← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17132

مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

المؤمنين المخلصين. ٥ - (ومنها): أن المحدّث إذا نسي حديثه ثم تذكّره بعدُ، قبل عنه، فقد قبل الصحابة ﵃ حديث عائشة ﵂، مع أنها حدّثت به بعد النسيان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ١١٣ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَعِليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بنِ أَبِي حَازِم، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ في مَرَضِهِ:" وَدِدْتُ أَنَّ عِنْدِي بَعْضَ أَصْحَابِي"، قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله أَلا نَدْعُو لَكَ أَبَا بَكْرٍ؟، فَسَكَتَ، قُلْنَا: أَلا نَدْعُو لَكَ عُمَرَ؟، فَسَكَتَ، قُلْنَا: أَلا نَدْعُو لَكَ عُثْمَانَ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، فَجَاءَ، فَخَلَا بِهِ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُكَلِّمُهُ، وَوَجْهُ عُثْمَانَ يَتَغَيَّرُ، قَالَ قَيْسٌ: فَحَدَّثَنِى أَبُو سَهْلَةَ، مَوْلَى عُثْمَانَ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ يَوْمَ الدَّار: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ عَهدَ إِلَيَّ عَهْدًا، فَأَنَا صَائِرٌ إِلَيْهِ، وَقَالَ عَلِيٌّ في حَدِيثِهِ: وَأَنَا صَابِرٌ عَلَيْهِ، قَالَ قَيْسٌ: فَكَانُوا يُرَوْنَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أَبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة حافظ فاضل [١٠] تقدّم في ١/ ٤. ٢ - (وَعِليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ) الطنافسيّ المذكور قريبًا. ٣ - (وَكيعٌ) بن الجرّاح الكوفيّ الحافظ الثقة الثبت، من كبار [٩] تقدّم في ١/ ٣. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) الأحمسيّ مولاهم البجليّ الكوفيّ، ثقة ثبت [٤]. روى عن أبيه، وأبي جُحَيفة، وعبد الله بن أبي أوفى، وعمرو بن حُريث، وأبي كاهل، وزيد بن وهب، ومحمد بن سَعْد، وقيس بن أبي حازم، وغيرهم. قال ابن المبارك عن الثوري: حفاظ الناس ثلاثة: إسماعيل، وعبد الملك بن أبي سليمان، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهو -يعني إسماعيل- أعلم الناس بالشعبي،

стр. 1297

وأثبتهم فيه. وقال مروان بن معاوية: كان إسماعيل يُسَمَّى الميزان. وقال عليّ: قلت ليحيى بن سعيد: ما حملتَ عن إسماعيل عن الشعبي صحاح؟ قال: نعم. وقال البخاري عن علي: له نحو ثلاثمائة حديث. وقال أحمد: أصح الناس حديثًا عن الشعبي ابن أبي خالد. وقال ابن مهدي، وابن معين، والنسائي: ثقة. وقال ابن عمار الموصلي: حجة. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وكان طحّانًا. وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة ثبتًا. وقال أَبو حاتم: لا أُقَدِّم عليه أحدًا من أصحاب الشعبي، وهو ثقة. وقال علي بن المديني: رأى أنسًا رؤية، ولم يسمع منه، ولم يسمع من إبراهيم التيمي، ولم يرو عن أبي وائل شيئًا. وقال يعقوب بن سفيان: كان أُميا حافظًا ثقة. وقال هُشيم: كان إسماعيل فَحِشَ اللحنِ، كان يقول: حدثني فلان عن أبوه. وقال ابن عيينة: كان أقدم طلبًا وأحفط للحديث من الأعمش. وقال العجلي: كان ثبتًا في الحديث، وربما أرسل الشيء عن الشعبي، وإذا وُقِّف أخبر، وكان صاحب سنة، وكان حديثه نحو خمسمائة حديث، وكان لا يروي إلا عن ثقة. وحكى ابن أبي خيثمة في "تاريخه" عن يحيى بن سعيد قال: مرسلات ابن أبي خالد ليست بشيء. وقال أَبو نعيم في ترجمة داود الطائي في "الحلية": أدرك إسماعيل اثني عشر نفسًا من الصحابة، منهم من سمع منه، ومنهم من رآه رؤية. قال البخاري عن أبي نعيم: مات سنة (١٤٦). وقال الخطيب: حدّث عنه الحكم ابن عتيبة، ويحيى بن هاشم، وبين وفاتيهما نحو من مائة وعشر سنين. وقال ابن حبان في "الثقات": كان شيخًا صالحًا، مات سنة خمس أو ست وأربعين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٣) حديثًا. ٥ - (قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) واسم أبيه حُصين بن عوف، ويقال: عوف بن عبد الحارث، ويقال: عبد عوف بن الحارث بن عوف البجلي الأحمسي، أَبو عبد الله الكوفيّ، أدرك الجاهلية، ورحل إلى النبي ﷺ ليبايعه، فقبض وهو في الطريق، وأبوه له صحبة، ويقال: إن لقيس رؤيةً ولم يثبت، ثقة مخضرم [٢].

стр. 1298

روى عن أبيه، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وسعد، وسعيد، والزبير، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وقيل: لم يسمع منه، وأبي عبيدة، وبلال مولى أبي بكر، ومعاذ، وغيرهم. قال علي بن المديني: روى عن بلال ولم يلقه، وعن عقبة بن عامر، ولا أدري سمع منه أم لا، ولم يسمع من أبي الدرداء، ولا من سلمان. وقال إسحاق بن إسماعيل عن ابن عيينة: ما كان بالكوفة أحدٌ أروى عن أصحاب رسول الله ﷺ من قيس. وقال الآجري عن أبي داود: أجود التابعين إسنادا قيس بن أبي حازم، رَوَى عن تسعة من العشرة، ولم يرو عن عبد الرحمن بن عوف. وقال يعقوب بن شيبة: وقيس من قدماء التابعين، وقد روى عن أبي بكر فمن دونه، وأدركه وهو رجل كامل، ويقال: إنه ليس أحد من التابعين جمع أَنْ رَوَى عن العشرة مثله، إلا عبد الرحمن بن عوف، فإنا لا نعلمه روى عنه شيئا، ثم قد روى بعد العشرة عن جماعة من الصحابة، وكبرائهم، وهو متقن الرواية، وقد تكلم أصحابنا فيه، فمنهم من رفع قدره وعظمه، وجعل الحديث عنه من أصح الإسناد، ومنهم من حمل عليه، وقال: له أحاديث مناكير، والذين أطروه حملوا هذه الأحاديث على أنها عندهم غير مناكير، وقالوا: هي غرائب، ومنهم من حمل عليه في مذهبه، وقالوا: كان يحمل على علي، والمشهور عنه أنه كان يقدم عثمان، ولذلك تجنب كثير من قدماء الكوفيين الرواية عنه. وقال ابن خِرَاش: كوفي جليل، وليس في التابعين أحد، روى عن العشرة إلا قيس بن أبي حازم. وقال ابن معين: هو أوثق من الزهري، وقال مرة: ثقة. وقال أَبو سعيد الأشج: سمعت أبا خالد الأحمر يقول لعبد الله بن نمير: يا أبا هشام أما تذكر إسماعيل بن أبي خالد، وهو يقول: حدثنا قيس هذه الأُسطوانة -يعني في الثقة؟ -. وقال يحيى بن أبي غنية: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، قال: كبر قيس حتى جاز المائة بسنين كثيرة، حتى خَرِف، وذهب عقله. وقال ابن المديني: قال لي يحيى بن سعيد: قيس بن أبي حازم منكر الحديث، ثم ذكر له يحيى أحاديث مناكير، منها حديث الحوأب.

стр. 1299

وقال الذهبي: أجمعوا على الاحتجاج به، ومن تكلم فيه فقد آذى نفسه. كذا قال. قال عمرو بن علي: مات سنة أربع وثمانين. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: مات سنة سبع، أو ثمان وتسعين. وقال خليفة، وأبو عبيد: سنة ثمان. وقال الهيثم بن عدي: مات في آخر خلافة سليمان. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا. ٦ - (عَائِشَةُ) ﵂ المذكورة في السند الماضي، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه الثاني، فمن أفراده. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، غير عائشة ﵂ ﵂ فمدنيّة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: إسماعيل عن قيس. ٥ - (ومنها): أن قيسًا هو التابعي المنفرد بالرواية عن العشرة المبشّرين بالجنة ﵃، ولا يوجد ذلك لغيره من التابعين، وإن ذكر الحاكم ذلك لسعيد بن المسيّب وغيره، لكن خطّأه العلماء في ذلك، وإليه أشار السيوطيّ في "ألفية الحديث" بقوله: وَالتَّابِعُونَ طَبَقَاتٌ عَشَرَهْ ... مَعْ خَمْسَةٍ أَوَّلهُمْ ذُو الْعَشَرَهْ وَذَاكَ قَيْسٌ مَا لَهُ نَظِيرُ ... وَعُدَّ عِنْدَ حَاكِمِ كَثِيرُ ٦ - (ومنها): أن عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، وممن اشتهر بالفتوى، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في مَرَضِهِ) وفي رواية أحمد: "في مرضه الذي مات فيه" (وَدِدْتُ) بكسر الدال الأولى، من باب تَعِب، قال الفيّوميّ: ودِدتُ لو كان كذا وُدّا -بالضمّ- ووَدَادة -بالفتح-: تمنّيته، وفي لغة: وَدَدتُ أَوَدّ بفتحتين، حكاها الكسائيّ، وهو غَلَطٌ عند البصريين، وقال الزجّاج: لم يقل

стр. 1300

الكسائيّ إلا ما سمع، ولكنه سمعه ممن لا يوثق بفصاحته. انتهى (١) (أَنَّ) بفتح الهمزة، لوقوعها موضع المفرد، حيث إن المصدر المؤوّل مفعول "ودّ" (عِنْدِي بَعْضَ أَصْحَابِي) بنصب "بعض" لأنه اسم "أنّ" مؤخّرًا عن خبرها، وهو الظرف (قُلْنَا) القائلة هي عائشة ﵂ كما تقدّم في رواية أحمد (يَا رَسُولَ الله أَلا نَدْعُو لَكَ أَبَا بَكْرٍ؟) الصدّيق ﵁ (فَسَكَتَ) وفي رواية لأحمد: فقال: "لا"، ويُجمع بأنه سكت أوّلًا، ثم قال: لا، ويوضّح ذلك ما في بعض روايات أحمد: "فقالت حفصة: ألا أرسل لك إلى عمر، فسكت، ثم قال: "لا". (قُلْنَا) القائلة هنا هي حفصة ﵂، كما سبق في رواية أحمد أيضًا (أَلا نَدْعُو لَكَ عُمَرَ؟) بن الخطاب ﵁ (فَسَكَتَ، قُلْنَا: أَلا نَدْعُو لَكَ عُثْمَانَ؟ قَالَ: "نَعَمْ") هذا فيه أنهم طلبوا منه أن يدعوا له عثمان، ولكن في رواية أحمد: "ثم دعا رجلًا، فسارّه بشيء، فما كان إلا أن أقبل عثمان .. "، وفي رواية: "ثم دعا وَصِيفًا بين يديه، فسارّه فذهب ... ". ويمكن الجمع بأنهم طلبوا أن يدعوا له، لكنه لمّا رأى الوصيف أمامه بادر بإرساله إليه. والله تعالى أعلم. (فَجَاءَ) أي عثمان ﵁ (فَخَلَا بِهِ) أي انفرد النبيّ ﷺ بعثمان ﵁، لكون الكلام الذي أراد أن يكلّمه به سرّا لا ينبغي إفشاؤه (فَجَعَلَ) أي شرع، وبدأ (النَّبِيُّ ﷺ يُكَلِّمُهُ) أي عثمان ﵁ (وَوَجْهُ عُثْمَانَ يَتَغَيَّرُ) جملة في محلّ نصب على الحال: أي والحال أن وجه عثمان ﵁ يتغيّر؛ لسوء ما سمعه من النبيّ ﷺ مما سيناله من عداوة المنافقين له، ومحاولتهم خلع خِلْعَة (٢) الخلافة النبويّة (قَالَ قَيْسٌ) أي ابن أبي حازم الراوي عن عائشة ﵂، وهو موصول بالسند السابق، وليس معلّقًا.

