وقال محمد بن نصر المروزي: المؤمل إذا انفرد بحديث وجب أن يُتوقف، ويُتَثَبَّت فيه؛ لأنه كان سيء الحفظ كثير الغلط.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ، مات يوم الأحد لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة ست ومائتين. وهكذا أرّخه البخاري عن ابن أبي بَزّة. قال البخاري: أما ابنه فقال: نحن من صَلِيبة كنانة، قال: وحدّثني من أثق به أنه مولى لبني بكر.
أخرج له البخاري في التعاليق، وأبو داود في "القدر"، والترمذيّ، والنسائيّ، والمصنّف.
وله عنده في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٩٧) و (٢٠١٣) و (٢٠١٧) و (٢٩١٩).
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة المشهور [٧] ٥/ ٤١.
٤ - (عبد الملك بن عمير) بن سُويد بن حارثة القرشيّ، ويقال: اللَّخْميّ، أبو عمرو، ويقال: أبو عمر الكوفيّ المعروف بالقِبْطيّ، حليف بني عَدِيّ، ويقال له: الْفَرَسيّ -بفتح الفاء والراء، ثم مهملة- نسبة إلى فَرَس له سابق، كان يقال له: الْقِبطيّ -بكسر القاف، وسكون الموحّدة- وربّما قيل ذلك أيضًا لعبد الملك، ثقة فقيه، تغيّر حفظه، وربّما دلّس [٣].
رأي عليا وأبا موسى، وروى عن الأشعث بن قيس، وجابر بن سمرة، وجندب ابن عبد الله البجلي، وجرير، وعبد الله بن الزبير، والمغيرة بن شعبة، وغيرهم.
وروى عنه ابنه موسى، وشهر بن حوشب، والأعمش، وسليمان التيمي، وزائدة، ومسعر، والثوري، وشعبة، وسفيان بن عيينة، وغيرهم.
قال البخاري، عن علي بن المديني: له نحو مائتي حديث. وقال علي بن الحسن الهسِنْجَاني، عن أحمد: عبدُ الملك مضطرب الحديث جدًّا مع قلة روايته، ما أرى له خمسمائة حديث، وقد غَلِط في كثير منها. وقال إسحاق بن منصور: ضعفه أحمد جدًّا. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: سماك أصلح حديثًا منه، وذلك أن عبد الملك يَختَلِف عليه
стр. 1192
الحفاظ. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: مُخَلِّط.
وقال العجلي: يقال له: ابن الْقِبْطية، كان على الكوفة، وهو صالح الحديث، روى أكثر من مائة حديث، تغير حفظه قبل موته. وقال ابن أبي حاتم: ثنا صالح بن أحمد، ثنا علي بن المديني، سمعت ابن مهدي يقول: كان الثوري يَعْجَب من حفظ عبد الملك.
قال صالح: فقلت لأبي: هو عبد الملك بن عُمير؟ قال: نعم. قال ابن أبي حاتم، فذكرت ذلك لأبي، فقال: هذا وَهَمٌ، إنما هو عبد الملك بن أبي سليمان، وعبد الملك بن عُمير لم يوصف بالحفظ.
وقال البخاري: سُمِع عبد الملك بن عُمير يقول: إني لأحدث بالحديث فما أترك منه حرفًا، وكان من أفصح الناس. ورواه الميموني عن أحمد، عن ابن عيينة، عن عبد الملك بن عمير مثله. وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا إسحاق الهمداني يقول: خذوا العلم من عبد الملك بن عمير. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن نمير: كان ثقةً ثبتًا في الحديث.
وقال ابن الْبَرْقِيِّ عن ابن معين: ثقة إلا أنه أخطأ في حديث أو حديثين. وقال بكر ابن المختار عن عبد الملك: صَعِدَ بي أبي إلى المنبر إلى عليّ، فمسح رأسي. وحَكَى ابن أبي خيثمة عن ابن مُرْدَانَبَه: كان الفصحاء بالكوفة أربعة: عبد الملك بن عمير، وذكر الباقين. وقال ابن عيينة: قال رجل لعبد الملك: أين عبد الملك بن عمير القبطي؟ فقال: أما عبد الملك فأنا، وأما القبطي ففرس لنا سابق. وروى عن أبي بكر بن عياش قال: سمعت عبد الملك يقول: هذه السنةُ تُوَفِّي لي مائة وثلاث سنين.
وقال أبو بكر بن أبي الأسود: مات سنة ست وثلاثين ومائة أو نحوها، زاد غيره: في ذي الحجة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: وُلد لثلاث سنين بقين من خلافة عثمان، ومات سنة ست وثلاثين ومائة، وله يومئذ مائة وثلاث سنين، وكان مُدَلِّسًا، وكذا ذَكَرَ مولده ووفاته ابنُ سعد.
стр. 1193
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢١) حديثًا.
[تنبيه]: اختُلِف في ضبط "القرشي"، فقيل: بالقاف والمعجمة، نسبة إلى قريش، ويدل عليه قول ابن سعد: إنه حليف بني عدي بن كعب، وعليه مشى المزّيّ حيث قال: "القرشي، ويقال: اللَّخْمِيّ"، وأما أبو حاتم، ويعقوب بن سفيان، وغير واحد، فضبطوه بالفاء والمهملة؛ لنسبته إلى فرسه، حتى خطأ ابن الأثير من قال غير ذلك، والصواب أنه يجوز في نسبته الأمران؛ لما أسلفناه. والله أعلم (١).
٥ - (مولى ربعي بن حراش) اسمه هلال، مقبول [٦].
روى عن مولاه هذا الحديث فقط، وروى عنه عبد الملك بن عمير، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، تفرّد به الترمذيّ، والمصنّف، وله هذا الحديث فقط.
٦ - (ربعيّ بن حِرَاش) أبو مريم الْعَبْسيّ الكوفيّ، ثقة عابدٌ مخضرم [٢] تقدّم في ٤/ ٣١.
٧ - (حذيفة بن اليمان) حِسْل، أو حُسيل الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، تقدّم في ٧/ ٤٩، والباقيان تقدّما قريبًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمانِ) ﵄، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنِّي لَا أَدْرِي مَا قَدْرُ بَقَائِي فِيكُمْ) "ما" استفهاميّة: معناه: لا أدري كم مُدّة بقائي فيكم، أقليلٌ أم كثير؟، والجملة في محل نصب مفعول "أدري" معلّق عنها العامل. (فَاقْتَدوا بِاللَّذَيْنِ) بلامين؛ للإشعار بأنه تثنية "الذي"، وفيه تنبيه على خلافتهما بعده ﷺ (مِنْ بَعْدِي) أي بعد موتي (وَأَشَارَ) بقوله: "اللذين" (إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما. وزاد في رواية لأحمد، والترمذيّ: "واهتدوا بهدي عمّار، وما حدّثكم ابن مسعود، فصدّقوه".
قال الطحاويّ ﵀ في "شرح مشكل الآثار" بعد أن أخرج الحديث: ما نصّه:
стр. 1194
فتأمّلنا هذا الحديث، فكان فيه مما أمر به رسول الله ﷺ الناس بالاقتداء بأبي بكر وعمر، معناه عندنا -والله أعلم- أن يمتثلوا ما هما عليه، وأن يحذوا حذوهما فيما يكون منهما في أمر الدين، وأن لا يخرجوا عنه إلى غيره، ثم تأمّلنا ما أمرهم به من الاهتداء بهدي عمّار، فوجدنا الاهتداء هو التقرّب إلى الله بالأعمال الصالحة، وكان عمّار من أهلها، فأمرهم أن يهتدوا بما هو عليه منها، وأن يكونوا فيها كهو فيها، وليس ذلك بمخرج لغيره من أصحاب رسول الله ﷺ عن تلك المنزلة؛ لأن القصد بمثل هذا إلى الواحد من أهله لا ينفي بقيّة أهله أن يكونوا فيه، كما يقول الرجل: موضع فلان من العبادة الموضع الذي ينبغي أن يُتَمَسّك به، وليس في ذلك ما ينفي أن يكون هناك آخرون في العبادة مثله، أو فوقه، ممن يجب أن يكونوا في الاهتداء بهم في ذلك كالاهتداء به فيه. انتهى كلام الطحاويّ ﵀ (١) وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث حُذيفة بن اليمان ﵄ هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده مولى رِبْعيّ بن حِرَاش، وقال في "التقريب": مقبول؟.
[قلت]: لم ينفرد به مولى رِبْعيّ، بل تابعه في روايته عن رِبْعِيّ عمرو بن هَرِم، وهو ثقة من رجال مسلم، وعبد الملك بن عُمير، وهو من رجال الجماعة، وحماد بن دُلَيل، وقد وثّقه ابن معين، وابن عمار، وأبو حاتم، وغيرهم.
فأما رواية عمرو بن هَرِم، فقد أخرجها الترمذيّ (٣٦٦٣)، وابن سعد ٢/ ٣٣٤ وابن حبّان في "صحيحه" (٦٩٠٢). وأما رواية عبد الملك، فقد أخرجها الحميديّ في
стр. 1195
"مسنده" (٤٤٩)، وأحمد في "مسنده" ٥/ ٣٨٢ والترمذيّ في "جامعه" (٣٦٦٢).
ولفظه: عن حذيفة قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ ، فقال: "إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم، فاقتدوا باللذين من بعدي، وأشار إلى أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه". قال الترمذيّ: هذا حديث حسن.
وأما رواية حماد بن دُليل، فأخرجها ابن عديّ في "الكامل" ٢/ ٦٦٦.
والحاصل أن الحديث صحيح؛ لما ذُكر. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) بهذا الإسناد هنا (١١/ ٩٧) فقط، وأخرجه (الترمذيّ) في "المناقب" (٣٦٦٢) و (٣٣٦٣) و (٣٧٩٩) و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٨٥ و ٤٠٢)، وقد سبق بقية التخريج في المسألة الماضية، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (١):
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل أبي بكر الصدّيق ﵁.
٢ - (ومنها): بيان فضل عمر بن الخطاب ﵁ أيضًا.
٣ - (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة حيث أشار النبيّ ﷺ إلى أنهما سيليان الخلافة بعده ﷺ ، فحثّ الناس على الاقتداء بهما.
