وكذلك حمل حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما جمع رسول الله ﷺ الظهر والعصر في المدينة بلا خوف، ولا مطر"، مع احتمال الجمع الصوريّ على الجمع الحقيقي؛ مخالفة لإجماع الأمة، والنصّ الناطق: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وهكذا كلّ من خالف الإجماع من أهل الأهواء بظاهر النصوص من الْفِرَق الضّالّة، فهذا الحديث منطبقٌ عليه؛ لأنه أَوَّلَ النصّ على مراده، واللازم أن يُحمَل على الرسول ﷺ ما هو مناسبٌ لورعه وتقواه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حمل حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذا على الجمع الصوريّ غير صحيح، ودعوى الإجماع على هذا باطلة؛ لأن حمله على الجمع الحقيقيّ مذهب بعض السلف، ومنهم ابن عبّاس الراوي له، فالحقّ جوازه لمن لا يتّخذه عادة، وقد حقّقت القول في ذلك فيما كتبته على النسائيّ، فراجعه تستفد. والله تعالى وليّ التوفيق.
قال: أو "فظُنُّوا" برسول الله ﷺ الذي يَليق بشأنه من الهدى والتقى، فإنه لا يأمرنا إلا بالخير، وإن كان بعض الأمور مخالفًا للطبع والعادة؛ فإن النفس مجبولة على الشرّ، ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢١٦]. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلقّ بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا ضعيف؛ للانقطاع بين عون ابن عبد الله وابن مسعود ﵁، كما سبق بيانه، وهو صحيحٌ من حديث عليّ ﵁ الآتي بعده، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٢/ ١٩) بهذا الإسناد فقط، وأخرجه (أحمد) في "مسند
стр. 282
المكثرين" (٣٤٦٣ و ٣٧٤٤) و (الدارميّ) في "المقدّمة" (٥٩١) والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان وجوب تعظيم حديث رسول الله ﷺ .
٢ - (ومنها): أن الواجب على المسلم إذا سمع حديث رسول الله ﷺ ، أن يُجلّه، ويعتقد فيه الخير كلّ الخير، ويرى الشرّ كلَّ الشرّ في مخالفته.
٣ - (ومنها): أن الواجب عليه أن يعتقد في النبيّ ﷺ ما يليق بعظيم رتبته، وجسيم مكانته، من الهدى، والبرّ، والتقوى، ولا يراه كأحد من الناس.
٤ - (ومنها): أنه لا ينبغي أن يحمِل حديثه ﷺ إلا على المحامل الحسنة الموافقة لما جاء به من الهداية والإرشاد، فلا يسيء ظنه به، وإن كان ظاهره لا يوافق هواه؛ لأن الخير كلّ الخير فيما جاء به، لا فيما تهواه نفسه؛ لأنها أمّارة بالسوء، ففي التنزيل العزيز: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] وروي عنه ﷺ أنه قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به"، والحديث وإن كان فيه كلام، إلا أن الحديث المتّفق عليه، يؤيّده، وهو قوله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده، وولده، والناس أجمعين". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ المذكور أول الكتاب قال:
٢٠ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: "إِذَا حَدَّثْتُكُمْ (١) عَنْ رَسُولِ الله ﷺ حَدِيثًا، فَظُنُّوا بِهِ الَّذِي هُوَ أَهْنَاهُ، وَأَهْدَاهُ، وَأَتْقَاهُ").
стр. 283
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن بشّار) العبديّ، أبو بكر البصريّ، المعروف ببندار، ثقة حافظ [١٠] ١/ ٦.
٢ - (يحيى بن سعيد) القطّان الإمام الحجة المذكور في السند الماضي.
٣ - (شعبة) بن الحجّاج البصريّ الإمام الثقة الثبت الحجة [٧] ١/ ٦.
٤ - (عمرو بن مُرّة) بن عبد الله بن طارق بن الحارث بن سلمة بن كعب بن وائل ابن جمل بن كنانة بن ناجية بن مراد الْجَمَليّ -بفتح الجيم والميم- المراديّ، أبو عبد الله الكوفيّ الأعمى، ثقة عابد، كان لا يُدلّس، ورُمي بالإرجاء [٥].
رَوَى عن عبد الله بن أبي أوفى، وأبي وائل، ومرة الطيب، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن ابن أبي ليلى، وعبد الله بن الحارث النجراني، وعمرو بن ميمون الأودي، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه عبد الله، وأبو إسحاق السبيعي، وهو أكبر منه، والأعمش، ومنصور، وزيد بن أبي أنيسة، ومسعر، والعلاء بن المسيب، وإدريس بن يزيد الأودي، والأوزاعي، والمسعودي، وحصين بن عبد الرحمن، وغيرهم،
قال البخاري عن علي: له نحو مائتي حديث. وقال سعيد الأُرَاطيّ (١): زَكّاه أحمد ابن حنبل. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، كان يرى الإرجاء. وقال حفص بن غياث: ما سمعت الأعمش يُثني على أحد إلا على عمرو بن مرة، فإنه كان يقول: كان مأمونا على ما عنده. وقال بقية عن شعبة: كان أكثرهم علمًا. وقال معاذ بن معاذ عن شعبة: ما رأيت أحدًا من أصحاب الحديث إلا يدلس إلا ابن عون، وعمرو ابن مرة. وقال قُرَاد عن شعبة: ما رأيت عمرو بن مرة في صلاة قط، إلا ظننت أنه لا ينفتل حتى يستجاب له. وقال عبد الملك بن ميسرة في جنازته: إني لأحسبه خير أهل
стр. 284
الأرض. وقال مسعر: لم يكن بالكوفة أحب إلي، ولا أفضل منه. وقال ابن عيينة عن مسعر: كان عمرو من معادن الصدق. وقال عبد الرحمن بن مهدي: أربعة بالكوفة لا يختلف في حديثهم، فمن اختلف عليهم، فهو يخطىء، منهم: عمرو بن مرة. وقال جرير عن مغيرة: لم يزل في الناس بقية حتى دخل عمرو في الإرجاء، فتهافت الناس فيه. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يُكنى أبا عبد الرحمن، وكان مرجئًا. ووثقه ابن نمير، ويعقوب بن سفيان. وقال أبو نعيم، وأحمد بن حنبل: مات سنة (١١٦)، وقيل: مات سنة (١١٨). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٦) حديثًا.
٥ - (أبو الْبَخْتَريّ) -بفتح الموحّدة، والمثنّاة، بينهما خاء معجمة ساكنة- سعيد بن فيروز ابن أبي عمران الطائيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبتٌ، فيه تشيّعٌ قليل، كثير الإرسال [٣].
رَوَى عن أبيه، وابن عباس، وابن عمر، وأبي سعيد، وأبي كبشة، وأبي برزة، ويعلى بن مرة، وأبي عبد الرحمن السُّلَمِيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه عمرو بن مرة، وعبد الأعلى بن عامر، وعطاء بن السائب، وسلمة بن كهيل، ويونس بن خَبّاب، وخبيب بن أبي ثابت، ويزيد بن أبي زياد، وغيرهم.
قال عبد الله بن شعيب عن ابن معين: أبو البختري الطائي اسمه: سعيد، وهو ثبت، ولم يسمع من علي شيئًا. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة. وكذا قال أبو زرعة. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق. وقال أبو داود: لم يسمع من أبي سعيد. وقال فطر ابن خليفة عن حبيب بن أبي ثابت: اجتمعت أنا وسعيد بن جبير، وأبو البختري، فكان الطائي أعلمنا وأفقهنا. وقال هلال بن خباب: كان من أفاضل أهل الكوفة. قال أبو نعيم مات في الجماجم سنة (٨٣). وقال ابن سعد: قُتل بدُجَيل مع ابن الأشعث سنة (٨٣)، وكان كثير الحديث يُرسل حديثه، ويَروي عن الصحابة، ولم يسمع من كثير أحد، فما كان من حديثه سماعًا، فهو حسن، وما كان غيره فهو ضعيف. وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل" عن أبيه: لم يدرك أبا ذر، ولا أبا سعيد، ولا زيد بن ثابت، ولا رافع
стр. 285
ابن خديج، وهو عن عائشة مرسل. وقال أبو زرعة: هو عن عمر مرسل. وذكره ابن حبان في "الثقات"، فقال: سعيد بن فيروز، ويقال: سعيد بن عمران، وقيل: غير ذلك. وقال العجلي: تابعي ثقة، فيه تشيع. ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير. وقال أبو أحمد الحاكم في "الكنى": ليس بالقوي عندهم، كذا قال، وهو سهو. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث، برقم ٢٠ و ١٨٢٢ و٢٣٠١ و٢٨٧٥ و ٣٩٩٨.
٦ - (أبو عبد الرحمن السُّلَميّ) (١) عبد الله بن حبيب بن رُبَيعة -بضم الراء، وفتح الموحّدة، وتشديد الياء المكسورة، مصغّرًا- الكوفيّ المقرىء، مشهور بكنيته، ولأبيه صحبة، ثقة ثبتٌ [٢].
رَوَى عن عمر، وعثمان، وعلي، وسعد، وخالد بن الوليد، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي موسى الأشعري، وأبي الدرداء، وأبي هريرة ﵃. ورَوَى عنه إبراهيم النخعي، وعلقمة بن مرثد، وسعد بن عبيدة، وأبو إسحاق السبيعي، وسعيد ابن جبير، وأبو الحصين الأسدي، وعطاء بن السائب، وعبد الأعلى بن عامر، وعبد الملك بن أعين، ومسلم البطين، وأبو البختري الطائي، وعاصم بن بهدلة، وغيرهم.
قال أبو إسحاق السبيعي: أقرأ القرآن في المسجد أربعين سنة. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال أبو داود: كان أعمى. وقال النسائي: ثقة. وقال حجاج بن محمد عن شعبة: لم يسمع من ابن مسعود، ولا من عثمان، ولكن سمع من علي. وقال ابن سعد: توفي زمن بشر بن مروان. وقيل: مات سنة (٧٢). وقيل: سبعين. وقال ابن قانع: مات سنة خمس وثمانين، وهو ابن (٩٠) سنة. وقال عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن: صمت لله ثمانين رمضان. وذكره البخاري في "الأوسط" في فصل من مات بين السبعين إلى الثمانين، وقال: روى عن أبيه. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ليس تثبت
стр. 286
روايته عن علي، فقيل له: سمع من عثمان؟ قال: روى عنه، ولم يذكر سماعًا. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: لم يسمع من عمر، وقال البخاري في "تاريخه الكبير": سمع عليا، وعثمان، وابن مسعود. وقال بن سعد: قال محمد بن عمر: كان ثقة، كثير الحديث. وقال غيره عن الواقدي: شهد مع علي صِفِّين، ثم صار عثمانيا، ومات في سلطان الوليد بن عبد الملك، وكان من أصحاب ابن مسعود. وقال ابن عبد البر: هو عند جميعهم ثقة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث، برقم ٢٠ و٧٥ و ٢٠٧و٢٠٨ و ٨٠٠ و٢٠٨٠و٣٤٢٩ و ٣٦٥٣.