стр. 1301

وقد أخرجه أحمد في "مسنده"، فقال: حدثنا يحيى (١) عن إسماعيل (٢) قال: حدثنا قيس (٣)، عن أبي سَهْلة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "ادعوا لي بعض أصحابي"، قلت: أَبو بكر؟ قال: "لا"، قلت: عمر؟ قال: "لا"، قلت: ابنُ عمك عليّ؟، قال: "لا"، قالت: قلت: عثمان؟ قال: "نعم"، فلما جاء، قال: "تَنَحَّيْ"، وجَعَلَ يُسَارُّه، ولون عثمان يتغير، فلما كان يومُ الدار، وحُصِر فيها، قلنا: يا أمير المؤمنين ألا تقاتل؟ قال: لا، إن رسول الله ﷺ عَهِدَ إليّ عَهدًا، وإني صابر نفسي عليه. (فَحَدَّثَني أَبُو سَهْلَةَ) بفتح السين المهملة، وسكون الهاء (مَوْلَى عُثْمَانَ) رَوَى عن مولاه، وعائشة، وروى عنه قيس بن أبي حازم، قال أَبو زرعة: لا أعرف اسمه. وقال العجلي: تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الدارقطني: صَحَّفَ فيه محمد ابن بِشْر، فقال: عن إسماعيل، عن قيس، عن أبي شَهْلَة -بالمعجمة- والصواب بالمهملة. قاله يحيى القطان، وجماعة، عن إسماعيل. تفرّد به الترمذي، والمصنّف، وليس له عندهما غير هذا الحديث. وقال في "التقريب": أَبو سهلة مولى عثمان بن عفّان، ويقال: بالمعجمة، ثقة، من الثالثة. انتهى. (أَنَّ عُثْمانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ يَوْمَ الدَّارِ) أي يوم حُوصر عثمان ﵁ في داره بالمدينة، وقد تقدّم ذكر سبب قتله ﵁، في أول الباب، فراجعه تستفد. (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا) أي أوصاني وصيّةً، يقال: عَهِدَ إليه يَعْهَدُ، من باب تَعِبَ: إذا أوصاه. والعهد الوصيّة (٤). والأولى أن يقال: إنه أراد بالعهد إليه أمره ﵁ بعدم خلع قميصه المكنيّ به خِلْعة الخلافة، بقوله: "فإن أرادوك على خلعه، فلا تخلعه لهم"، وكذلك أمره ﷺ له بالصبر،

стр. 1302

وعدم المقاتلة، كما بينته رواية أحمد من طريق أبي سهلة، عن عائشة ﵂، وفيه: "فلما كان يومُ الدار، وحُصِر فيها، قلنا: يا أمير المؤمنين، ألا تُقاتل؟ قال: لا، إن رسول الله ﷺ عَهِد إليّ عهدًا، وإني صابر نفسي عليه". (فَأَنَا صَائِرٌ إِلَيْهِ) أي راجع إليه، يقال: صار الأمر إلى كذا: رجع إليه، وإليه مَصِيره: أي مرجعه ومآله. والمعنى: أنه راجع إلى ذلك العهد، ومتمسّك به. (وَقَالَ عَلِيٌّ) يعني شيخه الثاني (في حَدِيثِهِ: وَأَنَا صَابِرٌ عَلَيْهِ) يعني أن شيخه محمد ابن عبد الله بن نمير رواه بلفظ: "فأنا صائر إليه" بالهمزة، وأما شيخه عليّ بن محمد الطنافسيّ، فرواه بلفظ: "فأنا صابر عليه" بالباء الموحّدة بدل الهمزة. والمعنى: أنه حابسٌ نفسه على ذلك العهد، ومتمسّك به. (قَالَ قَيْسٌ) أي ابن أبي حازم (فَكَانُوا) أي الصحابة الموجودون، ومن معهم من التابعين في ذلك الوقت (يُرَوْنَهُ) بضمّ أوله، وفتح ثالثه: أي يظنون ذلك العهد، أو بفتح أوله وثالثه، وهو بمعناه؛ لأن رأى تُستعمل بمعنى اليقين والظن، وقد اجتمعا في قوله : ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج:٦ - ٧]، فالأول بمعنى الظنّ، والثاني بمعنى اليقين (ذَلِكَ الْيَوْمَ) بالنصب مفعولا ثانيًا لـ"يرونه". والمعنى أن الناس لمّا رأوا صبر عثمان ﵁ على اعتداء الخارجين عليه، وثباته وعدم التعرّض لهم بالمقاتلة والدفاع حينما طُلِب منه ذلك عَرَفوا أن ذلك اليوم هو يوم العهد الذي عهد إليه النبيّ ﷺ ، ولقد أصابوا في هذا الظنّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة وعثمان ﵄ هذان صحيحان. (المسألة الثانية): في تخريجهما: أخرجهما (المصنّف) هنا (١٣/ ١١٣) بهذا السند فقط، وأخرجهما (الحميديّ) في

стр. 1303

"مسنده" (٢٦٨) و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٢/ ٤٤ - ٤٥) و (ابن سعد) في "الطبقات" (٣/ ٦٦ - ٦٧) و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢١٤) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٩١٨) و (الحاكم) في "المستدرك" (٣/ ٩٩) وصححه، ووافقه الذهبيّ. وأخرج القسم الأخير منه (أحمد) (١/ ٥٨ و ٦٩) و (الترمذيّ) (٣٧١١) عن وكيع به، وقرن الترمذيّ في روايته يحيى بن سعيد القطّان بوكيع، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن أبي خالد. انتهى. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل عثمان ﵁، وهو واضح. ٢ - (ومنها): شدّة اهتمام النبيّ ﷺ بأمته عامّة، وبأصحابه خاصّة. ٣ - (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ ﷺ بما سيقع لعثمان ﵁، فوقع كما أخبر. ٤ - (ومنها): قوة إيمان عثمان ﵁، حيث ثبت على ما عهِد إليه النبيّ ﷺ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 1304

١٤ - (فَضْلُ عَلِيِّ بن أبي طَالِبٍ ﵁ -) هو: علي بن أبي طالب بن عبد المطلب القرشي الهاشميّ أَبو الحسن، وهو ابن عم رسول الله ﷺ ، شقيق أبيه، واسمه عبدُ مناف على الصحيح، وُلِد قبل البعثة بعشر سنين على الراجح، وكان قد ربّاه النبي ﷺ من صغره؛ لقصة مذكورة في السيرة النبوية، فلازمه من صِغَره، فلم يفارقه إلى أن مات. وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وكانت ابن: عمة أبيه، وهي أول هاشمية ولدت لهاشميّ، وقد أسلمت، وصَحِبَت وماتت في حياة النبي ﷺ . قال أحمد، وإسماعيل القاضي، والنسائي، وأبو علي النيسابوريّ: لم يَرِد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في علي ﵁، وكأنّ السبب في ذلك أنه تأخر، ووقع الاختلاف في زمانه، وخروج مَنْ خرج عليه، فكان ذلك سببًا لانتشار مناقبه من كثرة من كان بَيَّنَهَا من الصحابة ردّا على من خالفه، فكان الناس طائفتين، لكن المبتدعة قليلة جدّا، ثم كان من أمر عليّ ما كان، فنجمت طائفة أخرى حاربوه، ثم اشتد الْخَطْب، فتنقصوه، واتخذوا لعنه على المنابر سنةً، ووافقهم الخوارج على بغضه، وزادوا حتى كفروه مضمومًا ذلك منهم إلى عثمان، فصار الناس في حق عليّ ثلاثة: أهلَ السنة، والمبتدعةَ من الخوارج والمحاربين له من بني أُمية وأتباعهم، فاحتاج أهل السنة إلى بَثّ فضائله، فكثر الناقل لذلك؛ لكثرة من يخالف ذلك، وإلا فالذي في نفس الأمر أن لكل من الأربعة سنة من الفضائل إذا حُرّر بميزان العدل، لا يخرج عن قول أهل السنة والجماعة أصلًا. وروى يعقوب بن سفيان بإسناد صحيح، عن عروة، قال: أسلم عليّ، وهو ابن ثمان سنين، وقال ابن إسحاق عشر سنين، وهذا أرجحها، وقيل: غير ذلك. ذكره في "الفتح" (١).

