الحاكم: صحيح إن كان معمر سمع من سعيد. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان، فقيها حافظا متقنا ورعا، مات في رمضان سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين ومائة.
قال الواقدي وجماعة: مات سنة ثلاث. وقال أحمد، ويحيى، وعلي، مات سنة أربع، زاد أحمد: وهو ابن ثمان وخمسين. وقال الطبراني: كان معه بن راشد، وسَلْمَ بن أبي الذَّيّال فُقِدا، فلم يُرَ لهما أثر. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧١) حديثًا.
٤ - (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحافط الثبت الحجة، رأس الطبقة [٤] تقدّم ٢/ ٤.
٥ - (سالم) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب القرشيّ العدويّ، أبو عمر، ويقال: أبو عبد الله المدنيّ، أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، ثقة ثبت عابد فاضلٌ، كان يُشبّه بأبيه في الهدي والسَّمْت، من كبار [٣].
رَوَى عن أبيه، وأبي هريرة، وأبي رافع، وأبي أيوب، وعن زيد بن الخطاب (١)، وأبي لبابة على خلاف فيه، وغيرهم.
وروى عنه أبنه أبو بكر، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، والزهري، وصالح بن كيسان، وحنظلة بن أبي سفيان، وعبيد الله بن عمر بن حفص، وغيرهم.
قال ابن المسيب: كَان عبد الله أشبه ولد عمر به، وكان سالم أشبه ولد عبد الله به.
وقال مالك: لم يكن أحد في زمان سالم بن عبد الله أشبه من مضى من الصالحين في الزهد والفضل والعيش منه. وقال الأصمعي عن ابن أبي الزناد كان أهل المدينة يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد، حتى نشأ فيهم القراء السادة: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، ففاقوا أهل المدينة علمًا وتُقًى وعبادة وورعًا، فَرَغِبَ الناس حينئذ في السراري. وقال علي بن الحسن العسقلاني عن ابن
стр. 247
المبارك: كان فقهاء أهل المدينة سبعة، فذكره فيهم، قال: وكانوا إذا جاءتهم المسألة دخلوا فيها جميعًا، فنظروا فيها، ولا يقضي القاضي حتى يرفع إليهم، فينظرون فيها، فيَصْدُرون. وقال مالك: كان ابن عمر يخرج إلى السوق فيشتري، وكان سالم دهره يشتري في الأسواق، وكان من أفضل زمانه. وقال أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، أصح الأسانيد: الزهري، عن سالم، عن أبيه. وقال الدُّوري عن ابن معين: سالم، والقاسم، حديثهما قريب من السواء، وسعيد بن المسيب قريب منهما، وإبراهيم أعجب إلي مرسلًا منهم. وقال البخاري: لم يسمع من عائشة. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، عاليا من الرجال. وقال ابن حبان في "الثقات": كان يشبه أباه في السَّمْت والْهَدْي. وقال البخاري في "التاريخ الصغير": لا أدري سالم عن أبي رافع صحيح أم لا؟. وقال غيره: لمّا قَدِمَ سبي فارس على عمر، كان فيه بنات يَزدَجْردَ، فقُوِّمن، فأخذهن علي، فأعطى واحدة لابن عمر، فولدت له سالمًا، وأعطى أختها لولده الحسين، فولدت له عليًّا، وأعطى أختها لمحمد ابن أبي بكر، فولدت له القاسم.
وقال أبو نعيم وجماعة: مات سنة ست ومائة، في ذي القعدة، أو ذي الحجة.
وقال خليفة: سنة (٧)، وقال الهيثم بن عدي: سنة (٨)، وقال الأصمعي: سنة (٥)، والأول أصح أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٤) حديثًا.
٦ - (ابن عمر) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، تقدّم ١/ ٤ والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها). أن رجاله كلهم رجال الجماعة إلا شيخه، فما أخرج له مسلم.
٣ - (ومنها). أنه مسلسل بالمدنيين من ابن شهاب، وشيخه نيسابوريّ، والباقيان يمنيّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعيّ.
стр. 248
٥ - (ومنها): أن فيه سالمًا أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
٦ - (ومنها): أن فيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا، وهو من المشهورين بالفتوى. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَا) ناهية، ولذا جُزم الفعل بعدها (تَمْنَعُوا إِمَاءَ الله) بكسر الهمزة: جمع أمة. قال في "المصباح": "الأمة": محذوفة اللام، وهي واو، والأصل: أَمَوَةٌ، ولهذا تردّ في التصغير، فيقال: أُميّةٌ، والأصل أُمَيْوَةٌ، وبالمصغّر سُمّي الرجل، والتثنية أَمَتَان على لغة المفرد، والجمعُ: آمٍ وِزَانُ قاضٍ، وإِمَاءٌ وِزَان كِتَابٍ، وإمْوَانٌ وِزانُ إِسْلام. وقد تُجمع على أَمَوَاتٍ، مثلُ سَنَوَاتٍ. انتهى (١).
والتعبير بإماء الله أوقع في النفس من التعبير بالنساء، إذ فيه مناسبة تقتضي الإباحة، حيث عُلّق الحكم على الوصف المناسب، كأنه قيل: لا تمنعوا هؤلاء المملوكات عن بيوت مالكهنّ. أفاده بعض المحقّقين (٢).
(أَنْ يُصَلِّينَ في المسْجِدِ) "أن" بفتح الهمزة، وتخفيف النون مصدريّة، والفعل في تأويل المصدر مفعول ثان لمنع؛ لأنه يتعدّى بنفسه إلى مفعولين، يقال: منعته الأمرَ، ويتعدّى أيضًا إلى الثاني بـ "من"، فيقال: منعته من الأمر. قال في "المصباح": منعه الأمرَ، ومن الأمر مَنْعًا، فهو ممنوع منه: محروم. انتهى (فَقَالَ ابْنٌ لَهُ) أي لابن عمر رضي الله تعالى عنهما، واختَلفت الروايات في تسمية ابنه هذا، ففي رواية لمسلم تسميته بلالا، فقد أخرجه من طريق كعب بن علقمة، عن بلال بن عبد الله بن عمر، عن أبيه بلفظ: "لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد، إذا استأذنّكم، فقال بلال. والله لنمنعهن ... " الحديث. وللطبراني من طريق عبد الله بن هُبيرة، عن بلال بن عبد الله نحوه، وفيه:
стр. 249
"فقلت: أما أنا فسأمنع أهلي، فمن شاء فلْيُسَرِّح أهله". وفي رواية يونس، عن ابن شهاب الزهري، عن سالم، في هذا الحديث قال: فقال بلال بن عبد الله: "والله لنمنعهن"، ومثله في رواية عُقَيل عند أحمد، وعنده في رواية شعبة، عن الأعمش فقال سالم، أو بعض بنيه: "والله لا ندعهن يتخذنه دَغَلًا ... " الحديث. وفي رواية لمسلم من طريق عمرو بن دينار، عن مجاهد: فقال له ابن له، يقال له: واقد: إذًا يَتَّخِذنه دَغَلًا، قال: فضرب في صدره، وقال أحدثك عن رسول الله ﷺ ، وتقول: لا.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: والراجح من هذا أن صاحب القصة بلال؛ لورود ذلك من روايته نفسه، ومن رواية أخيه سالم، ولم يُختلف عليهما في ذلك، وأما هذه الرواية الأخيرة فمرجوحة؛ لوقوع الشك فيها، ولم أره مع ذلك في شيء من الروايات عن الأعمش مسمى، ولا عن شيخه مجاهد، فقد أخرجه أحمد من رواية إبراهيم بن مهاجر، وابن أبي نجيح، وليث بن أبي سُليم، كلهم عن مجاهد، ولم يسمه أحد منهم، فإن كانت رواية عمرو بن دينار، عن مجاهد محفوظة في تسميته واقدًا، فيحتمل أن يكون كل من بلال وواقد وقع منه ذلك، إما في مجلس، أو في مجلسين، وأجاب ابن عمر كلا منهما بجواب يليق به. ويقويه اختلاف النَّقَلَة في جواب ابن عمر، ففي رواية بلال عند مسلم: "فأقبل عليه عبد الله، فسبه سبا سيئا، ما سمعته يسبه مثله قط"، وفسر عبد الله ابن هُبيرة في رواية الطبراني السب المذكور باللعن ثلاث مرات. وفي رواية زائدة، عن الأعمش: "فانتهره، وقال: أُفّ لك"، وله عن ابن نمير، عن الأعمش: "فعل الله بك، وفعل"، ومثله للترمذي من رواية عيسى بن يونس. ولمسلم من رواية أبي معاوية: "فزبره". ولأبي داود من رواية جرير: "فسبّه، وغضب".
فيحتمل أن يكون بلال البادئ، فلذلك أجابه بالسب المفسر باللعن، وأن يكون واقد بدأه فلذلك أجابه بالسب المفسر بالتأفيف، مع الدفع في صدره، وكأن السر في ذلك أن بلالا عارض الخبر برأيه، ولم يذكر علة الخالفة، ووافقه واقد، لكن ذكرها بقوله: "يتخذنه دَغَلًا"، وهو -بفتح المهملة، ثم المعجمة- وأصله الشجر الملْتَفّ، ثم
стр. 250
استعمل في المخادعة؛ لكون المخادع يَلُفّ في ضميره أمرا، ويظهر غيره، وكأنه قال ذلك لا رأى من فساد بعض النساء في ذلك الوقت، وحملته على ذلك الغيرة، وإنما أنكر عليه ابن عمر لتصريحه بمخالفة الحديث، هالا فلو قال مثلا: إن الزمان قد تغير، وإن بعضهن ربما ظهر منه قصد المسجد وإضمار غيره، لكان يظهر أن لا ينكر عليه.
(إِنَّا لنَمْنَعُهُنِّ) أي نمنع النساء حضور المساجد (فَغَضِبَ) ابن عمر رضي الله تعالى عنهما على ابنه هذا (غَضَبًا شَدِيدًا) لمعارضته السنّة، كما بيّنه بقوله (وَقَالَ) أي اين عمر (أُحَدِّثُكَ عَن رَسُولِ الله ﷺ ، وتَقُولُ: إِنَّا لنَمْنَعُهُنَّ) معارضًا للنصّ، وفي رواية لأحمد بن طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "فما كلّمه عبد الله حتى مات" .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا من طريق سالم، عنه، و (الشافعي) (١/ ١٢٧)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّقه" (٥١٠٧)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٦١٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" ٢/ ٣٨٣، و (أحمد) في "مسنده" ٢/ ٧ و ٩ و ٥٧ و١٤٠ و ١٤٣ و١٥١ و ١٥٦ و (الدارمي) في "سننه" (٤٤٨)، و (البخاريّ) ١/ ٢١٩ و ٢٢٠ و ٧/ ٤٩ و (مسلم) ٢/ ٣٢ و (النسائي) ٢/ ٤٢ و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٦٧٧) و (أبو عوانة) ٢/ ٥٦ و ٥٧ و (البيهقيّ) في "الكبرى"٣/ ١٣٢ و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٦٢).
وأخرجه من طريق نافع، عنه (أحمد) ٢/ ١٦/ و ٣٦ و٤٥ و١٥١، و (البخاريّ) ٢/ ٧ و (مسلم) ٢/ ٣٣ و (أبو داود) (٥٦٨)، و (ابن خزيمة) (١٦٧٨) و (أبو عوانة) ٢/ ٥٩، و (ابن حبان) (٢٢٠٨) و (٢٢٠٩).
