقبله, فهذا لم يصافحه, فنقول: السنة أن تصافح, وتقول: السلام عليكم, فإن كان بعد ذلك إكرام من تقبيل الرأس أو اليد، فهذا لا بأس به, وهذا من باب الإكرام, وليس له علاقة بالسلام, ولهذا المؤلف قال: (ولا بأس بالمعانقة) , لأنها من باب التبع وليست من التحية. وقد جاء في المعانقة في سنن الترمذي من حديث حنظلة السدوسي عن أنس ﵁ قال:

стр. 48

يا رسول الله, الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: «لا» قال: أفيلتزمه ويقبله. قال: «لا» قال: أفيأخذ بيده؟ قال: «نعم» (١) وهذا الحديث من منكرات حنظلة السدوسي, وهو على قلة روايته منكر الحديث, ونقول: السنة عند الملاقاة المصافحة فقط إذا كان في الحضر, وكثرة اللقاء, فالمصافحة كافية مع السلام, أما إذا كان من سفر أو غيبة طويلة فتشرع المعانقة, فقد روى الطبراني في الأوسط بإسناد لا بأس به عن أنس ﵁، قال: كان أصحاب النبي إذا تلاقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا. فالمعانقة إنما تكون عند القدوم من الأسفار, هذا ما فعله الصحابة. ومعنى المعانقة: أن يلي العنق العنق ويحاذيه, والغيبة الطويلة تنزل منزلة القدوم من سفر، وهذا من باب القياس، لا سيما مع اتساع البلاد, وقد كانوا من قبل في حي واحد صغير, حتى كان الجامع الواحد يكفي البلد, ولم يحدث جامعان في مصر واحد؛ إلا في بغداد سنة ٢٨٢هـ, كما قال بعض علماء المالكية في خلافة المعتضد: كان في كل مصر جامع واحد

стр. 49

يكفي أهل البلد، حتى جاءت خلافة المعتضد سنة ٢٨٢هـ فأحدث جامع آخر لكثرة الناس. وتقبيل الرأس شائع في عصرنا, مع أنه في النصوص قليل بل نادر, وأما تقبيل اليد فاختلف فيه أهل العلم: فمنهم من كرهه وشدَّدَ فيه, حتى قال مالك: هو السجدة الصغرى, ومنهم من رخص فيه وجاءت أخبار أن النبي ﷺ قَبَّلَ يده بعض الصحابة. (١) وبعض أسانيدها لا بأس بها, وجاء عن بعض التابعين أنه فعل ذلك مع أصحاب النبي ﷺ . (٢) فتقبيل اليد موجود عند السلف على قلّته, وتقبيل اليد يباح لثلاثة: للعالم الورع, وللوالدين, والإمام العادل, أما فعل هذا لأهل المال والجاه والمناصب فمكروه وأما فعله للولاة الظلمة ومن لا يقيم للدين قدرا فمحرم كما قال النووي (٣) ﵀ وأما فعل هذا لأئمة الضلالة

стр. 50

المبتدعة, وشيوخ الخرافات, فلا شك أن فعل هذا من الكبائر لما فيه من تعظيم أهل الضلالة وفتن الناس بذلك؛ والغالب أن هذا يفعله بهم مريدوهم وأصحابهم ومن هلكوا بسببهم, وقد أدركنا بعض هؤلاء الهلكى, وكان يقبله مريدوه كما يقبلون الحجر الأسود. قول المؤلف: (ويستحب .... ولا يستحب لغير هؤلاء) القيام على أربع صور: الصورة الأولى: القيام على رأس من يراد حراسته، وهذا مباح. كقيام الصحابة على رأس النبي ﷺ لحراسته عام صلح الحديبية أثناء عقد الصلح، وغيره. الصورة الثانية: القيام للقادم ونحوه تعظيماً، وهذا محرم. وفيه حديث معاوية «مَنْ أَحبَّ أن يَمْثُلَ لهُ الناسُ قياما، فَليَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ من النار». أخرجه أبو داود وغيره وهو حديث لا بأس به ويشهد له ما رواه مسلم من حديث جابر من نهيه عن الصلاة خلفه قياماً وهو قاعد وقال: إن كدتم لتفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا» وأعظم من هذا القيام تعظيماً للعَلَم مع ما فيه من مشابهة الكفرة الآن، ومما يمنع القيام للمعلم عند دخوله فصل الدراسة وقد أفتى شيخنا بمنعه.