стр. 1305

[تنبيه]: كانت مبايعة عليّ ﵁ بالخلافة سنة خمس وثلاثين من الهجرة، فبايعه المهاجرون والأنصار، وكلُّ من حضر، وكُتب ببيعته إلى الآفاق، فأذعنوا كلهم إلا معاوية في أهل الشام، فكان بينهم بعدُ ما كان (١). وقد تقدّمت ترجمته في ٢/ ٢٠، فراجعها تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق. وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ١١٤ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْر، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عِليٍّ ﵁ قَالَ: "عَهِدَ إِليَّ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ ﷺ أَنَّهُ لَا يُحِبُّني إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُنِي إِلَّا مُنَافِقٌ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ اللهَ بْنُ نُمَيْر) -بنون، مصغّرًا- الْهَمْدانيّ، أَبو هشام الكوفيّ، ثقة، صاحب حديث، من أهل السنّة، من كبار [٩] تقدّم في ٨/ ٥٢. ٢ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الكوفيّ الحافظ الحجة القارىء [٥] تقدّم في ١/ ١. ٣ - (عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريّ الكوفيّ، ثقة رُمي بالتشيّع [٤]. رَوَى عن أبيه، وجده لأمه عبد الله بن يزيد الخطميّ، والبراء بن عازب، وسليمان ابن صُرَد، وعبد الله بن أبي أوفى، وزيد بن وهب، وزيد بن حبيش، وغيرهم. وروى عنه أَبو إسحاق السبيعي، وأبو إسحاق الشيباني، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والأعمش، وزيد بن أبي أُنيسة، وحجاج بن أَرْطاة، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة. وقال أَبو حاتم: صدوق، وكان إمام مسجد الشيعة وقاصَّهُم. وقال العجليّ، والنسائيّ: ثقة. قال ابن عبد البر: عُبيد بن عازب هو جد عديّ بن ثابت، وقال غيره: هو عدي بن أبان بن ثابت بن قيس بن الْخَطِيم

стр. 1306

الأنصاري الظَّفَريّ، وثابت صحابيّ معروف. قال الْبَرْقانيّ: قلت للدارقطنيّ: فعديّ بن ثابت عن أبيه، عن جده؟ قال: لا يثبت، ولا يعرف أبوه ولا جده، وعدي ثقة. وقال الطبريّ: عدي بن ثابت ممن يجب التثبت في نقله. وقال ابن معين: شيعيٌّ مُفْرِط. وقال الجُوزجاني: مائل عن القصد. وقال عفان: قال شعبة: كان من الرَّفَّاعين. وقال ابن أبي داود: حديث عدي بن ثابت عن أبيه، عن جده معلول. وقال السلمي: قلت للدارقطني: فعدي بن ثابت؟ قال: ثقة، إلا أنه كان غاليًا -يعني في التشيع-. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد: ثقة، إلا أنه كان يتشيع. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات في ولاية خالد على العراق. وقال ابن قانع: مات سنة ست عشرة ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا. ٤ - (زِرِّ -بكسر الزاي، وتشديد الراء- ابْنِ حُبَيْشٍ) بمهملة، فموحّدة، فمعجمة، مصغّرًا- ابن حُباشة -بضم المهملة، بعدها موحّدة، ثم معجمة- ابن أَوْس ابن بلال، وقيل: هلال الأسديّ، أَبو مريم، ويقال: أَبو مُطَرِّف الكوفيّ، ثقة جليلٌ مخضرمٌ، أدرك الجاهلية [٢]. روى عن عمر، وعثمان، وعلي، وأبي ذر، وابن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، والعباس، وسعيد بن زيد، وحذيفة، وأبي بن كعب، وصفوان بن عَسّال، وعائشة ﵃، وغيرهم. وروى عنه إبراهيم النخعي، وعاصم بن بَهْدَلة، والنهال بن عمرو، وعدي بن ثابت، والشعبي، وزبيد اليامي، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث. وقال عاصم، عن زِرّ: خرجت في وفد من أهل الكوفة، وايم الله إِنْ حَرَّضَني على الوفادة إلا لقاء أصحاب محمد ﷺ ، فلقيت عبدَ الرحمن بن عوف، وأُبَيّ بن كعب، فكانا جَلِيسيَّ. قال

стр. 1307

عاصم: وكان زر من أعرب الناس، وكان عبد الله يسأله عن العربية. وقال العجليّ: كان من أصحاب عليّ، وعبد الله، ثقة. وقال أَبو جعفر البغداديّ: قلت لأحمد: فزِرٌّ، وعلقمة، والأسود؟ قال: هؤلاء أصحاب ابن مسعود، وهم الثبت فيه. وقال عاصم: كان أَبو وائل عثمانيا، وكان زِرّ عَلَوِيّا، وكان مصلاهما في مسجد واحد، وكان أَبو وائل معظمًا لزِرّ. وقال ابن عيينة عن إسماعيل: قلت لزر: كم أتى عليك؟ قال: أنا ابن عشرين ومائة. قال أَبو عمر الضرير: مات قبل الجماجم. وقال أَبو عبيد القاسم بن سلام: مات سنة (٨١). وقال عمرو بن علي: سنة (٨٢). وقال ابن زَبْر: سنة (٨٣). وقال أَبو نعيم: مات وهو ابن (١٢٧) سنةً. وصحح ابن عبد البر في "الاستيعاب" سنة (٣)، وقال: كان عالمًا بالقرآن، قارئًا فاضلًا. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا. ٥ - (عَلِيّ) بن أبي طالب ﵁، تقدّم في ٢/ ٢٠ والباقون تقدّموا قبل حديث، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرّد هو به. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين. ٤ - (ومنها): أنه فيه ثلاثة من ثقات التابعين، يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن عديّ، عن زِرّ. ٥ - (ومنها): أن عديّا وزِرّا هذا أول محل ذكرهما في الكتاب، وجملة ما رواه المصنّف فيه لعديّ (١٤) حديثًا، ولزِرّ (١٦) حديثًا. ٦ - (ومنها): أن زِرّا من المعمّرين أدرك الجاهليّة، ومات سنة (٨٢) وهو ابن (١٢٠) سنة، وقيل: (١٢٢)، وقيل: (١٢٧). ٧ - (ومنها): أن صحابيّه أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين

стр. 1308

بالجنة، وابن عم المصطفى ﷺ ، وزوج ابنته فاطمة، وأبو الحسنين، جم الناقب ﵃ أجمعين، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَليٍّ ﵁) أنه (قَالَ: "عَهِدَ إِلَيَّ) أي أوصاني بذلك، وأخبرني به، والعهد: الوصيّة، والميثاق (النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ ﷺ ) قال أَبو العبّاس القرطبيّ ﵀: "الأميّ": هو الذي لا يَكتُبُ، كما قال ﷺ : "إنا أُمة أُميّة لا نكتب ولا نحسُبُ"، متّفق عليه (١). وهو منسوب إلى الأمّ؛ لأنه باق على أصل ولادتها؛ إذ لم يتعلّم كتابةً ولا حسابًا. وقيل: يُنسب إلى معظم أمّة العرب؛ إذ الكتابة كانت فيهم نادرةً، وهذا الوصف من الأوصاف التي جعلها الله تعالى من أوصاف كمال النبيّ ﷺ ، ومدحه بها، وإنما كانت صفة نقص في غيره؛ لأن الكتابة والدراسة والدُّرْبَة (٢) على ذلك هي الطرق الموصلة إلى العلوم التي بها تشرف نفس الإنسان، ويعظُم قدرها عادةً، فلمّا خصّ الله تعالى نبيّنا محمدًا ﷺ بعلوم الأولين والآخرين من غير كتابة ولا مُدارسة، كان ذلك خارقًا للعادة في حقّه، ومن أوصافه الخاصّة به الدالّة على صدقه التي نُعِت بها في الكتب القديمة، وعُرف بها في الأمم السابقة، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ﴾ الآية [الأعراف:١٥٧]، فقد صارت الأمّيّة في حقّه من أعظم معجزاته، وأجلّ كراماته، وهي في حقّ غيره نقصٌ ظاهرٌ، وعجزٌ حاضرٌ، فسبحان الذي صيّر نقصنا في حقّه كمالًا، وزاده تشريفًا وجلالًا ﷺ . انتهى (٣). (أَنَّهُ) الضمير للشأن تُفسّره الجملة بعده (لَا) نافية، ولذا رفع الفعل بعده (يُحِبُّنِي) بضم أوله، من أحبّه رباعيّا، ويجوز فتح أوله، وكسر ثالثه، من حبّه ثلاثيّا، قال

стр. 1309

الفيّومي: أحببت الشيءَ بالألف، فهو مُحَبّ، وحَبَبتُه أَحِبّه، من باب ضرب، والقياس أَحُبُّه بالضمّ، لكنه غير مستعمل (١)، وحَبِبْتُهُ أَحَبُّهُ، من باب تَعِب لغة. انتهى (٢). (إِلَّا مُؤْمِنٌ) أي خالص الإيمان من النفاق. والمراد بحبه الحبّ اللائق به، لا على وجه الإفراط، فإن الخروج عن الحدّ غير مطلوب، وليس من علات الإيمان، بل قد يؤدّي إلى الكفر والطغيان، فإن قومًا قد خرجوا عن الإيمان بالإفراط في حبّ عيسى ﵇. قاله السنديّ (٣). وقال القاري: المعنى: لا يُحبّني حبّا مشروعًا مُطابقًا للواقع من غير زيادة ونقصان؛ ليخرُج النصيريّ (٤) والخارجيّ. انتهى (٥).

стр. 1310

(وَلَا يُبْغِضُنِي) بضم أوله، وكسر ثالثه رباعيّا من أبغضه بالألف، لا غيرُ، قال الفيّوميّ: وأبغضته إبغاضًا، فهو مُبغَضٌ، قالوا: ولا يُقال: بَغَضته بغير ألف (١). انتهى (٢). (إِلَّا مُنَافِقٌ) أي إلا من ليس مؤمنًا باطنًا، وإن تظاهر بمظهر الإسلام. والمنافق اسم فاعل من النفاق، وهو -كما قال ابن الأثير- اسم إسلاميّ، لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به، وهو الذي يستُر كفره، ويُظهر إيمانه، وإن كان أصله في اللغة معروفًا، يقال: نافق ينافق منافقةً ونِفاقًا، وهو مأخوذ من النافقاء، أحد جِحَر اليربوع، إذا طُلب من واحد هرب إلى الآخر، وخرج منه. وقيل: من النَّفَق، وهو السِّرَب الذي يُستَتر فيه؛ لستره كفره (٣). والمراد بالبغض هو البغض لأجل مزاياه الدينيّة، وأما البغض الناشىء بسبب أمر دنيويّ يفضي إليه بالطبع، كما يجري في التعامل، فليس نفاقًا أصلًا، وقد سبّ العبّاس عليّا ﵄ بسبب ما جرى بينهما من التعامل كمجلس عمر ﵁ أشدّ سبّ (٤)، وهو مشهور في "الصحيحين"، وغيرهما، فلم ينقص ذلك من إيمانه ﵁ (٥). وقال القرطبي: من أحبّ عليّا ﵁ لسابقته في الإسلام، وقِدَمه في الإيمان، وغَنَائه فيه، وذَوْده عنه، وعن النبيّ ﷺ ، ولمكانته من النبيّ ﷺ ، وقرابته، ومصاهرته، وعلمه، وفضائله، كان ذلك منه دليلًا قاطعًا على صحّة إيمانه ويقينه، ومحبّته للنبيّ ﷺ ، ومن أبغضه لشيء من ذلك كان على العكس. انتهى (٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه

стр. 1311

المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عليّ ﵁ هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (١٤/ ١١٤) بهذا السند فقط، وأخرجه (مسلم) في "الإيمان" (١/ ٦٠) (٢٣٧) و (الترمذيّ) في "المناقب" (٣٧٣٦) و"النسائيّ" في "الإيمان" (٥٠٣٣) و (٥٠٣٧) و"الكبرى" في "فضائل الصحابة" (٨٠٩٧) وفي "الخصائص" (٨٤٣١ و ٨٤٣٢ و ٨٤٣٣) و (الحميديّ) في "مسنده" (٥٨) و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٢/ ٥٦ و ٥٧) و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٨٤ و ٩٥ و ١٢٨) وفي "فضائل الصحابة" (٩٤٨) و (٩٦١) و (ابن أبي عاصم) في "السنة" (١٣٢٥) و (أَبو يعلى) في "مسنده" (٢٩١) و (ابن حبان) في "صحيحه" (٦٩٢٤) و (البغويّ) في "شرح السنة" (٣٩٠٨) و (٣٩٠٩). ودلالة الحديث على ما ترجم له واضحة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ١١٥ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْن إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ: "أَلا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) العبديّ، أَبو بكر البصريّ المعروف ببندار، ثقة حافظ [١٠] تقدّم في ١/ ٦. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْهُذَليّ، أَبو عبد الله البصريّ المعروف بغندر، ثقة، صحيح