وأخرجه من طريق مجاهد، عنه (عبد الرزاق) (٥١٠٨) و (الطيالسيّ) (١٨٩٢)،
стр. 251
و (أحمد) ٢/ ٣٦ و ٤٣ و ٤٩ و ٩٨ و ١٢٧ و١٤٣و١٤٥و (عبد بن حميد) (٨٠٥)، و (البخاري) ٢/ ٧ و (مسلم) ٢/ ٣٣ و (أبو داود) (٥٦٨) و (الترمذيّ) (٥٧٠) و (ابن حبان) (٢٢١٠) و (أبو عوانة) ٢/ ٥٧ - ٥٨ و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٣٤٧١) و (١٣٤٧٢) و (١٣٥٦٥) و (١٣٥٧٠) و (البيهقي) في "الكبرى" ٣/ ١٣٢.
وأخرجه من طريق حبيب ابن أبي ثابت، عنه (أحمد) ٢/ ٧٦ و (أبو داود) (٥٦٧) و (ابن خزيمة) (١٦٨٤) و (البيهقيّ) ٣/ ١٣١ و (البغويّ) في "شرح السنة" (٨٦٤).
وأخرجه من طريق عمرو بن دينار، عنه (الطيالسيّ) (١٩٠٣) و (أبو عوانة) ٢/ ٥٨.
وأخرجه من طريق بلال بن عبد الله بن عمر، عن أبيه (أحمد) ٢/ ٩٠ و (مسلم) ٢/ ٣٣ و (أبو عوانة) ٢/ ٥٧.
وأخرجه من طريق محمد بن علي بن الحسين الباقر، عنه (الطبرانيّ) (١٣٢٥٥).
والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: هذا الحديث رُوي عن أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهنيّ ﵄.
فأما حديث أبي هريرة ﵁، فأخرجه (الشافعي) ١/ ١٢٧ و (عبد الرزّاق) (٥١٢١) و (الحميديّ) (٩٧٨) و (ابن أبي شيبة) ٢/ ٣٨٣ و (أحمد) ٢/ ٤٣٨ و٤٧٥ و ٥٢٨، و (أبو داود) (٥٦٥) و (الدارميّ) (١٢٨٢) و (١٢٨٣) و (ابن خزيمة (١٦٧٩) و (ابن حبان) (٢٢١٤)، وغيرهم.
وأما حديث زيد بن خالد ﵁، فأخرجه (أحمد) ٥/ ١٩٢ و١٩٣، و (ابن حبان) (٢٢١١) و (الطبرانيّ) (٥٢٣٩) و (٥٢٤٠) و (البزاز) (٤٤٥) بإسناد حسن، كما قال الحافط الهيثميّ في "مجمع الزوائد" ٢/ ٣٢ - ٣٣، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف ﵀، وهو بيان وجوب تعظيم حديث رسول الله ﷺ ، والتغليظ على من عارضه، ووجه ذلك أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما
стр. 252
غضب على ولده غضبًا شديدًا لمّا خالف حديث رسول الله ﷺ .
٢ - (ومنها): أن فيه جواز خروج النساء إلى مسجد الجماعة؛ لأنه لو كان ممنوعًا لم يؤمر الرجال بالإذن لهنّ إذا استأذنّ، ولكنه مشروط بالشروط الآتية.
واختلف العلماء في شهودها الجماعة، هل هو مندوبٌ، أو مباحٌ فقط؟ فقال محمد بن جرير الطبريّ: إن إطلاق الخروج لهنّ إلى المساجد إباحة، لا ندب، ولا فرض.
وفرق بعضهم بين الشابّة والعجوز. ذكره وليّ الدين (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالإباحة هو الأرجح؛ بدليل قوله ﷺ : "وبيوتهنّ خير لهنّ". أخرجه أبو داود (٢)، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): أن الزوج لا يجوز له أن يمنعها من المساجد إذا استأذنته، إذا استوفت الشروط، قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: الحديث عامّ في النساء، ولكن الفقهاء قد خصّوه بشروط، وحالات، منها: أن لا يتطيّبن، وهذا الشرط مذكور في الحديث، ففي بعض الروايات: "وليَخرُجن تَفِلات" (٣). وفي بعضها: "إذا شهدت إحداكنّ المسجد، فلا تمسّ طيبًا" (٤). وفي بعضها: "إذا شهدت إحداكنّ العشاء، فلا تطيّب تلك الليلة". فيُلحق بالطيب ما في معناه، فإن الطيب إنما مُنع منه لما فيه من تحريك داعية الرجال، وشهوتهم، وربما يكون سببًا لتحريك شهوة المرأة أيضًا، فما أوجب هذا المعنى التحق به. وقد صحّ أن النبيّ ﷺ قال: "أيما امرأة أصابت بَخُورًا، فلا تشهد معنا العشاء الآخرة". أخرجه مسلم. ويُلحق به أيضًا حسن الملابس، ولبس الحلي الذي يظهر أثره في الزينة.
стр. 253
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في إلحاق هذه الأشياء بالمنصوص عليه نظر لا يخفى؛ إذ هذه الأشياء كانت موجودة وقت ورود النصّ، فخصّ بعض الأشياء، كالطيب، وسكت عن غيره، فإلحاقه به محلّ نظر. والله تعالى أعلم.
قال: ومما خصّ به بعضهم هذا الحديث أن منع الخروج إلى المسجد للمرأة الجميلة المشهورة جائز.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا أيضًا غير صحيح؛ لأن النصّ عامّ، وقد أخرج الترمذيّ، والنسائيّ من حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، قال: كانت امرأة تصلي خلف رسول الله ﷺ حسناء من أحسن الناس، فكان بعض القوم يتقدّم حتى يكون في الصفّ الأول حتى لا يراها، ويتأخّر بعضهم حتى يكون في الصفّ الأخير حتى يراها، فإذا ركع نظر من تحت إبطه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر: ٢٤] (١).
ومحلّ الشاهد كون المرأة الجميلة كانت تحضر الصلاة في المسجد، ولم تمنع من ذلك، وإن ذُمّ من يقصد النظر إليها. والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): مشروعيّة صلاة الجماعة للنساء، وإن كان صلاتهنّ في البيوت أفضل لهن؛ لقوله ﷺ : "وبيوتهنّ خير لهنّ". روه أبو داود.
٥ - (ومنها): أنه يجوز للرجل أن يمنع امرأته من الخروج إلا بإذنه.
٦ - (ومنها): أنه يؤخذ من إنكار عبد الله ﵁ على ولده تأديب المعترض على السنن برأيه، والعامل بهواه.
٧ - (ومنها): تأديب الرجل ولده، وإن كان كبيرًا، وتأديب العالم من يتعلّم عنده إذا تكلم بما لا ينبغي.
стр. 254
٨ - (ومنها): جواز التأديب بالهجران، فقد وقع في رواية ابن أبي نجيح، عن مجاهد عند أحمد: "فما كلّمه عبد الله حتى مات". وهذا -إن كان محفوظا- يحتمل أن يكون أحدهما مات عقب هذه القصة بيسير. قاله في "الفتح" (١). وبقيّة مباحث الحديث ستأتي في "كتاب الصلاة"، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ المذكور أول الكتاب قال:
١٧ - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ الجحْدَرِيُّ، وَأَبُو عَمرٍو حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفّل، أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا إِلَى جَنْبِهِ ابْنُ أَخ لَهُ، فَخَذَفَ، فَنَهَاهُ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْها، وَقَالَ: "إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا، وَلَا تَنْكي عَدُوًّا، وَإِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ العَيْنَ"، قَالَ فَعَادَ ابْنُ أَخِيهِ، فَخَذَفَ، فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسولَ اللهَ ﷺ نَهَى عَنْها، ثُمَّ عُدْتَ تَخْذِفُ، لَا أُكلِّمُك أَبدًا).
وحال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أحمد بن ثابت الجُحدريّ) أبو بكر البصريّ، صدوقٌ [١٠].
رَوَى عن سفيان بن عيينة، وعبد الوهاب الثقفي، وغندر، والقطان، وغيرهم.
ورَوَى عنه المصنّف، والبخاري في "التاريخ"، وابن صاعد، وأبو عروبة، وعمر ابن بجير، وابن خزيمة، وأبو بكر بن أبي داود، وغيرهم. كان حيا في سنة (٢٥٠).
قال ابن حبان في "الثقات": كان مستقيم الأمر في الحديث. وذكره أبو علي الغساني في شيوخ أبي داود وقال: إنه روى عنه في "كتاب بدء الوحي "له. رَوَى عنه المصنّف في هذا الكتاب أربعة عشر حديثًا.
٢ - (أبو عَمْرو حفص بن عَمْرو) بن ربَال -بفتح الراء، والموحّدة- ابن إبراهيم ابن عجلان الرَّبَاليّ الرَّقَاشيّ، أبو عُمَر، ويقال: أبو عَمْرو البصريّ، ثقة عابد [١٠].
стр. 255
رَوَى عن أبي بحر البكراوي، وأبي بكر الحنفي، وعبد الوهاب الثقفي، وابن علية، وأبي عاصم، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو داود في "فضائل الأنصار"، وابن ماجه، وإبراهيم الحربي، والْبُجَيري، وابن خزيمة، وابن ناجية، وموسى بن هارون، وابن أبي داود، والبغوي، وابن صاعد، والمحاملي، وابن مخلد، والحسين بن يحيى بن عياش، وغيرهم.
قال ابن أبي حاتم: أدركته، ولم أسمع منه، وهو صدوق. وقال الدارقطني، وابن قانع: ثقة مأمون. قلت وقال ابن خزيمة في "صحيحه": كان من العباد. وقال ابن كيسان، راوي النسائي: سمعت عبد الصمد البخاري يقول: هو ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، ونسبه هو، والسمعاني مجاشعيا. وقال ابن قانع: مات سنة (٢٥٨). روى عنه المصنف في هذا الكتاب أربعة عشر حديثًا.
[تنبيه]: وقع في بعض النسخ "حفص بن عُمَر" بضم العين، وهو غلطٌ، والصواب "ابن عَمْرو" بالفتح، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
٣ - (عبد الوهّاب) بن عبد المجيد بن الصَّلْت بن عبيد الله بن الحكم بن أبي العاص الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة تغيّر قبل موته بثلاث سنين [٨].
رَوَى عن حميد الطويل، وأيوب السختياني، وابن عون، وخالد الحذاء، وداود بن أبي هند، وغيرهم.
ورَوَى عنه الشافعي، وأحمد، وعلي، ويحيى، وإسحاق، وابنا أبي شيبة، وأبو خيثمة، وبندار، وأبو موسى، ومسدد، وآخرون.
قال عفان عن وهب: لمّا مات عبد المجيد قال لنا أيوب: الزموا هذا الفتى عبد الوهاب. وعده ابن مهدي فيمن كان يحدث من كتب الناس، ولا يحفظ ذلك الحفظ. وقال أحمد: الثقفي أثبت من عبد الأعلى الشامي. وقال عثمان: سألت يحيى بن معين، قلت: ما حال وهيب في أيوب؟ فقال: ثقة، قلت: هو أحب إليك، أو عبد الوهاب؟ قال: ثقة وثقة. وقال الدُّوري عن أَبن معين: اختلط بآخره. وقال عقبة بن مُكْرَم:
стр. 256
اختلط قبل موته بثلاث سنين، أو أربع سنين. وقال علي بن المديني: ليس في الدنيا كتاب عن يحيى -يعني بن سعيد الأنصاري- أصح من كتاب عبد الوهاب، وكل كتاب عن يحيى فهو عليه كَلٌّ. وقال الترمذي: سمعت قتيبة يقول: ما رأيت مثل هؤلاء الأربعة: مالك، والليث، وعبد الوهاب الثقفي، وعباد بن عباد. وقال العجلي: بصري ثقة. وقال عمرو بن علي: اختلط حتى كان لا يعقل، وسمعته وهو مختلط يقول: حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، باختلاطٍ شديد. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (٨٤) وقيل: سنة (٩٤). وقال محمد بن سعد: كان ثقة، وفيه ضعف، وتوفي سنة أربع وتسعين ومائة. وقال أحمد: كان مولده سنة (٨). وقال الفلاس: وُلد سنة (١١٠)، ومات سنة (٩٤). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٨) حديثًا.