٤ - (ومنها): أن فيه فضل الصحابيين: عمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود ﵄، وأنهما في المنزلة الرفيعة التي ينبغي للناس أن يأخذوا عنهما سنن رسول الله ﷺ الفعليّة، والقوليّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 1196
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٩٨ - (حدَّثنا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ آدَمَ، حدثنا ابْنُ المبَارَكِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لمَّا وُضِعَ عُمَرُ عَلَى سَرِيرِه، اكْتَنَفَهُ النَّاسُ يَدْعُونَ وَيُصَلُّونَ، أَوْ قَالَ: يُثْنُونَ وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ، وأَنا فِيهِمْ، فَلَمْ يَرُعْني إِلَّا رَجُلٌ قَدْ زَحَمَني، وَأَخَذَ بِمَنْكِبِي، فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا عَليُّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ، ثُمَّ قَالَ: مَا خَلَّفْتُ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيّ أَنْ أَلْقَى الله بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ، وَايْمُ الله إِنْ كنْتُ لَأَظُنُّ لَيَجْعَلَنَّكَ الله مَعَ صَاحِبَيْكَ، وذَلِكَ أني كنْتُ أُكثِرُ أَنْ أَسْمَعَ رَسُولَ اَلله ﷺ يَقُولُ: "ذَهَبْتُ أَنا وَأبو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَدَخَلْتُ أنا وَأبو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَخَرَجْتُ أَنا وأبوَ بَكْرٍ وَعُمَرُ"، فَكُنْتُ أَظُنُّ لَيَجْعَلَنَّكَ الله مَعَ صَاحِبَيْكَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَليُّ بْنُ مُحَمدٍ) الطنافسي الكوفيّ، ثقة عابد [١٠] تقدّم في ٩/ ٥٧.
٢ - (يَحْيىَ بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ، مولى آل أبي معيط، أبو زكريّا الكوفيّ، ثقة حافظ فاضلٌ، من كبار [٩].
روى عن عيسى بن طَهْمان، وفِطْر بن خليفة، وإسرائيل، والثوري، وجرير بن حازم، والحسن بن حي، وزهير بن معاوية، وابن المبارك، وغيرهم.
وروى عنه أحمد، وإسحاق، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، والحسن بن علي الخلال، وأبو كريب، وابنا أبي شيبة، ومحمد بن رافع، ومحمود بن غيلان، وعليّ بن محمد، وغيرهم.
قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وكذا قال النسائيّ. وقال الآجري: سئل أبو داود عن معاوية بن هشام ويحيى بن آدم، فقال: يحيى بن آدم وَاحِدُ الناس. وقال أبو حاتم: كان يتفقه، وهو ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة كثير الحديث، فقيه البدن، ولم يكن له سن متقدم، سمعت علي بن المديني يقول: يرحم الله تعالى يحيى بن آدم، أَيُّ
стр. 1197
علم كان عنده، وجعل يُطْريه. وقال أبو أسامة: ما رأيت يحيى بن آدم إلا ذَكَرتُ الشعبي. وقال ابن سعد: كان ثقة. وقال العجلي: كان ثقةً، جامعًا للعلم، عاقلًا ثبتًا في الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان متقنًا يتفقه.
وقال ابن سعد وغيره: مات في ربيع الأول سنة ثلاث ومائتين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثًا.
٣ - (ابنُ المبَارَكِ) هو: عبد الله الحجة الثبت الإمام المشهور [٨] تقدّم في ١/ ٤.
٤ - (عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) النوفليّ المكيّ، ثقة [٦].
روى عن ابن أبي مليكة، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وابنه عبد الرحمن بن القاسم بن محمد، وعطاء بن أبي رباح، وطاووس، وعمرو بن شعيب، وعبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن أبي سليمان بن جُبير بن مُطْعِم، ومحمد بن المنكدر، وجماعة.
وروى عنه الثوريّ، ووهب بن خالد، وابن المبارك، وعيسى بن يونس، ويحيى القطان، وأبو أحمد الزبيري، وبشر بن السَّرِيّ، ورَوح بن عبادة، وآخرون.
قال أحمد: مكي قرشي ثقة، من أمثل من يكتبون عنه. وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في "الثقات". ووثقه العجلي، وابن الْبَرْقِيّ، ومحمد بن مسعود بن الْعَجَميّ.
أخرج له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود في "المراسيل"، والترمذيّ، والنسائيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٩٨) و (٣١٠٧) و (٣٤٣٩) و (٣٩١١).
٥ - (ابْنُ أبي مُلَيْكَةَ) هو: عَبد الله بن عُبيد الله بن أبي مليكة زُهير بن عبد الله المكيّ، ثقة فيه [٣] ٧/ ٤٧.
٦ - (ابْنُ عبَّاسٍ) هو: عبد الله البحر الحبر ﵄، تقدّم في ٣/ ٢٧.
стр. 1198
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، من رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرّد به هو والنسائيّ في "مسند عليّ".
٣ - (ومنها): أن يحيى بن آدم، وعمر بن سعيد هذا أول محلّ ذكرهما من الكتاب، وجملة ما رواه المصنف ليحيى (٢٢) حديثًا، ولعمر أربعة أحاديث فقط، كما بيّنته آنفًا.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادة الأربعة، والمكثرين السبعة، ومن المشهورين بالفتوى، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ) عبد الله بن عبيد الله (ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) زهير بن عبد الله بن جُدْعان، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (يَقُولُ: لمَّا وُضِعَ) بالبناء للمفعول (عُمَرُ) بن الخطّاب ﵁ (عَلَى سَرِيرِهِ) أي بعد موته، وتجهيزه للدفن، والسرير هنا: النعش، وفي رواية للبخاريّ: "إني لواقف مع قوم، وقد وُضع عمر على سريره" (اكْتَنَفَهُ النَّاسُ) أي أحاطوا به من جميع جوانبه، والأكناف النواحي (يَدْعُونَ وَيُصَلُّونَ) جملة في محلّ نصب على الحال من "الناسُ".
قال السنديّ: معنى "يصلّون": يترحّمون عليه، ويحتمل على بعد صلاة الجنازة. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي استبعده السنديّ هو الظاهر عندي، فتأمّل. والله تعالى أعلم.
(أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: يُثْنُونَ) بضم أوله مضارع أثنى: إذا وصفه بخير أو شرّ، والمراد هنا بالخير، تقول: أثنيت عليه خيرًا وبخير، وأثنيت عليه شرّا وبشرّ: إذا
стр. 1199
وصفته به، وخصّه بعضهم بالخير فقط، فقال: لا يُستعمل إلا فيه، وقد ردّ عليه في "المصباح المنير"، فراجعه في مادّة "ثنى" (وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ) بالبناء للمفعول: أي قبل أن يرفع الناس جنازته للدفن (وَأنا فِيهِمْ) جملة في محل نصب على الحال (فَلَمْ يَرُعْني) بفتح أوله، وضم ثالثه من باب قال: أي لم يُفزعني، والمراد أنه رآه بغتةً (إِلَّا رَجُلٌ) بالرفع على الفاعليّة لـ "يرُعني" (قَدْ زَحَمَني) أي دفعني، يقال: زحمته زَحْمًا، من باب نَفَع: إذا دفعته، وزاحمته مُزاحمة، وزِحامًا، وأكثر ما يكون في مَضِيق، والزَّحمة مصدرٌ أيضًا، والهاء لتأنيثه. قاله الفيّوميّ (١). (وَأَخَذَ بِمَنْكِبِي) بفتح أوله، وكسر ثالثه، وزانُ مَجْلِس: مجُتَمَع رأس العضد والكتف؛ سمّي بذلك؛ لأنه يُعتمد عليه (٢). (فَالْتَفَتُّ) أي صرفت وجهي إلى ذات اليمين أو الشمال؛ لمعرفة ذلك الرجل (فَإِذَا) هي الفُجائيّة: أي ففاجأ التفاتي (عَليُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) أي وجوده ﵁، يعني أن ذلك الرجل الذي أثنى على عمر ﵁ هو عليّ ﵁ (فتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ) أي دعا له بأن يرحمه الله تعالى، وفي رواية للبخاريّ: فقال: يرحمك الله (ثُمَّ قَالَ) عليّ ﵁ (مَا) نافية (خَلَّفْتُ) بتشديد اللام: أي تركت (أَحَدًا أَحَبَّ إِليَّ) قال في "الفتح": يجوز نصبه ورفعه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا قال في "الفتح"، ولعل الرواية بالوجهين، وإلا فالظاهر أنه بالنصب؛ لأنه صفة لـ "أحدًا"، وأما الرفع فيؤدي إلى تقدير، أي يُقدّر خبرًا لمحذوف، أي هو، وعدم التقدير أولى من التقدير، فافهم.
قال الحافظ ﵀: وفي هذا الكلام أن عليّا ﵁ كان لا يعتقد أن لأحد عملًا في ذلك الوقت أفضل من عمل عمر ﵁، وقد أخرج ابن أبي شيبة، ومسدّد من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عليّ نحو هذا الكلام، وسنده صحيح (٣)، وهو شاهد جيّد
стр. 1200
لحديث ابن عبّاس؛ لكون مخرجه عن آل عليّ ﵃ انتهى (١).
(أَنْ) بفتح الهمزة مصدريّة، والمصدر المؤوّل فاعل "أحبّ" (أَلْقَى الله بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ) خطاب لعمر ﵁ (وَايْمُ الله) أي يمين الله، وهو مبتدأ خبره محذوف، أي قسمي، أو بالعكس.
[فائدة]: "أيم الله" مختصر من أَيْمُن الله، قال الجوهريّ: "أَيْمُن" اسم وُضع هكذا بضم الميم والنون، وألفه ألف وصل عند أكثر النحويين، ولم يجىء في الأسماء ألف وصل مفتوحة غيرها. قال: وربّما حذفوا منه النون، قالوا: أَيْمُ الله، وإِيمُ الله أيضًا بكسر الهمزة، وربما حذفوا منه الياء، فقالوا: أَمُ الله، وربّما أبقوا الميم وحدها مضمومة، فقالوا: مُ اللهِ، ثم يكسرونها؛ لأنها صارت حرفًا وَاحدًا، فيُشبّهونها بالباء، فيقولون: مِ اللهِ، وربما قالوا: مُنُ الله بضم الميم والنون، ومَنَ اللهِ بفتحهما، ومِنِ اللهِ بكسرهما. انتهى مختصرًا من "اللسان" (٢).
