الآتي- وعلى تقدير أن الراوي أخذ ذلك من جهته، فيُمكن أنه قال ذلك للتنبيه على ضعف حالة البشر، وأنه محلّ للآفات كلِّها لولا عصمة الله تعالى الكريم، فلا ينبغي له الاغترار، بل ينبغي له دوام الخوف، والأخذ بالأحوط، والتجنب عن الأسباب المؤدّية إلى الآفات النفسانيّة. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي أُمامة ﵁ هذا ضعيف؛ لضعف إسناده، قال البوصيريّ ﵀: هذا إسناد ضعيف؛ لضعف رواته، قال ابن معين: عليّ بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة ﵁ هي ضعاف كلها. انتهى (٢).
وقد تقدّم الكلام على هذا الإسناد في الحديث رقم (٢٢٨) فراجعه تستفد.
وهو من أفراد (المصنّف) أخرجه هنا (٤٣/ ٢٤٥) بهذا الإسناد فقط، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٦٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٤٦ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ نُبَيْحٍ الْعَنَزِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا مَشَى مَشَى أَصْحَابُهُ أَمَامَهُ، وَترَكُوا ظَهْرَهُ لِلْمَلَائِكَةِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ) الطنافسيّ الكوفيّ، ثقة عابدٌ [١٠] ٩/ ٥١.
٢ - (وَكيعٌ) بن الجَرّاح الكوفيّ الحافظ الثبت العابد [٩] ١/ ٣.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ الإمام الحجة الفقيه [٧] ٥/ ٤١.
стр. 2102
٤ - (الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ) الْعَبديّ، وقيل: البجليّ، أبو قيس الكوفيّ، ثقة [٤].
رَوى عن أبيه، وثعلبة بن عباد، وجندب بن عبد الله البجلي، وسعيد بن عمرو ابن سعيد بن العاص، وشقيق بن عقبة، ونُبيح العَنَزي، وغيرهم.
وروى عنه شعبة، والثوري، وشريك، والحسن بن صالح، وزهير بن معاوية، وأبو عوانة، وابن عيينة، وجماعة.
قال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال العجلي: ثقةٌ، حسن الحديث. وقال ابن البراء عن ابن المديني: روى عن عشرة مجهولين لا يعرفون، سَمَّى مسلم منهم في "الوحدان" أربعة.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، فجعله اثنين، فالذي يَروي عن جندب ذكره في التابعين، والذي يروي عن نُبيح ذكره في أتباع التابعين، قال الحافظ: كذا قال، والظاهر أنه وَهَمٌ. وقال الفسوي في "تاريخه": كوفي ثقة.
وقال أبو حاتم: ثقة. وقال شريك بن عبد الله النخعي: أما والله إن كان لصدوق الحديث، عظيم الأمانة، مُكرِمًا للضيف.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٢٤٦) و (١٢٦٤) و (١٥١٦) و (٣١٥٢).
٥ - (نُبيْحٌ -بالحاء المهملة، مصغّرًا- الْعَنَزِيُّ) -بفتح العين المهملة والنون، ثم زاي- ابن عبد الله، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة (١) [٣].
رَوى عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي سعيد، وجابر، وروى عنه الأسود بن قيس، وأبو خالد الدالاني. قال أبو زرعة: ثقة، لم يرو عنه غير الأسود بن قيس. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وذكره علي بن المديني في جملة
стр. 2103
المجهولين الذين يَروي عنهم الأسود بن قيس. وصحح الترمذي حديثه، وكذلك ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم.
أخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٢٤٦) و (١٥١٦).
٦ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله) بن عمرو بن حَرَام الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ ١/ ١١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، غير الصحابيّ ﵁، فإنه مدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن جابرًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله) ﵄، أنه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا مَشَى مَشَى أَصْحَابُهُ) ﵃ (أَمَامَهُ) أي قُدّاَمه (وَتَرَكُوا ظَهْرَهُ لِلْمَلَائِكَةِ) أي تعظيمًا للملائكة الماشين خلفه، لا لدفع التضييق عنهم، وهؤلاء الملائكة غير الحفظة، ورواه أحمد بن منيع في "مسنده": بلفظ: "مَشَوا خلف النبيّ ﷺ ، فقال: امشوا أمامي، وخلّفوا ظهري للملائكة". وفي رواية الإمام أحمد في "مسنده": قال: "كان أصحاب النبي ﷺ يمشون أمامه إذا خرج، ويَدَعُون ظهره للملائكة"، وفي لفظ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا خرج من بيته مشينا قُدَامه، وتركنا ظهره للملائكة".
وفيه إكرام الله تعالى نبيه ﷺ غاية الإكرام، حيث جعل الملائكة تمشي وراءه تعظيمًا له ﷺ ، ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 2104
قال الجامع عفا الله عنه: حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا صحيح، قال البوصيريّ رحمه الله تعالى: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، ورواه أحمد بن منيع في "مسنده": ثنا قبيصة، ثنا سفيان به بلفظ: "مشوا خلف النبي ﷺ . . ." الحديث المذكور انتهى كلامه (١).
وهو من أفراد (المصنّف)، أخرجه هنا (٤٣/ ٢٤٦) بهذا الإسناد فقط، وأخرجه (أحمد) في "مسنده " (٣/ ٣٠٢ و ٣٣٢) و (ابن حبان) في "صحيحه" (٦٣١٢) و (الحاكم) في "مستدركه" (٤/ ٢٨١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 2105
٤٤ - (بَابُ الْوِصَاةِ بطلبةِ الْعِلمِ)
" الْوَصَاة": بكسر الواو، وفتحها: اسم من أوصاه، ووصّاه، قال الفيّوميّ ﵀: وَصَيْتُ الشيءَ بالشيء أَصِيهِ، من باب وَعَدَ: وصَلْته، ووَصَّيْتُ إلى فلان توصيةً، وأوصيتُ إليه إيصاءً، وفي السبعة: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ﴾ [البقرة: ١٨٢] بالتخفيف، والتثقيل، والاسم: الْوِصَايةُ بالكسر، والفتحُ لغةٌ، وهو وَصِيٌّ، فَعِيل بمعنى مفعول، والجمع الأوصياء، وأوصيتُ إليه بمال: جعلتُهُ له، وأوصيته بولده: استعطفتُهُ عليه، وهذا لمعنى لا يقتضي الإيجاب، وأوصيته بالصلاة: أمرته بها. انتهى (١).
و"الطَّلَبَةُ" بفتحات: جمع طالب، ككامل وكملة، قال في "الخلاصة":
في نَحْوِ "رَامِ" ذُو اطِّرَادٍ فُعَلَهْ ... وَشَاعَ نَحْوُ كَامِلٍ وَكَمَلَهْ
والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٤٧ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَارِثِ بْنِ رَاشِدٍ المصْرِيُّ، حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ عَبْدَةَ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَن رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "سَيَأتِيكُمْ أَقْوَامٌ يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَقُولُوا: لهُمْ مَرْحَبًا مَرْحَبًا بِوَصِيَّةِ رَسُولِ الله ﷺ ، وَاقْنُوهُمْ"، قُلْتُ لِلْحَكَمِ: مَا اقنُوهُمْ؟ قَالَ: عَلّمُوهُمْ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الحارِثِ بْنِ رَاشِدٍ المصْرِيُّ) المؤذّن، صدوقٌ يُغْربُ [١٠] ١٢/ ١٠٧. من أفراد المصنّف.
٢ - (الحكَمُ بْنُ عَبْدَةَ) الرُّعَينيّ، أو الشيبانيّ، أبو عَبْدةَ البصريّ، نزيل مصر، وقيل: إنه دمشقيّ، وقيل: هما اثنان، مستور [٧].
روى عن أيوب، وابن أبي عروبة، ومالك، وأبي هارون العبديّ، وغيرهم.
стр. 2106
وروى عنه ابن وهب، وعمرو بن أبي سلمة، ومحمد بن الحارث بن راشد، ويحيى ابن بكير، وغيرهم.
قال ابن يونس أظن أنه الحكم بن عبدة البصري؛ لأني لم أجد له بيتًا في مصر، وذكره في المصريين يحيى بن عثمان بن صالح، وأراه أخطأ فيه. وقال ابن يونس أيضًا في "تاريخ الغرباء": الحكم بن عبدة البصريّ قَدِم مصر، آخرُ مَن حَدّث عنه الحارث بن مسكين. وقال الآجري عن أبي داود: الحكم بن عبدة الرُّعَينيّ الدمشقيّ ما عندي من علمه شيء. وقال أبو فتح الأزديّ: ضعيف.
تفردّ به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٣ - (أَبُو هَارُونَ الْعَبْدِيُّ) عمارة بن جُوَين -بجيم مصغّرًا- مشهور بكنيته، متروك، ومنهم من كذّبه، شيعيّ [٤].
روى عن أبي سعيد الخدري، وابن عمر، وعنه عبد الله بن عون، وعبد الله بن شَوْذَب، والثوري، والحمادان، والحكم بن عبدة، وخالد بن دينار، وغيرهم.
قال ابن المديني عن يحيى بن سعيد: ضعفه شعبة، وما زال ابن عون يروي عنه حتى مات. وقال البخاري: تركه يحيى القطان. وقال أحمد: ليس بشيء. وقال الدُّوري عن ابن معين: كان عندهم لا يَصْدُق في حديثه، وكانت عنده صحيفة يقول: هذه صحيفة الوَصِيّ. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف أضعف من بشر بن حرب. وقال النسائي: متروك الحديث، وقال في موضع آخر: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه.
وقال شعيب بن حرب عن شعبة: لأن أُقَدَّم، فتضربَ عنقي أحب إلي من أن أُحَدِّث عنه. وقال خالد بن خِدَاش عن حماد بن زيد: كان كذابًا، بالغداة شيءٌ، وبالعشي شيءٌ. وقال الجوزجاني: كذابٌ مُفْتَرٍ. وقال الحاكم أبو أحمد: متروك. وقال الدارقطني: يتلوَّن خارجي، وشيعي، يُعتبر بما يرويه عنه الثوري.
