يصحّ أيضًا؛ لتفرّد علي بن زيد به.
قال: إذا عرفت هذا، فقد كان الدافع لتحرير الكلام على الحديث، وبيان صحّته أنني رأيت شيخ الإسلام ابن تيميّة قد ضعّف الشطر الأول من الحديث، وأما الشطر الآخر فزعم أنه كذب (١) وهذا من مبالغاته الناتجة في تقديري من تسرّعه في تضعيف الأحاديث قبل أن يجمع طرقها، ويدقّق النظر فيها، والله المستعان.
قال: أما ما يذكره الشيعة في هذا الحديث وغيره أن النبي ﷺ قال في عليّ ﵁: "إنه خليفتي من بعدي"، فلا يصحّ بوجه من الوجوه، بل هو من أباطلهم الكثيرة التي دلّ الواقع التاريخيّ على كذبها؛ لأنه لو فُرض أن النبيّ ﷺ قاله لوقع كما قال؛ لأنه وحي يوحى، والله لا يُخلف وعده.
وقد خرّجت بعض أحاديثهم في ذلك في الكتاب الآخر "الضعيفة" (٤٩٢٣ و ٤٩٣٢) في جملة أحاديث لهم احتجّ بها عبد الحسين في "المراجعات" بيّنتُ وهاءها وبطلانها، وكذبه هو في بعضها، وتقوّله على أئمة السنّة فيها. انتهى كلام الشيخ الألباني (٢). وهو كلام نفيسٌ، وبحث أنيس، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (١٤/ ١١٦) بهذا الإسناد فقط، وقد تفرّد به من هذا الوجه، فلم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٨١) و (عبد الله بن أحمد) في زوائده على "مسند أبيه" (٤/ ٢٨١)، وبقية التخريجات تقدّمت في المسألة الماضية، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل علي بن أبي طالب ﵁،
стр. 1332
وهو واضح.
٢ - (ومنها): عناية النبيّ ﷺ ببيان فضل أولي الفضل، والإخبار بما خصّهم الله من المزايا، حتى يظهر للناس فضلهم حتى يقتدوا بهم، ويهتدوا بهديهم، ويعطوهم حقّهم من التبجيل والتكريم.
٣ - (ومنها): دعاؤه ﷺ لمن والى عليّا ﵁ أن يواليه الله تعالى، وعلى من عاداه بأن يعاديه الله تعالى، وقد سبق أن هذه المعاداة إنما تستوجب معاداة الله إذا كانت من حيث كونه وليا لرسول الله ﷺ ، ومحبوبًا لديه، وناصرًا له، وأما إذا نشأت بسبب اختلاف في أمر دنيويّ، فلا تستوجب ذلك، كما سبق أن العباس ﵁ عاداه، وسبّه، وقال لعمر ﵁: "احكم بيني هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن"، وذلك بمحضر من كبار الصحابة، فلم ينكر ذلك عليه أحد، لا عمر، ولا غيره من الصحابة الحاضرين ﵃. فتفطّن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
١١٧ - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، حَدَّثَنَا الحكَمُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: كَانَ أَبُو لَيْلَى يَسْمُرُ مَعَ عَلِيٍّ، فَكَانَ يَلْبَسُ ثِيَابَ الصَّيْفِ في الشِّتَاءِ، وَثِيَابَ الشِّتَاءِ في الصَّيْفِ، فَقُلْنَا: لَوْ سَأَلْتُهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ بَعَثَ إِليّ، وَأَنَا أَرْمَدُ الْعَيْنِ يَوْمَ خَيْبَرَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي أَرْمَدُ الْعَيْنِ، فَتَفَلَ في عَيْنِي، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ"، قَالَ: فَمَا وَجَدْتُ حَرًّا وَلَا بَرْدًا بَعْدَ يَوْمِئِذٍ، وَقَالَ: "لأبْعَثَنَّ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، لَيْسَ بِفَرَّارٍ"، فَتَشَرَّفَ لَهُ النَّاسُ، فَبَعَثَ إِلَى عَليٍّ، فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسيّ، أَبو الحسن الكوفيّ، ثقة حافظ مشهور، وله أوهام [١٠]، تقدّم في ٥/ ٤٠.
٢ - (وَكِيعٌ) بن الجرّاح المذكور قبل حديثين.
стр. 1333
٣ - (ابْنُ أَبِي لَيْلَى) هو: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاريّ الكوفيّ القاضي، صدوقٌ سيىء الحفظ جدّا [٧] تقدّم في ٥/ ٣٨.
٤ - (الْحَكَمُ) بن عتيبة الكنديّ الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه، ربما دلّس [٥] تقدّم في ٥/ ٣٨.
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقة [٢] تقدّم في ٣/ ٢٥.
٦ - (عَلِيّ) بن أبي طالب ﵁ المذكور قريبًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ، أنه (قَالَ: كَانَ أَبُو لَيْلَى) يعني أباه، صحابيّ اختُلف في اسمه، فقيل: بلال، وقيل: بُليل بالتصغير، وقيل: داود بن بلال، وقيل: أوس بن خَوْلي، وقيل: الْيَسَر. وقيل: لا يُحفظ اسمه. وقيل: اسمه كنيته. وقال الكلبيّ: أَبو ليلى بلال بن بُليل بن أُحيحة بن الْجُلاح بن الْحَرِيش بن جَحْجَبَى بن كُلْفة ابن عوف بن عَمْرو بن عوف بن مالك بن أوس.
روى عن النبي ﷺ ، وعبد الله بن عمر، وعنه ابنه عبد الرحمن، قال ابن عبد البر: شَهِد أحدًا، وما بعدها، وانتقل إلى الكوفة، وشَهِد مع عليّ مشاهده، وقال غيره: قُتِل بصفين مع علي ﵄.
وحديثه في "السنن"، فمنه عند أبي داود وابن ماجه من رواية ثابت البنانيّ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه: "صلّيت إلى جنب النبيّ ﷺ في صلاة تطوّع، فسمعته يقول: "أعوذ بالله من النار ... " الحديث. وعند ابن ماجه والبغويّ من رواية أبي جَنَاب الكلبيّ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه قال: كنت جالسًا عند النبيّ ﷺ ، إذ جاء أعرابيّ، فقال: إن لي أخًا وجعًا، قال: وما وجعه؟ قال: به لمَمٌ ... " الحديث. وعند البغويّ من طريق عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن جدّه: "كنت عند النبيّ ﷺ ، فجيء بالحسن، فبال عليه ... " الحديث. وعند الدارميّ، والحاكم، من طريق قيس بن
стр. 1334
مسلم، عن ابن أبي ليلى، عن أبيه: "شهِدت فتح خيبر، فانهزم المشركون، فوقعنا في رحالهم ... " الحديث (١).
تفرّد به الأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (١٣٥٢) و (٣٥٤٩)، وهما الحديثان المذكوران آنفًا.
(يَسْمُرُ) بضم الميم: أي يتحدّث ليلًا، يقال: سمر يسمُر، من باب نصر ينصر، سَمْرًا وَسُمُورًا: أي لم يَنَم، والسَّمَر محرّكةَ: المسامرة، وهو الحديث بالليل (٢) (مَعَ عَلِيٍّ) ﵁ (فَكَانَ) أي عليّ ﵁ (يَلْبَسُ ثِيَابَ الصَّيْفِ في الشِّتَاءِ) أي الثياب التي تُعَدّ عادةً للبسها في وقت الشتاء، يعني أيام شدّة البرد (وَثيَابَ الشِّتَاءِ في الصَّيْفِ، فَقُلْنَا) أي قال القوم الذين حضروا سمر أبي ليلى مع علي ﵄ لأبي ليلى (لَوْ سَأَلْتَهُ) أي سألت عليّا ﵁ عن سبب مخالفته للناس في اللباس، حيث إنهم لا يلبسون ثياب الشتاء إلا في الشتاء، وثياب الصيف إلا في الصيف؛ إذ لو لم يفعلوا ذلك لتضرَروا، وأما هو فيلبس كيف شاء، ولا يحصل له بذلك ضرر (فَقَالَ) معطوف على مقدّر: أي فسأل أَبو ليلى عليّا ﵄ عن ذلك، فقال عليّ (إِنَّ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها محكيّة بالقول (رَسُولَ الله ﷺ بَعَثَ إِلَيَّ) أي أرسل إلي شخصًا يُحضرني لديه، وسيأتي أن المرسل هو سلمة بن الأكوع ﵁ (وَأَنَا أَرْمَدُ الْعَيْنِ) اسم تفضيل من رَمِدت العين بالكسر ترمد، من باب تعب رمَدًا: إذا هاجت، والرمد بفتحتين: وجع العين، وانتفاخها (٣) (يَوْمَ خَيْبَرَ) منصوب على الظرفيّة لـ "بعث" (قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي أَرْمَدُ الْعَيْنِ، فَتَفَلَ في عَيْنِي) بفتح التاء والفاء: أي نفخ مع أدنى بزاق، قال ابن الأثير ﵀: التفل: نفخ معه أدنى بُزاق، وهو أكثر من النفث. انتهى (٤) وقال الفيّوميّ ﵀: تفَلَ تفْلًا من بابي ضرب
стр. 1335
وقتل من البزاق، يقال: بَزَق، ثم تَفَلَ، ثم نَفَث. انتهى (١).
وأخرج الحاكم عن علي ﵁ قال: "فوضع رأسي في حَجْره، ثم بزق في ألية (٢) راحته، فدَلَك بها عيني". وأخرج البيهقي في "الدلائل" عن بريدة ﵁: "فما وَجِعَها عليّ حتى مضى لسبيله"، أي مات. وعند الطبراني من حديث علي ﵁: "فما رَمِدتُّ، ولا صُدِعتُ مُذ دفع النبي ﷺ إليّ الراية يوم خيبر". وله من وجه آخر: "كما اشتكيتها حتى الساعة".
(ثُمَّ قَالَ) ﷺ (اللَّهُمَّ أَذْهِبْ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من الإذهاب رباعيّا (عَنْهُ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ) أي ضررهما، فلا يُحسّ بشيء من أذاهما (قَالَ) عليّ ﵁ (فما وَجَدْتُ حَرًّا وَلَا بَرْدًا) أي ضررهما مع وجودهما؛ استجابة لدعوته ﷺ (بَعْدَ يَوْمِئِذٍ) أي بعد يوم دعاء النبيّ ﷺ لي بهذا الدعاء، حيث استجاب الله دعاءه.
