يُعْرَف ذلك في وجهه، وكأنه نَذِير قوم يُصَبِّحهم الأمر غدوةً، وكان إذا كان حديث عهد بجبرائيل لم يتبسم ضاحكًا، حتى يرتفع عنه. وأخرج الطبراني والبزار من حديث جابر ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا أتاه الوحيُ، أو وَعَظَ قلتُ: نذير قوم أتاهم العذاب، فإذا ذهب عنه ذلك رأيته أطلق الناس وجهًا، وأكثرهم ضحكًا، وأحسنهم بِشْرًا ﷺ (١).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): قوله: "فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مُوَدِّع فأوصنا" يدل على أنه ﷺ كان قد أبلغ في تلك الموعظة ما لم يُبْلِغ في غيرها، فلذلك فَهِمُوا أنها موعظة مُوَدِّع، فإن المُوَدِّع يَستقصِي ما لا يَستقصي غيره في القول والفعل، ولذلك أمر النبي ﷺ أن يصلي صلاة مودع (٢)؛ لأنه مَن استشعر أنه مُوَدِّع بصلاته أتقنها على أكمل وجوهها، وربما كان قد وقع منه ﷺ تعريض في تلك الخطبة بالتوديع، كما عَرَّض بذلك في خطبته في حجة الوداع، وقال: "لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا"، وطَفِقَ يُوَدِّع الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع، ولمّا رجع من حجه إلى المدينة جمع الناس بماء بين مكة والمدينة، يُسَمَّى "خُمّا"، وخطبهم وقال: "يا أيها الناس إنما أنا بشر مثلكم، يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيبه"، ثم حَضَّ على التمسك بكتاب الله، ووَصَّى بأهل بيته خيرًا، أخرجه مسلم. وفي "الصحيحين"، ولفظه لمسلم عن عقبة بن عامر ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ على قتلى أُحُد، ثم صَعِدَ المنبر كالمُوَدِّع للأحياء والأموات، فقال: "إني فَرَطُكُم على الحوض، فإن عَرْضه كما بين أَيْلَة إلى الْجُحْفة، وإني لست أخشى عليكم أن تُشركوا بعدي، ولكن أخشى عليكم الدنيا تتنافسوا فيها، فتقتتلون فتهلكوا كما هلك
стр. 527
من كان قبلكم"، قال عقبة ﵁: فكان آخر ما رأيت رسول الله ﷺ على المنبر. وأخرج الإمام أحمد، ولفظه: صَلَّى رسول الله ﷺ على قتلى أحد بعد ثمان سنين، كالمودع للأحياء والأموات، ثم طَلَعَ المنبر، فقال: "أيها الناس إني فَرَطُكم، وأنا شهيد عليكم، وإِنَّ مَوْعِدكم الحوض، وإني لأنظر إليه، ولست أخشى عليكم الفقر، ولكن الدينا أن تنافسوها". وأخرج الإمام أحمد أيضا عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا كالمُوَدِّع، فقال: "أنا محمدٌ النبي الأمي" -قال ذلك ثلاث مرات- "ولا نبي بعدي، أوتيت فَوَاتح الكلم، وخواتمه، وجوامعه، وعلمتُ كم خزنة النار وحملة العرش؟ وتجَوَّزَ لي ربي، وعُوفيتْ أمتي، فاسمعوا وأطيعوا ما دُمتُ فيكم، فإذا ذُهِب بي فعليكم بكتاب الله، أَحِلُّوا حلاله، وحرموا حرامه".
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: فلعل في الخطبة التي أشار إليها العرباض ابن سارية ﵁ في حديثه كانت بعض هذه الْخُطَبِ، أو شبيه بها مِمّا يُشعر بالتوديع (١).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): أن قوله ﷺ : "عليكم بتقوى الله والسمع والطاعة"، ولفظ أبي داود: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة" متضمّنٌ لأمرين مهمّين جدًّا، قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: هاتان الكلمتان تجمعان سعادة الدنيا والآخرة.
أما التقوى فهي كافلة سعادة الدنيا والآخرة لمن تمسك بها، وهي وصية الله للأولين والآخرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]. وسيأتي تفسيرها، وشرح معناها مفصّلًا في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-.
وأما الطاعة لولاة أمور المسلمين، ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معاشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم، وطاعة ربهم، كما قال علي بن أبي طالب
стр. 528
-﵁: إن الناس لا يُصلحهم إلا إِمامٌ بَرٌّ أو فاجرٌ، إن كان فاجرًا عبد المؤمن فيه ربه، وحَمَل الفاجر فيها إلى أجله. وقال الحسن في الأمراء: هم يَلُون من أمورنا خمسًا: الجمعة، والجماعة، والعيد، والثغور، والحدود، والله ما يستقيم الدين إلا بهم، وإن جاروا أو ظلموا، والله لمَا يُصلِح الله بهم أكثرُ مما يفسدَون مع أن -والله- إن طاعتهم لَغَيظٌ، وإن فُرْقتهم لكُفْر (١). وأخرج الخلال في "كتاب الإمارة" من حديث أبي أمامة ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ أصحابه حين صَلَّوُا العشاء أَنِ احْشُدُوا فإن لي إليكم حاجة، فلما فرغوا من صلاة الصبح، قال: "هل حشدتم كما أمرتكم؟ "، قالوا: نعم، قال: "اعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، هل عقلتم هذه؟ " -ثلاثا- قلنا: نعم، قال: "فأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، هل عقلتم هذه؟ " -ثلاثًا- قلنا: نعم، قال: "اسمعوا وأطيعوا، هل عقلتم هذه؟ " -ثلاثًا- قلنا: نعم، قال: فكنا نُرَى أن رسول الله ﷺ سيتكلم كلامًا طويلًا، ثم نظرنا في كلامه، فإذا هو قد جمع لنا الأمر كله (٢).