وقال ابن حبان: كان يروي عن أبي سعيد ما ليس من حديثه، لا يحل كَتْبُ
стр. 2107
حديثه إلا على جهة التعجب. وقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: كان غير ثقة يَكْذِب. وقال ابن علية: كان يكذب، نقله الحاكم في "تاريخه". وقال ابن المثنى: ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن يحدثان عن سفيان عنه بشيء. وقال ابن شاهين: قال عثمان بن أبي شيبة: كان كذّابًا. وقال ابن سعد: كان ضعيفًا في الحديث. وعن شعبة قال: لو شئت لحدثني أبو هارون عن أبي سعيد بكل شيء رأى أهلَ واسط يفعلونه بالليل. رواه الساجيّ، وابن عدي.
وقال ابن الْبَرْقي: أهل البصرة يضعفونه. وقال علي بن المديني: لست أروي عنه.
وقال الساجي: ثنا عبد الله بن أحمد قال: قلت لأبي: يحيى يقول: بشر بن حرب أحب إلي من أبي هارون، فقال: صدق يحيى. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ضعيف الحديث، وقد تحامل بعضهم فنسبه إلى الكذب، رُوي ذلك عن حماد بن زيد، وكان فيه تشيع، وأهل البصرة يُفرطون فيمن يتشيع بين أظهرهم؛ لأنهم عثمانيون.
قال الحافظ: كيف لا ينسبونه إلى الكذب، وقد رَوَى ابن عدي في "الكامل" عن الحسن بن سفيان، عن عبد العزيز بن سلام، عن علي بن مهران، عن بَهْز بن أسد قال: أتيت إلى أبي هارون العبدي، فقلت: أخرج إلي ما سمعت من أبي سعيد، فأخرج لي كتابًا، فإذا فيه حدثنا أبو سعيد، أن عثمان أدخل حُفْرَته، وإنه لكافر بالله، قال: قلت: تُقِرّ بهذا؟ قال: هو كما ترى، قال: فدفعت الكتاب في يده، وقمت، فهذا كذب ظاهر على أبي سعيد ﵁. انتهى كلام الحافظ (١).
وقال ابن قانع: مات سنة أربع وثلاثين ومائة.
أخرج له البخاري في "خلق أفعال العباد"، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٢٤٧) وأعاده برقم (٢٤٩) و (٤١٨٧).
٤ - (أَبُو سَعِيد الخُدْريُّ) سعد مالك بن سنان ﵄ ٤/ ٣٧.
стр. 2108
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ﵁ (عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ) أنه (قَالَ: سَيَأْتِيكُمْ) الخطاب للصحابة ﵃، ويُلحق بهم من بعدهم (أَقْوَامٌ يَطْلُبُون الْعِلْمَ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَقُولُوا: لهُمْ مَرْحَبًا مَرْحَبًا) بالتكرار للتوكيد، قيل في مثله: أي صادفتَ رُحْبًا، أو لقيتَ رحبًا وسَعَةً، وقيل: رحّب الله بك ترحيبًا، فوُضع مَرْحبًا موضعَ ترحيبًا، وقيل: التقدير: أتيتَ رحبًا، أو رَحبت بك الدار مرحبًا. انتهى.
وقال ابن منظور: وقولهم في تحيّة الوارد: "مَرْحَبًا": أي صادفتَ أهلًا ومَرْحبًا، وقالوا: مَرْحَبك الله، ومَسْهَلَك، وقولهم: مَرْحبًا وأهلًا: أي أتيت سَعَةً، وأتيت أهلًا، فاستأنس، ولا تستوحِشْ، وقال الليث: معنى قول العرب: "مَرْحَبًا": انزل في الرحب والسَّعَة وأَقِمْ، فلك عندنا ذلك، وهو منصوب بفعل مضمر، كما قدرناه. انتهى بتصرّف (١).
(بِوَصِيَّةِ رَسُولِ الله ﷺ ) متعلّق بفعل مقدّر، أي نرحّب بمن أوصانا بهم رسول الله ﷺ ، أي نقول لهم: مرحبًا يا من أوصى بهم رسول الله ﷺ ، ويحتمل أن تكون الباء للسببيّة، أي قلنا لكم: مرحبًا بسبب وصيّة رسول الله ﷺ بكم، أي بسبب أمره بالترحيب بكم.
(وَاقْنُوهُمْ) بالقاف، يقال: قناه الله، من باب رمى، وأقناه: أرضاه، أفاده في "القاموس" (٢)، فيحتمل أن يكون "أَقْنُوهم" بهمزة القطع رباعيّا، ويحتمل أن يكون بهمزة الوصل، والنون مضمومة على كونه ثلاثيًّا كرمى، وأصله اقْنِيُوهم بكسر النون؛ لأنه من باب رمى، ثم نقلت ضمة الياء إلى النون بعد سلب حركتها، وحذفت الياء، فصار اقْنُوهم، كارْمُوهم، وفي بعض النسخ "وأفتوهم" بالفاء من الإفتاء رباعيّا، قال
стр. 2109
محمد بن الحارث (قُلْت لِلْحَكَمِ) بن عبدة (مَا اقْنُوهُمْ؟) وفي نسخة: "ما أفتوهم" من الإفتاء بالفاء، أي ما معنى قوله: "فاقنوهم" (قَالَ) الحارت: معناه (عَلِّمُوهُمْ) قال ابن الأثير: "فاقنوهم" عَلّموهم، واجعلوا لهم قُنْيَةً من العلم، يستغنون به إذا احتاجوا إليه (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا ضعيف الإسناد جدّا؛ لأن فيه أبا هارون العبديّ، متروك، بل كذّبه بعضهم، كما سبق في ترجمته قريبًا.
وحسّن متنه الشيخ الألبانيّ في "السلسلة الصحيحة"، وذكر له طرقًا، وفي القلب من تحسينه شيء؛ لأن الإمام أحمد ﵀ أعلّ الطريق التي حسنه الشيخ الألباني منها، وقال: هذا حديث أبي هارون عن أبي سعيد، فجعل الصواب رواية المصنّف هذه، وهذه قد عرفت حالها، وبالجملة فراجع كلام الشيخ الألباني في جـ ١ ص ٥٠٣ - ٥٠٧ وأمعن النظر فيه، والله تعالى أعلم بالصواب.
والحديث أخرجه (المصنّف) هنا (٤٤/ ٢٤٧) بهذا الإسناد، وأعاده بعد حديث، وأخرجه (الترمذيّ) (٢٦٥٠) و (٢٦٥١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب؛ وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٤٨ - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ، حَدَّثَنَا الْمُعَلَّى بْنُ هِلَالٍ، عَنْ إِسْماعِيلَ قَالَ: دَخَلنَا عَلَى الحَسَنِ نَعُودُهُ، حَتَى مَلَأْنَا الْبَيْتَ، فَقَبَضَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ نَعُودُهُ، حَتَى مَلأْنا الْبَيْتَ، فَقَبَضَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ. دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ مَلأْنَا الْبَيْتَ، وَهُوَ مُضْطَجعٌ لِجَنْبِهِ، فَلَّما رَآنَا قَبَضَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّهُ سَيَأْتِيَكَمْ أَقوَامٌ مِنْ بَعْدِي، يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ، فَرَحِّبُوا بِهِمْ، وَحَيُّوهُمْ، وَعَلِّمُوهُمْ"، قَالَ: فأَدْرَكنَا وَالله أَقْوَامًا مَا رَحَّبُوا بِنَا، وَلَا حَيَّوْنَا، وَلَا عَلَّمُونَا، إِلا بَعْدَ أَنْ كنَّا نَذْهَبُ إِلَيْهِمْ فَيَجْفُونَا).
стр. 2110
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الله بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ) الحَضْرميّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] ٤/ ٣٠.
٢ - (المُعَلَّى بْنُ هِلَالٍ) بن سُويد الحضرميّ، ويقال: الجعفي، أبو عبد الله الطحّان الكوفيّ، اتفق النّقّاد على تكذيبه [٨].
روى عن أبي إسحاق السبيعي، ومنصور، وسهيل بن أبي صالح، وسليمان التيمي، وغيرهم.
وروى عنه عبد السلام بن حرب، وإسماعيل بن زكريا، وعبد الله بن عامر، وغيرهم.
قال أبو طالب عن أحمد: متروك الحديث، حديثه موضوع كذبٌ. وقال عبد الله ابن أحمد: قال أبي: المعلى بن هلال كذاب. وقال أحمد بن أبي مريم عن ابن معين: هو من المعروفين بالكذب، ووضع الحديث. وقال عباس الدُّوري عن ابن معين: ليس بثقة كذاب. وقال البخاري: تركوه. وقال أبو عبيد الآجري عن أبي داود: غير ثقة ولا مأمون، حدثني أبو زرعة الدمشقي، ثنا أبو نعيم قال: كنت أمشي مع ابن عيينة، فمررنا بمعلى بن هلال، فقال لي سفيان: إنّ هذا من أكذب الناس، وقال في موضع آخر: كان كذابًا. وقال النسائي: كذاب، وقال مرة: يَضَعُ الحديث. وقال علي بن المديني عن أبي أحمد الزبيري: حَدَّثت ابن عيينة عن معلى الطحان، فقال: ما أحوج صاحب هذا إلى أن يُقْتَل. وقال علي أيضًا: ما رأيت يحيى بن سعيد يُصَرِّح في أحد بالكذب إلا معلى بن هلال، وإبراهيم بن أبي يحيى.