٤ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ -بفتح المهملة، بعدها معجمة، ثم مثنّاة، ثم تحتانيّة، وبعد الألف نون- أبو بكر، ويقال: أبو عثمان البصريّ، مولى عنزة، ويقال: مولى جهينة، ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد [٥].
رَأَى أنس بن مالك، وروى عن عمرو بن سَلِمَة الجرمي، وحميد بن هلال، وأبي قلابة، والقاسم بن محمد، والأعرج، وعمرو بن دينار، وغيرهم.
ورَوَى عنه الأعمش من أقرانه، وقتادة، وهو من شيوخه، والحمادان، والسفيانان، وشعبة، وعبد الوارث، ومالك، وخلق كثير.
قال علي بن المديني: له نحو ثمانمائة حديث، وأما ابن علية فكان يقول: حديثه ألفا حديث، فما أقل ما ذهب علي منها. وقال ميمون، أبو عبد الله عن الحسن، وقد رأى أيوب: هذا سيد الفتيان. وقال الجعد أبو عثمان: سمعت الحسن يقول: أيوب سيد شباب أهل البصرة. وقال أبو الوليد عن شعبة: حدثني أيوب، وكان سيد الفقهاء. وقال ابن الطباع، عن حماد بن زيد: كان أيوب عندي أفضل من جالسته، وأشده اتباعا للسنة. وقال الحميدي عن ابن عيينة: ما لقيت مثل أيوب. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: أيوب عن نافع أحب إليك، أو عبيد الله؟ قال: كلاهما، ولم يفضل. وقال
стр. 257
ابن أبي خيثمة عنه: ثقة، وهو أثبت من ابن عون. وقال أبو حاتم: سئل ابن المديني، من أثبت أصحاب نافع؟ قال: أيوب وفَضلُهُ، ومالك وإتقانه، وعبيد الله وحفظه. وقال ابن البراء عن ابن المديني: أيوب في ابن سيرين أثبت من خالد الحذاء. وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتا في الحديث، جامعًا، كثير العلم، حجة عدلًا. وقال أبو حاتم: هو أحب إلي في كل شيء من خالد الحذاء، وهو ثقة، لا يسأل عن مثله، وهو أكبر من سليمان. وقال النسائي: ثقة ثبت.
ورُوي أن شعبة سأله عن حديث، فقال: أشك فيه، فقال له: شكك أحب إلي من يقين غيرك. وقال مالك: كان من العالمين العاملين الخاشعين، وقال أيضا: كتبت عنه لما رأيت من إجلاله للنبي ﷺ .
وقال ابن علية: وُلد أيوب سنة (٦٦). وقال غيره سنة (٦٨). وقال البخاري عن ابن المديني: مات سنة (١٣١) زاد غيره: وهو ابن ثلاث وستين. ويقال: مات سنة (٢٥) وقيل: قبلها بسنة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٥) حديثًا.
٥ - (سعيد بن جبير) بن هشام الأسدي الوالبي مولاهم، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣].
رَوَى عن ابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وأبي موسى الأشعري، وأنس، وعمرو بن ميمون، وعائشة، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابناه: عبد الملك، وعبد الله، ويعلى بن حكيم، ويعلى بن مسلم، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو الزبير المكي، وابن شهاب، وثابت بن عجلان، وغيرهم.
قال يعقوب الْقُمِّيُّ عن جعفر بن أبي المغيرة: كان ابن عباس إذا أتاه أهل الكوفة يستفتونه يقول: أليس فيكم ابن أم الدَّهْمَاء -يعني سعيد بن جبير-. وقال عمرو بن ميمون عن أبيه: لقد مات سعيد بن جبير، وما على ظهر الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه. وكان سفيان يقدم سعيدا على إبراهيم في العلم، وكان أعلم من مجاهد وطاووس. وقال عثمان بن بوذويه: كنت مع وهب بن منبه، وسعيد بن جبير يوم عرفة،
стр. 258
فقال وهب لسعيد: أبا عبد الله كم لك منذ خِفت من الحجاج؟ قال: خرجت عن امرأتي، وهي حامل، فجاءني الذي في بطنها، وقد خَرَجَ وجهه. وقال هشيم: حدثني عتبة مولى الحجاج، قال: حضرت سعيد بن جبير، حين أُتِي به الحجاج بواسط، فجعل الحجاج يقول له: ألم أفعل بك؟، ألم أفعل بك؟ فيقول: بلى، قال: فما حملك على ما صنعت من خروجك علينا؟ قال: بيعة كانت عليّ، قال: فغضب الحجاج، وصفق بيديه، وقال: فبيعة أمير المؤمنين كانت أسبق وأولى، وأمر به، فضُربت عنقه. وقال ابن حبان في "الثقات": كان فقيها عابدًا فاضلا ورعًا، وكان يكتب لعبد الله بن عتبة بن مسعود، حيث كان على قضاء الكوفة، ثم كتب لأبي بردة بن أبي موسى، ثم خرج مع ابن الأشعث في جملة القراء، فلما هُزِم ابن الأشعث، هَرَب سعيد بن جبير إلى مكة، فأخذه خالد الْقَسْريّ بعد مدة، وبعث به إلى الحجاج، فقتله الحجاج سنة (٩٥) وهو ابن (٤٩) لسنة، ثم مات الحجاج بعده بأيام، وكان مولد الحجاج سنة (٤٠). انتهى. وقيل: إن قتله كان في آخر سنة (٩٤)، وقال عمر بن سعيد بن أبي حسين: دعا سعيد بن جبير ابنه حين دُعي ليُقتَل، فجعل ابنه يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين سنة؟. وقال أبو قاسم الطبري: هو ثقة إمام حجة على المسلمين، قُتل في شعبان سنة خمس وتسعين، وهو ابن (٤٩) سنة. وقال أبو الشيخ: قتله الحجاج صبرا سنة (٩٥).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٠) حديثًا.
٦ - (عبد الله بن مغفّل) بمعجمة، وفاء مشدّدة- ابن عبد غَنْم، وقيل: عبد بن نَهْم -بفتح النون، وسكون الهاء- ابن عَفِيف بن أسحم بن ربيعة بن عدي بن ثعلبة بن ذؤيب، وقيل: دُويد بن سعد بن عَدّاء بن عثمان بن عمرو بن أدّ بن طابخة المزنيّ، أبو سعيد، وأبو زياد. ونقل البخاري عن يحيى بن معين أنه كان يُكنَى أبا زياد. وعن بعض ولده أنه كان يكنى بهما (١)، وأنه كان له عدة أولاد منهم: سعيد، وزياد، من مشاهير
стр. 259
الصحابة. قال البخاري: له صحبة، سكن البصرة، وهو أحد البكائين في غزوة تبوك، وشهد بيعة الشجرة، ثبت ذلك في "الصحيح"، رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن أبي بكر، وعثمان، وعبد الله بن سالم. ورَوَى عنه حميد بن هلال، وثابت البناني، ومطرف بن عبد الله بن الشِّخِّير، ومعاوية بن قرة، وعقبة بن صُهْبان، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن بريدة، وابن له غير مُسَمّى، يقال: اسمه يزيد، وغيرهم، وهو أحد العشرة الذين بعثهم عمر ليفقهوا الناس بالبصرة، وهو أول من دخل من باب مدينة تُسْتَر، ومات بالبصرة سنة تسع وخمسين، قاله مسدد. وقيل: سنة ستين، فأوصى أن يصلى عليه أبو برزة الأسلمي، فصلى عليه، ومات سنة إحدى وستين (١).
أخرج له الجماعة، روى (٤٣) حديثًا، اتفق الشيخان على أربعة، وانفرد البخاريّ بحديث، ومسلم بآخر، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، إلا شيخيه، فقد تفرّد بهما.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير سعيد بن جبير، فكوفيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن عبد الله بن مغفّل منفرد بهذا الاسم، فلا يوجد في الكتب الستة من يُسمّى بهذا الاسم غيره، قال السيوطيّ في "ألفية الحديث".
وَالِدُ عَبْدِ الله قُلْ مُغَفَّلُ ... مُنفَرِدٌ وَمَن سِواهُ مَعْقِلُ
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَن عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلٍ) بصيغة اسم المفعول المضعّف ﵁ (أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا إِلَى
стр. 260
جَنْبِهِ ابْنُ أَخٍ لَهُ) لم يعرف اسمه، كما قاله في "الفتح" (فَخَذَفَ) بالخاء، والذال المعجمتين -يقال: خذفت الحصاة ونحوها خَذْفًا، من باب ضرب: إذا رميتها بطرفي الإبهام والسبّابة. قاله في "المصباح". وقال في "الفتح": ما حاصله: الخذف بخاء معجمة، وآخره فاء: أن يرمي بحصاة، أو نواة بين سبّابتيه، أو بين الإبهام والسبّابة، أو على ظاهر الوسطى، وباطن الإبهام. وقال ابن فارس: خذفت الحصاةَ: رميتها بين إصبعيك. وقيل: في حصى الخذف أن يجعل الحصاة بين السبّابة من اليمنى والإبهام من اليسرى، ثم يقذفها بالسبّابة من اليمين. وقال ابن سِيدَهْ: خذف بالشيء يخذِفُ فارسيّ، وخصّ بعضهم به الحصى، قال: والمِخْذَفة: التي يوضع فيها الحجر، ويُرمَى بها الطير، ويُطلق على المِقْلاع أيضًا. قاله في "الصحاح" (١).
(فَنَهَاهُ) أي نهى عبد الله ﵁ ابنَ أخيه عن الخذف (وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْهَا) أنّث الضمير بتأويله بالخذفة: أي نهى عن هذه الخذفة، وفي رواية لمسلم: "فإن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف"، وفي رواية للشيخين: "فإن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف"، أو "كان يكره الخذف" (وقَالَ) ﷺ (إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا) أي لا تقتله، يقال: صاد الصيد يصيده ويصاده: إذا أخذه. أفاده في "اللسان". وفي "المصباح": صاد الرجل الطيرَ وغيره يَصيده صَيْدًا، فالطير مَصِيد، والرجل صائدٌ، وصَيّادٌ. قال ابن الأعرابيّ: يقال: صاد يَصَادُ، وبات يباتُ، وعاف يَعاف، وخالَ الغيثَ يخاله لغة في يفعِلُ بالكسر في الكلّ. وسُمّي ما يُصادُ صَيدًا، إما بمعنى مفعول، وإما تسميةً بالمصدر، والجمع صُيُود. انتهى (٢).
وقال في "الفتح" قال المهلّب: أباح الله الصيد على صفة، فقال: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، وليس الرمي بالبندقة ونحوها من ذلك، وإنما هو وَقِيذٌ،
стр. 261
وأطلق الشارع أن الخذف لا يصاد به؛ لأنه ليس من المُجْهِزَات، وقد اتفق العلماء إلا من شَذّ منهم على تحريم أكل ما قتلته البندقة والحجر. انتهى. وإنما كان كذلك؛ لأنه يقتل الصيد بقوة راميه، لا بحده.
