← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17132

مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وأما كونه آخر الصحابة موتًا مطلقًا، فجزم به مسلم، ومصعب الزبيري، وابن منده، والمزي في آخرين، وفي صحيح مسلم عن أبي الطفيل: رأيت رسول الله ﷺ ، وما على وجه الأرض رجل رآه غيري. قال العراقي: وما حكاه بعض المتأخرين عن ابن دُرَيد من أن عِكراش بن ذؤيب تأخر بعد ذلك، وأنه عاش بعد الجمل مائة سنة، فهذا باطل، لا أصل له، والذي أوقع ابنَ دُرَيد في ذلك ابنُ قتيبة، فقد سبقه إلى ذلك، وهو إما باطلٌ، أو مؤول بأنه استكمل المائة بعد الجمل، لا أنه بقي بعدها مائة سنة. وأما قول جرير بن حازم: إن آخرهم موتًا سهل بن سعد، فالظاهر أنه أراد بالمدينة، وأخذه من قول سهل: لو متُ لم تسمعوا أحدًا يقول: قال رسول الله ﷺ ، إنما كان خطابه بهذا لأهل المدينة. وآخرهم موتًا قبله أنس بن مالك ﵁، مات بالبصرة سنة ثلاث وتسعين، وقيل: اثنتين، وقيل: إحدى، وقيل: تسعين، وهو آخر من مات بها. قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا مات بعده، ممن رأى رسول الله ﷺ إلا أبا الطفيل. وقال العراقي: بل مات بعده محمود بن الربيع بلا خلاف، في سنة تسع وتسعين، وقد رآه، وحَدَّث عنه، كما في "صحيح البخاري"، وكذا تأخر بعده عبد الله بن بُسْر المازني، في قول من قال: وفاته سنة ست وتسعين. وآخرهم موتًا بالمدينة سهل بن سعد الأنصاري ﵁، قاله ابن المديني، والواقدي، وإبراهيم بن المنذر، وابن حبان، وابن قانع، وابن منده، وادعى ابن سعد نفي الخلاف فيه، وكانت وفاته سنة ثمان وثمانين، وقيل: إحدى وتسعين، وقال قتادة: بل مات بمصر. وقال ابن أبي داود: بالإسكندرية. وقيل: السائب بن يزيد، قاله أبو بكر بن أبي داود، وكانت وفاته سنة ثمانين. وقيل: جابر بن عبد الله، قاله قتادة وغيره، قال العراقي: وهو قول ضعيف؛ لأن السائب مات بالمدينة بلا خلاف، وقد تأخر بعده، وقيل: بمكة، وكانت وفاته سنة

стр. 1157

اثنتين وسبعين، وقيل: ثلاث، وقيل: أربع، وقيل: سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع، قال العراقي: وقد تأخر بعد الثلاثة محمود بن الربيع الذي عقل المجة، وتوفي بها سنة تسع وتسعين، فهو إذًا آخر الصحابة موتًا بها. وآخرهم بمكة تقدم أنه أبو الطفيل، وهو قول ابن المديني، وابن حبان، وغيرهما. وقيل: جابر بن عبد الله، قاله ابن أبي داود، والمشهور وفاته بالمدينة. وقيل: ابن عمر، قاله قتادة، وأبو الشيخ ابن حبان، ومات سنة ثلاث، وقيل: أربع وسبعين. وآخرهم بالكوفة عبد الله بن أبي أوفى، مات سنة ست وثمانين، وقيل: سبع، وقيل: ثمان. وقال ابن المديني: أبو جحيفة، والأول أصح، فإنه مات سنة ثلاث وثمانين. وقد اختُلف في وفاة عَمْرو بن حُريث، فقيل: سنة خمس وثمانين، وقيل: سنة ثمان وتسعين، فإن صح الثاني فهو آخر من مات من أهل بيعة الرضوان ﵃. وآخرهم موتًا بالشام عبد الله بن بُسْر المازني، قاله خلائق، ومات سنة ثمان وثمانين، وقيل: ست وتسعين، وهو آخر من مات ممن صلى للقبلتين، وقيل: آخرهم بالشام أبو أمامة الباهلي، قاله الحسن البصري، وابن عيينة، والصحيح الأول، فوفاته سنة ست وثمانين، وقيل: إحدى وثمانين، وحكى الخليلي في "الإرشاد" القولين بلا ترجيح، ثم قال: رَوَى بعضُ أهل الشام أنه أدرك رجلًا بعدهما، يقال له: الهدار، رأى النبي ﷺ ، وهو مجهول. وقيل: آخرهم بالشام واثلة بن الأسقع ﵁، قاله أبو زكريا بن منده، وموته بدمشق، وقيل: ببيت المقدس، وقيل: بحمص سنة خمس وثمانين، وقيل: ثلاث، وقيل: ست. وآخرهم بحمص عبد الله بن بُسر ﵁، وآخرهم بالجزيرة العُرْس بن عَمِيرة الكِنْديّ ﵁، وآخرهم بفلسطين أبو أُبَيّ عبد الله بن حَرَام ﵁, ربيب عبادة بن الصامت، وقيل: مات بدمشق، وقيل: ببيت المقدس. وآخرهم بمصر عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبَيدي ﵁، مات سنة ست وثمانين، وقيل: خمس، وقيل: سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع، قاله الطحاوي، وكانت

стр. 1158

وفاته بسَفَط القُدُور، وتعرف الآن بسفط أبي تراب، وقيل: باليمامة، وقيل: إنه شهد بدرًا، ولا يصح، فعلى هذا هو آخر البدريين موتًا. وآخرهم باليمامة الْهِرْماس بن زياد الباهلي ﵁، سنة اثنتين ومائة، أو مائة، أو بعدها. وآخرهم بِبَرْقَةَ رُوَيفع بن ثابت الأنصاري ﵁، وقيل: بإفريقية، وقيل: بأنطابلس، وقيل: بالشام، ومات سنة ثلاث وستين، وقيل: سنة ست وستين. وآخرهم بالبادية سلمة بن الأكوع ﵁، قاله أبو زكريا بن منده، والصحيح أنه مات بالمدينة، ومات سنة أربع وسبعين، وقيل: أربع وستين. وآخرهم موتًا بخراسان بُريدة بن الحصَيب ﵁، وآخرهم بسجستان العداء بن خالد بن هَوْذة ﵁، ذكرهما أبو زكريا بن منده، قال العراقي: وفي بُريدة نظر، فإن وفاته سنة ثلاث وسبعين، وقد تأخر بعده أبو بَرْزَة الأسلمي ﵁، ومات بها سنة أربع وسبعين. وآخرهم بأصبهان النابغة الجْعْدي ﵁، قاله أبو الشيخ، وأبو نعيم. وآخرهم بسمرقند الفضل بن العباس ﵄ (١). وقيل: آخر من مات بسمرقند قُثَم بن العباس، وبواسط لُبَيّ -مصغّرًا- ابن لَبَا -كعصا-، وآخر البدريين من الأنصار أبو أُسيد مالك بن ربيعة الساعديّ، أو أبو اليَسَر كعب بن عَمْرو، ومن البدريين المهاجرين سعد بن أبي وقّاص، وهو آخر العشرة المبشرين بالجنة أيضًا، وآخر أواجه ﷺ موتًا ميمونة ﵂، وقيل: أم سلمة، ورجّحه الحافظ (٢). وإلى ما تقدّم أشار في "ألفية الحديث" بقوله: ........................ ... وَآخِرُ الصِّحَابِ بِاتِّفَاقِ مَوْتًا أبو الطُّفَيْلِ وَهْوَ آخِرُ ... بِمَكَّةٍ وَقِيلَ فِيهَا جَابِرُ بِطَيْبَةَ السائِبُ أَوْ سَهْلٌ أنسْ ... بِبَصرَةٍ وَابْنُ أَبِي أَوْفَى حُبِسْ

стр. 1159

بِكُوفَةٍ وَقِيلَ عَمْرٌو أَوْ أبُو ... جُحَيْفة وَالشَّامُ فِيهَا صَوَّبُوا الْبَاهِلي أَوِ ابْنَ بُسْرٍ وَلَدَى ... مِصْرَ ابْنُ جَزْء وَابْنُ الأَكْوَع بَدَا وَالحبْرُ بِالطَّائِفِ وَالجعْدِيُّ ... بِأَصْبَهَانَ وَقَضى الْكِنْدِيُّ الْعُرْسُ في جَزِيرَةٍ بِبرقَةِ ... رُوَيْفِعُ الهرْمَاسُ بِالْيَمامَة وَقُبِضَ الْفَضْلُ بِسَمْرَقَنْدَا ... وَفي سِجِسْتَانَ الأَخِيرُ الْعَدَّا والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (فوائد): (الأولى): أنه لا يُعرَف أبٌ وابنه شهدا بدرًا إلا مرثد وأبوه أبو مرثد بن الحصين الغنوي. قاله النوويّ. وأغرب من هذا ما أخرجه البغوي في "معجم الصحابة" قال: حدثنا ابن هانئ، حدثنا ابن بكير، حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، أن مَعْنَ بن يزيد بن الأخنس السلميّ شَهِدَ هو وأبوه وجده بدرًا، قال: ولا نعلم أحدًا شهد هو وابنه وابن ابنه بدرًا مُسْلِمين إلا الأخنس. لكن تعقّب الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ﵀ هذا، فقال: هذا لا يصحّ، وإنما الصحيح حديث أبي الجويرية، عن معن، أنه قال: بايعت رسول الله ﷺ أنا، وأبي، وجدّي. انتهى (١). وإلى هذا أشار في "ألفيّة الحديث" بقوله: النَّوَوِي مَا عَرَفُوا مَنْ شَهِدَا ... بَدْرًا مَعَ الْوَالِدِ إلَّا مَرْثَدَا وَالبغَوِيُّ زَادَ أَنَّ معنا ... وَأبهُ وَجَدَّهُ بِالمعْنَى (الثانية): قال ابن الجوزي ﵀: لا نَعرِف سبعة إخوة شهدوا بدرًا مسلمين إلا بني عفراء: معاذ، ومُعَوّذ، وإياس، وخالد، وغافل، وعوف، قال: ولم يشهدها مؤمن ابن مؤمنين إلا عمار بن ياسر، قال: ومن غريب ذلك امرأة لها أربعة إخوة، وعمان شهدوا بدرًا، أخوان وعمّ من المسلمين، وأخوان وعم من المشركين، وهي أم