وقال علي: سمعت وكيعًا يقول: أتينا معلى بن هلال، وإن كُتُبه لمِن أصحّ الكتب، ثم ظهرت منه أشياء ما نقدر أن نحدث عنه بشيء. وقال عمرو بن محمد الناقد: رأيت وكيعًا تُعرَض عليه أحاديث معلى بن هلال، فجعل وكيع يقول: قال أبو بكر الصديق ﵁: الكذب مجانب للإيمان. وقال أحمد بن محمد بن محمد البغدادي: سمعت أبا نعيم يقول:
стр. 2111
كان معلّى بن هلال يَنْزِل بني دالان تمَرُّ بنا المراكب إليه، وكان الثوري وشريك يتكلمان فيه، فلا يلتفت إلى قولهما، فلما مات كأنه وقع في بئر. وقال زكريا بن يحيى الساجي عن أحمد بن العباس الجُنْدَيْسَابُوريّ: سمعت أبا نعيم يقول: كان سفيان الثوري لا يرمي أحدًا بالكذب إلا معلى بن هلال. وقال أبو الوليد الطيالسي: رأيت معلى ابن هلال يحدث بأحاديث قد وضعها، فقلت بيني وبينك السلطان، فكلموني فيه، فأتيت أبا الأحوص، فقال: ما لك ولذلك البائس؟، فقلت: هو كذاب، فقال: هو يؤذّن على منارة طويلة. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن المعلى بن هلال، ما كان تنقم عليه؟ فقال: الكذب.
وقال أبو أحمد بن عدي: هو في عداد مَن يضع الحديث. وقال البخاري: قال ابن المبارك لوكيع: عندنا شيخ يقال له: أبو عصمة نوح ابن أبي مريم، يضع كما يضع المعلى.
وقال الآجري عن أبي داود: روى أربعين حديثًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، كلها مُخْتلَقَة. وقال الأزدي: متروك. وقال الجوزجاني، والعجلي، وعلي بن الحسين بن الجنيد: كذاب. وقال الدارقطني: كان يضع الحديث. وقال ابن حبان: كان يروي الوضوعات عن قوم أثبات، لا تحل الرواية عنه بحال. وقال أبو أسامة: سَجّرت بكتابه التنور. وذكره ابن الْبَرْقيّ في "باب من رُمي بالكذب"، وقال: كان قدريّا. وقال ابن المبارك في "تاريخه": كان لا بأس به، ما لم يجيء بالحديث، فقال له بعض الصوفية: يا أبا عبد الرحمن أتغتاب الصالحين؟، فقال: اسكت إذا لم نُبيِّن الحقَّ، فمن يُبَيِّن؟.
وقال الحاكم، وأبو نعيم: رَوَى عن يونس بن عبيد وغيره المناكير. وأما أبو حَرِيز فألانَ القول فيه، وقال: كان شيخًا حَدَّث عنه غير واحد، إلا أنه غير موثوق بحفظه.
وقال ابن أبي حاتم في "العلل" عن أبيه، عن ابن نمير في حديث رواه يحيى الْحِمّاني عن علي بن سُويد، عن نُفَيع، في المؤذنين: عليُّ بن سُوَيد هذا هو معلى بن هلال بن سُويد، جُعل مُعَلَّى عَليّ، وحُذف هلال من الوسط، ونُسِب إلى جده سُوَيد.
تفردّ به المصنّف بهذا الحديث فقط.
стр. 2112
٣ - (إِسْمَاعِيلُ) بن مسلم، أبو إسحاق البصريّ، سَكَن مكة، ولكثرة مجاورته قيل له: المكي، وكان فقيهًا مفتيًا، ضعيف الحديث [٥].
رَوى عن "أبي الطفيل، عامر بن واثلة، والحسن البصري، والحكم بن عتيبة، وغيرهم.
ورَوى عنه الأعمش، وابن المبارك، والأوزاعي، والسفيانان، ومعلى بن هلال، وغيرهم.
قال عمرو بن علي: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه. وقال علي عن القطان: لم يزل مُخَلِّطًا، كان يحدثنا بالحديث الواحد على ثلاثة ضروب. وقال إسحاق بن أبي إسرائيل عن ابن عيينة: كان إسماعيل يخطىء، أسأله عن الحديث، فما كان يدري شيئًا.
وقال أبو طالب عن أحمد: منكر الحديث. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال ابن المديني: لا يكتب حديثه. وقال الفلاس: كان ضعيفًا في الحديث، يَهِمُ فيه، وكان صدوقًا، يُكثر الغلط، يُحَدِّث عنه من لا ينظر في الرجال. وقال الجوزجاني: وَاهٍ جدّا.
وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث.
وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث مختلط. وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: وهو أحب إليك أو عمرو بن عبيد؟ فقال: جميعًا ضعيفان، وإسماعيل ضعيف الحديث ليس بمتروك، يُكتب حديثه. وقال البخاري: تركه يحيى، وابن مهدي، وتركه ابن المبارك، وربما ذكره. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال مرة: ليس بثقة. وقال ابن عديّ: أحاديثه غير محفوظة، إلا أنه ممن يُكتب حديثه. وكناه الخطيب أبا ربيعة، وقال: بصري سكن مكة. وقال ابن حبان: كان فصيحًا، وهو ضعيف، يروي المناكير عن المشاهير، ويقلب الأسانيد. وقال الحربي: كان يفتي، وفي حديثه شيء. وقال الحاكم عن أبي علي الحافظ: ضعيف.
وقال ابن خزيمة: أنا أبرأ من عُهدته. وقال البزار: ليس بالقوي. وذكره الفسوي في "باب من يُرغَب عن الرواية عنهم". وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم.
стр. 2113
وذكره العقيليّ، والدولابي، والساجي، وابن الجارود، وغيرهم في "الضعفاء". وقال ابن سعد: قال محمد بن عبد الله الأنصاري: كان له رأي وفتوى وبَصَرٌ، وحفظ للحديث، فكنت أكتب عنه لنباهته.
تفرّد به الترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب (١١) حديثًا.
٤ - (الحسَنُ) البصريّ المذكور قبل باب.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ ١/ ١.
شرح الحديث:
(عَنْ إِسماعِيلَ) بن مسلم، أنه (قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى الحسَنِ) البصريّ (نَعُودُهُ) أي نزوره لمرضه (حَتَّى مَلَآْنَا الْبَيْتَ) أي كثر عدد العائدين بحيث امتلأ البيت منهم، وضاق بهم (فَقَبَض) الحسن (رِجْلَيْهِ) يحتمل أن قبضه من كثرة الزحام، ويحتمل أن يكون توقيرًا لهم (ثُمَّ قَالَ) الحسن (دَخَلْنَا عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، هذا ظاهر في كونه الحسن لقي أبا هريرة ﵁، وسمع منه، لكن الحديث لا يصحّ، والخلاف تقدم مستوفى البحث في ترجمة الحسن برقم (٩/ ٧١).
(نَعُودُهُ، حَتَّى مَلَأْنَا الْبَيْتَ، فَقَبَضَ) أبو هريرة ﵁ (رِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ) أبو هريرة (دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ حَتَّى مَلَآْنَا الْبَيْتَ، وَهُوَ مُضْطَجعٌ لجِنْبِهِ) أي على جنبه (فَلَمَّا رَآنا قَبَضَ رِجْلَيْهِ) أي للاحتمالين السابقين (ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ) الضمير للشأن، أي إن الأمر والشأن (سَيَأْتِيكُمْ أَقْوَامٌ مِنْ بَعْدِي، يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونهم طالبين للعلم (فَرَحِّبُوا بِهِمْ) أمر من الترحيب، أي قولوا لهم: مرحبًا بكم (وَحَيُّوهُمْ) من التحيّة، قال الفيّوميّ ﵀: حيّاه تحيّةً: أصله الدعاء بالحياة، ومنه "التحيّات لله"، أي البقاء، وقيل: الملك، ثم كثُر حتى استُعمل في مطلق الدعاء، ثم استعمله الشرع في دعاء مخصوص، وهو "سلامٌ عليك". انتهى (١) (وَعَلِّمُوهُمْ) أمر من
стр. 2114
التعليم (قَالَ) أي الحسن (فَأَدْرَكْنَا وَالله) جملة قسم معترضة بين الفعل ومعموله للتوكيد (أَقْوَامًا) أي من المشايخ، لا التلامذة، قيل: هذا يُحمل على من أدركه الحسن من غير الصحابة ﵃، فإن أكثر علمه إنما أخذه من غيرهم. والله تعالى أعلم (مَا رَحَّبُوا بِنَا، وَلَا حَيَّوْنَا، وَلَا عَلَّمُونَا، إِلَّا بَعْدَ أَنْ كُنَّا نَذْهَبُ إِلَيْهِمْ) أي نتردّد إليهم كثيرًا (فَيَجْفُونَا) من الجفاء، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي هريرة ﵁ هذا موضوعٌ؛ لأن المعلّى بن هلال كذّاب يضع الحديث، كما سبق تفصيل أقوال العلماء فيه في ترجمته قريبًا.
وقال البوصيريّ ﵀: هذا إسناد ضعيفٌ، فيه المعلّى بن هلال، كذّبه أحمد، وابن معين، وغيرهما، ونسبه إلى وضع الحديث غير واحد، وإسماعيل هو ابن مسلم اتّفقوا على ضعفه، وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، رواه ابن ماجه، والحاكم، والترمذيّ في "الجامع" -يعني الحديث الذي قبله- قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث أبي هارون عن أبي سعيد. قلت: أبو هارون العبديّ ضعيف باتّفاقهم. انتهى كلام البوصيريّ.
والحديث من أفراد المصنّف أخرجه هنا ٤٤/ ٢٤٨ بهذا السند فقط، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٤٩ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنْقَزِيُّ، أنبَأَنا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ، قَالَ: كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِوَصِيَّةِ رَسُولِ الله ﷺ إِن رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لنَا: "إِنَّ النَّاسَ لَكُمْ تَبَعٌ، وَإِنَّهُمْ سَيَأْتُونكُمْ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ، يَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ، فَإِذَا جَاءُوكُمْ، فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا").
رجال هذا الإسناد، تقدّموا قريبًا غير:
١ - (عمرو بن محمد العَنْقَزِيُّ) بفتح العين المهملة، والقاف، بينهما نون ساكنة، وبالزاي، أبو سعيد الكوفي، ثقة [٩].
стр. 2115
قال ابن حبان: كان يبيع الْعَنْقَزَ، فنسب إليه، والعنقز: المرزنجوش.