(وَلَا تَنْكِي عَدُوًّا) بفتح التاء، وكسر الكاف، مضارع نَكَى، يقال: نكيت في العدوّ من باب رمى، والاسم النِّكايةُ بالكسر: إذا قتلتَ وأثخنتَ، ويقال: نكأت نكئًا، من باب نفع أيضًا لغة فيه، ويقال: نكأتُ الْقَرْحَة أنكؤها مهموز بفتحتين: قشرتها. أفاده في "المصباح".
وقال في "الفتح": قال عياض: الرواية -بفتح الكاف، وبهمزة في آخره- وهي لغة، والأشهر بكسر الكاف بغير همز. وقال في "شرح مسلم": "لا ينكأ" بفتح الكاف مهموز، ورُوي "لا يَنكي" بكسر الكاف، وسكون التحتانية، وهو أوجه؛ لأن المهموز إنما هو من نكأت الْقَرْحة، وليس هذا موضعه، فإنه من النكاية. لكن قال في "العين": نكأت لغة في نكيت، فعلى هذا تتوجه هذه الرواية. قال: ومعناه المبالغة في الأذى. وقال ابن سِيدَهْ: نكأ العدوَّ نِكاية: أصاب منه، ثم قال: نكأت العدو أنكؤهم لغة في نكيتهم، فظهر أن الرواية صحيحة المعنى، ولا معنى لتخطئتها. وأغرب ابن التين: فلم يُعَرِّج على الرواية التي بالهمز أصلًا، بل شرحه على التي بكسر الكاف، بغير همز، ثم قال: ونكأت الْقَرْحة بالهمز. انتهى.
(وَإِنَّهَا) أي الخذفة (تَكْسِرُ) بكسر السين المهملة، من باب ضرب (السِّنَّ) أطلقه، فشمل سنّ المرميّ، وغيره من الآدميين وغيرهم، ومثله يقال في العين في قوله: (وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ) بفتح التاء، وسكون الفاء، وقاف، آخره همزة: أي تشقّها، قال الفيّوميّ: فقأت العين أَفْقَؤُها مهموزٌ -بفتحتين-: بَخَصْتُها (١)، وفقأت الْبَثْرَةَ: شققتها، فانفقأت، وتفقّأت: تشققت. انتهى.
(قَالَ) الراوي، والظاهر أنه سعيد بن جبير (فَعَادَ) أي رجع (ابْنُ أَخِيهِ، فَخَذَفَ)
стр. 262
أي رمى بالحصاة، ونحوها (فَقَالَ) أي عبد الله بن مغفّل ﵁ (أُحَدِّثُكَ) بالرفع على الاستئناف (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْهَا) أي عن الخذفة (ثُمَّ عُدْتَ) أي رجعت (تَخْذِفُ لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا) أي هَجْرًا؛ لمخالفتك السنّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن مغفّل رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا ٢/ ١٧ وفي "كتاب الصيد" (٢/ ١٠٧٥، ٣٣٣٦ و ٣٢٢٧) و (البخاريّ) (٦/ ١٧٠ و ٧/ ١١٢و ٨/ ٦٠) و (مسلم) (٦/ ٧٢ و ٧٢) و (أبو داود) (٥٢٧٠) و (النسائيّ) ٨/ ٤٧، و (الطيالسيّ) (٩١٩) و (الحميديّ) (٨٨٧) و (أحمد) ٤/ ٥٤ و ٥٧ و ٤/ ٨٧ و٥/ ٥٥ و ٥٦، و (الدارميّ) (٤٤٦) و (ابن حبان) (٥٩٤٩) (والحاكم) ٤/ ٢٨٣، و (البيهقي) ٩/ ٢٤٨، و (البغوي) (٢٥٧٤). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تعظيم حديث رسول الله ﷺ والتغليظ على من خالفه.
٢ - (ومنها): النهي عن الخذف؛ لأنه لا مصلحة فيه، بل يُخاف مفسدته، ويَلتحق به كلّ ما شاركه في هذا.
٣ - (ومنها): أن ما كان فيه مصلحة، أو حاجة في قتال العدوّ، وتحصيل الصيد فهو جائز.
٤ - (ومنها): جواز هِجْران أهل البدع والفسوق، ومنابذي السنّة مع العلم، وأنه يجوز هجرانهم دائمًا، ولا تعارض بين هذا، وبين قوله ﷺ : "ولا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام"، متّفقٌ عليه؛ لأن هذا فيمن هجر لحظ نفسه، ومعايش الدنيا،
стр. 263
وأما أهل البدع والفسق، فهجرانهم يكون دائمًا إلى أن يتوبوا، فقد هجر النبيّ ﷺ كعب ابن مالك وصاحبيه الذين خُلّفوا، وأمر بهجرانهم إلى أن نزل قبول توبتهم، وكان ذلك خمسين يومًا، كما هو مشهور في قصّتهم في "الصحيحين"، وغيرهما. والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): أن فيه تغيير المنكر، ومنع الرمي بالبندقة؛ لأنه إذا نَفَى الشارع أنه لا يصيد، فلا معنى للرمي به، بل فيه تعريض للحيوان بالتلف لغير مالكه، وقد ورد النهي عن ذلك. نعم قد يُدرِك ذكاة ما رُمي بالبندقة، فيحل أكله، ومن ثم اختُلف في جوازه، فصّرح مجلي في "الذخائر" بمنعه، وبه أفتي ابن عبد السلام. وجزم النووي بحله؛ لأنه طريق إلى الاصطياد، والتحقيق التفصيل، فإن كان الأغلب من حال الرمي ما ذُكِرَ في الحديث امتنع، وإن كان عكسه جاز، ولا سيما إن كان المرْميّ مما لا يَصِل إليه الرمي إلا بذلك، ثم لا يقتله غالبًا. وقد نُقل عن الحسن في كراهية رمى البندقة في القرى والأمصار، ومفهومه أنه لا يكره في الفلاة، فجعل مدار النهي على خشية إدخال الضرر على أحد من الناس. قاله في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بالمنع هو الأظهر؛ لظاهر النصّ.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ المذكور أول الكتاب قال:
١٨ - (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي بُرْدُ بْنُ سِنَانٍ، عَنْ إِسْحَقَ ابْنِ قَبِيصَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ الْأَنْصَارِيَّ النَّقِيبَ، صَاحِبَ رَسُولِ الله ﷺ ، غَزَا مَعَ مُعَاوِيَةَ أَرْضَ الرُّومِ، فَنَظَرَ إِلَى النَّاسِ، وَهُمْ يَتَبَايَعُونَ كِسَرَ الذَّهَبِ بِالَدَّنَانِيرِ، وَكِسَرَ الْفِضَّةِ بِالدَّرَاهمِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَأْكُلُونَ الرِّبَا، سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "لَا تَبْتَاعُوا الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، إِلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، لَا زِيَادَةَ بَيْنَهُمَا، وَلَا نَظِرَةً"، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: يَا أَبَا الْوَلِيدِ لَا أَرَى الرِّبَا في هَذَا، إِلا مَا كَانَ مِنْ نَظِرَةٍ، فَقَال
стр. 264
عُبَادَةُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، وَتُحَدِّثُنِي عَنْ رَأْيِكَ، لَئِنْ أَخْرَجَنِي الله، لَا أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ لَكَ عَلَيَّ فِيهَا إِمْرَةٌ، فَلمَّاَ قَفَلَ لحِقَ بِالمدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الخطَّابِ: مَا أَقْدَمَكَ يَا أَبا الْوَليدِ، فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، وَمَا قَالَ مِنْ مُسَاكنَتِهِ، فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبا الْوَليدِ إِلَى أَرْضِكَ، فَقَبحَ الله أَرْضًا لَسْتَ فِيهَا وَأَمْثَالُكَ، وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ: لَا إِمْرَةَ لَكَ عَلَيْهِ، وَاحْمِلِ النَّاسَ عَلَى مَا قَالَ، فَإِنَّهُ هُوَ الْأَمْرُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هشام بن عمّار) الدمشقيّ الخطيب، صدوق، كبر، فصار يتلقّن، من كبار [١٠] تقدّم في ١/ ٥.
٢ - (يحيى بن حمزة) بن واقد الحضرميّ، أبو عبد الرحمن الدمشقيّ القاضي، ثقة، رُمي بالقدر [٨] ١/ ٧.
٣ - (بُرْد بن سِنَان) أبو العلاء الدمشقيّ، نزيل البصرة، مولى قريش، صدوقٌ، رُمي بالقدر [٥].
رَوَى عن واثلة، وإسحاق بن قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، وبُديل بن ميسرة الْعُقيلي، وبكير بن فيروز، وعبادة بن نسي، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابن علية، والسفيانان، والحمادان، وحفص بن غياث، والأوزاعي، وسعيد بن أبي عروبة، وابنه العلاء بن برد، ويحيى بن حمزة الحضرمي، وغيرهم.
ذكره النسائي في الطبقة السادسة من أصحاب نافع. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: صالح الحديث. وقال ابن معين: ثقة. وقال دحيم، والنسائي، وابن خراش: ثقة. وقال الدُّوري عن ابن معين: ليس بحديثه بأس، وكان شاميا. وقال ابن الجنيد عنه نحو ذلك، وقال أيضا: هرب من الشام من أجل قتل الوليد بن يزيد، فلأجل ذلك سمع منه أهل البصرة. وقال يزيد بن زريع: ما رأيت شاميا أوثق من بُرْد. وقال يعقوب بن سفيان: سألت عبد الرحمن بن إبراهيم: أيُّ أصحاب مكحول أعلى؟ فقال وذكر جماعة، ثم قال: ولكن زيد بن واقد، وبرد بن سنان من كبارهم. وقال النسائي مرة: ليس به
стр. 265
بأس. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أيضا: كان صدوقا في الحديث. وقال أبو حاتم: كان صدوقا قدريا. وقال أيضا: ليس بالمتين، وقال مرة: كان صدوقا في الحديث. وقال الدارمي عن علي بن المديني: برد بن سنان ضعيف. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو داود: كان يرى القدر. قال عمرو بن علي، وخليفة: مات سنة (١٣٥). أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، برقم ١٨ و ١٣٤٤ و ٤٢٠٧.
٤ - (إسحاق بن قبيصة) بن ذُؤَيب الخُزَاعيّ الشاميّ، صدوقٌ، يرسل [٦].
رَوَى عن عمر مرسلا، وعن أبيه قبيصة، وكعب الأحبار. ورَوى عنه برد بن سنان، وعبادة بن نُسَيّ، وأسامة بن زيد الليثي، وغيرهم.
قال أبو زرعة الدمشقي: كان عامل هشام على الأُرْدُنّ. وقال ابن سُمَيع: كان على ديوان الزَّمْنَى في أيام الوليد. وذكره ابن حبان في "الثقات". تفرّد به المصنف بهذا الحديث فقط.
٥ - (أبوه) قبيصة بن ذؤيب -بالمعجمة، مصغّرًا- ابن حَلْحَة -بمهملتين، مفتوحتين، بينهما لام ساكنة- الْخُزاعيّ، أبو سعيد، ويقال: أبو إسحاق المدنيّ، نزيل دمشق، من أولاد الصحابة، وُلِدَ عام الفتح، وله رؤية [٢].