(وَقَالَ) ﷺ يوم خيبر أيضًا (لَأَبْعَثَنَّ رَجُلًا) وفي رواية الشيخين: "لأعطينّ الراية غدًا"، وعند أحمد، والنسائي، وابن حبان، والحاكم من حديث بُريدة بن الْحُصَيب ﵁ قال: لما كان يوم خيبر أخذ أَبو بكر اللواء، فرجع ولم يُفتَح له، فلما كان الغد أخذه عمر فرجع ولم يفتح له، وقُتِل محمود بن مسلمة، فقال النبي ﷺ : "لأدفعن لوائي غدًا إلى رجل ... " الحديث، وعند ابن إسحاق نحوه من وجه آخر، وفي الباب عن أكثر من عشرة من الصحابة ﵃ سردهم الحاكم في "الإكليل"، وأبو نعيم، والبيهقي في "الدلائل". قاله في "الفتح" (٣).
[تنبيه]: "الراية" بمعنى اللواء، وهو العَلَم الذي في الحرب يُعرَف به موضع صاحب الجيش، وقد يحمله أمير الجيش، وقد يدفعه لمقدم العسكر، وقد صرح جماعة
стр. 1336
من أهل اللغة بترادفهما، لكن روى أحمد، والترمذي من حديث ابن عباس ﵄: "كانت راية رسول الله ﷺ سوداء، ولواؤه أبيض"، ومثله عند الطبراني عن بُريدة ﵁، وعند ابن عدي عن أبي هريرة ﵁، وزاد مكتوبًا فيه: "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، وهو ظاهر في التغاير، فلعل التفرقة بينهما عرفية. وقد ذكر ابن إسحاق، وكذا أَبو الأسود، عن عروة: أن أول ما وُجدت الرايات يوم خيبر، وما كانوا يعرفون قبل ذلك إلا الألوية. قاله في "الفتح" (١).
(يُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ الله وَرَسُولُهُ، لَيْسَ بِفَرَّارٍ) بفتح الفاء، وتشديد الراء، وفي حديث بُريدة: "لا يَرجع حتى يفتح الله عليه" (فَتَشَرَّفَ لَهُ النَّاسُ) بتشديد الراء: أي تطلّعوا، وتعرّضوا للنبيّ ﷺ ليبعثهم لفتح خيبر، وفي نسخة: "فتشَوّف" بالواو المشدّدة بدل الراء، وهو بمعناه. وفي حديث سلمة بن الأكوع عند البخاريّ: "فنحن نرجوها"، وفي حديث سهل بن سعد عنده: "فبات الناس يَدُوكُون ليلتهم أَيُّهم يعطاها". وقوله: "يدوكون" بمهملة مضمومة: أي باتوا في اختلاط واختلاف، والدَّوْكة بالكاف: الاختلاط. وعند مسلم من حديث أبي هريرة: "أن عمر قال: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ"، وفي حديث بُريدة: "فما منا رجل له منزلة عند رسول الله ﷺ إلا وهو يرجو أن يكون ذلك الرجل، حتى تطاولتُ أنالها، فدعا عليّا، وهو يشتكي عينه، فمسحها، ثم دفع إليه اللواء". (فَبَعَثَ إِلَى عَليٍّ) ﵁، وعند مسلم من طريق إياس ابن سلمة عن أبيه، قال: "فأرسلني إلى عليّ، قال: فجئت به أقوده، أرمد، فبزق في عينه فبرأ". فبيّن بهذه الرواية أن الذي أرسله النبيّ ﷺ ليأتي له بعليّ هو سلمة بن الأكوع ﵁.
[تنبيه]: ذكر في "صحيح البخاريّ" قصّة عليّ ﵁ في هذه الواقعة، فقال: كان عليّ ﵁ تخلّف عن النبيّ ﷺ في خيبر، وكان رمدًا، فقال: أنا أتخلّف عن النبيّ ﷺ ، فلحق به.
وقوله: "فلحق به" يحتمل أن يكون لحق به قبل أن يصل إلى خيبر، ويحتمل أن
стр. 1337
يكون لحق به بعد أن وصل إليها. قاله في "الفتح" (١).
(فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ) الضمير الأول للراية، وإن لم يجر لها ذكر، بدليل الروايات الأخر، ففي حديث سهل: "فأعطاه الراية"، والضمير الثاني لعليّ: أي أعطى النبيّ ﷺ الراية لعليّ ﵁. وفي حديث أبي سعيد عند أحمد: "فانطلق حتى فتح الله عليه خيبر وفَدَك، وجاء بعَجْوَتهما". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث علي ﵁ هذا صحيح، إلا جملة الدعاء.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده محمد بن أبي ليلى، قال البوصيريّ: ضعيف الحفظ، لا يحتجّ بما ينفرد به؟.
[قلت]: إنما صحّ لشواهده، فقد أخرج الشيخان وغيرهما قصة الرَّمَد، وقوله: "لأبعثنّ رجلًا يحب الله الخ" من حديث سهل بن سعد الساعديّ ﵁، من طرق متعدّدة، لكن بلفظ: "لأعطين الراية الخ".
ولم أجد شاهدًا صحيحًا لقصّة الدعاء، وقد حسّن الحديث كلّه الشيخ الألباني، وذكر أنه حسنٌ بطريقين أخريين في "المعجم الأوسط" للطبرانيّ، لكن الذي يظهر لي أنهما لا يصلحان للاستشهاد بهما، ففي أحدهما أيوب بن إبراهيم الثقفيّ، وقد تفرّد به، وهو مجهول، لم يرو عنه إلا ابن أخيه هاشم بن مخلد، وقال في "الميزان" مجهول (٢)، فقول الحافظ الهيثميّ في "مجمع الزوائد"٩/ ١٢٢ - : إسناده حسن غير حسن.
والثاني تفرّد حسن بن حسين، وهو ضعيف، وأيضا كثير من رجاله لم يُعرفوا،
стр. 1338
راجع "مجمع البحرين في زوائد المعجمين" ٦/ ٢٧٤ - ٢٧٦ بتحقيق عبد القدّوس بن محمد نذير.
والحاصل أن الحديث صحيح، سوى جملة الدعاء؛ لتفرّد ابن أبي ليلى بها. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (١٤/ ١١٧) بهذا السند فقط، ولم يخرجه غيره من أصحاب الأصول، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (١/ ٩٩ و ١٣٣) و (البزّار) في "مسنده" (٤٩٦) و (النسائيّ) في "الخصائص" (١٤) و (١٥١) و (ابن أبي شيبة) (١٢/ ٦٢ و ٦٣ و ١٤/ ٤٦٤) و (الحاكم) في "المستدرك" (٣/ ٣٧) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٧٨) و (١١١٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (١):
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل علي بن أبي طالب ﵁، وهو واضح.
٢ - (ومنها): معجزة للنبيّ ﷺ حيث مسح عين عليّ ﵁، فذهب رمدها في الوقت، ثم لم تُصب بعد ذلك بأذى.
٣ - (ومنها): أن فيه أيضًا علمًا من أعلام النبوّة حيث أخبر ﷺ بأن الله تعالى سيفتح حصن خيبر على يدي عليّ ﵁، فوقع كما قال.
٤ - (ومنها): أن فيه بيان أن خيبر فتحت عَنْوة، وقد اختلف العلماء هل كان عنوة أو صلحا، وقد وقع في حديث أنس ﵁ التصريح بأنه كان عنوة، وبه جزم ابن عبد البر، ورَدّ على من قال فُتحت صلحًا، قال: وإنما دخلت الشبهة على من قال: فُتحت صلحًا
стр. 1339
بالحِصْنين اللذين أسلمهما أهلهما لِحَقْن دمائهم، وهو ضرب من الصلح، لكن لم يقع ذلك إلا بحصار وقتال. انتهى.
قال الحافظ: والذي يظهر أن الشبهة في ذلك قول ابن عمر: "إن النبي ﷺ قاتل أهل خيبر، فغَلَب على النخل، وألجأهم إلى القصر، فصالحوه على أن يَجْلُوا منها، وله الصفراء والبيضاء، والحلقة، ولهم ما حَمَلَت ركابهم، على أن لا يكتموا، ولا يُغَيِّبوا ... " الحديث، وفي آخره: "فسبى نساءهم وذرايهم، وقسم أموالهم للنكث الذي نكثوا، وأراد أن يُجليهم، فقالوا: دعنا في هذه الأرض نصلحها ... " الحديث، أخرجه أَبو داود، والبيهقي، وغيرهما، وكذلك أخرجه أَبو الأسود في "المغازي" عن عروة، فعلى هذا كان قد وقع الصلح، ثم حَدَثَ منهم النقض، فزال أثر الصلح، ثم مَنَّ عليهم بترك القتل وإبقائهم عُمّالًا، بالأرض، ليس لهم فيها ملك، ولذلك أجلاهم عمر ﵁، فلو كانوا صولحوا على أرضهم، لم يُجْلَوا منها. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
١١٨ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا المعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجنَّةِ، وَأَبُوهُمَا خَيْرٌ مِنْهُمَا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْوَاسِطِيُّ) هو: محمد بن موسى بن عمران القطّان، أَبو جعفر الواسطيّ، ابن عمة أحمد بن سنان، صدوق [١١].
روى عن يزيد بن هارون، وأبي أحمد الزبيري، وأبي عامر العقدي، وأبي سفيان الحميري، ووهب بن جرير بن حازم، ومعلى بن عبد الرحمن الواسطي، وغيرهم.
стр. 1340
وروى عنه البخاري، ومسلم، وابن ماجه، وأبو إسماعيل السلمي، ومحمد بن عبد الله الحضرمي، وعبد الله بن الدّورقي، وغيرهم.
ذكره ابن حبان في الثقات. قال في "الزهرة" روى عنه البخاري أربعة أحاديث، ومسلم حديثين، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١١٨) و (٣٠٨٦) حديث: "أن رسول الله ﷺ قال في بيض النعام يصيبه المحرم ثمنه".
٢ - (المعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الواسطيّ، متّهم بالوضع، وقد رُمي بالرفض [٩].
روى عن جرير بن حازم، وابن أبي ذئب، والأعمش، والثوريّ، ومبارك بن فَضَالة، وفضيل بن مرزوق، وجماعة.
وروى عنه محمد بن موسى القطان، وإبراهيم بن عبد الرحيم دَنُوقا، وإسحاق ابن شاهين الواسطي، ومحمد بن إسحاق الصغاني، وغيرهم.
قال أَبو داود: سمعت يحيى بن معين، وسئل عنه، فقال: أحسن أحواله عندي أنه قيل له عند موته: ألا تستغفر الله تعالى، فقال: ألا أرجو أن يغفر لي، وقد وضعت في فضل علي سبعين حديثًا.