стр. 1312

الكتاب [٩] تقدّم في ١/ ٦. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الْعَتكيّ مولاهم، أَبو بِسطام الواسطيّ، ثم البصريّ الإمام الحجة الناقد، أمير المؤمنين في الحديث [٧] تقدّم في ١/ ٦. ٤ - (سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ القاضي، ثقة فاضلٌ عابدٌ [٥] تقدّم في ٢/ ١٤. ٥ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) الزهري المدني، ثقة [٣]. روى عن أبيه، وأسامة بن زيد، وخزيمة بن ثابت. وروى عنه ابن أخته سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وحبيب بن أبي ثابت، وأبو جعفر الباقر. قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث. وقال العجليّ: مدني تابعي ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: معدود في الطبقة الثانية من فقهاء أهل المدينة، بعد الصحابة. وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له البخاريّ، ومسلم، والنسائيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٦ - (أبوه) سعد بن أبي وقّاص مالك بن وُهيب الزهريّ، أَبو إسحاق الصحابيّ الشهير ﵁ تقدّم ٣/ ٢٩، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بثقات البصريين، ونصفه الثاني بثقات المدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وآخر من مات منهم بالمدينة، مات سنة (٥٥) على الصحيح، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وكان مجاب

стр. 1313

الدعوة، ومناقبه جمّة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) الزهريّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ) سعد ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِعِليٍّ) بن أبي طالب ﵁، وهذا القول قاله النبيّ ﷺ مخرجه إلى غزوة تبوك، فقد أخرج البخاريّ ﵀ في "صحيحه" من طريق الحكم، عن مصعب بن سعد، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ خرج إلى تبوك، واستخلف عليا، فقال: أتُخَلِّفُني في الصبيان والنساء، قال: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه ليس نبي بعدي". وأخرج الحاكم في "الإكليل" من مرسل عطاء بن أبي رباح: فقال: "يا عليّ اخلُفني في أهلي، واضرب، وخذ، وعِظْ"، ثم دعا نساءه، فقال: "اسمعن لعليّ، وأطعن" (١). وأخرج النسائيّ في "السنن الكبرى" بسند صحيح، من طريق سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقاص قال: لمّا غزا رسول الله ﷺ غزوة تبوك خَلّف عليا بالمدينة، فقالوا فيه: مَلَّه، وكره صحبته، فتبع عليّ النبي ﷺ حتى لَحِقه بالطريق، فقال: يا رسول الله خَلّفتني بالمدينة مع الذراري والنساء، حتى قالوا: مَلّه، وكَرِه صحبته، فقال له النبي ﷺ : "يا علي إنما خَلّفتك على أهلي، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي" (٢). وقال التوربشتيّ: كان هذا القول من النبيّ ﷺ مخرجه إلى غزوة تبوك، وقد خلّف عليّا ﵁ على أهله، وأمره بالإقامة فيه، فأرجف به المنافقون، وقالوا: ما خلّفه إلا استثقالًا له، وتخففًا منه، فلما سمع به عليّ ﵁ أخذ سلاحه، ثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ ، وهو نازلٌ بالْجُرُف، فقال: يا رسول الله زعم المنافقون كذا، فقال: "كذبوا إنما

стр. 1314

خلّفتك لما تركت ورائي، فارجع، فاخلُفني في أهلي وأهلك، أما ترضى يا عليّ أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى"، تأوّل قول الله : ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢] (١). (أَلَا) بفتح الهمزة، وتخفيف اللام: أداة استفتاح وتنبيه، وفي نسخة: "أما"، وهي بمعناها (تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى) قال في "الفتح": أي نازلًا مني منزلة هارون من موسى، والباء زائدة. وفي رواية سعيد بن المسيّب، عن سعد: "فقال عليّ: رضيت، رضيتُ"، أخرجه أحمد، ولابن سعد من حديث البراء، وزيد بن أرقم في نحو هذه القصة، قال: "بلى يا رسول الله، قال: فإنه كذلك"، وفي أول حديثهما أنه ﵊ قال لعلي: "لابد أن أُقيم أو تقيم، فأقام علي، فسمع ناسا يقولون: إنما خلّفه لشيء كرهه منه، فاتبعه، فذكر له ذلك، فقال له ... " الحديث، وإسناده قوي. وقال السنديّ: قوله ﷺ : "ألا ترضى أن تكون منّي إلخ" قاله ﷺ حين استخلفه على المدينة في غزوة تبوك، فقال: علي: تُخلّفني في النساء والصبيان؟ كأنه استنقص تركه وراءه، فقال: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى"، يعني حين استخلفه عند توجّهه إلى الطور، إذ قال له: ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ الآية، أي ألا ترضى بأني أنزلتك مني في منزل كان ذلك المنزل لهارون من موسى، وليس في هذا الحديث تعرّض لكونه خليفة له ﷺ بعده، وكيف وهارون ﵇ ما كان خليفة لموسى بعد موت موسى ﵇ (٢). [تنبيه]: زاد في الرواية الآتية برقم (١٢١) من طريق عبد الرحمن بن سابط، عن سعد بن أبي وقّاص ﵁، وهي أيضًا رواية للشيخين قوله: "إلا أنه لا نبيّ بعدي". قال القرطبيّ ﵀: إنما قاله النبيّ ﷺ تحذيرًا مما وقعت فيه طائفة من غُلاة

стр. 1315

الرافضة، فإنهم قالوا: إن عليّا نبيّ يوحَى إليه، وقد تناهى بعضهم في الغلوّ إلى أن صار في عليّ إلى ما صارت إليه النصارى في المسيح، فقالوا: إنه الإله، وقد حرّق عليّ ﵁ من قال ذلك، فافتتن بذلك جماعة منهم، وزادهم ضلالًا، وقالوا: الآن تحقّقنا أنه الله؛ لأنه لا يعذّب بالنار إلا الله، وهذه كلها أقوال عوامَّ جُهّال، سُخفاء العقول، لا يُبالي أحدهم بما يقول، فلا ينفع معهم البرهان، لكن السيف والسنان. انتهى (١). وقال النوويّ ﵀: قال العلماء: في قوله: "إلا أنه لا نبيّ بعدي" دليل على أن عيسى ﵇ إذا نزل ينزل حكمًا من حُكّام هذه الأمة، يدعو بشريعة نبيّنا محمد ﷺ ، ولا ينزل نبيّا. انتهى (٢). وقال القاري بعد ذكر كلام النوويّ هذا: أقول: لا منافاة بين أن يكون نبيّا ويكون متابعًا لنبينا ﷺ في بيان أحكام شريعته، وإتقان طريقته، ولو بالوحي إليه، كما يُشير إليه قوله ﷺ : "لو كان موسى حيّا لمَا وسعه إلا اتّباعي" (٣)، أي مع وصف النبوة والرسالة، وإلا فمع سلبهما لا يفيد زيادة المزيّة، فالمعنى أنه لا يحدُثُ بعده نبيّ؛ لأنه خاتم النبيين السابقين، وفيه إيماء إلى أنه لو كان بعد نبيّ لكان عليّا، وهو لا ينافي ما ورد في حقّ عمر ﵁ صريحًا (٤)؛ لأن الحكم فَرْضيّ وتقديريّ، فكأنه قال: لو تُصُوّر بعدي نبيّ

стр. 1316

لكان جماعة من أصحابي أنبياء، ولكن لا نبيّ بعدي، وهذا معنى حديث: "لو عاش إبراهيم لكان صدّيقًا نبيّا" (١). وأما حديث: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل"، فقد صرّح الحفّاظ كالزركشيّ، والعسقلانيّ، والدميريّ، والسيوطيّ أنه لا أصل له. قاله القاريّ ﵀ (٢). وقال الشيخ الألبانيّ ﵀: لا أصل له باتفاق العلماء، وهو مما يَستدلّ به القاديانية الضالّة على بقاء النبوّة بعده ﷺ ، ولو صحّ لكان حجة عليهم، كما يظهر بقليل من التأمّل. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (١٤/ ١١٥) بهذا السند، وسيعيده مطوّلًا برقم (١٢١)، وأخرجه (البخاريّ) في "فضائل الصحابة" (٣٧٠٦) وفي "المغازي" (٤٤١٦)، و (مسلم) في "الفضائل" (٦١٦٨) و (الترمذيّ) في "المناقب" (٣٧٣١) و (النسائيّ) في "فضائل الصحابة" من "الكبرى" (٨٠٨٥) و (٨٠٨٦) و (أحمد) في "مسنده" (١/ ١٧٣ و ١٧٥ و ١٧٧ و ١٧٩) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٩٢٦) و (عبد الرزاق) في

стр. 1317

"مصنّفه" (٩٧٤٥) و (الحميديّ) في "مسنده" (٧١) و (ابن أبي عاصم) في "السنة" (١٣٣٥) و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٠٩) و (البيهقيّ) في "السنن" (٩/ ٤٠) وفي "دلائل النبوة" (٥/ ٢٢٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في دَحْضِ استدلال الفرق الضالّة بهذا الحديث على زعمهم الباطل: قال القاضي عياض ﵀: هذا الحديث مما تعلقت به الروافض، والإمامية، وسائر فرق الشيعة، في أن الخلافة كانت حقا لعلي، وأنه وصيّ له بها، قال: ثم اختلف هؤلاء، فكفرت الروافض سائر الصحابة في تقديمهم غيره، وزاد بعضهم، فكفر عليا؛ لأنه لم يقم في طلب حقه بزعمهم، وهؤلاء أسخف مذهبًا، وأفسد عقلًا من أن يُرَدّ قولهم، أو يُناظَر. وقال القاضي: ولا شك في كفر من قال هذا؛ لأن من كفر الأمة كلها، والصدر الأول خصوصًا، فقد أبطل نقل الشريعة، وهَدَم الإسلام، وأما من عدا هؤلاء الغُلاة فإنهم لا يسلكون هذا المسلك الشنيع القبيح، ومن ارتكبه منهم ألحقناه بمن تقدّم في التكفير، ومأواه جهنّم، وبئس المصير. وأما الإمامية، وبعض المعتزلة، فيقولون: هم مخطئون في تقديم غيره لا كُفّار، وبعض المعتزلة لا يقول بالتخطئة؛ لجواز تقديم المفضول عندهم. وهذا الحديث لا حجة فيه لأحد منهم، بل فيه إثبات فضيلة لعليّ، ولا تعرض فيه لكونه أفضل من غيره أو مثله، وليس فيه دلالة لاستخلافه بعده؛ لأن النبي ﷺ إنما قال هذا لعليّ حين استخلفه في المدينة في غزوة تبوك، ويؤيد هذا أن هارون المشبه به لم يكن خليفةً بعد موسى، بل تُوفي في حياة موسى، وقبل وفاة موسى بنحو أربعين سنة، على ما هو مشهور عند أهل الأخبار والقصص، قالوا: وإنما استخلفه حين ذهب لميقات ربه للمناجاة، فلما رجع موسى ﵇ من مناجاته عاد هارون إلى أول حالاته، على أنه قد كان هارون شُرِّك مع موسى في أصل الرسالة، فلا تكون لهم فيما راموه دلالة. وغاية هذا الحديث أن يدلّ على أن النبي ﷺ إنما استخلف عليّا ﵁ على المدينة