٧ - (عليّ بن أبي طالب) واسم أبيه عبد مناف -على المشهور- ابن عبد المطلب بن هاشم ابن عبد مناف القرشي الهاشمي، أبو الحسن، أول الناس إسلاما، في قول كثير من أهل العلم، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وهي أول هاشميّة وَلَدت هاشميًّا، أسلمت، وهاجرت إلى المدينة، وتُوفّيت في حياة النبيّ ﷺ ، وصلّى عليها النبيّ ﷺ ، ونزل قبرها ﵂.
وُلد عليّ ﵁ قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح، فرُبِّي في حجر النبي ﷺ ، ولم يفارقه، وشهد معه المشاهد إلا غزوة تبوك، فقال له بسبب تأخيره له بالمدينة: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى"، وزوجه بنته فاطمة، وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد، ولمّا آخى النبي ﷺ بين أصحابه قال له: "أنت أخي"، ومناقبه كثيرة، حتى قال الإمام أحمد: لم يُنقل لأحد من الصحابة ما نقل لعلي. وقال غيره: وكان سبب ذلك بغض بني أمية له، فكان كل من كان عنده علم من شيء من مناقبه من الصحابة يثبته، وكلما أرادوا إخماده، وهدّدوا من حدث بمناقبه لا يزداد إلا انتشارًا. وقد وَلَّدَ له الرافضة مناقب موضوعة، هو غنى عنها، وتتبع النسائي ما خُصّ به من دون الصحابة، فجمع من ذلك شيئا كثيرًا، بأسانيد أكثرها جياد. رَوَى عن النبي ﷺ كثيرًا، وروى عنه من الصحابة ولداه: الحسن والحسين، وابن مسعود، وأبو موسى، وابن عباس، وأبو رافع، وابن عمر، وأبو سعيد، وصهيب، وزيد بن أرقم، وجرير، وأبو أمامة، وأبو
стр. 287
جحيفة، والبراء بن عازب، وأبو الطفيل، وآخرون.
ومن التابعين من المخضرمين أو من له رؤية: عبد الله بن شداد بن الهاد، وطارق ابن شهاب، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، ومسعود بن الحكم، ومروان بن الحكم، وآخرون.
وكان قد اشتهر بالفروسية والشجاعة والإقدام، وكان أحد الشورى الذين نَصَّ عليهم عمر، فعرضها عليه عبد الرحمن بن عوف، وشرط عليه شروطا، امتنع من بعضها، فعدل عنه إلى عثمان، فقبلها فولاه، وسَلَّمَ علي، وبايع عثمان، ولم يزل بعد النبي ﷺ متصديًا لنشر العلم والفتيا، فلما قُتل عثمان بايعه الناس، ثم كان من قيام جماعة من الصحابة منهم: طلحة، والزبير، وعائشة، في طلب دم عثمان، فكان من وقعة الجمل ما اشتهر، ثم قام معاوية في أهل الشام، وكان أميرها لعثمان، ولعمر من قبله، فدعا إلى الطلب بدم عثمان، فكان من وقعة صِفِّين ما كان، وكان رأى عليّ أنهم يدخلون في الطاعة، ثم يقوم ولي دم عثمان، فيدعى به عنده، ثم يعمل معه ما يوجبه حكم الشريعة المطهرة، وكان من خالفه يقول له: تتبعهم، واقتلهم، فيرى أن القصاص بغير دعوى، ولا إقامة بينة لا يتجه، وكُلٌّ من الفريقين مجتهد. وكان من الصحابة فريق لم يدخلوا في شيء من القتال، وظهر بقتل عمار أن الصواب كان مع علي، واتفق على ذلك أهل السنة بعد اختلاف كان في القديم، ولله الحمد.
وكان قتل علي في ليلة السابع عشر من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة، ومدة خلافته خمس سنين، إلا ثلاثة أشهر ونصف شهر؛ لأنه بويع بعد قتل عثمان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وكانت وقعة الجمل في جمادى سنة ست وثلاثين، ووقعة صفين في سنة سبع وثلاثين، ووقعة النهروان مع الخوارج في سنة ثمان وثلاثين، ثم أقام سنتين يُحَرِّض على قتال البغاة، فلم يتهيأ ذلك إلى أن مات ﵁ (١). أخرج له الجماعة،
стр. 288
وروى (٥٨٦) حديثًا، اتفق الشيخان على (٢٠) وانفرد البخاريّ بـ (٩) ومسلم بـ (١٥) حديثًا، وله في هذا الكتاب (١٠٩) أحاديث. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، والباقون كوفيّون.
٤ - (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا.
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: عمرو، عن أبي الْبَخْتَريّ، عن أبي عبد الرحمن السُّلَميّ.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه أحد الخلفاء الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفّي رسول الله ﷺ ، وهو عنهم راض، وأحد السابقين إلى الإسلام، وابن عم المصطفى ﷺ ، وزوج ابنته، وأقضى الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وهو المشهور بلقب أبي تراب، لقبّه به النبيّ ﷺ ، لمّا وجده نائمًا في المسجد، وقد سقط رداؤه، وأصابه التراب، والقصّة مشهورة في "الصحيحين"، وغيرهما، وأنه أخو رسول الله ﷺ بالمؤاخاة، وهو أبو السبطين، وأول هاشميّ وُلد بين هاشميين، وأول خليفة من بني هاشم، وأحد العلماء الربانيين، وأحد الشجعان المشهورين، والزهّاد المذكورين، شهد مع رسول الله ﷺ المشاهد كلها، إلا تبوك، كما تقدّم.
وأما شرح الحديث، وبيان فوائده فقد تقدّما في الحديث الذي قبله، فلا حاجة إلى إعادتهما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عليّ رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
стр. 289
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٢/ ٢٠) بهذا الإسناد فقط، وأخرجه أحمد في "مسنده العشرة" (٩٣٨ و ٩٨٨ و ١٠٢٧ و ١٠٣٨) (الدارميّ) في "المقدّمة" (٥٩٢).
وقال الحافظ البوصيريّ رحمه الله تعالى في "مصباح الزجاجة": هذا إسناد صحيح، رجاله محتجّ بهم في "الصحيحين"، ورواه أبو داود الطيالسيّ في "مسنده" عن شعبة بإسناده ومتنه. ورواه مسدّد في "مسنده" عن يحيى، عن مسعر، عن عمرو بن مرّة، فذكره بإسناده ومتنه. ورواه أحمد بن منيع في "مسنده": حدثنا أبو قَطَن، قال: حدّثنا شعبة، فذكره، وزاد: "فخرج إلينا حين يوم (كذا (١)) المؤذّن، فقال: أين السائل عن الوتر؟، هذا حينُ وترٍ حسن. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ المذكور أول الكتاب قال:
٢١ - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ، حَدَّثَنَا المقْبُرِيُّ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: "لَا أَعْرِفَنَّ مَا يُحَدَّثُ أَحَدُكُمْ عَنِّي الحدِيثَ، وَهُوَ مُتِّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ، فَيَقُولُ: اقْرَأْ قُرْآنًا، مَا قِيلَ مِنْ قَوْلٍ حَسَنٍ، فَأَنَا قُلْتُهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عليّ بن المنذر) بن زيد الأوديّ، ويقال: الأسديّ، أبو الحسن الكوفيّ الطَّرِيقيّ -بفتح الطاء المهملة، وكسر الراء، بعدها تحتانيّة ساكنة، ثم قاف- الكوفيّ، صدوقٌ يتشيّع [١٠].
رَوَى عن أبيه، وابن عيينة، وابن فضيل، وابن نمير، ووكيع، والوليد بن مسلم وإسحاق بن منصور السلولي، وأبي غسان النهدي، وجماعة. وروى عنه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ومطين، ومحمد بن يحيى بن منده، وزكرياء السجزي، وغيرهم.
стр. 290
قال ابن أبي حاتم: سمعت منه مع أبي، وهو صدوق ثقة، سئل عنه أبي؟ فقال: محله الصدق. وقال ابن نمير: هو ثقة صدوق. وقال النسائي: شيعي محض ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الإسماعيلي: في القلب منه شيء، لَسْتُ أَخْبُرُهُ. وقال ابن ماجه: سمعته يقول: حججت ثمانيا وخمسين حجة، أكثرها راجلًا (١). وذكر ابن السمعاني أنه قيل له: "الطَّرِيقيّ"، لأنه وُلد بالطريق. وقال الدارقطني: لا بأس به، وكذا قال مسلمة بن قاسم، وزاد: كان يتشيع. وقال مطين: مات في ربيع الآخر سنة ست وخمسين ومائتين. تفرّد به الترمذيّ، والنسائيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب ثمانية عشر حديثًا.
٢ - (محمد بن الفضيل) بن غَزْوان -بفتح المعجمة، وسكون الزاي- ابن جرير الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ، عارفٌ، رُمي بالتشيّع [٩].
رَوَى عن أبيه، وإسماعيل بن أبي خالد، وعاصم الأحول، والمختار بن فلفل، وأبي إسحاق الشيباني، وأبي مالك الأشجعي، وخلق كثير.
وروى عنه الثوري، وهو أكبر منه، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأحمد ابن إشكاب الصفار، وأحمد بن عمر الوكيعي، وأبو خيثمة، وقتيبة، وغيرهم.
قال حرب عن أحمد: كان يتشيع، وكان حسن الحديث. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: صدوق من أهل العلم. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو داود: كان شيعيا محترقًا. ذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال: كان يغلو في التشيع.