وقال عبد الله بن علي بن المديني عن أبيه: ضعيف الحديث، وذهب إلى أنه كان يضع الحديث، قال: ورميت بحديثه، وضعّفه جدّا، وقال في موضع آخر: أخذ أحاديث من حديث أبي الهيثم، عن الليث، وذهب إلى أنه كان يكذب. وقال أَبو زرعة: ذاهب الحديث. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ضعيف الحديث، كأن حديثه لا أصل له، وقال مرة: متروك الحديث.
وقال ابن حبان: يروي عن عبد الحميد بن جعفر المقلوبات، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. وقال الدارقطني: ضعيف كذاب. وقال محمد بن صاعد: كان الدقيقي يُثني عليه. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. وروى له عدة أحاديث، روى له ابن خزيمة في "الصيام" من "صحيحه" حديثًا، وقال: ليس هذا مما يُحتج به، ولولا أن له أصلا من طريق غيره لم أستجز أن نُبوِّبَ له بابًا. انتهى.
стр. 1341
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٣ - (ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، واسمه هشام بن شعبة بن عبد الله بن أبي قَيس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل ابن عامر بن لؤي القرشيّ العامريّ، أَبو الحارث المدنيّ، ثقة فقيه فاضلٌ [٧].
روى عن أخيه المغيرة، وخاله الحارث بن عبد الرحمن القرشي، وعبد الله بن السائب بن يزيد، وعكرمة مولى ابن عباس، وخلق كثير.
وروى عنه الثوري، ومعمر، وهما من أقرانه، وسعد بن إبراهيم، والوليد بن مسلم، وعبد الله بن نمير، وعبد الله بن المبارك، وخلق كثير.
قال أَبو داود: سمعت أحمد يقول: كان ابن أبي ذئب يُشَبَّه بسعيد بن المسيب، قيل لأحمد: خَلّف مثله ببلاده؟ قال: لا ولا بغيرها. قال: وسمعت أحمد يقول: ابن أبي ذئب كان يُعَدّ صدوقًا، أفضل من مالك، إلا أن مالكا أشد تنقيةً للرجال منه، كان ابن أبي ذئب لا يبالي عمن يحدث. وقال البغوي عن أحمد: كان رجلًا صالحًا، يأمر بالمعروف، وكان يُشَبّه بسعيد. وقال أحمد بن سعيد بن أبي مريم عن ابن معين: ابن أبي ذئب ثقة، وكل من روى عنه ابن أبي ذئب ثقة، إلا أبا جابر البياضي، وكل من روى عنه مالك ثقة، إلا عبد الكريم أبا أمية. وقال أَبو داود: سمعت أحمد بن صالح يقول: شيوخ ابن أبي ذئب كلهم ثقات، إلا البياضي، وقال يعقوب بن شيبة: ابن أبي ذئب ثقة صدوقٌ، غير أن روايته عن الزهري خاصة تَكَلَّم فيها بعضهم بالاضطراب. قال: وسمعت أحمد ويحيى يتناظران في ابن أبي ذئب، وعبد الله بن جعفر الْمَخْرَميّ، فقدم أحمد المخرمي على ابن أبي ذئب، فقال يحيى: المخرمي شيخ، وأَيْشٍ رَوَى من الحديث؟ وأطرى ابن أبي ذئب، وقدمه تقديمًا كثيرًا، قال: فقلت لِعَليّ بعدُ: أيهما أحب إليك؟ قال: ابن أبي ذئب، قال: وسألت عليا عن سماعه من الزهري، فقال: هو عرض، قلت: وإن كان عرضا كيف هو؟ قال: مقارب.
وقال يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي: ما فاتني أحد، فأَسِفت عليه ما أَسِفتُ
стр. 1342
على الليث وابن أبي ذئب. وقال النسائي: ثقة. وقال أحمد بن علي الأبار: سألت مصعبًا الزبيري عن ابن أبي ذئب، وقلت له: حَدَّثوني عن أبي عاصم أنه كان قدريا، فقال: معاذ الله، إنما كان في زمن المهدي قد أخذوا أهل القدر، فجاء قوم، فجلسوا إليه، فاعتصموا به، فقال قوم: إنما جلسوا إليه لأنه يرى القدر.
وقال الواقدي وغيره: وُلد سنة ثمانين عامَ الْحُجَاف. وقال إبراهيم بن المنذر عن ابن أبي فُدَيك: مات سنة ثمان وخمسين ومائة. وقال أَبو نعيم وغيره: مات سنة تسع وخمسين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٧) حديثًا.
٤ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدّم في ١١/ ٩٩.
٥ - (ابن عمر) بن الخطاب ﵄، تقدّم في ١/ ٤، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ) عبد الله (بْنِ عُمَرَ) ﵄، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ) ابنا علي بن أبي طالب ﵄ (سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجنَّةِ) "الشباب" بفتح الشين المعجمة، وتخفيف الموحّدة: جمع شابّ، وهو من بلغ إلى ثلاثين. قيل: إضافة الشباب إلى "أهل الجنّة" بيانيّة، فإن أهل الجنّة كلهم شباب، فكأنه قيل: سيّدا أهل الجنّة، وحينئذ لا بدّ من اعتبار الخصوص، أي ما سوى الأنبياء، والخلفاء الراشدين. وقيل: بل المراد أنهما سيّدا كلّ من مات شابّا، ودخل الجنّة، ولا يلزم أنهما ماتا شابّين، حتّى يَرِد أنه لا يصحّ، فإنهما ماتا شيخين. ورُدّ بأنه لا وجه حينئذ لتخصيص فضلهما على من مات شابّا، بل هما أفضل من كثير ممن مات شيخًا. وقد يقال: وجه التخصيص عدّهما ممن مات شابّا، فانظر إلى عدم بلوغهما عند الموت أقصى سنّ الشيخوخة. ولا يجوز أن يقال: عدّهما شابّين نظرًا إلى شبابهما حين الخطاب، لكونهما كانا صغيرين حينئذ، لا شابّين. ذكره السنديّ ﵀ (١).
стр. 1343
(وَأَبُوهُمَا) عليّ بن أبي طالب ﵁ (خَيْرٌ مِنْهُمَا). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر ﵄ هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده المعلّى بن عبد الرحمن، رافضيّ خبيث كذّاب؟.
[قلت]: الحديث ثابت مرويّ من حديث عدد من الصحابة، منهم أَبو سعيد الخدريّ، وحذيفة بن اليمان، وعليّ بن أبي طالب، وعمر بن الخطّاب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، والبراء بن عازب، وأبو هريرة، وجابر بن عبد الله ﵃.
فأما حديث أبي سعيد ﵁ رواه عبد الرحمن بن أبي نُعم عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : "الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة"، أخرجه الترمذيّ ٤/ ٣٣٩ والحاكم ٣/ ١٦٦ - ١٦٧ والطبرانيّ ١/ ١٢٣/ ١ وأبو نعيم في "الحلية" ٥/ ٧١ والخطيب في "التاريخ" ٤/ ٢٠٧ و ١١/ ٩٠ وأحمد ٣/ ٣ و ٦٢ و ٦٤ و ٨٠ و ٨٢ وابن عساكر ١٨ - ٤٧ - ١ من طرق عنه، وقال الترمذيّ: حديث حسن صحيح، وهو كما قال.
وأما حديث حذيفة ﵁، فأخرجه أحمد ٥/ ٣٩١ والترمذيّ ٢/ ٣٠٧ وابن حبّان في "صحيحه" (٢٢٢٩) من طريق إسرائيل، عن ميسرة النهديّ، عن المنهال بن عمرو، عن زِرّ بن حبيش، عنه، قال: أتيت النبيّ ﷺ ، فصلّيت معه المغرب، ثم قام يصلي حتى صلّى العشاء، ثم خرج، فاتّبعته، فقال: "عَرَض لي ملك، استأذن ربه أن يسلّم عليّ، ويبشّرني في أن الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة"، وزاد أحمد، والترمذيّ: "وأن فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة"، وقال الترمذيّ: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل. قال الشيخ الألباني ﵀: وهذا إسناد صحيح، ورجاله ثقات رجال الصحيح، غير ميسرة، وهو ابن حبيب، وهو ثقة، وصحّح الحاكم الزيادة، ووافقه
стр. 1344
الذهبيّ. انتهى.
وأخرجه أحمد أيضًا من طريق أسود بن عامر، عن إسرائيل، عن ابن أبي السفر، عن الشعبيّ، عنه قال، فذكر نحوه دون الزيادة، وقال: فقال حذيفة: فاستغفر لي ولأمي، قال: "غفر الله لك يا حذيفة، ولأمك". وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، واسم أبي السفر عبد الله، قاله الشيخ الألبانيّ ﵀.
وأما حديث ابن مسعود ﵁، فأخرجه الحاكم في "المستدرك" ٣/ ١٦٧ من طريق عليّ بن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ، فذكره، وفيه الزيادة: "وأبوهما خير منهما". وقال صحيح بهذه الزيادة، ووافقه الذهبيّ (١).
وأما حديث البراء ﵁، فأخرجه الطبرانيّ في "الأوسط" من طريق شريك، عن أشعث بن سوّار، عن عديّ بن ثابت، عنه، قال الحافظ الهيثميّ في "المجمع": وإسناده حسن. انتهى
لكن شريك النخعي مختلط، وأشعث ضعيف.
وأما حديث أبي هريرة ﵁ فأخرجه الطبرانيّ من طريق محمد بن مروان الذهليّ، عن أبي حازم، عنه، أن رسول الله ﷺ قال، فذكره، وفي أوله زيادة: "إن ملكًا من السماء لم يكن زارني، فاستأذن الله في زيارتي، فبشّرني أن الحسن ... " الحديث، وإسناده حسن رجاله كلهم ثقات، غير الذهليّ هذا، فروى عنه أَبو أحمد الزبيريّ، وأبو نعيم، ووثقه ابن حبّان، وقال في "التقريب": مقبول.
وبقية الطرق ضعاف، ويكفي ما سبق، وقد أجاد الشيخ الألبانيّ ﵀ حيث أخرج تلك الطرق كلها، وتكلّم عليها، فأفاد.
ثم قال: وبالجملة فالحديث صحيح بلا ريب، بل هو متواتر كما نقله المناويّ،
стр. 1345
وكذلك الزيادات التي سبق تخريجها، فهي صحيحة ثابتة. انتهى كلامه (١)، وهو بحث نفيس، إلا أن قوله: وهو متواتر محلّ نظر، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (١٤/ ١١٨) بهذا السند فقط، ولم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (٣/ ١٦٧) من هذا الوجه، وبقيّة التخريجات قد سبقت في المسألة الماضية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
١١٩ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى، قَالُوا: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "عَلِيٌّ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ، وَلَا يُؤَدِّي عَنِّي إِلَّا عَلِيٌّ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) الكوفيّ الحافظ الثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الحدثانيّ الْهَرويّ الأصل، صدوق، عمي، فتلقّن ما ليس من حديثه، من قُدماء [١٠] ٤/ ٣٠.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى) الفزاريّ، أَبو محمد الكوفيّ، نسيب السّدّيّ، صدوق يخطىء، ورُمي بالتشيّع [١٠] ٤/ ٣٠.