стр. 51

الصورة الثالثة: القيام للتكريم عند قدوم والد أو ولد أو غيرهما، وهذا مباح. وقد أخرج أبو داود والنسائي بسند صحيح من طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا رأى فاطمة بنته قد أقبلت رحب بها، ثم قام فقبلها ثم أخذ بيدها حتى يجلسها في مكانه ...» وأصله في الصحيح دون ذكر القيام، ومن جنسه القيام للتهنئة كقيام طلحة لكعب لتهنئته بتوبة الله عليه. الصورة الرابعة: القيام لأجل حاجة من يقام له، وهذا مباح أيضاً. ومن أدلته حديث أبي سعيد عند البخاري وفيه «أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد، فأرسل إليه النبي ﷺ فجاء، فقال: قوموا إلى سيدكم ...» ووقع عند أحمد من حديث عائشة «قوموا إلى سيدكم فأنزلوه» .. والكلام في مسألة القيام للغير طويل وإنما ذكرت الخلاصة النافعة ..

стр. 52

ومن المسائل الملحقة بهذا الفصل المهم: التحايا التي تبذل للناس ويكرمون بها (عند البشر بعامّة) فمن أشهرها. ١ - الركوع. ٢ - السجود. ٣ - الركوع الناقص. ٤ - خلع القبعة التي على الرأس، أو وضع اليد على الجبهة. ٥ - مصافحة الداخل للجالسين في المجلس فأما الأول والثاني فمحرم بالنص والإجماع، والثالث محرم أيضاً وقد نصّ على هذا شيخ الإسلام ﵀-وهو من صنيع العجم، والرابع فيه تشبه بالكفرة، والخامس وهو مصافحة الداخل للجالسين فلا أصل له من فعل النبي ﷺ وأصحابه والسلف، والمشروع إلقاء السلام ثم الجلوس حيث ينتهي به المجلس، ومن قال إن هذا مشروع فعليه الدليل ولن يجد إلى ذلك سبيلاً وممن نصّ على هذه المسألة شيخنا ابن عثيمين (١) .. وقس ما لم أذكر من التحيات على ما ذكرت.

стр. 53

فَصْلٌ وَيَنْبَغِيْ لِلإِنْسَانِ أَنْ لَا يَدْخُلَ فِيْ سِرِّ قَوْمٍ ، وَلَا حَدِيْثٍ لَمْ يُدْخِلُوْهُ فِيْهِ. وَلَا يَجُوْزُ الاسْتِمَاعُ إِلَى كَلَامِ قَوْمٍ يَتَشَاوَرُوْنَ. وَمَنْ تَلَفَّتَ فِيْ حَدِيثِهِ فَهُوَ كَالمُسْتَوْدِعِ لِحَدِيْثِهِ، يَجِبُ حِفْظُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ تَلَفُّتَهُ يُعْطِيْ التَّفَلُّتَ وَالتَّفَزُّعَ. قوله: (فصل: وينبغي ..... ولا حديث لم يُدخلوه فيه). السر إنما يعرف كونه سراً إما بالقول أو بالفعل أو بالقرينة. فأما بالقول كأن يصرح ويقول لجلسائه: "سأستودعكم سراً" أو "أقول لكم قولاً لا تفشوه" ونحو ذلك, أو بالفعل كأن يجمع أناساً حوله ويغلق الباب, أو يتلفت في أثناء الكلام, أو بالقرينة كأن تدل القرينه على أن الإنسان إذا أخذ زيداً معه إلى غرفة خاصة أنه يريد أن يستودعه سراً, وما أشبه ذلك.