أرسل عن أبي بكر، ورَوَى عن عمر بن الخطاب، ويقال: مرسل. وعن بلال، وعثمان بن عفان، وحذيفة، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، وعبادة بن الصامت، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه إسحاق، والزهري، ورجاء بن حيوة، وعثمان بن إسحاق بن خرشة، وعبد الله بن موهب، وآخرون.
قال ابن سعد كان على خاتم عبد الملك، وكان آثر الناسِ عنده، وكان البريد إليه، وكان ثقة مأمونًا، كثير الحديث. وقال ابن لهيعة عن ابن شهاب: كان من علماء هذه الأمة. وذكره أبو الزناد في الفقهاء. وقال محمد بن راشد عن مكحول: ما رأيت أحدًا
стр. 266
أعلم منه. وقال مغيرة عن الشعبي: كان أعلم الناس بقضاء زيد بن ثابت. وقال الغلابي عن ابن معين: أُتي به رسول الله ﷺ ليدعو له بالبركة. وقال الهيثم عن عبد الله بن عياش: ذهبت عينه يوم الحرّة، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: كان من فقهاء أهل المدينة، وصالحيهم. وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب": ولِد في أول سنة من الهجرة، وكان له فقه وعلم. وقال ابن قانع: يقال: له رؤية. وقال أبو موسى المديني في "الذيل": أورده العسكري في "الصحابة". وقال جعفر: لا يصح سماعه؛ لأنه وُلد يوم الفتح، وروى عن النبي ﷺ أحاديث مراسيل.
وقال خليفة، وغير واحد: مات سنة ست وثمانين. وقال ابن سعد: مات سنة ست أو سبع. وقال ابن معين: مات سنة (٧). وقيل: مات سنة (٨). وقيل: مات سنة (٨٩) في خلافة عبد الملك بن مروان. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث برقم ١٨ و ١٤٤٤ و ٢٠٨٤ و ٢٧١٤.
٦ - (عبادة بن الصامت) بن قيس بن أَصْرم بن فِهر بن قيس بن ثعلبة بن غَنْم بن سالم بن عوف بن عَمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجيّ، أبو الوليد، قال خليفة بن خياط: وأمه قُرّة العين بنت عبادة بن نَضْلَة بن العجلان، شهد بدرا. وقال ابن سعد: كان أحد النقباء بالعقبة، وآخى رسول الله ﵁ بينه وبين أبي مَرْثَد الْغَنَوِيّ، وشَهِد المشاهد كلها بعد بدر. وقال ابن يونس: شَهِد فتح مصر، وكان أمير ربع المُدَد. وفي "الصحيحين" عن الصنابحي، عن عبادة قال: أنا من النقباء الذين بايعوا رسول الله ﷺ ليلة العقبة" ... الحديث. وروى عن النبي ﷺ كثيرًا.
وروى عنه أبناؤه: الوليد، وداود، وعبيد الله، وحفيداه: يحيى، وعبادة ابنا الوليد، واسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة، ولم يدركه، ومن أقرانه أبو أيوب الأنصاري، وأنس ابن مالك، وجابر بن عبد الله، ورفاعة بن رافع، وشُرَحبيل بن حسنة، وخلق كثير.
قال عبد الصمد بن سعيد في "تاريخ حمص"، هو أول من ولي قضاء فلسطين. ومن مناقبه ما ذُكِرَ في "المغازي" لابن إسحاق: حدثني أبي إسحاق بن يسار، عن عبادة
стр. 267
ابن الصامت قال: لما حارب بنو قينقاع بسبب ما أمرهم عبد الله بن أُبَيّ، وكانوا حلفاءه، فمشى عبادة بن الصامت، وكان له حِلْف مثل الذي لعبد الله بن أُبيّ، فخلعهم، وتبرأ إلي الله ورسوله من حِلْفهم، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى﴾ الآية [المائدة: ٥١]. وذكر خليفة أن أبا عبيدة ولّاه إِمْرَة حمص، ثم صرفه، ووَلَّي عبد الله بن قُرْط. وروى ابن سعد في ترجمته من طريق محمد بن كعب القرظي، أنه ممن جمع القرآن في عهد النبي ﷺ ، وكذا أورده البخاري في "التاريخ" من وجه آخر عن محمد بن كعب، وزاد: فكتب يزيد بن أبي سفيان إلى عمر، قد احتاج أهل الشام إلي من يُعَلِّمهم القرآن، ويفقههم، فأرسل معاذا وعبادة وأبا الدرداء، فأقام عبادة بفلسطين. وقال السراج في"تاريخه" حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن جنادة: دخلت على عبادة، وكان قد تفقه في دين الله، هذا سند صحيح. وفي مسند إسحاق بن راهويه، و"الأوسط" للطبراني من طريق عيسى بن سنان، عن يعلى بن شداد، قال: ذكر معاوية الفرار من الطاعون، فذكر قصة له مع عبادة، فقام معاوية عند المنبر، بعد صلاة العصر، فقال: الحديث كما حدثني عبادة، فاقتبِسُوا منه، فهو أفقه مني. ولعبادة قصص متعددة مع معاوية، وإنكاره عليه أشياء، وفي بعضها رجوع معاوية له، وفي بعضها شكواه إلى عثمان منه، تدل على قوته في دين الله، وقيامه في الأمر بالمعروف. ورَوَى ابن سعد في ترجمته أنه كان طِوَالا جميلا جسيما، ومات بالرملة سنة أربع وثلاثين، وكذا ذكره المدائني، وفيها أرّخه خليفة بن خياط، وآخرون منهم من قال: مات ببيت المقدس. وأورد ابن عساكر في ترجمته أخبارا له مع معاوية، تدل على أنه عاش بعد ولاية معاوية الخلافة، وبذلك جزم الهيثم بن عديّ، وقيل: إنه عاش إلي سنة خمس وأربعين. قاله في "الإصابة" (١).
وفي "تهذيب التهذيب": قال ابن سعد، عن الواقدي، عن يعقوب بن مجاهدة،
стр. 268
عن عبادة بن الوليد بن عبادة، عن أبيه: مات بالرملة سنة أربع وثلاثين، وهو ابن (٧٢) سنة. قال ابن سعد: وسمعت من يقول: إنه بقي حتى توفي في خلافة معاوية، وكذا قال الهيثم بن عدي. وقال دُحَيم: توفي ببيت المقدس. وقال ابن حبان: هو أول من ولي القضاء بفلسطين. وقال سعيد بن عُفَير: كان طوله عشرة أشبار (١).
أخرج الجماعة، وله (١٨١) حديثًا، اتفق الشيخان على ستة، وانفرد البخاريّ بحديثين، ومسلم بحديثين، وله في هذا الكتاب (٢٨) حديثًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير برد بن سنان، فإنه من رجال الأربعة، وهو ثقة، وغير إسحاق بن قبيصة، فإنه من أفراده، وفيه انقطاع؛ لأن قبيصة لم يلق عبادة ﵁.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ إِسْحَقَ بْنِ قَبِيصَةَ، عَنْ أَبِيهِ) قبيصة بن ذؤيب (أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ الْأَنصَارِيَّ النَّقِيبَ) بفتح النون، وكسر القاف: فعيل بمعنى فاعل، يقال: نَقَبَ على القوم، من باب قَتَلَ، نِقَابة بالكسر، فهو نقيب: أي عَرِيف، والجمع نُقَباء. قاله في "المصباح" (صَاحِبَ رَسُولِ الله ﷺ ، غَزَا مَعَ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أُميّة الأمويّ، أبي عبد الرحمن الخليفة، أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي، ومات ﵁ سنة ستّين، وقد قارب الثمانين (أَرْضَ الرُّومِ، فَنَظَرَ إِلَى النَّاسِ، وَهُمْ يَتبَايَعُونَ كِسَرَ الذَّهَبِ بِالدَّنَانِيرِ) "الكسَر" -بكسر الكاف، وفتح السين المهملة-: جمع كِسْرة -بكسر،
стр. 269
فسكون- كقِطع وقطعة وزنًا ومعنىً، والمراد أنهم يتبايعونها عددًا (وَكِسَرَ الْفِضَّةِ بِالدَّرَاهِمِ، فَقَالَ) أي عبادة ﵁ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَأْكُلُونَ الرِّبَا) أي لأنهم يتباعون الجنس بالجنس دون معرفة الوزن (سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "لَا تَبْتَاعُوا) أي لا تشتروا، أو لا تبيعوا، لأن هذه المادّة تستعمل لهما، قالَ في "القاموس": باعه يبيعه بيعًا ومَبِيعًا: إذا باعه، وإذا اشتراه، ضدّ. انتهى. وقال في "المصباح": ابتاع زيد الدار: بمعنى اشتراها، وابتاعها لغيره: اشتراها له، وباع عليه القاضي: أي من غير رضاه. انتهى. (الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ) أي إلا متماثلين وزنًا (لَا زِيادَةَ بَيْنَهُمَا) أي لا تفضيل لأحدهما على الآخر (وَلَا نَظِرَةً) بفتح، فكسر: أي لا انتظار، ولا تأخير من أحد الطرفين (فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان (يَا أَبَا الْوَليدِ) كنية عبادة ﵁ (لَا أَرَى الرِّبَا في هَذَا) أي لا أعتقد وجود الربا في هذا الذي يتعامل فيه الناس من بيع كسر الذهب بالدنانير، وكسر الفضّة بالدراهم، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى ما ذكره عبادة ﵁ في قوله: "لا تبتاعوا الذهب بالذهب الخ (إِلَّا مَا كَانَ مِنْ نَظِرَةٍ) أي نسيئة، يعني أنه لا يرى الربا إلا في النسيئة، ولعل معاوية ﵁ سمع حديث: "لا ربا إلا في النسيئة"، كما كان ابن عباس يرى ذلك، فقد أخرج الشيخان (١) من طريق عمرو بن دينار عن أبي صالح الزيات، أنه أخبره أنه سمع أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: "الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم"، قال: فقلت له: فإن ابن عباس لا يقوله، فقال أبو سعيد سألته، فقلت: سمعته من النبي ﷺ ، أو وجدته في كتاب الله؟ قال: كل ذلك لا أقول، وأنتم أعلم برسول الله ﷺ مني، ولكن أخبرني أسامة، أن النبي ﷺ قال: "لا ربا إلا في النسيئة".