٤ - (شَرِيكٌ) بن عبد الله النخعيّ القاضي الكوفيّ، صدوق يخطىء كثيرًا، وتغير حفظه منذ ولي القضاء [٨] ١/ ١.
٥ - (أَبو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد اختلط بآخره، ويدلّس [٣] ٧/ ٤٥.
стр. 1346
٦ - (حُبْشِيِّ) -بضم الحاء المهملة، وسكون الموحّدة، ثم معجمة، بعدها ياء ثقيلة- اسم بلفظ النسب (ابْنِ جُنَادَةَ) -بضم الجيم، وتخفيف النون- ابن نصر بن أمامة بن الحارث بن مُعيط بن عمرو بن جَنْدَل بن مُرّة بن صَعْصَعَة السَّلُوليّ -بفتح المهملة، وتخفيف اللام المضمومة- نسبة إلى سلول، وهي أم بني مرّة بن صعصعة، صحابيّ، شهد حجة الوداع، ثم نزل الكوفة، يُكنى أبا الْجَنُوب -بفتح، فضم-.
روى عن النبي ﷺ ، وروى عنه أَبو إسحاق، والشعبي، قال البخاري: إسناده فيه نظر. وقال ابن عبد البر: روى عنه ابنه عبد الرحمن. وقال العسكري: شهد مع علي مشاهده.
أخرج له الترمذيّ، والنسائيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ) السّلوليّ ﵁، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "عَلِيٌّ مِنِّي، وَأَنا مِنْهُ) أي بيننا قرابة كالجزئيّة، قاله السنديّ، وقال القاري: أي في النسب، والمصاهرة، والمسابقة، والمحبّة، وغير ذلك، من المزايا، لا في محض القرابة، وإلا فغيره مشارك له فيها. انتهى (١). (وَلَا يُؤَدِّي عَنِّي إِلَّا عَلِيٌّ) أي نبذ العهد الذي بينه وبين قريش، قال التوربشتيّ ﵀: كان من دأب العرب أنه إذا كان بينهم مقاولة في نقض، وإبرام، وصلح، ونبذ عهد، أن لا يؤدّيه إلا سيّد القوم، أو من يليه من ذوي قرابته القريبة، ولا يقبلون ممن سواهم، فلما كان العام الذي أمر رسول الله ﷺ أبا بكر ﵁ أن يحُجّ بالناس، رأى بعد خروجه أن يبعث عليّا ﵁ خلفه لينبذ إلى المشركين عهدهم، ويقرأ عليهم "سورة براءة"، وفيها: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبه:٢٨] إلى غير ذلك من الأحكام، فقال النبي ﷺ
стр. 1347
هذا تكريمًا لعليّ ﵁، واعتذارًا إلى أبي بكر ﵁ في مقامه هنالك، ولذا قال الصدّيق لعليّ ﵄ حين لحقه: أمير أو مأمور؟ فقال: بل مأمور. قال القاري: وفيه إيماء إلى أن إمارته إنما تكون متأخّرة عن خلافة الصدّيق، كما لا يخفى على ذوي التحقيق. انتهى (١)،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث حُبْشيّ بن جُنادة ﵁ هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده شريك بن عبد الله النخعيّ، وقد مرّ أنه يخطىء كثيرًا، وتغير بآخره، وفيه أَبو إسحاق مدلّسٌ، وقد عنعنه؟.
[قلت]: أما بالنسبة لشريك، فإنه لم ينفرد به، بل تابعه عليه إسرائيل بن يونس، عند أحمد، والترمذيّ، وغيرهما.
وأما بالنسبة لتدليس أبي إسحاق، فقد صرّح أَبو إسحاق بسماعه من حبشيّ ﵁، ففي "مسند أحمد" ٤/ ١٦٤ رقم (١٧٥٠٦): قال شريك: قلت لأبي إسحاق: أين سمعته منه؟ قال: وقف علينا على فرس له في مجلسنا في جَبّانة السَّبِيع. انتهى.
والحاصل أن الحديث صحيح، فقول محقّق "المسند": إسناده ضعيف، ومتنه منكر، فيه نظر لا يخفى، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا (١٤/ ١٩) بهذا الإسناد، ولم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٦٤) رقم (١٧٥٠٥ و ١٧٥٠٦ و ١٧٥١٠ و ١٧٥١١ و ١٧٥١٢) و (النسائيّ) في "الفضائل" (٨١٤٧) و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٣٥١٢ و ٣٥١٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
стр. 1348
حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٢٠ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى، أَنْبَأَنَا الْعَلَاءُ ابْنُ صَالِحٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: أَنَا عَبْدُ الله، وَأَخُو رَسُولِه ﷺ ، وَأَنَا الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ، لَا يَقُولهُا بَعْدِيَ إِلَّا كَذَّابٌ، صَلَّيْتُ قَبْلَ النَّاسِ بِسَبْعِ سِنِينَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الرَّازِيُّ) صدوق [١١] ٩/ ٧٣.
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذام العبسيّ الكوفيّ، ثقة يتشيع [٩] ٩/ ٧٠.
٣ - (الْعَلَاءُ بْنُ صَالِحٍ) التيميّ، ويقال: الأسديّ الكوفيّ -وسماه أَبو داود في روايته علي بن صالح وهو وَهَمٌ- صدوق له أوهام [٧].
رَوَى عن المنهال بن عمرو، وعديّ بن ثابت، وسلمة بن كُهيل، والْحَكَم بن عتيبة، ونَهْشل، وغيرهم، وروى عنه أَبو أحمد الزبيري، وعبد الله بن نمير، وعلي بن هاشم بن الْبَرِيد، وأبو نعيم، وعبيد الله بن موسى، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو داود: ثقة. وقال ابن معين أيضًا، وأبو حاتم: لا بأس به.
وقال ابن المديني: رَوَى أحاديث مناكير. وقال البخاري: لا يتابع، ووثقه يعقوب بن سفيان، وابن نمير، والعجلي، وقال ابن خزيمة: شيخ. وقال يعقوب بن شيبه: مشهور.
وذكره ابن حبان في "الثقات".
له عند الترمذيّ حديث وائل في الصلاة، وعند النسائيّ حديث ابن عباس في اتخاذ ذي الروح غَرَضًا، وعند المصنّف هذا الحديث فقط.
٤ - (الْمِنْهَال) بن عمرو الأسديّ مولاهم الكوفيّ، صدوق ربما وهم [٥].
رَوَى عن أنس، إن كان محفوظًا، وأرسل عن يعلى بن مرة، وزر بن حبيش،
стр. 1349
وعبد الله بن الحارث المصري، وزاذان، وسُويد بن غَفَلة، ومحمد ابن الحنفية، وغيرهم.
وعنه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، والأعمش، وربيعة بن عُتبة الكناني، والحجاج بن أرطاة، ومنصور، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: ترك شعبة المنهال بن عمرو على عَمْد.
قال ابن أبي حاتم: لأنه سمع في داره صوت قراءة بالتطريب. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: أَبو بشر أحب إلي من المنهال. قلت له: أحبّ إليك من المنهال؟ قال: نعم شديدًا، أَبو بشر أوثق إلا أن المنهال أسنّ. وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال وهب بن جرير عن شعبة: أتيت منزل المنهال، فسمعت منه صوت الطنبور، فرجعت ولم أسأله، قلت: فَهَلا سألته عسى كان لا يعلم. وقال ابن المديني عن يحيى بن سعيد: أَتَى شعبة المنهال بن عمرو، فسمع صوتًا فتركه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا مما عُدّ على شعبة من الغلوّ في التشدّد، فإن المنهال رجل صالح، مما لا يُشكّ في ذلك، ولعله لا يكون حاضرًا في البيت، فعدم تثبّت شعبة في ذلك من التشدّد بمكان، فلا ينبغي الالتفات إليه في هذا. والله تعالى أعلم.
وقال العجلي: كوفي ثقة. وقال الدارقطني: صدوق. وقال جرير عن مغيرة: كان حسن الصوت، وكان له لحن يقال له: وزن سبعة. وقال الغلابي: كان ابن معين يَضَعُ من شأن المنهال بن عمرو.
وقال الجوزجاني سيء المذهب. وقد جَرَى حديثه. وقال ابن أبي خيثمة: حدثنا سليمان بن أبي شيخ، حدثني محمد بن عمر الحنفي، عن إبراهيم بن عبيد الطنافسي، قال: وَقَفَ المغيرة صاحب إبراهيم على يزيد بن أبي زياد، فقال: ألا تَعْجَب من هذا الأعمش الأحمق، إني نهيته أن يَرْوِي عن المنهال بن عمرو، وعن عَبَاية، ففارقني على أن لا يفعل، ثم هو يروي عنهما، نَشَدتك بالله تعالى، هل كانت تجوز شهادة المنهال على درهمين؟ قال: اللهم لا، قال: وكذا عباية. وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال الحافظ: محمد بن عمر الحنفي راوي الحكاية فيه نظر.
стр. 1350
وقال الحاكم: المنهال بن عمرو غَمَزُهُ يحيى القطان. وقال أَبو الحسن بن القطان: كان أَبو محمد بن حزم يضعف المنهال، ورَدَّ من روايته حديث البراء، وليس على المنهال حَرْجٌ فيما حَكَى ابن أبي حاتم، فذكر حكايته المتقدّمة، قال: فإن هذا ليس بجرح إلا إن تجاوز إلى حد تحريم، ولم يصح ذلك عنه، وجرحه بهذا تعسف ظاهر، وقد وثقه ابن معين، والعجلي، وغيرهما.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ أَبو الحسن بن القطّان هو الحكم الوسط، والإنصاف في المنهال، فتمسّك به، والله تعالى أعلم.
أخرج له الجماعة، إلا مسلمًا، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط برقم ١٢٠ و ٣٣٩ و ٦١٥ و ٩٧١ و ١٥٤٨ و ١٥٤٩ و ٢١١٢ و ٣٥٢٥ و ٤٠٢١.
٥ - (عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ الله) الأسديّ الكوفيّ، ضعيف [٣].
رَوَى عن علي ﵁، وعنه المنهال بن عمرو، قال البخاري: فيه نظر، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: له أحاديث، وقال علي بن المديني: ضعيف الحديث. وقال ابن الجوزي: ضَرَبَ ابن حنبل على حديثه عن علي: "أنا الصديق الأكبر"، وقال: هو منكر. وقال ابن حزم: وهو مجهول.