стр. 54

وفي هذا الباب مسائل: أولاً: روى البخاري في صحيحه في باب حفظ السر في كتاب الأدب عن المعتمر بن سليمان بن طرخان عن أبيه عن أنس ﵁، قال: أَسَرَّ إلي النبي ﷺ سراً فما أخبرت به أحداً بعده, ولقد سألتني أم سليم فما أخبرتها به, وهذا كله من شدة حفظ أنس ﵁ لسر رسول الله ﷺ , وفي رواية لثابت البناني وكان من تلاميذ أنس ﵁ وكان أنس ﵁ يحبه واسمه ثابت بن أسلم البناني, وكان رجلاً صالحاً, قال: لو حدثت به أحداً لحدثتك به يا ثابت. وقوله (ولا يجوز الاستماع إلى كلام قومٍ يتشاورون) هذا كذلك من الآداب المتعلقة بحفظ السر, وإنما تشاوروا وانحازوا رغبةً في عدم اطلاع غيرهم على هذا الكلام, وحينئذٍ يكون الاستماع إلى هذا الحديث من المحرمات، والاستماع المراد به طلب السمع, فلا يجوز للإنسان أن يطلب سماع كلام قوم انحازوا عنه, وفي حديث أيوب السختياني عن عكرمة عن ابن عباس ﵂: أن النبي ﷺ ، قال: «من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنه الآنك يوم

стр. 55

القيامة» رواه البخاري (١) في كتاب التعبير, فهذه عقوبة من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون, ويعرف كونهم كارهين بالقرائن أيضاً, أو بالقول, أو بالفعل، فإذا انحاز أناس يتشاورون وتركوا غيرهم, فإنه لا يجوز أن يستمع لهم الإنسان, وأن يطلب هذا السر الذي بينهم, وإذا فعل فإنه متوعد بهذه العقوبة التي تختص بهذه الآلة والجارحة, لأن هذه الآلة وهي الأذن هي التي عصت, والآنك هو الرصاص المذاب, ويختص الرصاص من بين المعادن بأنه ثقيل, ومؤذي, وهذا يدل على أن الاستماع إلى حديث الآخرين من الكبائر إذا كانوا يكرهون ذلك. وحد الكبيرة: هي كل ذنب ختم بلعنة, أو غضب, أو نار, أو كان فيه حد في الدنيا, أو وعيد في الآخرة. وتعريف آخر للكبيرة: وهي ما كان فيها عقوبة خاصة.

стр. 56

والعبد قد يعذب على المعصية, وقد يختص العضو الذي عصى بالعذاب, كما قال النبي ﵊: «ما جاوز الكعبين من الإزار ففي النار» (١) فهذه البقعة التي عصت تعذب يوم القيامة. قال المؤلف: (ومن تلفت في حديثه فهو كالمستودع لحديثه) يعني استودع غيره حديثه هذا بألا يفشيه, وقد انتزع المؤلف هذا من حديث رواه أبو داود والترمذي وغيره من حديث ابن أبي ذئب محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة عن عبد الرحمن بن عطاء عن عبد الملك بن جابر بن عتيك عن جابر بن عبد الله ﵄: أن النبي ﷺ ، قال: «إذا حدث الرجل بحديث ثم التفت فهي أمانة» (٢) وفي عبد الرحمن بن عطاء كلام يسير، والأقرب أنه حسن الحديث، وجاء له شاهد عند أبي يعلى الموصلي من حديث أنس (٣) ﵁ , ولكن في

стр. 57

إسناده جبارة بن مغلس, وهو واهي الحديث, فالعمدة على اللفظ الأول مع المعنى, حتى لو لم يجيء في الباب حديث فيكفي أنه يريد استيداع هذا السر عند هذا الشخص, فإذا التفت يميناً وشمالاً كأنه يقول: أنا سأتكلم ولا أريد أحداً أن يسمع هذا الحديث, فحينئذٍ لا يجوز للسامع أن يفشيه, وهذا المتن مستقيم, وقد رواه عنه محمد بن عبد الرحمن المغيرة - وهو ابن أبي ذئب - وهو قرين مالك في العلم, وكان يفوق مالك في الإنكار, ووقف عليه بعض الخلفاء ومعه حرسي في مسجد في المدينة, فقال الحرسي لابن أبي ذئب: قم للخليفة, فالتفت إلى الحرسي والخليفة فقال: إنما يقوم الناس لرب العالمين, فقال الخليفة: دعه فو الله لقد وقفت كل شعرة في رأسي, وكان ولاتهم في ذلك الوقت فيهم بقية خير , وأيضا عندهم شيء من صبابة علم وفهم. وقوله (يجب حفظه عليه؛ لأن تلفته يعطي التلفت والتفزع) ومن المسائل المهمة في السر: أولاً: يجب حفظ السر ويحرم البوح به. واتفق أهل العلم على أنه إن كان في إفشائه مضرة على صاحب السر أنه لا يجوز إفشاؤه، واختلفوا متى ينقطع النهي عن البوح به:

стр. 58

فقال بعضهم: ينقطع بموت صاحب السر، والصحيح في هذا التفصيل: فإذا كان السر متعلقاً بكرامة للميت, أو تزكية له، فالأشبه أنه يجوز إفشاؤه؛ لأنه لا مضرة فيه, وسواءً كره صاحب السر هذا الإفشاء أو لم يكره؛ لأنه كان يخشى أن يتحدث به في حياته فيفتتن به صاحب السر, فلما مات أمن هذا الشيء، ومن هذا عامة ما ينقل من الثناء على الصالحين من قصصهم وأخبارهم، فقد تحدث بها بعد موتهم، وكان أصحابها يكرهون نشرها في حياتهم. وأما ما يكره مطلقاً وقد يحرم, وهو الذي عليه فيه ضرر أو غضاضة. وهناك قسم ثالث من الأسرار: فهو الذي يجب إفشاؤه بعد الموت؛ كما لو أباح بحق عليه كان يعذر بترك القيام به في حياته, فزالت المفسدة بموته, حتى يقوم بهذا الحق غيره. وقد تمسك بعضهم بالإخبار بالسر بعد الموت بأن عمر ﵁ استفهم حذيفة عن أسماء المنافقين, ثم قال لحذيفة: أسألك بالله هل عدني النبي ﷺ منهم؟ فلما ألح عمر على حذيفة, قال حذيفة ﵁: لا, ولا أزكي

стр. 59

أحداً بعدك. أخرجه وكيع في الزهد عن إسماعيل بن أبي خالد، عن زيد بن وهب عن حذيفة وهذا إسناد صحيح. (١) وهذا ليس فيه إفشاء لسر النبي ﵊؛ لأنه لم يعدد المنافقين بأسمائهم, إنما قال: أنت لست منهم, فالسر لازال محفوظاً, وغاية ما فيه أنه أخبر أن عمر ليس منهم. والسر عند كثير من الناس الآن لا قيمة له, لأنك قد تذكر هذا الكلام وتصرح به بأنه سر, ثم تفاجأ بالغد أن هذا على ألسنة الناس!! ولهذا ينبغي أن ينظر الإنسان إذا أراد أن يستودع سراً أن يستودعه إلى شخص ذي دين ومروءة وعقل, والحاجة داعية إلى الاستسرار، وقد ذكروا في ضابط السُّكْر الذي يُحَدُّ صاحبه, كما قال الشافعي وغيره: (٢) إذا أباح بسره المكتوم واختل كلامه المنظوم, فهذا يدل على أن إفشاء السر مما يذم عليه غاية الذم ... حتى صار صفة للسكارى به يشنئون.

стр. 60

وقد يتحدث أحد الناس في مجلس, عن بعض المسائل المهمة, أو عن رأيه في مجلس خاص في بعض القضايا, ثم يقول: "اكتموا علينا" أو "المجالس بالأمانة", ثم يفاجأ بعد ذلك أن هذا الحديث منتشر فاش وهذا كله من الخيانة.