وقال ابن سعد: كان ثقة، صدوقًا، كثير الحديث، متشيعا، وبعضهم لا يحتج به. وقال العجلي: كوفي ثقة شيعي. وكان أبوه ثقة، وكان عثمانيا. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال علي بن المديني: كان ثقة ثبتا في الحديث. وقال الدارقطني: كان ثبتا في
стр. 291
الحديث، إلا أنه كان منحرفا عن عثمان. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة شيعي. وقال أبو هاشم الرفاعي: سمعت ابن فضيل يقول: رَحِمَ الله عثمان، ولا رَحِمَ من لا يترحم عليه. قال: وسمعته يحلف بالله أنه صاحب سنة، رأيت على خفه أثر المسح، وصليت خلفه ما لا يحصى، فلم أسمعه يجهر يعني بالبسملة. وقال الحافظ: صَنّفَ مصنفات في العلم، وقرأ القراءات على حمزة الزيات.
قال ابن سعد، وأبو داود: توفي سنة أربع وتسعين، زاد أبو داود: في أولها. وقال البخاري، وغير واحد: مات سنة خمس وتسعين ومائتين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦١) حديثًا.
٣ - (المقبريّ) هو عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد كيسان، أبو عبّاد الليثيّ مولاهم المدني، متروك [٧].
رَوَى عن أبيه، وجده، وعبد الله بن أبي قتادة. ورَوَى عنه حفص بن غياث، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، ومُعارك بن عباد، وهشيم، ومروان بن معاوية، ووهب ابن إسماعيل الأسدي، ومحمد بن فضيل، وغيرهم.
قال عمرو بن علي: كان عبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد، لا يحدثان عنه. وقال أبو قدامة عن يحيى بن سعيد: جلست إليه مجلسًا، فعرفت فيه -يعني الكذب-. قال أبو طالب عن أحمد: منكر الحديث متروك الحديث وكذا قال عمرو بن علي. وقال عباس الدوري عن ابن معين: ضعيف، وقال الدارمي عن ابن معين: ليس بشيء. وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن يحيى: لا يكتب حديثه. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، لا يوقف منه على شيء. وقال أبو: حاتم: ليس بقوي وقال البخاري. تركوه. وقال النسائي: ليس بثقة، تركه يحيى، وعبد الرحمن. وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث. وقال ابن عدي: وعامة ما يرويه الضعفُ عليه بَيِّنٌ وضعفه ابن الْبَرْقِيّ، ويعقوب بن سفيان، وأبو داود، والساجي، وقال الدارقطني: متروك، ذاهب الحديث. وقال ابن حبان: كان يقلب الأخبار، حتى يَسْبِقَ إلى القلب أنه المُتَعِّمد لها. وقال البزار:
стр. 292
فيه لين. تفرّد به الترمذيّ (١)، والمصنّف، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث برقم ٢١ و ٢٥٦ و ٩٥٨ و ١٤٢٢ و ١٦٣٦ و ٢٤٣٩ و ٢٥٨٤ و٣٣١١.
٤ - (جدّه) كيسان، أبو سعيد المقبريّ المدنيّ، صاحب العباء، مولى أم شَرِيك، ثقة ثبتٌ [٢].
رَوَى عن عمر، وعلي، وعبد الله بن سلام، وأسامة بن زيد، وأبي هريرة، وأبي شريح الخزاعي، وأبي سعيد الخدري، وعقبة بن عامر، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه سعيد، وابن ابنه عبد الله بن سعيد، وعبد الملك بن نوفل بن مُساحق، وأبو صخر، حميد بن زياد.
ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل المدينة. وقال الواقدي: كان ثقة كثير الحديث، توفي سنة مائة. وقال ابن سعد: توفي في خلافة الوليد بن عبد الملك. وقال النسائي: لا بأس به. وقال إبراهيم الحربي: كان ينزل المقابر، فسمي بذلك. وقيل: إن عمر جعله على حَفْرِ القبور، فسمي المقبري، وجعل نُعيمًا على إجمار المسجد، فسمي المجمر. قال الحافظ: هذا بعيد من الصواب، وما أظن نعيما أدرك عمر. وقال البخاري في "صحيحه": قال إسماعيل بن أبي أويس: إنما سُمِّي المقبري؛ لأنه كان ينزل ناحية المقابر. وزعم الطحاوي في "بيان المشكل" أنه مات سنة خمس وعشرين ومائة، وهو وهم منه، فإن ذلك تاريخ وفاة ابنه سعيد، وحاول الطحاوي بذلك إنكار سماعه من أبي رافع، ومن الحسن بن علي، ولا إنكار في ذلك؛ لأن البخاري قد جزم بأن أبا سعيد سمع من عمر، ولو صح ما قال الطحاوي، لكان عمر أبي سعيد أكثر من مائة وعشر سنين، وهذا لم يقله أحد، وقد صرح أبو داود في روايته لحديث أبي سعيد، عن أبي رافع بالسماع. وفرق ابن حبان في "الثقات" بين كيسان صاحب العباء، رَوَى عن عمر، وعنه
стр. 293
أبو صخر، وبين كيسان مولى أم شريك، يكنى أبا سعيد، وهو المعروف بالمقبري؛ لأن منزله كان بالقرب من المقابر. فالله أعلم. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث برقم ٢١ و ٢٥٦ و ١٠٨٧ و ١٦٣٦ و ١٦٧٩ و ١٨٤٨ و ٣٤٣٩ و ٣٣١١.
٥ - (أبو هريرة) ﵁، تقدّم في أول الباب ١/ ١، والله تعالى أعلم (١).
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّهُ قَالَ: "لَا أَعْرِفَنَّ) من المعرفة، و"لا" نافية، والنون المشدّدة نون التوكيد: أي لا أعلمنّ، ولا أجدنّ، وهو نظير قوله: "لا أُلفيَنّ"، وقد تقدّم تمام البحث فيه قرييبًا (مَا يُحَدَّثُ أَحَدُكُمْ عَنِّي الحدِيثَ) "ما" مصدريّة، و"يُحدّث" بالبناء للمفعول، وهو في تأويل المصدر مفعول "أعرفنّ": أي لا أعرفنّ تحديث أحدكم (وَهُوَ مُتَّكِئٌ) جملة في محلّ نصب على الحال أي حال كونه متكئًا: أي متوسّدًا (عَلَى أَرِيكَتِهِ) متعلّق بـ "متكىء": أي سريره المزيّن (فَيَقُولُ) ردّا على حديثي (اقْرَأْ قُرْآنا) فعل أمر من القراءة: أي يقول لراوي الحديث اقرأ قرآنًا حتى نعرف به صدق هذا الحديث من كذبه. ويحتمل أن يكون "أَقْرَأُ قرآنًا" بصيغة المضارع للمتكلّم: أي أنا اقرأ القرآن، فإن وجدته موافقًا لحديثك قبلته، وإلا رددته. وإنما نكّر القرآن؛ لأن مراده بعض آياته الذي بقراءته يظهر الأمر بزعمه الباطل. ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "اقرأ قرآنًا"، النهي عن الحديث أصلًا، فكأنه يقول له: اترك حديثك، فإني لا أقبل إلا القرآن، نظير ما تقدّم في قوله: "فما وجدنا في كتاب الله من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام، حرّمناه"، وقوله: "ما وجدنا في كتاب الله اتّبعناه".
(مَا) مصولٌ اسميٌّ: أي الذي (قِيلَ) أي ذُكر، ونُقل (مِنْ قَوْلٍ حَسَنٍ، فَأَنا قُلْتُهُ) هذا من قول النبيّ ﷺ ، ذكره ردّا على المتّكىء الذي يزعم أنه لا يقبل إلا القرآن، والمعنى
стр. 294
أن ما نقل عني بسند صحيح من القول الحسن الذي لا يتعارض مع النصوص الصحيحة، فإنه ﷺ قاله، وهو كلام حسنٌ لا يصحّ ردّه بما زعمه المتكىء. قال السنديّ رحمه الله تعالى: أو هو من كلام المتّكىء، ذكره افتخارًا بمقاله، وإعجابًا برأيه، وأن مقاله مما ينبغي للناس الرجوع إليه. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كونه من كلام المتّكىء بعيدٌ، فالوجه الأول هو الصواب. . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﷺ هذا ضعيف جدّا؛ لأن في سنده المقبريّ، وهو متروك، كما سبق في ترجمته آنفًا، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٢/ ٢١) بهذا السند فقط، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٦٧) و (٤٨٣) وفي "باقي مسند المكثرين" (٨٤٤٦ و٩٨٨٠) و (البزّار) (١٢٦) من طريق أبي معشر نَجيح بن عبد الرحمن، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة ﵁، وأبو معشر ضعيف. وهذا الحديث لم يذكره البوصيريّ في "مصباح الزجاجة" مع أنه من شرطه؛ إذ هو مما انفرد به المصّنف، فكان عليه أن يذكره، فيُستدرك عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ المذكور أول الكتاب قال:
٢٢ - (حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بن عَبَّادِ بْنِ آدَمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ح وحَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيَمْانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ لِرَجُلٍ: يَا ابْنَ أَخِي إِذَا حَدَّثْتُكَ عَنْ رَسُول الله ﷺ حدِيثًا، فَلا تَضْرِبْ لَهُ الأَمْثَالَ.
стр. 295
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (محمد بن عبّاد بن آدم) الْهُذَليّ، أبو عبد الله البصريّ، مقبول [١٠].
رَوَى عن أبيه، وأبي أحمد الزبيري، وعبد الوهاب الثقفي، وابن أبي عدي، وغندر، ومروان بن معاوية، ومعتمر بن سليمان، وغيرهم. ورَوَى عنه النسائي، وابن ماجه، وعمرو بن محمد بن بجير، والحسن بن علي الفسوي، وأبو بكر أحمد بن محمد بن صدقة، ومحمد بن أبان الأصبهاني، ومحمد بن أحمد بن سهل البركاني، وأبو عروبة، وأبو بكر بن أبي داود وآخرون. ذكر الْقَراب في تاريخه بإسناد له أنه توفي في رمضان سنة ثمان وستين ومائتين، تفرّد به النسائيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا ٢/ ٢٢ وفي "كتاب الجنائز" حديث رقم (١٥٤٧).
٢ - (أبوه) عبّاد بن آدم الْهُذَليّ البصريّ، رَوَى عن شعبة، وحماد بن سلمة، وعنه ابنه محمد فقط، مجهول [٩]، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٣ - (هنّاد بن السريّ) -بفتح السين المهملة، وكسر الراء الخفيفة- ابن مصعب بن أبي بكر بن شَبْر بن صَعْفُوق بن عَمْرو بن زُرَارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم التميميّ الدارميّ، أبو السَّرِيّ الكوفيّ، ثقة [١٠].
رَوَى عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، وهشيم، وأبي بكر بن عياش، وعبد الله بن إدريس، وأبي الأحوص، وحفص بن غياث، وعبدة بن سليمان، وغيرهم.
