قالوا: لا، قال: فإني أوصيكم أتقبلون؟ قالوا: نعم، قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث، فإني رأيت الحق معهم. وأخرج أحمد في "الزهد: عن قتادة قال: والله ما رغب أحد عن سنة نبيه ﷺ إلا هلك، فعليكم بالسنة وإياكم والبدعة، وعليكم بالفقه، وإياكم والشبهة. وأخرج الحاكم في "المستدرك" عن عبد الرحمن بن أبزي قال: لما وقع الناس في عثمان، قلت لأبي بن كعب: ما المخرج من هذا؟ قال: كتاب الله وسنة نبيه، ما استبان لكم فاعملوا به، وما أشكل عليكم فكلوه إلى عالمه. وأخرج الحاكم أيضا عن علي بن أبي طالب، أن أناسا أتوه، فأثنوا على ابن مسعود، فقال: أقول فيه ما قالوا، وأفضل، قرأَ القرآنَ، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فقيه في الدين، عالم بالسنة. وأخرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله، أما إني لم أقله، ولكن الله قاله.
وهذه جملة منتقاة من "رسالة القشيري" من كلام أهل الطريق في ذلك:
قال ذو النون المصري: من علامه المحب لله متابعة حبيب الله ﷺ ، في أخلاقه، وأفعاله، وأوامره، وسننه. قال أبو سليمان الداراني: ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أيامًا، فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة. وقال أحمد بن أبي الحواري: من عمل عملا بلا اتباع سنة، فباطل عمله. قال أبو حفص عمر بن سالم الحداد: من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة، ولم يتّهِم خواطره، فلا تعدوه في ديوان الرجال. وقال الجنيد: الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر رسول الله ﷺ . وقال: من لم يحفط القرآن، ولم يكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر، لأن علمنا هذا مقيّد بالكتاب والسنة. وقال أيضا: مذهبنا هذا مشيد بحديث رسول الله ﷺ . وقال أبو عثمان الحيري: الصحبة مع الله بحسن الأدب، ودوام الهيبة والمراقبة، والصحبة مع الرسول ﷺ باتباع سنته، ولزوم ظاهر العلم. وقال: من أَمّر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمّر الهوى على نفسه نطق بالبدعة،
стр. 352
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]. ولما احتُضر أبو عثمان مَزّق ابنه أبو بكر قميصه، ففتح أبو عثمان عينه، وقال: خلاف السنة يا بُنَيّ في الظاهر علامة رياء في الباطن. قال أبو الفوارس شاه بن شجاع الكرماني: من غَضّ بصره عن المحارم، وأمسك نفسه عن الشهوات، وعمر باطنه بدوام المراقبة، وظاهره باتباع السنة، وعود نفسه أكل الحلال، لم تخطئ له فراسة. وقال أبو العباس أحمد بن سهل بن عطاء الأدمي من ألزم نفسه آداب السنة نور الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من متابعة الحبيب، في أوامره وأفعاله وأخلاقه. وقال أبو حمزة البغدادي: من علم طريق الحق سهل سلوكه عليه، ولا دليل على الطريق إلى الله إلا بمتابعة الرسول ﷺ في أحواله وأفعاله وأقواله. وقال أبو إسحاق إبراهيم بن داود الدقّي: علامة محبة الله إيثار طاعته، ومتابعة نبيه ﷺ . وقال أبو بكر الطمستاني: الطريق واضح، والكتاب والسنة قائم بين أظهرنا، وفضل الصحابة معلوم، لسبقهم إلى الهجرة، ولصحبتهم، فمن صحب هذا الكتاب والسنة، وتغرب عن نفسه والخلق، وهاجر بقلبه إلى الله، فهو الصادق المصيب. وقال أبو القاسم النصراباذي: أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة، وترك الأهواء والبدع، وتعظيم حرمات المشايخ، ورؤية أعذار الخلق، والمداومة على الأوراد، وترك ارتكاب الرخص والتأويلات. وقال الخواص: الصبر الثبات على أحكام الكتاب والسنة. وقال سهل بن عبد الله: الفتوة اتباع السنة. قال أبو علي الدقاق: قصد أبو يزيد البسطامي بعض من يوصف بالولاية، فلما وافى مسجده قعد ينتظر خروجه، فخرج الرجل، وتنخم في المسجد، فانصرف أبو يزيد، ولم يسلم عليه، وقال: هذا الرجل غير مأمون على أدب من آداب رسول الله ﷺ ، فكيف يكون أمينا على أسرار الحق. قال أبو حفص: أحسن ما يَتوسل به العبد إلى مولاه دوام الفقر إليه على جميع الأحوال، وملازمة السنة في جميع الأفعال، وطلب القوت من وجه الحلال. وأخرج أبو نعيم في "الحلية" عن سهل بن عبد الله: قال: أصولنا ستة أشياء: التمسك بكتاب الله، والاقتداء بسنة رسول
стр. 353
الله، وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام، وأداء الحقوق. وأخرج عنه قال: من كان اقتداؤه بالنبي ﷺ ، لم يكن في قلبه اختيار لشيء من الأشياء.
[خاتمة]: أخرج الدِّينَوَرِيُّ في "المجالسة" عن عبد الرحمن بن عبد الله الخرقي قال: كان بدأ الرافضة، أن قوما من الزنادقة اجتمعوا، فقالوا: نشتم نبيهم، فقال كبيرهم: إذًا نقتل، فقالوا: نشتم أحباءه، فإنه يقال: إذا أردت أن تؤذي جارك فاضرب كلبه، ثم نعتزل فنكفرهم، فقالوا: الصحابة كلهم في النار إلا علي، ثم قال: كان علي هو النبي فأخطأ جبريل. قال البخاري في "تاريخه" عن ابن مسعود قال: بعث الله نوحا فما أهلك أمته إلا الزنادقة، ثم نبى فنبى، والله لا يهلك هذه الأمة إلا الزنادقه.
ورأيت بعض من صنّف في الملل والنحل قسم فرق الرافضة إلى اثنتي عشرة فرقة، فسمى الفرقة الأولى: القائلة بنبوة علي العلوية، وذكر أنهم يقولون عليّ النبي ﷺ ، ويقولون في أذانهم: أشهد أن عليا رسول الله ﷺ .
والثانية: الأموية، قالوا: إن عليا شريك النبي ﷺ في النبوة.
والثالثة: الشاعية، قالوا: إن عليا وصيّ رسول الله ﷺ ووليه من بعده، وأن الصحابة هزأت به، وردت أمر الله ورسوله، حين تركوا وصيته، وبايعوا غيره. كذب هؤلاء لعنهم الله، ورضي الله عن الصحابة. وهذه هي الفرقة الثانية التي أشرت إليها في الخطبة، ونقلنا في أثناء الكتاب كلام أبي حنيفة ﵁، والعجب من هؤلاء حيث ضللّوا الصحابة، وردوا الأحاديث؛ لأنها من رواياتهم، وذلك يلزمهم في القرآن أيضًا؛ لأن الصحابة الذين رووا لنا الحديث، هم الذين رووا لنا القرآن، فإن قبلوه لزمهم قبول الأحاديث، إذ الناقل واحد.
والرابعة: الإسحاقية، قالوا: النبوة متصلة من لدن آدم إلى يوم القيامة، ومن يعلم علم أهل البيت والكتاب فهو نبي.
والخامسة: الناوسية، قالوا: من فضل أبا بكر وعمر علي علي فقد كفر.
стр. 354
والسادسة: الإمامية، قالوا: لا تخلو الأرض من إمام من ولد الحسين، إما ظاهر مكشوف، أو باطن موصوف، ولا يتعلم العلم من أحد، بل يعلمه جبريل، فإذا مات بدل مكانه مثله.
والسابعة: الزيدية، قالوا: ولد الحسين كلهم أئمة في الصلوات، فما دام يوجد منهم أحد لم تجز الصلاة خلف غيرهم.
والثامنة: الرجعية، قالوا: إن عليا وأصحابه كلهم يرجعون إلى الدنيا، وينتقمون من أعدائه، ويُسَوَّى لهم الملك في الدنيا ما لم يسو لأحد، ويملأ الأرض عدلا كما ملئت جورًا.
والتاسعة: اللاعنة، يتدينون بلعن الصحابة، لعن الله هذه الفرقة، ورضي الله عن أصحاب رسول الله ﷺ .
العاشرة: السبأية، قالوا: بإلهية علي تعالى الله عما يقول المفترون علوا كبيرًا.
[والحادية عشرة]: الناسخة، قالوا: بتناسخ الأرواح.
[والثانية عشرة]: المتربصة، يقيمون لهم في كل عصر رجلا ينسبون له الأمر، ويزعمونه المهدي، وأن من خالفه كفر. وقد أوسع صاحب هذا الكتاب، وهو من مشايخ الحافظ أبي الفضل بن ناصر من الرد على كل فرقة فرقة من الكتاب والسنة. وروى فيه بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: مثل أصحاب رسول الله ﷺ مثل العيون، ودواء العيون ترك مسها. وأخرج بسنده عن ابن وهب قال: كنا عند مالك بن أنس نتذاكر السنة، فقال مالك: السنة سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غَرِق.
والأثر الذي أشرنا إليه في الخطبة عن الشافعي ﵁، أخرجه أبو نعيم في "الحلية" بسنده عن الحميدي قال: كنت بمصر، فحدّث محمد بن إدريس الشافعي بحديث عن رسول الله ﷺ ، فقال له رجل: يا أبا عبد الله أتأخذ بهذا؟ فقال: أرأيتني خرجت من كنيسة، ترى عليّ زنارا حتى لا أقول به. وأخرج عن الربيع بن سليمان قال: سأل رجل
стр. 355
الشافعي عن حديث؟ فقال: هو صحيح، فقال له الرجل: فما تقول؟ فارتعد وانتفض، وقال: أَيُّ سماء تظلني، وأيُّ أرض تُقِلُّني إذا رويت عن النبي ﷺ ، وقلت بغيره. وأخرج عن الربيع قال: ذَكَر الشافعي حديثًا، فقال له رجل: أتأخذ بالحديث؟ فقال: اشهدوا أني إذا صح عندي الحديث عن رسول الله ﷺ ، فلم آخذ به، فإنّ عقلي قد ذهب. وأخرج عن ابن الوليد بن أبي الجارود، قال الشافعي: إذا صح الحديث عن رسول الله ﷺ ، وقلت قولًا، فأنا راجع عن قولي، وقائل بذلك. وأخرج عن الزعفراني قال: قال الشافعي: إذا وجدتم لرسول الله ﷺ سنة فاتبعوها، ولا تلتفتوا إلى قول أحد. انتهى، والله أعلم.