стр. 61

فَصْلٌ وَيُكْرَهُ الخُيَلَاءُ وَالزَّهْوُ فِيْ المَشْيِ ، وَإِنَّمَا يَمْشِيْ قَصْدًا؛ فَإِنَّ الخُيَلَاءَ مِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللهُ تَعَالَى؛ إِلَّا بَيْنَ الصَّفَّيْنِ. قوله: (فصل ويكره الخيلاء ..... الصفين). الصواب أنه تحرم الخيلاء ويحرم الزُّهُو، لأنه من مظاهر الكبر, والكبر محرم بالنص والإجماع, وقد تُوعّد عليه بالنار والحرمان من الجنة, نسأل الله العافية وفي صحيح مسلم من حديث ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنةً. قال: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس» (١) وبطر الحق: أي: دفعه ورفضه وعدم قبوله. وغمط الناس: هو ازدراؤهم واحتقارهم. والأصل أن الكبر في القلب, وهو من الفواحش الباطنة، وفُسِّر به قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ (٢) وفُسر به

стр. 62

أيضاً قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (١) ومن الفواحش الباطنة: الكبر. وهذا الكبر له علامات خارجية, وهو محرم وإن لم يظهر على صاحبه أي علامة, ولكن قد يظهر له علامات خارجية, فمنها ما نص عليه النبي ﷺ ، من قوله: «بطر الحق، وغمط الناس» فمن صور الكبر دفع الحق, ورفضه, وعدم قبوله, والالتفاف عليه, وتأويله, وازدراء الناس, واحتقارهم. ومن صور الكبر المشي بخيلاء وزهو. ومن صوره الإسبال, كما قال ﷺ : «وإياك وإسبالَ الإزار فإن إسبالَ الإزار من المَخِيلَة» (٢)

стр. 63

وأصل الخيلاء في الإسبال, لكنه قد يكون مقصوداً من المسبل فيكون حينئذٍ من الكبائر المغلظات, وإن كان مطلق الإسبال محرماً فهو كبيرة, لحديث أبي سعيد, وصح عنه، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ينظر الله يوم القيامة إلى من يجر ثوبه خيلاء» (١) ومن صور الخيلاء تصعير الخد, وقد أوصى لقمان - الرجل الصالح وهو ليس بنبي- ابنه قائلاً: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ (٢) وتصعير الخد أن الإنسان يميل بوجهه عن الناس, فيحدث الناس إن احتاجوا إلى حديثه وهو مائل عنهم, أو حين استماعه لهم، أو يمشي بين الناس وقد انحرف وجهه عنهم, وقد نبه النبي ﷺ على أدب الحديث، فقال: «لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق» (٣)

стр. 64

فيكون الوجه قبالة الوجه, فإذا انحرف الوجه عن هذا دل ذلك على تصعير الخد المحرم, وقد يُحتاج للتصعير إذا اقترن بهجر, وهذا جائز وهذا نوع من الجفوة, والجفوة قد يحتاج إليها في التأديب, ولكننا هنا نتحدث عن تصعير الخد على الوجه المحرم, والأصل أنه مذموم, فإن اقترن بالكبر صار من الكبائر. قوله: (وإنما يمشي قصداً) هذا الكلام يعالج طريقة المشي, أما مشي النبي ﷺ , فإنه كان يمشي قصداً, وكان إذا مشى كأنما يتقلع, وكأنما ينحط من صبب, ولا يمشي الهوينى, ولا يتبختر, ولا يعجل عجلة تنبئ عن خفة وطيش, وإنما يمشي مشية معتدلة, كأنما يقصد إلى حاجة, وهذا أعدل المشي وهي مشية النبي ﷺ . فائدة: بالنسبة لمشية الصحابة إلى المسجد, ففي الباب أثر زيد بن ثابت الذي رواه الطبراني بإسناد صحيح: أنه كان يمشي مع بعض أصحابه,

стр. 65

فكان يقصّر الخطى, فقيل له في ذلك، فقال: من أجل أن تكثر عدد خطاي في طلب الصلاة. (١) وجاء هذا مرفوعاً إلى النبي ﷺ ولا يصح, إنما هو موقوف على زيد بن ثابت, وجاء نحوه عن ابن مسعود ﵁، أنه قال: كنا إذا قصدنا إلى المسجد قصّرنا الخطى. (٢) ولكن في إسناده إبراهيم بن مهدي الهجري, وعلى كل حال فهذا لا أعلمه من سنة النبي ﷺ , ولكن إن قصرها أحياناً في الذهاب للمسجد, فهذا لا بأس به, وهذا لا ينافي كونه يمشي قصداً.

