← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17132

مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

[والثانى]: بمنزلة بعيد، وهو قول الفراء. [والثالث]: بمنزلة البعد، وهو قول الزجاج، وابن الأنباري، فالأول نجعله بمنزلة الفعل، والثاني بمنزلة الصفة، والثالث بمنزلة المصدر. وفي "هيهات": ثلاث عشرة لغة، ذكرهن الواحديّ: "هيهات" -بفتح التاء، وكسرها، وضمها، مع التنوين فيهن، وبحذفه، فهذه ست لغات، و"أيهات" بالألف بدل الهاء الأولى، وفيها اللغات الست أيضا. والثالثة عشرة: "أيها" بحذف التاء من غير تنوين. وزاد غير الواحدى: "أيئات" بهمزتين بدل الهاءين، والفصيح المستعمل من هذه اللغات استعمالًا فاشيًّا "هيهات" بفتح التاء بلا تنوين. قال الأزهريّ: واتفق أهل اللغة على أن تاء هيهات ليست أصلية، واختلفوا في الوقف عليها، فقال أبو عمرو، والكسائيّ: يوقف بالهاء. وقال الفراء: بالتاء. انتهى كلام النوويّ (١). وقال السنديّ في "شرحه": ويحتمل أن المعنى: إنا كنا نحفظ الحديث على الناس بالإلقاء عليهم، والرواية لهم، وحيث ظهرت فيهم الخيانة، فبعيد أن نروي لهم. وفيه أن كذب الناس يمنع من الأخذ، لا من تعليمهم، بل ينبغي أن يكون علّة لتعليمهم عقلًا، فإن الجهل يوجب الإكثار من الكذب، إلا أن يقال: إنهم كانوا يغيرون في النقل؛ لأنهم يَضَعُون الحديث، ومثل هذا إذا تُرك تعليمه لا يَنقُل، فلا يُغيّر. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال الذي ذكره السنديّ بعيد من سياق كلام ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما جدّا، كما يتبيّن من قصّته مع بُشير بن كعب الآتية في التنبيه التالي، ففيه قوله: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله ﷺ ، ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف. فتبصّر، ولا تتحيّر. والله تعالى أعلم.

стр. 387

[تنبيه]: جرت قصّةٌ لابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما مع بُشير بن كعب، أخرجها الإمام مسلم رحمه الله تعالى في "المقدّمة" من طريق هشام بن حُجَير، عن طاوس، قال: جاء هذا إلى ابن عباس -يعني بُشير بن كعب- فجعل يحدثه، فقال له ابن عباس: عُد لحديث كذا وكذا، فعاد له، ثم حدثه، فقال له: عُدْ لحديث كذا وكذا، فعاد له، فقال له: ما أدري أعرفت حديثي كله، وأنكرت هذا، أم أنكرت حديثي كله، وعرفت هذا؟ فقال له ابن عباس: إنا كنا نُحَدِّث عن رسول الله ﷺ إذ لم يكن يُكْذَب عليه، فلما رَكِب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه. وأخرج أيضًا من طريق قيس بن سعد، عن مجاهد، قال: جاء بُشير الْعَدوي إلى ابن عباس، فجعل يُحَدِّث، ويقول: قال رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ ، فجعل ابن عباس لا يَأْذَن لحديثه، ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس، ما لي لا أراك تسمع لحديثي، أُحَدِّثك عن رسول الله ﷺ ، ولا تسمع، فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله ﷺ ، ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف، انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: أثر ابن عباس ﵄ هذا صحيح. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا بهذا الإسناد فقط، و (مسلم) في "المقدّمة" (٢/ ١٩ - ٢٠) و (النسائيّ) في "السنن الكبرى" في "العلم" (١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده:

стр. 388

١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو التوقّي في الحديث عن رسول الله ﷺ ، ووجه دلالة هذا الأثر عليه أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما اتّقى أحاديث الناس حذرًا من أن ينقل عنهم ما ليس من حديث رسول الله ﷺ . ٢ - (ومنها): بيان فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، حيث كانوا يحفظون أحاديث رسول الله ﷺ ، ويؤدّونها كما سمعوا. ٣ - (ومنها): بيان تغير حال الناس في أواخر عهد الصحابة حيث نشأ أناس يُحدّثون عن رسول الله ﷺ عن كلّ من دبّ ودرج، من غير توقّ، فلذلك توقّى ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أن يأخذ عنهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال: ٢٨ - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدةَ، حَدَّثَنَا حَمَادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ قَرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: بَعَثنَا عُمَرُ بْنُ الخطَّابِ إِلَى الْكُوفَةِ، وَشَيَّعَنَا، فَمَشَى مَعَنَا إِلَى مَوْضِعٍ، يُقَالُ لَهُ: صِرَارٌ، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ لِمَ مَشَيْتُ مَعَكُمْ؟ قَالَ: قُلْنَا: لحِقِّ صُحْبَةِ رَسُولِ الله ﷺ ، وَلحِقِّ الْأَنْصَارِ، قَالَ. لَكِنِّي مَشَيْتُ مَعَكُمْ لحِدِيثٍ، أَرَدْتُ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ بِهِ، وَأَرَدْتُ أَنْ تَحْفَظُوهُ لمِمْشَايَ مَعَكُمْ، إِنَّكُمْ تَقْدَمُونَ عَلَى قَوْمٍ، لِلْقُرْآنِ في صُدُورِهِمْ هَزِيزٌ كهَزِيزِ المِرْجَلِ، فَإِذَا رَأَوْكُمْ مَدُّوا إِلَيْكُمْ أَعْنَاقَهُمْ، وَقَالُوا: أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ، فَأَقِلُّوا الرِّوَايَةَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، وَأَنا شَرِيكُكُمْ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أحمد بن عبدة) بن موسى الضّبّيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة [١٠]. رَوَى عن حماد بن زيد، ويزيد بن زُريع، وفضيل بن عياض، وابن عيينة، وغيرهم. وروى عنه الجماعة إلا البخاري، ورَوَى عنه في غير "الجامع"، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وقال: ثقة، وابن خزيمة، وأبو القاسم البغوي، وعِدّة. قال النسائي: ثقة. وفي موضع آخر: لا بأس به. وتكلم فيه ابن خراش، فلم

стр. 389

يَلتَفِت إليه أحد للمذهب. وذكر ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات في رمضان سنة (٢٤٥). وله في هذا الكتاب (٤٥) حديثًا. ٢ - (حماد بن زيد) بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ الأزرق، مولى آل جرير بن حازم، ثقة ثبت فقيه، من كبار [٨]. رَوَى عن ثابت البناني، وأنس بن سيرين، وعبد العزيز بن صهيب، وخلق كثير. وروى عنه ابن المبارك، وابن مهدي، وابن وهب، والقطان، وابن عيينة، وهو من أقرانه، والثوري وهو أكبر منه، وإبراهيم بن أبي عبلة، وهو في عداد شيوخه، وخلق كثير. قال رسته: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: أئمة الناس في زمانهم أربعة: سفيان الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحماد بن زيد بالبصرة. وقال ابن مهدي: ما رأيت أعلم من هؤلاء: فذكرهم سوى الأوزاعي. وقال فطر بن حماد: دخلت على مالك، فلم يسألني عن أحد من أهل البصرة إلا عن حماد بن زيد. وقال ابن مهدي: لم أر أحدا قط أعلم بالسنة، ولا بالحديث الذي يدخل في السنة من حماد بن زيد. وقال أبو حاتم: قاك ابن مهدي: ما رأيت بالبصرة أفقه من حماد بن زيد. وقال محمد بن المنهال الضرير: سمعت يزيد بن زريع، وسئل ما تقول في حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، أيهما أثبت؟ قال: حماد بن زيد، وكان الآخر رجلا صالحا. وقال وكيع، وقيل له: أيهما أحفظ؟ فقال: حماد بن زيد، ما كنا نشبهه إلا بمسعر. وقال يحيى بن يحيى النيسابوري: ما رأيت أحفظ منه. وقال أحمد بن حنبل: حماد بن زيد أحب إلينا من عبد الوارث، حماد من أئمة المسلمين، من أهل الدين والإسلام، وهو أحب إلي من حماد بن سلمة. وقال يحيى بن معين: حماد بن زيد أثبت من عبد الوارث، وابن علية، والثقفي، وابن عيينة. وقال أيضا: ليس أحد أثبت في أيوب منه. وقال أيضا: من خالفه من الناس جميعا فالقول قوله في أيوب. وقال أبو زرعة: حماد بن زيد أثبت من حماد بن سلمة بكثير، وأصح حديثا وأتقن. وقال أبو عاصم: مات حماد يوم مات، ولا أعلم له في الإسلام نظيرا في هيئته ودَلِّه. وقال خالد بن خداش: كان من عقلاء الناس، وذوي

стр. 390

الألباب. وقال يزيد بن زريع يوم مات: اليوم مات سيد المسلمين. وقال محمد بن سعد: كان عثمانيا، وكان ثقة ثبتا حجة كثير الحديث. وقال أبو زرعة: سمعت أبا الوليد يقول: ترون حماد بن زيد دون شعبة في الحديث؟ وقال عبد الله بن معاوية الجمحي: حدثنا حماد بن سلمة بن دينار، وحماد بن زيد بن درهم، وفضلُ ابنِ سلمة على ابن زيد، كفضل الدينار على الدرهم. وقال ابن منجويه، وابن حبان: كان ضريرا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا يردّه ما روأه ابن أبي خيثمة، قال: سأل إنسان عبيد الله بن عمر: كان حماد أميا؟ قال: أنا رأيته، وأتيته يوم مطر، فرأيته يكتب، ثم ينفخ فيه ليجف، قال: وسمعت يحيى يقول: لم يكن أحد يكتب عند أَبواب إلا حماد، إلا أن يُجاب -كما قال الحافظ- بأن العمى طرأ عليه. والله تعالى أعلم. وقال ابن حبان في "الثقات": وقد وهم من زعم أن بينهما كما بين الدينار والدرهم، إلا أن يكون القائل أراد فضل ما بينهما مثل الدينار والدرهم في الفضل والدين؛ لأن حماد بن سلمة كان أفضل، وأدين، وأورع من حماد بن زيد. وقال الخليلي: ثقة متفق عليه، رضيه الأئمة، قال: والمعتمد في حديث يرويه حماد، ويخالفه غيره عليه، والرجوع إليه. قال خالد بن خداش: وُلد سنة (٩٨). وقال عارم وجماعة: مات في رمضان سنة (١٧٩). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٧) حديثًا. ٣ - (مجالد) -بضم الميم، وتخفيف الجيم- ابن سعيد بن عمير الْهَمْدَانيّ الكوفي، ضعيف، من صغار [٦] تقدم في ١/ ١١. ٤ - (الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل المذكور قبل حديث. ٥ - (قَرَظة (١) بن كعب) بن ثعلبة بن عمرو بن كعب بن الإطنابة الأنصاري الخزرجيّ، حليف بني عبد الأشهل. ويقال: قرظة بن عمرو بن كعب بن عمرو بن