انتهت رسالة الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى بنصّها، مشتملةً على غرر الفوائد، ودرر العوائد، نسأل الله تعالى التمسّك بالسنّن، ومجانبة البدع والفتن، اللهم أرنا الحقّ حقّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين آمين آمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 356
٣ - (بابُ التَّوَقِّي في الحديث عن رسول الله ﷺ -)
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على الحَذَر في التحديث عن رسول الله ﷺ خوفًا من أن يدخل الخطأ فيه، فيقع في محذور الكذب عليه ﷺ .
و"التوقّي": مصدر توقّى، يقال: توقّيت الشيء أتَوَقّاهُ: إذا حَذِرْتَهُ. أفاده في "اللسان"، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ المذكور أول الكتاب قال:
٢٣ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ الْبَطِينُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: مَا أَخْطَأَنِي ابْنُ مَسْعُودٍ عَشِيَّةَ خَمِيسٍ، إِلا أتَيْتُهُ فِيهِ، قَالَ: فَمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ بِشَيْءٍ قَطُّ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَلمَّا كَانَ ذَاتَ عَشِيَّةٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله قَالَ ﷺ ، فَنكَسَ، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ، فَهُوَ قَائِمٌ، مُحَلَّلَةً أَزْرَارُ قَمِيصِهِ، قَدِ اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ، وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ، قَالَ: أَوْ دُونَ ذَلِكَ، أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، أَوْ شَبِيهًا بِذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أبو بكر بن أبي شيبة) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسيّ الكوفيّ، ثقة ثبتىت [١٠] تقدّم في ١/ ١.
٢ - (معاذ بن معاذ) بن نصر بن حسّان بن الحارث بن مالك بن الخشخاش العنبريّ، أبو المثنى التميمي الحافظ البصريّ القاضي، ثقة متقنٌ، من كبار [٩].
رَوَى عن سليمان التيمي، وحميد الطويل، وابن عون، وأبي يونس حاتم بن أبي صغيرة، وبهز بن حكيم، وعاصم بن محمد بن زيد، وفرج بن فَضَالة، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابناه: عبيد الله، والمثنى، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وهو من أقرانه، وأحمد، وإسحاق، وأبو خيثمة، ويحيى بن معين، وآخرون.
قال المروزي عن أحمد: معاذ بن معاذ قرة عين في الحديث، وقال في موضع آخر: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وقال النسائي: ثقة ثبت، وقال ابن سعد: كان ثقة، ولي
стр. 357
قضاء البصرة لهارون، ثم عُزِل، وتوفي في ربيع الآخر. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان فقيها عالما متقنا. قال عمرو بن علي: سمعت يحيى بن سعيد يقول: وُلدت في سنة عشرين ومائة في أولها، ووُلد معاذ في سنة تسع عشرة في آخرها، كان أكبر مني بشهرين. وقال ابنه عبيد الله بن معاذ وغيره: مات سنة ست وتسعين ومائة. وقال ابن أبي خيثمة: مات معاذ بن نصر، وابنه معاذ مولود سنة تسع عشرة، ومات لليلة بقيت من ربيع الآخر سنة ست. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث برقم ٢٣ و ٢٤ و١٢١٨و ١٨٦٩ و ٣١١٦و٣٨٨١.
٣ - (ابن عون) هو: عبد الله بن عون بن أَرْطَبان المزني مولاهم، أبو عون الْخَزّار البصري، ثقة ثبتٌ، فاضل، من أقران أيوب في العلم، والعمل، والسنّ [٥] (١).
رأى أنس بن مالك، وروى عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، وأنس بن سيرين، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعي، وزياد بن جُبير بن حية، والحسن البصري، والشعبي، وغيرهم. ورَوى عنه الأعمش، وداود بن أبي هند، والثوري، وشعبة، والقطان، وابن المبارك، ومعاذ بن معاذ، وغيرهم.
قال ابن المديني: جُمِع لابن عون من الإسناد ما لا يُجْمَع لأحد من أصحابه، سمع بالمدينة من القاسم، وسالم، وبالبصرة من الحسن، وابن سيرين، وبالكوفة من الشعبي، والنخعي، وبمكة من عطاء، ومجاهد، وبالشام من مكحول، ورجاء بن حيوة، وقال الثوري: ما رأيت أربعة اجتمعوا في مصر مثل هؤلاء: أيوب، ويونس، والتيمي، وابن عون. وقال وهيب: دار أمر البصرة على أربعة، فذكر هؤلاء. وقال أبو داود عن شعبة: ما رأيت مثلهم، وقال ابن المبارك: ما رأيت أحدا ذُكِر لي قبل أن ألقاه، ثم لقيته إلا وهو على دون ما ذُكر لي إلا ابن عون وحيوة، وسفيان، فأما ابن عون فلوددت أني لزمته
стр. 358
حتى أموت أو يموت. وقال ابن مهدي: ما كان بالعراق أحد أعلم بالسنة منه، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وكان عثمانيا، وكان كثير الحديث، ورعًا، وقال النسائي في "الكنى": ثقة مأمون. وقال في موضع آخر: ثقة ثبت. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من سادات أهل زمانه عبادةً، وفضلًا، وورعًا، ونسكًا، وصلابة في السنه، وشدةً على أهل البدع. وقال أبو بكر البزار: كان على غاية من التوقي. وقال عثمان بن أبي شيبة: ثقة، صحيح الكتاب. وقال العجلي: بصري ثقة، رجل صالح. وقال قرة: كنا نتعجب من ورع ابن سيرين، فأنساناه ابن عون. ومناقبه كثيرة جدّا. قال عمرو بن علي وغير واحد: مولده سنة (٦٦). ومات سنة (١٥١). وقيل: مات سنة خمسين. وقيل: سنة اثنتين وخمسين، والأول أصح. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا.
٤ - (مسلم البطين) هو: مسلم بن عمران، ويقال: ابن أبي عمران، أبو عبد الله الكوفي، ثقة [٦].
روى عن عطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي وائل، وإبراهيم التيمي، وغيرهم. وروى عنه سلمة بن كهيل، وأبو إسحاق السبيعي، وسليمان الأعمش، وعبد الله بن عون، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة، زاد أبو حاتم: لم يدركه شعبة. وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث برقم ٢٣ و ٨١٣ و ١٧١٧ و ١٧٤٨.
٥ - (إبراهيم التيميّ) هو: إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي، تيم الرباب، أبو أسماء الكوفي، كان من العباد، ثقة، يرسل، ويدلّس [٥].
روى عن أنس، وأبيه، والحارث بن سويد، وعمرو بن ميمون، وأرسل عن عائشة.
وروى عنه بيان بن بشر، والحكم بن عتيبة، وزبيد بن الحارث، ومسلم البطين، ويونس بن عبيد، وجماعة.
قال ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: ثقة، مرجئ، قتله الحجاج بن يوسف. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال الأعمش: كان إبراهيم إذا سجد، تجيء العصافير،
стр. 359
فتنقر ظهره. وقالت الكرابيسي: حدث عن زيد بن وهب قليلًا، أكثرها مُدَلَّسَةٌ. وقال الدارقطني: لم يسمع من حفصة، ولا من عائشة، ولا أدرك زمانهما. وقال أحمد: لم يلق أبا ذر. وقال ابن حبان في "الثقات": كان عابدًا صابرًا على الجوع الدائم. وقال أبو داود في "كتاب الطهارة" من "سننه": لم يسمع من عائشة، وكذا قال الترمذي. وقال ابن المديني: لم يسمع من علي، ولا من ابن عباس. وقال القطان في رواية إبراهيم التيمي، عن أنس في القبلة للصائم: لا شيء، لم يسمعه. نقله الضياء الحافظ. قال أبو داود: مات ولم يبلغ أربعين سنة. وقال غيره: مات سنة (٩٢). وقال الواقدي: مات سنة (٩٤). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث برقم ٢٣ و ٥٤٦ و ٥٤٧ و٧٤٥ و ٢٩٧٦.
٦ - (أبوه) يزيد بن شريك بن طارق التيمي الكوفي، ثقة [٢].
روى عن عمر، وعلي، وأبي ذر، وابن مسعود، وأبي مسعود، وحذيفة، وأبي معمر. وروى عنه ابنه إبراهيم، وإبراهيم النخعي، وجَوّاب التيمي، والحكم بن عتيبة، وهمام بن عبد الله التيمي الكوفيون. قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقةً، وكان عَرِيفَ قومه، وله أحاديث. وقال أبو موسى المديني في "الذيل": يقال: إنه أدرك الجاهلية. أخرج الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم ٢٣ و٧٤٥ و ٢٩٧٦.
٧ - (عمرو بن ميمون) الأَوْديّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو يحيى الكوفي، أدرك الجاهلية، ولم يلق النبي ﷺ ، ثقة عابدٌ، مخضرمٌ، مشهور [٢].
روى عن عمر، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبي ذر، وأبي مسعود البدري، وسعد بن أبي وقاص، ومعقل بن يسار، وعائشة، وأبي هريرة، وابن عباس، وغيرهم.
وروى عنه سعيد بن جبير، والربيع بن خُثَيم، وأبو إسحاق السبيعي، ويزيد بن شريك، وإبراهيم بن يزيد التيمي، وأبوه، وغيرهم.
قال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وقال أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق: كان أصحاب النبي ﷺ يرضون بعمرو بن ميمون، وقال يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه:
стр. 360
كان عمرو بن ميمون إذا دخل المسجد، فرُؤي ذُكِر الله. وقال الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون: قدم علينا معاذ اليمن رسولَ رسولِ الله ﷺ من الشِّحر، رافعا صوته بالتكبير، أجش الصوت، فأُلقيت عليه محبتي ... الحديث. وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وذكره ابن عبد البر في "الاستيعاب"، فقال: أدرك النبي ﷺ ، وصَدَّقَ إليه، وكان مسلما في حياته. وذكره ابن حبان في ثقات التابعين. قال أبو نعيم، وغير واحد: مات سنة أربع وسبعين. ويقال: سنة (٧٥).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث.
٨ - (ابن مسعود) عبد الله الصحابيّ الجليل ﵁، تقدّم في ٢/ ١٩. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من ثمانيات المصنف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير معاذ، وابن عون، ومسلم، فبصريون.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: إبراهيم، عن أبيه، عن عمرو، ورواية الأخيرين من رواية الأقران.