стр. 66

قال المؤلف: (فإن الخيلاء مشية يبغضها الله تعالى إلا بين الصفين) في هذا حديث محمد بن إبراهيم التيمي, عن ابن جابر عن أبيه: أن النبي ﷺ ، قال: «من الخيلاء ما يحبه الله، ومنه ما يبغضه الله, -فذكر ما يحب الله-: اختيال الرجل بنفسه عند القتال, وعند الصدقة» (١) يعني أن الأصل في مشي الرجل خيلاء أنه محرم, ومن الكبائر, ويستثنى من ذلك القتال, وقال أهل العلم في صفته عند القتال: أن يمشي بين الصفين, ويتبختر, ويتقدم بنشاط, وهذا فيه إظهار عدم المبالاة بالعدو, فيقع الخوف والرهبة في قلوب الأعداء, قالوا: وعند الصدقة أن يعطي هذه الصدقة بطيب نفس وسخاء وكأنها لا تهمه. وروي أيضاً أن أبا دجانة "سماك بن خرشة" ﵁ كان يمشي بين الصفوف يتبختر, فنظر إليه النبي ﷺ ، فقال: «إن هذه مشية يبغضها الله تعالى, إلا في هذا الموطن» (٢)

стр. 67

فَصْلٌ وَمِنْ مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ التَّغَافُلُ عَنْ ظُهُوْرِ مَسَاوِئ النَّاسِ، وَمَا يَبْدُو فِيْ غَفَلَاتِهِمْ، مِنْ كَشْفِ عَوْرَةٍ، أَوْ خُرُوْجِ رِيْحٍ لَهَا صَوْتٌ، أَوْ رِيْحٍ. وَمَن سَمِعَ ذَلِكَ فَأَظْهَرَ الطَّرَشَ أَوِ النَّوْمَ أَوِ الغَفْلَةَ لِيُزِيْلَ خَجَلَ الفَاعِلِ، كَانَ ذَلِكَ مِنْ مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ. وهذا الفصل يعالج الأخطاء التي تقع في المجلس من غير قصد, فمعلوم أن اجتماع الناس في المجالس على اختلاف أنواع الاجتماعات, في علم أو في حديث أو سمر أو مؤانسة أو ما أشبه ذلك, قد يقع فيه من العوارض التي قد يستحيا منها, فمن ذلك ما قال المؤلف: (من مكارم الأخلاق التغافل عن ظهور مساوئ الناس وما يبدو في غفلاتهم من كشف عورةٍ أو خروج ريحٍ لها صوت). قال: (من سمع ذلك فأظهر الطرش) والطرش: هو ثقل السمع لا انعدامه, ولما فاضل ابن القيم بين البصر والسمع, قال: والسمع أفضل من البصر، ولهذا كان في الصحابة من هو أعمى, ولم يكن فيهم من هو أطرش, قاله في مفتاح دار السعادة. (١)

стр. 68

وقالوا: وإن كان إدراك البصر أتم, لكن إدراك السمع أكمل وأشرف, فبه يعرف كلام الله , وكلام رسول الله ﷺ , ومكارم الأخلاق, وقال ابن القيم أيضاً: وترى الشخص الذي لا يسمع وهو يبصر في وادٍ, والناس في وادٍ آخر. والأصل فيما ذكر المؤلف: ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن زمعة - وعبد الله بن زمعة صحابي مقل له أحاديث قليلة جداً -: أن الرسول ﷺ وعظ الصحابة بعدما اجتمع معهم في يوم من الأيام, وقال: «علام يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم لعله يضاجعها آخر اليوم» ثم وعظهم في ضحكهم من الضرطة، وقال: «لم يضحك أحدكم مما يفعل» (١)؟ وقيل أنهم كانوا في الجاهلية إذا أحدث أحدهم بصوت في المجلس, يضحك بعضهم على بعض, فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك, فصار في الضحك من الضرطة مشابهةً لكفرة الجاهلية الأولى, وأما الكفرة المعاصرون فأظنهم لا يبالون بهذا.