(فَقَالَ عُبَادَةُ) ﵁ منكرًا على معاوية ﵁ لمّا خالف رأيه الحديث (أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، وَتُحَدِّثُنِي عَنْ رَأْيِكَ، لَئِنْ أَخْرَجَني الله) أي من أرض العدوّ، وهي الروم
стр. 270
(لَا أُسَاكِنُكَ) أي لا أسكن معك (بِأَرْضٍ لَكَ عَلَيَّ فِيها إِمْرَةٌ) بكسر الهمزة، وسكون الميم: أي ولاية (فَلَمَّا قَفَلَ) بقاف، ففاء، آخره لام، يقال: قَفَلَ من سفره قُفولًا، من باب قعد: إذا رجع. بقاف، ففاء مفتوحتين: أي رجع من تلك الغزوة (لَحِقَ بِالمدِينةِ) بكسر الحاء المهملة، يقال: لحق به، كسمِعَ، ولَحِقه لحقًا بفتح، فسكون، ولَحَاقًا بفتحتين: إذا أدركه، أفاده في "القاموس"، والمراد هنا أنه ذهب إلى المدينة تاركًا الشام (فَقَالَ لَهُ عُمَرُ ابْنُ الخطَّابِ) رضي الله تعالى عنه مستفسرًا سبب قدومه (مَا) اسم استفهام (أَقدَمَكَ يَا أَبا الوليدِ) أي أيّ شيء حملك على القدوم إلى المدينة بعد أن سكنت الشام، وأهلها محتاجون إلى علمك (فَقَصَّ عَلَيْهِ القِصَّةَ) أي التي جرت بينه وبين معاوية رضي الله تعالى عنهما في شأن بيع الذهب بالذهب، والفضّة بالفضّة نسيئة (وَمَا قَالَ مِنْ مُسَاكَنَتِهِ) أي وما قال عبادة لمعاوية أنه لا يساكنه بأرض له فيها عليه إمرة (فَقَالَ) عمر ﵁ (ارْجِعْ يَا أَبا الْوَليدِ إِلَى أَرْضِكَ) يريد الشام؛ لأنها كانت مسكنه، حيث أرسله عمر ﵁ إلى فلسطين يعلّم أهلها القرآن، كما سبق في ترجمته ﵁ (فقَبَحَ الله أَرْضًا) أي أبعدها عن الخير، يقال: قبحه الله بتخفيف الباء الموحّدة، يقبحه، من باب منع: نحّاه عن الخير، فهو مقبوحٌ، وفي التنزيل العزيز: ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢] أي المبعَدين عن الفوز، ويجوز: قبّحه بالتثقيل مبالغة. أفاده الفيّوميّ (لَسْتَ فيِهَا وَأَمْثَالُكَ) بالرفع عطفًا على اسم "ليس"، وفيه العطف على الضمير المرفوع المتّصل بدون تأكيد بالضمير المنفصل، وهو جائزٌ؛ لوقوع الفصل بينهما بالجارّ والمجرور قال في "الخلاصة":
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعِ مُتَّصِلْ ... عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنفَصِلْ
أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ ... في النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
والنصب على المعيّة بعيد معنًى. قاله السنديّ.
والمعنى: الذين يشابهونك في العلم، والعمل، والدعوة إلى السنّة، ومجانبة من يخالفها (وَكتَبَ) أي عمر بن الخطاب ﵁ (إِلَى معَاوِيَةَ) ﵁ (لَا إِمْرَةَ لَكَ عَلَيْهِ) أي لا يكون لك ولاية على عبادة ﵁ (وَاحْمِلِ) بكسر الميم: أمر من الحمل (النَّاسَ عَلَى مَا قَال)
стр. 271
أي ألزم الناس بما قاله عبادة ﵁ (فَإِنَّهُ هُوَ الْأَمْرُ) الفاء للتعليل: أي لأن ما قاله هو الأمر الحقّ الموافق للشرع، حيث إن النبيّ ﷺ أمر به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه هذا صحيحٌ.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه انقطاع، حيث إن قبيصة بن ذؤيب لم يلقَ عبادة ﵁، كما نصّ عليه الحافظ المزّيّ في "تحفة الأشراف" ٤/ ٢٥٦؟.
[قلت]: إنما صححناه؛ لأنه يشهد له ما أخرجه مسلم في "صحيحه" من طريق أيوب السختياني، عن ابن قلابة، قال: كنت بالشام في حلقة فيها مسلم بن يسار، فجاء أبو الأشعث، قال: قالوا: أبو الأشعث، أبو الأشعث، فجلس، فقلت له: حدث أخانا حديث عبادة بن الصامت، قال: نعم، غزونا غَزَاةً، وعلى الناس معاوية، فغَنِمْنَا غنائم كثيرة، فكان فيما غنمنا آنية من فضة، فأمر معاوية رجلا أن يبيعها في أعطيات الناس، فتسارع الناس في ذلك، فبلغ عبادة بن الصامت، فقام، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ ، ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينا بعين، فمن زاد أو ازداد، فقد أربى"، فرد الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية، فقام خطيبا، فقال: ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث، قد كنا نشهده، ونصحبه، فلم نسمعها منه، فقام عبادة بن الصامت، فأعاد القصة، ثم قال: لَنُحَدِّثَنَّ بما سمعنا من رسول الله ﷺ ، وإن كره معاوية، أو قال: وإن رَغِمَ، ما أُبالي أن لا أصحبه في جنده ليلة سوداء (١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل -يعني ابن أبي خالد-
стр. 272
حدثنا حكيم بن جابر، عن عبادة بن الصامت، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، مثلا بمثل، حتى خص الملح"، فقال معاوية: إن هذا لا يقول شيئا لعبادة، فقال عبادة: لا أبالي أن لا أكون بأرض يكون فيها معاوية، أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الإسناد صحيح، إلا أن البخاريّ أعلّه بالانقطاع -كما نقله في "تهذيب التهذيب" ١/ ٤٧٢ - حيث قال حكيم: أُخبرت عن عبادة في الصرف. انتهى. لكنه يصلح للشواهد.
والحاصل أن الحديث صحيح، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا الحديث من أفراد المصنّف ﵀، أخرجه هنا (٢/ ١٨) بهذا الإسناد فقط، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تعظيم حديث رسول الله ﷺ ، والتغليظ على من عارضه.
٢ - (ومنها): بيان تحريم بيع الذهب بالذهب، أو الفضّة بالفضّة، إلا مثلًا بمثل، يدًا بيد، وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه من "كتاب التجارات"، إن شاء الله تعالى.
٣ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم من شدّة تعظيم حديثه ﷺ ، فقد غضب عبادة ﵁ لمّا خالف معاوية ﵁ ما حدّثه به، مع أنه لم يخالفه إلا بالتأويل.
٤ - (ومنها): مقاطعة من خالف الحديث لرأي رآه، أو لتقليد إمام من الأئمة، وإن كان له عذر بالتأويل.
٥ - (ومنها): أن فيه منقبةً عظيمة لعبادة ﵁ حيث وفى بما التزم به من مبايعة النبيّ ﷺ أن لا يخاف في الله لومة لائم، فقد أخرج الشيخان، وغيرهما عنه ﵁، أنه قال: بايعنا
стр. 273
رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، في النشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم، أو نقول بالحق حيثما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ المذكور أول الكتاب قال:
١٩ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الخلَّادِ الْبَاهِليُّ، حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، أَنْبَأَنَا عَوْنُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: إِذَا حَدَّثْتكُمْ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، فَظنوا بِرَسُولِ الله ﷺ الذِي هُوَ أَهْنَاهُ، وَأَهْدَاهُ، وَأَتْقَاهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ الخلَّادِ الْبَاهِليُّ) محمد بن خلّاد بن كثير البصريّ، ثقة [١٠].
رَوَى عن الدراورديّ، وعبد الوهاب الثقفي، والوليد بن مسلم، وابن عيينة، والقطان، وابن مهدي، وبهز بن أسد، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، ورَوَى النسائي عن زكريا السجزي عنه، وأبو حاتم الرازي، وعبد الله بن أحمد، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وإبراهيم الحربي، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: أبو بكر بن خلاد عرفته معرفة قديمة، لقيناه أيام المعتمر بالبصرة وببغداد، وكان ملازما ليحيى بن سعيد. وقال أبو بكر الأعين: سمعت مسددا يقول: أبو بكر بن خلاد ثقة، ولكنه صَلِف (١)، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال معاوية بن عبد الكريم الزيادي: أدركت البصرة، والناس يقولون: ما بها أعقل من أبي الوليد، وبعده أبو بكر بن خلاد، وبعده عباس العنبري. وقال مسلمة بن قاسم: كان ثقة. قال ابن أبي عاصم: مات سنة أربعين ومائتين. وقيل: مات سنة (٣٩). وقيل:
стр. 274
سنة تسع وأربعين. وقيل: سنة (٥٧).
روى عنه الجماعة، سوى البخاريّ، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب (٤٨) حديثًا.
٢ - (يَحْيىَ بْنُ سَعِيدٍ) بن فرّوخ -بفتح الفاء، وتشديد الراء المضمومة، وسكون الواو، ثم معجمة- التميميّ، أبو سعيد القطّان البصريّ الأحول، ثقة متقن حافظٌ إمام، قدوة، من كبار [٩].
رَوَى عن سليمان التيمي، وحميد الطويل، وإسماعيل بن أبي خالد، وعبيد الله بن عمر، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، وعكرمة بن عمار، ويزيد بن أبي عبيد، وأبان بن صمعة، وبهز بن حكيم، وخلق كثير.
ورَوَى عنه ابنه محمد بن يحيى بن سعيد، وحفيده أحمد بن محمد، وأحمد، وإسحاق، وعلي ابن المديني، ويحيى بن معين، وعمرو بن علي الفلاس، ومسدد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو خيثمة، وبشر بن الحكم، وصدقة بن الفضل، وأبو قدامة السرخسي، وخلق كثير.
قال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: اختلفت إلى شعبة عشرين سنة. وقال عبد الرحمن بن مهدي: اختلفوا يوما مع شعبة، فقالوا: اجعل بيننا وبينك حَكَمًا، فقال: قد رضيت بالأحول -يعني يحيى بن سعيد القطان-، وقال عمرو بن علي عن يحيى بن سعيد: ما اجمعت أنا وخالد بن الحارث، ومعاذ بن معاذ، إلا قَدَّماني. وقال القواريري عن ابن مهدي: ما رأيت أحسن أخذا للحديث، ولا أحسن طلبا له من يحيى القطان، وسفيان بن حبيب، وقال الأثرم: سمعته يقول: رحم الله تعالى يحيى القطان ما كان أضبطه، وأشد تفقّده، كان محدّثًا، وأثنى عليه، فأحسن الثناء، وقال ابن خزيمة عن بندار: ثنا يحيى بن سعيد، إمام أهل زمانه. وقال إسحاق بن إبراهيم بن أبي حبيب بن الشهيد: كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر، ثم يستند، فيقف بين يديه علي ابن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والشاذكوني، وعمرو بن علي، يسألونه عن الحديث، وهم قيام، هيبةً له، وقال أبو داود عن يحيى بن معين: أقام يحيى القطان
стр. 275
عشرين سنة يختم القرآن في كل ليلة، ولم يفته الزوال في المسجد أربعين سنة. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونا رفيعًا حجة. وقال النسائي: ثقة ثبت مرضي. وقال العجلي: بصري ثقة في الحديث، كان لا يحدث إلا عن ثقة. وقال أبو زرعة: كان من الثقات الحفاظ. وقال أبو حاتم: حجة حافظ. وقال أيضًا: كان من سادات أهل زمانه حفظا وورعا وفهما فضلا ودينا وعلما، وهو الذي مهد لأهل العراق رسم الحديث، وأمعن في البحث عن الثقات، وترك الضعفاء، وزاد ابن حبان: ومنه تعلم أحمد ويحيى وعلي وسائر أئمتنا، وقال الخليلي: هو إمام بلا مدافعة، وهو أجل أصحاب مالك بالبصرة، وكان الثوري يتعجب من حفظه، واحتج به الأئمة كلهم، وقالوا من تركه يحيى تركناه.
قال عمرو بن علي: سمعت بن سعيد يقول: وُلدت سنة عشرين ومائة في أولها، ومات في سنة ثمان وتسعين ومائة، وفيها أرخه غير واحد، زاد علي بن المديني: في صفر. وقال الدُّوري عن ابن معين، عن عفان بن مسلم: رأى رجل ليحيى بن سعيد قبل موته بعشرين سنة: بَشِّرْ يحيى بن سعيد بأمان من الله تعالى يوم القيامة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧٩).
٣ - (شعبة) بن الحجّاج الإمام الحجة الثبت [٧] تقدّم في ١/ ٦.