стр. 391

عائذ بن زيد مناة بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، هكذا نسبه ابن الكلبيّ وغيره. وقال ابن السكن: يُكنى أبا عمرو، قال البخاريّ: له صحبة وقال البغويّ: سكن الكوفة. وقال ابن سعد: أمه خُليدة بنت ثابت بن سنان، وهو أخو عبد الله بن أُنيس لأمه. وشهد قَرَظة أحدًا وما بعدها، وهو أحد العشرة الذين وجههم عمر إلى الكوفة من الأنصار يفقّهون الناس، وعلى يده كان فتح الرّيّ، وولاه عليّ الكوفةَ، وتُوُفّي بها في ولايته، وقيل: في إِمْرَة المغيرة بن شعبة. وقال ابن أبي حاتم: يقال له صحبة، سكن الكوفة، وابتنى بها دارًا، وكنيته أبو عمرو، مات في خلافة عليّ، فصلّى عليه. رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن عمر بن الخطاب، وروى عنه عامر الشعبي، وعامر بن سعد البجلي، قال سعيد بن عبيد الطائي عن علي بن ربيعة: أوّلُ من نِيح عليه بالكوفة قَرَظة بن كعب، فقال المغيرة بن شعبة: سمعت النبي ﷺ يقول: "من نِيح عليه يعذب"، رواه مسلم، والترمذيّ. قال في "تهذيب التهذيب": رجح الحافظ المزّيّ أنه مات في إمارة المغيرة، مستدلا بهذا الحديث، وليست فيه دلالة لاحتمال أن يكون المغيرة قال ذلك عند موته، ولم يكن حينئذ أميرا. وقد جزم أبو حاتم الرازي، وابن سعد، وابن حبان، وابن عبد البر بأنه مات في ولاية علي، وأن عليا صلى عليه، لكن في "صحيح مسلم" في هذه القصة عن علي بن ربيعة: أتيت المسجد، والمغيرة أمير الكوفة، وفي روايه له: "أول من نيح عليه بالكوفة قرظة بن كعب". وفي رواية الترمذي: مات رجل من الأنصار يقال له: قرظة بن كعب، فنيح عليه، فجاء المغيرة، فصعد المنبر، فهذا يُقَوّي قول من قال: إنه مات في إمارة المغيرة، وكانت إمارته على الكوفة في عشر الخمسين. انتهى. وقال في "الإصابة" بعد أن أورد حديث مسلم المذكور: ما نصّه: وهذا يقتضي أن يكون قرظة مات في خلافة معاوية حين كان المغيرة على الكوفة؛ لأن المغيرة كان في مدة الاختلاف بين عليّ ومعاوية مقيمًا بالطائف، فقدِم بعد موت عليّ، فولّاه معاوية الكوفة

стр. 392

بعد أن سلّم له الحسن الخلافة، وبذلك جزم ابن سعد، وقال: مات بالكوفة، والمغيرة والٍ عليها. وكذا قال ابن السكن، وزاد: وهو الذي قتل ابن النوّاحة، صاحب مسيلمة في ولاية ابن مسعود بالكوفة، وفتح الريّ سنة ثلاث وعشرين، وأسند ما تقدّم في خلافة عليّ عن عليّ بن المدينيّ، ووقع التصريح بأن المغيرة كان يومئذ أمير الكوفة في رواية لمسلم. وفي رواية الترمذيّ: "فجاء المغيرة، فصعِد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: ما بال النَّوْح في الإسلام؟ "، ثم ذكر الحديث. وفي "كتاب العلم" من "صحيح البخاريّ" ما يدلّ على أن المغيرة مات وهو أمير الكوفة في خلافة معاوية رضي الله تعالى عنهم انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح أن قرظة مات في إمرة المغيرة في خلافة معاوية رضي الله تعالى عنهم. والله تعالى أعلم. تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. وله عند النسائيّ حديث واحد، رقم (٣٣٨٣) "رُخّص لنا في اللهو عند العرس". ٦ - (عمر بن الخطاب) بن نفيل بن عبد العُزَّى بن رِيَاح -بالتحتانية- ابن عبد الله ابن قرط بن رزاح -بمهملة، ومعجمة، وآخره مهملة- ابن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي العدوي، أبو حفص، أمير المؤمنين، وأمه حَنْتَمَة بنت هاشم بن المغيرة المخزومية، كذا قال ابن الزبير. وروى أبو نعيم من طريق ابن إسحاق أنها بنت هشام، أخت أبي جهل. جاء عنه أنه وُلد بعد الفجار الأعظم بأربع سنين، وذلك قبل المبعث النبوي بثلاثين سنة، وقيل بدون. وذكر خليفة بسند له أنه وُلد بعد الفيل بثلاث عشرة سنة. وكان إليه السفارة في الجاهلية. وكان عند المبعث شديدًا على المسلمين، ثم أسلم فكان إسلامه فتحا على المسلمين، وفرجا لهم من الضيق. قال عبد الله بن مسعود: وما عبدنا الله جهرة حتى أسلم عمر. وأخرج ابن أبي الدنيا بسند صحيح، عن أبي رجاء

стр. 393

العطاردي، قال: كان عمر طويلًا، جسيمًا، أصلع، أشعر، شديد الحمرة، كثير السَّبَلَة (١) في أطرافها صهوبة، وفي عارضيه خِفَّة. وروى يعقوب بن سفيان في "تاريخه" بسند جيد إلى زِرّ بن حُبَيش قال: رأيت عمر أعسر أصلع آدم، قد فَرعَ الناسَ، كأنه على دابة، قال: فذكرت هذه القصة لبعض ولد عمر، فقال: سمعنا أشياخنا يذكرون أن عمر كان أبيض، فلما كان عام الرَّمَادة، وهي سنة المجاعة، ترك أكل اللحم والسمن، وأدمن أكل الزيت حتى تغير لونه، وكان قد احمرّ، فشحب لونه، وأخرج ابن سعد بسند جيد من طريق سماك بن حرب، أخبرني هلال بن عبد الله قال: رأيت عمر جسيمًا، كأنه من رجال بني سدوس، وأخرج يونس بن بُكير في زيادات المغازي، عن أبي عمر الجزار، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم أعز الإسلام بأبي جهل بن هشام، أو بعمر بن الخطاب"، فأصبح عمر، فغدا على رسول الله ﷺ ، وأخرج أبو يعلى من طريق أبي عامر العقدي، عن خارجة، عن نافع، عن ابن عمر قال: إن رسول الله ﷺ قال: "اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك، بعمر بن الخطاب، أو بأبي جهل بن هشام"، وكان أحبهما إلى الله عمر بن الخطاب. وأخرجه عبد بن حميد، عن أبي عامر، عن خارجة بن عبد الله الأنصاري به. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧٨) حديثا. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: (عَنْ قَرَظَةَ) بفتحتين (ابْنِ كَعْب) الأنصاريّ الخزرجيّ ﵁، أنه (قَالَ: بَعَثنَا عُمَرُ ابْنُ الخطَابِ) رضي الله تعالى عنه (إِلَى الْكُوفَةِ) ليُقرءوا الناس القرآن، ويُفقّهوهم في الدين. [فائدة]: "الكوفة" -بضم الكاف-: مدينة مشهورة بالعراق، قيل: سُمّيت كُوفةً؛ لاستدارة بنائها؛ لأنه يقال: تكوّف القوم: إذا اجتمعوا، واستداروا. قاله

стр. 394

الفيّوميّ. وقال في "القاموس" وشرحه: الْكُوفة بالضمّ: الرَّمْلة الحمراء المجتمعة. وقيل: المستديرة. أو كلُّ رملة تُخالطها حصباء، أو الرملة ما كانت. والكوفة: مدينة بالعراق الكبرى، وهي قبّة الإسلام، ودار هجرة المسلمين. قيل: مصّرها سعد بن أبي وقّاص، وكان قبل ذلك منزل نوح ﵇، وبنى مسجدها الأعظم. واختُلف في سبب تسميتها، فقيل: سُمّيت لاستدارتها، وقيل: بسبب اجتماع الناس بها، وقيل: لكونها كانت رملة حمراء، أو لاختلاط ترابها بالحصى. ويقال لها أيضًا كُوفان بالضمّ، ويُفتح، وكُوفَة الجند؛ لأنه اختُطّت فيها خِطَطُ العرب أيام عثمان ﵁، خططها السائب بن الأقرع الثقفيّ ﵁. أو سُمّيت بكُوفان، وهو جُبَيلٌ صغير، فَسَهّلوه، واختطّوا عليه. أو من الكَيْف، وهو القطع؛ لأن أَبْرَوِيز أقطعه لِبَهْرَامَ، أو لأنها قطعة من البلاد، والأصلُ كُيفَةٌ، فلما سَكَنَتِ الياء، وانضمّ ما قبلها جُعلت واوًا، أو هي من قولهم: هم في كُوفَانٍ بالضمّ، ويُفتح، وكَوَّفَانٍ مُحرّكةً ممشدّدةَ الواو: أي في عِزّ ومَنَعَة، أو لأن جَبَل سَاتِيدما محيطٌ بها كالكاف، أو لأن سعد بن أبي وقّاص ﵁ لمّا أراد أن يبني الكوفة، وارتاد هذه المنزلة للمسلمين، قال لهم: تكوّفوا في هذا المكان: "أي اجتمعوا فيه، أو لأنه قال: كَوِّفُوا هذه الرملةَ: أي نَحُّوها، وانزلوا. قال والمسافة ما بين الكوفة والمدينة نحو عشرين مرحلة. انتهى باختصار (١). (وَشَيَّعَنَا) أي خرج معنا للتوديع، قال في "المصباح": شيّعتُ الضيفَ: إذا خرجتَ معه عند رَحِيله؛ إكرامًا له، وهو التوديع انتهى (٢). (فَمَشَى) عمر ﵁ (مَعَنَا إِلَى مَوْضِع، يُقَال لَه: صِرَارٌ) قال في "القاموس"، و"شرحه": الصِّرَارُ بالكسر، ككتاب: موضع بقرب المدينة، وهو ماء محُتفر، جاهليّ،

стр. 395

على سمت العراق، وقيل: أُطُمٌ لبني عبد الأشهل. انتهى (١). وزاد الحاكم في روايته الوضوء، ولفظه: "فمشى معنا عمر بن الخطاب إلى صِرَار، فتوضّأ ... ". (فَقَالَ: أَتَدْرُونَ) أي أتعلمون (لِمَ مَشَيْتُ مَعَكُمْ؟ قَالَ) قوظة (قُلْنَا) أي قال المبعوثون إلى الكوفة (لَحِقِّ صُحْبَةِ رَسُولِ الله ﷺ ) متعلّق بمقدّر أي مشيت معنا لحقّ الخ (وَلَحِقِّ الْأَنْصَارِ) -بفتح الألف، وسكون النون، وفتح الصاد المهملة، وفي آخرها الراء- هم جماعة من أهل المدينة من الصحابة من أولاد الأوس والخزرج، قيل لهم الأنصار؛ لنصرتهم رسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ الآية [الأنفال: ٧٤]، وقال عزّ من قائل: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧]، وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. وفيهم كثرة وشهرة على اختلاف بطونها، وأفخاذها، ومن أولادهم إلى الساعة جماعة يُنسبون إليهم. ذكره أبو سَعْد السمعانيّ في كتابه "الأنساب" (٢). والمعنى: أنك مشيت معنا أيضًا للحقّ الذي جعله الله تعالى للأنصار، من وجوب احترامهم، والقيام بمهمّاتهم؛ لنصرهم الإلسلام، وإيوائهم أهله، فلهم بذلك حقّ على كلّ مسلم، ولهذا أوصى النبيّ ﷺ بهم ولاة الأمور بعده، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" من طريق عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه، بِمِلْحَفة، قد عَصَبَ بِعِصَابة دَسْمَاء حتى جلس على المنبر،