(إِنْ) مخفّفة من الثقيلة، والأصل "إني"، قال في "الخلاصة":
وَخُفِّفَتْ "إِنَّ" فَقَلَّ الْعَمَلُ ... وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَل
وَرُبَّمَا اسْتُغْنيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا ... مَا نَاطِقٌ أَرَادَه معْتَمِدَا
وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاِسخًا فَلَا ... تُلْفِيهِ غَالِبًا بِـ "إِنْ" ذِي مُوصَلَا
(كُنْتُ لَأَظُنُّ لَيَجْعَلَنَّكَ الله اللام هي الموطّئة للقسم المقدّر: أي والله ليجعلنك الله (مَعَ صَاحِبَيْكَ) أي النبيّ ﷺ وأبي بكر ﵁، ثم يحتمل أن يريد ما وقع، وهو دفنه عندهما، ويحتمل أن يريد بالمعيّة ما يؤول إليه الأمر بعد الموت، من دخوله الجنّة معهما، ونحو ذلك.
(وَذَلِكَ) إشارة إلى ظنه: أي أن سبب ظني المذكور كثرة سماعي من النبيّ ﷺ
стр. 1201
يقول إلخ (أَنِّي) بفتح الهمزة، وكسرها، فالفتح على تقدير حرف التعليل: أي لأني، والكسر على أن الجملة تعليلية (كنْتُ أُكْثِرُ) بضم أوله، وكسر ثالثه، بصيغة المضارع للمتكلّم (أَنْ أسمعَ رَسُولَ الله ﷺ ) "أن" مصدريّة، والمصدر المؤوّل مفعول "أُكْثِرُ" أي أكثر سماعي رسول الله ﷺ .
[تنبيه]: ضبط "أُكْثِرُ" بصيغة المضارع هو الظاهر، وهو الذي وقع في نسخ "صحيح مسلم" مضبوطًا بالقلم، وأما ما وقع في شرح السنديّ من ضبطه بصيغة أفعل التفضيل، وقال في حلّه: "أكثر" بالرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر من قبيل "أخطب ما يكون الأمير"، والجملة خبر "كنت"، إلخ كلامه، فتكلّف بارد، فتأمله بالإنصاف. والله تعالى أعلم.
ولفظ البخاريّ: "وحسبت أني كثيرًا أسمع النبيّ" ﷺ ، وفي رواية له: "لأني كثيرًا ما كنت أسمع رسول الله ﷺ ". قال في "الفتح": واللام للتعليل، و"ما" إبهاميّة مؤكّدة، و"كثيرًا" ظرف زمان، وعامله "كان" قُدِّم عليه، وهو كقوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾، ووقع للأكثر "كثيرًا مما كنت أسمع" بزيادة "من"، "ووُجّهت بأن التقدير أني أجد كثيرا مما كنت أسمع". انتهى (١).
وقوله (يَقُولُ) جملة في محلّ نصب على الحال من "رسول الله": أي حال كونه قائلًا (ذَهَبْتُ أنا وَأبو بَكْرٍ وَعُمَرُ) أي إلى مكان كذا، هكذا رواية المصنّف ﵀ بتأكيد المرفوعِ المتّصل بالمنفصل؛ ليصحّ العطف عليه، كما قال في "الخلاصة":
وَإِنْ عَلَى ضمِيرِ رَفْع مُتَّصِلْ ... عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ المنْصِلْ
أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصْلٍ يِرِدْ ... في النَّظْم فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
ووقع في "صحيح البخاري" بلا تأكيد ما عدا رواية الأصيليّ، ففيها بالتأكيد، فقال ابن التين: الأحسن عند النحاة أن لا يُعطف على الضمير المرفوع إلا بعد تأكيده،
стр. 1202
حتى قال بعضهم: إنه قبيح، لكن يرد عليهم قوله تعالى ﴿مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام:١٤٨]، وأجيب بأنه قد وقع الحائل، وهو قوله: "لا"، وتُعُقّب بأن العطف قد حصل قبل "لا"، قال: ويَرِد عليهم أيضًا هذا الحديث. انتهى.
قال الحافظ: التعقيب مردود، فإنه وُجد فاصل في الجملة، وأما هذا الحديث، فلم تتّفق الرواة على لفظه، فقد جاء في مناقب عمر بلفظ: "ذهبت أنا وأبو بكر وعمر"، فعطف مع التأكيد مع اتّخاد المخرج، فدلّ على أنه من تصرّف الرواة. انتهى (١).
(وَدَخَلْتُ أَنا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) أي المكان الفلانيّ (وَخَرَجْتُ أَنا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) أي من المكان الفلانيّ (فَكُنْتُ أَظُنُّ) وفي رواية مسلم: "فإن كنت لأرجو، أو لأظنّ أن يجعلك الله معهما" (لَيَجْعَلَنَّكَ الله مَعَ صَاحِبَيْكَ) أي مع النبيّ ﷺ ، وأبي بكر ﵁، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (١١/ ٩٨) بهذا السند فقط، وأخرجه (البخاريّ) في "كتاب فضائل أصحاب النبيّ" ﷺ (٣٦٧٧) و (٣٦٨٥) و (مسلم) في "فضائل الصحابة"، و (أحمد) ١/ ١١٢ رقم (٨٩٨)، و (النسائيّ) في "الكبرى" في "المناقب" (٨٠٦١)(٦١٣٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل أبي بكر ﵁.
٢ - (ومنها): بيان فضل عمر ﵁ أيضًا.
стр. 1203
٣ - (ومنها): أن فيه بيان كون عليّ ﵁ يعظّم الشيخين غاية التعظيم، ويعتقد رفعة منزلتهما عند الله ، وعند النبيّ ﷺ ، وفيه الردّ على الشيعة والرافضة الذين يفترون عليه ما لا يليق بمقامه السامي.
قال أَبو العبّاس القرطبيّ: في هذا الحديث ردّ من عليّ ﵁ على الشيعة فيما يتقوّلونه عليه من بغضه للشيخين، ونسبته إياهما إلى الجور في الإمامة، وأنهما غصباه، وهذا كلّه كذبٌ وافتراءٌ، عليّ ﵁ منه براء، بل المعلوم من حاله معهما تعظيمه، ومحبّته لهما، واعترافه بالفضل لهما عليه، وعلى غيره، وحديثه هذا يَنُصّ على هذا المعنى، وقد ثبت في "الصحيحين" ثناء عليّ على أبي بكر ﵄، واعتذاره عن تخلّفه عن بيعته، وصحّة مبايتعه له، وانقياده له مختارًا طائعًا سرّا وجهرًا، وكذلك فعل مع عمر ﵁ أجمعين، وكلُّ ذلك يُكذّب الشيعةَ والروافضَ في دعواهم، لكن الهوى والتعصّب أعماهم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀، وهو كلام نفيس جدّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٩٩ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ: "هَكَذَا نُبْعَثُ".
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عِليُّ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّقِّيُّ) العطّار، ثقة [١٠] تقدّم في ٩/ ٥٩.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن هشام الأمويّ الجزريّ، ضعيف [٨]، تقدم في ٩/ ٥٩.
٣ - (إِسماعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ) بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية الأمويّ، ثقة ثبت [٦].
روى عن ابن المسيب، ونافع، وعكرمة، وسعيد المقبري.
стр. 1204
وروى عنه ابن جريج، والثوري، ومعمر، وابن عيينة، وسعيد بن مسلمة، وغيرهم، وثقه ابن معين، والنسائي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال العجلي: مكي ثقة، وقال الزبير بن بكار: كان فقيه أهل مكة، قال ابن سعد: مات سنة (١٤٤) وقال ابن حبان: سنة (١٣٩) في حبس داود بن علي.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٩٩) و (٩٤٣) و (١٠٣٦) و (١٩٩٠) و (٢٤٤٢) و (٣٢٣٦) و (٣٢٤٧).
٤ - (نافع) العدويّ، أَبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عمر، أصابه ابن عمر في بعض مغازيه، ثقة ثبتٌ فقيه مشهورٌ [٣].
روى عن مولاه، وأبي هريرة، وأبي لبابة بن عبد المنذر، وأبي سعيد الخدري، ورافع بن خَدِيج، وعائشة، وأم سلمة، وعبد الله وعبيد الله وسالم وزيد أولاد عبد الله ابن عمر، وإبراهيم بن عبد الله بن حُنين، ونُبيه بن وهب العبدي، وخلق كثير.
وروى عنه أولاده: أَبو عمر، وعمر، وعبد الله، وعبد الله بن دينار، وصالح بن كيسان، وعبد ربه ويحيى ابنا سعيد الأنصاري، ويونس بن عبيد، ويزيد بن أبي حبيب، وأبو إسحاق السبيعي، والزهري، وموسى بن عقبة، وإسماعيل بن أمية، وميمون بن مِهْران، وابن عجلان، وأيوب السختياني، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال البخاري: أصح الأسانيد: مالك، عن نافع، عن ابن عمر. وقال بشر بن عُمَر عن مالك: كنت إذا سمعت من نافع يحدث عن ابن عمر، لا أبالي أن لا أسمعه من غيره. وقال عبيد الله بن عمر: لقد مَنَّ الله تعالى علينا بنافع. وقال أيضًا: بعثه عمر بن عبد العزيز إلى مصر ليعلمهم السنن. وقال حرب ابن إسماعيل: قلت لأحمد: إذا اختلف سالم ونافع في ابن عمر من أحب إليك؟ قال: ما أتقدم عليهما. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: نافع عن ابن عمر أحب إليك أو سالم؟ فلم يُفَضِّل، قلت: فنافع أو عبد الله بن دينار؟، فقال: ثقات، ولم يُفَضِّل. وقال
стр. 1205
العجلي: مدني ثقة. وقال ابن خِرَاش: ثقة نبيل. وقال النسائي: ثقة. وقال في موضع آخر: أثبت أصحاب نافع مالك، ثم أيوب، فذكر جماعة. وقال في موضع آخر: اختلف سالم ونافع في ثلاثة أحاديث، وسالم أجلّ من نافع، وأحاديث نافع الثلاثة أولى بالصواب. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: اختُلِف في نسبته، ولم يصح عندي فيه شيء. وقال ابن أبي خيثمة: ثنا أحمد بن حنبل، ثنا ابن عيينة، عن إسماعيل بن أمية قال: كنا نريد نافعا مولى بن عمر على اللحن فيأباه، قال أحمد: قال سفيان: فأَيُّ حديث أوثق من حديث نافع.