стр. 1160

أبان بنت عتبة بن ربيعة، أخواها المسلمان: أبو حذيفة بن عتبة، ومصعب بن عمير، والعم المسلم معمر بن الحارث، وأخواها المشركان: الوليد بن عتبة، وأبو عزيز، والعم المشرك شيبة بن ربيعة. ولا يعرف سبعة إخوة أو تسعة، صحابة مهاجرون، إلا أولاد الحارث بن قيس السهمي، كلهم صحبوا، وهاجروا، وهم: بشر، وتميم، والحارث، والحجاج، والسائب، وسعيد، وعبد الله، ومعمر، وأبو قيس. ولا أربعة أدركوا النبي ﷺ متوالدون إلا عبد الله بن أسماء بنت أبي بكر الصديق ابن أبي قحافة، وإلا أبو عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة ﵃. وقال الحافظ: حجر وقد ذكروا أن أسامة وُلد له في حياة النبي ﷺ ، فعلى هذا يكون كذلك، إذ حارثة والد زيد صحابي، كما جزم به النذري في "مختصر مسلم"، وحديث إسلامه في "مستدرك الحاكم"، وكذا زيد، وأسامة، قال: وكذا إياس بن سلمة ابن عمرو بن الأكوع الأربعة، ذُكروا في الصحابة، وطلحة بن معاوية بن جاهمة بن العباس بن مِرْداس في أمثلة أخرى لا تصح. وإلى ما ذُكر أشار في "ألفيّة الحديث" بقوله: وَأَرْبَعٌ تَوَالَدُوا صَحَابَهْ ... حَارِثَةُ الموْلَى أبو قُحَافَه (الثالثة): ليس في الصحابة من اسمه عبد الرحيم، بل ولا من التابعين، ولا من اسمه إسماعيل، من وجه يصح، إلا واحد بصري، روى عنه أبو بكر بن عُمارة حديث: "لا يلج النار أحدٌ صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها"، أخرجه ابن خزيمة (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].

стр. 1161

(فضل أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁) أي هذا باب في ذكر الأحاديث الدالّة على فضل أبي بكر الصدّيق ﵁، وقد تقدّم بيان معنى الفضل في الباب السابق. وأبو بكر ﵁ هو: عبد الله بن أبي قحافة التيميّ، هكذا جزم البخاريّ في "صحيحه" بأن اسم أبي بكر عبد الله، وهو المشهور، ويقال: كان اسمه قبل الإسلام عبد الكعبة. وكان يُسَمَّى أيضا عَتِيقًا، واختُلِف هل هو اسم له أصلي، أو قيل له: ذلك لأنه ليس في نسبه ما يُعاب به، أو لِقِدَمه في الخير، وسبقه إلى الإسلام، أو قيل له ذلك؛ لحسنه، أو لأن أمه كان لا يعيش لها ولد، فلما وُلِد استقبلت به البيت، فقالت: اللهم هذا عَتيقك من الموت، أو لأن النبي ﷺ بَشَّره بأن الله أعتقه من النار. وقد ورد في هذا الأخير حديث عن عائشة عند الترمذي، وآخر عن عبد الله بن الزبير عند البزار، وصححه ابن حبان، وزاد فيه: "وكان اسمه قبل ذلك عبد الله بن عثمان"، وعثمان اسم أبي قُحَافة لم يُختَلف في ذلك، كما لم يُختلف في كنية الصديق. ولُقِّب الصديقَ؛ لسبقه إلى تصديق النبي ﷺ . وقيل: كان ابتداء تسميته بذلك صَبِيحةَ الإسراء. وروى الطبراني من حديث عليّ ﵁ أنه كان يَحلِف أن الله أنزل اسم أبي بكر من السماء الصديق، ورجاله ثقات. وأما نسبه فهو: عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سَعْد بن تيم بن مُرّة بن كعب بن لُؤَيّ بن غالب، يجتمع مع النبي ﷺ في مرة بن كعب، وعدد آبائهما إلى مرة سواء. وأم أبي بكر: سَلْمَى -وتُكنى أمَّ الخير- بنت صخر بن مالك بن عامر بن عمرو المذكور، أسلمت، وهاجرت، وذلك معدود من مناقبه؛ لأنه انتظم إسلام أبويه، وجميع أولاده. قاله في "الفتح" (١).

стр. 1162

وُلد بعد الفيل بسنتين وستة أشهر، أخرج بن الْبَرْقيّ من حديث عائشة، تذاكر رسول الله ﷺ وأبو بكر ميلادهما عندي، فكان النبي ﷺ أكبر. وصحب النبي ﷺ قبل البعثة وسبق إلى الإيمان به، واستمر معه طول إقامته بمكة، ورافقه في الهجرة، وفي الغار، وفي المشاهد كلها إلى أن مات، وكانت الراية معه يوم تبوك، وحج في الناس في حياة رسول الله ﷺ سنة تسع، واستقر خليفة في الأرض بعده، ولقبه المسلمون خليفة رسول الله ﷺ . وفي "المعرفة" لابن منده: كان أبيض نحيفًا خفيف العارضين، معروق الوجه، ناتىء الجبهة، يَخضِب بالحناء والكتم. وقال ابن إسحاق في "السيرة الكبرى": كان أبو بكر رجلًا مؤلفًا لقومه، محببًا سهلًا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلمهم مما كان منها من خير أو شر، وكان تاجرًا، ذا خُلُق ومعروف، وكانوا يألفونه لعلمه وتجاربه، وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام مَن وَثِقَ به، فأسلم على يديه عثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف. وأخرج أبو داود في "الزهد" بسند صحيح عن هشام بن عروة، أخبرني أبي، قال: أسلم أبو بكر وله أربعون ألف درهم، قال عروة: وأخبرتني عائشة: أنه مات وما ترك دينارًا ولا درهمًا. وقال يعقوب بن سفيان في "تاريخه": حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا هشام، عن أبيه، أسلم أبو بكر، وله أربعون ألفا، فأنفقها في سبيل الله، وأعتق سبعة كلهم يعذب في الله، أعتق بلالًا، وعامر بن فُهيرة، وزنيرة، والنهدية، وابنتها، وجارية بني المؤمل، وأم عبيس. وأخرج مصعب الزبيريّ من طريق أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه: كان أبو بكر معروفًا بالتجارة، وقد بُعث النبي ﷺ ، وعنده أربعون ألفًا، فكان يُعتق منها، ويَعُول المسلمين حتى قدم المدينة بخمسة آلاف، وكان يفعل فيها كذلك. ومناقب أبي بكر ﵁ كثيرة جدًّا، وقد أفردها جماعة بالتصنيف، وترجمته في "تاريخ ابن عساكر" قدر مجلدة، ومن أعظم مناقبه ﵁ قول الله تعالى فيه: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا في الْغَارِ إِذْ يَقُولُ

стр. 1163

لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، فإن المراد بصاحبه أبو بكر بلا نزاع، إذ لا يعترض بأنه لم يتعين، لأنه كان مع النبي ﷺ في الهجرة عامر بن فُهيرة، وعبد الله بن أبي بكر، وعبد الله بن أُريقط الدليل؛ لأنا نقول: لم يصحبه في الغار سوى أبي بكر؛ لأن عبد الله بن أبي بكر استمر بمكة، وكذا عامر بن فُهيرة، وإن كان ترددهم إليهما مدة لبثهما في الغار استمرت لعبد الله من أجل الإخبار بما وقع بعدهما، وعامر بسبب ما يقوم بغذائهما من الشياه، والدليل لم يصحبهما إلا من الغار، وكان على دين قومه مع ذلك، كما في نفس الخبر، وقد قيل: إنه أسلم بعد ذلك، وثبت في "الصحيحين" من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال لأبي بكر، وهما في الغار: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما"، والأحاديث في كونه كان معه في الغار كثيرة شهيرة، ولم يَشْرَكه في هذه المنقبة غيره. ومن أعظم مناقب أبي بكر ﵁ أن ابن الدَّغِنَة سيد القَارَة لمّا رد إليه جواره بمكة وصفه بنظير ما وَصَفت به خديجة النبي ﷺ لمّا بُعث، فتواردا فيهما على نعت واحد من غير أن يتواطآ على ذلك، وهذا غاية في مدحه؛ لأن صفات النبي ﷺ منذ نشأ كانت أكمل الصفات. وقال العسكريّ: كانت تُساق إليه الأشناق في الجاهلية، وهي الديات التي يتحملها ممن يتقرب لذلك من العشيرة، فكان إذا حمل شيئًا من ذلك، فسأل فيه قريشًا مدحوه، وأمضوا إليه حمالته، فإن احتملها غيره لم يصدقوه. وذكر ابن سعد من طريق الزهري أن أبا بكر والحارث بن كَلَدَة أكلا خَزِيرة أُهديت لأبي بكر، وكان الحارث طبيبًا، فقال لأبي بكر: ارفع يدك والله إن فيها لسم سنة، فلم يزالا عليلين حتى ماتا عند انقضاء السنة في يوم واحد، وكانت وفاته يوم الإثنين في جمادى الأولى سنة ثلاث عشر من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة، على الصحيح (١).

стр. 1164

أخرج له الجماعة، وروى من الأحاديث (١٤٢) حديثًا، اتّفق الشيخان على ستة، وانفرد البخاريّ بأحد عشر، ومسلم بحديث واحد، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا. [فائدة]: السبب في قلة ما روى الصديق ﵁ من الأحاديث مع تقدمه، وسبقه إلى الإسلام، وملازمته للنبي ﷺ أنه تقدمت وفاته قبل انتشار الحديث، واعتناء الناس بسماعه، وتحصيله، وحفظه. ذكره النوويّ في "تهذيبه" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٩٣ - (حَدَّثَنَا عِليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَلا إِنِّي أبرَأُ إِلَى كلِّ خَلِيلٍ مِنْ خُلَّتِهِ، وَلَوْ كنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا، لَاتَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ خَلَيلًا، إِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ الله"، قَالَ وَكِيعٌ: يَعْني نَفْسَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الله بْنُ مُرَّة) الهَمْدَاني الخارفيّ -بالخاء المعجمة، والراء، والفاء- ثقة [٣]. روى عن ابن عمر، والبراء، وأبي الأحوص، ومسروق، وغيرهم. وروى عنه الأعمش، ومنصور، قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة. وقال العجليّ: تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. وقال عمرو بن علي: مات سنة مائة. وأرخه ابن قانع: سنة تسع وتسعين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط برقم (٩٣) و (١٥٨٤) و (٢١٢٢) و (٢٣٢٧) و (٢٥٣٤) و (٢٥٥٨) و (٢٦١٦) و (٢٨٠١). ٢ - (أبو الْأَحْوَصِ) عوف بن مالك بن نَضْلة الجُشَميّ الكوفيّ، ثقة [٣] ٧/ ٤٦. ٣ - (عَبْدُ الله) بن مسعود الصحابيّ المشهور ﵁ ٢/ ١٩، والباقون تقدّموا في