стр. 396

فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعدُ، فإن الناس يكثرون، وَيقِلّ الأنصار، حتى يكونوا في الناس بمنزلة الملح في الطعام، فمن وَلِيَ منكم شيئا، يضُرّ فيه قومًا، وينفع فيه آخرين، فليقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم، فكان آخر مجلس جلس به النبي ﷺ (١). (قَالَ) عمر ﵁ (لَكِنِّي) استدراك من مقدّر أي هذا الذي ذكرتموه، وإن كان مما يُمشَى من أجله، لكنه الآن ليس هو وحده حاملًا لمشيي معكم، وإنما (مَشَيْتُ مَعَكُمْ لَحِدِيثٍ) أي لأجل بيان حديث (أَرَدْتُ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ بِهِ، وَأَرَدْتُ أَنْ تَحْفَظُوهُ لَمِمْشَايَ مَعَكُمْ) يحتمل أن يكون "ممشى" مصدرًا ميميّا، ويحتمل أن يكون ظرفًا زمانيّا، أو مكانيّا: أي وقت مشيي، أو مكان مشيي. والمعنى: إنما مشيت معكم ليكون ممشاي هذا حاملًا لكم، وباعثًا إياكم على أن تحفظوا ما أُحدّثكم به؛ لأنهم إذا تذكّروا مشيه معهم مكانًا بعيدًا، مع كبر سنّه، ووجاهته، وكونه خليفة رسول الله ﷺ حملهم ذلك كله على أن يعتنوا بحفظ ما يُحدّثهم به، والعمل بمقتضاه. ثم بيّن الحديث الذي يريد أن يحدّثهم به، بقوله: (إِنَّكُمْ تَقْدَمُونَ) بفتح الدال، من باب تَعِبَ (عَلَى قَوْمٍ، لِلْقُرْآنِ) بكسر اللام، وهي لام الجرّ، والجار والمجرور خبر مقدّم لقوله" "هزيز" (في صُدُورِهِمْ) متعلّق بحال مقدّر (هَزِيزٌ كَهَزِيزِ الْمِرْجَلِ) "الهزيز" -بفتح الهاء، وكسر الزاي-: صوت غَلَيَان القِدْر، وتردُّد صوت الرعد. قاله في "القاموس". وقال في "اللسان": هَزِيز الريح: دَويّها عند هزّها الشجر. قال امرؤ القيس [من الطويل]: إِذَا مَا جَرَى شَأْوَيْنِ وَابْتَلَّ عِطْفُهُ ... تَقُولُ هَزِيزُ الرِّيحِ مَرَّتْ بِأَثْأَبِ (٢) و"الْمِرْجَل" -بكسر الميم، وسكون الراء، وفتح الجيم-: قِدرٌ من نُحاس، وقيل

стр. 397

يُطلقُ على كلّ قِدْرٍ يُطبخ فيها. قاله في "المصباح". وقال في "النهاية": "الْمِرجل" بالكسر: هو الإناء الذي يُغلى فيه الماء، وسواء كان من حديد، أو صُفر، أو حجارة، أو خَزَف، والميم زائدة، قيل: لأنه إذا نُصب كأنه أُقيم على أرجل. انتهى (١). ولفظ الحاكم: "قال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقرآن كدويّ النحل، فلا تبدونهم بالأحاديث، فيشغلونكم، جرّدوا القرآن، وأقلّوا الرواية عن رسول الله ﷺ ، وامضوا وأنا شريككم، فلما قدِم قَرَظة قالوا: حدّثنا، قال: نهانا عمر بن الخطّاب". و"دويّ النحل" -بفتح الدال المهملة- صوتها. (فَإِذَا رَأَوْكُمْ مَدُّوا إِلَيْكُمْ أَعْنَاقَهُمْ) أي للأخذ عنكم، وتسليما للأمر إليكم، وتحكيمًا لكم (وَقَالُوا: أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ) خبر لمبتدإ محذوف: أي هؤلاء أصحاب محمد ﷺ ، ويحتمل أن يكون فاعلا لفعل محذوف: أي جاء أصحاب محمد ﷺ (فَأَقِلُّوا الرِّوَايَةَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ) أي لا تكثروا رواية أحاديثه ﷺ لهم نظرًا إلى كثرة طلبهم، وشوقهم في الأخذ عنكم؛ تعظيمًا لأمر الرواية عنه ﷺ ، أو لئلا يُشغلوا بذلك عن قراءة القرآن، والاحتمال الأول هو الذي فهمه المصنّف رحمه الله تعالى، حيث أورد الحديث في "باب التوقّي في الحديث عن رسول الله ﷺ "، والاحتمال الثاني هو الذي يؤيّده السياق، حيث إن عمر ﵁ قال لهم: "إنكم تَقْدَمون على قوم للقرآن في صدورهم هزيز الخ"، فإنه يدلّ على أن أمره لهم بالإقلال من الرواية لئلا يشغلهم كثرة الحديث عن قراءة القرآن. وأوضح منه ما سبق آنفًا من رواية الحاكم. والله تعالى أعلم. وقوله: (وَأَنَا شَرِيكُكُمْ) أي في الأجر بسبب أنه الدالّ لهم على الخير، والباعث لهم عليه؛ لأن الدالّ على الخير كفاعله، فقد أخرج أبو داود في "سننه" بإسناد صحيح عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من دل على خير، فله مثل أجر فاعله" .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 398

مسائل تتعلقُ بهذا الأثر: (المسألة الأولى): في درجته: أثر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده مجالد بن سعيد، وهو ضعيف، كما سبق؟. [قلت]: لم ينفرد به، بل تابعه عليه بيان بن بشر الأحمسيّ، وهو ثفة ثبت، فقد رواه أبو عبد الله الحاكم في "المستدرك" (١/ ١٠٢) عن محمد بن يعقوب الأصمّ، عن محمد ابن عبد الله بن عبد الحكم، عن ابن وهب، عن ابن عُيينة، عن بيان، عن الشعبيّ به، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، وله طرق تُجمَع، ويُذاكر بها. قال: وقَرَظَة بن كعب صحابيّ، سمع رسول الله ﷺ ، قال: وأما رواته فقد احتجّا بهم، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف ﵀ هنا بهذا الإسناد فقط، وأخرجه (الحاكم) في "المستدرك" كما مرّ آنفًا، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف، على ما فهمه هو، وإن كان ظاهر سياق الأثر يدلّ على أن أمر عمر ﵁ بإقلال الرواية خوفًا من الاشتغال به عن القرآن، لا خوفًا من الزيادة والنقصان، كما هو ظاهر تبويب المصنّف. والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): مدح عمر ﵁ لأهل الكوفة الذين كانوا في عهده، قبل أن ينشأ فيهم أصحاب الأهواء الباطلة، فإن الكوفة معروفة بالتشيّع وغيره من الأهواء، ولكن هذا متأخر عن عهده ﵁. ٣ - (ومنها): بيان تواضع عمر ﵁ حيث يخرج بنفسه ليودّع أهل العلم؛ إذ خرجوا لنشر علمهم، وتفقيه الأمة، ودعوتها إلى السنة المطهّرة. ٤ - (ومنها): الحثّ على ملازمة القرآن، وعدم الاشتغال بغيره، وهذا إذا كان يخشى أن ينساه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم

стр. 399

الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال: ٢٩ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى ابْنِ سَعِيدٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: صَحِبْتُ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ، مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَمَا سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِحَدِيثٍ وَاحِدٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن بشّار) بُندَار الحافظ الثبت المذكور قبل ثلاثة أسانيد. ٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ الإمام الحجة المذكور قبل ثلاثة أسانيد أيضًا. ٣ - (حماد بن زيد) بن درهم الإمام الحافظ المذكور في السند الماضي. ٤ - (يحيى بن سعيد) بن قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة بن الحارث بن زيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، ويقال: يحيى بن سعيد بن قيس بن قَهْد، ولا يصح، قاله البخاري، الأنصاريُّ النجاريُّ أبو سعيد المدني القاضي، ثقة ثبت [٥]. رَوَى عن أنس بن مالك، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، ومحمد بن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف، وغيرهم. ورَوَى عنه الزهري، ويزيد بن الهاد، وابن عجلان، ومالك، وشعبة، والسفيانان، وحماد بن زيد، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، حجة ثبتا. وقال جرير بن عبد الحميد: لم أر أنبل منه. وقال حماد بن زيد: قدم أيوب من المدينة، فقال: ما تركت بها أحدا أفقه من يحيى بن سعيد. وقال سعيد بن عبد الرحمن الْجُمَحي: ما رأيت أقرب شبها بالزهري من يحيى بن سعيد، ولولاهما لذهب كثير من السنن. وقال ابن المديني: لم يكن بالمدينة بعد كبار التابعين أعلم من ابن شهاب، ويحيى بن سعيد، وأبي الزناد، وبكير بن الأشج. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: يحيى بن سعيد يوازي الزهري. وقال الثوري: كان أجل عند أهل المدينة من الزهري. وقال الليث: لم يكن بدون أفاضل العلماء في زمانه، وعده الثوريّ في الحفاظ، وابن عيينة في محدثي الحجاز الذين يجيئون بالحديث على وجهه،

стр. 400

وابن المديني في أصحاب صحة الحديث وثقاته، ممن ليس في النفس من حديثهم شيء، وابن عمار في موازين أصحاب الحديث، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، له فقه، وكان رجلا صالحا، وكان قاضيا على الحيرة، وثَمَّ لقيه يزيد بن هارون، وقال أحمد ابن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة: ثقة. وقال أحمد بن سعيد الدارمي: سمعت أصحابنا يحكون عن مالك، قال: ما خرج منا أحد إلى العراق إلا تغير غير يحيى بن سعيد. قال ابن سعد، وغير واحد: مات سنة ثلاث. وقال يزيد بن هارون، وعمرو بن علي: مات سنة أربع وأربعين ومائة. وقيل: مات سنة ست وأربعين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٣) حديثًا. ٥ - (السائب بن يزيد) بن سعيد بن ثمامة بن الأسود الكندي، ويقال: الأسدي، أو الليثي، أو الْهُذَليُّ وقال الزهري: هو من الأزد، عداده في كنانة، وهو ابن أخت النمر، لا يُعْرَفُون إلا بذلك، له ولأبيه صحبة. قال محمد بن يوسف، عن السائب بن يزيد: حَجَّ بي أبي مع النبي ﷺ ، وأنا ابن سبع سنين. روى عن ﷺ ، وعن حويطب بن عبد العزى، وعمر، وعثمان، وعبد الله بن السعدي، وأبيه يزيد، وخاله العلاء بن الحضرمي، وطلحة بن عبيد الله، وسعد، وسفيان بن أبي زهير، وعبد الرحمن بن عبد القاري، ومعاوية، وعائشة، وغيرهم. وروى عنه ابنه عبد الله، والجعد بن عبد الرحمن، وإبراهيم بن عبد الله بن قارظ، وحميد بن عبد الرحمن بن عوف، ويحيى بن سعيد، والزهريّ، وغيرهم. وقال ابن عبد البر: كان عاملا لعمر على سوق المدينة. وقال أبو نعيم: تُوفي سنة اثنتين وثمانين. وذكره البخاري في "فصل من مات ما بين التسعين إلى المائة". وقال ابن أبي داود: هو آخر من مات بالمدينة من الصحابة ﵃. قال الواقدي: تُوفي بالمدينة سنة إحدى وتسعين. وقال غيره: سنة (٦) وقيل: سنة (٨٨). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث برقم (٢٩) و (٥٠٩) و (١٠٦٣) و (١١٢٥) و (١٣٣٣) و (٢٧٩٦) و (٣١٩٧).

