← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17132

مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

انتهى (١). وهو كما قال، لكن فيه عنعنة ابن جريج، وأبي الزبير، وهما مدلّسان، لكن الحديث صحيح بشواهده، كما أسلفنا الكلام فيه في الحديث الماضي. وأخرجه (ابن حبان) في "صحيحه" (٧٧) و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٨٦) و (ابن عبد البرّ) في "جامع العلم" (٢٢٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ٢٥٥ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، أَنبَأَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَن يَحْيَىَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكِنْدِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَ أُناسًا مِنْ أُمَّتِي سيَتَفَقَّهُونَ في الدِّينِ، وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيَقُولُونَ: نَأْتِي الْأُمَرَاءَ، فَنُصِيبُ مِن دُنْيَاهُمْ، وَنَعْتَزِلهُمْ بدِينِنَا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ، كَما لَا يُجْتَنَى مِن الْقتادِ إِلا الشَّوْكُ، كَذَلِكَ لَا يُجْتَنَى مِنْ قُرْبِهِمْ، إِلَّا" -قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ-: كَأَنَّهُ يَعْنِي الخطَايَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) بن سفيان الجَرْجرائيّ، صدوقٌ [١٠] ١/ ٢. ٢ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ) أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقة كثير التدليس والتسوية [٨] ٦/ ٤٢. ٣ - (يَحْيَىَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكِنْدِيُّ) أو الكنانيّ، أبو شيبة المصريّ، صدوقٌ [٦]. رَوَى عن عمر بن عبد العزيز، وعبيد الله بن المغيرة بن أبي بردة، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وحبان بن أبي جبلة، وزيد بن أبي أنيسة، وغيرهم. وروى عنه الوليد بن مسلم، وهشيم، وأبو صالح المصري، إلا أن هشيما قَلَبَ اسمه، فقال: عبد الرحمن يحيى، قال البخاري: وغلط فيه هُشيم، وقال أبو القاسم

стр. 2137

الطبراني: ذِكْرُ ما انتهى إلينا من مسند أبي شيبة، يحيى بن عبد الرحمن الكنديّ، وكان ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. ٤ - (عُبَيْدُ الله بْنُ أَبِي بُرْدَةَ) هو: عبيد الله بن المغيرة بن أبي بردة الكناني، نُسب إلى جده، ويقال له: عبدَ الله مكبّرًا أيضًا، مقبول [٤]. رَوَى عن ابن عباس، وعنه أبو شيبة يحيى بن عبد الرحمن الكنديّ. قال الحافظ: الذي في عدة نسخ من "سنن ابن ماجه" في الوجه الذي أخرجه منه ابن ماجه: "عن عبيد الله بن أبي بردة"، وقد رواه الطبراني من الوجه الذي أخرجه منه ابن ماجه، فقال: "عن عبيد الله بن المغيرة بن أبي بردة" به. أخرجه الضياء في "المختارة"، ومقتضاه أن يكون عبيد الله عنده ثقة. انتهى (١). تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. ٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ٣/ ٢٧، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "إِنَّ أُنَاسًا مِنْ أُمَّتِي سَيَتَفَقَّهُونَ في الدِّينِ) أي يدّعون الفقه في الدين (وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيَقُولُونَ: نَأْتِي الْأُمَرَاءَ، فَنُصِيبُ مِنْ دُنْيَاهُمْ، وَنَعْتَزِلهُمْ بِدِينِنَا) أي نجانبهم في الدين بحيث لا يُصيب ديننا نقص من جهتهم (وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ) أي لا يتحقق لهم ذلك الذي أرادوه، وهو الإصابة من دنياهم، والابتعاد بدينهم عنهم (كَما لَا يُجْتَنَى) بالبناء للمفعول، من جَنَى الثمرة: إذا تناولها من الشجرة (مِنْ الْقَتَادِ) بفتح القاف، وتخفيف التاء الفوقيّة: شجرٌ له شوك، لا يكون له ثمرٌ، سوى الشوك، فنبه بهذا التمثيل على أن قرب الأمراء لا يفيد سوى المضرّة الدينيّة أصلًا، وهذا إما مبنيّ على أن ما قُدّر له من الدنيا

стр. 2138

فهو آتٍ لا محالةَ، سواء أتى أبواب الأمراء، أم لا، فحينئذ ما بقي في إتيان أبوابهم فائدة إلا المضرّة المحضة، أو على أن النفع الدنيويّ الحاصل بصحبتهم بالنظر إلى الضرر الدينيّ كلا شيء، فما بقي إلا الضرر. وعن محمد بن أبي سلمة: الذباب على العذرات أحسن من قارىء على أبواب هؤلاء (١). (إِلَّا الشَّوْكُ) بالرفع على أنه نائب فاعل "يُجتنى" (كَذَلِكَ لَا يُجْتَنَى) بالبناء للمفعول أيضًا (مِنْ قُرْبِهِمْ، إِلَّا") بحذف المستثنى، والاكتفاء بأداته؛ لوضوحه (قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) شيخ المصنّف مفسّرًا للمستثنى المحذوف (كَأَنَّهُ) أي كأن النبيّ ﷺ (يَعْنِي) أي يقصد (الْخطَايَا) يعني أنه أراد إلا الخطايا. والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد (المصنّف)، أخرجه هنا (٤٥/ ٢٥٥) بهذا الإسناد، وهو ضعيف؛ قال البوصيريّ ﵀: هذا إسناد ضعيفٌ، عبيد الله بن أبي بردة لا يُعرف، لكن قال عبد العظيم المنذريّ في "كتاب الترغيب": إن جميع رواته ثقات. انتهى (٢). وقول المنذريّ فيه نظر لا يخفى؛ لأن عبيد الله هذا لم يرو عنه سوى يحيى بن عبد الرحمن، فلا يزال مجهولًا، ولعله استند إلى ما سبق من أن الضياء أخرج له في "المختارة"، وفيه نظر أيضًا. والحاصل أن الحديث ضعيف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلي الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ٢٥٦ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ سَيْفٍ، عَنْ أَبِي مُعَاذِ الْبَصْرِيِّ. . . (ح) وحَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ سَيْفٍ، عَنْ

стр. 2139

أَبِي مُعَاذٍ الْبَصْرِيِّ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ جُبِّ الْحُزْنِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَمَا جُبُّ الْحُزْنِ؟ قَالَ: وَادٍ فِيَ جَهَنَّمَ، تَعَوَّذُ مِنْهُ جَهَنَّمُ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَ مِائَةِ مَرَّةٍ؟، قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، مَنْ يَدْخُلُهُ؟ قَالَ: "أُعِدَّ لِلْقُرَّاءِ المُرَائِينَ بِأَعْمَالهِمْ، وَإِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الْقُرَّاءِ إِلَى الله الَّذِينَ يَزُورُونَ الْأُمَرَاءَ -قَالَ المُحَارِبِيُّ-: الْجَوَرَةَ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ) الطنافسيّ الكوفيّ، ثقة عابد [١٠] ٩/ ٥٧. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بن سَمُرة الأحمسيّ، أبو جعفر السرّاج الكوفيّ، ثقة [١٠] ٩/ ٦٥. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) السَّلُوليّ -بفتح السين المهملة، ولامين- مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ، تُكُلّم فيه للتشيّع [٩]. روى عن إسرائيل، وزهير بن معاوية، وإبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق السبيعي، والحسن بن صالح، وداود بن نصير الطائي، وهريم بن سفيان، وغيرهم. وروى عنه أبو نعيم، وهو من أقرانه، وابنا أبي شيبة، وعباس العنبري، وأبو كريب، وابن نمير، والقاسم بن زكريا بن دينار، وأحمد بن سعيد الرِّبَاطي، وعباس الدُّوري، ويعقوب بن شيبة السدوسي، وجماعة. قال ابن معين: ليس به بأس. وقال العجلي: كوفي ثقة، وكان فيه تشيع، وقد كتبت عنه. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال البخاري: مات سنة (٢٠٤)، وقال أبو داود وغيره: مات سنة (٢٠٥). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط، برقم (٢٥٦) و (٢٥٣٢) و (٢٦٧٩) و (٢٧٧٩) و (٣٣٥٤) و (٣٦٢٧) و (٣٦٣٣) و (٣٧٥٢) و (٤١٩٥). ٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ بنِ زِيَادٍ المُحَارِبِيُّ) أبو محمد الكوفيّ، لا بأس به، وكان

стр. 2140

يدلّس [٩]. رَوَى عن إبراهيم بن مسلم الهجري، وإسماعيل بن أبي خالد، والحجاج بن أرطاة، وسلّام الطويل، والأعمش، وإسماعيل بن مسلم المكي، وعباد بن كثير، وغيرهم. وروى عنه أحمد بن حنبل، وهناد بن السري، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو سعيد الأشجّ، وأحمد بن حرب الموصلي، وعلي بن محمد الطنافسي، وغيرهم. قال ابن معين، والنسائي: ثقة، وقال النسائي أيضًا: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صدوق إذا حدث عن الثقات، ويروي عن المجهولين أحاديث منكرة، فيُفْسِد حديثه. وقال محمود بن غيلان: قيل لوكيع: مات عبد الرحمن المحاربي، فقال: ﵀ ما كان أحفظه لهذه الأحاديث الطوال!. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال البخاري عن محمود بن غيلان: مات سنة خمس وتسعين ومائة، وكذا أَرّخه ابن سعد، وقال: كان ثقةً كثير الغلط. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: هو صدوق، ولكنه هو كذا ضعَفه. وقال البزار، والدارقطني: ثقة. وقال عثمان الدارمي: سألت ابن معين عنه، فقال: ليس به بأس، قال عثمان: وعبد الرحمن ليس بذاك. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: بلغنا أنه كان يُدَلِّس، ولا نعلمه سمع من معمر. وقال عبد الله بن محمد عن عاصم: حدثنا، فقال: لعله سمعه من سيف بن محمد عن عاصم -يعني فدلسه-. وقال العجلي: كان يُدَلِّس، أنكر أحمد حديثه عن معمر. وقال العجلي: لا بأس به. وقال الساجي: صدوق يَهِم. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٦) حديثًا. ٥ - (عَمَّارُ بْنُ سَيْفٍ) الضَّبِّيِّ -بالمعجمة، ثم الموحدة- أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ضعيف الحديث، وكان عابدًا [٩]. روى عن أبي معان البصير، وابن أبي ليلى، وهشام بن عروة، والأعمش، وعاصم الأحول، والثوري، وإليه كان الثوري أوصى.