стр. 1165

الباب الماضي، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، بل رجال الجماعة، سوى شيخه، فقد تفرّد به هو والنسائيّ في "مسند عليّ". ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين. ٤ - (ومنها): أن عبد الله بن مرة هذا أول محل ذكره من الكتاب، وجملة ما رواه المصنّف له من الأحاديث ثمانية أحاديث، كما نبّهت عليه آنفًا. ٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن أبي الأحوص، ورواية الأخيرين من رواية الأقران. ٦ - (ومنها): أن فيه عبد الله غير منسوب، وهو ابن مسعود ﵁؛ لأن السند كوفيّ، وقد تقدّمت القاعدة أنه إذا أُطلق عبد الله في الصحابة أنه يُنظر إلى الراوي عنه، فإن كان كوفيّا فهو ابن مسعود، وهكذا ... ، فلا تنسَ نصيبك منها. ٧ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحد السابقين إلى الإسلام، وممن لازم النبيّ ﷺ طول حياته، وقرأ عليه القرآن، وكان من أقرإ الناس، وقد مدحه النبيّ ﷺ بذلك، فقال: "من أحبّ أن يقرأ القرآن غضًّا كما أُنزِل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد". ﵁. وستأتي مناقبه في باب خاصّ به، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الله) بن مسعود ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : (أَلا) أداة استفتاح وتنبيه، يُلقى بها للمَخاطب؛ تنبيها له، وإزالة لغفلته (إِنِّي) بكسر الهمزة؛ لوقوعها بعد "ألا" الاستفتاحيّة (أَبْرَأُ) بفتح الراء، يقال: بَرِىء الرجلُ بالكسر من الأمرِ، كفَرِح، يَبْرَأ بالفتح على القياس، ويَبْرُأُ بالضمّ نادر، بل غريب جدّا، بَرَاءً، كسلامٍ، وبَرَاءَةً، ككرَامةٍ،

стр. 1166

وبُرْأ بضم، فسكون: تبرّأ منه. قاله في "القاموس" و"شرحه" (١) (إِلَى كُلِّ خَلِيلٍ) متعلّق بـ"أبرأ"، و"الخليل": الصديق، فَعِيل بمعنى مُفاعل، وقد يكون بمعنى مفعول. قاله ابن الأثير (٢). وقال السنديّ: أي أبرأ إلى كلّ من يزعم أني اتّخذته خليلًا، فلا يشمل عمومه الربّ الجليل حتى يُحتاج إلى الاستثناء. انتهى (٣). (مِنْ خُلَّتِهِ) أي من اتّخاذي إياه خليلًا. قال الفيّوميّ: الخَلّة بالفتح، والضمّ لغةُ: الصداقة، واقتصر ابن الأثير على الضمّ فقط، وقال: الخُلّة بالضمّ: الصداقة، والمحبّة التي تخلّلت القلب، فصارت خلاله: أي في باطنه. قال: وإنما قال ذلك لأن خُلّته كانت مقصورةً على حبّ الله تعالى، فليس فيها لغيره مُتَّسَعٌ، ولا شَرِكة من مَحابّ الدنيا والآخرة، وهذه حال شريفة، لا ينالها أحدٌ بكسب واجتهاد، فإن الطباع غالبة، وإنما يخصّ الله بها من يشاء من عباده، مثل سيّد المرسلين ﷺ ، ومن جعل الخليل مُشتقا من الْخَلّة، وهي الحاجة والفقر أراد إني أبرأ من الاعتماد، والافتقار إلى أحد غير الله تعالى. انتهى (٤). ووقع في رواية مسلم: "إني أبرأ إلى كل خلّ من خلّه": قال النوويّ ﵀: هما بكسر الخاء، فأما الأول فكسره متّفق عليه، وهو الخلّ بمعنى الخليل، وأما قوله: "من خلّه" فبكسر الخاء عند جميع الرواة في جميع النسخ، وكذا نقله القاضي عن جميعهم، قال: والصواب الأوجه فتحها، قال: والخلّة والخلّ، والخلال، والمخاللة، والخلوة: الإخاء والصداقة: أي برئت من صداقته المقتضية المخاللة. هذا كلام القاضي. والكسر صحيح، كما جاءت به الروايات: أبرأ إليه من مخاللتي إياه. وذكر ابن الأثير أنه روي

стр. 1167

بكسر الخاء وفتحها وأنهما بمعنى الخلّة بالضمّ التي هي الصداقة. انتهى (١). [تنبيه]: قال في "الفتح": واختُلِف في المودة، والخلة، والمحبة، والصداقة، هل هي مترادفة، أو مختلفة؟. قال أهل اللغة: الخلة أرفع رتبة، وهو الذي يُشعِر به حديث الباب، وكذا قوله ﷺ : "لو كنت متخذا خليلًا غير ربي"، فإنه يشعر بأنه لم يكن له خليل من بني آدم، وقد ثبتت محبته لجماعة من أصحابه، كأبي بكر، وفاطمة، وعائشة، والحسنين، وغيرهم، ولا يَعْكُر على هذا اتصاف إبراهيم ﵇ بالخلة، ومحمد ﷺ بالمحبة، فتكون المحبة أرفع رتبة من الخلة؛ لأنه يُجاب عن ذلك بأن محمدا ﷺ قد ثبت له الأمران معًا، فيكون رجحانه من الجهتين. والله أعلم. وقال الزمخشري: الخليل هو الذي يوافقك في خلالك، ويسايرك في طريقك، أو الذي يَسُدّ خللك، وتسد خلله، أو يداخلك خلال مَنْزِلك. انتهى. وكأنه جوّز أن يكون اشتقاقه مما ذُكِر. وقيل: أصل الخلة انقطاع الخليل إلى خليله. وقيل: الخليل من يتخلله سرك. وقيل: من لا يسع قلبه غيرك. وقيل: أصل الخلة الاستصفاء. وقيل: المختص بالمودة. وقيل: اشتقاق الخليل من الْخَلّة -بفتح الخاء- وهي الحاجة، فعلى هذا فهو المحتاج إلى من يُخَالُّهُ، وهذا كله بالنسبة إلى الإنسان، أما خلة الله للعبد فبمعنى نصره له ومعاونته. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "أما خلة الله للعبد إلخ" فيه أنه تأويل للخلّة بلازمها، وهذا غير صحيح، بل الصواب أن الخلّة صفة من صفات الله على ما يليق بجلاله، كسائر صفاته، من العلم، والسمع، والبصر، والقدرة، والإرادة، والرضى والغضب، والمحبّة، والبغض، ونحوها، فكلها صفة ثابتة له تعالى على الوجه اللائق به،

стр. 1168

ولا يلزم من ذلك تشبيهه بخلقه؛ لأن صفات الخالق مباينة لصفات الخلق، وإنما تتّفق الأسماء دون الحقائق، كما أننا نثبت له ذاتًا لا كذوات المخلوق، كذلك الصفات؛ إذ هي فرع الذات، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهَوَّر بتقليد ذوي الاعتساف، والله الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه آخر]: قال في "الفتح" أيضًا: وقد تواردت هذه الأحاديث على نفي الخلة من النبي ﷺ لأحد من الناس، وأما ما رُوي عن أُبَيّ بن كعب ﵁ قال: إن أحدث عهدي بنبيكم قبل موته بخمس، دخلت عليه، وهو يقول: "إنه لم يكن نبي إلا وقد اتخذ من أمته خليلًا، وإن خليلي أبو بكر، ألا وإن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا"، أخرجه أبو الحسن الحربي في "فوائده"، وهذا يعارضه ما في رواية جندب عند مسلم أنه سمع النبي ﷺ يقول قبل أن يموت بخمس: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل"، فإن ثبت حديث أُبَيّ (١) أمكن أن يُجمَع بينهما بأنه لمّا بريء من ذلك تواضعًا لربه، وإعظامًا له أذن الله تعالى له فيه من ذلك اليوم لِمَا رأى من تشوفه إليه، وإكرامًا لأبي بكر بذلك، فلا يتنافى الخبران، أشار إلى ذلك المحب الطبري. وقد رُوي من حديث أَبِي أمامة ﵁ نحو حديث أبي بن كعب ﵁ دون التقييد بالخمس، أخرجه الواحدي في "تفسيره"، والخبران واهيان. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا حاجة إلى الجمع المذكور؛ لأن الجمع فرع ثبوت التعارض، ولا تعارض بين ما في الصحيح، والخبر الواهي، فتأمل بالإنصاف، والله سبحانه الهداي إلى سواء السبيل. (وَلَوْ كنْتُ مُتَّخِذًا) اسم فاعل من اتّخذ، وهو فعل يتعدّى إلى مفعولين، أحدهما بحرف الجرّ، فيكون بمعنى اختار واصطفى، كما قال تعالى ﴿وَاتَّخَذَ قَومُ مُوسَى مِن

стр. 1169

بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ الآية [الأعراف: ١٤٨]، وقد سكت هنا عن أحد مفعوليها، وهو الذي دخل عليه حرف الجرّ، فكأنه قال: لو كنت متّخذًا من الناس خليلًا لاتخذت منهم أبا بكر. قاله القرطبيّ (١). (خَلِيلًا) وفي رواية أحمد: "لو كنت متخذًا خليلًا سوى الله حتى ألقاه". و"الخليل": فَعِيل بمعنى فاعل، وهو من الخلة بالضم، وهي الصداقة، والمحبة التي تخللت القلب، فصارت خلاله، قال في "الفتح": وهذا صحيح بالنسبة إلى ما في قلب إبراهيم من حب الله تعالى، وأما إطلاقه في حق الله تعالى فعلى سبيل المقابلة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا فيه ما تقدّم في الخلّة، فتنبّه. والله تعالى أعلم. وقيل: الخلة أصلها الاستصفاء، وسمي بذلك؛ لأنه يوالى، ويعادي في الله تعالى، وخلة الله له نصره، وجعله إمامًا (٢). وقيل: هو مشتق من الخلة -بفتح المعجمة - وهي الحاجة، سمي بذلك لانقطاعه إلى ربه، وقصره حاجته عليه. انتهى (٣). وقال القرطبيّ: الخليل: الصديق المخلص، والْخُلّة بضم الخاء: الصداقة والمودّة. ويقال فيها أيضًا: خلالة بالضمّ والفتح والكسر، والْخَلّة بفتح الخاء: الفقر والحاجة، والخلّة بكسرها: واحدة خِلَل السيوف، وهي بطائن أغشيتها، والخلل: الفرجة بين الشيئين، والجمع خلال. وقد اختُلف في الخليل اسم إبراهيم ﵇ من أيّ هذه المعاني والألفاظ أُخِذ؟ فقيل: إنه مأخوذ من الخلّة بمعنى الصداقة، وذلك أنه صَدَق في محبّة الله تعالى، وأخلص فيها حتى آثر محبّته على كلّ محبوباته، فبذل ماله للضيفان، وولده للقُرْبان، وجسده للنيران. وقيل: من الخلّة التي بمعنى الفقر والحاجة، وذلك أنه افتقر إلى الله تعالى في