تفرّد به النسائي في خصائص علي ﵁، والمصنف أخرجا له هذا الحديث فقط.
٦ - (عَلِيٌّ) رضي الله تعالى عنه تقدم في ٢/ ٢٠.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ الله) الأسديّ، أنه (قَالَ: قَالَ عَليٌّ) ﵁ (أَنَا عَبْدُ الله) أي من الذين أخلصوا عبادته، ووُفّقَوا لها، وهذا من جملة المدح، ومدح الإنسان نفسه لإظهار منة الله تعالى عليه، أو لداع آخر شرعيٍّ جائز (وَأَخُو رَسُولِه ﷺ ) أي أخوّة الإسلام، وأما في النسب فهو ابن عمه (وَأَنَا الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ) أي البليغ في الصدق؛ إذ لم يتوقّف في تصديق الحقّ أصلًا، ولا يكون عادةً إلا ممن غلب عليه الصدقُ، ولذلك سُمّي أَبو بكر ﵁ بالصدّيق لمبادته إلى تصديق النبيّ ﷺ فيما أتى به، فكأنه أراد بهذا الكلام أنه
стр. 1351
أسبق إيمانًا من أبي بكر ﵁، وفي "الإصابة" في ترجمة عليّ ﵁: هو أول الناس إسلامًا في قول كثير من أهل العلم (لَا يَقُولهُا) أي هذه الكلمة، أعني الصدّيق الأكبر (بَعْدِي إِلَّا كَذَّابٌ) أي لأنه لم يبق بعده أحد ممن له فضل مثله ﵁ (صَلَّيْتُ قَبْلَ النَّاسِ بِسَبْعِ سِنِينَ) قال السنديّ: ولعله أراد به أنه أسلم صغيرًا، وصلى في سنّ الصغر، وكلّ من أسلم من معاصريه ما أسلم في سنّه، بل أقلّ ما تأخّر معاصروه عن سنه سبع سنين، فصار كأنه صلى قبلهم سبع سنين، وهم تأخّروا عنه بهذا القدر، ولم يُرد أنه كان سبع سنين مؤمنًا مصلّيًا، ولم يكن غيره في هذه المدّة مؤمنًا أو مصلّيًا، ثم آمنوا وصلَّوا، ويحتمل أنه قال ذلك حسبما اطّلع عليه، وفيه بُعْد لا يخفى. والله تعالى أعلم، انتهى كلام السنديّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عليّ ﵁ هذا إسناده ضعيف، ومتنه باطلٌ، وإن قال البوصيريّ في "مصباح الزجاجة": وهذا إسناده صحيح رجاله ثقات، رواه أَبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده" من طريق أبي سليمان الجهنيّ عن عليّ ﵁، فذكره، وزاد: "لا يقولها قبلي"، ورواه محمد بن يحيى بن أبي عمر في "مسنده" بإسناده ومتنه، وزاد في آخره: فقال له رجل: فأصابته جنّة، ورواه الحاكم في "المستدرك" من طريق المنهال بن عمرو به، وقال: صحيح على شرط الشيخين. انتهى. والجملة الأولى في "جامع الترمذيّ" من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "أنت أخي في الدنيا والآخرة"، وقال: حديث حسن غريب. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول البوصيريّ ﵀: إسناده صحيح، ورجاله ثقات، محلّ عجب؛ إذ في سنده عباد بن عبد الله الأسديّ الكوفيّ، ضعيف، ولعله التبس عليه بعباد بن عبد الله بن الزبير الأسديّ التابعيّ الثقة المعروف، فلذا وثق رجاله، والحقّ أنه ضعيف، وقدمنا أقوال أهل العلم فيه، فلا تغترّ بقوله، ولا بقول السنديّ بعد أن ذكر له تأويلًا: ما نصّه: فكان من حكم عليه بالوضع حكم عليه لعدم ظهور معناه، لا لأجل خلل في إسناده، وقد ظهر معناه بما ذكرنا -ولله الحمد- انتهى.
стр. 1352
فكل هذا غفلة، فلا تغترر به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المُتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٢١ - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ سَابِطٍ -وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ- عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: قَدِمَ مُعَاوِيَةُ في بَعْضِ حَجَّاتِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدٌ، فَذَكَرُوا عَلِيًّا، فَنَالَ مِنْهُ، فَغَضِبَ سَعْدٌ، وَقَالَ: تَقُولُ هَذَا لِرَجُلٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعِليٌّ مَوْلَاهُ"، وَسَمِعْته يَقُولُ: "أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي"، وَسَمِعْته يَقُولُ: "لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ الْيَوْمَ رَجُلًا يُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عِليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ) الطَّنافسيّ المذكور قريبًا.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمّد بن خازم الضرير الكوفيّ المذكور قريبًا أيضًا.
٣ - (مُوسَى بْنُ مُسْلِمٍ) الحِزَاميّ، ويقال له: الشيبانيّ، أبو عيسى الطّحّان، الكوفيّ المعروف بموسى الصغير (١)، ثقة (٢) [٧].
رَوَى عن إبراهيم التيمي، وإبراهيم النخعي، وسَلَمَة بن كُهَيل، وعبد الرّحمن بن سابط، وعكرمة، وعبد الملك بن ميسرة، وهلال بن يساف، وعون بن عبد الله بن عتبة.
وروى عنه الثّوريّ، وأبو معاوية الضرير، وعبد السّلام بن حرب، ومروان بن
стр. 1353
معاوية، وعبد الله بن نمير، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ما أرى به بأسًا. وقال الدُّوري عن ابن معين: موسى الصغير الّذي يَروِي عنه أبو معاوية، هو موسى بن مسلم، وهو موسى الطَّحّان، وهو موسى الصغير ثقة. وقال البزّار: ثقة، روى عنه النَّاس (١). وذكره ابن حبّان في الثقات. وقال الذهبيّ: ثقة (٢). وقال أبو حاتم: يقال: إنّه مات خلف المقام، وهو ساجد.
تفرّد به أبو داود، والنَّسائيّ في "خصائص علي ﵁"، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَابِطٍ) ويقال: ابن عبد الله بن سابط، وهو الصّحيح، ويقال: ابن عبد الله بن عبد الرّحمن بن سابط بن أبي حُمَيضة بن عمرو بن أُهيب بن حُذافة بن جُمَح الجُمَحيّ المكيّ، ثقة كثير الإرسال [٣].
تابعيّ أرسل عن النّبيّ ﷺ ، ورَوَى عن عمر، وسعد بن أبي وقّاص، والعباس بن عبد المطلب، وعباس بن أبي ربيعة، ومعاذ بن جبل، وأبي ثعلبة الْخُشَنيّ، وقيل: لم يُدرك واحدًا منهم، وعن أبيه، وله صحبة، وجابر، وغيرهم.
وروى عنه ابن جريج، وليث بن أبي سليم، وفِطْر بن خليفة، ويزيد بن أبي زياد، وحنظلة بن أبي سفيان الجُمَحيّ، وعلقمة بن مرثد، وعبد الملك بن ميسرة الزَّرّاد، قيل ليحيى بن معين: سمع عبد الرّحمن من سعد بنَ أبي وقّاص؛ قال: لا، قيل: من أبي أمامة؟ قال: لا، قيل: من جابر؟ قال: لا، هو مرسل، وذكره الهيثم عن عبد الله بن عياش في الفقهاء من أصحاب ابن عبّاس. قال الواقدي وغير واحد: مات سنة ثماني عشرة ومائة. وقال ابن سعد: أجمعوا على ذلك، وكان ثقة، كثير الحديث، له في "صحيح
стр. 1354
مسلم "حديث واحد في "الفتن". وقال ابن أبي خيثمة: سمعت ابن معين يقول: عبد الرّحمن بن عبد الله بن سابط، ومن قال: عبد الرّحمن بن سابط فقد أخطأ، وكذا ذكره البخاريّ، وأبو حاتم، وابن حبّان في "الثِّقات"، وغير واحد كلهم في عبد الرّحمن ابن عبد الله، وقال العجليّ: تابعي ثقة.
أخرج له أبو داود، والترمذي، والنَّسائيّ في "اليوم واللّيلة"، والمصنّف، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم ١٢١ و ١٣٣٨ و ٣١١٠ و ٣٧١٠.
٥ - (سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) مالك بن وُهيب الصحابي الشهير ﵁ تقدّم في ٣/ ٢٩، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين، غير ابن سابط، فإنّه مكيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العشرة المبشّرين بالجنّة ﵃، وآخر من مات منهم، مات سنة (٥٥ هـ)، وأول من رمى بسهم في سبيل الله ﵁، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) ﵁، أنه قَالَ: (قَدِمَ مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان الصحابي ابن الصحابيّ الخليفة رضي الله تعالى عنهما، تقدّمت ترجمته في ١/ ٩ (في بَعْضِ حَجَّاتِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ) أي على معاوية ﵁ (سَعْدٌ) بن أبي وقّاص (فَذَكَرُوا) أي النَّاس الحاضرون عند معاوية ﵁ (عَلِيًّا) أي ابن أبي طالب ﵁ (فَنَالَ مِنْهُ) أي نال معاوية من عليّ ﵄، وفي رواية مسلم: "أمر معاوية بن أبي سفيان سعدًا، فقال: ما منعك أن تسُبّ أبا التراب؟ ".
قال القرطبيّ ﵀: هذا يدلُّ على أن مقدّم بني أُميّة كانوا يسبّون عليّا ﵁، وذلك كان منهم لِمَا وقر في نفوسهم من أنه أعان على قتل عثمان ﵁، وأنه أسلمه لمن
стр. 1355
قتله، بناء منهم على أنه كان بالمدينة، وأنه كان متمكّنًا من نُصرته، وكلّ ذلك ظنٌّ وكَذِبٌ، وتأويل باطلٌ غَطَّى التعصّب منه وجه الصواب، وقد ثبت أن عليًّا ﵁ أقسم بالله أنه ما قتله، ولا مالأ على قتله، ولا رضيه، ولم يقُل أحدٌ من النِّقَلَة قطّ، ولا سُمِع من أحد أن عليًّا كان مع القَتَلَة، ولا أنه دخل معهم الدَّار عليه، وأما ترك نُصرته فعثمان ﵁ أسلم نفسه، ومنع من نُصرته، قال: ومما تشبَثوا به أنهم نسبوا عليّا إلى ترك أخذ القصاص من قَتَلة عثمان ﵁، وإلى أنه منعهم منهم، وأنه قام دونهم، وكلّ ذلك أقوالٌ كاذبة، أنتجت ظنونًا غير صائبة، ترتّب عليها ذلك البلاء، كما سبق به القضاء. انتهى كلام القرطبيّ (١).