قال يحيى بن بكير وآخرون: مات سنة سبع عشرة ومائة. وقال أَبو عبيد: مات سنة تسع عشرة. ويقال: سنة عشرين. وقال ابن عيينة، وأحمد بن حنبل: مات سنة تسع عشرة. وقال أَبو عمر الضرير: مات سنة عشرين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨٩) حديثًا.
٥ - (ابن عمر) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ تقدّم في ١/ ٤، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄، أنه (قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ) أي من بعض حُجَره (بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) ﵄، وفي رواية الترمذيّ: "أن النبيّ ﷺ خرج ذات يوم، ودخل المسجد، وأبو بكر وعمر أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، وهو آخذ بأيديهما، فقال: هكذا نُبعث يوم القيامة" (فَقَالَ: هَكَذَا) أي على مثل الصورة المذكورة (نُبْعَثُ) بالبناء للمفعول: أي نُخرَج من القبور إلى موضع النشور، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر ﵄ هذا ضعيف؛ لاتفاقهم على ضعف سعيد بن
стр. 1206
مسلمة، كما سبق في ترجمته. قال الترمذيّ بعد إخراجه: هذا حديث غريب، وسعيد بن مسلمة ليس عندهم بالقويّ. انتهى، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (١١/ ٩٩) بهذا السند فقط، وأخرجه (الترمذيّ) في "المناقب" (٣٦٦٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٠٠ - (حَدَّثَنَا أَبُو شُعَيْبٍ صَالِحُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ بَكْرِ بْنِ خُنَيْسٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الجَنَّةِ، مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالمُرْسَلِينَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو شُعَيْبٍ صَالِحُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْوَاسِطِيُّ) الصَّيْرفّي الطحّان، صدوقٌ، من صغار [١٠].
روى عن عبد القدوس بن بكر بن خنيس، وفضيل بن عياض، وشاذ بن فياض، وغيرهم.
وروى عنه ابن ماجه، وأسلم بن سهل، ومحمد بن حمزة بن عُمارة، وعبد الله بن أحمد بن عمر بن شَوْذَب.
قال ابن أبي حاتم، روى عنه علي بن الحسين بن الجنيد، فقال: ثنا صالح بن الهيثم الواسطي، شيخ صدوق. انتهى. تفرد به المصنف بهذا الحديث فقط.
٢ - (عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ بَكْرِ بْنِ خُنَيْسٍ) -مصغّرًا- الكوفي أَبو الْجَهْم، لا بأس به [٩].
روى عن أبيه، ومالك بن مِغْوَل، وهشام بن عروة، وحجاج بن أرطاة، وحبيب
стр. 1207
ابن سليم العبسي، وطلحة بن عمرو المكي.
وروى عنه إبراهيم بن موسى الفراء، وأحمد بن حنبل، وأحمد بن منيع، وصالح ابن الهيثم الواسطي، وأبو الفضل المغيرة بن معمر.
قال أَبو حاتم: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات". وذكر محمود بن غيلان عن أحمد وابن معين وأبي خيثمة أنهم ضربوا على حديثه.
تفرّد به الترمذيّ، وله عنده حديث واحد، حديث حذيفة بن اليمان ﵄، قال: إذا مِتُّ فلا تُؤذِنوا بي، إني أخاف أن يكون نَعْيًا، فإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن النعي. وقال: هذا حديث حسن صحيح.
والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٣ - (مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ) -بكسر اليم، وسكون المعجمة، وفتح الواو- بن عاصم بن غَزِيّة ابن حُرْثة بن جُريج بن بَجِيلة البجلي، أَبو عبد الله الكوفي، ثقة ثبتٌ، من كبار [٧].
روى عن أبي إسحاق السبيعي، وعون بن أبي جحيفة، وسماك بن حرب، ونافع مولى ابن عمر، والزبير بن عَدِيّ، ومحمد بن سُوقة، والوليد بن العيزار، وغيرهم.
وروى عنه أَبو إسحاق شيخه، وشعبة، ومِسْعَر، والثوري، وزائدة، وابن عيينة، وإسماعيل بن زكريا، ويحيى بن سعيد القطان، ووكيع، وابن المبارك، وغيرهم.
قال أَبو طالب عن أحمد: ثقة ثبت في الحديث. وقال يحيى بن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال أَبو نعيم: ثنا مالك بن مِغْول، وكان ثقة. وقال العجلي: رجل صالح مُبَرِّز في الفضل. وقال الطبراني: من خيار المسلمين. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: سمعت ابن عيينة يقول: قال رجل لمالك بن مغول: اتق الله فوضع خده بالأرض. وقال ابن سعد: كان ثقة، مأمونًا، كثير الحديث، فاضلًا خيرًا. وقال البخاري: قال عبد الله بن سعيد: سمعت ابن مهدي يقول: إذا رأيت الكوفي يذكر الكوفي مالك بن مغول بخير، فاطمأن إليه. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من عُبّاد أهل الكوفة، ومتقنيهم.
стр. 1208
قال عمرو بن علي: مات سنة سبع. وقال ابن سعد: سنة ثمان. وقال أَبو نعيم وغيره: سنة تسع وخمسين ومائة، وفيها أرّخه مُطيَّن، وزاد: في ذي الحجة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث (١) فقط، برقم (١٠٠) و (٢٦٩٦) و (٣٨١٤) و (٣٨٥٧) و (٤١٩٨).
٤ - (عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ) وهب بن عبد الله السُّوَائيّ الكوفي، ثقة [٤].
روى عن أبيه، ومسلم بن رِيَاح الثقفي، وله صحبة، والمنذر بن جرير البجلي، وعبد الرحمن بن سُمَير ومِخْنَف بن سُلَيم، وغيرهم.
وروى عنه شعبة، والثوري، وقيس بن الربيع، ومالك بن مِغْوَل، وحجاج بن أرطاة، وصدقة بن أبي عِمْران، وأبو العُمَيس، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال خليفة: مات في آخر ولاية خالد على العراق. وقال ابن قانع: مات سنة ست عشرة ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (١٠٠) و (٧١١) و (٣٩٠٤).
٥ - (أبوه) هو: وهب بن عبد الله بن مسلم بن جُنَادة بن حبيب بن سُواءة -بضم السين المهملة، وتخفيف الواو، والمدّ- ابن عامر بن صعصعة، ويقال: اسم أبيه وهب، أَبو جُحَيفة السُّوَائيّ، يقال: له وهب الخير، قَدِم على النبيّ ﷺ في أواخر عمره، وحفظ عنه، ثم صحب عليّا بعده، وولّاه شرطة الكوفة لمّا ولي الخلافة. وفي "الصحيح" عنه: رأيت النبي ﷺ ، وكان الحسن بن علي يُشبهه، وأمر لنا بثلاثة عشر قَلُوصًا، فمات قبل أن
стр. 1209
نقبضها، وكان عليّ يُسمّيه وهب الخير.
روى عن النبي ﷺ ، وعن عليّ، والبراء بن عازب، وعنه ابنه عون، وسلمة بن كُهيل، والشعبي، والسَّبِيعي، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبو عمر المُنَبِّهِيُّ، وعلي بن الأقمر، والحكم بن عتيبة. قال الواقديّ: مات في ولاية بشر بن مروان. وقال غيره: سنة أربع وسبعين. وقال أَبو بكر بن أبي شيبة: مات أَبو جحيفة قبل أبي عبد الرحمن السُّلَمِيّ، وهو قول ابن حبان. وقال أَبو نعيم: كان على شُرْطة عليّ، واستعمله على خمس المتاع.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث برقم (١٠٠) و (٢٠٧) و (٢٩٧) و (٧١١) و (٨٧٩) و (٢٦٠٤) و (٢٦٥٨) و (٣٢٦٢) و (٣٦٢٨) و (٣٩٠٤).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم برقم (٩٥) وهو الحديث الثالث من هذا الباب، وقد سبق شرحه، والمسائل المتعلّقه به هناك، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادة ذلك.
[تنبيه]: أخرج هذا الحديث ابن حبّان في "صحيحه" (٦٩٠٤) من طريق خُنيس بن بكر بن خُنيس، عن مالك بن مغول، وخُنيس ليس من رجال الكتب الستّة، وقد ضعّفه صالح جزرة، كما نقل ذلك الخطيب البغداديّ في "تاريخه" ٨/ ٤٣٢، ووثقه ابن حبان ٨/ ١٣٣.
وإنما نبّهت على هذا؛ لأن الشيخ الألبانيّ ﵀ ذكر في "الصحيحة" حديث أبي جُحيفة هذا، وقال: وأما حديث أبي جحيفة فيرويه خُنيس بن بكر بن خنيس، ثم قال: أخرجه ابن حبان (٢١٩٢) وكذا ابن ماجه ١/ ٥١ إلى آخر كلامه، فقوله: وكذا ابن ماجه يوهم أنه أيضًا أخرجه من طريق خُنيس، وهذا خطأ؛ لأنه إنما أخرجه من طريق عبد القدوس بن بكر بن خُنيس، لا من طريق خُنيس بن بكر، وقد تنبّه لهذا الدكتور بشّار، في تحقيق هذا الكتاب.
стр. 1210
والحاصل أن خنيس بن بكر ليس من رجال ابن ماجه، بل ولا من رجال الكتب الستّة، وقد ضُعِّفَ، كما سبق آنفًا، وأما عبد القدوس، فصدوق، كما قال في "التقريب"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٠١ - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، وَالحُسَيْنُ بْنُ الحسَنِ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ ابْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: "عَائِشَةُ"، قِيلَ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: "أَبُوهَا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ) بن موسى الضبّيّ، أَبو عبد الله البصريّ، ثقة رُمي بالنصب [١٠] تقدّم في ٣/ ٢٨.