стр. 1170

حوائجه، ولجأ إليه في فاقته، حتى لم يلتفت إلى غيره، بحيث آلت حاله إلى أن قال له جبريل، وهو في الهواء حين رُمي به في المنجنيق: ألك حاجة؟ فقال: أما إليه فلا. وقيل: من الخلل بمعنى الفرجة بين الشيئين، وذلك لما تخلّل قلبه من معرفة الله تعالى ومحبّته ومراقبته، حتى كأنه مُزجت أجزاء قلبه بذلك، وقد أشار إلى هذا المعنى بعض الشعراء، فقال [من الخفيف]: قَدْ تخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوح مِنِّي ... وَلذَا سُمِّيَ الخلِيلُ خَلِيلَا ولذا جمع هذه المعاني، وأحسن من قال في الْخُلّة: إنها صفاء المودّة التي توجب الاختصاص بتخلّل الأسرار، والغنى عن الأغيار. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). (لَاتَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ خَلِيلًا) زاد في رواية لمسلم: "ولكنه أخي وصاحبي". ووقع في رواية غيره: "ولكنه أخي في الدين، وصاحبي في الغار" (إِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ الله (٢)) وفي رواية مسلم: "وقد اتّخذ الله خليلًا". وزاد في رواية غيره: "اتخذ إبراهيم خليلًا". قال القرطبيّ ﵀: هذا يدل على أن الله تعالى بلّغ درجة نبيّنا ﷺ في الخلّة بإبراهيم ﵇ غير أنه مكنه فيها ما لم يمكّن إبراهيم فيها، بدليل قول إبراهيم ﵇: "إنما كنت خليلًا من وراء وراء" (٣) انتهى (٤). وقال أيضًا: ومعنى هذا الحديث: أن أبا بكر ﵁ كان قد تأهّل لأن يتّخذه النبيّ ﷺ خليلًا، لولا المانع الذي منع النبيّ ﷺ ، وهو أنه لما امتلأ قلبه بما تخلّله من معرفة الله تعالى، ومحبّته، ومراقبته، حتى كأنه مُزجت أجزاء قلبه بذلك، لم يتّسع قلبه لخليل آخر يكون كذلك فيه، وعلى هذا فلا يكون الخليل إلا واحدًا، ومن لم ينته إلى ذلك ممن تعلّق

стр. 1171

القلب به، فهو حبيبٌ، ولذلك أثبت لأبي بكر، وعائشة، ﵄ أنهما أحبّ الناس إليه، ونفى عنهما الخلّة، وعلى هذا فالخلّة فوق المحبّة. وقد اختلف أرباب القلوب في ذلك، فذهب الجمهور إلى أن الخلّة أعلى؛ تمسّكًا بما ذكرناه، وهو متمسّكٌ قويٌّ ظاهرٌ. وذهب أبو بكر بن فُورَك إلى أن المحبّة أعلى، واستدلّ على ذلك بأن الاسم الخاصّ بمحمد ﷺ الحبيب، وبإبراهيم الخليل، ودرجة نبيّنا ﷺ أرفع، فالمحبّة أرفع. وقد ذكر القاضي عياض هذه المسألة في "كتاب الشفا" (١)، واستوفى فيها البحث، فلتنظر هناك انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢). (قَالَ وَكِيع) بن الجرّاح الراوي عن الأعمش، مفسرًا للجملة الأخيرة (يَعْني) أي يقصد ﷺ بقوله: "صاحبكم" (نَفْسَهُ) ﷺ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (١١/ ٩٣) بهذا السند فقط، وأخرجه (مسلم) في "كتاب الفضائل" (٦١٢٦) و (الترمذيّ) في "المناقب" (٣٦٥٥) و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٣١٤) و (عبد الرزاق) في "مصنفه" (٢٠٣٩٨) و (الحميديّ) في "مسنده" (١١٣) و (ابن سعد) في "الطبقات" ٣/ ١٧٦ و (ابن أبي شيبة) في "مصنفه" ١٢/ ٥ و (أحمد) في "مسنده" ١/ ٣٧٧ و ٣٨٩ و ٤٠٨ و ٤١٢ و ٤٣٣ و ٤٣٤ و ٤٣٧ و ٤٣٩ و٤٥٥ و ٤٦٢. وفي "فضائل الصحابة" (١٥٥) و (١٥٦) و (١٥٧) و (١٥٨) و (١٥٩) و (١٦٠). و (النسائيّ)

стр. 1172

في "فضائل الصحابة" من "الكبرى" (٤) و"ابن حبّان" في "صحيحه" (٦٨٥٥) و (٦٨٥٦) و (أبو يعلى) في "مسنده" (٥١٤٩) و (٥١٨٠) و (٥٢٤٩) و (٥٣٠) و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٨٦٧). والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل أبي بكر الصدّيق ﵁، وهو واضح. ٢ - (ومنها): بيان مكانة النبيّ ﷺ عند ربّه، ورفعة منزلته على كلّ الخلق؛ لأن الله أخبر، فقال : ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، فأخبر ﷺ في هذا الحديث وغيره أنه نال تلك الدرجة، وزاد عليها، وذلك أن إبراهيم ﵇ حينما يستشفع الناس به إلى ربهم في عرصات القيامة، يتوسّلون إليه بكون الله تعالى اتّخذه خليلًا، فيقول لهم: "إنما كنت خليلًا من وراء وراء"، فيعتذر إليهم، وأما نبيّنا ﷺ ، فيجيبهم بقوله: "أنا لها". ٣ - (ومنها): بيان أن الخُلّة أرفع درجة من المحبّة، حيث تبرّأ ﷺ إلى كلّ خليل من خُلّته، وقد أثبت محبته لغير واحد، فقد أخرج الشيخان في "صحيحيهما" من حديث عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ بَعَثَه على جيش ذات السَّلاسِل، فأتيته، فقلت: أَيُّ الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة"، فقلت: من الرجال؟ فقال: "أبوها"، قلت: ثم مَنْ؟ قال: "ثم عمر بن الخطاب"، فعد رجالًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٩٤ - (حَدَّثَنَا أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبةَ، وعليّ بْنُ مُحَمّدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أبو مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَال رَسُوُل الله ﷺ : "مَا نَفَعَني مَالٌ قَطُّ مَا نَفَعَني مَالُ أَبِي بَكْرٍ"، فَبَكَى أبو بَكْرٍ، وَقَالَ: هَلْ أَنا وَمَالِي إِلا لَكَ يَا رَسُولَ الله). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان

стр. 1173

الواسطيّ الأصل، نزيل الكوفة، ثقة حافظ، صاحب تصانيف [١٠]، تقدّم في ١/ ١. ٢ - (عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ) الطنافسيّ المذكور في السند الماضي. ٣ - (أبو مُعَاوِيَةَ) هو: محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره، من كبار [٩] تقدّم في ١/ ٣. ٤ - (الْأَعْمَشُ) المذكور في السند الماضي. ٥ - (أبو صالح) هو: ذكوان السمان الزيّات المدنيّ الثقة الثبت [٣]، تقدم في ١/ ١. ٦ - (أبو هريرة) الصحابيّ الشهير ﵁ تقدّم في ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، كما سبق في السند الماضي. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير أبي صالح، وأبي هريرة، فمدنيّان. ٤ - (ومنها): أن فيه أبا معاوية أحفظ من روى لحديث الأعمش بعد الثوريّ، والأعمش من أكثر من روى عن أبي صالح. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : مَا) نافية (نَفَعَني مَالٌ قَطُّ) بفتح القاف والطاء المشدّدة، ويجوز ضمهما، ويجوز تخفيف الطاء، ومعناه الزمن الماضي (مَا) مصدريّة (نَفَعَني مَالُ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق ﵁ أي لم ينفعني مال أحد من الناس مثل ما نفعني مال أبي بكر ﵁ (فَبَكَى أبو بَكْرٍ) ﵁، وسبب بكائه هو ما أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خطب رسول الله ﷺ الناس، وقال: "إن الله خَيَّر عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله"، قال: فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه، أن يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خُيِّر، فكان رسول الله ﷺ هو المخيرَ،

стр. 1174

وكان أبو بكر أعلمنا، فقال رسول الله ﷺ : "إن من أمن الناس عليَّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أُخُوّة الإسلام ومودته، لا يَبْقَيَنَّ في المسجد باب إلا سُدَّ إلا باب أبي بكر". ويحتمل أن يكون بكاؤه فرحًا بقول النبيّ ﷺ هذا. والله تعالى أعلم. (وَقَالَ) أبو بكر ﵁ (هَلْ أنا وَمَالِي إِلا لَكَ يَا رَسُولَ الله) قاله ﵁ مراعاة للأدب، وتواضعًا في حضرته ﷺ ، يعني أن نفسه وماله كله للنبيّ ﷺ ؛ لأنه أولى به من نفسه، فقد قال الله : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٦]، وقال النبيّ ﷺ : "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم"، متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده الأعمش، وهو مدلّسٌ، وقد عنعنعه؟. [قلت]: إنما صحّحته؛ لما ذكره الإمام الذهبيّ ﵀ في "ميزان الاعتدال" في ترجمته، قال: وهو يدلّس، وربما دلّس عن ضعيف، ولا يُدْرَى به، فمتى قال: حدّثنا فلا كلام، ومتى قال: "عن" تطرّق إليه احتمال التدليس، إلا في شيوخ له أكثر عنهم، كإبراهيم، وأبي وائل، وأبي صالح السمّان، فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتّصال، انتهى (١). وهذا الحديث من هذا النوع، فقد رواه عن أبي صالح السمّان، وهو ممن أكثر عنه، فقد ثبت عنه أنه قال: كتبت عن أبي صالح ألف حديث، كما ذكره الذهبيّ في "السير" (٢)، والله تعالى أعلم.