стр. 1318

فقط، فلما رجع النبيّ ﷺ من تبوك قعد مقعده، وعاد عليّ ﵁ إلى ما كان عليه قبل، وهذا كما استَخلَف رسول الله ﷺ على المدينة ابنَ أُمّ مكتوم وغيرَه، ولا يلزم من ذلك استخلافه دائمًا بالاتفاق (١). وقال الطيبيّ بعد ما ذكر نحو ما تقدّم: ما نصّه: أقول: وتحريره من جهة علم المعاني أن قوله: "منّي" خبر للمبتدإ، و"من" اتّصاليّة، ومتعلّق الخبر خاصّ، والباء زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ﴾ الآية [البقرة:١٣٧]: أي فإن آمنوا إيمانًا مثل إيمانكم، يعني أنت متصل بي، ونازل منّي منزلة هارون من موسى، ثم بيّن بقوله: "إلا أنه لا نبي بعدي"، أن اتّصاله به ليس من جهة النبوّة، فبقي الاتّصال من جهة الخلافة؛ لأنها تلي النبوّة في المرتبة، ثم إما أن يكون حال حياته، أو بعد مماته، فخرج من أن يكون بعد مماته؛ لأن هارون ﵇ مات قبل موسى، فتعيّن أن يكون في حياته عند مسيره إلى غزوة تبوك. انتهى كلام الطيبيّ ببعض تصرف (٢). وخلاصته أن الخلافة الجزئيّة في حياته لا تدلّ على الخلافة الكلية بعد مماته، لا سيّما وقد عُزل عن تلك الخلافة برجوعه ﷺ إلى المدينة. قاله القاري (٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين بما سبق بطلان استدلال الشيعة والرافضة بهذا الحديث على أن الخلافة بعد النبيّ ﷺ لعليّ ﵁، نسأل الله تعالى أن يهدينا إلى الصراط المستقيم، اللهم أرنا الحقّ حقّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، إنك سميع قريب مجيب الدعوات، آمين آمين آمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 1319

وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ١١٦ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ ابْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ في حَجَّتِهِ الَّتِي حَجَّ، فَنَزَلَ في بَعْضِ الطَّرِيقِ، فَأَمَرَ الصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَأَخَذَ بيَدِ عَليٍّ ﵁، فَقَالَ: "أَلَسْتُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟ " قَالُوا: بَلَى، قَالَ: "أَلَسْتُ أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ؟ " قَالُوا: بَلَى، قَالَ: "فَهَذَا وَلِيُّ مَنْ أَنَا مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، اللَّهُمَّ عَادِ مَنْ عَادَاهُ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ) الطنافسيّ المذكور قبل حديث. ٢ - (أَبُو الْحُسَيْنِ) هو: زيد بن الحباب الْعُكْليّ، الكوفيّ، خراسانيّ الأصل، صدوقٌ يُخطىء في حديث الثوريّ [٩] تقدّم في ٢/ ١٢. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أَبو سلمة، مولى تميم، ويقال: مولى قريش، وقيل: غير ذلك، ثقة عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] روى عن ثابت البناني، وقتادة، وخاله حميد الطويل، وخلق كثير. وروى عنه ابن جريج، والثوري، وشعبة، وهم أكبر منه، وابن المبارك، وابن مهدي، والقطان، وعفّان بن مسلم، وغيرهم. قال أحمد: حماد بن سلمة أثبت في ثابت من معمر. وقال أيضًا في الحمادين: ما منهما إلا ثقة. وقال حنبل عن أحمد: أسند حماد بن سلمة عن أيوب أحاديث، لا يسندها الناس عنه. وقال أَبو طالب عنه: حماد بن سلمة أعلم الناس بحديث حميد، وأصح حديثا. وقال في موضع آخر: هو أثبت الناس في حميد الطويل، سمع منه قديمًا، يخالف الناس في حديثه. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال الدوري عن ابن معين: من خالف حماد بن سلمة في ثابت، فالقول قول حماد. وقال جعفر الطيالسي عنه: من سمع من حماد بن سلمة الأصناف، ففيها اختلاف، ومن سمع منه نسخا فهو صحيح. وقال ابن المديني: لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد

стр. 1320

ابن سلمة. وقال الأصمعي عن عبد الرحمن بن مهدي: حماد بن سلمة صحيح السماع، حسن اللُّقيّ، أدرك الناس، لم يُتَّهَم بلون من الألوان، ولم يتلبس بشيء، أحسن مَلَكَةَ نفسِهِ ولسانه، ولم يطلقه على أحد، فسَلِمَ حتى مات. وقال ابن المبارك: دخلت البصرة، فما رأيت أحدا أشبه بمسالك الأُوَلِ من حماد بن سلمة. وقال أَبو عمر الجرمي: ما رأيت فقيها أفصح من عبد الوارث، وكان حماد بن سلمة أفصح منه. وقال عفان: قد رأيت من هو أعبد من حماد بن سلمة، ولكن ما رأيت أشد مواظبة على الخير، وقراءة القرآن، والعمل لله من حماد بن سلمة. وقال ابن مهدي: لو قيل لحماد بن سلمة: إنك تموت غدا، ما قدر أن يزيد في العمل شيئًا. وقال ابن حبان: كان من العباد المجابين الدعوة في الأوقات، ولم يُنصِف من جانب حديثه، واحتج في كتابه بأبي بكر بن عياش، فإن كان تَرْكُهُ إياه لِمَا كان يخطىء، فغيره من أقرانه، مثل الثوري وشعبة، كانوا يخطئون، فإن زعم أن خطأه قد كثر حتى تغير، فقد كان ذلك في أبي بكر بن عياش موجودًا، ولم يكن من أقران حماد بن سلمة بالبصرة مثله في الفضل، والدين، والنُّسُك، والعلم، والْكَتْب، والجمع، والصلابة في السنة، والقمع لأهل البدع. قال الحافظ: وقد عَرَّض ابن حبان بالبخاري؛ لمجانبته حديث حماد بن سلمة، حيث يقول: لم يُنصف من عَدَل عن الاحتجاج به إلى الاحتجاج بفُلَيح، وعبد الرحمن ابن عبد الله بن دينار. واعتذر أَبو الفضل بن طاهر عن ذلك، لمَّا ذَكَرَ أن مسلما أخرج أحاديث أقوام، ترك البخاري حديثهم، قال: وكذلك حماد بن سلمة إمام كبير، مدحه الأئمة وأطنبوا، لمّا تكلم بعض منتحلي العرفة، أن بعض الْكَذَبة أدخل في حديثه ما ليس منه، لم يخرج عنه البخاري، مُعْتَمِدًا عليه، بل استشهد به في مواضع؛ لِيُبَيِّن أنه ثقة. وأخرج أحاديثه التي يرويها من حديث أقرانه، كشعبة، وحماد بن زيد، وأبي عوانة، وغيرهم، ومسلم اعتمد عليه؛ لأنه رأى جماعة من أصحابه القدماء والمتأخرين لم يختلفوا، وشاهد مسلم منهم جماعة، وأخذ عنهم، ثم عدالة الرجل في نفسه، وإجماع أئمة أهل النقل على ثقته وأمانته. انتهى. وقال الحاكم: لم يخرج مسلم لحماد بن سلمة في

стр. 1321

الأصول، إلا من حديثه عن ثابت، وقد خرج له في الشواهد عن طائفة. وقال البيهقي: هو أحد أئمة المسلمين، إلا أنه لمّا كَبِرَ ساء حفظه، فلذا تركه البخاري، وأما مسلم فاجتهد، وأخرج من حديثه عن ثابت ما سُمِعَ منه قبل تغيره، وما سوى حديثه عن ثابت لا يبلغ اثني عشر حديثًا، أخرجها في الشواهد. وأورد له ابن عدي في "الكامل" عدة أحاديث مما ينفرد به متنا أو إسنادا، قال: وحماد من أجلة المسلمين، وهو مفتي البصرة، وقد حدث عنه من هو أكبر منه سنا، وله أحاديث كثيرة، وأصناف كثيرة، ومشايخ، وهو كما قال ابن المديني: من تكلم في حماد بن سلمة، فاتهموه في الدين. وقال الساجي: كان حافظا ثقة مأمونا. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وربما حدث بالحديث المنكر. وقال العجلي: ثقة، رجل صالح، حسن الحديث، وقال: إن عنده ألفَ حديث حسن ليس عند غيره. قال سليمان بن حرب وغيره: مات سنة (١٦٧)، زاد ابن حبان: في ذي الحجة. استشهد به البخاري، وقيل: إنه روى له حديثا واحدا عن أبي الوليد عنه، عن ثابت (١)، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب (٨٥) حديثًا. ٤ - (عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ) هو: علي بن زيد بن عبد الله بن أبي مليكةَ زُهير بن عبد الله بن جُدْعان بن عمرو بن كعب بن سَعْد بن تَيم بن مُرّة التيميّ، أَبو الحسن البصري، أصله من مكة، نُسب أبوه إلى جدّ جده، ضعيف [٤]. رَوَى عن أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وأبي عثمان النَّهْديّ، وأبي نَضْرة العبديّ، وأبي رافع الصائغ، والحسن البصري، وعديّ بن ثابت، وغيرهم. وروى عنه قتادة، ومات قبله، والحمادان، وزائدة، وزهير بن مرزوق، والسفيانان، وسفيان بن حسين، وشعبة، وابن عون، وهشيم، وابن علية، وآخرون.