٦ - (ومنها): أن رواية ابن عون عن مسلم البطين من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن ابن عون من الخامسة، ومسلمًا من السادسة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) الأوديّ، أنه (قَالَ: مَا أَخْطَأَنِي ابْنُ مَسْعُودٍ) رضي الله تعالى عنه: أي ما فاتني لقاؤه، يقال: أخطأه السهم: إذا تجاوزه، ولم يُصبه. (عَشِيَّةَ خَمِيسٍ) بنصب "عشيّة" ظرفًا لأخطأني (إِلَّا أَتَيْتُهُ) قال السنديّ رحمه الله تعالى: الاستثناء من أعمّ الأحوال بتقدير "قد". قال: وهذا الاستثناء من قبيل: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] معلوم أنه لا يفوته
стр. 361
الملاقاة حال إتيانه إيّاه، فهذا تأكيد للزوم الملاقاة في عشيّة كلّ خميس. ويحتمل أن يكون أن ابن مسعود ﵁ كان يجيئه، فإن كان ما جاءه يومًا أتاه هو فيه. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأخير بعيدٌ من سياق الكلام، فلا يُلتفت إليه. والله تعالى أعلم.
(فِيهِ) أي في عشيّة الخميس، وإنما ذكّر الضمير؛ لتأويله بالوقت، ويحتمل أن يكون لاكتسابه التذكير من المضاف إليه، وهو "خميس"، كما أشار إليه في "الخلاصة":
وَرُبَّمَا أَكْسَبَ ثَانٍ أَوَّلَا ... تَأْنِيثًا إِنْ كَانَ لِحَذْفٍ مُوهَلَا
أي وتذكيرًا. (وقَالَ) عمرو (فَمَا سَمِعْتُهُ) أي ابن مسعود ﵁ (يَقُولُ بِشَيْءٍ) هكذا النسخ بالباء الموحّدة، فالباء سببيّة: أي بسبب ذكر شيء، أو بمعنى "في": أي في حال ذكر شيء، ووقع في "تحفة الأشراف" ٧/ ١٢١: "لشيء" باللام: أي لأجل ذكر شيء (قَطُّ) بفتح القاف، وتشديد الطاء: أي في الزمان الماضي. قاله الفيّوميّ. وذكر في "القاموس": ما: يدلّ على أن "قطّ" التي بمعنى الزمان تكون مثلّثة الطاء، مشدّدةً، ومضمومة الطاء مخفّفة، ومرفوعة. قال: وتختصّ بالنفي ماضيًا، وتقول العامّة: لا أفعله قطّ، وفي مواضع من "صحيح البخاريّ" جاء بعد المُثْبَتِ، منها في "الكسوف": "أطول صلاة صلّيتها قطّ"، وفي "سنن أبي داود": "توضّأ ثلاثًا قطّ". وأثبته ابن مالك في "الشواهد" لغةً، قال: وهي مما خَفِي على كثير من النحاة. انتهى.
وقوله: (قَالَ رَسُولُ الله ﷺ ) مقول "يقول": أي ما سمعته قائلًا: قال رسول الله ﷺ " (فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ عَشِيَّةٍ) بنصب "ذات" على أنها خبر "كان"، واسمها ضمير يعود إلى الزمن المفهوم من المقام. أو برفعها على الفاعليّة، و"كان" تامّة. ولفظ "ذات" مقحم. قاله السنديّ في "شرحه" هنا. وقال في "شرحه" على "سنن النسائيّ" عند قوله: "فلما كان ذات ليلة": يمكن رفعه على أنه اسم "كان"، ونصبه على أنه خبر "كان": أي كان
стр. 362
الزمان، أو الوقت ذات ليلة. وقيل: يجوز نصبه على الظرفيّة: أي كان الأمر في ذات ليلة. ثم "ذات ليلة" قيل: معناه: ساعة من ليلة. وقيل: معناه ليلة من الليالي، و"ذات" مقحمة. انتهى (١). وقال في "الفتح": "ذات" مقحمة، وقيل: بل هي من إضافة الشيء لنفسه، على رأي من يُجيزه. انتهى (٢).
(قَالَ) أي ابن مسعود ﵁ (قَالَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَنكَسَ) بالبناء للفاعل، والكاف مخفّفة، من باب نصر: أي طأطأ رأسه، وخفضه، ويحتمل أن تشدّد الكاف للمبالغة. (قَالَ) عمرو بن ميمون (فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ) أي ابن مسعود ﵁ (فَهُوَ قَائِمٌ، مُحَلَّلَةً) بفتح اللام الأولى، بصيغة اسم المفعول، ونصبه على الحاليّة. وقوله: (أَزْرَارُ قَمِيصِهِ) بالرفع على أنه نائب فاعل "محلّلة". و"الأزرار" بفتح الهمزة: جمع زِرّ بالكسر، وتشديد الراء: وهو شيء كالْحَبّة يُدخَل في عروة القميص (٣).
(قَدِ اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ) أي دمعتا، كأنهما غَرِقَا في دمعهما. قاله في "القاموس". وهو افْعَوْعَل، من غَرِق، كاخشَوْشَن، من خَشُن للمبالغة (وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ) بالفتح: جمع وَدَج. قال الفيّوميّ: "الْوَدَجُ بفتح الدال، والكسرُ لغةٌ: عِرْقُ الأَخْدَع الذي يقطعه الذابح، فلا يبقى معه حياةٌ. ويقال: في الجسد عِرْقٌ واحدٌ حيثما قُطِع مات صاحبه، وله في كلّ عضو اسمٌ، فهو في العنق الْوَدَجُ، والْوَرِيد أيضًا، وفي الظهر النِّيَاطُ، وهو عِرْقٌ مُمتدّ فيه، الأَبْهَرُ، وهو عِرْقٌ مُستبطن الصُّلْب، والقلبُ متّصلٌ به، والْوَتِين في البطن، والنسا في الفخذ، والأبجل في الرجل، والأَكحَلُ في اليد، والصافن في الساق. وقال في "المجرَّد" أيضًا: الوريد عِرْقٌ كبير يدور في البدن، وذكر معنى ما تقدّم، لكنه خالف في بعضه، ثم قال: والودجان: عرقان غليظان، يكتنفان ثُغْرَة النحر يمينًا ويسارًا، والجمع
стр. 363
أوداج، مثلُ سبب وأسباب. انتهى (١). وقد نظمت ما سبق بقولي:
يُقَالُ في الْجسَدِ عِرْقٌ حَيْثُمَا ... قُطِعَ صَاحِبُهُ ماتَ أَلمَا
لَهُ تَشَعُّبٌ بِأَعْضَاءِ الْجسَدْ ... في كُلِّ عُضْوٍ خُصَّ بِاسْمِ انْفَرَدْ
فَخُصَّ في الْعُنُقِ بِالْوَرِيدِ ... كَذَلِكَ الْوَدَجُ ذُو تَسْدِيدِ
في الظَّهْرِ بِالنِّيَاطِ يُدْعَى وَالِّذِي ... اسْتَبْطَنَ الصُّلْبَ بِأَبْهَر خُذِ
وَذَا بِهِ الْقَلْبُ غَدَا يَتِّصِلُ ... في الْبَطْنِ بِالْوَتِينِ صَارَ يُعْقَلُ
وَبِالنَّسا في الْفَخْذِ وَالأَبْجَلُ في ... رِجْلٍ وَبِالأَكْحَلِ في الْيَدِ يَفِي
في السِّاقِ بِالصِّافِنِ يُدْعَى وَانْتَهَى ... نَظْمِي لَمِنْ يَرْغَبُ مِنْ ذَوِي النُّهَى
(قَالَ) أي ابن مسعود ﵁ (أَوْ دُونَ ذَلِكَ) أي دون ما ذكره من قول رسول الله ﷺ (أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، أَوْ شَبِيهًا بِذَلِكَ) "أو" في الجميع للتنويع، لا للشكّ، وإنما قال هذا كلّه خشية أن يكون رواه بالمعنى، فزاد فيه، أو نقص منه .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
أثر ابن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣/ ٢٣) وهو من زوائده على الكتب الخمسة، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٤٣٢١) و (الدارميّ) (٢٧٦)، و (الحاكم) في "المستدرك" (٣/ ١١١) و (البخاري) في "التاريخ" (٤/ ٢١٦) و (الخطيب) في "الجامع" (٢/ ٨)، والله تعالى أعلم.
стр. 364
[تنبيه]: قال الحافظ البوصيريّ في "مصباح الزجاجة" (ص ٣٥ - ٣٦): هذا إسناد صحيح، احتجّ الشيخان بجميع رواته، رواه الحاكم من طريق ابن عون، وفي آخره: أو كما قال رسول الله ﷺ . قلت: وقد اختُلف فيه على مسلم بن عمران البطين اختلافًا كثيرًا، فقيل: عنه، عن أبي عَمْرو الشيبانيّ. وقيل: عنه، عن أبي عُبيدة بن عبد الله ابن مسعود. وقيل: عنه، عن أبي عبد الرحمن السُّلَميّ. وقيل: عنه، عن إبراهيم التيميّ، عن عمرو بن ميمون. وقيل: عنه، عن عمرو بن ميمون، كلهم عن ابن مسعود. انتهى. قال البيهقيّ في "المدخل": ورواية ابن عون أكملها إسنادًا ومتنًا، وأحفظها. والله تعالى أعلم (١).
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان التوقّي، والتحفّظ في الحديث عن رسول الله ﷺ ؛ لشدّة خطره.
٢ - (ومنها): بيان فضيلة عبد الله بن مسعود ﵁، حيث بلغ به الورع إلى أن يتحفّظ عن الإكثار من حديث رسول الله ﷺ ، مع أنه كان كثير المجالسة له، من منذ أن أسلم في أوئل من أسلم من المهاجرين إلى أن تُوفي ﷺ ، ولكنه يقلّل الرواية تورّعًا، واحتياطًا، لشدّة خوفه من الزيادة والنقص في حديثه ﷺ .
٣ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم من تعظيم حديث رسول الله ﷺ .
٤ - (ومنها): أنه ينبغي للمحدّث إذا خاف أن يشتبه عليه بعض ألفاظ الحديث، فرواه بمعناه أن يقول: أو كما قال ﷺ ، أو نحو ذلك، مما يُفهم أنه رواه بالمعنى. قال الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى في "ألفيّة الأثر":
وَقُلْ أَخِيرًا "أَوْ كَمَا قَال" وَمَا ... أَشْبَهَهُ كَالشَّكِّ فَيمَا أَبْهَمَا
стр. 365
٥ - (ومنها): ما كان عليه السلف من شدّة الحرص على ملازمة مجالس أصحاب رسول الله ﷺ ؛ ليأخذوا عنهم السنن، والهدي النبويّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٤ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: كَانَ أَنسُ بْنُ مَالِكٍ، إِذَا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ حَدِيثًا، فَفَرَغَ مِنْهُ، قَالَ: أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ الله ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسيّ الكوفي، ثقة حافظ [١٠] ١/ ١.
٢ - (مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ المذكور في السند الماضي.
٣ - (ابن عون): هو عبد الله بن عون بن أرطبان المذكور في السند الماضي.
٤ - (محمد بن سيرين) الأنصاريّ، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقة ثبتٌ، كبير القدر، كان لا يرى الرواية بالمعنى [٣].