стр. 69

فإذا حصل للإنسان في المجلس مثل هذا, أو انكشاف عورة, أو شرق في مشروب, أو غصّ بمطعوم, أو خرج من أنفه شيء, أو سكب طعاماً, أو عثر فسقط, أو سقط منه شيء, أو ظهر منه ما يكره, فإنه ينبغي التغافل عن ذلك, وعدم الضحك, والاشتغال بأمر آخر حتى يكون فيه إذهاب الخجل واللوم عن هذا الشخص, وهذا من مكارم الأخلاق, ومن صفات كبار النفوس, وقد سمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: إذا حصل هذا في المجلس (الضرطة) , فينبغي عدم المبالاة بهذا الشيء, وإظهار التغافل, حتى لا يحرج صاحب الشأن. ا. هـ واللجاجة والتنقيب في هذا من العسر والنكد في الأخلاق. ومن اللطائف في هذا ما وقع في ترجمة هشام بن عمّار كما في سير أعلام النبلاء (١١/ ٤٢٧) قال خيثمة: سمعت محمد بن عوف يقول: أتينا هشام بن عمّار في مزرعة له، وهو قاعد على مورج له، وقد انكشفت سوأته، فقلنا يا شيخ غَطِّ عليك، فقال: رأيتموه؟! لن ترمد أعينكم أبداً، يعني: يمزح.

стр. 70

فَصْلٌ وَعَشَرَةٌ مِنَ الفِطْرَةِ ، خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ وَخَمْسٌ فِي الجَسَدِ. فَالَّتِيْ فِيْ الرَّأْسِ: الْمَضْمَضَةُ، وَالاسْتِنْشَاقُ، وَالسِّوَاكُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ. وَالَّتِيْ فِيْ الجَسَدِ: حَلْقُ العَاْنَةِ، وَنَتْفُ الإِبِطَيْنِ، وَتَقْلِيْمُ الأَظْفَاْرِ، وَالاسْتِنْجَاءُ وَالخِتَانُ. ــ قوله: (فصل: وعشر من الفطرة .......... والختان.) لقد ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - هذا الباب هنا, ومحله في كتاب الطهارة, وهو يتعلق بآداب الجسد, ولاشك أن الآداب الجسدية, ومظهر الشخص, وريحه, ونظافة ثيابه, من الآداب العظيمة جداً. قوله: (وعشر من الفطرة) المؤلف هنا يريد الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه, من حديث مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيب العنزي عن عبد الله بن الزبير عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «عشر من الفطرة ....» (١)

стр. 71

ثم سردها النبي ﷺ , على أن هذا الحديث تُكُلِّم فيه من أجل مصعب بن شيبة, لأن مصعب بن شيبة ضعيف عند الجمهور, لكن مسلماً انتقى من حديثه ما علم أنه قد حفظه كعادته في الانتقاء, وأما البخاري ﵀ فقد أعرض عن هذا الحديث رأساً, واتفق هو ومسلم على حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «الفطرة خمس: الاختتان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط» (١) قول المؤلف: (فالتي في الرأس: المضمضة, والاستنشاق, والسواك, وقص الشارب, وإعفاء اللحية) فالمضمضة والاستنشاق من أفعال الوضوء, ومحلها عند غسل الوجه, وقد بينتها السنة, وهي واجبة في الوضوء والغسل من الجنابة، على الصحيح. والمراد بالمضمضة وضع الماء في الفم وتحريكه, والصحيح أن مجَّ الماء من الفم غير واجب, فيجوز له أن يبتلعه.

стр. 72

والاستنشاق هو جذب الماء بالمنخرين, والاستنثار واجب؛ لأنه قد جاء فيه أمر, في قوله ﷺ : «استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثاً» (١) ولأن فائدة الاستنشاق هي نثر الماء من الأنف, فإذا وجب الاستنثار علم وجوب الاستنشاق ضرورة , والاستنثار يجب عند القيام من النوم, لقوله ﷺ : «إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاثاً فإن الشيطان يبيت على خيشومه» (٢) وهذا الاستنثار واجب سواءً كان الإنسان مريداً للوضوء أم لا, فإن توضأ وجب تثليث الاستنشاق والاستنثار, ولم يجئ مثل هذا في المضمضة عند القيام من النوم. قوله: (والسواك) السواك يطلق على عود الأراك, وكل ما يحصل به المقصود, وفيه مسائل كثيرة جداً, حتى أنه أُلِّفت فيه مؤلفات في أحكامه, وهو في الأصل سنة مؤكدة عن النبي ﷺ , وقد روى البخاري في صحيحه: أن النبي ﷺ ، قال: «أكثرت عليكم في السواك» (٣) وهو متأكد في عدّة مواضع,