ورَوَى عنه البخاري في "خلق أفعال العباد"، والباقون، وابن بن أخيه محمد بن السري بن يحيى بن السري، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وأحمد بن منصور الرمادي، ومحمد ابن عبد الملك الدقيقي، ومطين، وعبدان الأهوازي، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وغيرهم.
قال أحمد بن حنبل: عليكم بهناد. وقال أبو حاتم. صدوق. وقال قتيبة: ما رأيت وكيعا يُعَظّم أحدا تعظيمه لهناد. "وقال النسانّي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال السراج: قال هناد بن السري: وُلدت سنة اثنتين وخمسين ومائة، قال: ومات في ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين ومائتين. وله في هذا الكتاب (٣٢) حديثًا.
стр. 296
٤ - (عبدة بن سليمان) الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن بن سليمان بن حاجب بن زُرَارة بن عبد الرحمن بن صُرَد بن سُمَير بن مليل بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب، أدرك صُرَد الإسلامَ، وأسلم، ثقة ثبتٌ [٨].
رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعاصم الأحول، وعبيد الله بن عمر، وهشام بن عروة، وأبو إسحاق، وطلحة بن يحيى بن طلحة، وسعيد بن أبي عروبة، والأعمش، والثوري، وعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وغيرهم. ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، وابنا أبي شيبة، وإبراهيم بن موسى الرازي، وعمرو الناقد، وأبو الشعثاء علي بن الحسن، ومحمد بن سلام البيكندي، وأبو كريب محمد بن العلاء، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وهناد بن السري، وأبو سعيد الأشج، وإبراهيم بن مُجَشّر، وغيرهم.
قال صالح بن أحمد عن أبيه: ثقة ثقة، وزيادة مع صلاح في بدنه، وكان شديد الفقر. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: أبو أسامة أحب إليك، أو عبدة بن سليمان؟ قال: ما منهما إلا ثقة. وقال العجلي: ثقة رجل صالح، صاحب قرآن يُقْرِىء. وقال الميموني عن أحمد: قدمت الكوفة سنة (١٨٨) وقد مات عبدة سنة سبع وثمانين ومائة قبل قدومي بسنة. وقال ابن سعد: كان ثقة، مات في رجب سنة (٨٨)، وكذا أرخه ابن نمير، لكنه قال في جمادى الثانية. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث جدّا، مات في رجب سنة (٧). وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي وأبو زرعة، عن عبدة، ويونس بن بكير، وسلمة بن الفضل، أيهم أحب إليكم في ابن إسحاق؟ فقال: عبدة بن سليمان. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: ثقة، مسلم صدوق. وقال الدارقطني: ثقة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٠) حديثًا.
٥ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحافظ الحجة المشهور البصريّ [٧] ١/ ٦.
٦ - (محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقّاص، أبو عبد الله، ويقال: أبو الحسن
стр. 297
الليثيّ المدنيّ، صدوقٌ، له أوهام [٦].
رَوَى عن أبيه، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعَبيدة بن سفيان، وسعيد بن الحارث، وإبراهيم بن عبد الله بن حنين، ودينار أبي عبد الله القراظ، وغيرهم.
ورَوَى عنه موسى بن عقبة، ومات قبله، وابن عمه عمر بن طلحة بن علقمة بن وقاص، وشعبة، والثوري، وحماد بن سلمة، وأبو معشر المدني، ويزيد بن زريع، وغيرهم.
قال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد، وسئل عن سهيل، ومحمد بن عمرو، فقال: محمد أعلى منه، قال علي: قلت ليحيى: محمد بن عمرو كيف هو؟ قال: تريد العفو، أو تَشَدَّد، قال: لا، بل أُشَدّد، قال: ليس هو ممن تريد، وكان يقول: حدثنا أشياخنا: أبو سلمة، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال يحيى: وسألت مالكا عنه، فقال فيه نحو ما قلت لك، قال علي: وسمعت يحيى يقول: محمد بن عمرو أحب إلي من ابن أبي حرملة. وقال إسحاق بن حكيم عن يحيى القطان: محمد بن عمرو رجل صالح، ليس بأحفظ الناس للحديث. وقال إسحاق بن منصور: سئل يحيى بن معين عن محمد ابن عمرو، ومحمد بن إسحاق، أيهما يُقَدَّم؟ فقال: محمد بن عمرو. وقال ابن خيثمة: سئل ابن معين عن محمد بن عمرو، فقال: ما زال الناس يتّقون حديثه، قيل له: وما علة ذلك؟ قال: كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء من رأيه، ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة. وقال الجوزجاني: ليس بقوي الحديث، ويُشتَهَى حديثه. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، يكتب حديثه، وهو شيخ. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال مرة: ثقة. وقال أحمد بن أبي مريم عن ابن معين: ثقة. وقال عبد الله بن أحمد عن ابن معين: سهيل، والعلاء، وابن عَقِيل حديثهم ليس بحجة، ومحمد بن عمرو فوقهم. وقال يعقوب بن شيبة: هو وسط، وإلى الضعف ما هو؟. وقال الحاكم: قال ابن المبارك: لم يكن به بأس. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، يُسْتَضعف. وقال ابن معين: ابن عجلان أوثق من محمد بن عمرو، ومحمد بن عمرو أحب إلي من محمد بن إسحاق.
стр. 298
حكاه العقيلي وقال ابن عدي: له حديث صالح، وقد حدّث عنه جماعة من الثقات، كل واحد يتفرد عنه بنسخة، ويُغْرب بعضهم على بعض. وروى عنه مالك في "الموطإ"، وأرجو أنه لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ. قال الواقدي: توفي سنة أربع وأربعين ومائة. وقال عمرو بن علي: مات سنة خمس وأربعين. روى له البخاري مقرونا بغيره، ومسلم في المتابعات، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب (٥٠) حديثًا.
٧ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، وقيل: اسمه كنيته، ثقة مُكثر [٣].
رَوَى عن أبيه، وعثمان بن عفان، وطلحة، وعبادة بن الصامت، وقيل: لم يسمع منهما، وأبي قتادة، وأبي الدرداء، وابن أبي أَسيد، وأسامة بن زيد، وحسان بن ثابت، ورافع بن خديج، وثوبان، ونافع بن عبد الحارث، وعبد الله بن سلام، وأبي هريرة، وعائشة، وأم سلمة، وفاطمة بنت قيس، وخلق كثير من الصحابة والتابعين.
ورَوَى عنه أبنه عمر، وأولاد إخوته: سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن، وعبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن، وزرارة بن مصعب بن عبد الرحمن، والأعرج، وعمرو بن الحكم بن ثوبان، وعروة بن الزبير، والزهري، ومحمد بن عمرو بن علقمة وخلق كثير.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من المدنيين، وقال: كان ثقة فقيهًا، كثير الحديث، وأمه تُمَاضِر بنت الأصبع الكلبية يقال: إنها أدركت النبي ﷺ ، وقال: مات سنة أربع وتسعين. وقال الواقدي: سنة أربع ومائة، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. وقال مالك ابن أنس: كان عندنا رجال من أهل العلم، اسم أحدهم كنيته، منهم أبو سلمة بن عبد الرحمن. وقال معمر عن الزهري: أربعة من قريش وجدتهم بُحورًا: ابن المسيب، وعروة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: وكان أبو سلمة كثيرًا ما يخالف ابن عباس، فَحُرِم لذلك من ابن عباس علمًا كثيرًا. وقال عقيل
стр. 299
عن الزهري: قال لي إبراهيم بن عبد الله بن قارظ -وأنا بمصر-: لقد تركت رجلين من قومك، لا أعلم أكثر حديثا منهما: عروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن. وقال أبو زرعة: ثقة إمام. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من سادات قريش مات سنة أربع وتسعين. وقيل: أربع ومائة. وجزم ابن سعد والزبير بن بكار بأن اسمه عبد الله. وقال ابن عبد البر: هو الأصح عند أهل النسب. وقال الْجِعَابي اختلفوا في اسمه، فقالوا: عبد الله. وهكذا قال الفضل بن موسى، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف. قال: وقيل: اسمه إسماعيل. زاد ابن سعد: ولمّا ولي سعيد بن العاص لمعاوية المرة الأولى، استقْضَى أبا سلمة على المدينة. ورُوي عن الشعبي قال: قَدِم علينا أبو سلمة، فمشى بيني وبين أبي بردة، فقلنا له: مَن وافقه من خَلَّفتَ ببلادك؟ فقال: رجل بينكما. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤١) حديثًا.
٨ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى بالنسبة للإسناد الأول، ومن خماسياته بالنسبة للثاني.
٢ - (ومنها): أن رجال الثاني كلهم رجال الصحيح، ومحمد بن عمرو أخرج له البخاريّ مقرونا، ومسلم في المتابعات.
٣ - (ومنها): أنه مسلس بالمدنيين من محمد بن عمرو.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
٥ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
٦ - (ومنها) فيه كتابة (ح) إشارة إلي إسناد آخر، وقد اختُلف قال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرح مسلم" ١/ ٣٨: وإذا كان للحديث إسنادان أو أكثر، كتبوا عند الانتقال من الإسناد إلى إسناد (ح) وهي حاء مهملة مفردة، والمختار أنها مأخوذة من
стр. 300
التحوّل؛ لتحوّله من الإسناد إلى إسناد، وأنه يقول القارىء إذا انتهى إليها (ح) ويستمر في قراءة ما بعدها. وقيل: إنها من حَالَ بين الشيئين: إذا حجز؛ لكونها حالت بين الإسنادين، وأنه لا يلفظ عند الانتهاء إليها بشيء، وليست من الرواية. وقيل: إنها رمز إلى قوله: الحديث، وأن أهل الغرب كلهم يقولون إذا وصلوا إليها: الحديث. وقد كَتَبَ جماعة من الحفاظ موضعها "صح"، فيشعر بأنها رمز "صح"، وحسنت ههنا كتابة "صح"؛ لئلا يُتوهّم أنه سقط متن الإسناد الأول، ثم هذه الحاء توجد في كتب المتأخرين كثيرًا، وهي كثيرة في "صحيح مسلم"، قليلة في "صحيح البخاري". انتهى كلام النوويّ (١).