стр. 1175

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (١١/ ٩٤) بهذا السند فقط، وأخرجه (الترمذيّ) من طريق يزيد الأوديّ، عن أبي هريرة ﵁ سيأتي لفظه قريبًا (٣٦٦١)، و (النسائي) في "فضائل الصحابة" من "الكبرى" (٩) وأخرجه (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٢/ ٦ - ٧) و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٥٣) و (٣٦٦) وفي "فضائل الصحابة" (٢٥) و (٣٢) و (ابن أبي عاصم) في "السنّة" (١٢٢٩) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٨٥٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل أبي بكر الصدّيق ﵁. ٢ - (ومنها): ما كان له من الخصوصية التي ليست لغيره ﵁، وهي مواساته للنبيّ ﷺ ، وقد أثنى عليه النبيّ ﷺ بذلك في غير ما حديث، فقد تقدّم فيما أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدريّ: "إن من أمن الناس عليَّ في صحبته وماله أبا بكر ... " الحديث. وأخرج الترمذيّ، من طريق يزيد الأوديّ، عن أبي هريرة ﵁ عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما لأحد عندنا يَدٌ إلا وقد كافأناه، ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يدًا يكافيه الله بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا، لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن صاحبكم خليل الله". وأخرج الطبرانيّ من حديث ابن عبّاس ﵄، مرفوعًا: "ما أحد أعظم عندي يدًا من أبي بكر، واساني بنفسه، وماله، وأنكحني ابنته". وأخرج ابن عساكر عن أنس ﵁ رفعه:" إن أعظم الناس علينا مَنّا أبو بكر، زوّجني ابنته، وواساني بنفسه، وإن خير المسلمين مالًا أبو بكر، أعتق منه بلالًا، وحملني إلى دار الهجرة". وقال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀ في شرح حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ المتقدّم: ما نصّه: فقد تضمّن هذا الكلام أن لأبي بكر ﵁ من الفضائل والحقوق ما لا

стр. 1176

يشاركه فيها مخلوق، وقال في تفسير الحديث: معناه: أن أبا بكر ﵁ له من الحقوق ما لو كانت لغيره لامتنّ بها، وذلك أنه ﵁ بادر النبيّ ﷺ بالتصديق، والناس كلهم مكذّبون، وبنفقة الأموال العظيمة، والناس يبخلون، وبالملازمة والصاحبة، والناس ينفرون، وهو مع ذلك بانشراح صدره، ورسوخ علمه يعلم أن لله ولرسوله ﷺ الفضل والإحسان والمنّة والامتنان، لكن النبيّ ﷺ بكرم خُلُقه، وجميل معاشرته اعترف بالفضل لمن صدر عنه، وشكر الصنيعة لن وُجدت منه؛ عملًا بشكر المنعم؛ ليسنّ، ولِيُعَلِّم، وهذا مثل ما جرى له ﷺ يوم حنين مع الأنصار ﵃ حيث جمعهم، فذكّرهم بما له عليهم من المِنَن، ثم اعترف لهم بما لهم من الفضل الجميل الحسن. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). [فائدة]: جاء عن عائشة ﵂ بيان مقدار المال الذي أنفقه أبو بكر ﵁ في سبيل نصرة النبيّ ﷺ ، فقد روى ابن حبّان من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أنها قالت: "أنفق أبو بكر على النبيّ ﷺ أربعين ألف درهم". وروى الزبير بن بكّار عن عروة عن عائشة ﵂: "أنه لمّا مات ما ترك دينارًا ولا درهمًا" (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٩٥ - (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الحسَنِ بْنِ عمارَةَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الحارِثِ، عَنْ عِليٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أبو بَكْرٍ وَعُمَرُ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الجنَّةِ، مِنَ الْأَوَّلينَ وَالْآخِرِينَ، إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالمرْسَلَينَ، لَا تُخْبِرْهُمَا يَا عِليُّ مَا دَامَا حَيَّيْنِ").

стр. 1177

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هشام بن عّمار) السلميّ الدمشقيّ الخطيب، صدوق، كبر فتلقن، فحديثه القديم أصحّ، من كبار [١٠] ١/ ٥. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الثقة الحجة الثبت [٨] ٢/ ١٣. ٣ - (الحسن بن عمارة) بن المُضَرِّب البجليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، كان على قضاء بغداد في خلافة المنصور، متروك [٧]. روى عن بريد بن أبي مريم وحبيب بن أبي ثابت، وشبيب بن غَرْقَدة، والحكم بن عتيبة، وابن أبي مليكة، والزهري، وفراس بن يحيى الهمداني، وغيرهم. وروى عنه السفيانان، وعبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني، وأبو معاوية، وعبد الرزاف، وخلاد بن يحيى، وغيرهم. قال النضر بن شميل عن شعبة: أفادني الحسن بن عمارة سبعين حديثًا عن الحكم، فلم يكن لها أصل. وقال ابن عيينة: كان له فضل، وغيره أحفظ منه. وقال الطيالسي: قال شعبة: ائت جرير بن حازم، فقل له: لا يحل لك أن تروي عن الحسن بن عمارة، فإنه يكذب، قال أبو داود: فقلت لشعبة: ما علامة ذلك؟ قال: روى عن الحكم أشياء فلم نجد لها أصلًا، قلت للحكم: صلى النبي ﷺ على قتلى أحد؟ قال: لا. وقال الحسن: حدثني الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى عليهم ودفنهم. وقلت للحكم: ما تقول في أولاد الزنا؟ قال: يُصلّى عليهم، قلت: من حديث من يُروَى؟ قال قال: يُروَى عن الحسن البصري، وقال الحسن بن عمارة: حدثني الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن علي. وقال الحسن بن عمارة: حدّثني الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن عليّ سبعة أحاديث، فسألت الحكم عنها، فقال: ما سمعت منها شيئًا. وقال عيسى بن يونس: الحسن بن عمارة شيخ صالح، قال فيه شعبة، وأعانه عليه سفيان. وقال ابن المبارك: جرحه عندي شعبة وسفيان، فبقولهما تركت حديثه. وقال أيوب بن سُويد الرملي: كان شعبة يقول: إن الحكم لم يحدث عن يحيى بن

стр. 1178

الجزار إلا ثلاثة أحاديث، والحسن بن عمارة يحدث عنه أحاديث كثيرة. وقال أبو بكر المروزي عن أحمد: متروك الحديث، وكذا قال أبو طالب عنه، وزاد: قلت له: كان له هَوًى؟ قال: لا، ولكن كان منكر الحديث، وأحاديثه موضوعة، لا يكتب حديثه، وقال مرة: ليس بشيء. وقال ابن معين: لا يكتب حديثه، وقال مرة: ضعيف. وقال مرة: ليس حديثه بشيء. وقال عبد الله بن المديني، عن أبيه: ما أحتاج إلى شعبة فيه، أمره أبين من ذلك، قيل له: كان يغلط؟ فقال: أيّ شيء كان يغلط؟ كان يضع. وقال أبو حاتم، ومسلم، والنسائي، والدارقطني: متروك الحديث. وقال الساجي: ضعيف متروك، أجمع أهل الحديث على ترك حديثه. وقال الجوزجاني: ساقط. وقال جزرة: لا يكتب حديثه. وقال عمرو بن علي: رجل صالح، صدوق، كثير الوهم والخطإ، متروك الحديث. وقد ردّ الحافظ في "التهذيب" على صاحب الأصل حيث رمز له بأن البخاريّ علّق له، فراجع كلامه (١). أخرج له الترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (٩٥) وحديث (٦١٥) "لا يغتسلنّ أحدكم بأرض فلاة، ولا فوق سطح ... " الحديث. ٤ - (فراس) -بكسر أوله، وبمهملة- ابن يحيى الهَمْدانيّ الخارفيّ -بمعجمة، وفاء- أبو يحيى الكوفيّ المكْتِب، صدوقٌ ربما وَهِمَ [٦]. روى عن الشعبي، وعطية العَوْفي، وأبي صالح السمان، ومُدرِك بن عُمارة. وروى عنه منصور، وهو من أقرانه، وزكرياء بن أبي زائدة، وشعبة، وشيبان، وسفيان الثوري، والحسن بن عمارة، وأبو عوانة، وشريك، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: شيخ ما بحديثه بأس. وقال ابن المديني، عن يحيى بن سعيد: ما بلغني عنه شيء، وما أنكرت من حديثه إلا

стр. 1179

حديث الاستبراء. وقال العجليّ: كوفي ثقة، من أصحاب الشعبي، في عداد الشيوخ، ليس بكثير الحديث. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال ابن عمار: ثقة. وقال عثمان -يعني ابن أبي شيبة-: صدوق، قيل له: ثبت؟ قال: لا. وقال يعقوب بن شيبة: كان مُكْتِبًا، وفي حديثه لين، وهو ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة تسع وعشرين ومائة، وكان متقنًا. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، هذا (٩٥) و (١٦٢١) و (١٨٩١) و (٢٧٥٤) و (٣٧٨٠) و (٣٨٩٥). ٥ - (الشعبيّ) هو: عامر بن شَرَاحيل الهمداني، أبو عمرو الكوفيّ الإمام الحجة الثبت [٣] تقدّم في ١/ ١١. ٦ - (الحارث) بن عبد الله الأعور الْهَمْدَانيّ الخْاَرِفِيّ، أبو زهير الكوفيّ، ويقال: الحارث بن عبيد، ويقال: الحُوتيّ -بضم المهملة، وبالمثناة فوقُ- وحُوت بَطْنٌ من هَمْدَان، صاحب عليّ ﵁، كذّبه الشعبيّ في رأيه، وفي حديثه ضعف، ورُمي بالرفض [٢]. روى عن علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وبُقَيرة امرأة سلمان. وروى عنه الشعبي، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو الْبَخْتَريّ الطائي، وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن مرة، وجماعة. قال مسلم في "مقدمة صحيحه": ثنا قتيبة، ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي: حدثني الحارث الأعور، وكان كذّابًا. وقال منصور، ومغيرة، عن إبراهيم: إن الحارث اتُّهِم. وقال أبو معاوية، عن محمد بن شيبة الضبي، عن أبي إسحاق: زعم الحارث الأعور، وكان كذّابًا. وقال يوسف بن موسى، عن جرير: كان الحارث زَيْفًا. وقال أبو بكر بن عياش: لم يكن الحارث بأرضاهم. وقال الثوري: كنا نعرف فضل حديث عاصم بن ضمرة على حديث الحارث. وقال عمرو بن علي: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، غير أن يحيى حدثنا يومًا عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن الحارث -يعني