٢ - (الحسَيْنُ بْنُ الحسَنِ المَرْوَزِيُّ) هو: الحسين بن الحسن بن حرب السُّلَميّ، أَبو عبد الله المروزيّ، نزيل مكة، صدوقٌ [١٠].
روى عن ابن المبارك، وهشيم، ويزيد بن زريع، وابن علية، وابن عيينة، وأبي معاوية، والوليد بن مسلم، والفضل بن موسى السِّيناني، وجعفر بن عون، وغيرهم.
وروى عنه الترمذي، وابن ماجه، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وابن أبي عاصم، وداود بن علي ابن خلف، وعمر بن محمد بن بُجَير، وزكرياء السِّجْزيّ، وابن صاعد، وإبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، وغيرهم.
قال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي بمكة، وسئل عنه، فقال: صدوق. وقال مسلمة: ثقة روى عنه من أهل بلدنا ابن وَضّاح، وحدثنا عنه الدَّيْبُليّ. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (٢٤٦).
تفرّد به الترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط برقم (١٠١) و (٢٣٧) و (٩٢٧) و (٢٧٠٨) و (٣٣٧١) و (٣٦٦٩) و (٣٦٧٠) و (٤٠٣٤) و (٤٢١١).
стр. 1211
٣ - (الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيُمانَ) بن طَرْخان التيميّ، أَبو محمد البصريّ، قيل: إنه كان يُلَقَّب بالطفيل، ثقة، من كبار [٩].
روى عن أبيه، وحميد الطويل، وإسماعيل بن أبي خالد، وعبيد الله بن عمر العمري، وكهمس بن الحسن، وأيوب، وداود بن أبي هند، وخالد الحذاء، وغيرهم.
وروى عنه الثوري، وهو أكبر منه، وابن المبارك، وهو من أقرانه، وعبد الرحمن ابن مهدي، وعبد الرزاق، وعبد الله بن جعفر الرَّقّيّ، ويونس بن محمد المؤدب، وأحمد ابن عبدة، والحسين بن الحسن المروزيّ، وغيرهم.
قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال أَبو حاتم: ثقة صدوق. وقال عَمْرو بن علي، عن معاذ بن معاذ: سمعت قُرّة بن خالد يقول: ما معتمر عندنا دون سليمان التيميّ. وقال ابن خِرَاش صدوق يخطئ من حفظه، وإذا حدث من كتابه فهو ثقة. وقال العجلي: بصري ثقة. وعن يحيى بن سعيد القطان قال: إذا حدّثكم المعتمر بشيء، فاعرِضوه، فإنه سيىء الحفظ. وقال الآجري عن أبي داود: سمعت أحمد يقول: ما كان أحفظ معتمر بن سليمان، قَلّما كنا نسأله عن شيء إلا عنده فيه شيء. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان مولده سنة ست أو سبع، ومات سنة سبع أو ثمان وثمانين ومائة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وُلد سنة مائة، ومات سنة سبع وثمانين ومائة، وفيها أرخه غير واحد.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٣) حديثًا.
٤ - (حُمَيْدٌ) بن أبي حميد الطويل، أَبو عبيدة الْخُزَاعيّ مولاهم، وقيل: غير ذلك، البصريّ، واسم أبي حميد تِير، ويقال: تيرويه، ويقال: زاذويه، ويقال: داور، ويقال: طَرْخان، ويقال: مِهْران، ويقال: عبد الرحمن، ويقال: مَخْلَد، ويقال: غير ذلك، ثقة مدلّس، [٥].
روى عن أنس بن مالك، وثابت البناني، وموسى بن أنس، وبكر بن عبد الله المزنيّ، وإسحاق بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، والحسن البصري، وغيرهم.
стр. 1212
وروى عنه ابن أخته حماد بن سلمة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهو من أقرانه، وحماد بن زيد، والسفيانان، وشعبة، ومالك، وابن إسحاق، والمعتمر بن سليمان، ووهيب بن خالد، والقطان، وزائدة، وغيرهم.
قال البخاري: قال الأصمعي: رأيت حميدًا، ولم يكن بطويل. وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة. وقال الدارمي: قلت لابن معين: يونس بن عبيد أحب إليك في الحسن أو حميد؟ قال: كلاهما. قال الدارمي: يونس أكبر من حميد بكثير.
وقال العجلي: بصري ثقة. وقال أَبو حاتم: ثقة لا بأس به، وأكبر أصحاب الحسن قتادة، وحميد. وقال ابن خِراش: ثقة صدوق، وقال مرة: في حديثه شيء، يقال: إن عامة حديثه عن أنس إنما سمعه من ثابت. وقال يحيى بن أبي بكير، عن حماد ابن سلمة: أخذ حميد كتب الحسن فنسخها، ثم ردها عليه. وقال الأصمعي، عن حماد: لم يَدَع حميد لثابت علمًا إلا ووعاه، وسمعه منه. وقال مؤمل عن حماد: عامة ما يروي حميد عن أنس سمعه من ثابت. وقال أَبو عبيدة الحداد عن شعبة: لم يسمع حميد من أنس إلا أربعة وعشرين حديثًا، والباقي سمعها من ثابت، أو ثبته فيها ثابت.
وقال علي بن المديني عن أبي داود: سمعت شعبة يقول: سمعت حبيب بن الشهيد يقول لحميد وهو يحدثني: انظر ما تحدث به شعبة، فإنه يرويه عنك، ثم يقول هو: إن حميدًا رجل نَسِيّ، فانظر ما يحدثك به. وقال عيسى بن عامر بن أبي الطيب، عن أبي داود، عن شعبة: كل شيء سمع حميد عن أنس خمسة أحاديث. وقال علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد: كان حميد الطويل إذا ذهبتَ تَقِفه على بعض حديث أنس يَشُكّ فيه. وقال يوسف بن موسى، عن يحيى بن يعلى المحاربي: طرح زائدة حديث حميد الطويل. وقال ابن عديّ: له أحاديث كثيرة، وقد حدث عنه الأئمة، وأما ما ذُكر عنه أنه لم يسمع من أنس إلا مقدار ما ذُكر، وسمع الباقي من ثابت عنه، فأكثر ما في بابه أن بعض ما رواه عن أنس يُدَلّسه، وقد سمعه من ثابت. وقال النسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، إلا أنه ربما دلس عن أنس.
стр. 1213
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال هو الذي يقال له: حميد بن أبي داود، وكان يدلس، سمع من أنس ثمانية عشر حديثًا، وسمع من ثابت البناني، فدلس عنه. وقال أَبو بكر البرديجي: وأما حديث حميد فلا يُحتجّ منه إلا بما قال: حدثنا أنس. وقال الحافظ أَبو سعيد العلائي: فعلى تقدير أن تكون أحاديث حميد مُدَلَّسةً، فقد تبين الواسطة فيها، وهو ثقة صحيح.
وقال الحافظ: رواية عيسى بن عامر أن حميدًا إنما سمع من أنس خمسة أحاديثَ قول باطلٌ فقد صرح حميد بسماعه من أنس بشيء كثير، وفي "صحيح البخاري" من ذلك جملة، وعيسى بن عامر ما عرفته، وأما ترك زائدة حديثه فذاك لأمر آخر؛ لدخوله في شيء من أمور الخلفاء. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ ما قاله الحافظ العلائيّ، فأحاديث حميد كلها صحيحة؛ لأنه على تقدير أنه لم يسمع بعضها عن أنس، فقد عُرف من دلّس عنه، وهو ثابتٌ البنانيّ، وهو ثقة جليل، فتبيّن أن تدليسه لا يضرّ.
وبهذا يتبيّن أن قول ابن حبّان أنه لا يوجد في الدنيا من يُدلس عن ثقة غير سفيان ابن عيينة غير صحيح، فقد ثبت عن حميد الطويل أنه لا يدلس إلا عن ثقة، فافهم هذا، فإنه مهمّ جدّا. والله تعالى أعلم.
وقال رُسْتة عن يحيى بن سعيد: مات حميد الطويل، وهو قائم يصلي، وأرخه بن سعد وجماعة سنة (١٤٢). وقال إبراهيم بن حميد الطويل: مات سنة (٤٣)، وقد أتت عليه (٧٥) سنة، ولم أسمع منه شيئًا. وكذا أرّخه عمرو بن علي وغيره.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٦) حديثًا.
٥ - (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) أَبو حمزة الصحابيّ الشهير، خادم رسول الله ﷺ و ﵁ تقدّم في ٣/ ٢٤، والله تعالى أعلم.
стр. 1214
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجال رجال الصحيح، غير شيخه الثاني فقد تفرّد به هو والترمذيّ، وهو صدوقٌ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه الحسين أيضًا، فمروزيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وممن لازم النبيّ ﷺ بالخدمة، فقد خدمه عشر سنين، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة، مات سنة (٢) أو (٩٣)، وقد جاوز مائة سنة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، أنه (قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ الله) القائل هو عمرو بن العاص ﵁، فقد أخرج الشيخان في "صحيحيهما" من حديث عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ بعثه على جيش ذات السَّلاسِل، فأتيته، فقلت: أيُّ الناس أحبُّ إليك؟ قال: "عائشة"، فقلت: من الرجال؟ فقال: "أبوها"، قلت: ثم مَنْ؟ قال: "ثم عمر بن الخطاب"، فعدَّ رجالًا. زاد في رواية: فسكتُّ مخافةَ أن يجعلني في آخرهم.
وسبب هذا السؤال -على ما ذكره ابن سعد- أنه وقع في نفس عمرو ﵁ لمّا أمّره النبيّ ﷺ على الجيش، وفيهم أَبو بكر، وعمر أنه مُقَدَّم عنده في المنزلة عليهم، فسأله لذلك.
(أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟) أي أكثر محبةً عندك (قَالَ) ﷺ (عَائِشَةُ) بالرفع على أنه خبر لمحذوف: أحبهم عائشة ﵂ (قِيلَ) القائل هو السائل نفسه، ففي رواية قيس بن أبي حازم، عن عمرو بن العاص ﵁ عند ابن خزيمة، وابن حبّان: "إني لست أعني النساء، إني أعني الرجال" (مِنَ الرِّجَالِ؟) أي أي الرجال أحب إليك؟ (قَالَ) ﷺ (أَبُوهَا) يعني أن أبا بكر الصدّيق ﵁ أحب الرجال إليه ﷺ . والله تعالى أعلم بالصواب،
стр. 1215
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس بن مالك ﵁ هذا صحيح، بل هو متّفقٌ عليه من حديث عمرو بن العاص ﵁، كما أسلفته آنفًا.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (١١/ ١٠١) بهذا السند فقط، وأخرجه (الترمذيّ) في "المناقب" (٣٨٩٠) وقال: حسن صحيح من هذا الوجه، من حديث أنس. انتهى.
و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧١٠٧) من طريق المسيّب بن واضح، عن معتمر بن سليمان به، والمسيّب كثير الخطإ، وضعّفه الدارقطنيّ وغيره، إلا أنه لم ينفرد به، بل تابعه شيخا المصنّف هنا. فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل أبي بكر الصدّيق ﵁، وهو واضح.
٢ - (ومنها): أن فيه بيان تفاوت المؤمنين في محبة الله ، ومحبة رسول الله ﷺ لهم، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].
٣ - (ومنها): أن فيه بيان فضل عائشة ﵂، حيثما كانت أحبّ النساء إليه ﷺ ، لكن هذا مقيّد بأمهات المؤمنين، كما أشار إليه الإمام ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" حيث قال: ما معناه: مخرج هذا السؤال والجواب كان عن أهل بيته، دون سائر النساء من فاطمة وغيرها. انتهى (١).
والحاصل أن أفضلية عائشة ﵂ التي يدلّ عليها هذا الحديث وغيره
стр. 1216
مقيّدة بنساء النبيّ ﷺ حتى لا يدخل فيها مثل فاطمة ﵂ جمعًا بين هذا الحديث، وبين حديث: "أفضل نساء الجنّة خديجة وفاطمة ... " الحديث، وقد أخرجه الحاكم بهذا اللفظ في حديث ابن عبّاس ﵄. وفي "الصحيحين" في حديث طويل: "أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 1217
١٢ - (فَضْلُ عُمَرَ ﵁ -)
أي هذا باب في ذكر مزايا عمر بن الخطاب بن نُفَيل -بنون وفاء، مصغرًا- ابن عبد العُزَّى بن رِيَاح -بكسر الراء، بعدها تحتانية، وآخره مهملة- ابن عبد الله بن قُرْط ابن رَزَاح -بفتح الراء، بعدها زاي، وآخره مهملة- ابن عَدِي بن كعب بن لُؤَيّ بن غالب، يجتمع مع النبي ﷺ في كعب، وعدد ما بينهما من الآباء إلى كعب متفاوت بواحد، بخلاف أبي بكر ﵁، فبين النبي ﷺ وكعب سبعة آباء، وبين عمر وبين كعب ثمانية، وأم عمر ﵁ حَنْتَمَة بنت هاشم بن المغيرة، ابنة عم أبي جهل، والحارث ابني هشام بن المغيرة. ووقع عند ابن منده أنها بنت هشام، أخت أبي جهل، وهو تصحيف، نَبّهَ عليه ابن عبد البر.
[تنبيه]: كنية عمر ﵁ أَبو حفص (١) -كما عند ابن إسحاق في "السير"- كناه النبي ﷺ ببنته حفصة ﵂ أكبر أولاده.
ولقبه الفاروق باتفاق، فقيل: أول من لقبه به النبي ﷺ ، رواه أَبو جعفر بن أبي شيبة في "تاريخه" عن طريق ابن عباس عن عمر ﵁، ورواه ابن سعد من حديث عائشة.
وقيل: أهلُ الكتاب، أخرجه ابن سعد عن الزهري. وقيل: جبريل ﵇ رواه البغوي.
أفاده في "الفتح" (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب.
١٠٢ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، أَخْبَرَنِي الْجرَيْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَيُّ أَصْحَابِهِ كَانَ أَحَبَّ إِلَيْهِ؟، قَالَتْ: أَبُو بَكْرٍ، قُلْتُ. ثُمَّ أَيُّهُمْ؟ قَالَتْ: عُمَرُ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّهُمْ؟ قَالَتْ: أَبُو عُبَيْدَةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ) الطنافسيّ المذكور في الباب الماضي.
стр. 1218
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ الكوفيّ، ثقة ثبتٌ، ربّما دلّس، وكان بآخره يحدّث من كتب غيره، من كبار [٩].
روى عن هشام بن عروة، وبُريد بن عبد الله بن أبي بردة، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، ومُجَالد، وكَهْمَس بن الحسن، وابن جريج، وغيرهم.
وروى عنه الشافعي، وأحمد بن حنبل، ويحيى، وإسحاق بن راهويه، وإبراهيم الجوهري، والحسن بن علي الحلواني، وأبو خيثمة، وقتيبة، وعليّ بن محمد الطنافسيّ، وغيرهم.
قال حنبل بن إسحاق عن أحمد: أَبو أسامة ثقة، كان أعلم الناس بأمور الناس، وأخبار أهل الكوفة، وما كان أرواه عن هشام بن عروة. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: أَبو أسامة أثبت من مائةٍ مثلِ أبي عاصم، كان صحيح الكتاب، ضابطًا للحديث، كَيِّسًا صدوقًا. وقال أيضًا عن أبيه: كان ثبتًا، ما كان أثبته، لا يكاد يُخطىء. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: أَبو أسامة أحب إليك أو عبدة؟ قال: ما منهما إلا ثقة. وقال عبد الله بن عمر بن أبان: سمعت أبا أسامة يقول: كتبت بإصبعي هاتين مائة ألف حديث. وقال ابن عمار: كان أَبو أسامة في زمن الثوري يُعَدّ من النُّسَّاك. وقال ابن سعد: كان ثقةً مأمونًا، كثير الحديث، يُدَلِّس، ويُبَيِّن تدليسه، وكان صاحب سنة وجماعة. وقال العجليّ: كان ثقة، وكان يُعَدّ من حكماء أصحاب الحديث. وقال ابن قانع: كوفي صالح الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال الآجري عن أبي داود: قال وكيع: نَهَيتُ أبا أسامة أن يستعير الكتب، وكان دفن كتبه. وحكى الأزدي في "الضعفاء" عن سفيان بن وكيع، قال: كان أَبو أسامة يتتبع كتب الرواة، فيأخذها، ويَنسخها، قال لي ابن نُمير: إن المحسن لأبي أسامة يقول: إنه دفن كتبه، ثم تتبع الأحاديث بعدُ من الناس، قال سفيان بن وكيع: إني لأعجب كيف جاز حديث أبي أسامة؟ كان أمره بَيِّنًا، وكان من أسرق الناس لحديث جيد.
قال في "تهذيب التهذيب": حكى الذهبيّ أن الأزدي قال هذا القول عن سفيان
стр. 1219
الثوري، وهذا كما ترى لم ينقله الأزدي إلا عن سفيان بن وكيع، وهو به أليق، وسفيان ابن وكيع ضعيف. انتهى (١).
وقال العجليّ بسنده عن سفيان: ما بالكوفة شاب أعقل من أبي أسامة. قال العجليّ: مات في شوال سنة إحدى ومائتين. وكذا قال البخاري، وزاد: وهو ابن ثمانين سنة فيما قيل.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠٠) حديث.
٣ - (الْجُرَيْرِيُّ) -بضم الجيم، مصغّرًا- هو: سعيد بن إياس، أَبو مسعود البصريّ، ثقة اختلط قبل موته بثلاث سنين [٥].
روى عن أبي الطُّفَيل، وأبي عثمان النَّهْديّ، وعبد الرحمن بن أبي بكرة، وأبي نضرة العبدي، وأبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشِّخَير، وعبد الله بن شقيق، وغيرهم.
وروى عنه ابن عُلَيّة، وبشر بن المفضل، وجعفر بن الضبعي، وأبو قُدَامة، والحمادان، والثوري، وشعبة، وابن المبارك، وأبو أسامة، ووهيب، ومعمر، وغيرهم.
قال أَبو طالب عن أحمد: الْجُريري محدث أهل البصرة. وقال الدوريّ، عن ابن معين: ثقة. وقال أَبو حاتم: تغير حفظه قبل موته، فمن كتب عنه قديمًا فهو صالح، وهو حسن الحديث. وقال يحيى القطان عن كهمس: أنكرنا الجريري أيام الطاعون. وقال ابن سعد عن يزيد بن هارون: سمعت من الجريري سنة (٤٢)، وهي أول سنة دخلت البصرة، ولم نُنْكِر منه شيئًا، وكان قيل لنا: إنه قد اختلط، وسمع منه إسحاق الأزرق بعدنا. وقال أحمد بن حنبل، عن يزيد بن هارون: ربما ابتدأنا الجريريُّ، وكان قد أُنكر. وقال ابن معين، عن ابن عَدِيّ: لا نَكْذِب الله سمعنا من الجريري وهو مختلط. وقال الآجري، عن أبي داود: أرواهم عن الجريري ابنُ عُلَيّة، وكل من أدرك أيوب فسماعه من الجريري جيد. وقال النسائي: ثقة أُنكر أيام الطاعون. وقال ابن معين: قال يحيى بن
стр. 1220
سعيد لعيسى بن يونس: أسمعت من الجريري؟ قال: نعم، قال: لا ترو عنه -يعني لأنه سمع منه بعد اختلاطه-. وقال الدُّوري عن ابن معين: سمع يحيى بن سعيد من الجريري، وكان لا يروي عنه. وقال ابن سعد: كان ثقة -إن شاء الله- إلا أنه اختلط في آخر عمره. وقاله عبد الله بن أحمد عن أبيه: سألت ابن علية أكان الجريري اختلط؟ فقال: لا، كَبِرَ الشيخ فَرَقّ. وقال النسائي: هو أثبت عندنا من خالد الحذاء. وقال العجلي: بصري ثقة، واختلط بآخره، رَوَى عنه في الاختلاط يزيد بن هارون، وابن المبارك، وابن أبي عديّ، وكُلُّ ما روى عنه مثل هؤلاء الصغار فهو مختلط، إنما الصحيح عنه حماد بن سلمة، والثوري، وشعبة، وابن علية، وعبد الأعلى من أصحهم سماعًا منه قبل أن يختلط بثمان سنين. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أحاديث الجريريّ لا تصحّ إلا إذا جاءت من طريق قدماء أصحابه، وهم المذكورون في كلام العجليّ، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
وقال ابن سعد: قالوا: توفي سنة (١٤٤). وكذا أرّخه ابن حبان، وقال: كان قد اختلط قبل أن يموت بثلاث سنين. ورآه يحيى بن سعيد القطان، وهو مختلط، ولم يكن اختلاطه فاحشًا.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا.