وإلى هذا أشار السيوطيّ رحمه الله تعالى في "ألفية الحديث"، حيث قال:
وَكَتَبُوا (ح) عِنْدَ تَكْرِيرِ سَنَدْ ... فَقِيلَ مِنْ صَحَّ وَقِيلَ ذَا انْفَرَدْ
مِنَ الحدِيثِ أَوْ لِتَحْوِيلٍ وَرَدْ ... أَوْ حَائِلٍ وَقَوْلهُا لَفْظاَ أَسَدْ
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف (أَنَّ أبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ لِرَجُلٍ) هو ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، كما سيأتي التصريح به في "كتاب الطهارة" (٤٨٥)، ولفظه: "عن أبي هريرة ﵁، أنّ النبيّ ﷺ قال: "توضّئوا مما غيّرت النار"، فقال ابن عباس: أتوضّأ من الحميم؟ ... أراد ابن عباس بهذا أنه ينبغي على مقتضى هذا الحديث أن الإنسان إذا توضّأ بالماء الحارّ، يلزمه أن يتوضّأ بالماء البارد؛ لأنه مسّ ما غيّرته النار، فردّ عليه أبو هريرة ﵁، بأن هذا ليس مراد الحديث، فقال له: (يَا ابْنَ أَخِي) أراد به أخوّة الإسلام؛ لأنه لا نسب بين أبي هريرة والعباس بن عبد المطّلب رضي الله تعالى عنهما، وإنما هو على قوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] (إِذَا
стр. 301
حَدثْتُكَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ حَدِيثًا، فَلَا تَضْرِبْ لَهُ الْأَمْثَالَ) أي لا تعارضه بمثل هذه المعارضات المدفوعة بالنظر فيما أريد بالحديث، فإن المراد به أن أكل ما مسّته النار يوجب الوضوء، لا مسّه .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ كل هذا حسنٌ، من أجل الكلام في محمد بن عمرو؛ لأنه وإن أخرج عنه الشيخان، إلا أن البخاريّ أخرج له مقرونًا بغيره، ومسلم في المتابعات، فهو حسن الحديث، والله تعالى أعلم.
[فإن قلت]: في سنده محمد بن عبّاد مقبولٌ، وأبوه مجهول، فكيف يُحَسّن؟.
[قلت]: تحسينه بالسند الثاني، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تعظيم حديث رسول الله ﷺ ، والتغليظ على من عارضه.
٢ - (ومنها): حسن التلطّف في الردّ على من خالف النصّ، متأوّلًا؛ ليكون أدعى إلى الرجوع إليه، فإن أبا هريرة ﵁ خاطب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بقوله: "يا ابن أخي"، رفقًا به؛ ليحمله على أن يتدبّر خطر ما عارض به النصّ، فلو أغلظ له القول ربّما حمله ذلك على التمادي في المعارضة، وهكذا ينبغي أن يكون الداعي إلى الحقّ يسلك مسلك الحكمة؛ امتثالًا لقوله جلّ وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ الآية [النحل: ١٢٥].
٣ - (ومنها): عدم جواز معارضة النصوص لرأي ظهر له، بل يستسلم للحقّ أوّل ما يقرع سمعه، هان كان مخالفًا لرأيه، أو مذهبه، فإن الخير كلَّ الخير فيما قاله الشارع، لا فيما يظهر للعقول القاصرة، فقد ضمن الله تعالى الفلاح لمن اتّبعه ﷺ ، فقال
стр. 302
تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وشرط الهداية لطاعته، فقال : ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ الآية [النور: ٥٤]، ونفى الإيمان عمن لم يحكّم شرعه، فقال جلّ وعلا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. اللهم أرنا الحقّ حقّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين آمين آمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(قَالَ أَبو الحسَنِ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الله الْكَرَابِيسيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجُعْدِ، عَنْ شُعْبِةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، مِثلَ حَدِيثِ عِليٍّ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كان حقّ هذا الإسناد أن يُذكر قبل حديثي أبي هريرة ﵁؛ لأنه تابع لحديث عليّ ﵁ الماضي، ولعله من تصرّف بعض النسّاخ، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: الغرض من ذكر هذا الإسناد بيان علوّ سند أبي الحسن القطّان من هذا الطريق على طريق ابن ماجه الماضية، فقد وصل إلى شعبة هنا بواسطتين، وهما يحيى بن عبد الله، وعليّ بن الجعد، بخلاف طريق ابن ماجه، فإنه وصل إليه بثلاث وسائط: ابن ماجه، ومحمد بن بشّار، ويحيى بن سعيد القطّان. والله تعالى أعلم.
و"أبو الحسن": هو الحافظ عليّ بن إبراهيم بن سَلَمَة بَن بَحْر الْقَزْوينيّ القطّان، عالم قزوين، وُلد سنة (٢٥٤) وتوفّي سنة (٣٤٥)(١).
و"يحيى بن عبد الله الكرابيسيّ" لم أجد ترجمته.
و"عليّ بن الجعد": هو ابن عُبيد الْجَوْهريّ، أبو الحسن البغداديّ، مولى بني هاشم، ثقة ثبت، رُمي بالتشيّع، من صغار [٩].
رَوَى عن حَرِيز بن عثمان، وشعبة، والثوري، ومالك، وابن أبي ذئب، وغيرهم.
стр. 303
ورَوى عنه البخاري، وأبو داود، وأحمد، ويحيى بن معين، وأبو بكر بن أبي شيبة، وغيرهم.
قال علي بن الجعد: رأيت الأعمش، ولم أكتب عنه، وقدمت البصرة، وكان بن أبي عروبة حيا، وعن موسى بن داود قال: ما رأيت أحفظ من علي بن الجعد، كنا عند ابن أبي ذئب، فأملى علينا عشرين حديثا فحفظها، وأملاها علينا. وقال خلف بن سالم: سِرْت أنا وأحمد ويحيى إلى علي بن الجعد، فأخرج إلينا كتبه، وألقاها بين أيدينا، وذهب فلم نجد فيها إلا خطأ واحدا، فلما فرغنا من الطعام، قال هاتوا، فحدث بكل شيء كتبناه حفظًا. وقال ابن معين في سنة (٢٢٥) كتبت عن علي بن الجعد منذ أكثر من ثلاثين سنة. وقال صالح بن محمد الأسدي: كان علي بن الجعد يُحَدّث بثلاثة أحاديث لكل إنسان عن شعبة، وكان عنده عن مالك ثلاثة أحاديث، كان يقول: إنه سمعها من مالك في ثلاثة أعوام، كان يقول فيها: أخبرنا مالك، كان مالك حَدَّثه. وقال عبدوس: ما أعلم أني لقيت أحفظ منه. قال المحاملي: فقلت له: كان يُتَّهَم بالجهم؟ قال: قد قيل هذا، ولم يكن كما قالوا، إلا أن ابنه الحسن كان على قضاء بغداد، وكان يقول بقول جهم، وكان عند عليّ نحو من ألف ومائتي حديث عن شعبة، وكان قد لقي المشايخ. وقال أبو الحسن السُّوسِيّ: سمعت النُّفَيلي يقول: لا ينبغي أن يكتب عنه قليل ولا كثير، وضَعَّفَ أمره جدّا. وقال الجوزجاني: متشبث بغير بدعة، زائغ عن الحق. وقال أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقي: قلت لعلي بن الجعد: بلغني أنك قلت: ابن عمر ذاك الصبي، قال: لم أقل، ولكن معاوية ما أكره أن يعذبه الله. وقال الآجري عن أبي داود: عمرو بن مرزوق أعلى من علي بن الجعد، ويُتَّهَم بِمُتَّهَم سوء، قال: ما يسوءني أن يعذب الله معاوية. وقال هارون بن سفيان المستملي: كنت عند علي بن الجعد، فذكر عثمان، فقال: أخذ من بيت المال مائة ألف درهم بغير حق. وقال العقيلي: قلت لعبد الله بن أحمد: لم لم تكتب عن علي بن الجعد؟ قال: نهاني أبي، وكان يبلغه عنه أنه يتناول الصحابة. وقال زياد بن أيوب: كنت عند علي بن الجعد، فسألوه عن القرآن؟ فقال. القرآن كتاب الله، ومن قال: مخلوق لم أُعَنِّفه، فقال: ذكرت ذلك لأحمد، فقال: ما بلغني عنه أشد من هذا. وقال
стр. 304
زياد بن أيوب أيضا: سأل رجل أحمد عن علي بن الجعد، فقال الهيثم: ومثله يسأل عنه؟ فقال أحمد: أمسك، قال: فذكره رجل بشرّ، فقال أحمد: ويقع في الصحابة. وقال أبو زرعة: كان أحمد لا يرى الكتابه عنه، ورأيته مضروبا عليه في كتابه. وقال ابن معين: ثقة صدوق. قال جعفر الطيالسي عن ابن معين: علي بن الجعد أثبت البغداديين في شعبة، قلت له: فأبو النضر؟ فقال: وأبو النضر. وقال الحسين بن فهم: سمعت ابن معين في جنازة علي بن الجعد يقول: ما روى عن شعبة -أراه يعني من البغداديين- أثبت من هذا، يعني علي بن الجعد، فقال له رجل: ولا أبو النضر؟ قال: ولا أبو النضر، قال: ولا شبابة؟ قال خَرّب الله بيت أمه إن كان مثل شبابة، قال ابن فهم: فعجبنا منه. وعن ابن معين قال: كان علي بن الجعد رباني العلم. وقال أبو زرعة: كان صدوقا في الحديث. وقال أبو حاتم: كان متقنا صدوقا، ولم أر من المحدثين من يحفظ، ويأتي بالحديث على لفظ واحد، لا يغيره سوى قبيصة، وأبي نعيم في حديث الثوري، ويحيى الحماني في حديث شريك، وعلي بن الجعد في حديثه. وقال صالح بن محمد: ثقة. وقال النسائي: صدوق. وقال حنبل بن إسحاق: وُلد سن (١٣٢)، ومات سنة ثلاثين ومائتين، وفيها أرخه غير واحد. وقال البغوي أُخبرت عن إسحاق بن أبي إسرائيل أنه قال في جنازة علي بن الجعد: أخبرني أنه منذ نحو ستين سنة يصوم يوما ويفطر يوما. وقال ابن سعد: علي بن الجعد وُلد في أول خلافة بني العباس سن (١٣٦)، ومات في سنة (٢٣٠)، وله يوم توفي ست وتسعون سنة وستة أشهر. قال الحافظ: هذا وَهَمٌ بَيِّنٌ في موضعين: الأول أنَّ أول خلافة بني العباس سنة اثنتين وثلاثين، لا سنة ست، الثاني أن من يولد سن (٦) ويموت سنة (٣٠) لا يوفي عمره ستا وتسعين، بل يكون (٩٤) فقط فتأمله. وقال الدارقطني: ثقة مأمون. وحكى العقيلي عن ابن المديني: ما يقتضي وهنه عنده، ولفظه: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثني بعض أصحابنا عن علي بن المديني قال: وممن تُرك حديثه عن شعبة علي بن الجعد، وعَدَّدَ جماعة، فقالوا: وعلي بن الجعد ما له؟ قال: رأيت ألفاظه عن شعبة تختلف. قال الحافظ: فإن ثبت هذا فلعله كان في أول الحال لم
стр. 305
يُثْبِت، فضَبَط كما قال أبو حاتم فيما تقدم. وقال عبد الله بن أحمد: ما رأيت عنده في الجامع إلا بعض صبيان. وقال ابن قانع: ثقة ثبت. وقال مطين: ثقة. وقال ابن عدي: ما أرى بحديثه بأسا، ولم أر في رواياته إذا حدث عن ثقة حديثا منكرًا، والبخاري مع شدة استقصائه يروي عنه في "صحيحه". تفرّد به البخاريّ، وأبو داود، وفي هامش "الزهرة" بخط ابن الطاهر: روى عنه البخاري ثلاثة عشر حديثا. وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الوضع من زيادة أبي الحسن القطّان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[خاتمة]: نختم بها هذا الباب:
قد كتب الإمام الحافظ السيوطيّ ﵀ رسالةً مفيدةً تجمع معظم ما يتعلّق بهذا الباب من الأحاديث والآثار الواردة عن السلف ﵁، سمّاها "مفتاح الجنّة في الاحتجاج بالسنة" أحببت إيرادها بنصّها تتميمًا للفوائد، وتكميلًا للعوائد.