стр. 1180

عن علي-: "لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر"، فقال: هذا خطأ من شعبة، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عبد الله، وهو الصواب. وقال أبو خيثمة: كان يحيى بن سعيد، يحدث عن حديث الحارث، ما قال فيه أبو إسحاق: سمعت الحارث. وقال الجوزجاني: سألت علي بن المديني عن عاصم والحارث، فقال: مثلك يسأل عن ذا، الحارث كذّاب. وقال الدوري، عن ابن معين: الحارث قد سمع من ابن مسعود، وليس به بأس. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة. قال عثمان: ليس يتابع ابن معين على هذا. وقال أبو زرعة: لا يحتج بحديثه. وقال أبو حاتم: ليس بقوي، ولا ممن يحتج بحديثه. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال في موضع آخر: ليس به بأس. وقال مجالد: قيل للشعبي: كنت تختلف إلى الحارث؟ قال: نعم أختلف إليه أتعلم منه الحساب، كان أحسب الناس. وقال أشعث بن سَوّار، عن ابن سيرين: أدركت الكوفة، وهو يُقَدِّمُون خمسة، من بدأ بالحارث ثنى بعَبِيدة، ومن بدأ بعَبيدة ثنى بالحارث. وقال علي بن مجاهد، عن أبي جَنَاب الكلبيّ، عن الشعبي: شهد عندي ثمانية من التابعين الخُيَّر، فالخُيَّر، منهم سُويد بن غَفَلة، والحارث الهمداني، حتى عد ثمانية أنهم سمعوا عليّا يقول، فذكر خبرًا. وقال ابن أبي داود: كان الحارث أفقه الناس، وأحسب الناس، وأفرض الناس، تعلّم الفرائض من علي. وقال البخاري في "التاريخ" عن أبي إسحاق، أن الحارث أوصى أن يصلي عليه عبد الله بن يزيد الخطمي. وقال الدارقطني: الحارث ضعيف. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ. وقال ابن حبان: وكان الحارث غاليًا في التشيع، واهيًا في الحديث، مات سنة (٦٥) وكذا ذكر وفاته إسحاق القراب في "تاريخه". أخرج له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب (١٧) حديثًا، وعند النسائيّ حديثان أحدهما أورده مقرونًا، والآخر متابعة. ٧ - (عليّ) بن أبي طالب ﵁، تقدّم في ٢/ ٢٠. والله تعالى أعلم.

стр. 1181

شرح الحديث: (عَنْ عَليٍّ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : أبو بَكْرٍ) الصدّيق (وَعُمَرُ) الفاروق (سَيِّدَا كهُولِ أَهْلِ الجنَّةِ) جمع كهل -بفتح، فسكون- قال ابن الأثير ﵀: الكهل من الرجال من زاد على ثلاثين سنة إلى الأربعين، وقيل. من ثلاثين إلى تمام الخمسين، وقد اكتهل الرجل، وكاهل: إذا بلغ الْكُهُولة، فصار كَهْلًا. وقيل: أراد بالكهل هنا الحليم العاقل: أي إن الله يُدخل أهل الجنة الجنة حُلَماء عُقَلاءَ. انتهى (١). وقال الفيّوميّ ﵀: الكهل من جاوز الثلاثين، ووخَطَه (٢) الشيب، وقيل: من بلغ الأربعين، وعن ثعلب في قوله تعالى: (وَكهلًا) قال: ينزل عيسى ﵇ إلى الأرض كهلًا ابن ثلاثين سنة. انتهى (٣). وقال الطيبيّ: إنما عبّر بـ "كهول" اعتبارًا لما كانوا عليه في الدنيا، وإلا فليس في الجنّة كهل، كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢]. [فائدة]: نظمت الأسماء التي يُسمّى بها الإنسان من حين كونه جنينا إلى أن يصير هرمًا، فقلت: اعْلَمْ هَدَاكَ اللهُ أَنَّ الْوَلَدَا ... دَعَوْهُ بِالجنينِ حَتَّى يُولَدَا ثُمَّ صبِيًّا لِلْفِطَامِ يُدْعَى ... ثُمَّ إِلَى سَبع غُلَامًا يُرْعَى وَيَافِعٌ لِعَشْرَةٍ حَزَوَّرُ ... لخَمْسَ عَشْرَةَ أتاكَ الخُبَرُ وَقُمُدًا لِلْخَمْسِ وَالْعِشْرِينَ عِ ... عَنَطْنَطًا إِلَى ثَلَاثِينَ دُعِي ثُمَّ لأَرْبَعِينَ قُلْ مُمِلُّ ... ثُمَّ إِلَى خَمْسِينَ قَالُوا كَهْلُ إِلَى ثَمانِينَ بِشَيْخ يُعْلَى ... ثُمَّ إِذَا زَادَ بِهِمٍّ يُجلَى

стр. 1182

أَوْرَدَهُ الحافِظُ في الْفَتْح كَذَا ... فَاحْفَظْ حَمَاكَ اللهُ مِنْ كلِّ أذى (مِنَ الْأَوَّلينَ) أي من صالحي الأمم السابقة، قال القاري: فيكونان أفضل من أصحاب الكهف، ومؤمن آل فرعون، ومن الخضر أيضًا على القول بأنه وليّ. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أن الخضر ﵇ نبيّ؛ لأنه ظاهر القرآن الكريم، فقد قال الله : ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ الآية [الكهف: ٦٥] , وقال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ الآية [الكهف: ٨٢]، وأصرح من هذا كله قوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ الآية [الكهف: ٨٢]، وقال فيما أخرجه الشيخان من حديثه الطويل: "يا موسى إني على علم من علم الله، علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله لا أعلمه أنا ... " الحديث، فهذه النصوص واضحة جليّة في كونه نبيّا فعل تلك الأفعال بأمر من الله، لا من عند نفسه. فمن فعل شيئًا مما يُخالف الشرع محتجّا بفعل الخضر ﵇، زاعمًا أنه وليّ، وليس بنبيّ، فقد ضلّ ضلالا مبينًا، وهؤلاء هم الذين يدّعون التصوف، ويستدلون على فعل ما تهواه أنفسهم مما يزعمون أنه تُكشف لهم حقائق الأشياء، فإذا أُنكر عليهم يحتجون بقصّة الخضر مع موسى عليهما الصلاة والسلام، فيا خسارتهم، ويا ويلهم ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ٩، ١٠]، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم. (وَالْآخِرِينَ) أي من صالحي هذه الأمة (إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالمرْسَلِينَ) صلوات الله تعالى عليهم وسلامه، قال القاري: فخرج عيسى ﵇، وكذا الخضر على القول بنبوّته. قال الجامع: قد قدّمت أن هذا هو الحقّ، والصواب، وما عداه مخالف لظاهر النصوص، فلا يلتفت إليه. والله تعالى أعلم. وفي رواية أحمد: "سيدا كهول الجنة وشبابها بعد النبيين والمرسلين". وأخرجه المخلص الذهبيّ، ولم يقل: "شبابها"، وزاد: قال عليّ:" فما أخبرت به حتى ماتا، ولو

стр. 1183

كانا حيين ما حدّثت به" (١). (لَا) ناهية، ولذا جُزم بها قوله (تُخْبِرْهُمَا يَا عَليُّ مَا) مصدريّة ظرفيّة (دَامَا حَيَّيْنِ) أي مدّة دوامهما في الدنيا، قال السنديّ ﵀: ذُكر لإفادة التأبيد؛ لئلا يُظَنّ تخصيص النهي بالحال، وإلا فلا يُتصوّر الإخبار بعد الموت، انتهى (٢). وقال القاري: قوله: "لا تخبرهما" ربما سبق إلى الوهم أنه ﷺ خشِي عليهما العجب والأمن، وذلك وإن كان من طبع البشرية، إلا أن منزلتهما عنده ﷺ أعلى من ذلك، وإنما معناه: والله لا تخبرهما يا عليّ قبلي لأبشّرهما بنفسي، فيبلغهما السرور مني، انتهى (٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الخشية التي استبعدها القاري هي الأقرب والأوضح، يؤئد ذلك قول عليّ ﵁: "فما أخبرت به حتى ماتا إلخ", والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عليّ ﵁ هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده الحسن بن عُمارة، وهو متروك، والحارث، وهو ضعيف عند الجمهور؟. [قلت]: الحديث له طرق، فقد جاء عن عليّ ﵁ من غير هذا الطريق، وعن عدد من الصحابة ﵃، فمنهم أنس بن مالك، وأبو جُحَيفة، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدريّ، وابن عمر ﵁. فأما حديث عليّ ﵁ من غير طريق المصنّف، فقد أخرجه الدولابيّ في "الكنى"

стр. 1184

٢/ ٩٩، وابن عديّ ١٠٠/ ٢ وعبد الغنيّ المقدسيّ في "الإكمال" ١/ ١٤/ ٢، وابن عساكر ٩/ ٣١٠/ ١ من طرُق عن عاصم بن بَهْدلة عن زرّ بن حُبيش، عنه، وقال المقدسيّ: هذا حديث مشهور، له طرق عن جماعة، وروي عن جماعة من أصحاب النبيّ ﷺ . انتهى. وهذا إسناد حسن من أجل عاصم، فإنه حسن الحديث. وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد "المسند" ١/ ٨٠ حدّثني وهب بن بقيّة الواسطيّ، ثنا عمر بن يونس اليماميّ، عن عبد الله بن عمر اليماميّ، عن الحسن بن زيد ابن حسن، حدثني أبي، عن أبيه، عن عليّ ﵁، قال: كنت عند النبيّ ﷺ ، فأقبل أبو بكر وعمر ﵄، فقال: "يا عليّ هذان سيّدا كهول أهل الجنة، وشبابها بعد النبيين والمرسلين". وهذا إسناد حسن، رجال كلهم ثقات معروفون، غير الحسن بن زيد بن الحسن ابن عليّ بن أبي طالب، روى عنه جماعة، ووثقه ابن سعد، والعجليّ، وابن حبان، وقال ابن معين: ضعيف، وقال ابن عديّ: أحاديثه عن أبيه أَنْكَرُ مما رَوَى عن عكرمة، وقال في "التقريب": صدوقٌ يَهِمُ، وكان فاضلًا، وعبد الله بن عمر اليماميّ، هو عبد الله بن محمد اليماميّ نزيل بغداد المعروف بابن الروميّ، ويقال: اسم أبيه عمر، وهو من رجال مسلم. [تنبيه]: قال الشيخ الألباني: في "الصحيحة" ٢/ ٤٨٩ بعد ذكر الكلام في الحسن ابن زيد: ما نصّه: وبقية الرجال مترجمون في "التهذيب"، غير عمر بن يونس اليماميّ، فترجمه ابن أبي حاتم ٣/ ١/ ١٤٢ - ١٤٣ إلى آخر كلامه. وهذا فيه نظر، فإن عمر بن يونس من رجال الجماعة، مترجم في "التهذيب" وغيره، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. وأما حديث أنس ﵁، فقد أخرجه الترمذيّ في "جامعه"، ونصّه: ٣٥٩٧ - حدثنا الحسن بن الصباح البزار، حدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي،