روى عن عيسى بن طهمان، وابن جريج، والثوري، وإسرائيل.
وروى عنه ابناه: الحسين وقاسم، وقتيبة، وعلي بن محمد، والذهلي، وعلي بن المديني، وغيرهم.
قال أحمد والنسائي: ثقة، وقال ابن معين: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه العجلي. مات سنة (١٩٩) (خت م ٤).
و (سفيان) هو الثوري، والحديث ضعيفٌ جدّا، كما سبق الكلام عليه قبل حديث.
وقوله: "لكم تبع" بفتحتين: جمع تابع، كطَلَب: جمع طالب، وقيل: مصدر وُضع موضع الصفة مبالغة، نحو رجل عَدْلٍ.
وقوله: "من أقطار الأرض، أي من جوانبها. وقوله: "يتفقّهون": أي يطلبون الفقه. وقوله: "فاستوصوا بهم خيرًا": أي اقبلوا وصيّتي لكم بهم، وقيل: معناه: اطلبوا الوصيّة، والنصيحة لهم من أنفسكم، وفيه مبالغة، حيث أُمروا بأن يُجرّدوا من أنفسهم شخصًا آخر يطلبون منه الوصيّة في حقّ طلبة العلم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 2116
٤٥ - (بَابُ الانْتِفَاع بالْعِلْمِ، والْعَمَلِ بِهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٥٠ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدِ ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ : "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ، وَمنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد الكوفي الثقة الحافظ [١٠] ١/ ١.
٢ - (أَبُو خالِدٍ الأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يُخطىء [٨] ١/ ١١.
٣ - (ابْنُ عَجْلَانَ) محمد مولى فاطمة ينت الوليد المدنيّ، صدوقٌ اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة ﵁[٥] ٢/ ١٩.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) كيسان المقبريّ، أبو سَعْدٍ المدنيّ، ثقة، تغيّر قبل موته بأربع سنين [٣] ٣٨/ ٢١٧.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁! / ١، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: كَانَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ ) وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عند الترمذيّ، والنسائيّ بسند صحيح: "أن النبيّ ﷺ كان يتعوذ من أربع. . ." (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ) أي أعتصم، وألتجىء إليك، يقال: استعذتُ بالله، وعُذت به مَعَاذًا، وعِياذًا: اعتصمت، وتعوّذتُ به، والاستعاذة استفعال من الْعَوْذ بفتح، فسكون-، وهو الالتجاء، كالعياذ، والمعاذ، والمعاذة، والتعوّذ. أفاده في "القاموس"، و"المصباح"- (مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ) بالبناء للفاعل، أي لا ينفع صاحبه، فإن من العلم ما لا ينفعه، بل يصير حجةً عليه، وذلك بأن لا يعمل به، ولا يعلمه للناس، ولا يهذّب به أخلاقه، ولا أقواله، ولا أفعاله، أو يكون لا يُحتاج إليه، أو لم يرِدْ إذن
стр. 2117
شرعيّ في تعلّمه.
قال بعضهم في بيان العلم غير النافع: إنه الذي لا يُهذّب الأخلاق الباطنة،
فيسريَ منها إلى الأفعال الظاهرة، ويحصل بها الثواب الآجل، وأنشد [من الكامل]:
يَا مَنْ تَقَاعَدَ عَنْ مَكَارِمِ خُلْقِهِ ... لَيْسَ افتِخَارٌ بَالْعُلُومِ الذَّاخِرَهْ
مَنْ لَمْ يُهَذِّبْ عِلْمُهُ أَخْلَاقَه ... لم يَنتَفِعْ بِعُلُومِهِ في الآخِرَهْ
(وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ) بالبناء للمفعول، أي لا يستجاب، فكأنه غير مسموع، حيث لم يترتّب عليه فائدة السماع المطلوبة منه (وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ) بالبناء للفاعل، أي لا يسكن، ولا يطمئنّ بذكر الله تعالى (وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ) أي لا تقنع بما آتاها الله تعالى من الرزق، ولا تفتُرُ عن جمع المال من حلّه ومن حُرْمه؛ لما فيها من شدّة الشَّرَه، أو المراد من نفس تأكلُ كثيرًا، قال ابن الملك: أي حريصة على جمع المال، وتحصيل المناصب، وقال السنديّ: أي حريصة على الدنيا، لا تشبع منها، وأما الحرص على العلم والخير، والخير، فمحمود مطلوب، قال الله : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وسنده ضعيف؛ فقد قال النسائيّ: إن سعيدًا لم يسمعه من أبي هريرة ﵁، بل سمعه من أخيه عبّاد، عن أبي هريرة، وسيأتي للمصنّف في "كتاب الدعاء" برقم (٣٨٣٧) وأيضًا فإن محمد بن عجلان اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة ﵁، كما سبق آنفًا، وأيضًا أبو خالد الأحمر متكلّم فيه؟.
[قلت]: إنما صحّ بشواهده؛ فقد أخرجه مسلم من حديث زيد أرقم ﵁، ولفظه: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل والهرم، وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها
стр. 2118
ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها".
وأخرجه أحمد، والترمذيّ، والنسائي بسند صحيح من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ كان يتعوذ من أربع: من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع، ونفس لا تشبع".
والحاصل أن الحديث صحيح، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا (٤٥/ ٢٥٠) بهذا السند، وسيعيده في "كتاب الدعاء" من طريق سعيد بن أبي سعيد، عن أخيه عباد، عن أبي هريرة ﵁ (٣٨٣٧)، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٤٠ و ٣٥٦ و٤٥١) (وأبو داود) (١٥٤٨) و (النسائيّ) (٨/ ٢٦٣ و ٢٨٤) بالطريق الثاني، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو الانتفاع بالعلم، والعمل به، ووجه ذلك أنه لما استعاذ ﷺ من علم لا ينفع عُلم أنه لا ينبغي لطالب أن يطلب ما لا ينفعه من العلوم، وأيضًا ينبغي له أن يحذر من أن يكون له غرض دنيويّ في ذلك العلم، بل يكون همه الانتفاع به، بإزالة الجهل، ثم نفع عباد الله تعالى بتعليمهم.
ثم إن استعاذته ﷺ من علم لا ينفع موافقٌ لمعنى ما أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" من حديث أسامة بن زيد ﵄ سمعت رسول الله ﷺ قول: "يُجاء بالرجل يوم القيامة، فيُلقَى في النار، فتنْدَلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيَجتَمِع أهل النار عليه، فيقولون: أَيْ فلانُ، ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف، وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه".
٢ - (ومنها): استحباب الاستعاذة من هذه الأربع.
قال الطيبيّ ﵀: (اعلم): أن في كلّ من القران الأربع ما يُشعر بأن وجوده
стр. 2119
مبنيّ على غايته، وأن الغرض منه تلك الغاية، وذلك أن تحصيل العلم إنما هو للانتفاع به، فإذا لم ينتفع به لم يخلص منه كفافًا، بل يكون وبالًا، ولذلك استعاذ منه النبيّ ﷺ ، وأن القلب إنما خُلق لأن يتخشّع لباريه ، وينشرح لذلك الصدر، ويُقذف النور فيه، فإذا لم يكن كذلك كان قاسيًا، فيجب أن يُستعاذ منه، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]، وأن النفس يُعتدّ بها إذا تجافت عن دار الغرور، وأنابت إلى دار الخلود، وهي إذا كانت منهومة، لا تشبع، حريصةً على الدنيا كانت أعدى عدوّ المرء، فأولى الشيء الذي يستعاذ منه هي هذه النفس، وعدم استجابة الدعاء دليلٌ على أن الداعي لم ينتفع بعلمه وعمله، ولم يخشع قلبه، ولم تشبع نفسه، فيكون أولى ما يُستعاذ منه. انتهى (١).
٣ - (ومنها): أن استعاذته ﷺ من هذه الأمور إظهار للعبودية، وإعظام للربّ ، وحثّ لأمته على ذلك، وتعليم لهم، وإلا فهو ﷺ معصوم من هذه الأمور.
٤ - (ومنها): أن ما ورد في المنع عن السجع في الدعاء هو ما يكون عن قصد إليه، وتكلّف في تحصيله، بحيث يمنع من حضور القلب، وخشوعه، أما إذا اتّفق، وحصل بسبب قوّة السليقة، وفصاحة اللسان، فليس بممنوع، كما اتّفق له ﷺ في هذا الدعاء ونحوه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٥١ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْد، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ. كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقُول: "اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وَزِدْنِي عِلْمًا، وَالحمْدُ للهِ عَلَى كُل حَالٍ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الله بْنُ نُمَيْرٍ) أبو هشام الكوفيّ، ثقة سنّيّ، من كبار [٩] ٨/ ٥٢.
стр. 2120
٢ - (مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ) بن نَشيط -بفتح النون، وكسر المعجمة، بعدها تحتانيّة ساكنة، ثم مهملةٌ- الرَّبَذيّ -بفتح الراء، والموحّدة، ثم معجمة- أبو عبد العزيز المدنيّ، ضعيف، ولا سيّما في عبد الله بن دينار، وكان عابدًا، من صغار [٦].
روى عن أخويه: عبد الله ومحمد، وعبد الله بن دينار، وإياس بن سلمة بن الأكوع، وغيرهم.
قال علي بن المديني عن يحيى بن سعيد: كنا نتقي حديث موسى بن عُبيدة تلك الأيام، ثم كان بمكة، فلم نأته. وقال يحيى: أُحَدِّث عن شريك أحب إلي منه. وقال الجوزجاني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لا تحل الرواية عندي عنه، قلت: فإن شعبة رَوى عنه، فقال: حدثنا أبو عبد العزيز الرَّبَذيّ، فقال لو بان لشعبة ما بان لغيره ما روى عنه. وقال محمد بن إسحاق الصائغ عن أحمد: لا تحل الرواية عنه. وقال أحمد بن الحسن الترمذي عن أحمد: لا يكتب حديث أربعة: موسى بن عُبيدة، وإسحاق بن أبي فَرْوة، وجُويبر، وعبد الرحمن بن زياد. وقال البخاري: قال أحمد: منكر الحديث. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: اضرب على حديثه.