قال رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله، وبه ثقتي، وسلام على عباده الذين اصطفى.
اعلموا يرحمكم الله أن من العلم كهيئة الدواء، ومن الآراء كهيئة الخلاء، لا تذكر إلا عند داعية الضرورة، وأن مما فاح ريحه في هذا الزمان، وكان دارسا -بحمد الله تعالى- منذ أزمان، وهو أن قائلا رافضيا زنديقا أكثر في كلامه، أن السنة النبوية، والأحاديث المروية -زادها الله علوا وشرفا- لا يحتج بها، وأن الحجة في القرآن خاصة، وأورد على ذلك حديث: "ما جاءكم عني من حديث فاعرضوه على القرآن، فإن وجدتم له أصلا، فخذوا به، وإلا فردوه" (١)، وهكذا سمعت هذا الكلام بجملته منه، وسمعه منه خلائق غيري، فمنهم من لا يُلقي لذلك بالًا، ومنهم من لا يعرف أصل هذا الكلام، ولا من أين جاء،
стр. 306
فأردت أن أوضح للناس أصل ذلك، وأبين بطلانه، وأنه من أعظم المهالك.
فاعلموا رحمكم الله أن من أنكر كون حديث النبي ﷺ ، قولا كان أو فعلًا بشرطه المعروف في الأصول حجةً كفر، وخرج عن دائرة الإسلام، وحُشر مع اليهود والنصارى، أو مع من شاء الله من فِرَق الكفرة. روى الإمام الشافعي ﵁ يوما حديثا، وقال: إنه صحيح، فقال له قائل: أتقول به يا أبا عبد الله، فاضطرب، وقال، يا هذا أرأيتني نصرانيا؟ أرأيتني خارجا من كنيسة؟ أرأيت في وسطي زُنَّارًا، أروي حديثا عن رسول الله ﷺ ، ولا أقول به.
وأصل هذا الرأي الفاسد أن الزنادقة، وطائفة من غلاة الرافضة، ذهبوا إلى إنكار الاحتجاج بالسنة، والاقتصار على القرآن، وهم في ذلك مختلفوا القاصد: فمنهم من كان يعتقد أن النبوة لعلي، وأن جبريل ﵇ أخطأ في نزوله إلى سيد المرسلين، ﷺ ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. ومنهم من أقر للنبي ﷺ بالنبوة، ولكن قال: إن الخلافة كانت حقا لعلي، فلما عَدَل بها الصحابة عنه إلى أبي بكر ﵃ أجمعين، قال هؤلاء المخذولون -لعنهم الله-: كَفَرُوا، حيث جاروا، وعدلوا بالحق عن مستحقه، وكَفَّروا -لعنهم الله- عليا ﵁ أيضًا؟ لعدم طلبه حقه، فبنوا على ذلك رَدَّ الأحاديث كلها؛ لأنها عندهم بزعمهم من رواية قوم كفار، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وهذه آراء ما كنتُ أستحل حكايتها، لولا ما دعت إليه الضرورة من بيان أصل هذا المذهب الفاسد، الذي كان الناس في راحة منه من أعصار. وقد كان أهل هذا الرأي موجودين بكثرة في زمن الأئمة الأربعة، فمن بعدهم، وتصدى الأئمة الأربعة، وأصحابهم في دروسهم، ومناظراتهم، وتصانيفهم للرد عليهم، وسأسوق إن شاء الله تعالى جملة من ذلك. والله الموفق (١).
стр. 307
قال الإمام الشافعي ﵁ في "الرسالة"، ونقله عنه البيهقي في "المدخل" قد وضع الله رسوله ﷺ ، من دينه وفرضه وكتابه الموضعَ الذي أبان جل ثناؤه أنه جعله عَلَمًا لدينه، بما افترض من طاعته، وحَرّم من معصيته، وأبان من فضيلته، بما قرن بين الإيمان برسوله مع الإيمان به، فقال ﵎: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧١]، وقال ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ [النور: ٦٢]، فجعل كمال ابتداء الإيمان الذي سواه تبع له، الإيمانَ بالله، ثم برسوله معه. قال الشافعي: ففرض الله على الناس أتباع وحيه، وسنن رسوله، فقال في كتابه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] مع آي سواها، ذ كر فيهن الكتاب والحكمة. قال الشافعي: فذكر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر الحكمة، فسمعت من أرضاه من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله ﷺ وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، فقال بعضهم أهل العلم: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾: أمراء سرايا رسول الله ﷺ ، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ يعني اختلفتم في شيء، يعني -والله تعالى أعلم- هم وأمراؤهم الذين أُمروا بطاعتهم ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ يعني -والله تعالى أعلم- إلى ما قال الله والرسول، ثم ساق الكلام إلى أن قال: فأعلمهم أن طاعة رسول الله ﷺ طاعته، فقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. وأحتج أيضا في فرض
стр. 308
اتباع أمره بقوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وغيرها من الآيات التي دلت على اتباع أمره، ولزوم طاعته، فلا يسع أحدًا رد أمره لفرض الله طاعة نبيه.
قال البيهقي بعد إحكامه هذا الفصل: ولولا ثبوت الحجة بالسنة، لما قال ﷺ في خطبته بعد تعليم من شهده أمر دينهم: "ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فرب مُبَلَّغ أوعى من سامع" (١)، ثم أورد حديث: "نضر الله امرءا سمع منا حديثا، فأداه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع" (٢) وهذا الحديث متواتر كما سأبينه.
قال الشافعي: فلما نَدَبَ رسولُ الله ﷺ إلى استماع مقالته، وحفظها، وأدائها، دل على أنه لا يأمر أن يؤدَّى عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أُدِّى إليه؛ لأنه إنما يُؤَدَّى عنه حلال يُؤتَى، وحرام يُجتَنَبُ، وحَدٌّ يقام، ومال يؤخذ ويُعطَى، ونصيحة في دين ودنيا.
ثم أورد البيهقي من حديث أبي رافع قال: قال رسول الله ﷺ : "لا أُلفينّ أحدَكم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري، مما أمرت به، أو نهيت عنه، يقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعنا"، أخرجه أبو داود، والحاكم (٣). ومن حديث المقدام ابن معدي كرب أن النبي ﷺ حرّم أشياء يوم خيبر، منها الحمار الأهلي وغيره، ثم قال رسول الله ﷺ : "يوشك أن يقعد الرجل على أريكته، يحدَّث بحديثي، فيقول: بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه، وما وجدنا فيه حراما حرمناه، ألا وإن ما
стр. 309
حَرَّم رسول الله ﷺ مثلُ ما حَرَّم الله" (١). قال البيهقي: وهذا خبر من رسول الله ﷺ عما يكون بعده من رَدّ المبتدعة حديثه، فوجد تصديقه فيما بعده. ثم أخرج البيهقي بسنده عن شَبيب بن أبي فَضَالة المكي، أن عمران بن حصين ﵄ ذكر الشفاعة، فقال رجل من القوم: يا أبا نُجَيد، إنكم تحدّثونا بأحاديث، لم نجد لها أصلًا في القرآن، فغضب عمران، وقال للرجل: قرأت القرآن؟ قال: نعم، قال فهل وجدت فيه صلاة العشاء أربعًا؟ ووجدت المغرب ثلاثًا؟ والغداة ركعتين؟ والظهر أربعًا؟ والعصر أربعًا؟ قال: لا، قال: فعمن أخذتم ذلك؟ ألستم عنا أخذتموه، وأخذناه عن رسول الله ﷺ ؟ أوجدتم فيه من كل أربعين شاةً شاةٌ، وفي كل كذا بعيرًا كذا، وفي كل كذا درهمًا كذا؟ قال: لا، قال: فعن من أخذتم ذلك؟ ألستم عنا أخذتموه، وأخذناه عن النبي ﷺ ؟، وقال: أوجدتم في القرآن: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، أوجدتم فيه: فطوفوا سبعًا، واركعوا ركعتين خلف المقام، أو وجدتم في القرآن: "لا جَلَبَ، ولا جَنَبَ، ولا شِغَار في الإسلام" (٢)، أما سمعتم الله قال في كتابه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] قال عمران: فقد أخذنا عن رسول الله ﷺ أشياء، ليس لكم بها علم.
ثم قال البيهقي: والحديث الذي رُوي في عرض الحديث على القرآن باطل لا يصح، وهو ينعكس على نفسه بالبطلان، فليس في القرآن دلالة على عرض الحديث على القرآن. انتهى كلام البيهقي "المدخل الصغير"، وهو "المدخل إلى دلائل النبوة". وقد ذكر المسألة في "المدخل الكبير"، وهو "المدخل إلى السنن" بأبسط من هذا، فقال: "باب تعليم سنن رسول الله ﷺ ، وفرض اتباعها"، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٤] إلى قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾
стр. 310
[آل عمران: ١٦٤]، قال الشافعي: سمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله ﷺ ثم أخرج بأسانيده عن الحسن، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير أنهم قالوا: الحكمة في هذه الآية: السنة. ثم أورد بسنده عن المقدام بن يكرب، عن النبي ﷺ أنه قال: "ألا إني أوتيت الكتاب، ومثله معه، ألا إتي أوتيت القرآن ومثله، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة مال معاهد ... " الحديث (١).