стр. 401

٦ - (سعد بن مالك) هو سعد بن أبي وقّاص مالك بن أُهيب، ويقال له: ابن وُهيب بن عبد مناف بن زُهْرة بن كلاب القرشي الزهري، أبو إسحاق، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وهو آخرهم موتا. وأمه حَمْنة بنت سفيان بن أمية، بنت عم أبي سفيان ابن حرب بن أمية. روى عن النبي ﷺ كثيرا، وروى عنه بنوه: إبراهيم، وعامر، ومصعب، وعمر، ومحمد، وعائشة، ومن الصحابة عائشة، وابن عباس، وابن عمر، وجابر بن سمرة، ومن كبار التابعين سعيد بن المسيب، وأبو عثمان النهدي، وقيس بن أبي حازم، وعلقمة، والأحنف، وآخرون. وكان أحد الفرسان، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وهو أحد الستة أهل الشورى. وقال عمر ﵁ في وصيته: إن أصابت الإمرة سعدا فذاك، وإلا فليستعن به الذي يلي الأمر، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة، وكان عمر أَمّره على الكوفة سنة إحدى وعشرين، ثم لما ولي عثمان أمّره عليها، ثم عزله بالوليد بن عقبة سنة خمس وعشرين. وكان رأس من فتح العراق، ووَلِي الكوفة لعمر، وهو الذي بناها، ثم عُزِل، ووليها لعثمان، وكان مجاب الدعوة، مشهورا بذلك. مات سنة إحدى وخمسين. وقيل: ست. وقيل: سبع. وقيل: ثمان. والثاني أشهر. وقد قيل: إنه مات سنة خمس. وقيل: سنة أربع. وقع في "صحيح البخاري" عنه أنه قال: لقد مكثت سبعة أيام، وإني لَثُلُث الإسلام. وقال إبراهيم بن المنذر: كان هو وطلحة، والزبير، وعليّ عِذَار عام واحد، أي كان سنهم واحدا. ورَوَى الترمذي من حديث جابر قال: أقبل سعد، فقال النبي ﷺ : "هذا خالي، فليرني امرؤ خاله". مات سعد بالعقيق، وحُمل إلى المدينة، فصُلي عليه في المسجد. وقال الواقدي: أثبت ما قيل في وقت وفاته: إنها سنة خمس وخمسين. وقال أبو نعيم: مات سنة ثمان وخمسين. أخرج له الجماعة، وله (٢٧١) حديثًا، اتفق الشيخان على (١٥) حديثًا، وانفرد البخاريّ بخمسة أحاديث، ومسلم بثمانية عشر حديثًا، وله في هذا الكتاب (٢٦) حديثًا.

стр. 402

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن شيخه أحد المشايخ التسعة الذي اتفق على الرواية عنهم أصحاب الأصول بلا واسطة. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ. ٦ - (ومنها): أن سعدًا ﵁ من السابقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وهو آخرهم موتا، وكان أحد الفرسان، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وهو أحد الستة أهل الشورى، وكان مجاب الدعوة. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: (عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ) الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، أنه (قَالَ: صَحِبْتُ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ) هو ابن أبي وقّاص ﵁ (مِنَ المدِينةِ إِلَى مَكَةَ) وفي رواية الدارميّ: "قال: خرجت مع سعد إلى مكة" (فَمَا سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِحَدِيثٍ وَاحِدٍ) زاد في رواية الدارمي: "حتى رجعنا إلى المدينة". وأخرج البخاري في "الجهاد والسير" من "صحيحه" من طريق محمد بن يوسف، عن السائب بن يزيد، قال: "صحبت طلحة بن عبيد الله، وسعدًا، والمقداد بن الأسود، وعبد الرحمن بن عوف ﵃ فما سمعت أحدا منهم يحدث عن رسول الله ﷺ ، إلا أني سمعت طلحة يحدث عن يوم أحد". قال ابن بطال رحمه الله تعالى: كان كثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم لا يحدثون عن رسول الله ﷺ خشية المزيد والنقصان (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه

стр. 403

المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الأثر: (المسألة الأولى): في درجته: أثر سعد بن مالك رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، وقال البوصيريّ ﵀: هذا إسناد صحيح، موقوف. انتهى. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا وهو بهذا السياق من أفراده، فلم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره. وأخرجه (البخاريّ) في "الجهاد"، و"المغازي" من وجه آخر عن السائب، وقد سبق لفظه آنفًا. و (الدارميّ) في "المقدمة" (٢٨١) والبيهقيّ في "كتاب الزكاة" "سننه" (٤/ ١٠٦) من طريق ابن لهيعة، عن يحيى بن سعيد، وفيه زيادة، ولفظه: قال: سمعت السائب بن يزيد يقول: صحبت سعد بن أبي وقّاص زمانًا، فلم أسمعه يحدّث عن رسول الله ﷺ إلا حديثًا واحدًا، يقول: قال رسول الله ﷺ "لا يُفرّق بين مجتمع، ولا يُجمَع بين متفرّق في الصدقة، والخليطان ما اجتمع على الفحل، والراعي، والحوض. انتهى. واستدلال المصنّف بهذا الأثر على ترجمته واضحٌ لأنه يدلّ على شدّة توقّي سعد ﵁ عن التحديث عن رسول الله ﷺ خشية من الزيادة والنقصان، والتصحيف، والتحريف، فيدخل في الوعيد الشديد لمن كذب على النبيّ ﷺ ؛ إذ الكذب لا يشترط فيه التعمّد، بل يوجد خطأ ونسيانًا؛ لأن الكذب هو الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه، سواء كان عمدًا، أم خطأ، والمخطىء والناسي وإن كانا غير آثمين بالإجماع، لكن قد يأثم بالإكثار، إذ الإكثار مظنّة الخطأ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].

стр. 404

٤ - (بابُ التَّغليظ في تَعمُّدِ الكَذبِ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ -) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "التغليظ": مصدر غلّظ، يقال: غَلَّظ عليه في اليمين تغليظًا: إذا شدّد عليه، وأكّد، وغلّظت اليمينَ تغليظًا أيضًا: إذا قوّيتها، وأكّدتها. قاله الفيّوميّ (١). و"التعمّد" مبالغة في العمد. و"الكذب" بفتح، فكسر مصدر كَذَب يَكذِب، من باب ضرب، ويجوز التخفيف بكسر الكاف، وفتحها، مع سكون الذال فيهما، وهو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، سواء فيه العمد والخطأ، ولا واسطة بين الصدق والكذب على مذهب أهل السنّة، والإثم يَتْبعُ العمد. وأكذب نفسه، وكذّبها: بمعنى اعترف بأنه كَذَبَ في قوله السابق، وأكذبت زيدًا بالألف وجدتُهُ كاذبًا، وكذّبته تكذيبًا: نسبتُهُ إلى الكذب، أو قلتُ له: كَذَبْتَ. قاله الفيوميّ (٢). وقال في "عمدة القاري": الكذب خلاف الصدق. قال الصغانيّ: تركيب الكذب يدلّ على خلاف الصدق، وتلخيصه أنه لا يبلغ نهاية الكلام في الصدق. والكذب عند الأشعريّة الإخبار عن الأمر على خلاف ما هو عليه عمدًا أو سهوًا، خلافًا للمعتزلة في اشتراطهم العمديّة. ويقال: فيه ثلاثة مذاهب: المذهب الحقّ أن الكذب عدم مطابقة الواقع، والصدق مطابقته. والثاني: أنهما مطابقة الاعتقاد، أو لا مطابقته. والثالث: مطابقة الواقع مع اعتقاد المطابقة، ولا مطابقته مع اعتقاد لا مطابقته، وعلى الأخيرين يكون بينهما الواسطة. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 405

وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال: ٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ الله بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى، قَالُوا: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عَبْدِ الَرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتبَوَّأْ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفيّ، ثقة ثبت حافظ [١٠] ١/ ١. ٢ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيد) بن سهل بن شَهْريار الْهَرَويّ الأصل، أبو محمد الْحَدَثَاني -بفتح المهملة، والمثلّثة- ويقال له: الأنباريّ -بنون، ثم موحّدة- سَكَنَ الحدِيثة، تحت عانة وفوق الأنبار، أبو محمد، صدوق في نفسه، إلا أنه عَمِى، فصار يتلقّن ما ليس من حديثه، وأفحش فيه ابن معين القول، من قُدَماء [١٠]. رَوَى عن مالك، وحفص بن ميسرة، ومسلم بن ميسرة، ومسلم بن خالد الزنجي، وحماد بن زيد، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، وابن ماجه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ويعقوب بن شيبة، وعبد الله بن أحمد، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد: عَرَضتُ على أبي أحاديث سُويد عن ضِمَام بن إسماعيل، فقال لي: اكتبها كلها، فإنه صالح، أو قال ثقة. وقال الميموني عن أحمد: ما عَلِمتُ إلا خيرا. وقال البغوي: كان من الحفاظ، وكان أحمد ينتقي عليه لولديه، فيسمعان منه. وقال أبو داود عن أحمد: أرجو أن يكون صدوقًا، لا بأس به. وقال أبو حاتم: كان صدوقًا، وكان يدلس ويكثر. وقال البخاري: كان قد عَمِي فتَلَقّن ما ليس من حديثه. وقال يعقوب بن شيبة: صدوق، مضطرب الحفظ، ولا سيما بعدما عَمِيَ. وقال صالح ابن محمد: صدوق إلا أنه كان عَمِي، فكان يُلَقِّن أحاديث ليس من حديثه. وقال الْبَرْذَعِيّ: رأيت أبا زرعة يُسيىء القول فيه، فقلت له: فَأَيْشٍ حاله؟. قال: أما كُتُبه

стр. 406

فصحاح، وكنت أتتبع أصوله فأكتب منها، فأما إذا حدَّث من حفظه فلا. قال: وسمعت أبا زرعة يقول: قلنا لابن معين: إن سُويدا يحدِّث عن ابن أبي الرجال عن ابن أبي رَوّاد، عن نافع، عن ابن عمر: إن النبي ﷺ قال: "من قال في ديننا برأيه فاقتلوه"، فقال يحيى: ينبغي أن يُبْدَأ بسويد فيُقتَل. وقيل لأبي زرعة: إن سويدا يحُدث بهذا عن إسحاق بن نَجِيح، فقال: نعم، هذا حديث إسحاق، إلا أن سُويدا أَتَى به عن ابن أبي الرجال، قلت: فقد رواه لغيرك عن إسحاق؟ فقال: عَسَى، قيل له: فرجع. وقال الحاكم أبو أحمد: عَمِي في آخر عمره، فربما لُقِّن ما ليس من حديثه، فمن سَمِع منه وهو بصير فحديثه عنه حسن. وقال النسائي: ليس بثقة ولا مأمون، أخبرني سليمان بن الأشعث، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: سويد بن سعيد حلال الدم. وقال محمد ابن يحيى الْخَزّاز: سألت ابن معين عنه، فقال: ما حدثك فاكتب عنه، وما حدث به تلقينا فلا. وقال عبد الله بن علي بن المديني: سئل أبي عنه، فحرك رأسه، وقال. ليس بشيء. وقال أبو بكر الأعين: هو سِدَادٌ من عيش، هو شيخ. وقال أبو بكر الإسماعيلي: في القلب من سُويد شيء، من جهة التدليس، وما ذُكِر عنه في حديث عيسى بن يونس الذي كان يقال: تفرد به نعيم بن حماد. وقال حمزة بن يوسف السهمي: سألت الدارقطني عن سويد، فقال: تكلم فيه يحيى بن معين، وقال حَدَّث عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد، رَفَعَه: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة". قال ابن معين: وهذا باطل عن أبي معاوية. قال الدارقطني: فلم يَزَل يُظَنّ أن هذا كما قال يحيى، وأنّ سُويدًا أَتى أمرًا عظيمًا في روايته هذا الحديث، حتى دخلت مصر في سنة سبع وخمسين -يعني وثلاثمائة- فوجدت هذا الحديث في "مسند" أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن يونس البغدادي المُنْجَنِيقِيّ، وكان ثقة، رواه عن أبي كريب، عن أبي معاوية، كما قال سويد سواءً، وتَخَلَّص سويد، وصحّ الحديث عن أبي معاوية. وقال العجليّ: ثقة، من أروى الناس عن علي بن مسهر. وقال ابن حبان: كان أتى عن الثقات بالمعضلات، رَوَى عن أبي مسهر -يعني عن أبي يحيى القتات- عن مجاهد، عن ابن