стр. 1322

قال ابن سعد: وُلد وهو أعمى، وكان كثير الحديث، وفيه ضعف، ولا يحتج به. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: ليس بالقوي، وقد رَوَى عنه الناس. وقال عبد الله بن أحمد: سئل أبي سمع الحسن من سراقة، فقال: لا هذا علي بن زيد -يعني يرويه- كأنه لم يَقْنَع به. وقال أحمد: ليس بشيء. وقال حنبل عن أحمد: ضعيف الحديث. وقال معاوية ابن صالح عن يحيى: ضعيف. وقال عثمان الدارمي عن يحيى: ليس بذاك القوي. وقال ابن أبي خيثمة عن يحيى: ضعيف في كل شيء، وفي رواية عنه: ليس بذاك، وفي رواية الدُّوري: ليس بحجة، وقال مرة: ليس بشيء، وقال مرة: هو أحب إلي من ابن عَقِيل، ومن عاصم بن عُبيد الله. وقال العجلي: كان يتشيع، لا بأس به. وقال مرة: يكتب حديثه، وليس بالقوي. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صالح الحديث، وإلى اللين ما هو. وقال الجوزجاني: واهي الحديث، ضعيف، وفيه مَيْل عن القصد، لا يُحتَجّ بحديثه. وقال أَبو زرعة: ليس بقوي. وقال أَبو حاتم: ليس بقوي، يُكتب حديثه، ولا يحتج به، وهو أحب إلي من يزيد ابن أبي زياد، وكان ضريرًا، وكان يتشيع. وقال الترمذي: صدوق، إلا أنه ربما رفع الشيء الذي يوقفه غيره. وقال النسائي: ضعيف. وقال ابن خزيمة: لا أحتج به لسوء حفظه. وقال ابن عدي: لم أر أحدًا من البصريين وغيرهم امتنع من الرواية عنه، وكان يغلو في التشيع، ومع ضعفه يُكتَب حديثه. وقال الحاكم أَبو أحمد: ليس بالمتين عندهم. وقال الدارقطني: أنا أتوقّف فيه، لا يزال عندي فيه لين. وقال معاذ بن معاذ عن شعبة: حدثنا علي بن زيد قبل أن يختلط. وقال أَبو الوليد وغيره عن شعبة: ثنا علي بن زيد، وكان رَفّاعًا. وقال سليمان بن حرب عن حماد بن زيد: ثنا علي بن زيد، وكان يَقْلِب الأحاديث، وفي رواية: كان يحدثنا اليوم بالحديث، ثم يحدثنا غدًا فكأنه ليس ذلك. وقال عمرو بن علي: كان يحيى بن سعيد يتقي الحديث عن علي بن زيد، حدثنا عنه مرة، ثم تركه، وقال: دَعْهُ. وكان عبد الرحمن يحدث عن شيوخه عنه. وقال أَبو معمر القَطِيعيّ، عن ابن عيينة: كَتبت عن علي

стр. 1323

ابن زيد كتابًا كثيرًا، فتركته زهدا فيه. وقال يزيد بن زريع: رأيته، ولم أَحْمِل عنه؛ لأنه كان رافضيا. وقال أَبو سلمة: كان وهيب يضعف علي بن زيد. قال أَبو سلمة: فذكرت ذلك لحماد بن سلمة، فقال: ومن أين كان يقدر وهيب على مجالسة علي، إنما كان يجالس عليٌّ وجوهَ الناس. وقال ابن الجنيد: قلت لابن معين: علي بن زيد اختلط؟ قال: ما اختلط قط. وقال موسى بن إسماعيل عن حماد: قال علي بن زيد ربما حدثت الحسن بالحديث، ثم أسمعه منه، فأقول: يا أبا سعيد أتدري من حدثك؟ فيقول: لا أدري إلا أني سمعته من ثقة، فأقول: أنا حدثتك. وقال خالد بن خِدَاش عن حماد بن زيد: سمعت سعيدًا الْجُريري يقول: أصبح فقهاء البصرة عميان: قتادة، وعلي بن زيد، وأشعث الْحُدّاني. وقال ابن قانع: خلط في آخر عمره، وتُرك حديثه. وقال الساجيّ: كان من أهل الصدق، ويُحتَمل لرواية الْجِلّة عنه، وليس يجري مَجْرَى من أُجمِع على ثَبْته. وقال ابن حبان: يَهِم ويخطىء، فكثر ذلك منه، فاستحق الترك. قال الحضرميّ: مات سنة (١٢٩). وقال خليفة: مات سنة (٣١). أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم مقرونًا بغيره، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٢٣) حديثًا. ٥ - (عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريّ الكوفيّ المذكور قبل حديث. ٦ - (الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ) بن الحارث بن عَدِيّ بن مَجْدَعة بن حارثة بن الحارث بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاريّ الأوسيّ، يُكنى أبا عُمارة، ويقال: أَبو عمرو، ويقال: أَبو الطُّفيل المدني الصحابي ابن الصحابي، نزل الكوفة، ومات بها زَمَنَ مصعب بن الزبير. روى عن النبي ﷺ ، وعن أبي بكر، وعمر، وعلي، وأبي أيوب، وبلال، وغيرهم. وروى عنه عبد الله بن زيد الْخَطْميّ، وأبو جُحَيفة، ولهما صحبة، وعُبيد، والربيع، ويزيد، ولوط، أولاد البراء، وابن أبي ليلى، وعديّ بن ثابت، وأبو إسحاق، ومعاوية بن

стр. 1324

سُويد بن مُقَرّن، وأبو بُرْدة، وأبو بكر ابنا أبي موسى، وخلق كثير. قال أحمد: حدّثنا يزيد، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: استصغرني رسول الله ﷺ يوم بَدْر أنا وابن عمر، فردّنا، فلم يشهدها (١). وقال أَبو داود الطيالسيّ في "مسنده": حدّثنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمع البراء يقول: استُصغرتُ أنا وابن عمر يوم بدر. ورواه عبد الرحمن بن عَوْسَجة عن البراء نحوه، وزاد: "وشهدت أحدًا" أخرجه السّرّاج. ورُوي عنه أنه غزا مع رسول الله ﷺ أربع عشرة غزوة، وفي رواية خمس عشرة. وإسناده صحيح. وعنه قال: سافرت مع رسول الله ﷺ ثمانية عشر سفرًا. أخرجه أَبو ذرّ الْهَرَويّ. وروى أحمد بإسناد صحيح، من طريق الثوريّ، عن أبي إسحاق، عن البراء ﵁ قال: ما كلّ ما نُحّدّثكموه عن رسول الله ﷺ سمعناه منه، حدّثناه أصحابنا، وكان يشغلنا رَعِيّةُ الإبل. وهو الذي افتتح الريّ سنة (٢٤) في قول أبي عمرو الشَّيْبَانيّ، وخالفه غيره. وشهد غزوة تُسْتَر مع أبي موسى، وقيل: هو الذي أرسل النبي ﷺ معه السهم إلى قليب الحديبية، فجاش بالريّ، والمشهور أن ذلك ناجية بن جُندب، قال ابن عبد البر: وأول مشاهده أُحُد. وقال العسكري: أول مشاهده الخندق، وشَهِد مع علي الجَمَل وصِفِّين والنَّهْرَوان، ونزل الكوفة، وابتنى بها دارًا، وكان يُلَقَّب ذا الْغُرّة، قال الحافظ: كذا قيل، وعندي أن ذا الغرة آخر. انتهى. وقال ابن حبان: استصغره النبي ﷺ يوم بدر، وكان هو وابن عمر لِدَةَ، مات سنة (٧٢). (٢). أخرج له الجماعة، وروى (٣٠٥) حديث، اتّفق الشيخان على (٢٢) وانفرد البخاريّ بـ (١٥) ومسلم بـ (٦)، وله في هذا الكتاب (٣٥) حديثًا، والله تعالى أعلم.

стр. 1325

شرح الحديث: (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) ﵄، أنه (قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ في حَجَّتِهِ الَّتِي حَجَّ) هي حجة الوداع بفتح الواو، سُمّيت بذلك؛ لأن النبي ﷺ وَدّع فيها أصحابه بالوصيّة التي أوصاهم بها أن لا يرجعوا بعده كفّارًا وغير ذلك من الوصايا التي ذُكرت في خطبته ﷺ يوم عرفة، وستأتي في "كتاب الحج" إن شاء الله تعالى، وأكّد التوديع بإشهاد الله عليهم بأنهم شَهِدوا أنه قد بلّغ ما أُرسل إليهم به (فَنَزَلَ في بَعْضِ الطَّرِيقِ) أي بمكان يُسمّى غَدِير خُمّ بضم الخاء المعجمة، وتشديد الميم: اسم غَيضة على ثلاثة أميال من الْجُحفة، عندها غَدير مشهور، يُضاف إلى الغيضة (فَأَمَرَ الصَّلَاةَ جَامِعَةً) أي أمر مناديًا ينادي بقوله: "الصلاة جامعة". وتلك الصلاة هي الظهر، كما ذكره البوصيريّ في الزوائد، وعزاه إلى ابن أبي شيبة في "مسنده" (١). [تنبيه]: يجوز في قوله: "الصلاة جامعة" أربعة أوجه: [الأول]: رفعهما على الابتداء والخبر. [والثاني]: نصبهما، الأول على أنه مفعول لفعل مقدّر: أي احضروا الصلاة، والثاني: على الحال. [والثالث]: رفع الأول على أنه مبتدأ حُذف خبره: أي الصلاة محضورة، ونصب الثاني على الحال. [والرابع]: العكس، أي نصب الأول على المفعولية لمقدّر، ورفع الثاني على أنه خبر لمحذوف: أي هي جامعة. والله تعالى أعلم. (فَأَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ ﵁، فَقَالَ: أَلَسْتُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ) أي بجنسهم (مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟) وفي رواية أحمد: "ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم"، وفيه إيماء إلى قوله : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦] (قَالُوا) أي الصحابة الحاضرون (بَلَى) أي أنت أولى بهم من أنفسهم، فـ "بلى" حرف إيجاب، فإذا قيل: ما قام زيد، وقلت في الجواب: بلى، فمعناه إثبات القيام، وإذا قيل: أليس كان كذا، وقلت: بلى، فمعناه التقرير والإثبات، ولا تكون إلا بعد نفي، إما في أول الكلام كما تقدّم، وإما

стр. 1326

في أثنائه كقوله : ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى﴾ [القيامة:٣ - ٤] والتقدير: بلى نجمعها، وقد يكون مع النفي استفهام، وقد لا يكون، كما تقدّم، فهو أبدًا يرفع حكم النفي، ويوجب نقيضه، وهو الإثبات. قاله الفيّوميّ (١). (قَالَ) ﷺ (أَلَسْتُ أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ) أي بخصوصه (مِنْ نَفْسِهِ؟) أي فضلًا عن بقيّة أهله (قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَهَذَا) إشارة إلى عليّ ﵁ (وَلِيُّ مَنْ أَنَا مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، اللَّهُمَّ عَادِ مَنْ عَادَاهُ) وزاد في رواية لأحمد: "وانصر من نصره، واخذُل من خذله". وزاد في رواية أخرى: "فلقيه عمر بعد ذلك، فقال: هنيئًا يا ابن أبي طالب، أصبحتَ وأمسيتَ مولى كل مؤمن ومؤمنة". وقال السنديّ ﵀: معناه ألست أحقّ بالمحبّة والتوقير والإخلاص بمنزلة الأب للأولاد؟ يُنبّه على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، وقوله: "فهذا وليّ من أنا مولاه" معناه: محبوب من أنا محبوبه، قال: ويدلّ على هذا المعنى قوله: "اللهم وال من والاه": أي أحبّ من أحبّه بقرينة "اللهم عاد من عاداه"، وعلى هذا فهذا الحديث ليس له تعلّقٌ بالخلافة أصلًا كما زعمت الرافضة، ويدلّ عليه أن العبّاس وعليّا ما فَهِمَا منه ذلك، كيف وقد أَمَر العبّاس عليّا أن يسأل النبيّ ﷺ أن هذا الأمر فينا أو في غيرنا؟ فقال علي: إن منعنا فلا يُعطينا أحدٌ، أو كما قال. انتهى كلام السنديّ ﵀ (٢). وقال القاري ﵀: تمسّكت الشيعة بأن هذا الحديث نصّ صريحٌ بخلافة عليّ ﵁ حيث قالوا: معنى المولى الأولى بالإمامة، وإلا لما احتاج إلى جمعهم كذلك، وهذه من أقوى شُبَههم، ودَفَعها أهل السنّة بأن المولى بمعنى المحبوب، وعليّ ﵁ سيّدنا وحبيبنا، وله معان أُخر، ومنه الناصر، وأمثاله، فخرج عن كونه نصّا، فضلًا عن أن يكون