стр. 1185

عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ -لأبي بكر وعمر- "هذان سيدا كهول أهل الجنة، من الأولين والآخرين، إلا النبيين والمرسلين، لا تخبرهما يا علي". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. ورجال هذا السند ثقات، رجال الشيخين، غير محمد بن كثير، وهو الصنعاني المصّيصيّ (١)، قال في "التقريب": صدوقٌ كثير الغلط. وأما حديث أبي جحيفة ﵁ فسيأتي للمصنّف برقم (١٠٠) بإسناد حسن، وسيأتي الكلام عليه هناك، إن شاء الله تعالى. وأما حديث جابر ﵁ فرواه الطبرانيّ في "الأوسط" عن شيخه المقدام بن داود، وقد قال ابن دقيق العيد: إنه ثقة، وضعفه النسائيّ وغيره، وبقيّة رجاله رجال الصحيح، كما قال الهيثميّ في "مجمع الزوائد" ٩/ ٥٣. وروي أيضًا من حديث أبي سعيد الخدريّ، ومن حديث ابن عمر ﵁، لكن الأسانيد إليهما ضعاف، فنكتفي بما سبق، ففيه الكفاية ولله الحمد. والحاصل أن الحديث بمجموع هذه الطرق صحيح بلا ريب؛ لأن بعضها حسن لذاته، وبعضها يُستشهد به (٢). والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (١١/ ٩٥) بهذا السند فقط، وأخرجه (الترمذيّ) في "المناقب" (٣٦٦٦) و (الخطيب البغداديّ) في "تاريخه" (١٠/ ١٩٢) وقد تقدّم تمام التخريج في المسألة السابقة، والله تعالى أعلم.

стр. 1186

(المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل أبي بكر ﵁، وهو واضح. ٢ - (ومنها): أن فيه بيان فضل الشيخين، وأنهما أفضل الأولين والآخرين، سوى النبيين والمرسلين. ٣ - (ومنها): بيان أنهما من أهل الجنّة، فنقطع لهما بذلك؛ لهذا النصّ والنصوص المتقدّمة في الباب الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه الرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٩٦ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ الله، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى يَرَاهُمْ مَنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، كما يُرَى الْكَوْكَبُ الطَّالِعُ في الأفقِ مِنْ آفَاقِ السماءِ، وَإِنَّ أبا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ، وَأَنْعَما"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الله) بن حَنَش -بفتح المهملة، والنون، بعدها معجمة- ويقال: ابن محمد بن حَنَش، ويَقال: ابن عثمان الأوديّ الكوفيّ، ثقة [١٠]. روى عن أبيه عبد الله بن حنش الأودي، وأبي بكر بن عياش، ووكيع، وأبي أسامة، وأبي معاوية، وإسماعيل بن محمد الطَّلْحي، وعدة. وروى وعنه ابن ماجه، وابن وارة، وأحمد بن يحيى بن زهير، وأبو حاتم، وابن خزيمة، وابن أبي داود، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وبدر بن الهيثم القاضي، وآخرون. قال أبو زرعة: رأيت محمد بن مسلم يُعَظِّم شأنه، ويُطنِب في ذكره. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال ابن أبي حاتم: صدوق ثقة (١). وذكره ابن حبان في "الثقات".

стр. 1187

تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب (٢٩) حديثًا. [تنبيه]: عمرو بن عبد الله هذا ثقة باتّفاق، وقد تفرّد به المصنّف، وهذا يبطل قول من قال: إن الرجال الذين انفرد بهم ابن ماجه عن الكتب الخمسة فيهم ضعف، فتنبّه لهذه الفائدة، فإنها نافعة جدًّا. والله تعالى أعلم. ٢ - (عطيّة بن سعد) بن جُنادة الْعَوْفيّ الجدَليّ، أبو الحسن الكوفيّ، صدوقٌ يخطىء كثيرًا، وكان شيعيّا مدلّسًا [٣] تقدّم في ٤/ ٣٧. ٣ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سِنَان الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، تقدّم في ٤/ ٣٧. والباقون تقدّموا قريبًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ :" إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى) أي من أهل الجنة. ولفظ أبي داود: إن الرجل من أهل عليين، لَيُشرِف على أهل الجنة، فتضيء الجنة لوجهه، كأنها كوكب دُرّيّ، وإن أبا بكر وعمر لمنهم، وأنعما". ولفظ الترمذيّ: "إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم، كما ترون النجم الطالع في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم، وأنعما". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، روي من غير وجه، عن عطية، عن أبي سعيد. (يَرَاهُمْ مَنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ): من بفتح الميم اسم موصول فاعل "يرى"، و"أسفل منهم" منصوب على الظرفيّة متعلّق بفعل محذوف صلة لـ "من": أي يراهم الذين كانت منزلتهم أسفل من منزلتهم (كَما يُرَى) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله (الْكَوْكَبُ الطَّالِعُ في الأُفقِ) بضمّتين، ويجوز تسكين الثاني للتخفيف: أي ناحيتها (مِنْ آفَاقِ السَّمَاءِ) بمدّ الهمزة جمع أُفُق، وفي رواية البغويّ في "شرح السنّة" رقم (٣٨٩٣) "كما ترون الكوكب الدّرّيّ"، وهو بضم الدال، ويكسر، وتشديد التحتانيّة، ويُهمز أيضا: أي

стр. 1188

المضيء كالدّرّ، أو الدافع بنوره ظلمة ما حوله. قاله القاري (١). (وَإِنَّ أبا بكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ) أي من الذين يراهم الأسفلون كما يرون الكوكب الطالع في الأفق (وَأَنْعَما) أي زادا على تلك المرتبة والمنزلة. وقال ابن الأثير ﵀: أي زادا وفضلا، يقال: أحسنت إليّ، وأنعمتَ: أي زدتَ عليّ الإنعام. وقيل: صارا إلى النعيم، ودخلا فيه، كما يقال: أشمل: إذا دخل في الشمال، ومعنى قولهم: أنعمتُ على فلان: أي أصرت إليه نعمةً. انتهى (٢). وقال القاري: هو عطف على المقدّر في "منهم": أي استقرّا منهم، وأَنْعَمَا. انتهى (٣). وقال السيوطيّ في "حاشية الترمذيّ": في "تاريخ ابن عساكر" في آخر الحديث: "فقلت لأبي سعيد: وما أنعما؟ قال: هما أهل لذلك". وفي رواية أخرى: "وحقّ لهما ذلك". ومثله عن سفيان بن عيينة. انتهى (٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده عطيّة الْعَوْفيّ، وهو ضعيف؟. [قلت]: الحديث له طرق، فقد أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" ٣/ ٢٦ و ٦١ من طريق مُجالد، عن أبي الودّاك جَبْر بن نَوْف، ومجالد ضعيف، وقد أخرج له مسلم مقرونًا بغيره، فهو صالح للمتابعات، ويشهد للحديث ما أخرجه الشيخان من طريق عطاء بن

стр. 1189

يسار، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁، وليس فيه: "وإن أبا بكر وعمر منهم، وأنعما"، ولفظه: عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما يتراءون الكوكب الدُّرّيّ الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب؛ لتفاضل ما بينهم"، قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء، لا يبلغها غيرهم؟ قال: "بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين". والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (١١/ ٩٦) بهذا السند فقط، و (أبو داود) في "سننه" (٣٩٨٧) و"الترمذيّ) في "جامعه" (٣٦٥٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٧٥٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢٧ و ٦١ و ٧٢ و ٩٣ و ٩٨)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (٨٨٧)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١١٣٠) و (١٢٩٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل أبي بكر ﵁، وهو واضح. ٢ - (ومنها): بيان فضل عمر بن الخطاب ﵁ أيضًا. ٣ - (ومنها): بيان تفاوت درجات أهل الجنّة تفاوتًا بعيدًا بحيث يكون كما بين السماء والأرض. ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]. اللهم اجعلنا من أهل فضلك العظيم، ولا تحرمنا منه بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين. آمين آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ٩٧ - (حَدَّثَنَا عِليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الملِكِ بْنِ عُمَيْر، عَنْ مَوْلًى لِرِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ

стр. 1190

رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمانِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنِّي لَا أَدْرِي مَا قَدْرُ بَقَائِي فِيكُمْ، فَاقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي، وَأَشَارَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ"). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (محمد بن بشّار) العبديّ، أبو بكر البصريّ المعروف ببندار، ثقة [١٠] ١/ ٦. ٢ - (مؤمّل) -بوزن محمد مهموزًا- ابن إسماعيل، العدويّ، مولى آل الخطاب، وقيل: مولى بني بكر، أبو عبد الرحمن البصريّ، نزيل مكّة، صدوقٌ سيّىء الحفظ، من صغار [٩]. روى عن عكرمة بن عمار، وأبي هلال الراسبي، ونافع بن عمر الجُمَحي، وشعبة، والحمادين، والسفيانين، وغيرهم. وروى عنه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المديني، وأبو موسى، وبندار، وأبو كريب، وغيرهم. قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: أيُّ شيء حاله؟ فقال: ثقة، قلت: هو أحب إليك أو عبيد الله -يعني بن موسى- فلم يُفَضِّل. وقال أبو حاتم: صدوق شديد في السنة، كثير الخطإ. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال غيره: دَفَن كتبه، فكان يحدث من حفظه، فكثر خطؤه. وقال الآجري: سألت أبا داود عنه، فعظّمه، ورفع من شأنه، إلا أنه يَهِمُ في الشيء. وقال يعقوب بن سفيان: مؤمل أبو عبد الرحمن شيخ جليل سُنّي، سمعت سليمان بن حرب يحسن الثناء عليه، كان مَشْيَخَتنا يوصون به إلا أن حديثه لا يُشبه حديث أصحابه، وقد يجب على أهل العلم أن يَقِفوا عن حديثه، فإنه يروي المناكير عن ثقات شيوخه، وهذا أشد، فلو كانت هذه المناكير عن الضعفاء لكنا نجعل له عُذْرًا. وقال الساجيّ: صدوق كثير الخطإ، وله أوهام يطول ذكرها. وقال ابن سعد: ثقة كثير الغلط. وقال ابن قانع: صالح يخطئ. وقال الدارقطني: ثقة كثير الخطإ. وقال إسحاق بن راهويه: حدثنا مؤمل بن إسماعيل ثقة.