[تنبيه]: قوله: "الْجُريريّ" -بضم الجيم، وفتح الراء، مصغّرا-: نسبة إلى جُرَير بن عبّاد بن ضُبيعة بن قيس بن ثعلبة، بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل.
قال السَّمْعاني: وإنما قيل لسعيد بن إياس: الْجُريريّ؛ لأنه من ولد جُرَير بن عباد أخي الحارث بن عباد، وقد قيل: إنه من مولى بني قيس بن ثعلبة بن بكر بن وائل. انتهى (١). والله تعالى أعلم.
стр. 1221
٤ - (عَبْدُ الله بْنُ شَقِيقٍ) العُقيليّ -بالضمّ- أَبو عبد الرحمن، ويقال: أَبو محمد البصريّ، ثقة، فيه نصْبٌ [٣].
روى عن أبيه على خلاف فيه، وعمر، وعثمان، وعلي، وأبي ذر، وأبي هريرة، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن أبي الْجَدْعاء، وعبد الله بن سُراقة، وأقرع مؤذن عمر، وغيرهم.
وروى عنه ابنه عبد الكريم، ومحمد بن سيرين، وعاصم الأحول، وقتادة، وحميد الطويل، وأيوب السختياني، وبُدَيل بن مَيْسرة العقيليّ، والْجُريريّ، وغيرهم.
ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل البصرة، وقال: روى عن عمر، قال: وقالوا: كان عبد الله بن شقيق عثمانيا، وكان ثقة في الحديث، وروى أحاديث صالحة. وقال يحيى بن سيعد: كان سليمان التيمي سيىء الرأي في عبد الله بن شقيق. وقال أحمد بن حنبل: ثقة، وكان يَحْمِل على عليّ. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة، وكن عثمانيا، يُبغِض عليا. وقال ابن عدي: ما بأحاديثه بأس -إن شاء الله تعالى-.
قال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: ثقة.
وقال العجلي: ثقة، وكان يَحْمِل على عليّ. وقال الْجُرَيريّ: كان عبد الله بن شقيق مُجَاب الدعوة، كانت تمر به السحابة، فيقول: اللهم لا تَجُوز كذا وكذا حتى تُمْطِر، فلا تجوز ذلك الموضع حتى تمطر، حكاه ابن أبي خيثمة في "تاريخه".
قال الهيثم بن عديّ، ومحمد بن سعد: تُوُفي في ولاية الحجاج على العراق. وقال خليفة: مات بعد المائة. وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة (١٠٨).
أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (١٠٢) و (١١٥٠) و (١١٥٨) و (١١٦٤) و (١٢٢٨) و (١٢٢٨) و (٤٣١٦).
٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت في ٢/ ١٤، والله تعالى أعلم.
стр. 1222
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرّد به هو والنسائيّ في "مسند عليّ ﵁".
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه عائشة الصدّيقة بنت الصدّيق ﵄ حبيبة رسول الله ﷺ ، وبنت حبيبه، ومن المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الله بْنِ شَقِيقٍ) ﵀، أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَيُّ أَصْحَابِهِ) الضمير للنبيّ ﷺ ، وفي رواية الترمذيّ: "قلت لعائشة أي أصحاب رسول الله ﷺ " (كَانَ أَحَبَّ إِلَيْهِ؟) ﷺ (قَالَتْ: أَبُو بَكْرٍ) ﵁ مبتدأ محذوف الخبر، أو بالعكس: أي أَبو بكر أحب إليه، أو أحبّ أصحابه إليه أَبو بكر ﵁ (قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّهُمْ؟) أي ثم بعد أبي بكر ﵁ أي أصحابه ﷺ أحبّ إليه (قَالَتْ: عُمَرُ) ﵁ (قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّهُمْ؟ قَالَتْ: أَبُو عُبَيْدَة) بن الجرّاح ﵁ ستأتي ترجمته برقم (١٣٥) إن شاء الله تعالى.
زاد في رواية الترمذيّ من طريق إسماعيل ابن عليّة، عن الْجُريريّ: "قلت: ثم من؟ قال: فسكتت"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة ﵂ هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده الْجُريريّ، وقد اختلط قبل موته بثلاث سنين، والراوي عنه هنا أَبو أسامة، ولم يُعَدّ فيمن روى عنه قبل الاختلاط؟.
[قلت]: لم ينفرد به أَبو أسامة، بل تابعه عليه إسماعيل ابن عليّة، وهو ممن روى
стр. 1223
عنه قبل الاختلاط، كما أسلفناه في ترجمة الْجُريريّ، وروايته أخرجها الترمذيّ في "جامعه"، فقال:
حدثنا أحمد بن إبراهيم الدَّوْرقيّ، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن الجريريّ، عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة: أي أصحاب رسول الله ﷺ كان أحب إلى رسول الله؟، قالت: أَبو بكر، قلت: ثم من؟ قالت: عمر، قلت: ثم من؟ قالت: ثم أَبو عبيدة ابن الجراح. قال أَبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) ﵀ هنا (١٢/ ١٠٢) بهذا السند فقط، وأخرجه الترمذيّ في "المناقب" (٣٦٥٧) و (النسائيّ) في "فضائل الصحابة" من "الكبرى" (٨١٤٤) و (أحمد) في "مسنده" (٢٥٨٢٩) و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٨٠٦٤). وفوائد الحديث تقدّمت في الباب الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٠٣ - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْحِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ خِرَاشٍ الْحَوْشَبِيُّ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لمَّا أَسلَمَ عُمَرُ نَزَلَ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ لَقَدِ اسْتَبْشَرَ أَهْلُ السَّمَاءِ بِإِسْلَامِ عُمَرَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْحِيُّ (١)) هو: إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن محمد ابن يحيى بن زكريا بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي الطَّلْحي الكوفي، صدوقٌ يَهِم [١٠].
стр. 1224
روى عن أبي بكر بن عياش، ووكيع، ورَوْح بن عُبادة، وداود بن عطاء المدني، وعبد الله بن خِرَاش الْحَوشبي، وجماعة.
وروى عنه ابن ماجه، وأبو زرعة، ومطين، وقال: مات سنة (٢٣٢)(١)، وكان ثقة، وعمرو بن عبد الله الأودي، وابن أبي عاصم، وعدة. قال أَبو حاتم: ضعيف.
وذكره ابن حبان في "الثقات".
تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (١٠٣) و (١٠٤) و (٣٥٠) و (١٣٣٣) و (٣٣٦٩).
٢ - (عَبْدُ الله بْنُ خِرَاشٍ الْحَوْشَبِيُّ (٢)) هو: عبد الله بن خِراش -بالخاء المعجمة- ابن حَوْشب الشيبَاني الحوشبي، أَبو جعفر الكوفي، أخو نَهّار بن خراش، ضعيف، وأطلق عليه ابن عمّار الكذب (٣).
روى عن عمه العوّام، ومرثد بن عبد الله الشيباني، وموسى بن عقبة، وواسط بن الحارث، ويزيد بن أبي يزيد.
وروى عنه بشر بن الحكم العبدي، وإسماعيل بن محمد الطلحي، وأبو سعيد الأشجّ، وعمر بن حفص بن غياث، ومسعود بن جويرية الموصلي، وغيرهم.
قال أَبو زرعة: ليس بشيء ضعيف. وقال أَبو حاتم: منكر الحديث، ذاهب الحديث، ضعيف الحديث. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أَبو أحمد بن عدي: عامة مما يرويه غير محفوظ. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ. وقال الساجي: ضعيف الحديث جدّا، ليس بشيء، كان يضع الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الدارقطني: ضعيف. وذكره البخاري في "الأوسط" في "فصل من مات من
стр. 1225
الستين إلى السبعين ومائة"، وقال محمد بن عمار الموصليّ: كذاب.
تفرّد به المصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (١٠٣) و (٢٤٧٢) "المسلمون شركاء في ثلاث ... ".
٣ - (الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ) بن يزيد بن الحارث الشيباني الرَّبَعِيّ، أَبو عيسى الواسطي، أسلم جده على يد عليّ ﵁، فوهب له جارية، فولدت له حوشبًا، فكان على شرطته (١).
روى العوام عن أبي إسحاق السبيعي، ومجاهد، وسعيد بن جُمْهان، وإبراهيم بن عبد الرحمن السَّكْسَكيّ، وسلمه بن كهيل، وغيرهم.
وروى عنه ابنه سلمة، وابنا أخيه: عبد الله، وشهاب، وشعبة، وسفيان بن حبيب، وحفص بن عمر الرازي، وهشيم، ويزيد بن هارون، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة ثقة. وقال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وقال أَبو حاتم: صالح ليس به بأس. وقال العجلي: شَيْبَاني من أنفسهم ثقة صاحب سنة ثبت صالح، وكان أبوه على شُرْطه الحجاج، روى نحوًا من مائتي حديث. وقال ابن سعد عن يزيد بن هارون: كان صاحب أمر بالعروف ونهي عن المنكر، مات سنة ثمان وأربعين ومائة، وكان ثقة. وذكر أسلم بن سهل في "تاريخ واسط" أن اسم جده يزيد ابن رُويم، وروى ذلك بإسناده عنه، وكذا سماه ابن حبان لمّا ذكر العوام في "الثقات".
وقال الحاكم: العوام، ويوسف، وطلاب، أولاد حَوْشب ثقات، يُجْمَع حديثهم.
وعن هشيم قال: ما رأيت أَقْوَلَ بالحق من العوام.
стр. 1226
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط برقم (١٠٣) و (١٦٠٦) و (٢٤٧٢) و (٤٠٨١).