رَوَى عن مولاه أنس بن مالك، وزيد بن ثابت، والحسن بن علي بن أبي طالب، وغيرهم من الصحابة والتابعين.
وروى عنه الشعبي، وثابت، وخالد الحذاء، وداود بن أبي هند، وابن عون، وخلق كثير.
قال ابن عون: كان ابن سيرين يحدث بالحديث على حروفه. وقال عون بن عمارة، عن هشام بن حسان: حدثني أصدق من أدركته من البشر، محمد ابن سيرين. وقال أبو طالب عن أحمد: من الثقات. وقال ابن معين: ثقة، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، وهو من أروى الناس عن شُريح وعَبيدة، وإنما تأدب بالكوفيين أصحاب عبد الله. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونا عاليا، رفيعا فقيها، إماما كثير العلم ورعا،
стр. 366
وكان به صمم. وقال حماد بن زيد عن عاصم الأحول: سمعت مُوَرِّقا يقول: ما رأيت رجلا أفقه في ورعه، ولا أورع في فقهه، من محمد بن سيرين. قال: وقال أبو قلابة: اصْرِفُوه حيث شئتم، فلتجدنه أشدكم ورعا، وأملككم لنفسه. وقال معتمر عن ابن عون: كان من أرجى الناس لهذه الأمة، وأشدهم إِزْراءً على نفسه، وكان كاتب أنس بن مالك بفارس. وقال ابن سعد: سألت محمد بن عبد الله الأنصاري عن السبب الذي حُبِس محمد لأجله؟ فقال: كان اشترى طعاما بأربعين ألفًا، فأُخبر عن أصله بشيء كرهه، فتصدق به، وبقي المال عليه، فحُبِسَ، حَبَسَته امرأة، وعن ثابت البناني قال: قال لي محمد بن سيرين: كنت أمتنع من مجالستكم مخافة الشهرة، فلم يزل بي البلاء حتى أُخِذ بلحيتي، وأقمت على المِصْطَبَّة (١)، وقيل: هذا محمد بن سيرين أكل أموال الناس، ويُرْوَى في سبب حبسه غير ذلك.
قال حماد بن زيد: مات الحسن أول يوم من رجب سنة عشرة ومائة، وصليت عليه، ومات محمد لتسع مضين من شوال منها. وقال ابن حبان: كان محمد بن سيرين من أورع أهل البصرة، وكان فقيها فاضلًا حافظًا متقنا يعبر الرؤيا، مات وهو ابن (٧٧) سنة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤١) حديثًا.
٥ - (أنس بن مالك) بن النضر بن ضَمْضَم بن زيد بن حَرَام بن جُندَب بن عامر ابن غَنْم بن عديّ بن النجار الأنصاري، أبو حمزة، خادم رسول الله ﷺ ، نزيل البصرة، رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعبد الله بن رواحة، وجماعة آخرين، وروى عنه جلّ التابعين.
قال الزهري، عن أنس: قدم رسول الله ﷺ المدينة، وأنا ابن عشر سنين، وكنّ
стр. 367
أُمّهاتي يَحْثُثْنني على خدمته (١) .. وقال جعفر بن سليمان الضُّبَعي عن ثابت، عن أنس، جاءت بي أم سليم إلى النبي ﷺ وأنا غلام، فقالت: يا رسول الله، أنيس ادع الله له، فقال النبي ﷺ : "اللهم أكثر ماله وولده، وأدخله الجنة" (٢)، قال فقد رأيت اثنتين، وأنا أرجو الثالثة، وقال أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس: شهدت مع رسول الله ﷺ الحديبية، وعمرته، والحج، والفتح، وحنينا، والطائف. وقال علي بن الجعد، عن شعبة، عن ثالت: قال أبو هريرة: ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من ابن أم سليم، وقال جعفر، عن ثابت: كنت مع أنس، فجاء قهرمانه، فقال: يا أبا حمزة عطشت أرضنا، قال: فقام أنس: فتوضأ، وخرج إلى البرية، فصلى ركعتين، ثم دعا، فرأيت السحاب يلتئم، قال: ثم مَطَرَت، حتى ملأت كل شيء، فلما سكن المطر بعث أنس بعض، أهله، فقال: انظر أين بلغت السماء، فنظر، فلم تَعْدُ أرضه إلا يسيرا، وذلك في الصيف. وقال الأنصاري: ثنا ابن عون، عن موسى بن أنس، أن أبا بكر لما استُخْلِف بَعَثَ إلى أنس بن مالك ليوجهه إلى البحرين علي السعاية، قال فدخل عليه عمر، فقال: إني أردت أن أبعث هذا إلى البحرين على السعاية، وهو فتى شاب، فقال ابعثه، فإنه لبيب كاتب، قال: فبعثه، وقال علي بن المديني: آخر من بقي بالبصرة من أصحاب رسول الله ﷺ أنس. وقال الأنصاري: مات وهو ابن مائة وسبع سنين. وقال وهب بن جرير، عن أبيه: مات أنس سنة (٩٠)، وكذا قال شعيب بن الحبحاب. وقال همام عن قتادة: سنة (٩١)، وقال معن ابن عيسى عن بعض ولد أنس: سنة (٩٢)، وقال ابن علية، وأبو نعيم، وخليفة، وغيرهم: مات سنة (٩٣).
وقد تعقّب الحافظ قول الأنصاري: إن أنسا عاش مائة وسبع سنين، فقال: فيه نظر؛ لأن أكثر ما قيل في سنه إذ قدم النبي ﷺ عشر سنين، وأقرب ما قيل في وفاته سنة
стр. 368
(٩٣) فعلى هذا غاية ما يكون عمره مائة سنة وثلاث سنين، وقد نَصّ على ذلك خليفة ابن خياط في "تاريخه"، فقال: مات سنة (٩٣) وهو ابن (١٠٣) سنة، وأعجب من قول الأنصاري قول الواقدي: إنه مات سنة (٩٢) وله (٩٩) سنة، وكذا قال معتمر عن حميد، إلا أنه جزم بأنه مات سنة (٩١)، فهذا أشبه، وقول خليفة أصح، وحكى الحذاء في رجال "الموطإ" أنه يكنى أبا النضر. أخرج له الجماعة. وله في هذا الكتاب (٢٧٩) حديثًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، إلا شيخه، فكوفيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي، فإن ابن عون قد رأى أنسًا ﵁.
٥ - (ومنها): أن أنسًا ﵁ أشهر من خدم النبيّ ﷺ ، خدمه عشر سنين ﵁.
٦ - (ومنها): أنه كان يُكْنَى أبا حمزة، كناه رسول الله ﷺ ببَقْلَة كان يَجتنيها، قال الأزهريّ: الْبَقْلة التي جناها أنس كان في طعمها لذعٌ، فسُمّيت حَمْزة بفعلها، يقال: رُمّانة حامزة: أي فيها حُمُوضة، ذكره ابن الملقّن ﵀ (١).
٧ - (ومنها): أنه أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا.
٨ - (ومنها): أنه آخر من مات من الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالبصرة، مات، سنة (٩٢) أو (٩٣).
٩ - (ومنها): أنه من المعمّرين، مات، وقد جاوز مائة سنة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ: كَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ (إِذَا
стр. 369
حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ حَدِيثًا، فَفَرَغَ مِنْهُ) أي انتهى من التحديث به (قَالَ: أَوْ كَما قَالَ رَسُولُ الله ﷺ ) أي قَال أنس ﵁ هذا اللفظ، فقوله: "أو كمال" مقول "قال"، فقول السنديّ: عَطف على مقول "قال" الخ فيه نظر لا يخفى، فتبصّر. والكاف زائدة، كما قال السنديّ. وإنما قال ذلك تنبيهًا على أن ما ذكره مما رواه بالمعنى، وأما اللفظ، فيحتمل أن يكون هذا اللفظ المذكور، ويحتمل أن يكون لفظًا آخر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس ﵁ هذا صحيح، قال البوصيريّ ﵀: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وقد احتجّا بجميع رواته، وقد روينا عن جماعة من الصحابة نحو ما فعله أنس من الحذر والاحتياط، منهم: ابن مسعود ﵁. انتهى. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا فقط، و (الدارميّ) في "المقدّمة" (٢٧٦) عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن ابن عون به، و (٢٧٧) عن عثمان بن محمد، عن إسماعيل، عن أيوب به. وأما فوائد الحديث فقد تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٥ - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: قُلْنَا لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: حَدِّثْنَا عَن رَسُولِ الله ﷺ ، قَالَ: كَبِرْنَا، وَنَسِينَا، وَالحدِيثُ عَنْ رَسولِ الله ﷺ شَدِيدٌ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أبو بكر بن أبي شيبة) هو: عبد الله بن محمد المذكور في السند الماضي.
стр. 370
٢ - (محمد بن بشّار) العبديّ، أبو بكر البصريّ الحافظ الثبت المعروف بـ "بُنْدار" [١٠] ١/ ٦.
٣ - (غُنْدَر) -بضم الغين المعجمة، وسكون النون، وفتح الدال المهملة، آخره راء- محمد بن جعفر البصريّ الحافظ الثقة ربيب شعبة [٩] تقدّم في ١/ ٦.
٤ - (عبد الرحمن بن مهديّ) بن حسان العنبريّ، وقيل: الأزدي مولاهم، أبو سعيد البصريّ اللؤلؤي الحافظ الإمام العلم الثقة الثبت، من [٩].
رَوَى عن أيمن بن نابل، وجرير بن حازم، وعكرمة بن عمار، ومالك، وشعبة، والسفيانين والحمادين، وإسرائيل، وخلق كثير.
وروى عنه ابن المبارك، من شيوخه، وابن وهب، وهو أكبر منه، وأحمد، وإسحاق، وعلي، ويحيى بن معين، وخلق كثير.