стр. 73

عند الوضوء, والصلاة, ودخول المنزل؛ كما روى ذلك مسلم في صحيحه من حديث الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ قُلْتُ بِأَىِّ شَىْءٍ كَانَ يَبْدَأُ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ قَالَتْ بِالسِّوَاكِ. (١) وفيه من الفوائد أن التسوك عند دخول المنزل مع كونه امتثالا لسنة النبي ﷺ ففيه أيضاً تطهير فم الإنسان لعشرة أهله. واختلف فيه هل يكون باليمين أو بالشمال, ففي حديث عائشة ﵂ في الصحيحين، قالت: «كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وفي طهوره وفي شأنه كله» (٢) وزاد أبو داود: «وسواكه» (٣) لكن هذه الزيادة انفرد بها مسلم بن إبراهيم الفراهيدي, ومسلم لا بأس به, فهو ثقة من رجال الستة, لكنه خالف هنا شعبة بن الحجاج, فالزيادة هذه شاذة, وعلى القول بالتيمن عند التسوك اختُلف في صفة ذلك , فمنهم من قال: التيمن بالسواك أن يستاك باليد اليمنى, وهذا قال به قلة من أهل العلم, حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - بالفتاوى بالمجلد الحادي والعشرين: اتفقوا على أنه بالشمال، ولم يخالف فيه

стр. 74

أحد من الأئمة, مع أن جدّه أبا البركات يرى أنه باليمين, فلا أدري أنسي أم أنه لم يعدّ جدّه من الأئمة؟!! (١) ومنهم من قال: يستاك بالشمال, وهو مذهب الأكثر وهو اختيار شيخنا ابن باز - رحمه الله تعالى - ويقولون: التيمن فيه أن يبدأ بشق الفم الأيمن, ومنهم من فصَّل، فقال: إن كان يستاك لمجرد فعل السنة فباليمين, وإن كان لإزالة الأذى فبالشمال, وهذا التفصيل ليس ببعيد. وجمع السواك: سُوُك, وليس مساويك, مثل كتاب يجمع على كُتُب, ويجوز سُوك, على التخفيف وهذا عند الضرورة, ويقال للعود: سواك ومسواك. قوله: (وقص الشارب) علمنا من كلام المؤلف هنا أن المشروع القص لا الحلق, وقد اختلف أهل العلم في السنة في الشارب هل يحلق أم يُقص؟ فذهب بعض أهل العلم إلى أن الحلق أفضل, واحتجوا ببعض ألفاظ الحديث: أن النبي ﷺ أمر بإحفاء الشارب, والإحفاء هو المبالغة في الأخذ, ومنه قوله: "حتى أحفوه بالمسألة" , أي بالغوا فيه وآذوه, واحتجوا

стр. 75

أيضاً بفعل جماعة من الصحابة؛ كابن عمر وأبي رافع وغيرهم, أنهم كانوا يحفون شواربهم إحفاءً شديداً, وهذا مشهور مذهب الأحناف. وقال بعضهم: بل السنة القص, وهذا مذهب الأكثر, بل ذهب مالك ﵀ إلى أن حلق الشارب بدعة, وقال: أرى أن يُضرب فيها الفاعل. وقال: إنها بدعة ظهرت في الناس. والصحيح أن السنة القص, وأما الحلق فمباح, لكنه خلاف الأولى, وله وجهة وسلف, ومن الأدلة على سنية القص حديث زيد بن أرقم ﵁ الذي رواه النسائي وغيره بإسناد صحيح: أنه ﷺ قال: «من لم يأخذ من شاربه فليس منا» (١) و «من» هنا للتبعيض. ومن الأدلة أيضاً أن المغيرة ﵁، قال: "أتيت النبي ﷺ وكان شاربي قد وفى فقصّه لي على سواك. (٢) وإسناده لا بأس به.
следующие страницы →