وقال عباس عن ابن معين: لا يحتج بحديثه، قال: فقلت له: أيما أحب إليك هو أو ابن إسحاق؟ قال ابن إسحاق. وقال معاوية بن صالح وآخرون عن ابن معين: ضعيف، إلا أنه يُكتب من أحاديثه الرقاق. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: إنما ضعف حديثه لأنه روَى عن عبد الله بن دينار مناكير. وقال أبو يعلى عن ابن معين: ليس بشيء. وقال علي بن المديني: موسى بن عبيدة ضعيف الحديث، حَدّث بأحاديث مناكير. وقال أبو زرعة: ليس بقوي الأحاديث.
وقال أبو حاتم: منكر الحديث. وقال الآجري عن أبي داود: أحاديثه مستويةٌ إلا عن عبد الله بن دينار. وقال الترمذي: يُضَعَّف. وقال النسائي: ضعيف، وقال مرة: ليس بثقة. وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، وليس بحجة. وقال يعقوب بن شيبة: صدوق، ضعيف الحديث جدّا، ومن الناس من لا يَكتُب حديثه؛ لِوَهَائه
стр. 2121
وضعفه، وكثره اختلاطه، وكان من أهل الصدق.
وقال ابن عدي: وهذه الأحاديث التي ذكرتها لموسى غير محفوظة، والضعف على رواياته بَيِّنٌ. وقال الدُّوري عن زيد بن الحُبَاب شَمِمنا من قبره رائحة المسك لمّا مات، ولم يكن بالرَّبَذَة مسك ولا عنبر، قال زيد: وكان بيته ليس فيه إلا الْخِصَاف، وفي البيت رَملٌ وحَصًى، وقال أبو بكر البزار: موسى بن عُبيدة رجل مُفيد، وليس بالحافظ، وأحسب إنما قصر به عن حفظ الحديث شغله بالعبادة. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال الساجي: منكر الحديث، وكان رجلًا صالحًا.
قال الهيثم بن عَدِيّ: موسى بن عُبيدة كان يقال له: حِمْيَريّ، تُوفي سنة ثنتين وخمسين ومائة. وقال ابن سعد وغيره: مات سنة ثلاث وخمسين.
تفرّد به الترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب (١٥) حديثًا.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ) مجهول [٦].
رَوَى عن أبي حكيم مولى الزبير، وأبي هريرة، وعنه موسى بن عُبيدة الرَّبَذيّ، قال الدُّوري عن ابن معين: لا أعرفه. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: لا نَفْهَم مَنْ محمدٌ هذا؟. وزعم يعقوب بن شيبة أنه محمد بن ثابت بن شُرَحبيل من بني عبد الدار (١).
تفرّد به الترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث، وكرره ثلاث مرات، برقم (٢٥١) و (٣٨٠٤) و (٣٨٣٣)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقُول: "اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي) أي بالعمل بالعلم الذي علّمتنيه (وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُني) أي علمًا ينفعني هو، أو العمل به في ديني وآخرتي، والمعنى: اجعلني عاملًا بعلمي، وعلّمني علمًا أعمل به،
стр. 2122
وفيه إشارة إلى معنى "من عَمِل بما عَلِم ورّثه الله علمَ ما لم يعلم" (وَزِدْنِي عِلْمًا) أي لَدُنيًّا، يتعلّق بذاتك، وأسمائك، وصفاتك، وفيه إشعار بفضيلة زيادة العلم على العمل، قاله القاري (١).
وقوله: (وَالحمْدُ لله عَلَى كُلّ حَالٍ) أي بعد زيادة العلم، وقبل أن يُزاد، وظاهر العطف يقتضي أن الجملة إنشائيّة، فلذلك عطفت على إنشائيّة (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا ضعيف الإسناد؛ لأن موسى بن عُبيدة مجمع على ضعفه، وشيخه محمد بن ثابت مجهول، لكن المتن صحيح دون جملة الحمد، فقد أخرجه النسائيّ في "الكبرى" (٧٨١٩) و"الحاكم في "المستدرك" ١/ ٥١٠ من طريق عبد الله ابن وهب، عن أسامة بن زيد، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، أنه دخل على أنس بن مالك ﵁، قال: فسمعته يذكر أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اللهم انفعني بما علّمتني، وعلّمني ما ينفعني، وارزقني علمًا تنفعني به". قال الحاكم هذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يُخرجاه، ووافقه الذهبيّ.
والحاصل أن الحديث صحيح من هذا الوجه. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٤٥/ ٢٥١) بهذا الإسناد، وسيأتي في "كتاب الدعاء" بنفس السند، بزيادة "وأعوذ بالله من حال أهل النار"، وأخرجه (عبد بن حميد) (١٤١٩) و (الترمذيّ) (٣٥٩٩)، وأخرجه النسائيّ، والحاكم من حديث أنسّ ﵁، كما
стр. 2123
أسلفته آنفًا، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو بيان الانتفاع بالعلم، وأنه هو المقصود الأعظم، ووجه ذلك أنه ﷺ ما طلب من الله تعالى أن ينفعه بعلمه، إلا لأنه المطلوب منه.
٢ - (ومنها): استحباب طلب الزيادة من العلم؛ لأنه نور يوصل لمعرفة الله تعالى ومرضاته، فقد أمر الله نبيّه بطلب الزيادة منه بقوله : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وأما الدنيا فقد نهاه أن يمدّ عينيه إلى زخارفها، فضلًا عن أن يسأله المزيد منها، فقال الله : ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾ الآية [سورة طه].
٣ - (ومنها): ما قاله الطيبيّ ﵀: طلب أولًا النفع بما رُزق من العلم، وهو العمل بمقتضاه، ثم توخّى علمًا زائدًا عليه ليترقّى منه إلى عمل زائد على ذلك، ثم قال "رب زدني علمًا" ليشير إلى طلب الزيادة في السير والسلوك إلى أن يوصله إلى مرضاته تعالى، وظهر من هذا أن العلم وسيلة العمل، وهما متلازمان، ومن ثمّ قيل: ما أمر الله تعالى رسوله ﷺ بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم، وما أحسن موقع الحمد في هذا المقام، ومعنى المزيد فيه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]، وموقع الاستعاذة من الحال المضاف إلى النار -يعني في الرواية الآتية برقم (٣٨٣٣) حيث زاد فيها قولَهَ: "وأعوذ بالله من حال أهل النار"- تلميحٌ إلى الفظيعة والبعد، وهذا من جوامع الدعاء الذي لا مطمح وراءه. انتهى كلامه بتصرّف يسير (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 2124
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٥٢ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَسُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ، قَالا: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمانَ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ، أَبِي طُوَالَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ الله، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلا لِيُصيبَ بِهِ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا، لَم يَجِدْ عَرْفَ الجنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" -يَعْني رِيحَهَا-).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في السند الماضي.
٢ - (يُوُنسُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الحافظ البغدادي ثقة ثبت، من صغار [٩] ٩/ ٧٣.
٣ - (سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ) بن مَرْوان الجوهري اللُّؤْلُؤيّ، أبو الحسين، ويقال: أبو الحسن البغداديّ، أصله من خراسان، ثقة يَهِمُ قليلًا، من كبار [١٠].
رَوَى عن فُليح بن سليمان، والحمادين، ونافع بن عُمر الْجُمَحيّ، ومحمد بن مسلم الطائفي، والحكم بن عبد الملك، وابن أبي الزناد، وهشيم، وغيرهم.
ورَوى عنه البخاري، وروى الأربعة له بواسطة محمد بن رافع، وابن أبي شيبة، وأحمد بن منيع، والفضل بن سهل الأعرج، ومحمد بن عامر المصيصي، وأبو خيثمة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأحمد بن حنبل، وغيرهم.
قال المفضل الغلابي عن ابن معين: ثقة، وسريج بن يونس أفضل منه. وقال العجلي: ثقة. وقال أبو داود: ثقة، حدثنا عنه أحمد بن حنبل، غَلِطَ في أحاديث. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان ثقة. وقال الحاكم عن الدارقطنيّ: ثقة مأمون. وقال ابن حبان في "الثقات": يُكنى أبا الحارث.
وقال حنبل بن إسحاق وغيره: مات يوم الأضحى سنة سبع عشرة ومائتين.
أخرج له الجماعة، سوى مسلم، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
стр. 2125
٤ - (فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمانَ) المدنيّ، ليّن الحديث (١) [٧] ٤٢/ ٢٤١.
٥ - (عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ، أَبِي طُوَالَةَ) -بضم الطاء المهملة- هو: عبد الله ابن عبد الرحمن بن مَعْمَر بن حَزْم بن زيد بن لَوْذان بن عمرو بن عبد عوف بن غَنْم بن مالك بن النجار الأنصاري النَّجَاري، أبو طوالة المدنيّ، كان قاضي المدينة في زمن عمر ابن عبد العزيز، ثقة [٥].
روى عن أنس، وعامر بن سعد، وأبي الحباب سعيد بن يسار، وأبي يونس مولى عائشة، ويحيى بن عمارة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء بن يسار، وغيرهم.
وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، وسليمان بن بلال، والأوزاعي، وأبو إسحاق الفزاري، وزائدة، وفليح بن سلمان، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، وابن سعد، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والدارقطني: ثقة، زاد محمد بن سعد: كثير الحديث، تُوفي في آخر سلطان بني أمية.
وقال ابن وهب: حدثني مالك عنه، قال: وكان قاضيًا، وكان يسرد الصوم، وكان يحدث حديثًا حَسَنًا.
وأَرّخ الدمياطي موته في كتاب "أنساب الخزرج" سنة أربع وثلاثين ومائة، ويدل عليه قول ابن حبان: مات في خلافة أبي العباس، وقال الدَّقّاق: لا يعرف في المحدثين مَنْ يُكنى أبا طوالة سواه. وقال ابن خِرَاش: كان صدوقًا.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٢٥٢) و (٣٢٨١) و (٤٠١٧).