٤ - (ابن عجلان) هو محمد بن عجلان القرشيّ، مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة ابن ربيعة، أبو عبد الله المدنيّ، أحد العلماء العاملين، صدوقٌ، إلا أنه اختلطت عليه أحاديت أبي هريرة ﵁[٥].
رَوَى عن أبيه، وأنس بن مالك، وسلمان أبي حازم الأشجعي، وسمي مولى أبي بكر ابن عبد الرحمن، وعامر بن عبد الله بن الزبير، والأعرج، وأبي الزناد، وعكرمة، وغيرهم.
ورَوَى عنه صالح بن كيسان، وهو أكبر منه، وعبد الوهاب بن بُخْت، ومات قبله، وإبراهيم بن أبي عبلة، وهو من أقرانه، ومالك، ومنصور، وشعبة، وزياد بن سعد، والسفيانان، والليث، وسليمان بن بلال، ويحيى القطان، وخلق كثير.
قال صالح بن أحمد عن أبيه: ثقة. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: سمعت ابن
стр. 276
عيينة يقول: حدثنا محمد بن عجلان، وكان ثقة. وقال أيضا: سألت أبي عن محمد بن عجلان، وموسى بن عقبة؟ فقال: جميعا ثقة، وما أقربهما. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وقدمه على داود بن قيس الفراء. وقال الدُّوري عن ابن معين: ثقة، أوثق من محمد بن عمرو، وما يشك في هذا أحد. كان داود بن قيس: يجلس إلى ابن عجلان يتحفظ عنه، وكان يقول: إنها اختلطت على ابن عجلان -يعني أحاديث سعيد المقبري-. وقال يعقوب بن شيبة: صدوق وسط. وقال أبو زرعة: ابن عجلان من الثقات. وقال أبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان عابدا ناسكا فقيها، وكانت له حلقة في المسجد، وكان يفتي. وقال العجلي: مدني ثقة. وقال الساجي: هو من أهل الصدق، لم يحدث عنه مالك إلا يسيرا. وقال ابن عيينة: كان ثقة عالمًا. وقال يحيى القطان عن ابن عجلان: كان سعيد المقبري يحدث عن أبي هريرة، وعن أبيه عن أبي هريرة، وعن رجل عن أبي هريرة، فاختلطت عليه، فجعلها كلها عن أبي هريرة. ولمّا ذكر ابن حبان في كتاب "الثقات" هذه القصة قال: ليس هذا بِوَهْنٍ يُوَهَّنُ الإنسانُ به؛ لأن الصحيفة كلها في نفسها صحيحة، وربما قال ابن عجلان: عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، فهذا مما حُمل عنه قديما قبل اختلاط صحيفته، فلا يجب الاحتجاج إلا بما يروي عنه الثقات. وقال العقيلي: يضطرب في حديث نافع. وقال الواقدي: سمعت عبد الله بن محمد بن عجلان يقول: حُمِل بأبي أكثر من ثلاث سنين، قال: وقد رأيته، وسمعت منه، ومات سنة ثمان أو تسع وأربعين ومائة، وكان ثقة، كثير الحديث.
علّق له البخاريّ، وأخرج له مسلم في المتابعات، ولم يحتج به، وأخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب (٤٧) حديثًا.
٤ - (عون بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الْهُذَليّ، أبو عبد الله الكوفيّ الزاهد، ثقة عابد [٤].
رَوَى عن أبيه وعم أبيه عبد الله بن مسعود مرسلًا، وأخيه عبيد الله، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، ويوسف بن عبد الله بن سلام، والشعبي، وسعيد بن علاقة،
стр. 277
وأبي بردة بن أبي موسى، وأم الدرداء، وجماعة، ويقال: إن روايته عن الصحابة مرسلة. ورَوَى عنه أخوه حمزة، والمسعودي، وأبو العميس، ومحمد بن عجلان، والزهري، وغيرهم.
قال أحمد، ويحيى بن معين، والعجلي، والنسائي: ثقة. وقال ابن المديني: قال عون: صليت خلف أبي هريرة. وذكر الدارقطني أن روايته عن ابن مسعود مرسلة. وقال ابن سعد: لمّا ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، رحل إليه عون بن عبد الله، وعُمر ابن ذَرّ، وأبو الصباح موسى بن أبي كثير، فناظروه في الإرجاء، فزعموا أنه وافقهم، وكان عون ثقة كثير الإرسال. وقال الأصمعي عن أبي نَوْف الهذلي، عن أبيه: كان من آدب أهل المدينة، وأوفقهم، وكان مرجئا، ثم رجع عن ذلك، وقال أبياتا في ذلك منها [من الوافر]:
لأَوَّلُ مَا نُفَارِقُ غَيْرَ شَكٍّ ... نُفَارِقُ مَا يَقُولُ المُرْجِئُونَا
ثم خرج مع ابن الأشعث، ثم هرب، وصحب عمر بن عبد العزيز في خلافته، وفيهم يقول جرير [من البسيط]:
يَا أَيُّهَا الْقَارِئُ المُرْخِي عِمامَتَهُ ... هَذَا زَمَانُكَ إِنِّي قَدْ خَلَا زَمَنِي
وقال العجلي: كان يَرَى الإرجاء، ثم تركه. وقال ابن حبان في ثقات التابعين: كان من عباد أهل الكوفة، وقرائهم، يروي عن أبي هريرة، إن كان سمع منه، وقد أدرك أبا جحيفة. قال البخاري: سمع أبا هريرة، وابن عمرو. وقال ابن عيينة عن أبي هارون، موسى بن أبي عيسى: كان عون يحدثنا، ولحيته ترتش بالدموع. ذكره البخاري فيمن مات بين عشر ومائة إلى عشرين ومائة. أخرج الجماعة، إلا البخاريّ، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث برقم ١٩ و٨٨٠ و ٨٩٦ و ٣٧٩٩ و ٤١٨٧.
٥ - (عبد الله بن مسعود) بن غافل -بمعجمة، وفاء- ابن حبيب بن شَمْخ بن فار ابن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار الْهُذَلي، أبو عبد الرحمن، حَلِيف بني زهرة، وكان أبوه حالف عبد الحارث بن زهرة. أمه أم عبد الله بنت عبد وَدّ بن سواءة، أسلمت، وصحبت. أحد
стр. 278
السابقين الأولين، أسلم قديمًا، وهاجر، الهجرتين، وشهد بدرًا والمشاهد بعدها، ولازم النبي ﷺ ، وكان صاحب نعليه وحدث عن النبي ﷺ بالكثير، وعن عمر، وسعد بن معاذ، وروى عنه ابناه: عبد الرحمن، وأبو عبيدة وابن أخيه عبد الله بن عتبة، وامرأته زينب الثقفية، ومن الصحابة: العبادلة، وأبو موسى، وأبو رافع، وأبو شُرَيح، وأبو سعيد، وجابر، وأنس، وأبو جُحَيفة، وأبو أمامة، وأبو الطفيل، ومن التابعين: علقمة، والأسود، ومسروق، والربيع بن خثيم، وشريح القاضي، وأبو وائل، وزيد ابن وهب، وزِرّ بن حُبيش، وأبو عمرو الشيباني، وعَبِيدة بن عمرو السلماني، وعمرو بن ميمون، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبو عثمان النَّهدي، والحارث بن سُويد، ورِبْعي بن حِرَاش، وآخرون.
وآخى النبي ﷺ بينه وبين الزبير، وبعد الهجرة بينه وبين سعد بن معاذ، وقال له في أول الإسلام: "إنك لغلام مُعَلَّم". وأخرج البغوي من طريق القاسم بن عبد الرحمن ابن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال: قال عبد الله: لقد رأيتني سادس ستة، وما على الأرض مسلم غيرنا. وبسند صحيح عن ابن عباس قال: آخى النبي ﷺ بين أنس وابن مسعود. وقال أبو نعيم: كان سادس من أسلم، وكان يقول: أخذت من في رسول الله ﷺ سبعين سورة. أخرجه البخاري. وهو أول من جهز بالقرآن بمكة. ذكره ابن إسحاق عن يحيى بن عروة، عن أبيه (١)، وقال النبي ﷺ : "من سره أن يقرأ القرآن غَضّا، كما نزل، فليقرأ على قراءة ابن أم عبد" (٢). وكان يلزم رسول الله ﷺ ، ويحمل نعليه. وقال علقمة: قال لي أبو الدرداء: أليس فيكم صاحب النعلين والسواك والوساد -يعني عبد الله-. وقال له رسول الله ﷺ : "إِذْنُكَ عَلَيَّ أن ترفع الحجاب، وتسمع سوادي حتى أنهاك". أخرجهما أصحاب الصحيح، وعن عبد الله بن مسعود قال:
стр. 279
قال رسول الله ﷺ : "تمسكوا بعهد ابن أم عبد". أخرجه الترمذي في أثناء حديث (١). وأخرج الترمذي أيضا من طريق الأسود بن يزيد، عن أبي موسى قال: قدمت أنا وأخي من اليمن، وما نرى ابن مسعود إلا أنه رجل من أهل بيت النبي ﷺ ، لما نرى من دخوله ودخول أمه على النبي ﷺ . وعند البخاري في "التاريخ" بسند صحيح عن حُريث بن ظُهير: جاء نعي عبد الله بن مسعود إلى أبي الدرداء، فقال: ما ترك بعده مثله. وقال البخاري: مات قبل قتل عثمان. وقال أبو نعيم وغيره: مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين. وقيل: مات سنة ثلاث. وقيل: مات بالكوفة، والأول أثبت.
أخرج له الجماعة، وروى (٨٤٨) حديثًا، اتفق الشيخان على (٦٤)، وانفرد البخاريّ بـ (٢١)، ومسلم بـ (٣٥) حديثًا، وله في هذا الكتاب (١٣١) حديثًا، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح (٢)، إلا أن فيه انقطاعًا؛ لأن عون ابن عبد الله لم يُدرك ابن مسعود ﵁.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، وابن عجلان مدنيّ، والباقيان كوفيّان.
٤ - (ومنها): أن فيه روية تابعي عن تابعيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعودٍ) ﵁، أنه (قَالَ: إِذَا حَدَّثْتُكُم) ووقع في "تحفة الأشراف" ٧/ ١٣٢: "إذا حُدِّثتم" بالبناء للمفعول (عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، فَظُنُّوا) أي اعتقدوا
стр. 280
(بِرَسُولِ الله ﷺ الَّذِي هُوَ (١) أَهْنَاهُ) أي الذي هو أوفق به من غيره، و"أهنأ" في الأصل بالهمزة اسم تفضيل من هنُأ الطعام بالهمزة: إذا ساغ، أو جاء بلا تَعَب، ولم يَعقُبه بلاءٌ، لكن قُلبت همزته ألفًا للازدواج والمشاكلة (وَأَهْدَاهُ) أي أليق بكمال هداه (وَأَتْقَاهُ) أي أنسب بكمال تقواه، وهو أن قوله صوابٌ، ونُصْحٌ، واجب العمل به؛ لكونه جاء به من عند الله تعالى، وبلّغه الناسَ بلا زيادة ولا نقصان.
و"أتقى" اسم تفضيل من الاتقاء على الشذوذ؛ لأن القياس بناء اسم التفضيل من الثلاثيّ المجرد، وهو مبنيّ على توهّم أن التاء حرف أصليّ. قاله السنديّ (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "من الاتّقاء على الشذوذ الخ" محلّ نظر؛ لأنه يقال: تَقَاه يَتْقِيه، كقَضَاه يَقْضِيه ثلاثيّا، قال في "القاموس": واتّقيتُ الشيءَ، وتَقَيْتُهُ أَتَّقِيهِ، وأَتْقِيهِ تُقًى وَتَقِيّةً، وتِقَاءً ككساءٍ: حذِرْتُهُ، والاسم التّقْوَى. انتهى.