ثم أورد من طريق آخر عن المقدام بن معدي كرب، قال: حَرَّم رسول الله ﷺ أشياء يوم خيبر، من الحمار الأهلي وغيره، فقال ﷺ : "يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته، يُحَّدث بحديثي، فيقول: بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه، وما وجدنا فيه حراما حرمناه، وإنما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله" (٢).
وقال البيهقي بإسناد صحيح أخرجه أبو داود في "سننه" قلت (٣): وأخرجه أيضا الحاكم. ثم أورد البيهقي أيضا بسنده، عن أبي هريرة قال. قال رسول الله ﷺ :"إني قد خَلَّفتُ فيكم شيئين، لن تضلوا بعدهما أبدًا. كتاب الله، وسنتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض". أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٤). وأورد بسنده عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ ، خطب الناس في حجة الوداع، فقال:"يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به، فلن تضلوا أبدًا، كتاب الله وسنتي". أخرجه الحاكم أيضًا (٥).
стр. 311
وأورده بسنده أيضا عن عروة أن النبي ﷺ ، خطب في حجة الوداع، فقال: "إني تركت فيكم ما إن اعتصمتم به، فلن تضلوا أبدًا أمرين اثنين: كتاب الله وسنة نبيكم، أيها الناس اسمعوا ما أقول لكم، تعيشوا به". وأخرج بسنده عن ابن وهب قال: سمعت مالك بن أنس يقول: ألزم ما قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: "أمران تركتهما فيكم، لن تضلوا ما تمسكم بهما: كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ ". وأخرج بسنده عن الْعِرْبَاض بن سارية، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، ثم أقبل علينا، فوعَظَنا مَوْعظةً بليغةً، ذَرَفَت منها العيون، ووَجِلَت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأنها موعظة مُوَدِّع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعه، وإن تأمر عليكم عبد حبشي، كأنّ رأسه زبيبة، فإنه من يَعِش منكم بعدي، فسيرىَ اختلافا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود، وابن ماجه، والحاكم في "مستدركه" (١).
وأخرج بسنده عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: "ستة لعنهم الله، وكل نبي مجاب الدعوة. الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، المتسلط بالجبروت ليذل بذلك من أعز الله، ويعز من أذل الله، والمستحل لحرم الله، والمستحل من عترتي ما حرم الله، والتارك لسنتي". قلت: أخرجه أيضا الطبراني، والحاكم وصححه (٢). وأخرج بسنده عن ابن عمرو، أن النبي ﷺ قال: "إن لكل عمل شِرَّةً، ولكل شِرَّة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت إلى غير ذلك، فقد هلك" (٣). وأخرج بسنده عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ قال: "من أحيا سنتي، فقد أحبني، ومن أحبني كان
стр. 312
معي في الجنة" (١). قلت أخرجه أيضا الترمذي. وأخرج بسنده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﵊: "القائم بسنتي عند فساد أمتي له أجر مائة شهيد" (٢).
قلت أخرجه أيضا الطبراني.
ثم قال البيهقي في "باب بيان وجوه السنة": قال الشافعي ﵁: وسنة رسول الله ﷺ من ثلاثة أوجه: [أحدها]: ما أنزل الله فيه نص كتاب، فسن رسول الله ﷺ بمثل نص الكتاب. [والثاني]: ما أنزل الله فيه جملة كتاب، فَبَيَّنَ عن الله معنى ما أراد بالجملة، وأوضح كيف فرضها عامّا أو خاصا؟ وكيف أراد أن يأتي به العباد؟. [والثالث]: ما سنّ رسول الله ﷺ ، مما ليس فيه نصّ كتاب. فمنهم من قال: جعله الله له بما افترض من طاعته، وسبق في علمه من توفيقه لرضاه، أن يسن فيما ليس فيه نص كتاب. ومنهم من قال: لم يسن سنة قط إلا ولها أصل في الكتاب، كما كانت سنته، كتبيين عدد الصلاة، وعملها على أصل جملة فرض الصلاة، وكذلك ما سن في البيوع وغيرها من الشرائع؛ لأن الله -تعالى ذكره- قال: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فما أحل وحرم، فإنما بَيَّنَ فيه عن الله، كما بين في الصلاة. ومنهم من قال: بل جاءته به رسالة الله، فأثبتت سنته بفرض الله تعالى. ومنهم من قال: أُلْقِيَ في رُوعِهِ كلّ ما سَنَّ، وسنته الحكمة التي أُلقيت في رُوْعه عن الله تعالى. انتهى بلفظه.
ثم أخرج البيهقي بسنده عن عمر بن الخطاب، أنه قال على المنبر: "يا أيها الناس إن الرأي إنما كان من رسول الله ﷺ ؛ لأن الله تعالى كان يُريه، وإنما هو منا الظن والتكلف" (٣). وأخرج بسنده عن الشعبي: أن رسول الله ﷺ كان يقضي بالقضاء،
стр. 313
وينزل القرآن بغير ما قضى، فيستقبل حكم القرآن، ولا يرد قضاءه الأول.
واحتج من ذهب إلى أنه لم يَسُنّ إلا بأمر الله، إما بوحي ينزله عليه، فيتلى على الناس، أو برسالة ثابتة عن الله، أن افعل كذا بقوله ﷺ ، فيما رواه الشيخان في قصة الزاني: "لأقضين بينكم بكتاب الله" (١)، ثم قضى بالجلد والتغريب، وليس التغريب في القرآن. وبما أخرجه الشيخان عن يعلى بن أمية: أن النبي ﷺ كان بالجعرانة، فجاءه رجل، عليه جبة، متضمخ بطيب، وقد أحرم بعمرة، فقال: يا رسول الله، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة، بعد ما تضمخ بطيب؟ فنظر إليه النبي ﷺ ساعة، ثم سكت، فجاءه الوحي، فأنزل الله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ثم سُرِّى عنه، فقال: "أين الذي سألني عن العمرة آنفًا؟ أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك" (٢). ثم أخرج البيهقي بسنده عن طاوس: أن عنده كتابا من العقول نزل به الوحي، وما فرض رسول الله ﷺ من صدقة وعقول، فإنما نزل به الوحي. وأخرج بسنده عن حسان بن عطية قال: "كان جبريل ﵇ ينزل على رسول الله ﷺ بالسنة، كما ينزل عليه بالقرآن، يعلمه إياها، كما يعلمه القرآن". أخرجه الدارمي. وأخرج بسنده من طريق القاسم بن مُخَيمِرة، عن طلحة بن فضيلة قال: قيل لرسول الله ﷺ في عامِ سنةٍ: سَعِّرْ لنا يا رسول الله، قال: "لا يسألني الله عن سُنَّةٍ أحدثتها فيكم لم يأمرني بها، ولكن اسألوا الله من فضله" (٣). وأخرج بسنده عن المطلب بن حنطب: أن رسول الله ﷺ قال: "ما تركت شيئا مما أمركم الله به، إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئا مما نهاكم الله عنه، إلا وقد نهيتكم عنه، وأن
стр. 314
الروح الأمين قد نَفَثَ في رُوعِي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب" (١). قال الشافعي: وليس تَعْدُو السنن كلها واحدا من هذه المعاني التي وضعت باختلاف من حكيتُ عنه من أهل العلم، وكل ما سَنَّ فقد ألزمنا الله تعالى اتباعه، وجعل في اتباعه طاعته، وفي العنود عن اتباعه معصيته التي لم يَعذِر بها خلقا، ولم يجعل له من اتباع سنن نبيه مخرجا.
ثم قال البيهقي: "باب ما أمر الله به من طاعة رسوله ﷺ ، والبيان أن طاعته طاعته" قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]، وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. قال الشافعي ﵁: فأعلمهم أن بيعة رسوله بيعته، وأن طاعته طاعته، فقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] قال الشافعي: -فيما بلغنا، والله تعالى أعلم- نزلت هذه الآية في رجل خاصم الزبير في أرض، فقضى النبي ﷺ بها للزبير، وهذا القضاء سنة من رسول الله ﷺ ، لا حكم منصوص في القرآن. أخرج الشيخان عن عبد الله بن الزبير: أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير في شِرَاج الحَرَّة التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سَرِّح الماء يَمُرُّ، فأبى عليه الزبير، فاختصما إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك"، فقال الأنصاري: يا رسول الله أن كان ابن عمتك، فتَلَوَّن وجهُ رسول الله ﷺ ، فقال: "يا زبير اسق، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر"، فقال الزبير: والله إني لأحسب أن هذه
стр. 315
الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٥]. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله (١). وأخرج البخاري عن جابر بن عبد الله، قال: "جاءت ملائكة إلى نبي الله ﷺ ، وهو نائم، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة، والقلب يقظان، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلًا، فاضربوا له مثلًا، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة، والقلب يقظان، فقالوا: مثله كمثل رجل بَنَى دارًا، وجعل فيها مَأْدبَةً، وبعث داعيا، فمن أجاب الداعي دخل الدار، وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار، ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أَوِّلُوها له يفقهها، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة، والقلب يقظان، فقالوا: فالدار الجنة، والداعي محمد ﷺ ، فمن أطاع محمدا ﷺ فقد أطاع الله، ومن عصى محمدا ﷺ فقد عصى الله، ومحمد ﷺ فَرْقُ بين الناس" (٢). وأخرج البخاري عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "كُلُّ أمتي يدخلون الجنة إلا من أبي"، قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصانى فقد أبي" (٣). قال الشافعي ﵀: وقال تعالى ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] إلى قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. وأخرج البيهقي عن سفيان في قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَة﴾، قال: يطبع الله على قلوبهم،
стр. 316
قال الشافعي: وأَمَرَهم بأخذ ما آتاهم، والانتهاء عما نهاهم عنه، فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. أخرج الشيخان عن ابن مسعود، أنه قال: لعن الله الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله تعالى، فبلغ ذلك امرأة يقال لها: أم يعقوب، فجاءت، فقالت: إنه بلغني أنك قلت: كيت وكيت، فقال: ما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ ، وهو في كتاب الله، فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين، فما وجدته، قال: إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه، أما قرأت: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]؟ قالت: بلى، قال: فإنه نهى عنه. قال الشافعي: وأبان أنه يَهدي إلى صراط مستقيم، فقال: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. قال الشافعي: وكان فرضه على من عاين رسول الله ﷺ ، ومن بعده إلى يوم القيامة واحدًا في أن على كل طاعته. ثم أخرج البيهقي بسنده عن ميمون بن مِهْران في قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، قالوا: الردّ إلى الله إلى كتابه، والرد إلى الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إذا قبض إلى سنته. ثم أورد البيهقي من حديث أبي داود، عن أبي رافع قال: قال رسول الله:"لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري، مما أمرت به، أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه" (١).