стр. 1191

وقال محمد بن نصر المروزي: المؤمل إذا انفرد بحديث وجب أن يُتوقف، ويُتَثَبَّت فيه؛ لأنه كان سيء الحفظ كثير الغلط. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ، مات يوم الأحد لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة ست ومائتين. وهكذا أرّخه البخاري عن ابن أبي بَزّة. قال البخاري: أما ابنه فقال: نحن من صَلِيبة كنانة، قال: وحدّثني من أثق به أنه مولى لبني بكر. أخرج له البخاري في التعاليق، وأبو داود في "القدر"، والترمذيّ، والنسائيّ، والمصنّف. وله عنده في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٩٧) و (٢٠١٣) و (٢٠١٧) و (٢٩١٩). ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة المشهور [٧] ٥/ ٤١. ٤ - (عبد الملك بن عمير) بن سُويد بن حارثة القرشيّ، ويقال: اللَّخْميّ، أبو عمرو، ويقال: أبو عمر الكوفيّ المعروف بالقِبْطيّ، حليف بني عَدِيّ، ويقال له: الْفَرَسيّ -بفتح الفاء والراء، ثم مهملة- نسبة إلى فَرَس له سابق، كان يقال له: الْقِبطيّ -بكسر القاف، وسكون الموحّدة- وربّما قيل ذلك أيضًا لعبد الملك، ثقة فقيه، تغيّر حفظه، وربّما دلّس [٣]. رأي عليا وأبا موسى، وروى عن الأشعث بن قيس، وجابر بن سمرة، وجندب ابن عبد الله البجلي، وجرير، وعبد الله بن الزبير، والمغيرة بن شعبة، وغيرهم. وروى عنه ابنه موسى، وشهر بن حوشب، والأعمش، وسليمان التيمي، وزائدة، ومسعر، والثوري، وشعبة، وسفيان بن عيينة، وغيرهم. قال البخاري، عن علي بن المديني: له نحو مائتي حديث. وقال علي بن الحسن الهسِنْجَاني، عن أحمد: عبدُ الملك مضطرب الحديث جدًّا مع قلة روايته، ما أرى له خمسمائة حديث، وقد غَلِط في كثير منها. وقال إسحاق بن منصور: ضعفه أحمد جدًّا. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: سماك أصلح حديثًا منه، وذلك أن عبد الملك يَختَلِف عليه

стр. 1192

الحفاظ. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: مُخَلِّط. وقال العجلي: يقال له: ابن الْقِبْطية، كان على الكوفة، وهو صالح الحديث، روى أكثر من مائة حديث، تغير حفظه قبل موته. وقال ابن أبي حاتم: ثنا صالح بن أحمد، ثنا علي بن المديني، سمعت ابن مهدي يقول: كان الثوري يَعْجَب من حفظ عبد الملك. قال صالح: فقلت لأبي: هو عبد الملك بن عُمير؟ قال: نعم. قال ابن أبي حاتم، فذكرت ذلك لأبي، فقال: هذا وَهَمٌ، إنما هو عبد الملك بن أبي سليمان، وعبد الملك بن عُمير لم يوصف بالحفظ. وقال البخاري: سُمِع عبد الملك بن عُمير يقول: إني لأحدث بالحديث فما أترك منه حرفًا، وكان من أفصح الناس. ورواه الميموني عن أحمد، عن ابن عيينة، عن عبد الملك بن عمير مثله. وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا إسحاق الهمداني يقول: خذوا العلم من عبد الملك بن عمير. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن نمير: كان ثقةً ثبتًا في الحديث. وقال ابن الْبَرْقِيِّ عن ابن معين: ثقة إلا أنه أخطأ في حديث أو حديثين. وقال بكر ابن المختار عن عبد الملك: صَعِدَ بي أبي إلى المنبر إلى عليّ، فمسح رأسي. وحَكَى ابن أبي خيثمة عن ابن مُرْدَانَبَه: كان الفصحاء بالكوفة أربعة: عبد الملك بن عمير، وذكر الباقين. وقال ابن عيينة: قال رجل لعبد الملك: أين عبد الملك بن عمير القبطي؟ فقال: أما عبد الملك فأنا، وأما القبطي ففرس لنا سابق. وروى عن أبي بكر بن عياش قال: سمعت عبد الملك يقول: هذه السنةُ تُوَفِّي لي مائة وثلاث سنين. وقال أبو بكر بن أبي الأسود: مات سنة ست وثلاثين ومائة أو نحوها، زاد غيره: في ذي الحجة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: وُلد لثلاث سنين بقين من خلافة عثمان، ومات سنة ست وثلاثين ومائة، وله يومئذ مائة وثلاث سنين، وكان مُدَلِّسًا، وكذا ذَكَرَ مولده ووفاته ابنُ سعد.

стр. 1193

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢١) حديثًا. [تنبيه]: اختُلِف في ضبط "القرشي"، فقيل: بالقاف والمعجمة، نسبة إلى قريش، ويدل عليه قول ابن سعد: إنه حليف بني عدي بن كعب، وعليه مشى المزّيّ حيث قال: "القرشي، ويقال: اللَّخْمِيّ"، وأما أبو حاتم، ويعقوب بن سفيان، وغير واحد، فضبطوه بالفاء والمهملة؛ لنسبته إلى فرسه، حتى خطأ ابن الأثير من قال غير ذلك، والصواب أنه يجوز في نسبته الأمران؛ لما أسلفناه. والله أعلم (١). ٥ - (مولى ربعي بن حراش) اسمه هلال، مقبول [٦]. روى عن مولاه هذا الحديث فقط، وروى عنه عبد الملك بن عمير، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، تفرّد به الترمذيّ، والمصنّف، وله هذا الحديث فقط. ٦ - (ربعيّ بن حِرَاش) أبو مريم الْعَبْسيّ الكوفيّ، ثقة عابدٌ مخضرم [٢] تقدّم في ٤/ ٣١. ٧ - (حذيفة بن اليمان) حِسْل، أو حُسيل الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، تقدّم في ٧/ ٤٩، والباقيان تقدّما قريبًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمانِ) ﵄، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنِّي لَا أَدْرِي مَا قَدْرُ بَقَائِي فِيكُمْ) "ما" استفهاميّة: معناه: لا أدري كم مُدّة بقائي فيكم، أقليلٌ أم كثير؟، والجملة في محل نصب مفعول "أدري" معلّق عنها العامل. (فَاقْتَدوا بِاللَّذَيْنِ) بلامين؛ للإشعار بأنه تثنية "الذي"، وفيه تنبيه على خلافتهما بعده ﷺ (مِنْ بَعْدِي) أي بعد موتي (وَأَشَارَ) بقوله: "اللذين" (إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما. وزاد في رواية لأحمد، والترمذيّ: "واهتدوا بهدي عمّار، وما حدّثكم ابن مسعود، فصدّقوه". قال الطحاويّ ﵀ في "شرح مشكل الآثار" بعد أن أخرج الحديث: ما نصّه:

стр. 1194

فتأمّلنا هذا الحديث، فكان فيه مما أمر به رسول الله ﷺ الناس بالاقتداء بأبي بكر وعمر، معناه عندنا -والله أعلم- أن يمتثلوا ما هما عليه، وأن يحذوا حذوهما فيما يكون منهما في أمر الدين، وأن لا يخرجوا عنه إلى غيره، ثم تأمّلنا ما أمرهم به من الاهتداء بهدي عمّار، فوجدنا الاهتداء هو التقرّب إلى الله بالأعمال الصالحة، وكان عمّار من أهلها، فأمرهم أن يهتدوا بما هو عليه منها، وأن يكونوا فيها كهو فيها، وليس ذلك بمخرج لغيره من أصحاب رسول الله ﷺ عن تلك المنزلة؛ لأن القصد بمثل هذا إلى الواحد من أهله لا ينفي بقيّة أهله أن يكونوا فيه، كما يقول الرجل: موضع فلان من العبادة الموضع الذي ينبغي أن يُتَمَسّك به، وليس في ذلك ما ينفي أن يكون هناك آخرون في العبادة مثله، أو فوقه، ممن يجب أن يكونوا في الاهتداء بهم في ذلك كالاهتداء به فيه. انتهى كلام الطحاويّ ﵀ (١) وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث حُذيفة بن اليمان ﵄ هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده مولى رِبْعيّ بن حِرَاش، وقال في "التقريب": مقبول؟. [قلت]: لم ينفرد به مولى رِبْعيّ، بل تابعه في روايته عن رِبْعِيّ عمرو بن هَرِم، وهو ثقة من رجال مسلم، وعبد الملك بن عُمير، وهو من رجال الجماعة، وحماد بن دُلَيل، وقد وثّقه ابن معين، وابن عمار، وأبو حاتم، وغيرهم. فأما رواية عمرو بن هَرِم، فقد أخرجها الترمذيّ (٣٦٦٣)، وابن سعد ٢/ ٣٣٤ وابن حبّان في "صحيحه" (٦٩٠٢). وأما رواية عبد الملك، فقد أخرجها الحميديّ في

стр. 1195

"مسنده" (٤٤٩)، وأحمد في "مسنده" ٥/ ٣٨٢ والترمذيّ في "جامعه" (٣٦٦٢). ولفظه: عن حذيفة قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ ، فقال: "إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم، فاقتدوا باللذين من بعدي، وأشار إلى أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه". قال الترمذيّ: هذا حديث حسن. وأما رواية حماد بن دُليل، فأخرجها ابن عديّ في "الكامل" ٢/ ٦٦٦. والحاصل أن الحديث صحيح؛ لما ذُكر. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) بهذا الإسناد هنا (١١/ ٩٧) فقط، وأخرجه (الترمذيّ) في "المناقب" (٣٦٦٢) و (٣٣٦٣) و (٣٧٩٩) و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٨٥ و ٤٠٢)، وقد سبق بقية التخريج في المسألة الماضية، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده (١): ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل أبي بكر الصدّيق ﵁. ٢ - (ومنها): بيان فضل عمر بن الخطاب ﵁ أيضًا. ٣ - (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة حيث أشار النبيّ ﷺ إلى أنهما سيليان الخلافة بعده ﷺ ، فحثّ الناس على الاقتداء بهما. ٤ - (ومنها): أن فيه فضل الصحابيين: عمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود ﵄، وأنهما في المنزلة الرفيعة التي ينبغي للناس أن يأخذوا عنهما سنن رسول الله ﷺ الفعليّة، والقوليّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
следующие страницы →