وقال النوويّ ﵀: قال العلماء: الأحاديث الواردة الّتي في ظاهرها دخل على صحابيّ يجب تأويلها، قالوا: ولا يقع في روايات الثقات إِلَّا ما يُمكن تأويله، فقول معاوية ﵁ هذا ليس فيه تصريح بأنه أمر سعدًا بسبّه، وإنما سأله عن السبب المانع له من السبّ كأنه يقول: هل امتنعت تورّعًا أو خوفًا أو غير ذلك، فإن كان تورّعًا وإجلالًا له عن السبّ فأنت مصيب محسنٌ، وإن كان غير ذلك فله جواب آخر، ولعلّ سعدًا قد كان في طائفة يسبّون فلم يسُبّ معهم، وعجز عن الإنكار، وأنكر عليهم فسأله هذا السؤال، قالوا: ويحتمل تأويلًا آخر أن معناه: ما منعك أن تُخطّئه في رأيه واجتهاده، وتُظهر للناس حسن رأينا واجتهادنا، وأنه أخطأ. انتهى كلام النوويّ (٢).
(فَغَضِبَ سَعْدٌ) ﵁ (وَقَالَ: تَقُولُ هَذَا لِرَجُلٍ) أي في حقّ رجل، فاللام بمعنى "في" (سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ) أي في شأنه ("مَنْ كنْتُ مَوْلَاهُ فَعَليٌّ مَوْلَاهُ") قيل: معناه: من كنت أتولّاه فعَليّ يتولّاه، من الوليّ ضدّ العدوِّ، أي من كنت أحبه فعليّ يُحبّه، وقيل: من يتولّاني، فعليّ يتولاه. قاله القاري (٣).
стр. 1356
وقال ابن الأثير ﵀: قد تكرّر ذكر "المولى" في الحديث، وهو اسم يقع على جماعة كثيرة، فهو الربّ، والمالك، والمنعم، والمعتق، والناصر، والمحبّ، والتابع، والجار، وابن العمّ، والحَلِيف، والْعَقِيد، والصِّهْر، والعبد، والمعتق، والمُنْعَمُ عليه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد نظمت معاني المولى كما ذكره في "القاموس المحيط"، فقلت:
وَيُطْلَقُ المَوْلَى عَلَى مَعَانِي ... قَرَّبْتُهَا بِالنَّظْم لِلْمُعَانِي
المَالِكُ الْعَبْدُ وَمُعْتِقٌ أَتَى ... بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح فَكُلٌّ ثَبَتَا
وَالصَّاحِبُ الْقَرِيبُ كَابْنِ الْعَمِّ ... وَالجَارُ وَالنَّزِيلُ عِنْدَ الْقَوْمِ
وَالابْنُ وَالحَلِيفُ وَالْوَلِيُّ ... وَالْعَمُّ وَالشَّرِيكُ يَا أُخَيُّ
وَالرَّبَّ وَالنَّاصِرُ وَابْنُ الأُخْتِ ... وَالصِّهْرُ وَالمُنْعِمُ كسْرًا يَأْتِي
وَمُنْعَمٌ عَلَيْهِ فَتْحًا ثَبَتَا ... وَالتَّابِعُ المُحِبُّ خَاتِمًا أَتَى
إِحْدَى وَعِشْرُونَ وَفِي الْقَامُوسِ قَدْ ... سَرَدَهَا فَاحْفَظْ تُوَفَّقْ لِلرَّشَدْ
قال ابن الأثير: وأكثرها قد جاء في الحديث، فيُضاف كلُّ واحد إلى ما يقتضيه الحديث الوارد فيه، وكلّ من ولي أمرًا، أو قام به فهو مولاه، ووليّه، وقد تختلف مصادر هذه الأسماء، فالوَلاية بالفتح في النسب، والنصرةِ، والمعتق، والوِلاية بالكسر في الإمارة، والوَلاءُ المعتَقُ، والموالاة مِن والى القوم، ومنه الحديث: "من كنت مولاه فعليّ مولاه"، يُحمل على أكثر الأسماء المذكورة، قال الشّافعيّ ﵁: يعني بذلك وَلاءَ الإسلام، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]، وقول عمر لعليّ ﵄: "أصبحتَ مولى كلِّ مؤمن"، أي وليّ كلّ مؤمن، وقيل: سبب ذلك أن أُسامة قال لعليّ ﵄: لستَ مولاي، إنما مولاي رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : "من كنتُ مولاه، فعليّ مولاه". انتهى كلام ابن الأثير (١).
стр. 1357
(وَسَمِعْتُهُ) أي النبيّ ﷺ (يَقُولُ: أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى) هذه الجملة تقدّم شرحها في الحديث الثّاني من هذا الباب، وقوله: (إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي) قال بعض العلماء: فيه دليل على أن عيسى ﵇ إذا نزل ينزل حكمًا من حُكّام هذه الأمة، يدعو بشريعة محمّد ﷺ ، ولا ينزل نبيّا. ذكره النوويّ (١).
(وَسَمِعْتُهُ) ﷺ (يَقُولُ: لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ) أي العلم الّتي هي علامة للإمارة (الْيَوْمَ) أي يوم خيبر، وفي رواية "الصحيحين": "غدًا" (رَجُلًا يُحِبّ الله وَرَسُولَه) فيه إيماءٌ إلى قوله : ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، الآية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وهو مشتمل على ثلاثة أحاديث صحاح، فقد تقدّم حديث: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إِلَّا أنه لا نبيّ بعدي" برقم (١١٥)، وحديث: "من كنت مولاه فعليّ مولاه"، برقم (١١٦).
وأما حديث: "لأعطينّ الراية إلخ" فقد أخرجه الشيخان في "صحيحيهما"، فأخرجه البخاريّ (٢٩٤٢) و (٣٠٠٩) و (٣٧٠١) ومسلم (٢٤٠٦) وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢٢٨٢١) وأبو داود في "سننه" (٣٦٦١)، والنَّسائيّ في "فضائل الصّحابة" من "الكبرى" (٨٠٩٣) وابن حبّان في "صحيحه" (٦٩٣٣) كلهم أخرجوه من حديث سهل بن سعد الساعديّ ﵁، وفوائد الحديث تقدّمت، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 1358
١٥ - (فَضْلُ الزُّبَيْر ﵁ -)
هو الزُّبير بن العوّام بن خُويلد بن أسد بن عبد الْعُزّى بن قُصيّ، يجتمع مع النبيّ ﷺ في قُصيّ، وعدد ما بينهما سواءٌ، وأمه صفيّة بنت عبد المطّلب عمة النبيّ ﷺ ، أسلمت، وأسلم الزُّبير، وكان يُكنى أبا عبد الله، وروى الحاكم بإسناد صحيح عن عروة، قال: أسلم الزُّبير، وهو ابن ثمان سنين. انتهى (١).
وقيل: أسلم وهو ابن ست عشرة سنة، فعذّبه عمّه بالدخان لكي يرجع عن الإسلام فلمَ يفعل، هاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين، ولم يتخلّف عن غزوة غزاها رسول الله ﷺ ، وهو أول من سَلَّ سيفًا في سبيل الله، وكان عليه يوم بدر رَيْطَة (٢) صفراء، قد اعتجر بها، وكان على الميمنة، فنزلت الملائكة على سيماه، وثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد، وبايعه على الموت. وقال في "الفتح": وكان قتل الزُّبير ﵁ في شهر رجب سنة ست وثلاثين انصرَفَ من وقعة الجمل تاركًا للقتال، فقتله عمرو بن جُرْمُوز -بضم الجيم والميم بينهما راء ساكنة، وآخره زاي- التَّميميُّ غِيلةً، وجاء إلى علي ﵁ متقربًا إليه بذلك، فبَشِّره بالنار، أخرجه أحمد، والترمذي، وغيرهما، وصححه الحاكم، من طُرُق بعضها مرفوع. انتهى (٣).
وقال في "المرقاة": قُتل يوم الجمل، وهو ابن (٧٥) سنة، وقيل: (٦٥)، وقيل: بضع وخمسين، قتله عمرو ابن جُرموز، وكان من أصحاب عليّ ﵁، فأُخبِر عليّ بذلك، فقال: بشّر قاتل ابن صفيّة بالنار، وكان قتله بِسَفَوَان بفتح السين والفاء -من أرض البصرة، ودُفِن بوادي السِّباع، ثمّ حُوّل إلى البصرة. انتهى (٤).
стр. 1359
وروى من الحديث (٣٨) حديثًا، اتفق الشيخان على اثنين، وانفرد البخاريّ بسبعة. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٢٢ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكيع، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابر، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ: "مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ " فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، فَقَالَ: "مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ "، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، ثَلَاثًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ لِكُلِّ نَبِيًّ حَوَارِيَّ، وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عليّ بن محمّد) الطَّنافسيّ الكوفيّ، ثقة عابدٌ [١٠] ٩/ ٥٧.
٢ - (وكيع) بن الجرّاح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة إمام حافظ [٩] ١/ ٣.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ الإمام الحجة الثبت [٧]، ٥/ ٤١.
٤ - (محمّد بن المنكدر) بن عبد الله بن الْهُدَير -مصغّرًا - ابن عبد الْعُزّى بن عامر ابن الحارث بن حارثة بن سعد بن تَيْم بن مُرّة التيميّ المدنيّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو بكر، ثقة فاضل [٣].
رَوَى عن أبيه، وعمه ربيعة وله صحبة، وأبي هريرة، وعائشة، وأبي أَيّوب، وربيعة بن عباد، وسفينة، وأبي قتادة، وأنس، وجابر، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابناه: يوسف، والمنكدر، وابن أخيه إبراهيم بن أبي بكر بن المنكدر، وزيد بن أسلم، وعمرو بن دينار، والزهري، وهم من أقرانه، وشعبة، والثوريّ، وأبو عوانة، وابن عيينة، وآخرون.
قال إسحاق بن راهويه عن ابن عيينة: كان من معادن الصدق، ويجتمع إليه الصالحون، ولم نُدْرِك أحدًا أجدر أن يَقْبَل النّاسُ منه إذا قال قال رسول الله ﷺ منه. وقال ابن عيينة أيضًا: ما رأيت أحدًا أجدر أن يقول: قال رسول الله ﷺ ، ولا يُسأل عمن هو من ابن المنكدر، يعني لتحريه. وقال الحميديّ: ابن المنكدر حافظ. وقال ابن
стр. 1360
معين، وأبو حاتم: ثقة. وقال التّرمذيّ: سألت محمدًا سمع محمّد بن المنكدر من عائشة؟ قال: نعم. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وقال: كان من سادات القراء. قال الواقدي وغيره: مات سنة ثلاثين، وقال البخاريّ عن هارون بن محمّد الْفَرْوِيّ: مات سنة إحدى وثلاثين ومائة. وقال ابن المديني عن أبيه: بلغ ستًا وسبعين سنة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٧) حديثًا.