стр. 2141

وروى عنه ابنه محمد، وابن إدريس، وابن المبارك، والمحاربي، وإسحاق بن منصور السَّلُولي، وأبو غَسَّان النَّهْديّ، وأبو نعيم، وغيرهم. قال ابن أبي رِزْمة: أخبرني أبي عن ابن المبارك، عن عمار بن سيف، وأثنى عليه خيًرا وقال أبو أسامة الكلبيّ: ثنا عبيد بن إسحاق، ثنا عمار بن سيف، وقال: شيخ صدوق. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس حديثه بشيء. وقال أبو زرعة: ضعيف. وقال أبو حاتم: كان شيخًا صالحًا، وكان ضعيف الحديث، منكر الحديث. وقال أبو داود: كان مُغَفَّلًا. وقال العجلي. ثقة ثبت متعبد، وكان صاحب سنة، كان يقال: إنه لم يكن بالكوفة أحد أفضل منه، رَوَى عنه ابن إدريس، قديم الموت، ليس يُحَدِّث عنه إلا الشيوخ، وموته بعد موت سفيان بقليل. وقال عثمان الدارمي، والليث بن عَبدة عن يحيى ابن معين: ثقة. وقال أبو غَسَّان: ثنا عمار بن سيف، وكان من خيار الناس. وقال الدارقطني: كوفي متروك. وقال الحاكم: يروى عن إسماعيل بن أبي خالد، والثوري المناكير. وقال ابن الجارود عن البخاري: لا يتابع، منكر الحديث، ذاهب وقال البزار: ضعيف، وقال في موضع آخر: صالح -يعني في نفسه-. وقال أبو نعيم الأصبهاني. روى المناكير، لا شيء. وقال ابن عدي: رَوَى عاصم الأحول، عن أبي عثمان، عن جرير حديث "تُبْنَى مدينة بين دجلة ودجيل. . ." الحديث، قال: وهو منكر، لا يُروَى إلا عن عمار هذا، والضعف على حديثه بَيِّنٌ. وذكره العقيليّ في "الضعفاء"، وذكر له هذا الحديث، ثم أسند عن المُخَرِّمِيِّ، عن يحيى بن معين قال: سمعت يحيى بن آدم يقول لنا: إنما أصاب عمارٌ هذا على ظهر كتاب فرواه. تفرّد به الترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٦ - (أَبُو مُعَاذٍ الْبَصْرِيُّ) في أكثر النسخ بالذال المعجمة، وفي بعضها: "أبو معانٍ" بالنون بدل الذال، قال في "التقريب": أبو معاذ، ويقال: بالنون بدل الذال، وهو أرجح، مجهول [٦].

стр. 2142

وفي "تهذيب التهذيب": أبو معاذ، ويقال: أبو معانٍ، وهو أصحّ، بصريّ، عن أنس، ومحمد بن سيرين، وعنه عمّار بن سيف الضبّيّ، وفي ابن ماجه: عن عمّار بن سيف، عن أبي معاذ أيضًا، وقال عمّار الأزديّ: محمد، أو أنس -يعني ابن سيرين- أُبهم في روايته، فلا يُدرَى عَنى شيخه محمدًا أو أنسًا. انتهى (١). تفرّد به الترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٧ - (ابْنُ سِيرِينَ) هو محمد البصريّ الثقة الفقيه العابد [٣] ٣/ ٢٤. ٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ ١/ ١، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَعَوَّذُوا بِالله مِنْ جُبِّ الحُزْنِ) "الْجُبّ" بضم الجيم، وتشديد الباء الموحّدة: البئر التي لم تُطْوَ، و"الْحَزَن" بفتحتين، أو بضمّ، فسكون: ضدّ الفرح، أي من جُبّ فيها الحزن لا غير، قال الطيبيّ: "جُبّ الحزن" هو علم، والإضافة فيه كما في "دار السلام"، أي دار فيها السلام من كل حزن وآفة (قَالُوا) أي الصحابة الحاضرون عنده ﷺ (يَا رَسُولَ الله، وَمَا جُبُّ الحُزْنِ؟ قَالَ) ﷺ (وَادٍ) أي هو واد عَميقٌ، من كمال عمقه يشبه البئر (في جَهَنَمَ، تَعَوَّذُ) بحذف إحدى التاءين، أي تتعوّذ (مِنْهُ) أي من عذابه الشديد (جَهَنَّمُ) مع اشتمالها عليه، قال الطيبيّ: التعوّذ من جهنم هنا كالنطق منها في قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]، وكالتميُّز والتغيّظ في قوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك:٨]، والظاهر أن يُجرى ذلك على المتعارف؛ لأنه تعالى قادر على كل شيء. وقال في "الكشّاف": سؤال جهنّم، وجوابها، من باب التخييل الذي يُقصد به تصوير المعنى في القلب، وتبيينه، وتميّزها، وتغيّظها تشبيه لشدّة غليانها بالكفّار بغيظ المغتاظ، وتميزه، واضطرابه عند الغضب. انتهى.

стр. 2143

قال الجامع عفا الله عنه: لقد صدق صاحب "الكشّاف" في قوله: "من باب التخييل"؛ إذ أن هذا من تخيّلاته الفاسدة، فإنه لا يثبت ما أثبت ظاهر القرآن من كلام جهنم، بل يجعله من باب الاستعارة المجازيّة، وهذا من ضلالاته وانحرافاته، والحقّ أن جهنم تتكلّم حقيقةً، وتقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]، كما أخبرنا بذلك ربنا ، وتتغيظ، ولها زفير، نسأل الله تعالى أن يعيذنا منها، إنه أرحم الراحمين. (كُلَّ يَوْمٍ) يحتمل النهار، والوقت، والثاني أظهر (أَرْبَعَ مِائَةِ مَرَّةٍ؟) وفي رواية الترمذيّ: "مائة مرّة"، قال القاري: لعلّ خصوص العدد باعتبار جهاتها الأربعة، يعني كلّ جهة مائة مرّة، ويحتمل التحديد والتكثير، ويمكن أن يقدّر مضاف، أي يتعوّذ زبانيتها، أو أهلها. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لا داعي لمعرفة خصوص العدد، وأما تقدير المضاف، فظاهر البطلان، كما نَبَّهْتُ عليه في ردّ كلام صاحب الكشّاف، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، مَنْ يَدْخُلُهُ؟) أي الجبّ المذكور، وفي نسخة: "ومن يدخلها"، أي تلك البقعةَ المسمّاة بجبّ الحزن التي ذكر شدّتها، وهو عَطْفٌ على محذوف، أي ذلك شيء عظيم هائلٌ، فمن الذي يستحق الدخول فيه؟ (قَالَ) ﷺ ("أُعِدَّ لِلْقُرَّاءِ) بضم القاف، جمع قارىء، أي الذين يقرءون القرآن (المُرَائِينَ) أي الذي يراءون الناس (بِأَعْمَالهِمْ) الحسنة، من قراءة القرآن وغيرها (وَإِنَّ مِنْ) زائدة (أَبْغَضِ الْقُرَّاءِ إِلَى اللهِ) (الَّذِينَ يَزُورُونَ الْأُمَرَاءَ) أي من غير ضرورة تُلجئهم، بل طمعًا في مالهم وجاههم، ولذا قيل: بئس الفقير على باب الأمير، ونعم الأمير على باب الفقير؛ لأن الأوّل مشعرٌ بأنه متوجّه إلى الدنيا، والثاني مشعرٌ بأنه متوجّه إلى الآخرة (قَالَ) عبد الرحمن بن محمد (المُحَارِبِيُّ) في روايته (الجُوَرَةَ) بالنصب صفة لـ "الأمراءَ"، أي الظَّلَمَةَ، وهو بفتحتين: جمع جائر، ككامل وكملة، كما قال في "الخلاصة": في نَحْوِ رَامِ ذُو اطِّرَادٍ فُعَلَهْ ... وَشَاعَ نَحْوُ كَامِلٍ وَكمَلَه

стр. 2144

والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي هريرة ﵁ هذا ضعيف، لضعف إسناده، فإن عمار بن سيف الضبيّ، ضعيف، وأبو معاذ، أو أبو معانٍ البصريّ، مجهول، قال البوصيريّ ﵀: رواه الترمذيّ في "الجامع" (٢٣٨٣) عن أبي كريب، عن المحاربيّ به، دون قوله: "وإن من أبغض القراء" إلى آخره، وقال: "مائة مرّة" بدل "أربعمائة"، والباقي نحوه، وقال: حديث غريب (١). ورواه الطبرانيّ في "الأوسط" بنحوه، إلا أنه قال: "يُلقى فيه الغرّارون، قيل: يا رسول الله وما الغرّارون؟ قال: المراءون بأعمالهم في الدنيا". وله شاهد من حديث ابن عباس رواه الطبرانيّ في "الأوسط"، كما رواه ابن ماجه، قال الحافظ عبد العظيم في "الترغيب والترهيب": رفع حديث ابن عباس غريبٌ، ولعله موقوف. والله أعلم. انتهى (٢). والحاصل أن الحديث ضعيف، والشاهد المذكور لا يصحّ، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: وقع في بعض النسخ هنا ذكر قواله: قال أبو الحسن: حدثنا خازم بن يحيى، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة إلخ الآتي بعد الحديث التالي، وهو غلط، فإنه تابع للحديث الآتي، لا لهذا الحديث، فتنبّه. وإنما التابع لهذا الحديث هو قول أبي الحسن: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ سَيْفٍ، عَنْ أَبِي مُعَاذٍ، قَالَ مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ. قَالَ عَمَّارٌ: لَا أَدْرِي مُحَمَّدٌ، أَوْ أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ). وإنما زاده أبو الحسن لأنه وجد سندًا عاليًا على طريق المصنّف، حيث وصل إلى

стр. 2145

عّمار بواسطتين، بدلًا من ثلاث وسائط. و١ - (إبراهيم بن نصر) هو أبو إسحاق الرازي، من شيوخ القطان، وليس من شيوخ ابن ماجه، وقد تقدّمت ترجمته في ٤٣/ ٢٤٤. و٢ - (أبو غسّان مالك بن إسماعيل) النَّهْديّ الكوفيّ، ثقة متقنٌ، صحيح الكتاب، عابدٌ، من صغار [٩] ١٠/ ٨٤. وقوله: "لا أدري إلخ" أراد به أن قول أبي معاذ: "عن ابن سيرين" لم يتبيّن هل أراد محمدًا أو أخاه أنسًا، أما محمد، فقد تقدّمت ترجمته ٣/ ٢٤ وأما أنس فهو ثقة [٣]، فستأتي ترجمه في "كتاب المساجد" ٨/ ٧٥٦ لأنه أول محلّ ذكر المصنّف له في هذا الكتاب -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ٢٥٧ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَالحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ النَّصْرِيِّ، عَنْ نَهْشَلٍ، عَنْ الضَّحَّاكِ، عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ الله ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ صَانُوا الْعِلْمَ، وَوَضَعُوهُ عِنْدَ أَهْلِهِ، لَسَادُوا بِهِ أَهْلَ زَمَانِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ بَذَلُوهُ لِأَهْلِ الدُّنْيَا؛ لِيَنَالُوا بِهِ مِنْ دُنْيَاهُمْ، فَهَانُوا عَلَيْهِمْ، سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ جَعَلَ الهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا، هَمَّ آخِرَتِهِ، كَفَاهُ الله هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الهُمُومُ في أَحْوَالِ الدُّنْيَا، لَمْ يُبَالِ الله في أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ) المذكور في السند الماضي. ٢ - (الحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أبو علي الْجَرْجَرَائيّ -بجيمين مفتوحتين، وراءين الأولى ساكنة، مقبول [١٠]. روى عن الوليد بن مسلم، وطَلْق بن غَنّام، وابن نمير، وخَلَف بن تميم، وغيرهم.