فعلى هذا يكون أتقى اسم تفضيل قياسيّا، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم.
وقال في "إنجاح الحاجة": قوله: "فظنّوا برسول الله ﷺ الخ": أي فاقبلوه، واعزموا عليه، فإن الوجوه الممكنة في فعل من أفعاله، أو قول من أقواله متعدّدةٌ، أحسنها ما ثبت عنه ﷺ ، واستقرّ أمر الصحابة عليه. وتوضيح المقام أن الشارع ربّما يتكلّم بكلام يحتمل المعاني والوجوه، إما لعمومه، أو لاشتراكه، أو إجماله، أو مجازه (٣)، فالذي في قلبه زيغٌ يتّبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله. مثلًا ورد ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]: أي كيف شئتم، فأحلّ الغبيّ الإتيان في الأدبار، وما تأمّل النهي الوارد عنه.
стр. 281
وكذلك حمل حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما جمع رسول الله ﷺ الظهر والعصر في المدينة بلا خوف، ولا مطر"، مع احتمال الجمع الصوريّ على الجمع الحقيقي؛ مخالفة لإجماع الأمة، والنصّ الناطق: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وهكذا كلّ من خالف الإجماع من أهل الأهواء بظاهر النصوص من الْفِرَق الضّالّة، فهذا الحديث منطبقٌ عليه؛ لأنه أَوَّلَ النصّ على مراده، واللازم أن يُحمَل على الرسول ﷺ ما هو مناسبٌ لورعه وتقواه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حمل حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذا على الجمع الصوريّ غير صحيح، ودعوى الإجماع على هذا باطلة؛ لأن حمله على الجمع الحقيقيّ مذهب بعض السلف، ومنهم ابن عبّاس الراوي له، فالحقّ جوازه لمن لا يتّخذه عادة، وقد حقّقت القول في ذلك فيما كتبته على النسائيّ، فراجعه تستفد. والله تعالى وليّ التوفيق.
قال: أو "فظُنُّوا" برسول الله ﷺ الذي يَليق بشأنه من الهدى والتقى، فإنه لا يأمرنا إلا بالخير، وإن كان بعض الأمور مخالفًا للطبع والعادة؛ فإن النفس مجبولة على الشرّ، ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢١٦]. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلقّ بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا ضعيف؛ للانقطاع بين عون ابن عبد الله وابن مسعود ﵁، كما سبق بيانه، وهو صحيحٌ من حديث عليّ ﵁ الآتي بعده، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٢/ ١٩) بهذا الإسناد فقط، وأخرجه (أحمد) في "مسند
стр. 282
المكثرين" (٣٤٦٣ و ٣٧٤٤) و (الدارميّ) في "المقدّمة" (٥٩١) والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان وجوب تعظيم حديث رسول الله ﷺ .
٢ - (ومنها): أن الواجب على المسلم إذا سمع حديث رسول الله ﷺ ، أن يُجلّه، ويعتقد فيه الخير كلّ الخير، ويرى الشرّ كلَّ الشرّ في مخالفته.
٣ - (ومنها): أن الواجب عليه أن يعتقد في النبيّ ﷺ ما يليق بعظيم رتبته، وجسيم مكانته، من الهدى، والبرّ، والتقوى، ولا يراه كأحد من الناس.
٤ - (ومنها): أنه لا ينبغي أن يحمِل حديثه ﷺ إلا على المحامل الحسنة الموافقة لما جاء به من الهداية والإرشاد، فلا يسيء ظنه به، وإن كان ظاهره لا يوافق هواه؛ لأن الخير كلّ الخير فيما جاء به، لا فيما تهواه نفسه؛ لأنها أمّارة بالسوء، ففي التنزيل العزيز: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] وروي عنه ﷺ أنه قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به"، والحديث وإن كان فيه كلام، إلا أن الحديث المتّفق عليه، يؤيّده، وهو قوله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده، وولده، والناس أجمعين". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ المذكور أول الكتاب قال:
٢٠ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: "إِذَا حَدَّثْتُكُمْ (١) عَنْ رَسُولِ الله ﷺ حَدِيثًا، فَظُنُّوا بِهِ الَّذِي هُوَ أَهْنَاهُ، وَأَهْدَاهُ، وَأَتْقَاهُ").
стр. 283
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن بشّار) العبديّ، أبو بكر البصريّ، المعروف ببندار، ثقة حافظ [١٠] ١/ ٦.
٢ - (يحيى بن سعيد) القطّان الإمام الحجة المذكور في السند الماضي.
٣ - (شعبة) بن الحجّاج البصريّ الإمام الثقة الثبت الحجة [٧] ١/ ٦.
٤ - (عمرو بن مُرّة) بن عبد الله بن طارق بن الحارث بن سلمة بن كعب بن وائل ابن جمل بن كنانة بن ناجية بن مراد الْجَمَليّ -بفتح الجيم والميم- المراديّ، أبو عبد الله الكوفيّ الأعمى، ثقة عابد، كان لا يُدلّس، ورُمي بالإرجاء [٥].
رَوَى عن عبد الله بن أبي أوفى، وأبي وائل، ومرة الطيب، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن ابن أبي ليلى، وعبد الله بن الحارث النجراني، وعمرو بن ميمون الأودي، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه عبد الله، وأبو إسحاق السبيعي، وهو أكبر منه، والأعمش، ومنصور، وزيد بن أبي أنيسة، ومسعر، والعلاء بن المسيب، وإدريس بن يزيد الأودي، والأوزاعي، والمسعودي، وحصين بن عبد الرحمن، وغيرهم،
قال البخاري عن علي: له نحو مائتي حديث. وقال سعيد الأُرَاطيّ (١): زَكّاه أحمد ابن حنبل. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، كان يرى الإرجاء. وقال حفص بن غياث: ما سمعت الأعمش يُثني على أحد إلا على عمرو بن مرة، فإنه كان يقول: كان مأمونا على ما عنده. وقال بقية عن شعبة: كان أكثرهم علمًا. وقال معاذ بن معاذ عن شعبة: ما رأيت أحدًا من أصحاب الحديث إلا يدلس إلا ابن عون، وعمرو ابن مرة. وقال قُرَاد عن شعبة: ما رأيت عمرو بن مرة في صلاة قط، إلا ظننت أنه لا ينفتل حتى يستجاب له. وقال عبد الملك بن ميسرة في جنازته: إني لأحسبه خير أهل
стр. 284
الأرض. وقال مسعر: لم يكن بالكوفة أحب إلي، ولا أفضل منه. وقال ابن عيينة عن مسعر: كان عمرو من معادن الصدق. وقال عبد الرحمن بن مهدي: أربعة بالكوفة لا يختلف في حديثهم، فمن اختلف عليهم، فهو يخطىء، منهم: عمرو بن مرة. وقال جرير عن مغيرة: لم يزل في الناس بقية حتى دخل عمرو في الإرجاء، فتهافت الناس فيه. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يُكنى أبا عبد الرحمن، وكان مرجئًا. ووثقه ابن نمير، ويعقوب بن سفيان. وقال أبو نعيم، وأحمد بن حنبل: مات سنة (١١٦)، وقيل: مات سنة (١١٨). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٦) حديثًا.
٥ - (أبو الْبَخْتَريّ) -بفتح الموحّدة، والمثنّاة، بينهما خاء معجمة ساكنة- سعيد بن فيروز ابن أبي عمران الطائيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبتٌ، فيه تشيّعٌ قليل، كثير الإرسال [٣].
رَوَى عن أبيه، وابن عباس، وابن عمر، وأبي سعيد، وأبي كبشة، وأبي برزة، ويعلى بن مرة، وأبي عبد الرحمن السُّلَمِيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه عمرو بن مرة، وعبد الأعلى بن عامر، وعطاء بن السائب، وسلمة بن كهيل، ويونس بن خَبّاب، وخبيب بن أبي ثابت، ويزيد بن أبي زياد، وغيرهم.
قال عبد الله بن شعيب عن ابن معين: أبو البختري الطائي اسمه: سعيد، وهو ثبت، ولم يسمع من علي شيئًا. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة. وكذا قال أبو زرعة. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق. وقال أبو داود: لم يسمع من أبي سعيد. وقال فطر ابن خليفة عن حبيب بن أبي ثابت: اجتمعت أنا وسعيد بن جبير، وأبو البختري، فكان الطائي أعلمنا وأفقهنا. وقال هلال بن خباب: كان من أفاضل أهل الكوفة. قال أبو نعيم مات في الجماجم سنة (٨٣). وقال ابن سعد: قُتل بدُجَيل مع ابن الأشعث سنة (٨٣)، وكان كثير الحديث يُرسل حديثه، ويَروي عن الصحابة، ولم يسمع من كثير أحد، فما كان من حديثه سماعًا، فهو حسن، وما كان غيره فهو ضعيف. وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل" عن أبيه: لم يدرك أبا ذر، ولا أبا سعيد، ولا زيد بن ثابت، ولا رافع
стр. 285
ابن خديج، وهو عن عائشة مرسل. وقال أبو زرعة: هو عن عمر مرسل. وذكره ابن حبان في "الثقات"، فقال: سعيد بن فيروز، ويقال: سعيد بن عمران، وقيل: غير ذلك. وقال العجلي: تابعي ثقة، فيه تشيع. ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير. وقال أبو أحمد الحاكم في "الكنى": ليس بالقوي عندهم، كذا قال، وهو سهو. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث، برقم ٢٠ و ١٨٢٢ و٢٣٠١ و٢٨٧٥ و ٣٩٩٨.
٦ - (أبو عبد الرحمن السُّلَميّ) (١) عبد الله بن حبيب بن رُبَيعة -بضم الراء، وفتح الموحّدة، وتشديد الياء المكسورة، مصغّرًا- الكوفيّ المقرىء، مشهور بكنيته، ولأبيه صحبة، ثقة ثبتٌ [٢].
رَوَى عن عمر، وعثمان، وعلي، وسعد، وخالد بن الوليد، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي موسى الأشعري، وأبي الدرداء، وأبي هريرة ﵃. ورَوَى عنه إبراهيم النخعي، وعلقمة بن مرثد، وسعد بن عبيدة، وأبو إسحاق السبيعي، وسعيد ابن جبير، وأبو الحصين الأسدي، وعطاء بن السائب، وعبد الأعلى بن عامر، وعبد الملك بن أعين، ومسلم البطين، وأبو البختري الطائي، وعاصم بن بهدلة، وغيرهم.
قال أبو إسحاق السبيعي: أقرأ القرآن في المسجد أربعين سنة. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال أبو داود: كان أعمى. وقال النسائي: ثقة. وقال حجاج بن محمد عن شعبة: لم يسمع من ابن مسعود، ولا من عثمان، ولكن سمع من علي. وقال ابن سعد: توفي زمن بشر بن مروان. وقيل: مات سنة (٧٢). وقيل: سبعين. وقال ابن قانع: مات سنة خمس وثمانين، وهو ابن (٩٠) سنة. وقال عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن: صمت لله ثمانين رمضان. وذكره البخاري في "الأوسط" في فصل من مات بين السبعين إلى الثمانين، وقال: روى عن أبيه. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ليس تثبت