٥ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الصحابي ابن الصحابيّ ﵄، تقدّم في ١/ ١١، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين إلى ابن المنكدر، وهو وجابر مدنيّان.
٣ - (ومنها): أن جابرًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) ﵁، أَنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ) أي يوم غزوة بني قريظة، وهم قبيلة من اليهود، إخوة بني النضير، كانوا بالمدينة، فأمّا قريظة فقتلت مقاتلتهم، وسُبيت ذراريّهم لنقضهم العهد، وأما بنو النضير فأجلُوا إلى الشّام (مَنْ يَأْتِينَا) هكذا النسخ بإثبات الياء الّتي هي لام الفعل، فإن "مَنْ" هنا موصولة، وقال القاري في "المرقاة": وفي نسخة صحيحة -أي من نسخ المشكاة بحذف الياء تخفيفًا، أو على أن "من" شرطيّة محذوفة الجواب. انتهى (بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟) في رواية وهب بن كيسان عن جابر ﵁ عند النَّسائيّ: "لمَّا اشتدَ الأمر يوم بني قُريظة، قال رسول الله ﷺ : من يأتينا بخبرهم ... " الحديث، وفيه أن الزُّبير توجّه إلى ذلك ثلاث مرّات، ومنه يظهر أن المراد بالقوم في رواية ابن المنكدر هنا هم بنو قُريظة، وهم الذين نقضوا العهد، وذلك أن
стр. 1361
الأحزاب من قريش وغيرهم لما جاءوا إلى المدينة، وحفر النَّبي ﷺ الخندق بلغ المسلمين أن بني قريظة من اليهود نقضوا العهد الّذي كان بينهم وبين السلمين، ووافقوا قريشًا على حرب المسلمين (١) (فَقَالَ الزُّبَيْرُ) بن العوّام ﵁ (أَنَا) أي أنا آتيك به (فَقَالَ) ﷺ ("مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ "، فَقَالَ الزُّبَيْرُ) ﵁ (أَنَا، ثَلَاثًا) أي ردّد السؤال والجواب ثلاث مرّات (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيَّ) أي خاصّةً، وناصرًا مخلصًا، وذكر البخاريّ ﵀ تعليقًا: وقال ابن عبّاس ﵄: هو حواريّ النبيّ ﷺ ، وسُمّي الحواريّون لبياض ثيابهم. انتهى، قال في "الفتح": وصله ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس به، وزاد "أنهم كانوا صيّادين"، وإسناده صحيح إليه، وأخرج عن الضحّاك أن الحواريّ هو الغَسّال بالنبطيّة، لكنهم يجعلون الحاء هاء، وعن قتادة أن الحواريّ هو الّذي يصلح للخلافة، وعنه هو الوزير، وعن ابن عيينة هو الناصر، أخرجه الترمذيّ وغيره عنه، وعند الزُّبير بن بكّار من طريق مسلمة بن عبد الله ابن عروة مثله، وهذه الثّلاثة الأخيرة متقاربة، وقال الزُّبير عن محمّد بن سلام: سألت يونس بن حبيب عن الحواريّ، قال: الخالص، وعن ابن الكلبيّ: الحواريّ الخليل. انتهى (٢).
وقال السنديّ ﵀: قوله: "حواري" بكسر الراء، وتشديد الياء، لفظه مفرد بمعنى الخالص والناصر، والياء فيه للنسبة، وأصل معناه البياض، فهو منصرف منوّنٌ. انتهى (وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ) قال النووي ﵀: قال القاضي عياض: اختُلف في ضبطه، فضبطه جماعة من المحققين بفتح الياء من الثّاني، كمُصْرِخيَّ، وضبطه أكثرهم بكسرها، والحواريّ: الناصر، وقيل: الخاصّة. انتهى (٣).
стр. 1362
وقال القاري بعد نقل كلام عياض هذا: ما نصّه: ولا يخفى أن الأخير يحتمل أن يكون بعد الياء المشدّدة ياء الإضافة مفتوحة على وفق القراءة المتواترة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]، ويحتمل أن تكون ياء الإضافة ساكنةً تُحذَف وصلًا وتثبُتُ وقفًا، ويحتمل أن يكون بالياء المشدّدة المكسورة فقط، كما روى السُّوسيّ في ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ بكسر الياء المشدّدة، ثمّ لا يخفى أنه على تقدير الياء المشدّدة المفتوحة، أو المكسورة بلا ياء الإضافة ينبغي أن يكون مرسومًا بياء واحدة، كما وجدناه في بعض النسخ المصحّحة، ومنها نسخة الجزريّ، وهو الظّاهر من نقل النوويّ، والموافق للرسم القرآنيّ، ثمّ توجيه المشدّدة بلا ياء بعدها هو أنه جاء الحواري بتخفيف الياء، وقد قُرىء ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ بالتخفيف شاذّا، فالثّانية ياء إضافة، وهي قد تكون مفتوحةً، وقد تكون ساكنةً، وتُكسر لالتقاء الساكنين، هذا وفي "شرح السنة": المراد منه الناصر، وحواريّ عيسى ﵇ أنصاره، سُمُّوا به لأنهم كانوا يغسلون الثِّياب، فيُحوّرونها، أي يبيّضونها. انتهى كلام القاري (١).
وقال السنديّ: أصل "حَوَاريّ" بالإضافة إلى ياء المتكلّم، لكن حُذفت الياء اكتفاء بالكسرة، قيل: وقد تُبْدَلُ فتحةً للتخفيف، ويُروى بالكسر والفتح، قال: هذا تخفيف لا يناسب الاكتفاء، والوجه في الفتح أنه اجتمعت ثلاث ياءات، فاستثقلوا، فحذفوا إحدى يائي النسبة، ثمّ أدغموا الثّانية في ياء المتكلّم، وياء المتكلّم تُفتح، سيّما عند التقاء الساكنين، فاختلاف الروايتين مبنيّ على أن المحذوفة ياء المتكلّم، أو إحدى يائي النسبة، والله تعالى أعلم، ومعناه: إن خاصّتي وناصري، وكأنه الخاصّة من بين من كان مطلوبًا بالنِّداء في ذلك الوقت. انتهى كلام السنديّ (٢)، وقال في "النهاية": معناه:
стр. 1363
خاصّتي من أصحابي، وناصري (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنِّف) هنا (١٥/ ١٢٢) فقط، وأخرجه (البخاري) (٢٨٤٦) و (٢٨٤٧) و (٩٩٧٢) و (٣٧١٩) و (٤١١٣) و (٧٢٦١) و (مسلم) (٢٤١٥) و (الترمذيّ) (٣٧٤٥) (أحمد) في "مسنده" (١٤٢٩٧) و (النسائيّ) في "الكبرى" (٨١٥٤) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٩٨٥) و (الطحاويّ) في "شرح مشكل الآثار" (٣٥٦٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل الزُّبير ﵁.
٢ - (ومنها): جواز مدح الإنسان في وجهه إذا لم يُخَف عليه افتتان.
٣ - (ومنها): جواز بعث الطَّلِيعة إلى العدوِّ.
٤ - (ومنها): جواز استعمال التجسّس في الجهاد.
٥ - (ومنها): جواز سفر الرَّجل وحده، وأن النّهي عن السَّفر وحده (٢) إنّما هو حيث لا تدعو الحاجة إلى ذلك.
قال في "الفتح" نقلًا عن ابن المنيّر ﵀: السير لمصلحة الحرب أخصّ من
стр. 1364
السَّفر، والخبر ورد في السَّفر، فيؤخذ من حديث جابر جواز السَّفر منفردًا للضرورة والمصلحة الّتي لا تنتظم إِلَّا بالانفراد، كإرسال الجاسوس والطلِيعة، والكراهةُ لما عدا ذلك، ويحتمل أن تكون حالة الجواز مقيّدة بالحاجة عند الأمن، وحالة المنع مقيّدة بالخوف حيث لا ضرورة.
قال وقد وقع في كتب المغازي بعثُ كلّ من حذيفة، ونُعيم بن مسعود، وعبد الله ابن أُنيس، وخَوّات بن جُبير، وعمرو بن أُميّة، وسالم بن عُمير، وبسبسة بن عمرو في عدّة مواطن، وبعضها في الصّحيح". انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٢٣ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: "لَقَدْ جَمَعَ لِي رَسُولُ الله ﷺ أَبَويهِ يَوْمَ أُحُدٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عليّ بن محمّد) الطنافسيّ المذكور في الحديث الماضي.
٢ - (أبو معاوية) محمّد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة، أحفظ النَّاس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره [٩] تقدّم في ١/ ٣.
٣ - (هشام بن عروة) بن الزُّبير الأسديّ المدنيّ الثقة الفقيه [٥] تقدّم في ٨/ ٥.
٤ - (أبوه) عروة بن الزُّبير بن العوّام المدنيّ الفقيه الثقة الثبت [٣] تقدّم في ٢/ ١٥.
٥ - (عبد الله بن الزُّبير) بن العوّام القرشيّ الأسديّ، أبو بكر، أو أبو خُبيب الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، تقدّم في ٢/ ١٥.
٦ - (الزُّبير) بن العوّام ﵁ المذكور أوّلَ الباب، والله تعالى أعلم.
стр. 1365
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه رجاله رجال الصّحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو والنَّسائيّ في "الخصائص".
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، وأبي معاوية، فكوفيّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن أخيه، عن أبيهما، ورواية تابعيّ عن تابعيّ، وصحابيّ عن صحابيّ.
٥ - (ومنها): أن صحابيه أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵁، وحواريّ النبيّ ﷺ . والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: "لَقَدْ جَمَعَ لِي رَسُولُ الله ﷺ أَبَويهِ يَوْمَ أُحُدٍ") أي في الفداء تعظيمًا لي، وإعلاء لقدري، وذلك أن الإنسان لَا يُفدّي إِلَّا من يُعظّمه، فيبذل نفسه له. قاله الطيبيّ (١).
وفي الحديث قصّة ساقها الشيخان في "صحيحيهما"، ولفظ البخاريّ من طريق ابن المبارك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزُّبير قال: كنت يوم الأحزاب جُعِلتُ أنا وعمر بن أبي سلمة في النِّساء، فنظرت، فإذا أنا بالزبير على فرسه يَختَلِف إلى بني قُريظة مرتين أو ثلاثًا، فلما رجعت قلت: يا أبت رأيتك تَخْتَلِف، قال: أو هل رأيتني يا بُنّيّ؟ قلت: نعم، قال: كان رسول الله ﷺ قال: "مَنِ يأت بني قريظة، فيأتيني بخبرهم، فانطلقت، فلما رجعت جمع لي رسول الله ﷺ أبويه، فقال: "فداك أبي وأمي".