٦ - (سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ) أبو الحُبَاب المدنيّ، مولى ميمونة، وقيل: مولى شُقْران، أو مولى الحسن بن علي، وقيل: مولى بني النَّجّار، والصحيح أنه غير سعيد بن مُرْجانة، ثقة، متقنٌ [٣].
стр. 2126
روى عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر، وزيد بن خالد الجهني.
وروى عنه سعيد المقبري، وسهيل بن أبي صالح، وأبو طُوَالة، وربيعة، ويحيى بن سعيد، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وابن عجلان، وغيرهم.
قال عباس الدُّوري: قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث. وقال العجليّ: مدني ثقة. وقال ابن عبد البر: لا يختلفون في توثيقه.
وقال الواقدي: مات سنة (١٦)، وقيل: سبع عشرة ومائة، وهو ابن ثمانين سنة، وقال ابن حبان: مات بالمدينة سنة سبع عشرة، كذا قال في "الثقات"، وفي نسخة أخرى سنة (١٢).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (٢٥٢) و (٨٠٠) و (١٢٠٠) و (١٨٤٢) و (٤٢٦٢) و (٤٢٦٨).
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ ١/ ١، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ" شرطيّة، أو موصولة (تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا) "من" للبيان (يُبْتَغَى) بالبناء للمفعول، أي من الذي يُطلب (بِهِ) أي بذلك العلم (وَجْهُ الله) ، وهو العلم الديني، علم الكتاب والسنة، ووسائلهما، قال الطيبيّ ﵀ ووصَفُ العلم بابتغاء وجه الله يجوز أن يكون إما للتفضلة والتمييز، فإن بعض العلوم مما يُستعاذ منه، كما ثبت من تعوّذه ﷺ من علم لا ينفع، ويجوز أن يكون للمدح، كما ورد "العلوم ثلاثة. . ."، والوعيد من باب التغليظ والتهديد، سمعت بعض العلماء الزاهدين يقول: من طلب الدنيا بالعلوم الدنيويّة كان أهون عليه من أن يطلبها بغيرها من العلوم، فهو كمن جرّ جيفة بآلة من آلات الملاهي، وذاك كمن جرّها بأوراق تلك العلوم، ومثله ما روى الإمام أحمد في "كتاب الزهد" عن بعضهم "لأن
стр. 2127
تطلب الدنيا بالدفّ والمزمار خير من أن تطلبها بدينك". انتهى (١).
وقوله: (لَا يَتَعَلَّمُهُ) جملة في محلّ نصب على الحال، من فاعل "تعلم"، أو من مفعوله؛ لتخصّصه بالوصف، ويحتمل أن يكون صفة أخرى لـ "علمًا" (إِلَّا لِيُصِيبَ) أي ينال (بِهِ) أي بذلك العلم، والاستثناء من عموم الأحوال، أي لا يتعلّمه لغرض من الأغراض إلا ليصيب به (عَرَضًا) بفتح العين المهملة، والراء: أي حظًّا مالًا أو جاهًا (مِنْ الدُّنْيَا) بيان لـ "عرضًا"، يقال: الدنيا عَرَضُ حاضرٌ يأكل منه البرّ والفاجر، ونكّره ليتناول الأنواع، ويندرج فيه قليله وكثيره، وفي "الأزهار": "الْعَرَض" بفتح العين والراء: المال، وقيل: ما يُتمتّع به، وقيل: "الْعَرْض" بالسكون: أصناف المال غير الذهب والفضّة، وبحركة الراء: جميع المال، من الذهب والفضّة، والعُروض كلّها، كذا نقله الأبهريّ.
(لَمْ يَجِدْ) حين يجد علماء الدين من مكان بعيد (عَرْفَ الْجنَّةِ) بفتح العين المهملة، وسكون الراء: أي ريحها الطيّبة المعروفة بأنها توجد من مسيرة خمسمائة عام على ما ورد في الحديث (يَوْمَ الْقِيَامَةِ -يَعْني رِيحَهَا-) هذا تفسير من بعض الرواة، وهو فُليح، كما بيّنه الحاكم في "المستدرك" ١/ ٨٥.
وهذا الوعيد محمول على من استحلّ ذلك؛ لأن تحريم طلب العلم بهذا القصد فقط مجمع عليه، ومعلوم من الدين بالضرورة، ويحتمل أن يكون الوعيد للتهديد والمبالغة، ويأتي تمام البحث فيه في الفوائد، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا صحيح.
стр. 2128
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده فُليح بن سليمان متكلّم فيه؟.
[قلت]: فُليح وإن تكلّم فيه الأكثرون، إلا أن البخاريّ ومسلمًا اعتمدا عليه، وأخرجا له، ولحديثه هذا شواهد، من حديث ابن عمر، وجابر، وأنس، وكعب بن مالك، وحُذيفة، وسيأتي معظمها في هذا الباب -إن شاء الله تعالى-، وهي وإن كان في معظم طرقها كلام، إلا أن مجموعها يتقوى بعضه ببعض، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٤٥/ ٢٥٢) بهذا السند، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٣٨) و (أبو داود) (٣٦٦٤) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٨) و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٨٥) وصححه على شرطهما، ووافقه الذهبي، و (الخطيب) في "التاريخ" (٥/ ٣٤٦ - ٣٤٧ و ٨/ ٧٨) و (ابن عبد البرّ) في "جامع بيان العلم" (٢٣٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو الانتفاع بالعلم والعمل به، ووجه ذلك أن من تعلم للدنيا لم ينتفع بعلمه، ولم يحصل له الغرض المطلوب منه.
٢ - (ومنها): أن فيه دلالةً على الوعيد المذكور لمن لم يقصد بعلمه إلا الدنيا؛ لأنه عبّر بأداة الحصر، فقال: "إلا ليصيب عرضًا إلخ"، فأما من طلب بعلمه رضا الله تعالى، ومع ذلك له ميلٌ ما إلى الدنيا، فخارج عن هذا الوعيد، قال الطيبيّ ﵀: فيه أن من تعلّم لرضا الله تعالى مع إصابة العرض الدنيويّ لا يدخل تحت الوعيد؛ لأن ابتغاء وجه الله تعالى يأبى إلا أن يكون متبوعًا غالبًا، ويكون العرض تابعًا، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ١٣٤]، ففيه تقريع وتوبيخ للمريد؛ لأن من تعلّم العلم، أو جاهد لينال عرضًا من أعراض الدنيا يجب أن يوبّخ، ويقال في حقّه: ما هذه الدناءة؟ أرضيت بالخسيس الفاني، وتركت الرفيع الباقي؟ ما لك لا تريد به وجه الله، وطلب مرضاته؛ ليمنحك ما تريده، ويتبعه
стр. 2129
هذا الخسيس أيضًا راغمًا أنفه، ففي حديث زيد بن ثابت ﵁ مرفوعًا: "من كانت الدنيا هَمَّهُ فَرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة" (١).
٣ - (ومنها): أن طلب الدنيا بعلم الفلسفة ونحوه، مما ليس بعلم شرعيّ لا يدخل في هذا الوعيد.
٤ - (ومنها): ما قاله التوربشيّ رحمه الله تعالى: قد حُمِل هذا المعنى على المبالغة في تحريم الجنة على المختصّ بهذا الوعيد، كقولك: ما شممت قُتَار (٢) قِدره للمبالغة في التبري عن تناول طعامه، أي ما شممت رائحتها، فكيف بالتناول عنها؟، وليس كذلك، فإن المختصّ بهذا الوعيد إن كان من أهل الإيمان فلا بدّ وأن يدخل الجنة، عُرِف ذلك بالنصوص الصحيحة، فتأويل هذا الحديث أن يكون تهديدًا وزجرًا عن طلب الدنيا بعمل الآخرة، وأيضًا يوم القيامة يوم موصوف، وذلك من حين يُحشر الناس إلى أن ينتهي بهم الأمر إما إلى الجنّة، وإما إلى النار، ولا يلزم من عدم وجدانها يوم القيامة فقط عدم وجدانها مطلقًا، وبيان ذلك أن الآمنين من الفزع الأكبر، وهي النفخة الأخيرة إذا وردوا القيامة يُمَدُّون برائحة الجنة تقويةً لقلوبهم وأبدانهم، وتسليةً لهمومهم وأشجانهم على مقدار حالهم في العرفة وإيقانهم، ومن تعلّم للأغراض الفانية، وكان من حقّه أن لا يتعلّمه إلا ابتغاء وجه الله يكون كمن حَدَثَ مرضٌ في دماغه يمنعه عن إدراك الروائح، فلا يجد رائحة الجنة، لما في قلبه من الأغراض المخِلّة بالقوى الإيمانيّة. انتهى (٣).
وقد سبق أن بعضهم حمله على من استحلّ ذلك، فيكون على ظاهره؛ لأن
стр. 2130
استحلال الحرام كفر.