стр. 1327

صريحًا، ولو سُلّم أنه بمعنى الأولى بالإمامة، فالمراد به المآل، وإلا لزم أن يكون هو الإمام مع وجوده ﷺ ، فتعيّن أن يكون المقصود منه حين يوجد عقد البيعة له، فلا ينافيه تقديم الأئمة الثلاثة عليه؛ لانعقاد إجماع من يُعتدّ به، حتّى من عليّ، ثم سكوته عن الاحتجاج به إلى أيام خلافته قاض على من له أدنى مُسكة بأنه علم منه أنه لا نصّ فيه على خلافته، مع أن عليّا ﵁ نفسه صرّح بأنه ﷺ لم ينُصّ عليه ولا على غيره. قال: ثم هذا الحديث مع كونه آحادًا مختلفٌ في صحّته، فكيف ساغ للشيعة أن يخالفوا ما اتّفقوا عليه من اشتراط التواتر في أحاديث الإمامة؟ ما هذا إلا تناقضٌ صريحٌ، وتعارض قبيح. انتهى كلام القاري ﵀ (١)، وهو بحث نفيسٌ. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قيل: إن لهذا الحديث سببًا، وذلك ما أخرجه الإمام الترمذيّ ﵀ في "جامعه" بإسناد حسن، من طريق الأحوص بن الجوّاب، عن يونس بن أبي إسحق، عن أبي إسحق، عن البراء: أن النبي ﷺ بَعَثَ جيشين، وأمّر على أحدهما علي بن أبي طالب، وعلى الآخر خالد بن الوليد، فقال: "إذا كان القتال فعليّ"، قال: فافتتح علي حصنًا، فأخذ منه جاريةً، فكتب معي خالد بن الوليد إلى النبي ﷺ يَشِي به، فقدمت على النبي ﷺ ، فقرأ الكتاب، فتغير لونه، ثم قال: "ما ترى في رجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله؟ " قال: قلت: أعوذ بالله من غضب الله، وغضب رسوله، وإنما أنا رسول، فسكت. وقال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث الأحوص بن جوّاب. قوله: "يَشِي به" يعني النميمة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث البراء بن عازب ﵄ هذا صحيح.

стр. 1328

[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده علي بن زيد بن جُدْعان، وهو ضعيف؟. [قلت]: إنما صحّ؛ لأنه جاء من طريق آخر عن البراء ﵁، وله أيضًا شواهد، فقد جاء من حديث عدد من الصحابة ﵃، منهم: زيد بن أرقم، وسعد بن أبي وقّاص، وبُريدة بن الْحُصيب، وابن عبّاس، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدريّ، وأبو أيوب الأنصاريّ، وأبو هريرة، وعليّ بن أبي طالب نفسه، ﵃. فأما حديث البراء ﵁ من غير طريق علي بن زيد، فأخرجه أحمد في "مسنده" ٤/ ٣٧٠، فقال: حدثنا حسين بن محمد، وأبو نعيم المعنى، قالا: ثنا فِطْرٌ، عن أبي الطفيل، قال: جمع علي ﵁ الناس في الرَّحْبَة، ثم قال لهم: أنشدُ الله كل امرئ مسلم، سمع رسول الله ﷺ يقول يوم غَدِير خُمّ ما سمع لمّا قام، فقام ثلاثون من الناس، وقال أَبو نعيم: فقام ناس كثير، فشهدوا حين أخذه بيده، فقال للناس: "أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ " قالوا: نعم يا رسول الله، قال: "من كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه"، قال: فخرجت وكأن في نفسي شيئًا، فلقيت زيد بن أرقم، فقلت له: إني سمعت عليا ﵁ يقول: كذا وكذا، قال: فما تنكر؟، قد سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك له. وأخرجه ابن حبّان في "صحيحه" (٢٢٠٥) والطبرانيّ (٤٩٦٨). وهذا الإسناد صحيح على شرط البخاريّ. وقد تابع فطرًا سلمةُ بن كهيل، قال: سمعت أبا الطفيل يُحدّث عن أبي سريحة، أو زيد بن أرقم -شكّ شعبة- عن النبيّ ﷺ به مختصرًا: "من كنت مولاه فعليّ مولاه". أخرجه الترمذيّ ٢/ ٢٩٨ وقال: حديث حسن صحيح. وأما حديث زيد بن أرقم ﵁، فقد أخرجه الطبرانيّ في "المعجم الكبير" ٥/ ١٧١ - ١٧٢ (٤٩٨٦)، والحاكم في "المستدرك" ٣/ ١٠٩ من طريق يحيى بن جعدة، عن زيد ﵁، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى انتهينا إلى غدير خُمّ أمر بدوح، فكُسِحَ .... " الحديث مطوّلًا، وصححه الحاكم على شرط الشيخين.

стр. 1329

وأما حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ فله ثلاث طرق: [أحدها]: ما يأتي للمصنّف بعد أربعة أحاديث برقم (١٢١) بلفظ: "من كنت مولاه فعليّ مولاه"، وهو حديث صحيح. [والثاني]: ما أخرجه النسائيّ في "الخصائص" (١٦) من طريق عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه، عن سعد ﵁ به. وله طريق ثالث، أخرجه الحاكم في "المستدرك" ٣/ ١١٦، لكن في سنده مسلم الملائيّ، وهو متروك، فلا تصلح للاستشهاد به. وأما حديث بُريدة بن الْحُصيب ﵁، فله طرق، منها: ما أخرجه أحمد في "مسنده" ٥/ ٣٤٧، والحاكم في "المستدرك" ٣/ ١١٠ من طريق عبد الملك بن أبي غنيّة، قال: أخبرنا الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن بريدة، قال: غزوت مع علي اليمن، فرأيت منه جَفْوة، فلما قدمت على رسول الله ﷺ ذكرت عليا، فتنقصته، فرأيت وجه رسول الله ﷺ يتغير، فقال: "يا بريدة ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ " قلت: بلى يا رسول الله، قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه". ورجال هذا الإسناد صحيح على شرط الشيخين. وأما حديث عليّ ﵁ فله طرق أيضًا، منها: ما أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد "المسند" من طريق شريك، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب، وعن زيد بن يُثَيع قالا: نَشَدَ علي الناس في الرحبة من سمع رسول الله ﷺ يقول يوم غدير خم إلا قام ... الحديث، وفيه: "أليس الله أولى بالمؤمنين؟ " قالوا: بلى، قال: "اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه". وزاد فيه من رواية أخرى: "وانصر من نصره، واخذل من خذله". وهذا الإسناد لا بأس به في الشواهد، وشريك هو ابن عبد الله النخعي القاضي. وأما حديث أبي أيوب الأنصاريّ ﵁، فأخرجه أحمد في "مسنده" ٥/ ٤١٩ والطبراني في "الكبير" (٤٠٥٢) و (٤٠٥٣) من طريق حنش بن الحارث بن لَقِيط النخعي الأشجعي، عن رِيَاح بن الحارث، قال: جاء رهط إلى علي بالرَّحَبَة، فقالوا:

стр. 1330

السلام عليك يا مولانا، قال: كيف أكون مولاكم، وأنتم قوم عرب؟، قالوا: سمعنا رسول الله ﷺ يوم غَدِير خُمّ يقول: "من كنت مولاه فإن هذا مولاه"، قال رياح: فلما مضوا تبعتهم، فسألت من هؤلاء؟ قالوا: نفر من الأنصار فيهم أَبو أيوب الأنصاري. وإسناد هذا الحديث صحيح، وحنش وثقه أَبو نعيم، وابن سعد، والعجليّ، وابن حبان، وقال أَبو حاتم: صالح الحديث، ما به بأس. وقال البزار: ليس به بأس (١). ورياح روى عنه جماعة، ووثقه العجليّ، وابن حبّان (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر من المتابعة، والشواهد أن حديث البراء ﵁ هذا صحيح، ولقد أجاد المحدّث الكبير الشيخ الألباني ﵀ في البحث عن طرق هذا الحديث، وذكر له طرقًا كثيرة في "السلسلة الصحيحة" ٤/ ٣٣٠ - ٣٤٤، ثم قال: وللحديث طرق أخرى كثيرة، جمع طائفة كبيرة منها الهيثميّ في "المجمع" ٩/ ١٠٣ - ١٠٨، وقد ذكرت، وخرّجت ما تيسّر لي منها مما يَقطع الواقف عليها بعد تحقيق الكلام على أسانيدها بصحّة الحديث يقينًا، وإلا فهي كثيرة جدّا، وقد استوعبها ابن عُقدة في كتاب مفرد، قال الحافظ ابن حجر: منها صحاح، ومنها حسان. وجملة القول أن حديث الترجمة حديث صحيح بشطريه (٣) بل الأول منه متواتر عنه ﷺ ، كما يظهر لمن تتبّع أسانيده، وطرقه، وما ذكرت منها كفاية. قال: وأما قوله في حديث عليّ ﵁: "وانصر من نصره، واخذل من خذله" ففي ثبوته عندي وقفة؛ لعدم ورود ما يجبر ضعفه، وكأنه رواية بالمعنى للشطر الآخر من الحديث: اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. قال: ومثله قول عمر لعليّ: "أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة" لا