٤ - (مجاهد) بن جَبْر، أَبو الحجاج المخزومي مولاهم المكيّ، ثقة ثبت إمام [٣] تقدّم في ٩/ ٧٤.
٥ - (ابن عبّاس) هو: عبد الله البحر الحبر ﵄ تقدّم في ٣/ ٢٧، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، أنه (قَالَ: لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ) بن الخطّاب ﵁ (نَزَلَ جِبْرِيلُ) وفي رواية ابن حبّان: "أتى جبريل صلوات الله عليه النبيّ ﷺ ... " (فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ لَقَدِ اسْتَبْشَرَ أَهْلُ السَّمَاءِ) وفي نسخة: "السماوات" (بِإِسْلَامِ عُمَرَ) أي لقد أظهرت الملائكة الفرح والسرور بإسلامه، لأنه سبب لتقوية الحقّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه الرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس ﵄ هذا ضعيفٌ جدّا؛ لأن في سنده عبد الله بن خراش مجمع على ضعفه، بل كذّبه بعضهم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (١٢/ ١٠٣) بهذا السند فقط، وقد تفرّد به، فلم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه (الحاكم) في "المستدرك" (٣/ ٨٤) من طريق عبد الله بن خراش، عن العوّام بن حوشب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "لمّا أسلم عمر أتاني جبريل، فقال: استبشر أهل السماء بإسلام عمر"، وصححه، فتعقّبه الذهبيّ بقوله: عبد الله ضعفه الدارقطنيّ (١)، وأخرجه
стр. 1227
(الطبرانيّ) في "المعجم الكبير" (١١/ ٨٠) الحديث (١١١٠٩)، ومن طريقه الحافظ المزّيّ في "تهذيب الكمال" (١٤/ ٤٥٥) وأخرجه (ابن عديّ) في "الكامل" (٤/ ١٥٢٥) من طريق عبد الله بن عمرو بن أبان، عن عبد الله بن خراش، بهذا الإسناد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٠٤ - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْحِيُّ، أَنْبَأَنَا دَاوُدُ بْنُ عَطَاءٍ الْمَدِينِيُّ، عَنْ صَالِح بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَوَّلُ مَنْ يُصَافِحُهُ الْحَقُّ عُمَرُ، وَأَوَّلُ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَأْخُذُ بِيَدِهِ فَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْحِيُّ) المذكور في السند الماضي.
٢ - (دَاوُدُ بْنُ عَطَاءٍ الْمَدِينِيُّ) هو: داود بن عطاء الْمُزنيّ مولاهم، ويقال: مولى الزبير، أَبو سليمان المدني، أو المكيّ، ضعيف [٨].
روى عن موسى بن عقبة، وهشام بن عروة، وصالح بن كيسان، وغيرهم.
وروى عنه الأوزاعي، وهو من شيوخه، وإبراهيم بن المنذر الحزامي، وإسماعيل ابن محمد الطلحي، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد (١): سمعت عبد الله بن محمد بن إسحاق الأَذْرَمِيّ سأل أبي عنه، فقال: لا يُحَدَّث عنه، قال: وسمعته -يعني أباه- يقول: ليس بشيء، قد رأيته قبل أن يموت بأيّام. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: ليس بالقويّ، ضعيف الحديث
стр. 1228
منكر الحديث، قلت: يُكتب حديثه؟ قال: من شاء كتب حديثه زَحْفًا. وقال البخاري: قال أحمد: رأيته، وليس بشيء. وقال البخاريّ، وأبو زرعة: منكر الحديث. وقال النسائيّ: ضعيف. وقال ابن عدي: ليس حديثه بالكثير، وفي حديثه بعض النُّكْرة. وقال الدارقطنيّ: متروك، وهو من أهل مكة، كذا قال. وقال ابن حبان: من أهل المدينة، وهو الذي يقال له: داود بن أبي عطاء، كثير الوهم في الأخبار، لا يُحتَجّ به بحال؛ لكثرة خطئه، وغلبته على صوابه.
تفرّد به المصنّف، وليس له عنده في هذا الكتاب سوى حديثين فقط، برقم (١٠٤) و (١٧٤٣).
٣ - (صَالِحُ بْنُ كيْسَانَ) أَبو محمد، ويقال: أَبو الحارث المدنيّ، مُؤَدِّب وَلَد عمر بن عبد العزيز، ثقة ثبتٌ فقيهٌ [٤].
رأى ابن عمر، وابن الزبير، وقال ابن معين: سمع منهما، وروى عن سليمان بن أبي حَثْمَة، وسالم بن عبد الله بن عمر، وإسماعيل بن محمد بن سعد، والأعرج، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعروة بن الزبير، ونافع مولى بن عمر، ونافع مولى أبي قتادة، ونافع بن جبير بن مطعم، والزهريّ، وأبي الزناد، وابن عجلان، والثلاثة أصغر منه، وغيرهم.
وروى عنه مالك، وابن إسحاق، وابن جريج، ومعمر، وإبراهيم بن سعد، وحماد بن زيد، وسليمان بن بلال، وابن عيينة، وغيرهم.
قال مصعب الزبيريّ: كان جامعًا بين الحديث والفقه والمروءة. وقال حرب: سئل عنه أحمد: فقال: بخ بخ. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: صالح أكبر من الزهري. وقال إسماعيل القاضي، عن ابن المديني: صالح أسنّ من الزهري، قد رأى ابن عمر وابن الزبير، وقال ابن معين: صالح أكبر من الزهريّ، سمع من ابن عمر وابن الزبير. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: معمر أحب إليّ، وصالح ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: حدثني أحمد بن العباس عن ابن معين: قال: ليس في أصحاب الزهري أثبت من
стр. 1229
مالك، ثم صالح بن كيسان.
وقال يعقوب: صالح ثقة ثبت. وقال أَبو حاتم: ضالح أحب إلي من عُقيل؛ لأنه حجازي، وهو أسنّ، رأى ابن عمر، وهو ثقة، يُعَدّ في التابعين. وقال النسائي، وابن خِراش: ثقة. قال الهيثم بن عدي: مات في زمن مروان بن محمد. وقال ابن سعد عن الواقدي: مات بعد الأربعين ومائة. وقيل: مَخْرَج محمد بن عبد الله بن حسن، وكان ثقةً، كثير الحديث. وقال الحاكم: مات صالح بن كيسان، وهو ابن مائة ونيف وستين سنة. وكان قد لَقِي جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ، ثم بعد ذلك تَلَمّذَ للزهري، وتَلَقَّن عنه العلم، وهو ابن تسعين سنة، ابتدأ بالتعليم، وهو ابن سبعين سنة.
وتعقّب الحافظ كلام الحاكم هذا، فقال: هذه مُجازفة قبيحة، مقتضاها أن يكون صالح بن كيسان وُلد قبل بعثة النبي ﷺ ، وما أدري من أين وقع ذلك للحاكم؟ ولو كان طلب العلم كما حدّده الحاكم لكان قد أخذ عن سعد بن أبي وقاص، وعائشة، وقد قال علي بن المديني في "العلل": صالح بن كيسان لم يَلْقَ عقبة بن عامر، كان يروي عن رجل عنه. وقرأت بخط الذهبي "الذي يَظهَر لي أنه ما أكمل التسعين". انتهى.
وقال العجليّ: ثقة. ووقع في "كتاب الزكاة" من "صحيح البخاري": صالح أكبر من الزهري أدرك ابن عمر، وقال ابن حبان في "الثقات": كان من فقهاء المدينة، والجامعين للحديث والفقه، من ذوي الهيئة والمروءة، وقد قيل: إنه سمع من ابن عمر، وما أراه محفوظًا. وقال الخليلي في "الإرشاد": كان حافظًا إمامًا، روى عنه من هو أقدم منه، عمرو بن دينار، وكان موسى بن عقبة يَحكِي عنه، وهو من أقرانه. وقال ابن عبد البر: كان كثير الحديث، ثقة حجة فيما حَمَلَ.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (١٠٤) و (٨٦٠).
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) تقدّم في ٢/ ١٥.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وَهْب بن عَمْرو بن عائذ بن عِمْران بن مَخْزوم القرشيّ المخزوميّ، أحد العلماء الأثبات، والفقهاء الكبار، ثقة ثبت فاضل،
стр. 1230
اتفقوا على أن مرسلاته أصحّ المراسيل، وقال ابن المدينيّ: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، من كبار [٣] (١).
روى عن أبي بكر مرسلا، وعن عمر، وعثمان، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وحكيم بن حِزَام، وابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وأبيه المسيب، وأبي هريرة، وكان زوج ابنته، وغيرهم. وروى عنه ابنه محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، والزهري، وقتادة، وشريك بن أبي نمر، وأبو الزناد، وغيرهم. قال نافع عن ابن عمر: هو والله أحد المفتين. وعن عمرو بن ميمون بن مهران عن أبيه: قال: قدمت المدينة، فسألت عن أعلم أهل المدينة، فدُفعت إلى سعيد بن المسيب. وقال ابن شهاب: قال لي عبد الله بن ثعلبة بن أبي صُعَير: إن كنت تريد هذا -يعني الفقه- فعليك بهذا الشيخ، سعيد بن المسيب. وقال قتادة: ما رأيت أحدا قط أعلم بالحلال والحرام منه. وقال محمد ابن إسحاق عن مكحول: طفت الأرض كلها في طلب العلم، فما لقيت أعلم منه. وقال سليمان بن موسى: كان أفقه التابعين.
وقال البخاري: قال لي علي عن أبي داود، عن شعبة، عن إياس بن معاوية، قال لي سعيد بن المسيب: ممن أنت؟ قلت: من مُزَينة، قال: إني لأذكر يوم نَعَى عمر بن الخطاب النعمان بن مقرن على المنبر. وقال أَبو طالب: قلت لأحمد: سعيد بن المسيب؟ فقال: ومن مثل سعيد؟ ثقة، من أهل الخير، فقلت له: سعيد عن عمر حجة؟ قال: هو عندنا حجة، قد رأى عمر، وسمع منه، وإذا لم يُقبل سعيد عن عمر، فمن يُقْبَل؟. وقال الميموني وحنبل، عن أحمد: مرسلات سعيد صحاح، لا نرى أصح من مرسلاته. وقال