ومن طريق علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزُّبير قال: كنت أنا وعُمر بن أبي سلمة يوم الخندق مع النسوة، في أُطُم حسان، فكان يُطَأْطِئ
стр. 1366
لي مرّة فأنظر، وأُطَأْطِئ له مرّة فينظر، فكنت أعرف أبي إذا مَرّ على فرسه في السلاح إلى بني قريظة، قال: وأخبرني عبد الله بن عروة عن عبد الله بن الزُّبير قال: فذكرت ذلك لأبي، فقال: ورأيتني يا بُنَيَّ؟، قلت: نعم، قال: أما والله لقد جَمَع لي رسول الله ﷺ يومئذ أبويه، فقال: "فَدَاك أبي وأمي".
قال القرطبيّ ﵀: فداك بفتح الفاء والقصر فعلٌ ماضٍ، فإن كسرت مَدَدْتَ، وهذا الحديث يدلُّ على أن النبيّ ﵁ جمع أبويه لغير سعد بن أبي وقّاص ﵁، وحينئذ يُشكل بما رواه الترمذيّ من قول عليّ ﵁: إن رسول الله ﷺ ما جَمَعَ أبويه لأحد إِلَّا لسعد، وقال له يوم أحد: "فداك أبي وأُمّي" (١)، ويرتفع الإشكال بأن يُقال: إن عليّا أخبره بما في علمه، ويَحتَمِل أن يُريد به أنه لم يقل ذلك في يوم أحد لأحد غيره. والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث الزُّبير ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثّانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (١٦/ ١٢٣) فقط، وأخرجه (البخاريّ) في (٣٧٢٠) و (مسلم) في (٢٤١٦) و (الترمذيّ) في (٣٧٤٣) و (النَّسائيّ) في "الكبرى" (٨١٥٦) و (٩٩٥٦) و (٩٩٥٧) و (٩٩٥٨) و (أحمد) في "مسنده" (١٤٠٨) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٩٨٤) و (ابن أبي شيبة) (١٢/ ٩١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثّالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان فضل الزُّبير ﵁.
стр. 1367
٢ - (ومنها): جواز التفدية بالأبوين، وقد عقد الإمام البخاريّ في "كتاب الأدب" من "صحيحه" لذلك بابًا، فقال: "باب قول الرَّجل: جعلني الله فداك، وقال أبو بكر للنبيّ ﷺ : فديناك بآبائنا وأمهاتنا"، ثمّ أخرج بسنده قصة، وفيها قول أبي طلحة للنبيّ ﷺ : "يا نبيّ الله جعلني الله فداك هل أصابك من شيء؟ ... " الحديث. قال في "الفتح": وقد استوعب الأخبار الدّالّة على جواز التفدية أبو بكر بن أبي عاصم في أول كتابه "آداب الحكماء"، وجزم بجواز ذلك، فقال: للمرء أن يقول ذلك لسلطانه، ولكبيره، ولذوي العلم، ولمن أحبّ من إخوانه غير محظور عليه ذلك، بل يُثاب عليه إذا قصد توقيره واستعطافه، ولو كان ذلك محظورًا لنهى النبيّ ﷺ قائل ذلك، ولأعلمه أن ذلك غير جائز أن يُقال لأحد غيره. انتهى.
وقال الطَّبرانيُّ (١) بعد أن ساق أحاديث الجواز: في هذه الأحاديث دليلٌ على جواز قول ذلك، وأما ما رواه مبارك بن فَضَالة، عن الحسن قال: دخل الزُّبير على النبيّ ﷺ ، وهو شاكٍ، فقال: كيف تجدك جعلني الله فداك؟ قال: "ما تركت أعرابيّتك بعدُ؟ "، ثمّ ساقه من هذا الوجه، ومن وجه آخر، ثمّ قال: لا حجة في ذلك على المنع؛ لأنه لا يقاوم تلك الأحاديث في الصحّة، وعلى تقدير ثبوت ذلك فليس فيه صريح المنع، بل فيه إشارة إلى أنه ترك الأولى في القول للمريض إمّا بالتأنيس والملاطفة، وإما بالدعاء والتوجّع.
فإن قيل: إنّما ساغ ذلك لأن الّذي دعا بذلك كان أبواه مشركين، فالجواب أن قول أبي طلحة كان بعد أن أسلم، وكذا أبو ذرّ، وقول أبي بكر كان بعد أن أسلم أبواه. انتهى ملخّصًا.
وقال الحافظ: ويمكن أن يُعترض بأنه لا يلزم من تسويغ قول ذلك للنبيّ ﷺ أن يُسوّغ لغيره؛ لأن نفسه أعزّ من أنفس القائلين وآبائهم، ولو كانوا أسلموا، فالجواب ما
стр. 1368
تقدّم من كلام ابن أبي عاصم، فإن فيه إشارة إلى أن الأصل عدم الخصوصيّة، وأخرج ابن أبي عاصم من حديث ابن عمر أن النبيّ ﷺ قال لفاطمة: "فداك أبوك"، ومن حديث ابن مسعود النّبيّ ﷺ قال لأصحابه: "فداكم أبي وأمي"، ومن حديث أنس أنه ﷺ قال مثل ذلك للأنصار. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن ممّا سبق أن الحقّ جواز قول الإنسان: فداك نفسي، أو أبي وأمي؛ لصحة الأحاديث الكثيرة بذلك، وأما حديث الحسن المتقدّم فلا يصحّ؛ لأنه من مرسل الحسن، وفيه فَضَالة يُدلّس، ويسوّي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المُتَّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
١٢٤ - (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، وَهَدِيَّةُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشُةُ: يَا عُرْوَةُ كَانَ أَبَوَاكَ مِنِ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لله وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ: أَبُو بَكْرٍ، وَالزُّبَيْرُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هشام بن عمّار) السلميّ الدمشقيّ الخطيب، صدوقٌ مقرىء، كبر فصار يتلقّن، فحديثه القديم أصحّ، من كبار [١٠] تقدّم في ١/ ٥.
٢ - (هَدِيَّةُ -بفتح أوله، وكسر ثانيه، وتشديد التحتانيّة- ابْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ) أبو صالح المروزيّ، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ [١٠].
رَوَى عن الفضل بن موسى السِّينَاني، وسعد بن عبد الحميد بن جعفر، وابن عيينة، والوليد بن مسلم، ووكيع، والنضر بن شُميل، وغيرهم.
وروى عنه المصنّف، وأبو زرعة، وعثمان بن خُرَّزاذ، وعبد الله بن أحمد، وابن أبي عاصم، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وموسى بن إسحاق الأنصاري، وعبد الله بن أحمد، وجعفر
стр. 1369
الفريابي، وآخرون.
قال ابن أبي عاصم: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثِّقات"، وقال: ربما أخطأ. قال أبو القاسم: مات سنة إحدى وأربعين ومائتين، انفرد به المصنّف، وله عنده في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط برقم ١٢٤ و ١٢٩٠ و ٢٣٠١ و ٢٤٢٨ و ٢٩٤٩ و ٣١٣١ و ٣٣٤١ و ٤٠٨٧.
٣ - (سفيان بن عيينة) الإمام الحافظ الحجة الفقيه، أبو محمّد المكيّ [٨] تقدّم في ٢/ ١٣.
٤ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت ٢/ ١٤، والباقيان تقدّمان في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنِّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجال ثقات.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، ورواية تابعيّ عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث.
٥ - (ومنها): أن فيه عروة أحد الفقهاء السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عَنْ عروة بن الزُّبير، أنه (قَالَ: قَالَتْ عَائِشُةُ) رضي الله تعالى عنها (يَا عُرْوَةُ كَانَ أَبَوَاكَ مِنِ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا) أي أجابوا، فالسين والتاء زائدتان، كما قال الشاعر:
وَدَاعِ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النِّدَا ... فَلَمْ يَسْتجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ
أي لم يُجبه (لله وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ) بفتح، فسكون: أي الجراح، وفي رواية البخاريّ من طريق أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا
стр. 1370
مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢]، قالت لعروة: يا ابن أختي كان أبواك منهم: الزُّبير، وأبو بكر، لمّا أصاب رسول الله ﷺ ما أصاب يومَ أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، قال: "مَنْ يَذهَب في إِثْرهم؟ "، فانتدب منهم سبعون رجلًا، قال: كان فيهم أبو بكر والزبير.
قال في "الفتح": وقد سُمّي منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وعمّار بن ياسر، وطلحة، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد الرّحمن بن عوف، وأبو عبيدة، وحُذيفة، وابن مسعود، أخرجه الطّبريّ من حديث ابن عبّاس، وعند ابن أبي حاتم من مرسل الحسن ذكر الخمسة الأولين، وعند عبد الرزّاق من مرسل عروة ذكر ابن مسعود. انتهى (١).
وقال أبو العباس القرطبيّ ﵀: أشارت عائشة ﵂ بهذا إلى ما جرى في غزوة حمراء الأسد، وهو موضع على نحو ثمانية أميال من المدينة، وكان من حديثها أن النبيّ ﷺ لمّا رجع إلى المدينة من أُحُد بمن بقي من أصحابه، وأكثرهم جريح، وقد بلغ منهم الجَهْد، والمشقّة نهايته، أمرهم بالخروج في إثر العدوِّ مُرهِبًا لهم، وقال: "لا يخرُجنّ إِلَّا من كان شهد أُحدًا"، فخرجوا على ما بهم من الضعف والجراح، وربما كان فيهم المثقل بالجراح لا يستطيع المشيَ، ولا يجد مركوبًا، فربما يُحمَل على الأعناق، كلُّ ذلك امتثال لأمر رسول الله ﷺ ، ورغبة في الجهاد والشهادة حتّى وصلوا إلى حمراء الأسد، فلقيهم نُعيم بن مسعود، فأخبرهم أن أبا سفيان بن حرب، ومن معه من قريش قد جمعوا جُموعَهم، وأجمعوا رأيهم على أن يعودوا إلى المدينة، فيستأصلوا أهلها، فقالوا ما أَخْبَرَنَا الله به عنهم: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وبينا قريشٌ قد أجمعوا على ذلك، إذ جاءهم معبد الْخُزاعيّ، وكانت خُزَاعة حلفاء النبيّ ﷺ ، وعَيْبَة نُصحه، وكان قد رأى حالَ أصحاب النبيّ ﷺ ، وما هم عليه، ولمّا رأى عزم قريش على الرجوع، واستئصال أهل المدينة حَمَلَهُ خوف ذلك، وخالص نُصحه للنبيّ ﷺ