стр. 1331

يصحّ أيضًا؛ لتفرّد علي بن زيد به. قال: إذا عرفت هذا، فقد كان الدافع لتحرير الكلام على الحديث، وبيان صحّته أنني رأيت شيخ الإسلام ابن تيميّة قد ضعّف الشطر الأول من الحديث، وأما الشطر الآخر فزعم أنه كذب (١) وهذا من مبالغاته الناتجة في تقديري من تسرّعه في تضعيف الأحاديث قبل أن يجمع طرقها، ويدقّق النظر فيها، والله المستعان. قال: أما ما يذكره الشيعة في هذا الحديث وغيره أن النبي ﷺ قال في عليّ ﵁: "إنه خليفتي من بعدي"، فلا يصحّ بوجه من الوجوه، بل هو من أباطلهم الكثيرة التي دلّ الواقع التاريخيّ على كذبها؛ لأنه لو فُرض أن النبيّ ﷺ قاله لوقع كما قال؛ لأنه وحي يوحى، والله لا يُخلف وعده. وقد خرّجت بعض أحاديثهم في ذلك في الكتاب الآخر "الضعيفة" (٤٩٢٣ و ٤٩٣٢) في جملة أحاديث لهم احتجّ بها عبد الحسين في "المراجعات" بيّنتُ وهاءها وبطلانها، وكذبه هو في بعضها، وتقوّله على أئمة السنّة فيها. انتهى كلام الشيخ الألباني (٢). وهو كلام نفيسٌ، وبحث أنيس، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (١٤/ ١١٦) بهذا الإسناد فقط، وقد تفرّد به من هذا الوجه، فلم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٨١) و (عبد الله بن أحمد) في زوائده على "مسند أبيه" (٤/ ٢٨١)، وبقية التخريجات تقدّمت في المسألة الماضية، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل علي بن أبي طالب ﵁،

стр. 1332

وهو واضح. ٢ - (ومنها): عناية النبيّ ﷺ ببيان فضل أولي الفضل، والإخبار بما خصّهم الله من المزايا، حتى يظهر للناس فضلهم حتى يقتدوا بهم، ويهتدوا بهديهم، ويعطوهم حقّهم من التبجيل والتكريم. ٣ - (ومنها): دعاؤه ﷺ لمن والى عليّا ﵁ أن يواليه الله تعالى، وعلى من عاداه بأن يعاديه الله تعالى، وقد سبق أن هذه المعاداة إنما تستوجب معاداة الله إذا كانت من حيث كونه وليا لرسول الله ﷺ ، ومحبوبًا لديه، وناصرًا له، وأما إذا نشأت بسبب اختلاف في أمر دنيويّ، فلا تستوجب ذلك، كما سبق أن العباس ﵁ عاداه، وسبّه، وقال لعمر ﵁: "احكم بيني هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن"، وذلك بمحضر من كبار الصحابة، فلم ينكر ذلك عليه أحد، لا عمر، ولا غيره من الصحابة الحاضرين ﵃. فتفطّن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال: ١١٧ - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، حَدَّثَنَا الحكَمُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: كَانَ أَبُو لَيْلَى يَسْمُرُ مَعَ عَلِيٍّ، فَكَانَ يَلْبَسُ ثِيَابَ الصَّيْفِ في الشِّتَاءِ، وَثِيَابَ الشِّتَاءِ في الصَّيْفِ، فَقُلْنَا: لَوْ سَأَلْتُهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ بَعَثَ إِليّ، وَأَنَا أَرْمَدُ الْعَيْنِ يَوْمَ خَيْبَرَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي أَرْمَدُ الْعَيْنِ، فَتَفَلَ في عَيْنِي، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ"، قَالَ: فَمَا وَجَدْتُ حَرًّا وَلَا بَرْدًا بَعْدَ يَوْمِئِذٍ، وَقَالَ: "لأبْعَثَنَّ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، لَيْسَ بِفَرَّارٍ"، فَتَشَرَّفَ لَهُ النَّاسُ، فَبَعَثَ إِلَى عَليٍّ، فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسيّ، أَبو الحسن الكوفيّ، ثقة حافظ مشهور، وله أوهام [١٠]، تقدّم في ٥/ ٤٠. ٢ - (وَكِيعٌ) بن الجرّاح المذكور قبل حديثين.

стр. 1333

٣ - (ابْنُ أَبِي لَيْلَى) هو: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاريّ الكوفيّ القاضي، صدوقٌ سيىء الحفظ جدّا [٧] تقدّم في ٥/ ٣٨. ٤ - (الْحَكَمُ) بن عتيبة الكنديّ الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه، ربما دلّس [٥] تقدّم في ٥/ ٣٨. ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقة [٢] تقدّم في ٣/ ٢٥. ٦ - (عَلِيّ) بن أبي طالب ﵁ المذكور قريبًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ، أنه (قَالَ: كَانَ أَبُو لَيْلَى) يعني أباه، صحابيّ اختُلف في اسمه، فقيل: بلال، وقيل: بُليل بالتصغير، وقيل: داود بن بلال، وقيل: أوس بن خَوْلي، وقيل: الْيَسَر. وقيل: لا يُحفظ اسمه. وقيل: اسمه كنيته. وقال الكلبيّ: أَبو ليلى بلال بن بُليل بن أُحيحة بن الْجُلاح بن الْحَرِيش بن جَحْجَبَى بن كُلْفة ابن عوف بن عَمْرو بن عوف بن مالك بن أوس. روى عن النبي ﷺ ، وعبد الله بن عمر، وعنه ابنه عبد الرحمن، قال ابن عبد البر: شَهِد أحدًا، وما بعدها، وانتقل إلى الكوفة، وشَهِد مع عليّ مشاهده، وقال غيره: قُتِل بصفين مع علي ﵄. وحديثه في "السنن"، فمنه عند أبي داود وابن ماجه من رواية ثابت البنانيّ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه: "صلّيت إلى جنب النبيّ ﷺ في صلاة تطوّع، فسمعته يقول: "أعوذ بالله من النار ... " الحديث. وعند ابن ماجه والبغويّ من رواية أبي جَنَاب الكلبيّ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه قال: كنت جالسًا عند النبيّ ﷺ ، إذ جاء أعرابيّ، فقال: إن لي أخًا وجعًا، قال: وما وجعه؟ قال: به لمَمٌ ... " الحديث. وعند البغويّ من طريق عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن جدّه: "كنت عند النبيّ ﷺ ، فجيء بالحسن، فبال عليه ... " الحديث. وعند الدارميّ، والحاكم، من طريق قيس بن

стр. 1334

مسلم، عن ابن أبي ليلى، عن أبيه: "شهِدت فتح خيبر، فانهزم المشركون، فوقعنا في رحالهم ... " الحديث (١). تفرّد به الأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (١٣٥٢) و (٣٥٤٩)، وهما الحديثان المذكوران آنفًا. (يَسْمُرُ) بضم الميم: أي يتحدّث ليلًا، يقال: سمر يسمُر، من باب نصر ينصر، سَمْرًا وَسُمُورًا: أي لم يَنَم، والسَّمَر محرّكةَ: المسامرة، وهو الحديث بالليل (٢) (مَعَ عَلِيٍّ) ﵁ (فَكَانَ) أي عليّ ﵁ (يَلْبَسُ ثِيَابَ الصَّيْفِ في الشِّتَاءِ) أي الثياب التي تُعَدّ عادةً للبسها في وقت الشتاء، يعني أيام شدّة البرد (وَثيَابَ الشِّتَاءِ في الصَّيْفِ، فَقُلْنَا) أي قال القوم الذين حضروا سمر أبي ليلى مع علي ﵄ لأبي ليلى (لَوْ سَأَلْتَهُ) أي سألت عليّا ﵁ عن سبب مخالفته للناس في اللباس، حيث إنهم لا يلبسون ثياب الشتاء إلا في الشتاء، وثياب الصيف إلا في الصيف؛ إذ لو لم يفعلوا ذلك لتضرَروا، وأما هو فيلبس كيف شاء، ولا يحصل له بذلك ضرر (فَقَالَ) معطوف على مقدّر: أي فسأل أَبو ليلى عليّا ﵄ عن ذلك، فقال عليّ (إِنَّ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها محكيّة بالقول (رَسُولَ الله ﷺ بَعَثَ إِلَيَّ) أي أرسل إلي شخصًا يُحضرني لديه، وسيأتي أن المرسل هو سلمة بن الأكوع ﵁ (وَأَنَا أَرْمَدُ الْعَيْنِ) اسم تفضيل من رَمِدت العين بالكسر ترمد، من باب تعب رمَدًا: إذا هاجت، والرمد بفتحتين: وجع العين، وانتفاخها (٣) (يَوْمَ خَيْبَرَ) منصوب على الظرفيّة لـ "بعث" (قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي أَرْمَدُ الْعَيْنِ، فَتَفَلَ في عَيْنِي) بفتح التاء والفاء: أي نفخ مع أدنى بزاق، قال ابن الأثير ﵀: التفل: نفخ معه أدنى بُزاق، وهو أكثر من النفث. انتهى (٤) وقال الفيّوميّ ﵀: تفَلَ تفْلًا من بابي ضرب

стр. 1335

وقتل من البزاق، يقال: بَزَق، ثم تَفَلَ، ثم نَفَث. انتهى (١). وأخرج الحاكم عن علي ﵁ قال: "فوضع رأسي في حَجْره، ثم بزق في ألية (٢) راحته، فدَلَك بها عيني". وأخرج البيهقي في "الدلائل" عن بريدة ﵁: "فما وَجِعَها عليّ حتى مضى لسبيله"، أي مات. وعند الطبراني من حديث علي ﵁: "فما رَمِدتُّ، ولا صُدِعتُ مُذ دفع النبي ﷺ إليّ الراية يوم خيبر". وله من وجه آخر: "كما اشتكيتها حتى الساعة". (ثُمَّ قَالَ) ﷺ (اللَّهُمَّ أَذْهِبْ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من الإذهاب رباعيّا (عَنْهُ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ) أي ضررهما، فلا يُحسّ بشيء من أذاهما (قَالَ) عليّ ﵁ (فما وَجَدْتُ حَرًّا وَلَا بَرْدًا) أي ضررهما مع وجودهما؛ استجابة لدعوته ﷺ (بَعْدَ يَوْمِئِذٍ) أي بعد يوم دعاء النبيّ ﷺ لي بهذا الدعاء، حيث استجاب الله دعاءه. (وَقَالَ) ﷺ يوم خيبر أيضًا (لَأَبْعَثَنَّ رَجُلًا) وفي رواية الشيخين: "لأعطينّ الراية غدًا"، وعند أحمد، والنسائي، وابن حبان، والحاكم من حديث بُريدة بن الْحُصَيب ﵁ قال: لما كان يوم خيبر أخذ أَبو بكر اللواء، فرجع ولم يُفتَح له، فلما كان الغد أخذه عمر فرجع ولم يفتح له، وقُتِل محمود بن مسلمة، فقال النبي ﷺ : "لأدفعن لوائي غدًا إلى رجل ... " الحديث، وعند ابن إسحاق نحوه من وجه آخر، وفي الباب عن أكثر من عشرة من الصحابة ﵃ سردهم الحاكم في "الإكليل"، وأبو نعيم، والبيهقي في "الدلائل". قاله في "الفتح" (٣). [تنبيه]: "الراية" بمعنى اللواء، وهو العَلَم الذي في الحرب يُعرَف به موضع صاحب الجيش، وقد يحمله أمير الجيش، وقد يدفعه لمقدم العسكر، وقد صرح جماعة
следующие страницы →