стр. 407

عباس، رَفَعَه: "مَنْ عَشِقَ وكَتَم وعَفَّ ومات مات شهيدًا". قال: ومَن رَوَى مثل هذا الخبر عن أبي مسهر تجب مجانبة رواياته، هذا إلى ما لا يُحصَى من الآثار، ونقل الأخبار. وقال فيه يحيى بن معين: لو كان لي فرس ورمح لكنت أعْزوه، قاله لمّا رَوَى سُوَيد هذا الحديث. وكذا قال الحاكم: إن ابن معين قال هذا في هذا الحديث. قال أبو داود: سمعت يحيى بن معين، وقال له الفضل بن سهل الأعرج: يا أبا زكريا، سويد عن مالك، عن الزهري، عن أنس، عن أبي بكر: "أن النبي ﷺ أهدى فرسا لأبي جهل"، فقال يحيى: لو أن عندي فرسا خَرجتُ أغزوه. وقال سلمة في "تاريخه" سويد ثقة ثقة، رَوَى عنه أبو داود. وقال إبراهيم بن أبي طالب: قيل لمسلم: كيف استجزتَ الرواية عن سويد في "الصحيح"؟ فقال: ومن أين كنت آتي بنسخة حفص بن ميسرة؟. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أعدل ما قيل في سويد هذا عندي: ما قاله أبو زرعة: إن كتب صحاح، وأما حفظه فلا يُعتمد عليه؛ لأنه كان يتلقّن، والله تعالى أعلم. قال البخاري: مات سنة أربعين ومائتين أول شوال بالْحَدِيثة، وفيها أَرَّخه البغوي، وقال: وكان قد بلغ مائة سنة. أخرج له مسلم، والمصنّف، وله في هذا الكتاب (٨٥) حديثًا. ٣ - (عَبْدُ الله بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ) الحضرمي مولاهم، أبو محمد الكوفي، صدوقٌ [١٠]. رَوَى عن أَبيه، وعن أبي بكر بن عياش، وعلي بن مسهر، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وعبد الرحيم بن سليمان، ومُعَلَّى بن هلال، ومحمد بن فضيل، وعَبِيدة بن حُمَيد، وشَريك بن عبد الله، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وأبن ماجه، وبَقيّ بن مَخْلَد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله الحضرمي، وعبد الله بن أحمد، ومحمد بن صالح بن ذريح، وأبو بكر بن أبي عاصم، والحسن بن علي المعْمَريّ، وعبدان الأهوازيّ، والحسن بن سفيان، وأبو يعلى، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث. قال محمد بن عبد الله الحضرمي: مات سنة سبع وثلاثين ومائتين. وفي "الزهرة": رَوَى

стр. 408

عنه مسلم حديثين، أو ثلاثة. انتهى. وله في هذا الكتاب (٢١) حديثًا. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى) الْفَزَاريّ، أبو محمد، ويقال: أبو إسحاق الكوفي، نَسِيب السُّدّيّ، أو ابن بنته، أو ابن أخته، صدوقٌ يُخطىء، ورُمي بالرفض [١٠]. رَوَى عن مالك، وإبراهيم بن سعد، وابن أبي الزناد، وابن عيينة، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاري في "كتاب خلق أفعال العباد"، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وابن خزيمة، والساجي، وأبو يعلى، وأبو عروبة، ومُطيَّن، وبَقِيّ بن مخْلَد، وطائفة. قال أبو حاتم: سألته عن قرابته من السُّدّيّ، فأنكر أن يكون ابن ابنته، وإذا قرابته منه بعيدة. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: صدوق. وقال مُطَيَّن: كان صدوقا. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن حبان في "الثقات": يُخطىء (١). وقال عبدان: أَنْكَر علينا أبو بكر بن أبي شيبة، أو هناد بن السري ذهابنا إليه، وقال: ذاك الفاسق يَشتِم السلف. وقال ابن عديّ: وصل عن مالك حديثين، وتفرد عن شريك بأحاديث، وإنما أنكروا عليه الغلو في التشيع. وقال الآجري عن أبي داود: صدوق في الحديث، وكان يتشيع. وجزم البخاري ومسلم في "الكنى"، وابن سعد، والنسائي، وغيرهم بأنه ابن بنت السديّ. والله أعلم. وقال أبو علي الجياني "في رجال أبي داود": وهو ابن أخت السدي. قال البخاري وغيره: مات سنة ٢٤٥. (٢). وله في هذا الكتاب (٢٣) حديثًا. ٥ - (شريك) بن عبد الله النخعي الكوفيّ القاضي بواسط، ثم الكوفة، أبو عبد الله، صدوقٌ يُخطىء كثيرًا، وتغيّر حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا شديدًا على أهل البِدَع [٨] تقدّم في ١/ ١.

стр. 409

٦ - (سماك) -بكسر أوله، وتخفيف الميم- ابن حرب بن أوس بن خالد بن نِزار ابن معاوية بن حارثة الذهلي البكريّ، أبو المغيرة الكوفي، صدوقٌ، وروايته عن عكرمة خاصّةً مضطربةٌ، وقد تغيّر بآخره، فكان ربّما يُلقّن [٤]. رَوَى عن جابر بن سمرة، والنعمان بن بشير، وأنس بن مالك، والضحاك بن قيس، وثعلبة بن الحكم، وعبد الله بن الزبير، وطارق بن شهاب، وإبراهيم النخعي، وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وغيرهم. ورَوى عنه ابنه سعيد، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وداود بن أبي هند، وحماد بن سلمة، وشعبة، والثوري، وشريك، وغيرهم. قال حماد بن سلمة عنه: أدركت ثمانين من الصحابة. وقال عبد الرزاق عن الثوري: ما سقط لسماك حديث. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا نقله الحافظ المزيّ في "تهذيب الكمال"، واعترضه الحافظ، فقال: إنما قال الثوري هذا في سماك بن الفضل اليماني، وأما سماك بن حرب فالمعروف عن الثوري أنه ضعفه (١). والله تعالى أعلم. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: سماك أصح حديثا من عبد الملك بن عمير. وقال أبو طالب عن أحمد: مضطرب الحديث. وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة. قال: وكان شعبة يُضَعِّفه، وكان يقول في التفسير: عكرمة، ولو شئت أن أقول له ابن عباس: لقاله. وقال ابن أبي خيثمة: سمعت ابن معين سُئل عنه، ما الذي عابه؟ قال: أسند أحاديث لم يُسندها غيره، وهو ثقة. وقال ابن عمار: يقولون: إنه كان يَغلَط، ويختلفون في حديثه. وقال العجلي: بكري جائز الحديث، إلا أنه كان في حديث عكرمة ربما وصل الشيء، وكان الثوري يضعفه بعض الضعف، ولم يَرْغَب عنه أحد، وكان فصيحًا، عالما بالشعر وأيام الناس. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، وهو كما قال أحمد. وقال يعقوب بن

стр. 410

شيبة: قلت لابن المديني: رواية سماك عن عكرمة؟ فقال: مضطربة. وقال زكريا بن عدي عن ابن المبارك. سماك ضعيف في الحديث. وقال يعقوب: وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح، وليس من المتثبتين، ومن سمع منه قديمًا، مثل شعبة وسفيان، فحديثهم عنه صحيح مستقيم، والذي قاله ابن المبارك إنما نَرَى أنه فيمن سمع منه بآخره. وقال النسائي: ليس به بأس، وفي حديثه شيء. وقال أيضًا: كان ربما لُقِّن، فإذا انفرد بأصل لم يكن حجة؛ لأنه كان يُلَقَّن فيتلقن. وقال صالح جزرة: يُضَعَّف. وقال ابن خِرَاش: في حديثه لين. وقال ابن حبان في "الثقات": يخطىء كثيرًا، مات في آخر ولاية هشام بن عبد الملك حين ولي يوسف بن عمر على العراق. وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل": سئل أبو زرعة هل سمع سماك من مسروق شيئًا؟ فقال: لا. وقال البزار في "مسنده" كان رجلًا مشهورًا، لا أعلم أحدًا تركه، وكان قد تغير قبل موته. وقال جرير بن عبد الحميد: أتيته فرأيته يبول قائمًا، فرجعت ولم أسأله عن شيء، قلت: قد خَرِفَ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: البول قائمًا لا يكون سببًا لتضعيف الشخص؛ لأنه جائز شرعًا، ولعل جريرًا قام عنده من القرينة ما يدلّ على خَوَف سماك، فتحاشاه لذلك، لا لمجرّد البول قائمًا، فليُتأمّل والله تعالى أعلم. وقال ابن عدي: ولسماك حديث كثير مستقيم -إن شاء الله- وهو من كبار تابعي أهل الكوفة، وأحاديثه حسان، وهو صدوق لا بأس به. وقال ابن قانع: مات سنة ١٢٣. أخرج له البخاري في التعاليق، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٤٤) حديثًا. ٧ - (عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ) الْهُذَليّ الكوفي، ثقة، من صغار [٢]. رَوَى عن أبيه، وعلي بن أبي طالب، والأشعث بن قيس، وأبي بردة بن نيار إن كان محفوظا، ومسروق بن الأجدع. وروى عنه ابناه: القاسم، ومعن، وسماك بن

стр. 411

حرب، والحسن بن سعد، وعباد الملك بن عمير، وأبو إسحاق السبيعي، وغيرهم. قال يعقوب بن شيبة. كان ثقة قليل الحديث، وقد تكلموا في روايته عن أبيه، وكان صغيرا، فأما علي بن المديني فقال: قد لقي أباه. وقال ابن معين: عبد الرحمن وأبو عبيدة لم يسمعا من أبيهما. وقال أحمد بن حنبل عن يحيى بن سعيد: مات عبد الله، وعبد الرحمن ابن ست سنين أو نحوها. وقال أحمد: أما سفيان الثوري وشريك فإنهما يقولان: سمع وأما إسرائيل فإنه يقول في حديث الضب: سمعت. وقال العجلي: يقال: إنه لم يَسمع من أبيه إلا حرفا واحدا: "مُحرم الحلال كمستحل الحرام". وقال، إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة. وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: سمع من أبيه، ومن علي. وقال أبو حاتم: صالح. ورَوَى البخاري في "التاريخ الصغير" بإسناد لا بأس به، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه قال: لما حضر عبد الله الوفاةُ قال له ابنه عبد الرحمن: يا أبت أوصني، قال: ابك من خطيئتك. ورَوَى البخاري في "التاريخ الكبير"، وفي"الأوسط" من طريق ابن خُثَيم عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه قال: إني مع أبي ... فذكر الحديث في تأخير الصلاة، وزاد في"الأوسط": قال شعبة: لم يسمع من أبيه، وحديث ابن خثيم أولى عندي. وقال ابن المديني في "العلل": سمع من أبيه حديثين: حديث الضب، وحديث تأخير الوليد للصلاة. وقال العجلي: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وأسند حديثه: "مُحِّرم الحلال ... " من طريق سماك عنه. وقال أبو حاتم: سمع من أبيه، وهو ثقة. وقال الحاكم: اتفق مشايخ أهل الحديث أنه لم يسمع من أبيه. انتهى. قال الحافظ: وهو نقلٌ غير مستقيم. وقال خليفة بن خياط: مات مَقْدَمَ الحجاج العراق سنة ٧٩. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تلخّص مما سبق أن الراجح أنه سمع من أبيه، والله تعالى أعلم. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط.