стр. 2146

وروى عنه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد بن علي الأَبّار، وغيرهم. ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: حدثنا عنه أهل واسط. وقال غيره: مات سنة (٢٥٣). أخرح له أبو داود، والنسائيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (٢٥٧) و (٤١٠٦). ٣ - (عَبْدُ الله بْنُ نُمَيْرٍ) الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة سنّيّ، من كبار [٩] ٨/ ٥٢. ٤ - (مُعَاوِيَةُ النَّصْرِيُّ) -بالنون- هو: معاوية بن سَلَمة بن سليمان النَّصْري، أبو سلمة الكوفي، سكن دمشق، صدوقٌ (١) [٨]. روى عن إسماعيل بن أبي خالد، ونهشل بن سعيد النيسابوري، وعبد العزيز بن رُفيع، والحكم بن عتيبه، والقاسم بن أبي بَزّة، وأبي حَصِين الأسدي، وجماعة. وروى عنه الأوزاعي، وهو من أقرانه، وأبو معاوية، وعبد الله بن نُمير، وغيرهم. قال البخاري: قال عبد الله بن نمير: كان ثقة. وقال إبراهيم بن الجنيد: سألت ابن معين عنه، فقال: هو معاوية أبو سلمة، قلت: كيف حديثه؟ فكأنه ضعفه. وقال أبو حاتم: مستقيم الحديث. وقال أيضًا: ثقة. وقال ابن أبي عاصم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا ابن نمير، عن معاوية النَّصري، وكان ثقة، وهكذا قال أبو الحسن بن القطان في زيادات "السنن" له: حدثنا خازم بن يحيى، حدثنا أبو بكر به. تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٢٥٧) و (٤١٠٦). ٥ - (نَهْشَلٌ) بن سعيد بن وَرْدان الورداني، أبو سعيد، ويقال: أبو عبد الله الخراساني النيسابوري، ويقال: الترمذيّ، بصري الأصل، متروك، وكذّبه إسحاق بن

стр. 2147

راهويه [٧]. روى عن الضحاك بن مزاحم، وداود بن أبي هند، والربيع بن النعمان، وغيرهم. وروى عنه الثوري، وعبد الله بن نمير، ومعاوية بن سلمة النصري، وغيرهم. وقال أبو داود الطيالسي، وإسحاق بن راهويه: كَذّاب. وقال الدُّوري عن ابن معين: ليس بشيء، وقال مرة: ليس بثقة. وقال أبو داود: ليس بشيء. وقال أبو زرعة، والدارقطني: ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس بقوي، متروك الحديث، ضعيف الحديث. وقال الْجُوزجانيّ: غير محمود في حديثه. وقال النسائي: متروك الحديث، وقال في موضع آخر: ليس بثقة، ولا يُكتب حديثه. وقال ابن حبان: يَروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم، لا يحل كَتْب حديثه، إلا على التعجب. وقال الحاكم: روى عن الضحاك المعضلات، وعن داود بن أبي هند حديثًا منكرًا. وقال البخاري: رَوى عنه معاوية النّصْري أحاديث مناكير. وقال أبو سعيد النقاش: روى عن الضحاك الموضوعات. تفرّد به المصنّف، وله عنده في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٢٥٧) و (٣٣٥٧) و (٤١٠٦). ٦ - (الضَّحَّاكُ) بن مُزَاحم الهلالي، أبو القاسم، ويقال: أبو محمد الخراسانيّ، صدوقٌ، كثير الإرسال [٥]. روى عن ابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وزيد بن أرقم، وأنس ابن مالك، وقيل: لم يثبت له سماع من أحد من الصحابة، وعن الأسود بن يزيد النخعي، وعبد الرحمن بن عَوْسَجة، وغيرهم. وروى عنه جُويبر بن سعيد، والحسن بن يحيى البصري، وعبد الرحمن بن عَوْسجة، وعبد العزيز بن أبي رواد، وإسماعيل بن أبي خالد، ونهشل بن سعيد، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة مأمون. وقال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وقال

стр. 2148

أبو قتيبة عن شعبة: قلت لِمُشاش: الضحاك سمع من ابن عباس؟ قال: ما رآه قط. وقال سَلْم بن قتيبة: قال أبو داود عن شعبة: حدثني عبد الملك بن ميسرة قال: الضحاك لم يَلْقَ ابن عباس، إنما لَقِيَ سعيد بن جبير بالرّيّ، فأخذ عنه التفسير. وقال أبو أسامة عن المعلى، عن شعبة، عن عبد الملك، قلت للضحاك: سمعت من ابن عباس؟ قال: لا، قلت: فهذا الذي تحدثه عمن أخذته؟ قال: عن ذا، وعن ذا. وقال ابن المديني، عن يحيى بن سعيد: كان شعبة لا يحدث عن الضحاك بن مزاحم، وكان ينكر أن يكون لَقِي ابن عباس قط. وقال علي، عن يحيى بن سعيد: كان الضحاك عندنا ضعيفًا. وقال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن حكيم بن الدَّيْلم، عن الضحاك -يعني ابن مزاحم- قال: سمعت ابن عمر يقول: "ما طَهُرَت كَفّ فيها خاتم من حديد"، وقال: لا أعلم أحدًا قال: سمعت ابن عمر إلا أبو نعيم. وقال أبو جَنَاب الْكَلبيّ، عن الضحاك: جاورت ابن عباس سبع سنين. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: لقي جماعة من التابعين، ولم يشافه أحدًا من الصحابة، ومن زعم أنه لقي ابن عباس، فقد وَهِم، وكان مُعَلِّم كتاب، ورواية أبي إسحاق عن الضحاك، قلت لابن عباس: وهم من شَرِيك. وقال ابن عديّ: عُرِف بالتفسير، وأما روايته عن ابن عباس، وأبي هريرة، وجميع مَنْ رَوَى عنه، ففي ذلك كله نظر، وإنما اشتهر بالتفسير. وقال العجلي: ثقة، وليس بتابعي. وقال الدارقطني: ثقة. قال الحسين بن الوليد: مات سنة (١٠٦)، وقال أبو نعيم: مات سنة خمس ومائة، وقال ابن قانع: قال أحمد عن الحسين بن الوليد: مات الضحاك سنة (٢)، وكذا قال يعقوب الفسوي. أخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٢٥٧) و (١٨٦٢) و (٢٠٤٩) و (٣٣٥٧) و (٤١٠٦). ٧ - (الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس النَّخَعيّ، أبو عمرو، ويقال: أبو عبد الرحمن.

стр. 2149

روى عن أبي بكر، وعمر، وعليّ، وابن مسعود، وحذيفة، وبلال، وعائشة، وغيرهم. وروى عنه ابنه عبد الرحمن، وأخوه عبد الرحمن، وابن أخته إبراهيم بن يزيد النخعي، وعمارة بن عُمير، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو بردة بن أبي موسى، ومحارب ابن دِثَار، وأشعث بن أبي الشَّعْثَاء، وجماعة. قال أبو طالب عن أحمد: ثقة من أهل الخير. وقال إسحاق عن يحيى: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة. وقال أبو إسحاق: تُوُفِّي الأسود بن يزيد بالكوفة سنة خمس وسبعين، وقال غيره: مات سنة (٧٤) كدا قال ابن أبي شيبة في "تاريخه"، وذكر ابن أبي خيثمة أنه حج مع أبي بكر، وعمر، وعثمان. وقال الحكم: كان الأسود يصوم الدهر، وذهبت إحدى عينيه من الصوم. وذكره جماعة ممن صنف في الصحابة لإدراكه. وقال ابن سعد: سمع من معاذ ابن جبل باليمن قبل أن يهاجر، ولم يرو عن عثمان شيئًا. وقال العجلي: كوفي جاهليّ، ثقة، رجل صالح. وذكرد إبراهيم النخعي فيمن كان يُفتي من أصحاب ابن مسعود. وقال ابن حبان في "الثقات": كان فقيهًا زاهدًا. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤) حديثًا. ٨ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ) ﵁ ٢/ ١٩. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ) ﵁ أنه (قَالَ: لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ) أي الشرعيّ (صَانُوا الْعِلْمَ) أي حفظوه عن المهانة بحفظ أنفسهم عن الذلّ بملازمة الظلَمَة، ومصاحبة أهل الدنيا طمعًا في مالهم، وجاههم (وَوَضَعُوهُ عِنْدَ أَهْلِهِ) أي الذين يعظّمونه، ويعملون به، ويعرفون قدره من أهل الآخرة (لَسَادُوا بِهِ أَهْلَ زَمَانِهِمْ) أي لصاروا أئمةً لأهل عصرهم؛ لكمالهم، وشرفهم؛ لأن من شأن العلم أن يكون الملوك، فمن دونهم تحت أقدامهم، وأقلامهم، وطوع آرائهم وأحكامهم، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 2150

مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. قال الطيبيّ: وذلك لأن العلم رفيع القدر، يرفع قدر من يصونه عن الابتذال، قال الزهريّ: العلم ذكرٌ لا يحبّه إلا ذكور الرجال، أي الذين يحبون معالي الأمور، ويتنزّهون عن سفسافها. انتهى (وَلَكِنَّهُمْ بَذَلُوهُ لِأَهْلِ الدُّنْيَا) أي بأن خصّوهم به، أو تردّدوا إليهم به (لِيَنَالُوا بِهِ) أي ليصيبوا بسببه (مِنْ دُنْيَاهُمْ، فَهَانُوا عَلَيْهِمْ) أي ذَلُّوا عند أهل الدنيا؛ لأنهم أهانوا رفيعًا، فأهانهم الله عند أذلاء الناس (سَمِعْتُ نَبِيكُّمْ ﷺ ) قال الطيبيّ: هذا الخطاب توبيخٌ للمخاطبين حيث خالفوا أمر نبيّهم ﷺ ، فخولف بين العبارتين افتنانًا (يَقُولُ: "مَنْ) شرطيّة، أو موصولة (جَعَلَ به الهُمُومَ) أي الهموم التي تطرقه من مِحَن الدنيا، وكَدَرها، ومُرّ عيشها (هَمًّا وَاحِدًا) أي من جعل همّه واحدًا موضع الهموم التي للناس، أو من كان له هموم متعدّدةٌ، فتركها، وجعل موضعها الهمّ الواحد (هَمَّ آخِرَتِهِ) بنصب "هَمَّ" بدلًا من "همًّا واحدًا" (كَفَاهُ الله هَمَّ دُنْيَاهُ) المشتمل على الهموم، يعني كفاه همّ دنياه أيضًا (وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الهُمُومُ) أي تفرّقت به الهموم، أو فرّقته الهموم، فالباء على الأول بمعنى "في"، وعلى الثاني للتعدية، وإن جُعلت للمصاحبة، أي مصحوبةً معه كان صحيحًا (في أَحْوَالِ الدُّنْيَا، لَمْ يُبَالِ الله في أَيِّ أَوْدِيَتَهَا) أي أودية الدنيا، أو أودية الهموم (هَلَكَ) كناية عن عدم الكفاية والعون مثل ما يحصل للأول، والمعنى: أنه لا يكفيه هم دنياه، ولا همّ أُخراه، فيكون ممن خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله عنه: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا من أفراد (المصنّف)، أخرجه هنا (٤٥/ ٢٥٧) وسيعيده في "كتاب الزهد" برقم (٤١٠٦)، وإسناده ضعيفٌ جدّا، فإن نَهْشْل بن سعيد متروك، بل كذّبه بعضهم، وقال النقّاش: رَوى عن الضحاك الموضوعات، كما سبق في ترجمته، وقال البوصيريّ: وله شاهد من حديث أنس ﵁،

стр. 2151

رواه الترمذيّ في "الجامع". انتهى (١). قال الجامع: أما الموقوف، فضعيفٌ جدّا، وأما المرفوع فسيأتي من حديث زيد بن ثابت ﵁ في "كتاب الزهد" برقم (٤١٠٥) بإسناد صحيح، فهو صحيح به، وأما تحسين بعضهم حديث ابن مسعود ﵁ هذا، فمما لا ينبغي؛ لأن الذي يقبل التصحيح، والتحسين ما لم يكن في سنده كذّاب، أو وضّاع، ونهشل قد عَرَفتَ حاله، فلا يتقوّى مرويّه لا بالمتابعة، ولا بالشواهد، فتفطّن لهذه الفائدة. وأما حديث أنس ﵁ الذي أخرجه الترمذيّ، ففي سنده يزيد الرّقَاشِيّ ضعيف، بل قال النسائيّ: متروك الحديث. والحاصل أن المرفوع صحيح من حديث زيد بن ثابت ﵁، وأما من حديث ابن مسعود ﵁ فضعيف لا ينجبر، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ثم ذكر أبو الحسن القطّان سندًا آخر غير سند المصنّف، وإن لم يكن عاليًا، فقال: (قَالَ أَبُو الحسَنِ: حَدَّثَنَا خَازِمُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ النَّصْرِيّ، وَكَانَ ثِقَةً، ثُمَّ ذَكَرَ الْحدِيثَ نَحْوَهُ بِإِسْنَادِهِ). ١ - (خازم بن يحيى) بالخاء المعجمة، على الصواب، ووقع في نسخ ابن ماجه بالحاء المهملة، وهو غلطٌ فتنبّه، وهو من شيوخ القطّان، ولا يروي عنه ابن ماجه، وقد سبقت ترجمته ١٠/ ٨٤. ٢ - (أبو بكر بن أبي شيبة) الكوفيّ الحافظ الثقة [١٠] ١/ ١. ٣ - (محمد بن عبد الله بن نمير) الكوفيّ، ثقة حافظ [١/ ٤. ٤ - (ابن نمير) هو والد محمد، عبد الله بن نمير الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة سنّي، من

стр. 2152

كبار [٩] ٨/ ٥٢. وقوله: "وكان ثقة" من كلام ابن نمير، كما نقله عنه البخاريّ (١). وقوله: "ثم ذكر الحديث إلخ" الضمير لخازم بن يحيى، أي ذكر خازم الحديث بنحو ما ذكره علي بن محمد، والحسين بن عبد الرحمن بالإسناد السابق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ٢٥٨ - (حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ، وَأَبُو بَدْرٍ، عَبَّادُ بْنُ الْوَليدِ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ الْهَنائِيُّ، حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ الْمُبَارَكِ الْهُنَائِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانيِّ، عَن خَالِدِ بْنِ دُرَيْكٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِغَيْر الله -أَوْ- أَرَادَ بِهِ غَيْرَ الله، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقعَدَهُ مِنْ النَّارِ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زَيْدُ بْنُ أَخزَمَ) -بمعجمتين- الطائيّ النبهانيّ، أبو طالب البصريّ، ثقة حافظ [١١]. روى عن أبي داود الطيالسي، ويحيى القطان، وابن مهدي، وأبي قتيبة، وغيرهم. وروى عنه الجماعة، سوى مسلم، وروى له النسائي أيضًا بواسطة زكريا السجزي، وأبو حاتم، وابن خزيمة، وابن أبي عاصم، وأبو بكر البزار، وغيرهم. قال أبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال إبراهيم بن محمد الكنديّ: ذبحه الزِّنْج سنة سبع وخمسين ومائتين. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث. وقال الدارقطني: ثقة. وقال صالح بن محمد: صدوق في الرواية. وقال مسلمة: ثنا عنه ابن المحامليّ، وهو ثقة. وله عند المصنّف في هذا الكتاب (١١) حديثًا.

стр. 2153

٢ - (أَبُو بَدْرٍ، عَبَّادُ بْنُ الْوَليدِ) بن خالد الغُبَريّ -بضم الغين المعجمة، وفتح الموحّدة، المخففة- المؤدّب، من كَرْخِ سُرَّ مَنْ رَأَى، سكن بغداد، صدوقٌ [١١]. روى عن مُعَمَّر بن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، وبكر بن يحيى بن زَبّان، وحَبَّان بن هِلال، وأبي عَتّاب الدَّلال، ومحمد بن عَبّاد الْهُنَائي، وغيرهم. وروى عنه ابن ماجه، وأحمد بن عليّ الأَبّار، وزكرياء الساجي، وابن أبي الدنيا، وأبو حاتم، وابنه عبد الرحمن بن أبي حاتم، وابن صاعد، وغيرهم. قال ابن أبي حاتم: سمعت منه مع أبي، وهو صدوق، وسئل أبي عنه، فقال: شيخ. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال ابن قانع: مات سنة (٥٨)، وقال ابن مخلد: مات سنة اثنتين وستين ومائتين. تفرّد به المصنّف، وله عنده في هذا الكتاب تسعة أحاديث، برقم (٢٥٨) و (٢٧٠) و (٣٦٢) و (٧٣٢) و (١٦٤٤) و (١٨٠٦) و (١٨١١) و (١٩٨٠) و (٢٨٢٦). ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ الْهُنَائِيُّ) -بضم الهاء، وتخفيف النون الممدودة- أبو عبّاد البصريّ، صدوقٌ [٩]. روى عن علي بن المبارك الْهُنَائي، وشعبة، ويونس بن أبي إسحاق، وحُميد بن مِهْران الخياط، ومثنى بن موسى بن سلمة الْهُذَلي، ومُجَّاعة بن الزبير. وروى عنه ابن سعد، وعبدة بن عبد الله الصَّفّار، وزيد بن أخزم، وعلي بن نصر الجوهري، وأبو بدر، عباد بن الوليد الْغُبَرِيُّ، ومحمد بن مَعْمَر البحراني، وغيرهم. قال أبو حاتم: "صدوق، خلط صاحب "الكمال" ترجمته بترجمة محمد بن عَبّاد بن آدم، والصواب التفريق، فإن الْهُنَائي أقدم من ذلك، له عندهم حديث ابن عمر في الوعيد على التعلم لغير الله، قاله في "التهذيب" (١). أخرج له الترمذيّ، والنسائي، والمصنف، وله عندهم هذا الحديث فقط.