قال الشافعي: وفي هذا تثبيت الخبر عن رسول الله ﷺ ، وإعلامهم أنه لازم لهم، وإن لم يجدوا فيه نصا في كتاب الله. ثم أورد البيهقي حديث أبي داود أيضًا عن العرباض بن سارية، قال: نزلنا مع النبي ﷺ خيبر، ومعه من معه من أصحابه، وكان صاحبُ
خيبر رجلا مارِدًا منكرًا، فأقبل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا محمد ألكم أن تذبحوا حمرنا،
стр. 317
وتأكلوا ثمرنا، وتضربوا نساءنا، فغضب النبي ﷺ ، وقال: "يا ابن عوف اركب فرسك، ثم نَادِ أن اجتمعوا للصلاة"، فاجتمعوا، فصلى النبي ﵊، ثم قام فقال: "أيحسب أحدكم متكئا على أريكته، لا يظن أن الله لم يحرم شيئا إلا ما في هذا القرآن، ألا إني والله قد أمرت، ووعظت، ونهيت عن أشياء، إنها لمثل القرآن، أو أكثر، وإن الله لم يُحِلَّ لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن، ولا ضرب نسائهم، ولا أكل ثمارهم، إذا أعطوكم الذي عليهم".
ثم قال البيهقي: "باب بيان بطلان ما يَحتجّ به بعضُ من رد الأخبار، من الأخبار التي رواها بعض الضعفاء في عرض السنة على القرآن".
قال الشافعي: احتج عَلَيَّ بعضُ من ردّ الأخبار بما رُوي أن النبي ﵊ قال: "ما جاءكم عني فأعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فأنا قلته، وما خالفه فلم أقله" (١). فقلت له: ما رَوَى هذا أحد يثبت حديثه في شيء صغير ولا كبير، وإنما هي رواية منقطعة، عن رجل مجهول، ونحن لا نقبل مثل هذه الرواية في شيء. قال البيهقي أشار الإمام الشافعي إلى ما رواه خالد بن أبي كريمة، عن أبي جعفر، عن رسول الله ﷺ ، أنه دعا اليهود فسألهم، فحدثوه حتى كذبوا على عيسى ﵇، فصعد النبي ﷺ المنبر، فخطب الناس، فقال: إن الحديث سيفشو عني، فما أتاكم يوافق القرآن فهو عني، وما أتاكم عني يخالف القرآن فليس عني. قال البيهقي: خالد مجهول، وأبو جعفر ليس بصحابي، فالحديث منقطع. وقال الشافعي: وليس يخالف الحديث القرآن، ولكن حديث رسول الله ﷺ يبين معنى ما أراد خاصا وعاما، وناسخا ومنسوخًا، ثم يلزم الناس ما سن بفرض الله، فمن قَبِلَ عن رسول الله ﷺ فعن الله قبل. قال البيهقي: وقد رُوي الحديث من أوجه أخر كلها ضعيفة. ثم أخرج من طريق ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن الأصبغ بن محمد بن أبي منصور، أنه بلغه أن رسول الله قال:
стр. 318
الحديث على ثلاث: فأيما حديث بلغكم عني تعرفونه بكتاب الله فاقبلوه، وأيما حديث بلغكم عني لا تجدون القرآن موضعه، ولا تعرفون موضعه فلا تقبلوه، وأيما حديث بلغكم عني تَقْشَعِرُّ منه جلودكم، وتشمئزّ منه قلوبكم، وتجدون في القرآن خلافه فردوه". قال البيهقي: وهذه رواية منقطعة عن رجل مجهول. ثم أخرج بسنده من طريق عاصم بن أبي النجود، عن زِرّ بن حُبيش، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنها تكون بعدي رُواة يروون عنى الحديث، فاعرضوا حديثهم على القرآن، فما وافق القرآن فحدثوا به، وما لم يوافق القرآن فلا تأخذوا به". قال البيهقي: قال الدارقطني: هذا وَهَمٌ، والصواب عن عاصم، عن زيد بن علي منقطعًا. قال بسنده من طريق بشر بن نمير، عن حسين بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن علي: أن رسول الله ﷺ قال: "إنه سيأتي ناس يحدثون عني حديثًا، فمن حدثكم حديثا يُضارع القرآن فأنا قلته، ومن حدثكم حديثا لا يضارع القرآن فلم أقله". قال، البيهقي: هذا إسناد ضعيف، لا يحتج بمثله، حسين بن عبد الله بن ضميرة قال فيه ابن معين: ليس بشيء، وبشر بن نمير ليس بثقة. ثم أخرج بسنده من طريق صالح بن موسى، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنه سيأتيكم مني أحاديث مختلفة، فما أتاكم! موافقا لكتاب الله وسنتي فهو مني، وما أتاكم مخالفا لكتاب الله وسنتي فليس مني". قال البيهقي: تفرد به صالح بن موسى الطلحي، وهو ضعيف، لا يحتج بحديثه. قلت: (١) ومع ذلك فالحديث لنا لا علينا، ألا ترى إلى قوله: "موافقا لكتاب الله وسنتي". ثم أخرج البيهقي من طريق يحيى بن آدم، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا حُدّثتم عني حديثا تعرفونه ولا تنكرونه، قلته أو لم أقله فصدقوا به، فإني أقول ما يعرف ولا ينكر، وإذا حدثتم عني حديثا تنكرونه ولا تعرفونه، فلا تصدقوا به، فإني لا أقول ما يُنكَر ولا
стр. 319
يُعرَف". قال البيهقي: قال ابن خزيمة: في صحة هذا الحديث مقال، لم نَرَ في شرق الأرض ولا غربها أحدا يعرف خبر ابن أبي ذئب، من غير رواية يحيى بن آدم، ولا رأيت أحدا من علماء الحديث يُثبت هذا عن أبي هريرة. قال البيهقي: وهو مختلف على يحيى ابن آدم في إسناده ومتنه اختلافا كثيرا، يوجب الاضطراب، مفهم من يذكر أبا هريرة، ومنهم من لا يذكره ويرسل الحديث، ومنهم من يقول في متنه: "إذا رويتم الحديث عني فاعرضوه على كتاب إلله". وقال البخاري في "تاريخه": ذكر أبي هريرة فيه وَهَمٌ. ثم أخرج البيهقي من طريق الحارث بن نَبْهان، عن محمد بن عبد الله العرزمي، عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "ما بلغكم عني من حديث حسن لم أقله، فأنا قلته". قال البيهقي: هذا باطل، والحارث، والعرزمي متروكان (١)، وعبد الله بن سعيد عن أبي هريرة مرسل فاحش. قال: وقد رُوي عن أبي هريرة ما يضادّ بعض هذا، ثم أخرج من طريق أبي معشر السندي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه الحديث من حديثي، فيقول: اتل عليّ قرآنًا، ما آتاكم من خير عني، قلته أو لم أقله فأنا أقوله، وما أتاكم عني من شر، فإني لا أقول الشر". قال البيهقي: صدر هذا الحديث موافق للأحاديث الصحيحة في قبول الأخبار، وقوله: "قلته أو لم أقله" في هذه الأحاديث ما لا يليق بكلام النبي ﷺ ولا يشبه المقبول. ثم أخرج من طريق عبد الرحمن ابن سلمان بن عمرو مولى المطلب، عن أبي الحويرث، عن محمد بن جبير بن مطعم: أن رسول الله ﷺ قال: "ما حُدّثتم عني مما تعرفون فصدقوا، وما حدثتم عني مما تنكرون فلا تصدقوا، فإني لا أقول المنكر، وليس مني". قال البيهقي: وهذا منقطع، قال: وأمثل إسناد رُوَي في هذا المعنى ما رواه ربيعة، عن عبد الملك بن سعيد بن سويد، عن أبي حميد، أو أبي أُسيد قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم،
стр. 320
وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم قريب، فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم، وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم منه" (١). ثم أخرج من طريق بكير، عن عبد الملك بن سعيد، عن ابن عباس بن سهل، عن أُبَيّ، قال: إذا بلغكم عن رسول الله ﷺ ما يُعرف، وتلين له الجلود، فقد يقول النبي ﷺ الخير، ولا يقول إلا الخير". قال البيهقي: قال البخاري: وهذا أصح -يعني أصح من رواية من رواه عن أبي حميد، أو أبي أسيد-. وقد رواه ابن لهيعة عن بكير بن الأشج، عن عبد الملك بن سعيد، عن القاسم بن سهيل، عن أبي بن كعب، قال ذلك بمعناه، فصار الحديث المسند معلولًا، وعلى الأحوال كلها حديث رسول الله ﷺ الثابت عنه قريب من العقول، موافق للأصول، لا ينكره عَقْلُ من عَقَلَ عن الله الموضعَ الذي وُضِع به رسول الله ﷺ من دينه، وما افتُرِض على الناس من طاعته، ولا يَنفِر منه قلب من اعتقد تصديقه فيما قال، واتباعه فيما حَكَم به، وكما هو جميلٌ حسنٌ من حيث الشرع، جميل في الأخلاق، حسن عند أولي الألباب. هذا هو المراد بما عسى يصح من ألفاظ هذه الأخبار.
ثم أخرج بسنده عن ابن عباس قال: إذا حدثتكم بحديث عن رسول الله ﷺ ، فلم تجدوا تصديقه في الكتاب، أو هو حسن في أخلاق الناس، فأنا به كاذب. وأخرج عن علي: فإذا حدثتم عن رسول الله ﷺ شيئا، فظُنُّوا به الذي هو أهدى، والذي هو أهنأ، والذي هو أتقى (٢). قلت (٣): والمعول عليه في معنى الحديث المورد أن تثبت ما أشار إليه الإمام الشافعي مما سبق أن السنة الثابتة ليست منافرة للقرآن، بل معاضدة له،