قال حنبل عن أبي عبد الله: ما رأيت بالبصرة مثل يحيى بن سعيد، وبعده عبد الرحمن، وعبد الرحمن أفاقه الرجلين. وقال أيضا: إذا اختلف وكيع وعبد الرحمن، فعبد الرحمن أثبت؛ لأنه أقرب عهدا بالكتاب، وقال أحمد بن سنان: سمعت علي بن المديني يقول: كان عبد الرحمن بن مهدي أعلم الناس، قالها مرارًا. وقال ابن أبي صفوان: سمعت علي بن المديني يقول: لو حُلِّفتُ بين الركن والمقام لحلفت بالله إني لم أر أحدا قط أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي وقال علي بن نصر عن علي بن المديني: كان يحيى بن سعد أعلم بالرجال، وكان عبد الرحمن أعلم بالحديث، وما شَبَّهت علم عبد الرحمن بالحديث إلا بالسحر. وقال القواريري عن يحيى بن سعيد: ما سمع عبد الرحمن من سفيان، عن الأعمش، أحب إلي مما سمعتُ أنا من الأعمش. وقال إسماعيل ابن إسحاق القاضي: سمعت علي بن المديني يقول: أعلم الناس بالحديث عبد الرحمن ابن مهدي، قال: وكان يعرف حديثه وحديث غيره، وكان يُذْكَر له الحديث عن الرجل، فيقوك خطأ، ثم يقول: ينبغي أن يكون أُتِي هذا الشيخ من حديث كذا من وجه كذا، فنجده كما قال. وقال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب حماد بن زيد، وهو إمام، ثقة،
стр. 371
أثبت من يحيى بن سعيد، وأتقن من وكيع، وكان يعرض حديثه على الثوري. وقال ابن المديني: كان ورد عبد الرحمن كل ليلة نصف القرآن. وقال الأثرم عن أحمد: إذا حدث عبد الرحمن عن رجل، فهو حجة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من الحفاظ المتقنين، وأهل الورع في الدين، ممن حَفِظَ، وجمع، وتفقه، وصنف، وحدث، وأَبَى الرواية إلا عن الثقات. وقال الخليلي: هو إمام بلا مدافعة، ومات الثوري في داره. وقال الشافعي: لا أعرف له نظيرا في الدنيا. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، توفي سنة ثمان وتسعين ومائة، في جمادى الآخرة، وهو ابن (٦٣) سنة. وكذا قال ابن المديني، وغير واحد في سنة وفاته.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧٤) حديثًا.
٥ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت من [٧] تقدّم ١/ ٦.
٦ - (عمرو بن مُرّة) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد الله الكوفيّ الأعمى، ثقة عابدٌ، كان لا يُدلّس، ورُمي بالإرجاء، من [٥] تقدّم في ٢/ ٢٠.
٧ - (عبد الرحمن بن أبي ليلى) واسمه يسار، ويقال: بلال، ويقال: داود بن بلال ابن بُلَيل بن أُحَيحة بن الْجُلاح الحَرِيش بن جَحْجَبَا بن كُلفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن أوس الأنصاري الأوسي، أبو عيسى المدنيّ، ثمّ الكوفي، والد محمد، ولد لست بقين من خلافة عمر ﵁، ثقة [٢].
رَوَى عن أبيه، وعمر، وعثمان، وعلي، وسعد، وحذيفة، ومعاذ بن جبل، وخلق كثير.
وروى عنه ابنه عيسى، وابن ابنه عبد الله بن عيسى، وعمرو بن ميمون الأودي، وهو أكبر منه، والشعبي، وعمرو بن مرة، وخلق كثير.
قال عطاء بن السائب عن عبد الرحمن: أدركت عشرين ومائة من الأنصار صحابة. وقال عبد الملك بن عمير: لقد رأيت عبد الرحمن في حلقة فيها نفر من الصحابة، فيهم البراء يسمعون لحديثه، وينصتون له. وقال عبد الله بن الحارث بن
стр. 372
نوفل: ما ظننت أن النساء ولدن مثله. وقال الدوري عن ابن معين: لم ير عمر، قال: فقلت له: فالحديث الذي يُروَى كنا مع عمر نَتَرَاءى الهلال؟ فقال: ليس بشيء. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وقال الخليلي في "الإرشاد": الحفاظ لا يُثبتون سماعه من عمر، وقال حفص بن غياث، عن الأعمش: سمعت عبد الرحمن يقول: أقامني الْحَجّاج، فقال: العن الكاذبين، فقلت: لعن الله الكاذبين، آه، ثم يسكت، عليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير، والمختار بن أبي عُبيد، قال حفص: وأهل الشام حَمِيرٌ، يظنون أنه يوقعها عليهم، وقد أخرجهم منها، ورفعهم.
ذكر أبو عبيد أنه أصيب سنة (٧١)، وهو وَهَمٌ. ثم قال أبو عبيد: وأخبرني يحيى ابن سعيد، عن سفيان، أن ابن شداد، وابن أبي ليلى فُقِدا بالجماجم، وقد اتفقوا على أن الجماجم كانت سنة (٨٢)، وفيها أرّخه خليفة، وأبو موسى، وغير واحد. ويقال: إنه غَرِقَ بدُجَيل. والله أعلم.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٨) حديثًا.
٨ - (زيد بن أرقم) بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج، مختلف في كنيته، قيل: أبو عمر، وقيل: أبو عامر، وقيل: أبو عمارة، وقيل: أبو أُنيسة، وقيل: أبو حمزة، وقيل: أبو سعد، ويقال: أبو سعيد. واستُصْغِر يوم أحد، وأول مشاهده الخندق. وقيل: المُرَيسيع، وغزا مع النبي ﷺ سبع عشرة غزوة، ثبت ذلك في "الصحيح"، وله حديث كثير، ورواية أيضا عن علي، رَوَى عنه أنس مكاتبةً، وأبو الطفيل، وأبو عثمان النَّهْدي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد خير، وطاوس. وله قصة في نزول "سورة المنافقين" في "الصحيح"، وشهد صِفّين مع علي، وكان من خواصّه، ومات بالكوفة أيام المختار سنة ست وستين، وقيل: سنة ثمان وستين. قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر عن بعض قومه، عن زيد بن أرقم، قال: كنت يتيما لعبد الله بن رواحة، فخرج بي معه مردفي يعني إلى مؤتة، فذكر الحديث، وهو الذي سمع عبد الله بن أبي يقول: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾
стр. 373
[المنافقون:٨]، فأخبر رسول الله ﷺ ، فسأل عبدَ الله، فأنكر، فأنزل الله تصديق زيد ثبت ذلك في "الصحيحين"، وفيه: فقال: "إن الله قد صدّقك يا زيد". وقال أبو المنهال: سألت البراء عن الصرف؟ فقال: سل زيد بن أرقم، فإنه خير مني، وأعلم (١).
أخرج له الجماعة، روى من الأحاديث (٩٠) حديثًا، اتفق الشيخان منها على أربعة، وانفرد البخاريّ بحديثين، ومسلم بستّة أحاديث. وله عند ابن ماجه في هذا الكتاب ثمانية أحاديث برقم ٢٥ و ١٤٢ و ٢٩٢ و١٣٠٠ و ١٤٩٤ و ٣٣٣٩ و ٣١١٨ و ٣٤٥٨. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، سوى شيخه أبي بكر، فكوفيّ، ومسلسلٌ بالكوفيين بعد شعبة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن شيخه الثاني أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول الستّة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ من أفاضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فقد نزلت في تصديقه سورة المنافقون.
٧ - (ومنها): أن ابن مهديّ، وابن أبي ليلى، وزيدًا هذا أول محل ذكرهم من الكتاب، وجملة ما رواه المصنّف في هذا الكتاب لابن مهديّ (٧٤) ولابن أبي ليلى (٢٨) ولزيد بن أرقم ﵁ (٨)، والله تعالى أعلم.
стр. 374
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيلى) الأنصاريّ ﵀، أنه (قَالَ: قُلْنَا لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) رضي الله تعالى عنه (حَدِّثْنَا عَنْ رَسُولِ الله ﷺ (قَالَ) زيد ﵁ (كَبرْنَا) بكسر الباء الموحّدة، قال المجد في "القاموس": كبر كفرِح كِبَرًا، كعِنَب، ومَكْبِرًا كمنزِلٍ: طعن في السنّ. وكبُرَ ككرُم، كِبَرًا كعِنَب، وكُبْرًا بالضم، وكَبَارَةً بالفتح: نقيض صَغُرَ. انتهى.
قال الشارح المرتضى: فعُرف من أن فعل الْكِبَر بمعنى العظمة ككُرم، وبمعنى الطعن في السنّ كفرِح، ولا يجوز استعمال أحدهما في الآخر اتّفاقًا، وهذا قد يَغْلَطُ فيه الخاصّة، فضلًا عن العامّة. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المناسب هنا كفرح؛ لأن مراد زيد كبر سنّه؛ لأنه الذي يُخشى منه عدم ضبط الحديث، لا عظم جسمه. فكأنه يقول: وصلنا إلى سنّ يختلّ فيه الضبط، وتضعف فيه قوى الذاكرة. والله تعالى أعلم.
(وَنَسِينَا) بكسر السين المهملة، قال في "القاموس" نَسِيه نِسْيًا، ونسيانًا، ونسيانة -بالكسر فيهنّ- ونَسوةً -بالفتح-: ضد حفظه. انتهى. وقال في "المصباح": ونسيتُ الشيءَ أنساه نِسيانًا مشترك بين معنيين، أحدهما: ترك الشيء على ذهول، وغفلة، وذلك خلاف الذكر له. والثاني: الترك على تعمّد، وعليه: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أي لا تقصدوا الترك والإهمال. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه المناسب هنا من المعنيين المذكورين هو المعنى الأول. والله تعالى أعلم.
(وَالحدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَدِيدٌ) أي قويّ يحتاج إلى قوة الحفظ، فـ "الحديث" مبتدأٌ، والجارّ والمجرور متعلّق به، و"شديد" خبر المبتدإ.
стр. 375
وحاصل ما أشار إليه زيد ﵁ في كلامه هذا أنه لا ينبغي للمحدّث أن يحدّث إلا إذا تأكّد حفظه، وضبطه، وأما إذا خشي عدم ذلك، بأن تقادم سنّه، وضعفت ذاكرته، فينبغي له أن يتوقّاه؛ لئلا يدخل غفلةً في وعيد الكذب على النبيّ ﷺ . وهذا هو الذي إراده المصنّف رحمه الله تعالى في إيراده في هذا الباب، وهو "باب التوقّي في الحديث عن رسول الله ﷺ "، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣/ ٢٥) بهذا الإسناد، وهو من أفراده، فلم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه أحمد في "مسند الكوفيين" (٤/ ٣٧٠ و٣٧٢) رقم (١٨٤٩٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٦ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الله ابْنِ أَبِي السَّفَرِ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، يَقُولُ: جَالَسْتُ ابْنَ عُمَرَ سَنَةً، كما سَمِعتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ شيئًا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْن نُمَيْرٍ) الهَمْدانيّ -بسكون الميم- الكوفيّ، أبو عبد الرحمن، ثقة حافظ فاضل من [١٠] تقدّم في ١/ ٤.
٢ - (أبو النضر) هاشم بن القاسم بن مسلم الليثيّ مولاهم البغداديّ الحافظ خراسىاني الأصل الملقّب قيصر، ثقة ثبت، من [٩].
стр. 376
رَوَى عن عكرمة بن عمار، وحَرِيز بن عثمان، وورقاء بن عمر، وسمع من شعبة جميع ما أملى ببغداد، وهو أربعة آلاف حديث، وغيرهم.
وروى عنه ابنه، أو حفيده أبو بكر بن أبي النضر، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المديني، وابن معين، وغيرهم.