٥ - (ومنها): أن من أشدّ ما ورد من الوعيد في طلب العلم لغير وجه الله تعالى ما أخرجه مسلم في "صحيحه"، قال رحمه الله تعالى:
حدثنا يحيى بن حبيب الحارثيّ، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا ابن جريج، حدثني يونس بن يوسف، عن سليمان بن يسار، قال: تفرق الناس عن أبي هريرة، فقال له ناتل (١) أهل الشام، أيها الشيخ حَدِّثنا حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ ، قال: نعم سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أولَ الناس يُقضَى يوم القيامة عليه رجلٌ استُشهِد، فأُتي به، فعَرَّفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدتُ، قال: كذبتَ، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أُمِر به، فسُحِب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجلٌ تَعَلَّم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأُتي به، فعَرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أُمِر يه فسُحِب على وجهه حتى أُلقي في النار، ورجلٌ وَسَّعَ اللهُ عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأُتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تُحِبُّ أن يُنفَقَ فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أُمر به، فسُحب على وجهه ثم ألقي في النار"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[تنبيه]: لمّا وجد أبو الحسن القطان ﵀ سندًا عاليا برجل على سند المصنّف في هذا الحديث، وذلك حيث وصل إلى فليح فيه بواسطتين، بدلًا من ثلاث وسائط في سند المصنف، أورده هنا، فقال:
стр. 2131
(قَالَ أَبُو الحَسَنِ أَنْبَأَنا أَبُو حَاتِمٍ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمانَ فَذَكرَ نَحْوَهُ) (قَالَ أَبُو الحسَنِ) القطّان تلميذ المصنّف (حَدَّثَنَا) وفي نسخة "أَنْبَأَنا"، وفي أخرى: "أنا" (أَبُو حَاتِمٍ) محمد بن إدريس الرازيّ الإمام الحجة (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن شُعبة، أبو عثمان الْخُراسانيّ، نزيل مكة، ثقة، مصنّفٌ، مات سنة (٢٢٧) وقيل: بعدها، من الطبقة العاشرة، أخرج له الجماعة، وله عند المصنّف حديثان فقط، وستأتي ترجمته برقم (١٦١٢) حيث يخرج له هناك -إن شاء الله تعالى- (حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمانَ، فَذَكَرَ) الضمير لسعيد بن منصور (نَحْوَهُ) أي نحو حديث يونس وسُريج بن النعمان، ويحتمل أن يكون فاعل "ذكر" ضمير شيخه أبي حاتم، أي ذكر أبو حاتم في روايته عن شيخه سعيد نحو رواية ابن ماجه عن شيخه أبي بكر بن أبي شيبة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٥٣ - (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا أَبُو كَرِبٍ الْأَزْدِيُّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُمارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَماءَ، أَوْ لِيَصْرِفَ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَهُوَ في النَّارِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ) الدمشقيّ المذكور ١/ ٥.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الكلبيّ، أبو عبد الرحمن الْقِنِّسريّ، من أهل قِنِّسرِين، وقيل: كوفيّ، وقيل: حمصيّ، ضعيف [٨].
روى عن إدريس بن صَبِيح الأودي، قال ابن عدي: إنما هو إدريس بن يزيد الأودي، وعن إسماعيل بن إبراهيم الأنصاري، وأبي إسحاق السبيعي، وأبي كَرِب الأزديّ، وغيرهم.
قال أبو زرعة: يروي أحاديث مناكير. وقال أبو حاتم: شيخ مجهول، منكر
стр. 2132
الحديث، ضعيف الحديث. وقال ابن عدي: قليل الرواية.
تفرّد به المصنّف وله عنده في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٢٥٣) و (١٥٥٣) و (٣٦٨٠).
٣ - (أَبُو كَرِبٍ الْأَزْدِيُّ) -بفتح الكاف، وكسر الراء- عن نافع، عن ابن عمر، وعنه حماد بن عبد الرحمن الكلبيّ، قال أبو حاتم مجهول [٧].
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٤ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت مشهور [٣] ١١/ ٩٩.
٥ - (ابْنُ عُمَرَ) ﵄ ١/ ٤.
شرح الحديث:
(عَنْ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "مَنْ) شرطيّة، ويحتمل أن تكون موصولة، دخلت الفاء في خبرها؛ لشبهها للشرطية (طَلَبَ الْعِلْمَ) لا لله تعالى، بل (لِيُمارِيَ) أي يجادل (بِهِ السُّفَهَاءَ) جمع سفيه، وهو قليل العقل، والمراد به الجاهل، ضعيف العقل.
قال الطيبيّ ﵀: "المماراة": المحاجّة والمجادلة، من المرية، وهو الشكّ، فإن كلّ واحد من المتحاجين يشكّ فيما يقوله صاحبه، أو يُشكّكه بما يورده على حجته، أو من المرى، وهو مسح الحالب الضرع ليستَنْزِل ما به من اللبن، فإن كلّا من المتناظرين يستخرج ما عند صاحبه.
قال: هاهنا ألفاظ متقاربة: المجاراة (١)، والمماراة، والمجادلة، فالأول محظور مطلقًا؛ لأن المجاراة المقاومة، وجعل الرجل نفسه مثل غيره، يعني لا يطلب العلم لله، بل ليقول للعلماء: أنا عالم مثلكم، ويتكبّر، ويترفّع على الناس؛ لذلك فهو مذموم كلّه، والوعيد مترتّب عليه، ولا يُستثنى منه.
стр. 2133
وأما المماراة، والمجادلة فقد يستثنى منهما، كما في قوله : ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢]، أي لا تجادل أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف إلا جدالًا ظاهرًا غير متعمّق فيه، ولا تجهّلهم، ولا تُعنّف بهم في الردّ عليهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، أي بالطريقة التي هي أحسن طرُق المجادلة، من الرفق واللين، من غير فظاظة، ولا تعنيف، والسفهاء خِفاف الأحلام، فلا تجادلهم، ولا تقل لهم: أنا أعلم، وأنتم سفهاء، فتثور الخصومة والشحناء.
ويفهم منه أن بعضًا من المراء محمود، وهو أن يماري الأستاذ التلميذ، فينظر ما مقدار فهمه، أو تحصيله، من المراء، وهو مسح الحالب الضرع، ولعلّ منه سؤالَ جبريل ﵇ رسول الله ﷺ في حضور الصحابة ﵃ ليريهم الله تعالى أنه ﷺ مليء من العلوم، وعلمه مأخوذ من الوحي، فيزيد رغبتهم، ونشاطهم فيه، وهو المعْنِيّ بقوله ﷺ : "ليُعلّمكم دينكم"، كما سبق. انتهى كلام الطيبيّ (١).
(أَوْ لِيُبَاهِيَ) أي يفاخر (بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيَصْرِفَ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ) أي يطلب العلم على نيّة تحصيل المال والجاه، وصرف وجوه عوامّ الناس إليه، وجَعْلِهم كالخدَم له، أو جَعْلِهم ناظرين إليه إذا تكلّم، متعجّبين من كلامه، مجتمعين حوله إذا جلس (فَهُوَ في النَّارِ) معناه أنه يستحقّها بلا دوام، ثم فضل الله تعالى واسع، فإن شاء عفا عنه بلا دخولها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث ابن عمر ﵄ هذا من أفراد المصنّف، وهو ضعيف الإسناد، قال البوصيريّ ﵀: وإسناده ضعيف؛ لضعف حمّاد بن عبد
стр. 2134
الرحمن، وأبي كَرِب، ورواه الترمذيّ في جامعه من حديث كعب بن مالك، وقال: حديث غريبٌ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. انتهى (١).
لكن الحديث صحيح، لشواهده، فإنه روي من حديث كعب بن مالك عند الترمذيّ، وجابر بن عبد الله، في الحديث التالي، وحديث أبي هريرة، كما سيأتي برقم (٢٦٠)، وكلها وإن كان في أسانيدها مقال، إلا أنه يتقوى بعضها ببعض (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٥٤ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَنبَأَنا يَحْيَى بْنُ أَيُوبَ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِتُبَاهُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ، وَلَا لِتُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ، وَلَا تخَيَّرُوَا بِهِ الْمجَالِسَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَالنَّارُ النَّارُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى) الذهليّ الإمام الحافظ [١١] ٢/ ١٦.
٢ - (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو: سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الْجُمَحيّ بالولاء، أبو محمد المصريّ، ثقة ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [١٠].
رَوَى عن عبد الله بن عمر العمري، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، وسليمان بن بلال، وإبراهيم بن سويد، ومالك، والليث، وغيرهم.
ورَوى عنه البخاري، وروى له هو والباقون بواسطة محمد بن يحيى الذهلي، والحسن بن علي الخلال، ومحمد بن سهل بن عسكر، ومحمد بن إسحاق الصغاني، وغيرهم.
قال أبو داود: ابن أبي مريم عندي حجة. وقال الحسين بن الحسن الرازي: سألت
стр. 2135
أحمد عمَّن أكتب بمصر؟ فقال: عن ابن أبي مريم. وقال العجلي: كان عاقلًا، لم أر بمصر أعقل منه، ومن عبد الله بن عبد الحكم. وقال أبو حاتم: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن معين: ثقة من الثقات. وقال الحاكم عن الدارقطني: قال النسائي: سعيد بن عُفير صالحٌ، وسعيد بن الحكم لا بأس به، وهو أحب إلي من ابن عُفير.
وقال ابن يونس: كان فقيهًا، وُلد سنة (١٤٤)، ومات سنة أربع وعشرين ومائتين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا.
٢ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الغافقيّ، أبو العباس المصريّ، صدوقٌ، ربما أخطأ [٧] ٤٢/ ٢٤٠.
٣ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، المكيّ، ثقة فقيه فاضلٌ، يدلّس ويرسل [٦] ١٠/ ٩٢.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْر) هو: محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ يدلّس [٤] ٤/ ٣٣.
٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله) بن عمرو بن حَرَام ﵄ ١/ ١١.
وقوله: "لا تعلّموا" أصله لا تتعلّموا، فحذف منه إحدى التاءين، كما قال في "الخلاصة":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدِ يُقْتَصَرْ ... فِيهِ عَلَى تَا كتبَيَّنُ الْعِبَرْ
وأما قول السنديّ: ويحتمل أنه من العلم، فغير صحيح، كما استبعده هو.
وقوله: "ولا تخيّروا به المجالس" أي لا تختاروا به خيار المجالس، وصدورها.
وقوله: "فالنار" أي فله النار، أو فيستحقّ النار، فـ "النّارُ" مرفوع على الأول، ومنصوب على الثاني، وتمام شرح الحديث سبق في الحديث الماضي.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا من أفراد المصنّف، وهو صحيح، قال البوصيريّ: هذا إسناد رجاله ثقات، على شرط مسلم.
стр. 2136
انتهى (١).
وهو كما قال، لكن فيه عنعنة ابن جريج، وأبي الزبير، وهما مدلّسان، لكن الحديث صحيح بشواهده، كما أسلفنا الكلام فيه في الحديث الماضي.