стр. 2154

٤ - (عَليُّ بْنُ المُبَارَكِ الْهُنَائِيُّ) -بضم الهاء، وتخفيف النون الممدودة- البصريّ، ثقة، في حديث الكوفيين عنه شيء، من كبار [٧]. رَوَى عن عبد العزيز بن صهيب، وأيوب، وهشام بن عروة، ويحيى بن أبي كثير، وحسين المعلم، ومحمد بن واسع، والحسن بن مسلم العبدي، وغيرهم. وروى عنه وكيع، والقطان، وابن المبارك، وابن علية، ومسلم بن قتيبة، ويحيى ابن كثير العنبري، ومحمد بن عباد الهنائي، وهارون الخزاز، وغيرهم. قال صالح بن أحمد عن أبيه: ثقة، كانت عنده كتبٌ عن يحيى بن أبي كثير، بعضها سمعها، وبعضها عرض. وقال الدُّوري عن ابن معين: قال بعض البصريين: عَرَض علي بن المبارك على يحيى بن أبي كثير عَرْضًا، وهو ثقة، وليس أحد في يحيى مثل هشام الدستوائي، والأوزاعي، وهو بعدهما. وقال يعقوب بن شيبة: علي، والأوزاعي ثقتان، والأوزاعي أثبتهما، ورواية الأوزاعي عن الزهري خاصة فيها شيء، ورواية علي عن يحيى بن أبي كثير فيها وَهَاء. وقال ابن المديني: قال يحيى -يعني القطان-: كان عنده كتاب واحد سمعه من يحيى، والآخر تركه عنده، قيل له: فرواية يحيى بن سعيد عنه؟ قال: لم يسمع منه يحيى إلا ما سمعه من يحيى. قال يعقوب بن شيبة: وسمعت علي بن عبد الله يقول: علي بن المبارك أحب إلي من أبان. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، وقال أيضًا: كان عنده كتابان: كتاب سماع، وكتاب إرسال، قلت لعباس العنبري: كيف يُعْرَف كتاب الإرسال؟ قال: الذي عند وكيع عنه، عن عكرمة، من كتاب الإرسال، وكان الناس يكتبون كتاب السماع. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان ضابطًا متقنًا. وقال ابن عَمّار عن يحيى بن سعيد: أما ما رويناه نحن عنه فما سمع، وأما ما رَوَى الكوفيون عنه، فمن الكتاب الذي لم يسمعه. وقال ابن عديّ، ولعلي أحاديث، وهو ثَبْتٌ في يحيى، متقدم فيه، وهو عندي لا بأس به. ووثقه ابن المديني، وابن نمير، والعجلي.

стр. 2155

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٢٥٨) و (٣٨٩٨). ٥ - (أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ) ابن أبي تميمة، أبو بكر البصريّ، ثقه ثبت فقيه عابد [٥] ٢/ ١٧. ٥ - (خَالِدُ بْنُ دُرَيْكٍ) بالمهملة، والراء، مصغّرًا- الشاميّ، ثقة يُرسل [٣]. رَوَى عن ابن عمر، وعائشة، ولم يدركهما، ويعلى بن منية مُرْسَلًا، وغيرهم. وروى عنه أيوب السختياني، وأبو بشر جعفر بن أبي وحشية، وابن عون، والأوزاعي، وقتادة، وغيرهم. قال ابن معين: مشهور، وقال مرة: ثقة. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات" في أتباع التابعين. وقال أبو داود: لم يُدرك عائشة. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي وذَكَر حديثًا، رواه أبو توبة، عن بشير بن عطية، عن خالد بن دُريك، قال: سمعت يعلى بن منية يقول: غزوت مع رسول الله ﷺ ، قال: ما أدري ما هذا؟، ما أحسب خالد بن دريك لقي يعلى بن منية. وقال عبد الحق في "الأحكام": لم يسمع من عائشة. أخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٦ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله ﵄، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ) يحتمل أن تكون شرطيّة، أو موصولة (طَلَبَ الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللهِ أَوْ) للشكّ من الراوي (أَرَادَ بهِ غَيْرَ الله، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ) الظاهر أن هذا إخبار بأنه يستحقّ ذلك، ويحتمل أَن يكون دعاء عليه بأن يُبَوِّئَهُ الله تعالى ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر ﵄ هذا إسناده ضعيف؛ للانقطاع؛ لأن خالد بن

стр. 2156

دُريك، وإن كان ثقة، إلا أنه لم يُدرك ابن عمر ﵄، فهو منقطع، كما تقدّم في ترجمته، وكذلك صرّح الحافظ المزيّ في "تحفة الأشراف" ٥/ ٣٤٢ والمنذريّ في "الترغيب والترهيب" ١/ ٦٩، وحسّنه الترمذيّ، وفي تحسنه نظر؛ لما ذُكر، وكتب الحافظ في "النكت الظراف" ٥/ ٣٤٢ على قول الحافظ المزّيّ: "خالد بن دُريك لم يدرك ابن عمر": ما، نصّه: قلت: حكم ابن القطّان بصحّته، فكأنه عنده متّصلٌ، أو اكتفى بالمعاصرة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: يمكن الجواب عن تحسين الترمذيّ، وتصحيح القطّان بأنه للشواهد، لا لخصوص هذا السند، فإن أحاديث الباب تشهد له، فلا يُستبعد في تحسينه، أو تصحيحه، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٤٥/ ٢٥٨) بهذا الإسناد، وأخرجه (الترمذيّ) (٢٦٥٥) و (النسائيّ) في "الكبرى" ٣/ ٤٥٧ رقم (٥٩١٠) و (الأصبهانيّ) في "الترغيب" (٣٧٧/ ١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ٢٥٩ - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَاصِمٍ الْعَبَّادَانِيُّ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَشْعَثَ بْنَ سَوَّارٍ، عَنْ ابْنِ سِيرينَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ الله ﷺ يَقُوُل: "لَا تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ؛ لِتُبَاهُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِتُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ لِتَصْرِفُوا وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْكُمْ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ في النَّارِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَاصِمٍ بنِ عَنْبَسَةَ الْعَبَّادَانِيُّ)، أبو صالح، نزيل بغداد، صدوق [١١]. روى عن بشير بن ميمون، أبي صيفي، وسعيد بن عامر الضبعي، والفضل بن العباس، وغيرهم.

стр. 2157

وروى عنه ابن ماجه، والعباس بن أحمد الْبرْتيّ القاضي، وابن أبي الدنيا، وغيرهم. ذكره ابن حبان في "الثقات". تفرّد به المصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٢ - (بَشِيرُ بْنُ مَيْمُونٍ) أبو صيفيّ الواسطيّ، أصله خُراسانيّ، قدم بغداد، ثم صار إلى مكة، متروك، متّهَمٌ [٨]. روى عن أشعث بن سوار الكوفي، وجعفر الصادق، وسعيد المقبري، وغيرهم. وعنه أحمد بن عاصم العباداني، وعلي بن حُجْر، والحسن بن عرفة، وغيرهم. كتب عنه أحمد بن حنبل، ولم يحدث عنه، وقال في رواية ابنه عبد الله: ليس بشيء. وقال ابن معين: أجمع الناس على طرح حديث هؤلاء النفر، فذكره فيهم. وقال البخاري: منكر الحديث، وقال في موضع آخر: يُتَّهَمُ بالوضع. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وعامة رواياته مناكير، يكتب حديثه على الضعف وقال الجوزجاني: غير ثقة، والنسائيّ: ليس بثقة، ولا مأمون، وقال في موضع آخر: متروك الحديث، وكذا قال الدارقطني. وقال ابن عديّ: روى عن سعيد المقبري أحاديث غير محفوظة، وروى عن عطاء، وعكرمة، ومجاهد، وغيرهم أحاديث لا يتابعه عليها أحد، وهو ضعيف جدّا. وذكره البخاري في "الأوسط" في "فصل من مات بين الثمانين ومائة إلى التسعين ومائة". وقال أبو داود: ليس بشيء. وقال عبد الله بن المديني عن أبيه: ضعيف، كان يقول: حدثنا مجاهد. وقال عمرو بن علي: ضعيف في الحديث. وقال ابن حبان: يخطىء كثيرًا حتى خَرَج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. ٣ - (أَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ) الكنديّ النَّجَّار الكوفيّ، مولى ثقيف، ويقال له: أشعث النّجّار أشعث التابوتيّ، وأشعث الأفرق، ويقال: الأثرم صاحب التوابيت، وكان على

стр. 2158

قضاء الأهواز، ضعيفٌ [٦]. روى عن الحسن البصري، والشعبي، وعدي بن ثابت، وعكرمة، وأبي إسحاق، وغيرهم. وروى عنه شعبة، والثوري، وهشيم، وحفص بن غياث، وبشير بن ميمون، وغيرهم. قال الثوري: أشعث أثبت من مجالد. وقال يحيى بن سعيد: الحجاج بن أرطاة، ومحمد بن إسحاق عندي سواء، وأشعث دونهما. وقال عمرو بن عليّ: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، ورأيت عبد الرحمن يَخُطُّ على حديثه. وقال أبو موسى: ما سمعت يحيى، ولا عبد الرحمن حَدّثا عن سفيان عنه بشيء قط. وقال الدُّوري عن ابن معين: أشعث بن سوّار أحب إلي من إسماعيل بن مسلم، وسمع من الشعبي، ولم يسمع من إبراهيم، وقال مرة: ضعيف. وقال ابن الدَّوْرقي عنه: ثقة. وقال أحمد: هو أمثل في الحديث من محمد بن سالم، ولكنه على ذلك ضعيف الحديث. وقال العجلي: أمثل من محمد بن سالم. وقال أبو زرعة: لين. وقال النسائي، والدارقطني: ضعيف. وقال ابن عدي: ولأشعث بن سوّار روايات عن مشايخه، وفي بعض ما ذكرت يخالفونه، وفي الجملة يُكتب حديثه، وأشعث ابن عبد الملك خير منه، ولم أجد له فيما يرويه متنًا منكرًا، إنما في الأحايين يَخْلِط في الإسناد، ويخالف. وقال الْبَرْقاني: قلت للدارقطني: أشعث عن الحسن؟ قال: هم ثلاثة، يحدثون جميعًا عن الحسن: الحمراني، وهو ابن عبد الملك، أبو هانئ، ثقة، وابن عبد الله بن جابر الْحُدّانيّ يُعتَبر به، وابن سَوّار يُعتَبر به، وهو أضعفهم، رَوَى عنه شعبةُ حديثًا واحدًا. وقال ابن حبان: فاحش الخطاء، كثير الوهم. وقال ابن سعد: كان ضعيفًا في حديثه. وقال العجلي: ضعيف يُكتب حديثه، وقال مرة: لا بأس به، وليس بالقوي. قال: وقال ابن مهدي: هو أرفع من مُجالد، قال:

стр. 2159

والناس لا يتابعونه على هذا، مجالد أرفع منه. وقال ابن شاهين في "الثقات": عن عثمان بن أبي شيبة: صدوق، قيل: حجة؟ قال: لا. وقال بندار: ليس بثقة. وقال الآجري: قلت لأبي داود: أشعث، وإسماعيل بن مسلم، أيهما أعلى؟ قال: إسماعيل دون أشعث، وأشعث ضعيف. وقال البزار: لا نعلم أحدًا ترك حديثه، إلا من هو قليل المعرفة. واستنكر له العقيليّ روايته عن الحسن، عن أبي موسى: "حديث الأذنان من الرأس"، وقال لا يتابع عليه. قال عمرو بن علي: مات سنة (١٣٦). أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، ومسلم في المتابعات، والترمذيّ، والنسائيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم (٢٥٩) و (١٧٥٧) و (٢٦٠٧) و (٢٩٧٣) و (٣٠٣٨). ٤ - (ابْنُ سِيرِينَ) المذكور قبل حديثين. ٥ - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ ٧/ ٤٩. قال الجامع عفا الله عنه: شرح هذا الحديث، وفوائده تقدّمت في شرح حديث رقم (٢٥٣) و (٢٥٤)، وهو من أفراد المصنّف، وإسناده ضعيف جدّا؛ لأن بشير بن ميمون متروك، بل قال البخاريّ: يُتّهم بالوضع، وأشعث بن سوّار ضعيف. وأما متن الحديث فقد سبق أنه صحيح، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلي الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ٢٦٠ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنبَأَنَا وَهْبُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ سَعِيدٍ الْمقْبُرِيُّ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ؛ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، وَيُجَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، وَيَصرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسَ إِلَيْهِ، أَدْخَلَهُ الله جَهَنَّمَ").