قال الحارث بن أبي أسامة: كان أحمد بن حنبل يقول: أبو النضر شيخنا من الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر. وقال أبو بكر بن أبي عتاب عن أبي حميد: أبو النضر من مُتَثَبِّتي بغداد. وقال مهنا عن أحمد: أبو النضر أثبت من شاذان. وحكى أحمد ابن منصور الرَّمَادي عن أحمد بن حنبل ترجيحه على وهب بن جرير. وقال ابن معين، وابن المديني، وابن سعد، وأبو حاتم: ثقة. وقال ابن قانع: ثقة. وقال ابن عبد البر: اتفقوا على أنه صدوق. وقال النسائي: لا بأس به. وقال الحاكم: حافظ ثبت في الحديث. وقال العجلي: بغدادي، صاحب سنة، وكان أهل بغداد يفخرون به. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: قال أبو النضر: وُلِدت سنة أربع وثلاثين ومائة. وقال ابن حبان: مات في ذي القعدة سنة خمس أو سبع ومائتين. وقال الحارث، ومُطَيَّن: مات سنة سبع، وفيها جزم ابن سعد. أخرج له الجماعة. وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث.
٣ - (شعبة) بن الحجّاج الإمام الحجة الثبت [٧] تقدّم في ١/ ٦.
٤ - (عبد الله بن أبي السفر) -بفتح الفاء- واسمه سعيد بن يحمد، ويقال: أحمد الْهَمْداني الثوريّ الكوفيّ، ثقة من [٦].
رَوَى عن أبيه، وأبي بردة بن أبي موسى، وعامر الشعبي، ومصعب بن شيبة، وغيرهم. وروى عنه شعبة، وعمر بن أبي زائدة، ويونس بن أبي إسحاق، وعيسى بن يونس، والثوري، وشريك، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، والنسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وليس بكثير الحديث. وقال العجلي كوفي ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: مات في خلافة مروان بن محمد. أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي،
стр. 377
والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥ - (الشعبيّ) -بفتح الشين المعجمة، وسكون العين المهملة- عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل مشهور، من [٣] تقدّم في ١/ ١١، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيّن، غير أبي النضر، فبغداديّ، وشعبة، فبصريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه التحديث، والعنعنة، وهما من صيغ الاتصال، على الأصحّ في "عن" من غير المدلس. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي السَّفَرِ) سعيد بن يُحْمِد، ويقال: أحمد، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ) عامر بن شَرَاحيل (يَقُولُ: جَالَسْتُ ابْنَ عُمَرَ) هو عبد الله بن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنهما، تقدّمت ترجمته في ١/ ٤ (سَنَةً) هكذا في رواية المصنّف، ووقع في رواية الشيخين من طريق شعبة، عن توبة العنبريّ، قال: قال لي الشعبيّ: "أرأيت حديث الحسن، عن النبيّ ﷺ ، وقاعدت ابن عمر قريبًا من سنتين أو سنة ونصف ... " الحديث. والجمع بين الروايتين أن يقال: كانت مدّة مجالسته سنة وكسرًا، فألغى الكسر تارةً، وجبره أخرى. وكان الشعبيّ جاور بالمدينة، أو بمكة، وإلا فهو كوفيّ، وابن عمر لم تكن له إقامة بالكوفة. أفاده في "الفتح" (١).
(فَمَا سَمِعْته يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ شَيْئًا) أي توقّيًا من تكثير الحديث حتى لا يدخل عليه كذبٌ خطأً.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث ساقه المصنّف مقتصرًا على محلّ
стр. 378
الترجمة، وقد ساقه الشيخان في "صحيحيهما" مطوّلًا، ولفظ البخاري في "كتاب أخبار الآحاد":
حدثنا محمد بن الوليد، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن توبة العنبري، قال: قال لي الشعبي: أرأيت حديث الحسن عن النبي ﷺ ، وقاعدت ابن عمر قريبا من سنتين، أو سنة ونصف، فلم أسمعه يحدث عن النبي ﷺ غير هذا، قال: كان ناس من أصحاب النبي ﷺ ، فيهم سعد، فذهبوا يأكلون من لحم، فنادتهم امرأة من بعض أزواج النبي ﷺ إنه لحم ضب فأمسكوا فقال رسول الله ﷺ : "كلوا، أو اطعموا، فإنه حلال"، أو قال: "لا بأس به" شك فيه، ولكنه ليس من طعامي.
قال في"الفتح": قوله: "أرأيت حديث الحسن": أي البصري، والرؤيا هنا بصرية، والاستفهام للإنكار، كان الشعبي يُنكر على من يُرسل الأحاديث عن رسول الله ﷺ إشارةً إلى أن الحامل لفاعل ذلك طلب الإكثار من التحديث عنه، وإلا لكان يكتفي بما سمعه موصولًا. وقال الكرماني: مراد الشعبي أن الحسن مع كونه تابعيا، كان يكثر الحديث عن النبي ﷺ ، وابن عمر مع كونه صحابيا يحتاط، ويُقِلّ من ذلك مهما أمكن. قال الحافظ: وكأن ابن عمر اتبع رأي أبيه في ذلك، فإنه كان يَحُضُّ على قلة التحديث عن النبي ﷺ لوجهين، أحدهما: خشية الاشتغال عن تعلم القرآن، وتفهم معانيه. والثاني: خشية أن يُحَدَّث عنه بما لم يقله؛ لأنهم لم يكونوا يكتبون، فإذا طال العهد لم يُؤمن النسيان. وقد أخرج سعيد بن منصور بسند آخر صحيح، عن الشعبي، عن قَرَظَةَ بن كعب، عن عمر ﵁ قال: "أَقِلُّوا الحديث عن النبي ﷺ ، وأنا شريككم. انتهى. (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 379
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
أثر الشعبيّ رحمه الله تعالى هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا بهذا الإسناد فقط، و (البخاريّ) (٩/ ١١٢) و (مسلم) (٦/ ٦٧) و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٨٤ و١٣٧ و١٥٧) وفوائد الحديث واضحة من السابق واللاحق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٧ - (حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنبرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، أنبَأنا مَعْمَرٌ، عنِ ابْن طَاوُسٍ، عَن أَبِيهِ، قَال: سمعتُ ابْنَ عبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّا كُنَّا نَحْفَظُ الحدِيثَ، وَالحدِيثُ يُحْفَظُ عن رَسُولِ الله ﷺ ، فَأَمَّا إِذَا رَكبتُمَ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ فَهَيْهاتَ).
رجال هذا الإسناد: ستة.
١ - (الْعَبّاسُ بن عبد الْعَظيم) بن إسماعيل بن تَوْبةَ الْعَنْبَرِيُّ، أبو الفضل البصريّ، ثقة حافظُ، من كبار [١١].
رَوَى عن عبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، وسعيد بن عامر الضبعي، وأبي داود الطيالسي، وخلق كثير. وروى عنه الجماعة، لكن البخاري تعليقا، وبقي بن مَخْلَد، وأبو بكر الأثرم، وابن خزيمة، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي،: ثقة مأمون. وقال محمد بن المثنى السمسار: كنا عند بشر بن الحارث، وعنده العباس بن عبد العظيم، وكان من سادات المسلمين. وقال معاوية بن عبد الكريم الزيادي: أدركت الناس، وهم يقولون: ما جاءنا بالبصرة أعقل من أبي الوليد، وبعده أبو بكر بن خلاد، وبعده عباس بن عبد العظيم. وقال مسلمة: بصري ثقة. قال البخاري، والنسائي: مات سنة ست وأربعين
стр. 380
ومائتين. وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا.
٢ - (عبد الرزاق) بن همّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظ مصنّفٌ مشهور، عمي في آخره، فتغيّر حفظه، وكان يتشيّع، من [٩] تقدّم في ٢/ ١٦.
٣ - (معمر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبتٌ، فاضل، من [٧] تقدّم في ٢/ ١٦.
٤ - (ابن طاوس) هو عبد الله بن طاوس بن كيسان اليمانيّ، أبو محمد الأبْنَاويّ، ثقة فاضلٌ، عابدٌ، من [٦].
رَوَى عن أبيه، وعطاء، وعمرو بن شعيب، وغيرهم. وروى عنه ابناه: طاوس، ومحمد، وعمرو بن دينار، وهو أكبر منه، وأيوب السختياني، وهو من أقرانه، وابن إسحاق، ومعمر، وغيرهم.
قال أبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال عبد الرزاق عن معمر: قال لي أيوب: إن كنت راحلا إلى أحد، فعليك بابن طاوس، فهذه رحلتي إليه. وقال أيضا عن معمر: ما رأيت ابن فقيه مثل ابن طاوس، فقلت له: ولا هشام بن عروة؟ فقال: حسبك بهشام، ولكن لم أر مثل هذا، وكان من أعلم الناس بالعربية، وأحسنهم خُلُقًا. وقال النسائي في "الكنى: ثقة مأمون. وكذا قال الدارقطني في "الجرح والتعديل". وقال العجلي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات بعد أيوب بسنة، وكان من خيار عباد الله فضلًا، ونُسُكًا، ودينًا، وتكلم فيه بعض الرافضة.
قال ابن سعد عن الهيثم بن عدي: مات في خلافة أبي العباس. وقال ابن عيينة: مات سنة (١٣٢). وأرخه ابن قانع سنة إحدى. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث.
٥ - (أبوه) طاوس بن كيسان اليمانيّ، أبو عبد الرحمن الحِمْيريّ مولاهم الفارسيّ الجنَدِيُّ، مولى بَحِير بن رَيْسَان، من أبناء الفرس، كان ينزل الجْنَد. وقيل: هو مولى
стр. 381
هَمْدَان. وقال ابن حبان: كانت أمه من فارس، وأبوه من النَّمِر بن قاسط. وقيل: اسمه ذكوان، وطاوس لقبه، ثقة فقيه، فاضلٌ، من [٣].
رَوَى عن العبادلة الأربعة، وأبي هريرة، وعائشة، وزيد بن ثابت، وزيد بن أرقم، وسراقة بن مالك، وصفوان بن أمية، وعبد الله بن شداد بن الهاد، وجابر، وغيرهم، وأرسل عن معاذ بن حنبل.
وروى عنه ابنه عبد الله، ووهب بن مُنبَّه، وسليمان التيمي، وسليمان الأحول، وأبو الزبير، وغيرهم.
قال عبد الملك بن ميسرة عنه: أدركت خمسين من الصحابة. وقال ابن جريج عن عطاء، عن ابن عباس: إني لأظن طاوسا من أهل الجنة. وقال ليث بن أبي سليم: كان طاوس يَعُدُّ الحديث حرفا حرفا. وقال قيس بن سعد: كان فينا مثل ابن سيرين بالبصرة. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: طاوس أحب إليك أم سعيد بن جبير؟ فلم يُخَيِّر. وقال إسحاق ابن منصور عن ابن معين: ثقة. وكذا قال أبو زرعة.
وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل": كتب إليّ عبد الله بن أحمد، قال: قلت لابن معين: سمع طاوس من عائشة؟ قال: لا أراه. وقال الآجري عن أبي داود: ما أعلمه سمع منها. وقال أبو زرعة، ويعقوب بن شيبة: حديثه عن عمر، وعن علي مرسل.
وقال أبو حاتم: حديثه عن عثمان مرسل. وقال الزهري: لو رأيتَ طاوسا علمتَ أنه لا يكذب. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت أحدا أعفّ عما في أيدي الناس من طاوس. وقال ابن عيينة: متجنبوا السلطان ثلاثة: أبو ذر في زمانه، وطاووس في زمانه، والثوري في زمانه. وقال ابن حبان: كان من عباد أهل اليمن، ومن سادات التابعين، وكان قد حج أربعين حجة، وكان مستجاب الدعوة، مات سنة إحدى، وقيل: سنة ست ومائة. وقال ضمرة عن ابن شَوْذَب: شهدت جنازة طاوس بمكة سنة مائة، فجعلوا يقولون: رحم الله أبا عبد الرحمن حج أربعين حجة. وقال عمرو بن علي وغيره: مات سنة ست ومائة. وقال الهيثم بن عدي: مات سنة بضع عشرة ومائة.
стр. 382
أخرج له الجماعة، ولد في هذا الكتاب (٤١) حديثًا.
٦ - (ابن عبّاس) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي ابن عم رسول الله ﷺ ، كان يقال له: الْحَبْر والْبَحْر؛ لكثرة علمه. رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن أبيه، وأمه أم الفضل، وأخيه الفضل، وخالته ميمونة؛ وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن ابن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي ذر، وأبي بن كعب، وتميم الداري، وخالد بن الوليد، وهو ابن خالته، وأسامة بن زيد، وجماعة.
وروى عنه ابناه: علي ومحمد، وابن ابنه محمد بن علي، وأخوه كَثِير بن العباس، وابن أخيه عبد الله بن عبيد الله بن عباس، وابن أخيه الآخر، عبد الله بن معبد بن عباس، ومن الصحابة عبد الله بن عمر بن الخطاب، وثعلبة بن الحكم الليثي، والمسور ابن مخرمة، وأبو الطفيل، وغيرهم من الصحابة، وخلق كثير من التابعين.
دعا له النبي ﷺ بالحكمة مرتين، وقال ابن مسعود: نعم ترجمان القرآن ابن عباس. وقال ابن مسعود أيضًا: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشره منا أحد. ورَوَى ابن أبي خيثمة بسند فيه جابر الجعفي أن ابن عمر كان يقول: ابنُ عباس أعلم أمة محمد بما أنزل على محمد ﷺ . وروى ابن سعد بسند صحيح أن أبا هريرة قال -لما مات زيد بن ثابت-: مات اليوم حبر الأمة، ولعل الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفًا. وقال ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه: ما رأيت مثل ابن عباس قط. وقال يزيد بن الأصمّ: خرج معاوية حاجا، وخرج ابن عباس حاجا، فكان لمعاوية موكب، ولابن عباس ممن يطلب العلم موكب. وقالت عائشة: هو أعلم الناس بالحج. وروى الزبير بن بكار في كتاب "الأنساب" بسند له فيه ضعف عن ابن عمر قال: كان عمر يدعو ابن عباس، ويُقَرِّبه، ويقول: إني رأيت رسول الله ﷺ ، دعاك يومًا، فمسح رأسك، وتفل في فيك، وقال: "اللهم فَقِّهه في الدين، وعلمه التأويل". ورَوَى أحمد هذا المتن بسند لا بأس به، من طريق عبد الله بن عثمان بن خُثَيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به، وبعضه في "الصحيح". ورواه الطبرانيّ بمعناه من طريق ميمون بن مِهْران، عن ابن عباس نحوه.
стр. 383
وعند أبي نعيم بسند له عن عبد الله بن بُريدة، عن ابن عباس قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ ، وعنده جبريل، فقال له جبريل: إنه كائن حبرَ هذه الأمة، فاستوصِ به خيرًا.
[فائدة]: رُوي عن غُندَر أن ابن عباس لم يسمع من النبي ﷺ إلا تسعة أحاديث. وعن يحيى القطان: عشرة. وقال الغزالي في "المستصفى": أربعة. وفيه نظر، ففي "الصحيحين" عن ابن عباس مما صرح فيه بسماعه من النبي ﷺ أكثر من عشرة، وفيهما مما شَهِدَ فعله نحوُ ذلك، وفيهما مما له حُكمُ الصريح نحوُ ذلك، فضلًا عما ليس في "الصحيحين".
ورَوَى سعيد بن جبير عنه قال: قُبض النبي ﷺ ، وأنا ابن ثلاث عشرة سنة. وعنه قال: وأنا خَتِين. وعنه قال: ابن عشر سنين. وعنه قال: وأنا ابن خمس عشرة، وصوبه أحمد بن حنبل. وصحح ابنُ عبد البر ما قاله أهل السير أنه كان له عند موت النبي ﷺ (١٣) سنة.
وقال أبو نعيم في آخرين: مات سنة ثمان وستين، وصلى عليه محمد ابن الحنفية، وقال: اليوم مات رباني هذه الأمة. وكان موته بالطائف. وقيل: مات سنة (٦٩)، وقيل سنة سبعين.
أخرج له الجماعة، وله من الأحاديث (١٦٩٦) حديثًا، اتفق الشيخان على (٧٥) حديثًا، وانفرد البخاريّ بـ (٢٨) ومسلم بـ (٤٩) حديثًا، وله في هذا الكتاب (٣٤٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنف ﵀.
٢ - (ومنها). أن رجاله كلهم رجال الصحيح.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل باليمنيين، غير شيخه، فبصريّ، وابن عبّاس ﵄، فمدنيّ، ثم بصريّ، ثم مكيّ، ثم طائفيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
стр. 384
٥ - (ومنها): أن فيه التحديث، والإنباء، والعنعنة، وكلها من صيغ الاتصال، على الأصح في "عن" من غير المدلّس إذا ثبت السماع، واكتفى مسلم بالمعاصرة.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، وأحد المشهورين بالفتوى، والملقّب بالحبر والبحر، وآخر من مات من الصحابة بالطائف، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَن) عبد الله (ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ) طاوس، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (يَقُولُ: إِنَّا كُنَّا نَحْفَظُ الحدِيثَ) بالبناء للفاعل: أي نأخذه من الناس، ونحفظه اعتمادًا على صدقهم (وَالحدِيثُ يُحْفَظُ) ببناء الفعل للمفعول، أي هو حقيقٌ بأن يُعتنى به. والجملة في محلّ نصب على الحال من "الحديث". وقوله: (عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ) متعلّق بـ "يُحفَظ" (فَأَمَّا إِذَا) هكذا في رواية المصنّف "إذا" بألف بعد الذال، ووقَع في رواية مسلم في "المقدّمة" "إذ" بسكون الذال، والمعنى متقارب؛ لأن "إذا" ظرف مُستقبل، كما أن "إذ" ظرف ماضٍ، وكلاهما صالح هنا. والله تعالى أعلم (رَكبْتُمُ) بكسر الكاف، من باب علم (الصَّعْبَ) -بفتح الصاد المهملة، وسكون العين المهملة-: صفة مشبّهة من صَعُبَ الشيءُ صُعُوبَةً، فهو صَعْبٌ، والجمع صِعَابٌ، مثلُ سَهْمٍ وسِهَام. قاله الفيّوميّ.
(وَالذَّلُولَ) بفتح الذال المعجمة: صفة مشبّهة من ذَلّت الدابّة ذِلّا بالكسر: إذا سَهُلَت، وانقادت، فهي ذَلُولٌ، والجمع ذُلُلٌ بضمّتين، مثلُ رَسُول ورُسُلٍ، وذَلّلتها بالتثقيل في التعدية. قاله الفيّوميّ.
والكلام كناية عن الإفراط والتفريط في النقل، بحيث ما بقي الاعتماد على نقلهم.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا مثلٌ، وأصله في الإبل، ومعناه أن الناس تسامحوا في الحديث عن رسول الله ﷺ واجترؤوا عليه، فتحدّثوا بالمرضيّ عنه
стр. 385
الذي مثّله بالذّلول من الإبل، وبالمنكر منه الممثل بالصعب من الإبل. انتهى (١).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: هو مثالٌ حسنٌ، وأصل الصعب والذلول في الإبل، فالصعب الْعَسِرُ المرغوب عنه، والذَّلُول السَّهْلُ الطيّب المحبوب المرغوب فيه. فالمعنى: سلك الناس كلَّ مَسْلَك مما يُحمد ويُذمّ. انتهى (٢).
وقوله: (فَهَيْهَاتَ) جواب "إذا": أي بَعُد أن نقبل أحاديثكم، ونحفظ اعتمادًا عليكم. وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: أي ما أبعد استقامة أمركم، أو فما أبعد أن نثق بحديثكم، ونسمع منكم، ونُعَوِّل على روايتكم. انتهى (٣).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه": قوله: "فهيهات": أي بَعُدت استقامتكم، أو بَعُد أن نثق بحديثكم.
و"هيهات": موضوعة لاستبعاد الشيء، واليأس منه. قال الإمام أبو الحسن الواحديّ: "هيهات": اسم سُمِّي به الفعل، وهو بَعُدَ في الخبر، لا في الأمر، قال: ومعنى "هيهات": بَعُدَ، وليس له اشتقاق، لأنه بمنزلة الأصوات، قال: وفيه زيادة معنى ليست في بَعُدَ، وهو أن المتكلم يخبر عن اعتقاده استبعاد ذلك الذي يخبر عن بعده، فكأنه بمنزلة قوله: بَعُد جِدّا، وما أبعده، لا على أن يعلم المخاطب مكان ذلك الشيء في البعد، ففي "هيهات" زيادة على "بَعُد"، وان كنا نفسره به، ويقال: هيهات ما قلتُ، وهيهات لِمَا قلتُ، وهيهات لك، وهيهات أنت.
وقال الواحدي: وفي معنى هيهات ثلاثة أقوال:
[أحدها]: أنه بمنزلة بَعُدَ، كما ذكرناه أولا، وهو قول أبي علي الفارسي، وغيره من حذاق النحويين.
стр. 386
[والثانى]: بمنزلة بعيد، وهو قول الفراء.