стр. 412

٨ - (أبوه) عبد الله بن مسعود الصحابيّ الشهير ﵁، تقدّم في ٢/ ١٩. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله موثقون. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ (مَنْ) شرطيّة (كَذَبَ عليّ) بفتح الذال المعجمة، يقال: كَذَب يَكْذِب من باب ضرب، كَذِبًا بفتح، فكسر، ويجوز التخفيف بكسر الكاف (١) مع سكون الذال. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى في "المفهم": الكذب لغة هو الخبر عن الشيء على خلاف ما هو به، غير أن المحرّم شرعًا المستقبح عادةً هو العمد المقصود إلا ما استثني على ما يأتي، ويقال: كذب بمعنى أخطأ، وأصل الكذب في الماضي، ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]، ويقال: كذب الرجل بفتح العين (٢) يكذب بكسرها كِذْبًا بكسر الكاف، وسكون الذال، وكَذِبًا بفتح الكاف، وكسر الذال، فأما كِذَّابٌ المشدّدُ، فأحد مصادر كذّب بالتشديد. انتهى كلام القرطبيّ (٣). وقال النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه": وأما الكذب فهو عند المتكلّمين من أصحابنا الإخبارُ عن الشيء على خلاف ما هو، عمدًا كان أو سهوًا، هذا مذهب أهل

стр. 413

السنّة. وقالت المعتزلة: شرطه العمدية، ودليل خطاب هذه الأحاديث لنا، فإنه ﷺ قيّده بالعمد لكونه قد يكون عمدًا، وقد يكون سهوًا، مع أن الإجماع، والنصوص المشهورة في الكتاب والسنّة متوافقة متظاهرة على أنه لا إثم على الناسي والغالط، فلو أطلق ﷺ الكذب لتُوهّم أنه يأثم الناسي أيضًا، فقيّده، وأما الروايات المطلقة فمحمولة على المقيّدة بالعمد. والله تعالى أعلم. انتهى (١). (مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتبَوَّأْ) أي فليتّخذ (مَقْعَدَهُ) بفتح الميم، وسكون القاف، وفتح العين المهملة: أي محلّ قعوده، والمراد منزله (مِنَ النَّارِ) بيان لمعقده، متعلّق بحال محذوف: أي حال كون ذلك المقعد كائنًا من النار. وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "فليتبوّأ الخ": أي ليتّخذ فيها منزلًا، فإنها مقرّه، ومسكنه، يقال: تبوّأت منزلًا: أي اتّخذته، ونزلته، وبوّأت الرجل منزلًا: أي هيّأته له، ومصدره باءة، ومباءة، وهذه صيغة أمر، والمراد بها التهديد، والوعيد. وقيل: معناها الدعاء: أي بوّأه الله ذلك. وقيل: معناها الإخبار بوقوع العذاب به في نار جهنّم، وكذلك القول في حديث عليّ ﵁ الذي قال فيه: "يلج النار". وقد روى أبو بكر البزّار هذا الحديث، وزاد: ليُضلّ به"، وقد اغترّ بهذه الزيادة ممن يقصد الخير، ولا يعرفه، فظنّ أن هذا الوعيد إنما يتناول من قصد الإضلال بالكذب على رسول الله ﷺ ، فأما من قصد الترغيب في الأعمال الصالحة، وتقوية مذاهب أهل السنّة، فلا يتناوله، فوضع الأحاديث لذلك، وهذه جهالة؛ لأن هذه الزيادة تُروى عن الأعمش، ولا تصحّ عنه، وليست معروفة عند نَقَلَة ذلك الحديث مع شهرته، وقد رواها أبو عبد الله الحاكم المعروف بابن الْبَيّع من طرق كثيرة، وقال: إنها واهية، لا يصحّ منها شيء. ولو صحّت لما كان لها دليل خطاب، وإنما تكون تأكيدًا لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾

стр. 414

[الأنعام: ١٤٤]، وافتراء الكذب علي الله محرّم مطلقًا، قُصد به الإضلال، أو لم يُقصد. قاله الطحاويّ. ولأن وضعَ الخبر الذي يُقصد به الترغيب كذب على الله تعالى في وضع الأحكام، فإن المندوب قسم من أقسام الأحكام الشرعيّة، وإخبار عن أن الله تعالى وَعَدَ على ذلك العمل بذلك الثواب، فكلّ ذلك كذبٌ، وافتراء على الله تعالى، فيتناوله عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ١٤٤]. وقد استجاز بعض فقهاء العراق نسبةَ الحكم الذي دلّ عليه القياس إلى رسول الله ﷺ نسبة قوليّة، وحكاية نقليّةً، فيقول في ذلك: قال رسول الله ﷺ كذا وكذا، ولذلك ترى كتبهم مشحونةً بأحاديث مرفوعة، تشهد متونها بأنها موضوعة؟ لأنها تُشبه فتاوى الفقهاء، ولا تَليق بجزالة سيد الأنبياء ﷺ مع أنهم لا يُقيمون لها صحيح سند، ولا يُسندونها من أئمة النقل إلى كبير أحد، فهؤلاء قد خالفوا ذلك النهي الأكيد، وشملهم ذلك الذمّ والوعيد، ولا شكّ في أن تكذيب رسول الله ﷺ كفرٌ، وأما الكذب عليه، فإن كان ذلك الكاذب مستحلّا لذلك، فهو كافر، وإن كان غير مستحلّ، فهو مرتكب كبيرة، وهل يَكفُرُ أم لا؟ اختُلف فيه، انتهى كلام القرطبيّ. رحمه الله تعالى. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن مسعود ﵁ هذا صحيحٌ. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده شريك بن عبد الله النخعي، وقد تكلّموا فيه -كما سبق بيانه في ترجمته-؟. [قلت]: لم ينفرد شريك به، بل تابعه عليه غيره، فقد أخرجه الحميديّ في

стр. 415

"مسنده" رقم (٨٨)، والترمذيّ رقم (٢٦٥٨) من طريق سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه ﵁، وأيضًا فمتن الحديث متواترٌ كما سيأتي بيان ذلك قريبًا -إن شاء الله تعالى-. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان موضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه (المصنف) هنا (٤/ ٣٠) بالسند المذكور، وأخرجه (أبو داود) (٥١١٨) عن محمد بن بشار، عن أبي عامر العقديّ، عن سفيان الثوريّ- و (الترمذيّ) (٢٢٥٧) عن محمود بن غيلان، عن أبي داود الطيالسيّ، عن شعبة- و (النسائيّ) في "الكبرى" (١) عن عمرو بن عليّ الفلّاس، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو، عن سفيان- كلهم سماك ابن حرب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه. وأخرجه (أحمد) ١/ ٣٨٩ و ٣٩٣ و٤٠١ و ٤٣٦ و٤٤٩، وابن أبي شيبة في "مصنّفه" ٨/ ٧٥٩ والطحاويّ ١/ ٢١٣. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو التغليظ في تعمّد الكذب على رسول الله ﷺ ، وأنه فاحشة عظيمة، وموبقة كبيرة، واختُلف هل يكفر به أم لا؟ وسيأتي تحقيق القول في ذلك، إن شاء الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن فيه تثبيت القاعدة السابقة، وهي أن الكذب يتناول إخبار العامد والساهي عن الشيء بخلاف ما هو، وأن الوعيد إنما يتعلق بالعمد فقط. ٣ - (ومنها): أنه لا فرق في تحريم الكذب عليه ﷺ بين ما كان في الأحكام، وما كان في غير الأحكام، كالترغيب، والترهيب، والمواعظ، وغير ذلك، فكلّه حرام من أكبر الكبائر، وأقبح القبائح بإجماع المسلمين الذين يُعتد بهم في الإجماع، وخالف في ذلك الكرّاميّة الطائفة المبتدعة في زعمهم الباطل أنه يجوز وضع الحديث في الترغيب

стр. 416

والترهيب، وسيأتي تفنيد هذا الزعم الباطل قريبًا، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان عِظَم هذا الحديث، وقوّة درجته: (اعلم): أن هذا الحديث حديث عظيم في نهاية من الصحّة، وقيل: إنه متواتر، ذكر أبو بكر البزار في "مسنده" أنه رواه عن النبي ﷺ نحو من أربعين نفسا من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وحكى الإمام أبو بكر الصيرفي في "شرحه لرسالة الشافعيّ" رحمهما الله أنه رُوي عن أكثر من ستين صحابيا مرفوعا. وذكر أبو القاسم عبد الرحمن بن منده عدد من رواه، فبلغ بهم سبعة وثمانين، ثم قال: وغيرهم. وذكر بعض الحفاظ أنه رُوي عن اثنين وستين صحابيا، وفيهم العشرة المشهود لهم بالجنة، قال: ولا يُعرف حديث اجتمع على روايته العشرة إلا هذا، ولا حديث يُروَى عن أكثر من ستين صحابيا إلا هذا، وقال بعضهم: رواه مائتان من الصحابة، ثم لم يزل في ازدياد. وقد اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في "صحيحهما" من حديث عليّ، والزبير، وأنس، وأبي هريرة، وغيرهم رضي الله تعالى عنهم، وأما إيراد أبي عبد الله الحميدى صاحب "الجمع بين الصحيحين" حديث أنس ﵁ في أفراد مسلم فليس بصواب، فقد اتفقا عليه. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "ولا يُعرف حديث اجتمع عليه العشرة الخ" هذا فيه نظر، فقد ردّه جماعة من العلماء، منهم الحافظ العراقيّ، قال: وليس كذلك، فقد ذكر الحاكم والبيهقيّ أن حديث رفع اليدين في الصلاة رواه العشرة، وقالا: ليس حديثٌ رواه العشرة غيره، وذكر أبو القاسم بن منده أن حديث المسح على الخفّين رواه العشرة أيضًا. وإلى هذا أشرت في نظمي "الجليس الأمين" بقولي: وَمَن يَقُلْ مَا اجْتَمَعَ الْعَشَرَةُ ... إِلَّا عَلَى ذَا رَدَّهُ جَمَاعَةُ إِذْ عَنْهُمُ رَفْعُ الْيَدَيْنِ وَارِدُ ... كَذَاكَ مَسْحُ الخُفِّ خُذْ يَا رَاشِدُ وقوله: "رواه مائتان" تعقّبه الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى، وقال: وأنا أستبعد