стр. 2160

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسماعِيلَ) الأحمسيّ، ثقة [١٠] تقدم قبل ثلاثة أحاديث. ٢ - (وَهْبُ بْنُ إِسماعِيلَ الْأَسَدِيُّ) هو: وهب بن إسماعيل بن محمد بن قيس الأسديّ، أبو محمد الكوفيّ، صدوقٌ، من كبار [٩]. رَوَى عن جده محمد بن قيس، وعبد الله بن سعيد المقبري، وعُمر بن ذَرّ، وغيرهم. وروى عنه قبيصة، وأحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، ومحمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي، وأبو سعيد، وعثمان، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد: كتبنا عنه أحاديث، رَوَى عندنا مناكير عن وِقَاء بن إِيَاس. وقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو موسى، محمد بن المثنى: ثنا وهب بن إسماعيل الأسدي، وكان من الثقات. وقال الآجري عن أبي داود: ما سمعت إلا خيرًا. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطىء. وقال الساجي: قال أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وله عنده هذا الحديث فقط. ٣ - (عَبْدُ الله بْنُ سَعِيدٍ المُقْبُرِيُّ) المدنيّ، متروكٌ [٧] ٢/ ٢١. ٤ - (جَدُّهُ) أَبو سعيد كيسان المقبريّ المدنيّ، ثقة ثبتٌ [٢] ٢/ ٢١. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ ١/ ١. قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد (المصنّف)، أخرجه هنا (٤٥/ ٢٦٠) فقط، وهو ضعيف الإسناد جدّا؛ لأن عبد الله بن سعيد المقبريّ متروك، كما أسلفناه، لكن متن الحديث تقدّم بأسانيد غير هذا، وهي وإن كان فيها كلام، إلا أنه بمجموعها صحيح، كما أسلفنا تحقيقه في الحديث (٢٥٣)، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].

стр. 2161

٤٦ - (بَابُ مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ٢٦١ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا عُمارَةُ (١) بْنُ زَاذَانَ، حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ الحكَم، حَدَّثَنَا عَطاَءٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "مَا مِنْ رَجُلٍ يَحْفَظُ عِلْمًا، فَيَكْتُمُهُ إِلَّا أُتِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلْجَمًا بِلِجَامٍ مِنْ النَّارِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) الكوفيّ الحافظ [١٠] ١/ ١. ٢ - (أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ) الشاميّ، نزيل بغداد، أبو عبد الرحمن، ويلقّب شاذان، ثقة [٩]. رَوَى عن شعبة، والحمادين، والثوري، والحسن بن صالح، وجرير بن حازم، وجماعة. ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، وابنا أبي شيبة، وعلي بن المديني، وأبو ثور، وعمرو الناقد، وأبو كريب، والصغاني، والدارمي، والحارث بن أبي أسامة، خاتمة أصحابه، وغيرهم. قال ابن معين: لا بأس به. وقال ابن المديني: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق صالح. وقال ابن سعد: صالح الحديث، مات سنة (٢٠٨)، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات أول سنة ثمان. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث، برقم (٢٦١) و (٥٩٩) و (١٥٩٣) و (١٩٩١) و (٢١٩٥) و (٣٤٧٦) و (٣٧٤٦) و (٣٧٦٥) و (٤٠٩٨). ٣ - (عُمَارَةُ بْنُ زَاذَانَ) الصَّيْدَلانيّ، أبو سلمة البصريّ، صدوقٌ، كثير الخطإ [٧]. روى عن مكحول، وثابت، والحسن البصري، وعلي بن الحكم البناني، وغيرهم.

стр. 2162

وروى عنه عبد الله بن نمير، وأسود بن عامر، وحَبّان بن هلال، وروح بن عبادة، وغيرهم. قال الأثرم عن أحمد: يروي عن ثابت عن أنس أحاديث مناكير. وقال مسلم، وعبد الله بن أحمد عن أحمد: شيخ ثقة، ما به بأس. وقال ابن معين: صالح. وقال البخاريّ: ربما يضطرب في حديثه. وقال الآجري عن أبي داود: ليس بذاك، وقال أيضًا: حج سبعا وخمسين حجة. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتج به، ليس بالمتين. وقال ابن عديّ: وهو عندي لا بأس به، ممن يُكتب حديثه. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الدارقطني: ضعيف، وزاد الْبَرْقاني عنه: يعتبر به. وقال البخاري: مولى بني تيم الله بن ثعلبة. وقال ابن عمار الموصلي: ضعيف. وقال العجلي: بصري ثقة. وقال الساجي: فيه ضعف، ليس بشيء، ولا يقوى في الحديث. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والترمذي، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٤ - (عَلِيُّ بْنُ الحكَمِ) الْبُنَاني -بضم الموحّدة، وبنونين، الأولى خفيفة- أبو الحكم البصريّ، ثقة، ضعّفه الأزديّ بلا حجة [٥]. رَوَى عن أنس، وميمون بن مِهران، وأبي عثمان النَّهْدي، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم. وروى عنه جرير بن حازم، وسعيد بن أبي عروبة، وشعبة، وعبد الوارث بن سعيد، وجعفر بن سليمان، وعلي بن الفضل، وعمارة بن زاذان، وغيرهم. قال أبو طالب عن أحمد: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: لا بأس به، صالح الحديث. وقال أبو داود، والنسائيّ: ثقة. ووثقه العجليّ، وأبو بكر البزار، وابن نمير، وغيرهم. وقال الدارقطني: ثقة يُجمَع حديثه. وقال أبو الفتح الأزدي: زائغٌ عن

стр. 2163

القصد، فيه لين (١). وقال ابن سعد: هو بُنَانيّ من أنفسهم، وكان ثقةً، وله أحاديث، تُوُفي سنة إحدى وثلاثين ومائة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (٣) أو (٣١)، وقال البخاري في "التاريخ": مات سنة (٣٥). أخرج له البخاريّ حديثين، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٢٦١) و (٣٠٩) و (٣٢٣٤). ٥ - (عَطَاَءٌ) بن أبي رَبَاح -بفتح الراء، والموحّدة- واسم أبي رَيَاح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكي، ثقة فقيه فاضلٌ، لكنه كثير الإرسال [٣]. رَوَى عن ابن عباس، وابن عَمْرو، وابن عُمَر، وابن الزبير، ومعاوية، وأسامة بن زيد، وجابر بن عبد الله، وزيد بن أرقم، وعبد الله بن السائب المخزومي، وعَقِيل بن أبي طالب، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه يعقوب، وأبو إسحاق السبيعي، ومجاهد، والزهري، وأيوب السختياني، وأبو الزبير، والحكم بن عتيبة، والأعمش، والأوزاعي، وابن جريج، وعبد الكريم الجزري، وخلق كثير. قال ابن المديني: هو مولى حَبِيبة بنت مَيْسرة بن أبي خُثَيم. وقال ابن سعد: كان من موَلَّدي الجْنَد، ونشأ بمكة، وهو مولى لبني فِهْر، أو الجُمَح، وانتهت إليه فتوى أهل مكة، وإلى مجاهد في زمانهما، وأكثر ذلك إلى عطاء، سمعت بعض أهل العلم يقول: كان عطاء أسود أعور أفطس أشلّ أعرج، ثم عَمِي بَعْدُ، وكان ثقةً فقيهًا عالِمًا، كثير الحديث. وقال الآجري عن أبي داود: كان أبو عطاء نُوْبِيّا، وكان يعمل المكاتل، وذَكَرَ فيه ما تقدم من العيوب، وزاد: وقُطعت يده مع ابن الزبير. وقال ضَمْرة بن ربيعة: سمعت رجلًا يقول: اسم أم عطاء بَرَكة. وقال ابن معين: كان معَلِّم كُتَّاب. وقال خالد بن أبي نَوْف عن عطاء: أدركت

стр. 2164

مائتين من الصحابة. وعن ابن عباس أنه كان يقول: تجتمعون إلي يا أهل مكة، وعندكم عطاء. وكذا رُوي عن ابن عمر. وقال أبو عاصم الثقفي: سمعت أبا جعفر يقول للناس، وقد اجتمعوا عليه: عليكم بعطاء، هو والله خير مني. وعن أبي جعفر قال: ما بقي أحد أعلم بمناسك الحج من عطاء. وقال عبد العزيز بن أبي حاتم عن أبيه: ما أدركت أحدًا أعلم بالمناسك منه. وقال ابن أبي ليلى: كان عالِمًا بالحج، وكان يوم مات ابن مائة سنة، ورأيته يُفطِر في رمضان، ويقول: قال ابن عباس: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]: إني أطعم أكثر من مسكين. وقال عبد الله بن إبراهيم بن عُمر بن كَيْسان، عن أبيه: أذكر في زمن بني أمية صائحًا يصيح: لا يفتي الناس إلا عطاء. وقال ربيعة: فاق عطاءٌ أهلَ مكة في الْفُتُوَّة. وقال قتادة: قال لي سليمان بن هشام: هل بمكة أحدٌ؟ قلت: نعم أقدم رجل في جزيرة العرب عِلْمًا، قال: مَنْ؟ قلت: عطاء بن أبي رباح. وقال قتادة: إذا اجتمع لي أربعة، لم أُبال مَن خالفهم: الحسن، وسعيد، وإبراهيم، وعطاء، قال: هؤلاء أئمة الأمصار. وقال ابن عيينة عن عُمر بن قيس المكي عنه: أعقِلُ مَقْتَل عثمان وقال أبو حفص الباهلي، عن عمر بن قيس: سألت عطاء متى وُلدت؟ قال: لعامين خَلَوَا من خلافة عثمان. وذَكَر أحمد بن يونس الضبي أنه وُلد سنة (٢٧). وقال أبو المليح الرَّقّيّ: مات سنة (١١٤). وقال ميمون: ما خَلَّفَ بعده مثله. وقال يعقوب بن سفيان، والبخاري عن حيوة بن شُريح، عن عباس بن الفضل، عن حماد بن سلمة: قَدِمت مكة، وعطاء حي، فقلت: إذا أفطرت دخلت عليه، فمات في رمضان. وقال أحمد وغير واحد: مات سنة (١٤)، وقال القطان: مات سنة (١٤) أو (١٥)، وقال ابن جريج، وابن عيينة، وآخرون: مات سنة (١٥)، وقال خليفة: مات سنة (١١٧). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٧) حديثًا. ٦ - (أَبُو هرَيْرَةَ) ﵁ ١/ ١، والله تعالى أعلم.