وأخرجه (ابن حبان) في "صحيحه" (٧٧) و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٨٦) و (ابن عبد البرّ) في "جامع العلم" (٢٢٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٥٥ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، أَنبَأَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَن يَحْيَىَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكِنْدِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَ أُناسًا مِنْ أُمَّتِي سيَتَفَقَّهُونَ في الدِّينِ، وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيَقُولُونَ: نَأْتِي الْأُمَرَاءَ، فَنُصِيبُ مِن دُنْيَاهُمْ، وَنَعْتَزِلهُمْ بدِينِنَا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ، كَما لَا يُجْتَنَى مِن الْقتادِ إِلا الشَّوْكُ، كَذَلِكَ لَا يُجْتَنَى مِنْ قُرْبِهِمْ، إِلَّا" -قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ-: كَأَنَّهُ يَعْنِي الخطَايَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) بن سفيان الجَرْجرائيّ، صدوقٌ [١٠] ١/ ٢.
٢ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ) أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقة كثير التدليس والتسوية [٨] ٦/ ٤٢.
٣ - (يَحْيَىَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكِنْدِيُّ) أو الكنانيّ، أبو شيبة المصريّ، صدوقٌ [٦].
رَوَى عن عمر بن عبد العزيز، وعبيد الله بن المغيرة بن أبي بردة، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وحبان بن أبي جبلة، وزيد بن أبي أنيسة، وغيرهم.
وروى عنه الوليد بن مسلم، وهشيم، وأبو صالح المصري، إلا أن هشيما قَلَبَ اسمه، فقال: عبد الرحمن يحيى، قال البخاري: وغلط فيه هُشيم، وقال أبو القاسم
стр. 2137
الطبراني: ذِكْرُ ما انتهى إلينا من مسند أبي شيبة، يحيى بن عبد الرحمن الكنديّ، وكان ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات".
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٤ - (عُبَيْدُ الله بْنُ أَبِي بُرْدَةَ) هو: عبيد الله بن المغيرة بن أبي بردة الكناني، نُسب إلى جده، ويقال له: عبدَ الله مكبّرًا أيضًا، مقبول [٤].
رَوَى عن ابن عباس، وعنه أبو شيبة يحيى بن عبد الرحمن الكنديّ.
قال الحافظ: الذي في عدة نسخ من "سنن ابن ماجه" في الوجه الذي أخرجه منه ابن ماجه: "عن عبيد الله بن أبي بردة"، وقد رواه الطبراني من الوجه الذي أخرجه منه ابن ماجه، فقال: "عن عبيد الله بن المغيرة بن أبي بردة" به.
أخرجه الضياء في "المختارة"، ومقتضاه أن يكون عبيد الله عنده ثقة. انتهى (١).
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ٣/ ٢٧، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "إِنَّ أُنَاسًا مِنْ أُمَّتِي سَيَتَفَقَّهُونَ في الدِّينِ) أي يدّعون الفقه في الدين (وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيَقُولُونَ: نَأْتِي الْأُمَرَاءَ، فَنُصِيبُ مِنْ دُنْيَاهُمْ، وَنَعْتَزِلهُمْ بِدِينِنَا) أي نجانبهم في الدين بحيث لا يُصيب ديننا نقص من جهتهم (وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ) أي لا يتحقق لهم ذلك الذي أرادوه، وهو الإصابة من دنياهم، والابتعاد بدينهم عنهم (كَما لَا يُجْتَنَى) بالبناء للمفعول، من جَنَى الثمرة: إذا تناولها من الشجرة (مِنْ الْقَتَادِ) بفتح القاف، وتخفيف التاء الفوقيّة: شجرٌ له شوك، لا يكون له ثمرٌ، سوى الشوك، فنبه بهذا التمثيل على أن قرب الأمراء لا يفيد سوى المضرّة الدينيّة أصلًا، وهذا إما مبنيّ على أن ما قُدّر له من الدنيا
стр. 2138
فهو آتٍ لا محالةَ، سواء أتى أبواب الأمراء، أم لا، فحينئذ ما بقي في إتيان أبوابهم فائدة إلا المضرّة المحضة، أو على أن النفع الدنيويّ الحاصل بصحبتهم بالنظر إلى الضرر الدينيّ كلا شيء، فما بقي إلا الضرر. وعن محمد بن أبي سلمة: الذباب على العذرات أحسن من قارىء على أبواب هؤلاء (١).
(إِلَّا الشَّوْكُ) بالرفع على أنه نائب فاعل "يُجتنى" (كَذَلِكَ لَا يُجْتَنَى) بالبناء للمفعول أيضًا (مِنْ قُرْبِهِمْ، إِلَّا") بحذف المستثنى، والاكتفاء بأداته؛ لوضوحه (قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) شيخ المصنّف مفسّرًا للمستثنى المحذوف (كَأَنَّهُ) أي كأن النبيّ ﷺ (يَعْنِي) أي يقصد (الْخطَايَا) يعني أنه أراد إلا الخطايا. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد (المصنّف)، أخرجه هنا (٤٥/ ٢٥٥) بهذا الإسناد، وهو ضعيف؛ قال البوصيريّ ﵀: هذا إسناد ضعيفٌ، عبيد الله بن أبي بردة لا يُعرف، لكن قال عبد العظيم المنذريّ في "كتاب الترغيب": إن جميع رواته ثقات. انتهى (٢).
وقول المنذريّ فيه نظر لا يخفى؛ لأن عبيد الله هذا لم يرو عنه سوى يحيى بن عبد الرحمن، فلا يزال مجهولًا، ولعله استند إلى ما سبق من أن الضياء أخرج له في "المختارة"، وفيه نظر أيضًا.
والحاصل أن الحديث ضعيف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلي الإمام ابن مَاجَه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٥٦ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ سَيْفٍ، عَنْ أَبِي مُعَاذِ الْبَصْرِيِّ. . .
(ح) وحَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ سَيْفٍ، عَنْ
стр. 2139
أَبِي مُعَاذٍ الْبَصْرِيِّ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ جُبِّ الْحُزْنِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَمَا جُبُّ الْحُزْنِ؟ قَالَ: وَادٍ فِيَ جَهَنَّمَ، تَعَوَّذُ مِنْهُ جَهَنَّمُ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَ مِائَةِ مَرَّةٍ؟، قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، مَنْ يَدْخُلُهُ؟ قَالَ: "أُعِدَّ لِلْقُرَّاءِ المُرَائِينَ بِأَعْمَالهِمْ، وَإِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الْقُرَّاءِ إِلَى الله الَّذِينَ يَزُورُونَ الْأُمَرَاءَ -قَالَ المُحَارِبِيُّ-: الْجَوَرَةَ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ) الطنافسيّ الكوفيّ، ثقة عابد [١٠] ٩/ ٥٧.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بن سَمُرة الأحمسيّ، أبو جعفر السرّاج الكوفيّ، ثقة [١٠] ٩/ ٦٥.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) السَّلُوليّ -بفتح السين المهملة، ولامين- مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ، تُكُلّم فيه للتشيّع [٩].
روى عن إسرائيل، وزهير بن معاوية، وإبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق السبيعي، والحسن بن صالح، وداود بن نصير الطائي، وهريم بن سفيان، وغيرهم.
وروى عنه أبو نعيم، وهو من أقرانه، وابنا أبي شيبة، وعباس العنبري، وأبو كريب، وابن نمير، والقاسم بن زكريا بن دينار، وأحمد بن سعيد الرِّبَاطي، وعباس الدُّوري، ويعقوب بن شيبة السدوسي، وجماعة.
قال ابن معين: ليس به بأس. وقال العجلي: كوفي ثقة، وكان فيه تشيع، وقد كتبت عنه. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال البخاري: مات سنة (٢٠٤)، وقال أبو داود وغيره: مات سنة (٢٠٥).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط، برقم (٢٥٦) و (٢٥٣٢) و (٢٦٧٩) و (٢٧٧٩) و (٣٣٥٤) و (٣٦٢٧) و (٣٦٣٣) و (٣٧٥٢) و (٤١٩٥).
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ بنِ زِيَادٍ المُحَارِبِيُّ) أبو محمد الكوفيّ، لا بأس به، وكان
стр. 2140
يدلّس [٩].
رَوَى عن إبراهيم بن مسلم الهجري، وإسماعيل بن أبي خالد، والحجاج بن أرطاة، وسلّام الطويل، والأعمش، وإسماعيل بن مسلم المكي، وعباد بن كثير، وغيرهم.
وروى عنه أحمد بن حنبل، وهناد بن السري، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو سعيد الأشجّ، وأحمد بن حرب الموصلي، وعلي بن محمد الطنافسي، وغيرهم.
قال ابن معين، والنسائي: ثقة، وقال النسائي أيضًا: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صدوق إذا حدث عن الثقات، ويروي عن المجهولين أحاديث منكرة، فيُفْسِد حديثه. وقال محمود بن غيلان: قيل لوكيع: مات عبد الرحمن المحاربي، فقال: ﵀ ما كان أحفظه لهذه الأحاديث الطوال!. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال البخاري عن محمود بن غيلان: مات سنة خمس وتسعين ومائة، وكذا أَرّخه ابن سعد، وقال: كان ثقةً كثير الغلط. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: هو صدوق، ولكنه هو كذا ضعَفه. وقال البزار، والدارقطني: ثقة. وقال عثمان الدارمي: سألت ابن معين عنه، فقال: ليس به بأس، قال عثمان: وعبد الرحمن ليس بذاك. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: بلغنا أنه كان يُدَلِّس، ولا نعلمه سمع من معمر.
وقال عبد الله بن محمد عن عاصم: حدثنا، فقال: لعله سمعه من سيف بن محمد عن عاصم -يعني فدلسه-. وقال العجلي: كان يُدَلِّس، أنكر أحمد حديثه عن معمر. وقال العجلي: لا بأس به. وقال الساجي: صدوق يَهِم.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٦) حديثًا.
٥ - (عَمَّارُ بْنُ سَيْفٍ) الضَّبِّيِّ -بالمعجمة، ثم الموحدة- أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ضعيف الحديث، وكان عابدًا [٩].
روى عن أبي معان البصير، وابن أبي ليلى، وهشام بن عروة، والأعمش، وعاصم الأحول، والثوري، وإليه كان الثوري أوصى.