[والثالث]: بمنزلة البعد، وهو قول الزجاج، وابن الأنباري، فالأول نجعله بمنزلة الفعل، والثاني بمنزلة الصفة، والثالث بمنزلة المصدر. وفي "هيهات": ثلاث عشرة لغة، ذكرهن الواحديّ: "هيهات" -بفتح التاء، وكسرها، وضمها، مع التنوين فيهن، وبحذفه، فهذه ست لغات، و"أيهات" بالألف بدل الهاء الأولى، وفيها اللغات الست أيضا. والثالثة عشرة: "أيها" بحذف التاء من غير تنوين. وزاد غير الواحدى: "أيئات" بهمزتين بدل الهاءين، والفصيح المستعمل من هذه اللغات استعمالًا فاشيًّا "هيهات" بفتح التاء بلا تنوين. قال الأزهريّ: واتفق أهل اللغة على أن تاء هيهات ليست أصلية، واختلفوا في الوقف عليها، فقال أبو عمرو، والكسائيّ: يوقف بالهاء. وقال الفراء: بالتاء. انتهى كلام النوويّ (١).
وقال السنديّ في "شرحه": ويحتمل أن المعنى: إنا كنا نحفظ الحديث على الناس بالإلقاء عليهم، والرواية لهم، وحيث ظهرت فيهم الخيانة، فبعيد أن نروي لهم. وفيه أن كذب الناس يمنع من الأخذ، لا من تعليمهم، بل ينبغي أن يكون علّة لتعليمهم عقلًا، فإن الجهل يوجب الإكثار من الكذب، إلا أن يقال: إنهم كانوا يغيرون في النقل؛ لأنهم يَضَعُون الحديث، ومثل هذا إذا تُرك تعليمه لا يَنقُل، فلا يُغيّر. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال الذي ذكره السنديّ بعيد من سياق كلام ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما جدّا، كما يتبيّن من قصّته مع بُشير بن كعب الآتية في التنبيه التالي، ففيه قوله: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله ﷺ ، ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف. فتبصّر، ولا تتحيّر. والله تعالى أعلم.
стр. 387
[تنبيه]: جرت قصّةٌ لابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما مع بُشير بن كعب، أخرجها الإمام مسلم رحمه الله تعالى في "المقدّمة" من طريق هشام بن حُجَير، عن طاوس، قال: جاء هذا إلى ابن عباس -يعني بُشير بن كعب- فجعل يحدثه، فقال له ابن عباس: عُد لحديث كذا وكذا، فعاد له، ثم حدثه، فقال له: عُدْ لحديث كذا وكذا، فعاد له، فقال له: ما أدري أعرفت حديثي كله، وأنكرت هذا، أم أنكرت حديثي كله، وعرفت هذا؟ فقال له ابن عباس: إنا كنا نُحَدِّث عن رسول الله ﷺ إذ لم يكن يُكْذَب عليه، فلما رَكِب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه.
وأخرج أيضًا من طريق قيس بن سعد، عن مجاهد، قال: جاء بُشير الْعَدوي إلى ابن عباس، فجعل يُحَدِّث، ويقول: قال رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ ، فجعل ابن عباس لا يَأْذَن لحديثه، ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس، ما لي لا أراك تسمع لحديثي، أُحَدِّثك عن رسول الله ﷺ ، ولا تسمع، فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله ﷺ ، ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف، انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
أثر ابن عباس ﵄ هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا بهذا الإسناد فقط، و (مسلم) في "المقدّمة" (٢/ ١٩ - ٢٠) و (النسائيّ) في "السنن الكبرى" في "العلم" (١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
стр. 388
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو التوقّي في الحديث عن رسول الله ﷺ ، ووجه دلالة هذا الأثر عليه أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما اتّقى أحاديث الناس حذرًا من أن ينقل عنهم ما ليس من حديث رسول الله ﷺ .
٢ - (ومنها): بيان فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، حيث كانوا يحفظون أحاديث رسول الله ﷺ ، ويؤدّونها كما سمعوا.
٣ - (ومنها): بيان تغير حال الناس في أواخر عهد الصحابة حيث نشأ أناس يُحدّثون عن رسول الله ﷺ عن كلّ من دبّ ودرج، من غير توقّ، فلذلك توقّى ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أن يأخذ عنهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال:
٢٨ - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدةَ، حَدَّثَنَا حَمَادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ قَرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: بَعَثنَا عُمَرُ بْنُ الخطَّابِ إِلَى الْكُوفَةِ، وَشَيَّعَنَا، فَمَشَى مَعَنَا إِلَى مَوْضِعٍ، يُقَالُ لَهُ: صِرَارٌ، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ لِمَ مَشَيْتُ مَعَكُمْ؟ قَالَ: قُلْنَا: لحِقِّ صُحْبَةِ رَسُولِ الله ﷺ ، وَلحِقِّ الْأَنْصَارِ، قَالَ. لَكِنِّي مَشَيْتُ مَعَكُمْ لحِدِيثٍ، أَرَدْتُ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ بِهِ، وَأَرَدْتُ أَنْ تَحْفَظُوهُ لمِمْشَايَ مَعَكُمْ، إِنَّكُمْ تَقْدَمُونَ عَلَى قَوْمٍ، لِلْقُرْآنِ في صُدُورِهِمْ هَزِيزٌ كهَزِيزِ المِرْجَلِ، فَإِذَا رَأَوْكُمْ مَدُّوا إِلَيْكُمْ أَعْنَاقَهُمْ، وَقَالُوا: أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ، فَأَقِلُّوا الرِّوَايَةَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، وَأَنا شَرِيكُكُمْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أحمد بن عبدة) بن موسى الضّبّيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة [١٠].
رَوَى عن حماد بن زيد، ويزيد بن زُريع، وفضيل بن عياض، وابن عيينة، وغيرهم.
وروى عنه الجماعة إلا البخاري، ورَوَى عنه في غير "الجامع"، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وقال: ثقة، وابن خزيمة، وأبو القاسم البغوي، وعِدّة.
قال النسائي: ثقة. وفي موضع آخر: لا بأس به. وتكلم فيه ابن خراش، فلم
стр. 389
يَلتَفِت إليه أحد للمذهب. وذكر ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات في رمضان سنة (٢٤٥). وله في هذا الكتاب (٤٥) حديثًا.
٢ - (حماد بن زيد) بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ الأزرق، مولى آل جرير بن حازم، ثقة ثبت فقيه، من كبار [٨].
رَوَى عن ثابت البناني، وأنس بن سيرين، وعبد العزيز بن صهيب، وخلق كثير.
وروى عنه ابن المبارك، وابن مهدي، وابن وهب، والقطان، وابن عيينة، وهو من أقرانه، والثوري وهو أكبر منه، وإبراهيم بن أبي عبلة، وهو في عداد شيوخه، وخلق كثير. قال رسته: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: أئمة الناس في زمانهم أربعة: سفيان الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحماد بن زيد بالبصرة. وقال ابن مهدي: ما رأيت أعلم من هؤلاء: فذكرهم سوى الأوزاعي. وقال فطر بن حماد: دخلت على مالك، فلم يسألني عن أحد من أهل البصرة إلا عن حماد بن زيد. وقال ابن مهدي: لم أر أحدا قط أعلم بالسنة، ولا بالحديث الذي يدخل في السنة من حماد بن زيد. وقال أبو حاتم: قاك ابن مهدي: ما رأيت بالبصرة أفقه من حماد بن زيد. وقال محمد بن المنهال الضرير: سمعت يزيد بن زريع، وسئل ما تقول في حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، أيهما أثبت؟ قال: حماد بن زيد، وكان الآخر رجلا صالحا. وقال وكيع، وقيل له: أيهما أحفظ؟ فقال: حماد بن زيد، ما كنا نشبهه إلا بمسعر. وقال يحيى بن يحيى النيسابوري: ما رأيت أحفظ منه. وقال أحمد بن حنبل: حماد بن زيد أحب إلينا من عبد الوارث، حماد من أئمة المسلمين، من أهل الدين والإسلام، وهو أحب إلي من حماد بن سلمة. وقال يحيى بن معين: حماد بن زيد أثبت من عبد الوارث، وابن علية، والثقفي، وابن عيينة. وقال أيضا: ليس أحد أثبت في أيوب منه. وقال أيضا: من خالفه من الناس جميعا فالقول قوله في أيوب. وقال أبو زرعة: حماد بن زيد أثبت من حماد بن سلمة بكثير، وأصح حديثا وأتقن. وقال أبو عاصم: مات حماد يوم مات، ولا أعلم له في الإسلام نظيرا في هيئته ودَلِّه. وقال خالد بن خداش: كان من عقلاء الناس، وذوي
стр. 390
الألباب. وقال يزيد بن زريع يوم مات: اليوم مات سيد المسلمين. وقال محمد بن سعد: كان عثمانيا، وكان ثقة ثبتا حجة كثير الحديث. وقال أبو زرعة: سمعت أبا الوليد يقول: ترون حماد بن زيد دون شعبة في الحديث؟ وقال عبد الله بن معاوية الجمحي: حدثنا حماد بن سلمة بن دينار، وحماد بن زيد بن درهم، وفضلُ ابنِ سلمة على ابن زيد، كفضل الدينار على الدرهم. وقال ابن منجويه، وابن حبان: كان ضريرا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا يردّه ما روأه ابن أبي خيثمة، قال: سأل إنسان عبيد الله بن عمر: كان حماد أميا؟ قال: أنا رأيته، وأتيته يوم مطر، فرأيته يكتب، ثم ينفخ فيه ليجف، قال: وسمعت يحيى يقول: لم يكن أحد يكتب عند أَبواب إلا حماد، إلا أن يُجاب -كما قال الحافظ- بأن العمى طرأ عليه. والله تعالى أعلم.
وقال ابن حبان في "الثقات": وقد وهم من زعم أن بينهما كما بين الدينار والدرهم، إلا أن يكون القائل أراد فضل ما بينهما مثل الدينار والدرهم في الفضل والدين؛ لأن حماد بن سلمة كان أفضل، وأدين، وأورع من حماد بن زيد. وقال الخليلي: ثقة متفق عليه، رضيه الأئمة، قال: والمعتمد في حديث يرويه حماد، ويخالفه غيره عليه، والرجوع إليه. قال خالد بن خداش: وُلد سنة (٩٨). وقال عارم وجماعة: مات في رمضان سنة (١٧٩).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٧) حديثًا.
٣ - (مجالد) -بضم الميم، وتخفيف الجيم- ابن سعيد بن عمير الْهَمْدَانيّ الكوفي، ضعيف، من صغار [٦] تقدم في ١/ ١١.
٤ - (الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل المذكور قبل حديث.
٥ - (قَرَظة (١) بن كعب) بن ثعلبة بن عمرو بن كعب بن الإطنابة الأنصاري الخزرجيّ، حليف بني عبد الأشهل. ويقال: قرظة بن عمرو بن كعب بن عمرو بن