стр. 417

وقوع ذلك. وقال الحافظ السخاويّ رحمه الله تعالى: ولعله سبق قلم من مائة. قال العراقيّ: وليس التواتر في هذا المتن بعينه، وإنما هو في مطلق الكذب، والخاصّ بهذا المتن رواية بضعة وسبعين صحابيّا، ثم ساقهم، فقال: العشرة المشهود لهم بالجنة، أسامة (قا)، أنس بن مالك (خ م)، أوس بن أوس (طب)، البراء بن عازب (طب)، بريدة (عد)، جابر بن حابس، (مع) جابر بن عبد الله (م)، حذيفة بن أسد (طب)، حذيفة بن اليمان (طب)، خالد بن عرفُطَة (حم)، رافع بن خديج (طب)، زيد ابن أرقم (حم)، زيد بن ثابت (خل)، السائب بن يزيد (طب)، سعد بن المدحاس (خل)، سفينة (عد)، سليمان بن خالد الخزاعي (قط)، سلمان الفارسي (قط)، سلمة بن الأكوع (خ)، صهيب بن سنان (طب)، عبد الله بن أبي أوفى (قا)، عبد الله بن زغب (نع)، ابن الزبير (قط)، ابن عباس (طب)، ابن عمر (حم)، ابن عمرو (خ)، ابن مسعود (ت ن)، عتبة بن غزوان (طب)، الْعُرْس بن عَمِيرة (طب)، عفان بن حبيب (ك)، عقبة بن عامر (حم)، عمار بن ياسر (طب)، عمران بن حصين (ن)، عمرو بن حريث (طب)، عمرو بن عبسة (طب)، عمرو بن عوف (طب)، عمرو بن مرّة الجهني (طب)، قيس بن سعد بن عبادة (حم)، كعب بن قطبة (خل)، معاذ بن جبل (طب)، معاوية بن حيدة (خل)، معاوية بن أبي سفيان (حم)، المغيرة بن شعبة (نع)، المنقع التميمي (خل)، نبيط بن شريط (طب)، واثلة ابن الأسقع (عد)، يزيد بن أسد (قط)، يعلى بن مرة (مي)، أبو أمامة (طب)، أبو الحمراء (طب)، أبو ذر (قط)، أبو رمثة (قط)، أبو سعيد الخدري (حم)، أبو قتادة (هـ)، أبو قرصافة (عد)، أبو كبشة الأنماري (خل)، أبو موسى الأشعري (طب)، أبو موسى الغافقي (حم)، أبو ميمون الكردي (طب)، أبو هريرة (هـ)، والدأبي العشراء الدارمي (خل)، والدأبي مالك الأشجعي (بز)، عائشة (قط)، أم أيمن (قط). قال: وقد أعلمت على كل واحد رمز من أخرج حديثه من الأئمة "حم" لأحمد في "مسنده"، و"طب" للطبراني و"قط" للدارقطني، و"عد" لابن عدي في "الكامل"،

стр. 418

و"بز" لمسند البزار، و"قا" لابن قانع في "معجمه"، و"خل" للحافظ يوسف بن خليل في كتابه الذي جمع فيه طرق هذا الحديث، و"نع" لأبي نعيم، و"مي" لمسند الدارمي، و"ك" لمستدرك الحاكم، و"ت" للترمذي، و"ن" للنسائي، و"خ م " للبخاري ومسلم. انتهى. وقد ذكر ابن الجوزيّ رحمه الله تعالى أنه روي عن ثمانية وتسعين من الصحابة، وقد نظمت ما قاله ابن الجوزيّ في كتابي "تذكرة الطالبين"، فقلت: وَقَدْ تَوَاتَرَ حَدِيثُ مَنْ كَذَبْ ... عَنْ عِدَّةٍ مِنَ الصِّحَابِ تُنْتَخَبْ وَوَلَدُ الجوْزِيِّ عَنْ تِسْعِينَ جَا ... مَعَ الثَّمانِيَةِ نِعْمَ مَنْهَجَا فَمِنْهُمُ الْعَشَرَةُ الْبَرَرَةُ ... وَنَجْلُ مَسْعُودٍ صُهَيْبٌ عُقْبَةُ سَلْمَانُ وَالمِقْدَادُ وَابْنُ عُمَر ... عَمْرُو بْنُ عَبْسَةَ وَعُتْبَةُ السَّرِي عُتْبَةُ عَمَّارٌ مُعَاذٌ جُنْدَبُ ... أَبُو قَتَادَةَ أُبَيٌّ يَصْحَبُ وَابْنُ الْيَمانِ جَابرُ (١) بْنُ سَمُرَهْ ... وَجَابِرُ بْنُ عَابِسٍ قَدْ ذَكَرَهْ وَابْنُ أُسَيْدٍ وَابْنُ عَمْرٍ وَالْبَرَا ... أَبُو هُرَيْرَةَ وَعِمْرَانُ يُرَى وَرَافِعٌ سَفِينَةٌ مُغِيرَةُ ... زَيْدٌ وَزَيْدٌ (٢) أَنَسٌ سَلَمَةُ أَبُو سَعِيدٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ كَذَا ... عَمْرٌو وَسَائِبٌ أسَامَةُ احْتَذَا وَنَجْلُ حَيْدَةَ وَنَجْلُ صَخْرِ ... عَمْرٌو وَجَهْجَاهٌ بُرَيْدَةُ ادْرِ وَجُنْدَعٌ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَاثِلَهْ ... كَذَا أَبُو كَبْشَةَ قَيْسٌ نَافِلَهْ وَابْنُ أَبِي أَوْفَى وَعَمْرٌو أَوْسُ ... أَبُو أُمَامَةَ وَسَعْدٌ عُرْسُ وَالأَشعَرِي وَالْغَافِقِي وَالخطْمِي ... كَذَا أَبُو رَافِعِهِمْ وَالتَّيْمِي

стр. 419

جَنْدَرَةٌ وَخَالِدٌ وَطَارِقٌ ... عَمْرٌ وَكَعْبٌ وَنُبَيْطٌ لَاحِقُ يَعْلَى وَمُرَّةُ كَذَا نَجْلُ صُرَدْ ... عَفَّانُ عَبْدُ الله نِعْمَ المُسْتَنَدْ يَزِيدُ وَالمُنْقَعُ وَابْنُ خَالِدِ ... وَابْنُ جَرَادٍ ثُمَّ الازْدِي يَقْتَدِي وَرَجُلٌ مِنْ أَسْلَمِ مَعْ آخَرَا ... قَدْ صَحِبَا النَّبِيَّ نِعْمَ مَتْجَرَا عَائِشَةٌ وَحَفْصَةٌ قَدْ رَوَتَا ... لأُمِّ أَيْمَنَ كَذَاكَ ثَبَتَا وَوَلَدُ الجوْزِيِّ قَدْ أَسْنَدَ مَا ... لِهُؤلاءِ مِنْ أَحَادِيثَ انْتَمَى وَقَالَ قَدْ رَوَاهُ أَيْضًا مَالِكُ ... سَهْلٌ مُعَاذٌ وَحَبِيبٌ سَالِكُ كَذَا أَبُو بَكْرَةَ سَهْلٌ سَبْرَةُ ... كَذَا أَبُو هِنْدٍ رَوَى وَخَوْلَةُ النَّوَوِي عَنْ مِائَتَيْنِ وَارِدُ ... عَبْدُ الرَّحِيمِ قَالَ ذَا مُسْتَبْعَدُ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في حكم الكذب في حديث رسول الله ﷺ : (اعلم): أن الكذب عليه ﷺ حرام بالإجماع مطلقًا (١)، وأنه فاحشة عظيمة، وموبقة كبيرة، ولكن لا يكفر بهذا الكذب، إلا أن يستحله، هذا هو المشهور من مذاهب العلماء من الطوائف، وقال الشيخ أبو محمد الجويني، والد إمام الحرمين أبي المعالى، من أئمة الشافعية يكفر بتعمد الكذب عليه ﷺ ، حكى إمام الحرمين عن والده هذا المذهب، وأنه كان يقول في درسه كثيرا: من كَذَب على رسول الله ﷺ عمدا كفر، وأريق دمه، وضعف إمام الحرمين هذا القول، وقال: إنه لم يره لأحد من الأصحاب، وإنه هفوة عظيمة، والصواب ما قدمناه عن الجمهور. ذكره النوويّ في "شرحه" لهذا الكتاب (٢). وقال الإمام النوويّ أيضًا: لا فرق في تحريم الكذب عليه ﷺ بين ما كان في الأحكام، وما لا حكم فيه، كالترغيب والترهيب، والمواعظ، وغير ذلك، فكله حرام

стр. 420

من أكبر الكبائر، وأقبح القبائح بإجماع المسلمين، الذين يُعتَدُّ بهم في الإجماع، خلافا للكرامية الطائفة المبتدعة، في زعمهم الباطل أنه يجوز وضع الحديث في الترغيب والترهيب، وتابعهم على هذا كثيرون من الجهلة، الذين ينسبون أنفسهم إلى الزهد، أو ينسبهم جهلة مثلهم، وشُبهةُ زعمهم الباطل أنه جاء في رواية: "من كذب عليّ متعمدا -ليضل به الناس- فليتبوأ مقعده من النار"، وزعم بعضهم أن هذا كَذِبٌ له ﵊، لا كذب عليه، وهذا الذي انتحلوه، وفعلوه واستدلوا به غاية الجهالة، ونهاية الغفلة، وأدل الدلائل على بُعْدِهم من معرفة شيء من قواعد الشرع، وقد جمعوا فيه جُمَلًا من الأغاليط اللائقة بعقولهم السخيفة، وأذهانهم البعيدة الفاسدة، فخالفوا قول الله : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] وخالفوا صريح هذه الأحاديث المتواترة، والأحاديث الصريحة المشهورة في إعظام شهادة الزور، وخالفوا إجماع أهل الْحَلّ والْعَقْد، وغير ذلك من الدلائل القطعيات، في تحريم الكذب على آحاد الناس، فكيف بمن قوله شرعٌ، وكلامه وَحْيٌ، وإذا نُظِر في قولهم وُجِد كذبا على الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]. ومن أعجب الأشياء قولهم: هذا كذب له، وهذا جهل منهم بلسان العرب، وخطاب الشرع، فإن كل ذلك عندهم كذب عليه. وأما الحديث الذي تعلقوا به، فأجاب العلماء عنه بأجوبة: أحسنها، وأخصرها، أن قوله: "ليضل الناس" زيادة باطلة، اتفق الحفاظ على إبطالها، وأنها لا تعرف صحيحة بحال. الثاني: جواب أبي جعفر الطحاوى أنها لو صحت لكانت للتأكيد، كقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ﴾ [الأنعام: ١٤٤]. الثالث: أن اللام في "ليضل" ليست لام التعليل، بل هي لام الصيرورة والعاقبة، معناه أن عاقبة كذبه، ومصيره إلى الإضلال به، كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ

стр. 421

آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، ونظائره في القرآن، وكلام العرب أكثر من أن يُحصَر، وعلى هذا يكون معناه: فقد يصير أمر كذبه إضلالًا. وعلى الجملة مذهبهم أَرَكّ من أن يُعتنَى بإيراده، وأبعد من أن يُهتَمَّ بإبعاده، وأفسدُ من أن يُحتاج إلى إفساده. قاله النوويّ رحمه الله تعالى (١). وقال العلّامة ابن عراق رحمه الله تعالى: أجمع المسلمون -كما قال النوويّ رحمه الله تعالى- الذين يُعتد بهم على تحريم تعمّد الكذب على رسول الله ﷺ ، وعلى أنه من الكبائر؛ لخبر: "من كذب عليّ، متعمّدًا، فليتبوّأ مقعده من النار"، بل بالغ الشيخ أبو محمد الجوينيّ، فكفّر به. ونقل الحافظ ابن كثير عن أبي الفضل الهمدانيّ، شيخ ابن عقيل من الحنابلة أنه وافق الجوينيّ على هذه المقالة. وقال الحافظ الذهبيّ في "كتاب الكبائر" له: ولا ريب أن تعمّد الكذب على الله تعالى، وعلى رسول الله ﷺ في تحريم حلال، أو تحليل حرام كفر محض، وإنما الشأن في الكذب عليهما فيما سوى ذلك. والله تعالى أعلم. وقد جَوّزت الكرّاميّة، وبعض المتصوّفة، كما قال الحافظ ابن حجر الكذب، قال الغزاليّ: وهذا من نزغات الشيطان، ففي الصدق مندوحة عن الكذب، وفيما ذكر الله تعالى، ورسوله ﷺ غُنية عن الاختراع في الوعظ. وقد أولوا حديث: "من كذب عليّ، متعمدًا الخ" بتأويلات باطلة: [أحدها]: أن ذلك إنما ورد في رجل معيّن، ذهب إلى قوم، وادّعى أنه رسول رسول الله ﷺ إليهم، يحكم في دمائهم، وأموالهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فأمر بقتله، وقال: "من كذب عليّ ... " الحديث (٢).

стр. 422

[الثاني]: أنه في حقّ من كذب عليه يقصد به عيبه، أو شين الإسلام، وتعلّقوا في ذلك بما روي عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من كذب عليّ، متعمّدًا، فليتبوّأ مقعده بين عيني جهنم"، قال: فشقّ ذلك على أصحابه، حتى عرف في وجوههم، وقالوا: يا رسول الله، قلت هذا، ونحن نسمع منك الحديث، فنزيد، وننقص، ونقدّم، ونؤخّر، فقال: لم أعنِ ذلك، ولكن عنَيتُ من كذب عليّ، يريد عيبي، وشين الإسلام. [الثالث]: أنه إذا كان الكذب في الترغيب والترهيب، فإنه كذب للنبيّ ﷺ ، لا عليه. [الرابع]: أنه ورد في بعض طرق الحديث: "من كذب عليّ متعمّدًا؛ ليضلّ به الناس، فليتبوّأ مقعده من النار"، فتُحمل الروايات المطلقة عليه. [والجواب عن هذه الشُّبَه ما يلي]: أما شبهتهم الأولى، فجوابها أن السبب المذكور لم يثبت إسناده، وبتقدير ثبوته، فإن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. وأما الشبهة الثانية: فجوابها أن الحديث باطل، كما قاله الحاكم، ففي إسناده محمد ابن الفضل بن عطيّة، اتّفقوا على تكذيبه، وقال صالح جزرة: كان يضع الحديث. وأما الشبهة الثالثة: فجوابها أنه كذب عليه في وضع الأحكام، فإن المندوب قسم

стр. 423

منها، وفيه الإخبار عن الله في الوعد على ذلك العمل بذلك الثواب. وأما الشبهة الرابعة: فجوابها أن أئمة الحديث اتّفقوا على أن زيادة: "ليضلّ به الناس" ضعيفة، وبتقدير صحتها لا تعلّق لهم بها؛ لأن اللام في قوله: "ليضلّ" لام العاقبة، لا لام التعليل، أو هي للتأكيد، ولا مفهوم لها، وعلى هذين الوجهين خُرّج قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٤] الآية؛ لأن افتراء الكذب على الله تعالى محرّم مطلقًا، سواء قُصد به الإضلال أم لا. انتهى كلام ابن عراق رحمه الله تعالى (١). وإلى هذا كلّه أشرت في منظومتي "تذكرة الطالبين"، فقلت: وَرَابِعُ الأَصْنَافِ قَوْمٌ نُسِبُوا ... للِزُّهْدِ جَاهِلِينَ ذَاكَ ارْتَكَبُوا قَدْ وَضَعُوا الحدِيثَ في التَّرغيبِ ... لِلنَّاسِ في الخيْرِ وَللتَّرْهِيبِ وَمَنْ يَرَى جَوَازَ ذَا فَإِنَّهُ ... قَدْ غَرَّهُ الشَّيْطَانُ مُرْدِيًا فَانْبِذَنَّهُ لأَنَّ في السُّنَّةِ وَالْكِتَابِ ... غِنًى عَنِ اخْتِلاقِ ذَا الْكَذَّابِ وَخَالَفْوا إِجْمَاعَ أَهْلِ المْلَّةِ ... في حُرْمَةِ الْكِذْبِ عَلَى ذِي السُّنَّةِ وَأَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ الَّتِي ... تُرْدِي بِأَهْلِهَا إِلَى الهاوِيَةِ وَبَالَغَ الشَّيخُ أَبُو مُحَمِّدِ ... مُكَفِّرًا بِهِ لِهَذَ المُعْتَدِي وَالهمَذَانِيُّ لَهُ مُوَافِقُ ... وَالذَّهَبِيُّ لهُمَا يُرَافِقُ إِنْ حَرَّمَ الحلَالَ أَوْ بِضِدِّهِ ... وَإِنَّمَا الشَّأْنُ يِجِي في غَيْرهِ وَمَنْ يَقُلْ مُؤِّلًا لـ "مَنْ كَذَبْ" ... في رَجُلٍ مُعَيَّنٍ فَقَدْ كَذَبْ أَوْ حَقِّ مَنْ قَدِ افتَرَى يَقْصِدُ بِهْ ... عَيبًا لَهُ أَوْ شَيْنَ الإسْلَامِ النَّبِهْ فَكُلُّ مَا قَالُوهُ فَهْوَ بَاطلُ ... وَلَوْ تُرَى صِحَّته يُؤَوَّلُ

стр. 424

والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في قبول توبة من كذب في حديث النبيّ ﷺ : (اعلم): أن من كذب على رسول الله ﷺ عمدا في حديث واحد فَسَقَ، ورُدّت رواياته كلها، وبطل الاحتجاج بجميعها، فلو تاب، وحسنت توبته، فقد قال جماعة من العلماء منهم: أحمد بن حنبل، وأبو بكر الحميدي، شيخ البخاري، وصاحب الشافعي، وأبو بكر الصيرفي من فقهاء الشافعية، وأصحاب الوجوه منهم، ومتقدميهم في الأصول والفروع: لا تؤثر توبته في ذلك، ولا تُقبل روايته أبدا، بل يُحتم جرحه دائما، وأطلق الصيرفي، وقال: كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه لم نعد لقبوله بتوبة تظهر، ومن ضعفنا نقله لم نجعله قويا بعد ذلك، قال: وذلك مما افترقت فيه الرواية والشهادة. ولم أر دليلا لمذهب هؤلاء، ويجوز أن يوجه بأن ذلك جعل تغليظا، وزجرا بليغا عن الكذب عليه ﷺ ؛ لعظم مفسدته، فإنه يصير شرعا مستمرا إلى يوم القيامة، بخلاف الكذب على غيره والشهادة، فإن مفسدتهما قاصرة، ليست عامة. قال النوويّ رحمه الله تعالى: وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة ضعيف، مخالف للقواعد الشرعية، والمختار القطع بصحته توبته في هذا، وقبول رواياته بعدها، إذا صحت توبته بشروطها المعروفة، وهي: الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على أن لا يعود إليها، فهذا هو الجاري على قواعد الشرع، وقد أجمعوا على صحة رواية من كان كافرا فأسلم، وأكثر الصحابة كانوا بهذه الصفة، وأجمعوا على قبول شهادته، ولا فرق بين الشهادة والرواية في هذا. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الكتاب. وقال في "التدريب شرح التقريب" ١/ ٣٣٠: تقبل رواية التائب من الفسق، ومن الكذب في غير الحديث النبوي، كشهادته؛ للآيات، والأحاديث الدالة على ذلك، إلا الكذب في أحاديث رسول الله ﷺ ، فلا تقبل رواية التائب منه أبدا، وإن حسنت

стр. 425

طريقته، كذا قاله أحمد بن حنبل، وأبو بكر الحميدي شيخ البخاري، وأبو بكر الصيرفي الشافعي، بل قال الصيرفي، زيادة على ذلك في "شرح الرسالة": كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه، لم نَعُد لقبوله بتوبة تظهر، ومن ضعفناه لم نُقَوِّهَ بعده، بخلاف الشهادة، قال النوويّ: ويجوز أن يُوَجَّهَ بأن ذلك جُعِل تغليظا عليه، وزجرا بليغا عن الكذب عليه ﷺ ؛ لِعِظَم مفسدته، فإنه يصير شرعا مستمرا إلى يوم القيامة، بخلاف الكذب على غيره، والشهادةِ، فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة. وقال أبو المظفر السمعاني: مَنْ كَذَبَ في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه، قال ابن الصلاح: وهذا يضاهي من حيث المعنى ما ذكره الصيرفي، قال النوويّ: هذا كله مخالف لقاعدة مذهبنا، ومذهب غيرنا، ولا نُقَوِّى الفرقَ بينه وبين الشهادة، وكذا قال في شرح مسلم: المختار القطع بصحة توبته، وقبول روايته كشهادته، كالكافر إذا أسلم. قال السيوطيّ: وأنا أقول: إن كانت الإشارة في قوله: "هذا كله" لقول أحمد، والصيرفي، والسمعاني، فلا -والله- ما هو بمخالف، ولا بعيد، والحق ما قاله الإمام أحمد؛ تغليظا وزجرا، وإن كانت لقول الصيرفي بناءً على أن قوله: "بكذب" عامٌّ في الكذب في الحديث وغيره، فقد أجاب عنه العراقي بأن مراد الصيرفي ما قاله أحمد، أي في الحديث، لا مطلقا، بدليل قوله: "من أهل النقل"، وتقييده بالمحدِّث في قوله أيضا في "شرح الرسالة": وليس يُطعَن على المحدث، إلا أن يقول: تعمدت الكذب، فهو كاذب في الأول، ولا يقبل خبره بعد ذلك. انتهى. وقولُهُ: ومن ضعفناه، أي بالكذب، فانتظم مع قول أحمد. وقد وجدتُّ في الفقه فرعين يشهدان لما قاله الصيرفي والسمعاني، فذكروا في "باب اللعان" أن الزاني إذا تاب، وحسنت توبته لا يعود محصنا، ولا يُحَدُّ قاذفه بعد ذلك؛ لبقاء ثلمة عرضه، فهذا نظير أن الكاذب لا يقبل خبره أبدا، وذكروا أنه لو قُذِفَ، ثم زنى بعد القذف قبل أن يُحَدَّ القاذف لم يُحَدّ؛ لأن الله تعالى أجرى العادة أنه لا يَفضَح أحدا من أول مرة، فالظاهر تقدُّمُ زناه قبل ذلك، فلم يحد له القاذف، وكذلك نقول
следующие страницы →