стр. 2165

شرح الحديث: (عَن أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَا) نافية (مِنْ) زائدة بعد النفي (رَجُلٍ) مبتدأ خبره جملة الاستثناء (يَحْفَظُ عِلْمًا) قيّده بالحفظ؛ إذ لا كتمان بدونه (فَيَكْتُمُهُ) أي إذا سئل عنه، كما في الروايات الآتية، وكأنه ترك ذكره إذ لا يظهر الكتمان قبل ذلك (إِلَّا أُتِيَ بِهِ) بالبناء للمفعول (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) حال كونه (مُلْجَمًا بِلِجَامٍ مِن النَّارِ) أي مدخلًا اللجام في فمه؛ لأنه موضع خروج العلم والكلام. والظاهر أن المراد أنه يحضر المحشر كذلك، ثم أمرُهُ بعد ذلك إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه؛ لأنه أمسك عن قول الحقّ وقتَ الحاجة والسؤال، فجوزي بمثله حيث أمسك الله فمه في وقت اشتداد الحاجة إلى الكلام، والجواب عند السؤال عن الأعمال، ثم لعلّ هذا مخصوص بما إذا كان السائل أهلًا لذلك العلم، ويكون العلم نافعًا، وقال الخطابيّ: هو في العلم الضروريّ، كما لو قال: علّمني الإسلام، والصلاة، وقد حضر وقتها، وهو لا يحسنها، لا في نوافل العلم التي لا ضرورة بالناس إلى معرفتها. ذكره السنديّ (١). وقال الطيبيّ: قوله: "بلجام" من باب التشبيه لبيانه بقوله: "من النار"، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، شُبّه ما يوضع في فيه من النار بلجام في فم الدابّة، وهو إنما كان جزاء إمساكه عن قول الحقّ، وخصّ اللجام بالذكر تشبيهًا له بالحيوان الذي سخّر، ومُنع من قصد ما يريده، فإن العالم شأنه أن يدعو الناس إلى الحقّ، ويُرشدهم إلى الطريق المستقيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، لا سيّما وقد سئل عما يضطرّه إلى الجواب، فإذا امتنع منه جوزي بما امتنع عن الاعتذار، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾

стр. 2166

[المرسلات: ٣٦]، ويدخل في زمرة مَن قال فهم: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥]، وهذا في العلم الذي يلزمه تعليمه إياه، ويتعيّن فرضه عليه، كمن رأى من يريد الإسلام، ويقول: علّمني ما الإسلام؟، وكمن يرى حديث عهد بالإسلام لا يُحسن الصلاة، وقد حضر وقتها، ويقول: علّمني كيف أصلي؟، وكمن جاء مستفتيًا في حلال أو حرام يقول: أفتوني، أرشدوني، فإنه يلزم في هذه الأمور أن لا يُمنع الجواب، فمن فعل كان آثمًا مستحقًّا للوعيد، وليس كذلك الأمر في نوافل الأمور التي لا ضررة بالناس إلى معرفتها، ومنهم من يقول هو علم الشهادة. انتهى كلام الطيبيّ (١). قال الجامع عفا الله عنه: ما ذكره الطيبيّ حسنٌ، غير قوله: "باب التشبيه إلخ"؛ إذ لا حاجة هنا لدعوى المجاز؛ لأن الحقيقة لا مانع يمنع منها، فإلجامه بلجام مصنوع من النار غير بعيد، فلماذا يدّعى المجاز؟ فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا صحيح، وإسناده حسنٌ، فإن عُمارة بن زاذان متكَلّم فيه، ولكنه لم ينفرد بهذا الحديث، فقد تابعه حماد بن سلمة، فرواه عن عليّ بن الحكم بإسناده ومتنه، كما هو عند الإمام أحمد في "مسنده"، وأبي داود في "سننه"، وابن حبّان في "صحيحه". والحاصل أن الحديث صحيح (٢)، والله تعالى أعلم.

стр. 2167

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٤٦/ ٢٦١) بهذا السند، وسيعيده (٢٦٦) من رواية محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁، وأخرجه (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٥٣٤) و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" ٩/ ٥٥ و (أحمد) في في "مسنده" ٢/ ٢٦٣ و ٣٠٥ - و ٣٤٤ و٣٥٣ و٤٩٩ و٥٠٨ و (أبو داود) (٣٦٥٨) و (الترمذيّ) (٢٦٤٩) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٩٥) و (الطبرانيّ) في "الصغير" (١/ ٦٠ وفي ١١٤ و١٦٢) و (الحاكم) في "مستدركه" (١/ ١٠١) و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٤٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو بيان حكم من سئل عن علم، فكتمه، وهو أن له الوعيد المذكور. ٢ - (ومنها): أن فيه بيان وجوب نشر العلم، وعدم كتمه، ويشمل ذلك عدم حبس الكتب عن الطلّاب، لا سيمّا عند عدم تعدد نسخ الكتب، وما أكثر الابتلاء بهذا، وخصوصًا إذا كانت الكتب موقوفة. ٣ - (ومنها): أنه تقدّم أنهم حملوا الوعيد المذكور على ما إذا كان العلم ضروريّا، لا في نوافل العلوم، وهذا تأويلٌ حسنٌ؛ لأدلة كثيرة، كقصّة أبي بكر الصدّيق ﵁ في تفسيره الرؤيا التي رآها بعض الناس، فقصّها على النبيّ ﷺ ، فطلب الصدّيق ﵁ أن يعبّرها، فأذن له النبيّ ﷺ في ذلك، فعبّرها، ثم سأل النبيّ ﷺ ، هل أصاب أم لا؟ فقال له: "أصبتَ بعضًا، وأخطأت بعضًا"، فأقسم عليه أن يخبره بذلك، فأبى ﷺ ، وقال: "لا تُقسم" (١)، فقد كتمه النبيّ علم ما سأله لعدم الحاجة الضروريّة إليه، وغير هذا من

стр. 2168

الأدلة التي تدلّ على أن العلم الذي يستحقّ كاتمه أن يُلجَم بلجام من النار ما إذا كان السائل محتاجًا إليه الجواب، بأن كان من العلوم الدينيّة، كمعرفة أحكام الصلاة، والصوم، ونحو ذلك. وقد جاء ذمّ كتم العلم عن السلف ﵏، فرُوي عن سفيان الثوريّ ﵀ أنه قال: من بَخِل بالعلم ابتُلي بإحدى ثلاث: أن ينساه، أو يموت، ولا يُنتفع به، أو تذهب كتبه. وعن ابن المبارك ﵀ أنه قال: من بَخِلَ بالعلم ابتُلي بثلاث: إما أن يموت، فيذهب علمه، أو يَنسى، أو يتّبع السلطان، وعن ابن معين ﵀ قال: من بخل بالحديث، وكتم على الناس سماعهم لم يُفلح، وكذا قال إسحاق بن راهويه، قال الخطيب ﵀: ولا يحرم الكتم عمن ليس بأهل، أو لا يقبل الصواب إذا أرشد إليه، أو نحو ذلك، وعلى ذلك يُحمل ما نُقل عن الأئمة من الكتم، وقال بعضهم: ليس الظلم في إعطاء غير المستحقّ بأقلّ من الظلم في منع المستحقّ، ولله درّ القائل [من الطويل]: فَمَنَ مَنَحَ الجُهَّالَ عِلْمًا أَضَاعَهُ ... ومَن مَنَعَ المُسْتَوْجِبِينَ فَقَدْ ظَلَمْ وقد قال الخليل لأبي عُبيدة رحمهما الله: لا تردّنّ على مُعْجَبٍ خطأ، فيستفيدَ منك علمًا، ويَتّخذَك عدوّا (١).

стр. 2169

[تنبيه]: من كتم العلم كما أسلفناه كتم كتب العلم عن أهلها، فلا ينبغي أن تُمنع الكتب عن المحتاجين إليها، قال وكيع بن الجرّاح ﵀: أول بركة الحديث إعارة الكتب، وقال السيوطي ﵀: وقد ذمّ الله تعالى مانع العارية بقوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧]، وإعارة الكتب أهمّ الماعون. ثم إن على المستعير إذا أعير كتابًا أن يسرع بردّه إلى صاحبه، ولا يبطىء عليه به، فقد قال الزهريّ ﵀: إياك وغلولَ الكتب، قيل: وما غُلُولها؟ قال: حبسها عن أصحابها (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ولمّا وجد أبو الحسن القطان سندًا أعلى من سند المصنّف بدرجة، ذكره بقوله: (قَالَ أَبُو الحسَن: أَيِ الْقَطَّانُ: وَحَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ: حَدَّثَنَا عُمارَةُ ابْنُ زَاذَانَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ). ١ - (أبو حاتم) محمد بن إدريس الإمام الحافظ الحجة الرازيّ ٨/ ٧٠. ٢ - (أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسيّ البصريّ، ثقة ثبتٌ [٩] ستأتي ترجمته مطوّلة في (٦/ ٢٨٤) لأنه أول محل ذكر المصنّف له. وقوله: "فذكر نحوه" الضمير لأبي الوليد، أي ذكر أبو الوليد نحو حديث أسود ابن عامر، ويحتمل أن يكون الضمير لشيخه أبي حاتم، أي ذكر أبو حاتم نحو حديث ابن ماجه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 2170

وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ٢٦٢ - (حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ الْعُثْمَانِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبُو هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: وَالله لَوْلَا آيَتَانِ في كِتَابِ اللهِ تَعَالَىَ، مَا حَدَّثْتُ عَنْهُ -يَعْنِي عَنْ النَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا أَبدًا، لَوْلَا قَوْلُ الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ [البقرة: ١٧٤]). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو مَرْوَانَ الْعُثْمَانيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ) بن خالد الأمويّ المدنيّ، نزيل مكة، صدوقٌ يُخطىء [١٠] ٢/ ١٤. ٢ - (إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨] ٢/ ١٤. ٣ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الحافظ المشهور [٤] ٢/ ١٥. ٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ) المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ١٠/ ٧٩. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ ١/ ١، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، وهو ثقة، وقد تابعه موسى ابن إسماعيل في روايته عن إبراهيم بن سعد عند البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الزهري عن الأعرج. ٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، روىَ (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الْرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ) رحمه الله تعالى (أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁-

стр. 2171

(يَقُولُ: وَالله لَوْلَا آيَتَانِ في كِتَابِ الله تَعَالى مَا حَدَّثْتُ) حذف اللام من جواب "لولا" جائز، والأصل: لولا آيتان موجودتان في كتاب الله لما حدّثتُ (عَنْهُ -يَعْني عَنْ النَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا أبدًا) وفي رواية البخاريّ "حديثًا". [تنبيه]: إنما قال أبو هريرة ﵁ هذا؛ لأنه سمع الناس يقولون: أكثر علينا أبو هريرة، فأراد أن يزيل التُّهَم، والقصّة بطولها آخرجها الشيخان في "صحيحيهما"، فقال البخاريّ ﵀: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: يقولون: إن أبا هريرة يُكثر الحديث، والله الموعد، ويقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه، وإن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصَّفْقُ بالأسواق، وإن إخوتي من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم، وكنت امرأً مِسكينًا ألزم رسول الله ﷺ على ملء بطني، فأحضر حين يغيبون، وأَعِي حين يَنْسَون، وقال النبي ﷺ يومًا: "لن يبسط أحد منكم ثوبه، حتى أقضي مقالتي هذه، ثم يجمعه إلى صدره، فينسى من مقالتي شيئًا أبدًا"، فبسطت نَمِرَة ليس عليّ ثوب غيرها، حتى قضى النبي ﷺ مقالته، ثم جمعتها إلى صدري، فوالذي بعثه بالحق ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا، والله لولا آيتان في كتاب الله ما حدثتكم شيئًا أبدًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ في الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠]. (لَوْلَا قَوْلُ الله) تعالى، وهذا بدل من "لولا" الأول، وفي رواية الشيخين: "ثم يتلو" (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ [البقرة: ١٧٤ -

стр. 2172

١٧٥]) والمعنى أنه لولا أن الله تعالى ذمّ الكاتمين للعلم لمَا حدّثتكم أصلًا، لكن لمّا كان الكتمان حرامًا، وجب الإظهار والتبليغ، فلهذا حصل مني الإكثار؛ لكثرة ما عندي مما سمعته منه ﷺ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٤٦/ ٢٦٢) بهذا الإسناد فقط، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٠ و ٢٧٤) و (البخاريّ) (١/ ٤٠ و ٣/ ١٤٣ و ٩/ ١٣٣) و (مسلم) (٧/ ١٦٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده (١): ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو بيان ذمّ كتم العلم على من سئل عنه، فإن الآيتين اللتين قرأهما أبو هريرة ﵁ نصّان في ذلك. ٢ - (ومنها): أن فيه الحثّ على حفظ العلم، وأن التقلّل من الدنيا أمكن لحفظه. ٣ - (ومنها): فضيلة التكسّب لمن له عيال، فإن المهاجرين والأنصار ما شغلهم عن إكثار السماع إلا التكسّب. ٤ - (ومنها): جواز إخبار المرء بما فيه من فضيلة إذا اضطرّ إلى ذلك، وأَمِن من الإعجاب. ٥ - (ومنها): أن فيه فضيلة ظاهرة لأبي هريرة ﵁، ومعجزة للنبيّ ﷺ وعَلَمًا من

стр. 2173

أَعْلَامِ النبوّة حيث زال بسبب دعوته نسيان أبي هريرة ﵁، مع أن النسيان من لوازم الإنسان، وقد اعترف أبو هريرة ﵁ بأنه كان كثير النسيان، ثم زال عنه ببركة دعوة النبيّ ﷺ ، وقد أخرج الحاكم في "المستدرك" من حديث زيد بن ثابت ﵁ قال: كنت أنا وأبو هريرة، وآخر عند النبيّ ﷺ ، فقال: "ادعوا"، فدعوتُ أنا وصاحبي، وأَمّنَ النبيُّ ﷺ ، ثم دعا أبو هريرة، فقال: اللهم إني أسألك مثل ما سألك صاحباي، وأسألك علمًا لا يُنسى، فأَمَّن النبيّ ﷺ ، فقلنا: ونحن كذلك يا رسول الله، فقال: "سبقكما الغلام الدوسي". ٦ - (ومنها): ما كان عليه أبو هريرة ﵁ من شدّة حرصه على تحصيل العلم، وقد شهد له النبيّ ﷺ بذلك، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قيل: يا رسول الله، مَنْ أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : "لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألُنِي عن هذا الحديث أحدٌ أولُ منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعدُ الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه، أو نفسه"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال: ٢٦٣ - (حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بن أَبِي السَّرِيِّ الْعَسْقَلَانِيُّ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ تَميِمٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ السَّرِيِّ، عَن مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابر، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا لَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَوَّلهَا، فَمَن كَتَمَ حَدِيثًا، فَقَدْ كتَمَ مَا أنزَلَ الله"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ٩ - (الحُسَيْنُ بن أبِي السَّرِيِّ الْعَسْقَلَانِيُّ) هو: الحسين بن المتوكّل بن عبد الرحمن ابن حسّان الهاشمي مولاهم، أبو عبد الله بن أبي السَّرِيِّ -بفتح المهملة، وكسر الراء- ضعيف، بل كذّبه بعضهم [١١]. روى عن وكيع، وضمرة بن ربيعة، وخلف بن تميم، وأبي داود الحَفَري،

стр. 2174

وغيرهم. وروى عنه ابن ماجه، وابن سعد، والحسين بن إسحاق التُّسْتَري، وغيرهم. قال جعفر بن محمد القلانسي: سمعت محمد بن أبي السري يقول: لا تكتبوا عن أخي، فإنه كذّاب. وقال أبو داود: ضعيف. وقال أبو عروبة: كذّاب، هو خال أمي. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطىء، ويُغرِب. قال إسحاق بن إبراهيم الهروي: مات سنة (٢٤٠). تفرّد به المصنّف وله عنده في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٢٦٢) و (٣٥٣) و (٢١٩١) و (٢٦٩١) و (٣٣٨٥). ٢ - (خَلَفُ بْنُ تَميمٍ) بن أبي عَتّاب مالك التميميّ مولاهم، وقيل: غير ذلك، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، نزيل المِصِّيصة، صدوقٌ عابدٌ [٩]. روى عن إسرائيل، وبشر بن أبي إسماعيل، وزائدة، والثوري، وزهير، وغيرهم. وروى عنه الحسين بن أبي السري العسقلاني، وعلي بن محمد بن علي المصيصي، وعمرو الناقد، وإبراهيم بن سعيد الجوهري، وغيرهم. قال عثمان الدارمي: سألت ابن معين عنه، فقال: هو المسكين صدوق. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوقٌ، أحدُ النُّسَّاك، صَحِبَ إبراهيم بن أَدْهَم، وقال أبو حاتم: ثقة صالح الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من العباد الْخُشْن، مات سنة (٢٠٦)، وكذا قال أبو مسلم المستملي في تاريخ وفاته، وقال ابن سعد: مات بالمصيصة سنة (٢١٣)، وكان عالِمًا، وكذا قال الْقَرَّاب، وحَكَى ابن قانع القولين. وقال العجلي: كوفي لا بأس به. تفرّد به النسائيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٣ - (عَبْدُ الله بْنُ السَّرِيِّ) الأنطاكيّ الزاهد، أصله من المدائن، ضعيفٌ (١)، روى

стр. 2175

مناكير كثيرةً، تفرّد بها [٩]. روى عن محمد بن المنكدر، ولم يدركه، وحفص بن سليمان الغاضري، وسعيد ابن زكريا المدائني، وشعيب بن حرب، وغيرهم. وروى عنه خلف بن تميم، وهو أسن منه، وأحمد بن أبي الْحَوَارِيّ، وأحمد بن نصر النيسابوري، ويعقوب بن إسحاق، وغيرهم. قال خلف بن تميم: كان من الصالحين. وقال ابن عدي: لا بأس به، وقال ابن أبي حاتم، عن عثمان الدارمي: سألت يحيى عنه، ققال: رجلٌ، قال ابن أبي حاتم: كان ابن السري رجلًا صالحًا، فأَحْسَبُ يحيى حَادَ عن ذكره لذلك. وقال العقيليّ: لا يتُابع. وقال أبو نعيم الأصبهاني: يروي المناكير، لا شيء. وقال ابن حبان في "الضعفاء": عبد الله بن السري المدائني، رَوَى عن أبي عمران العجائب التي لا يُشَكّ أنها موضوعة، ثم ساق له حديثًا في فضل أنطاكية موضوعًا. وقال أحمد بن الحسن الترمذي: كان رجلًا صالحًا. تفرّد عنه المصنّف بهذا الحديث فقط. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ) بن عبد الله بن الهُدير المدنيّ، ثقة فاضلٌ [٣] ١٥/ ١٢٢. ٥ - (جَابِر) بن عبد الله ﵄ المذكور في الباب الماضي، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرٍ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا لَعَنَ آخِرُ هَذهِ الأُمَّةِ أَوَّلهَا) أي إذا كثُر الجهل، وحصلت الحاجة إلى العلم، لأَن منشأ اللعن هو الجهل، أو المراد إذا جَهِلوا بفضائل الصحابة ﵃، وحرمة اللعن، فسبّوهم، وعلى هذا فمعنى قوله: (فَمَنْ كَتَمَ حَدِيثًا) أي في فضائل الصحابة ﵃، وحرمة اللعن، قاله السنديّ رحمه الله تعالى (١) (فَقَدْ كَتَم مَا أَنزَلَ اللهُ) هكذا النسخ عندنا، ووقع في "تحفة الأشراف" (٢/ ٣٦٨) بلفظ:
следующие страницы →