وبهذين الأصلين وَصَّى النبي ﷺ في حجة الوداع في خطبته أيضًا، كما أخرجه الإمام أحمد، والترمذي من رواية أم الحُصَين الأحمسية ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يخطب في حجة الوداع، فسمعته يقول: "يا أيها الناس اتقوا الله، وإن تأمر عليكم عبد حبشيّ، مُجَدَّعٌ فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام فيكم كتابَ الله". قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح. وأخرج مسلم منه ذكرَ السمع والطاعة. وأخرج الإمام أحمد والترمذي أيضًا من حديث أبي أمامة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب في حجة الوداع يقول: "اتقوا الله، وصَلُّوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأَدُّوا زكاة مالكم،
стр. 529
وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم"، وفي رواية أخرى قال: "يا أيها الناس إنه لا نبي بعدي، ولا أُمّة بعدكم"، وذكر الحديث بمعناه. وقال الترمذيّ: حديث حسنٌ صحيح. وفي "المسند" (١) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من لَقِي الله لا يُشرك به شيئًا، وأَدَّى زكاة ماله طَيِّبةً بها نفسه، محُتسبًا، وسَمِعَ وأطاع، فله الجنة، أو دخل الجنّة" (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): في شرح معنى "التقوى"، وتفصيل ما ورد من النصوص وأقوال أهل العلم المتعلّقة بذلك:
قال الإمام ابن رجب ﵀: أصل التقوى أن يجَعَل العبد بينه وبين ما يخافه ويَحذره وقايةً تقيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقايةً تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته، واجتناب معاصيه.
وتارة تضاف التقوى إلى اسم الله كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة:٩٦]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨].
فإذا أضيفت التقوى إليه سبحانه فالمعنى: اتقوا سخطه وغضبه، وهو أعظم ما يُتَّقَى، وعن ذلك ينشأ عقابه الدنيوي والأخروي، قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]، فهو سبحانه أهل أن يُخشَى، ويُهابَ، ويُجَلَّ ويُعَظَّم في صدور عباده، حتى يعبدوه ويطيعوه؛ لما يستحقه من الإجلال والإكرام، وصفات الكبرياء والعظمة، وقوة البطش وشدة البأس. وفي الترمذي (٣) وابن ماجه عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ في هذه
стр. 530
الآية: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ قال: "قال الله تعالى: أنا أهلٌ أُتَّقَى، فمن اتَّقاني، فلم يجعل معي إلها آخر، فأنا أهل أن أغفر له".
وتارة تُضاف التقوى إلى عقاب الله، وإلى مكانه كالنار، أو إلى زمانه كيوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨١]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ الآية [البقرة:٤٨].
ويَدخُل في التقوى الكاملةِ فعلُ الواجبات، وترك المحرمات والشبهات، وربما دخل فيها بعد ذلك فعلُ الندوبات، وترك المكروهات، وهيِ أعلى درجات التقوى، قال الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ [البقرة: ١ - ٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ في الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
قال معاذ بن جبل ﵁: يُنادَى يوم القيامة أين المتقون؟ فيقومون في كَنَف من الرحمن، لا يحتجب منهم ولا يستتر، قالوا له: مَنِ المتقون؟ قال: قوم اتَّقَوُا الشركَ
стр. 531
وعبادةَ الأوثان، وأخلصوا لله بالعبادة. وقال ابن عباس ﵄: المتقون الذين يَحذَرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به. وقال الحسن: المتقون اتَّقَوا ما حرم الله عليهم، وأَدَّوا ما افترض الله عليهم. وقال عمر بن عبد العزيز: ليس تقوى الله بصيام النهار، ولا بقيام الليل، والتخليطِ فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله تركُ ما حرم الله، وأداءُ ما افترض الله، فمن رُزق بعد ذلك خيرًا فهو خير إلى خير. وقال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله. وعن أبي الدرداء ﵁ قال: تَمام التقوى أن يتقي الله العبدُ حتى يتقيه من مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يَرَى أنه حلال خشيةَ أن يكون حرامًا، يكون حجابا بينه وبين الحرام، فإن الله قد بَيَّن للعباد الذي يُصَيِّرُهم إليه فقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧، ٨]، فلا تَحقِرَنَّ شيئا من الخير أن تفعله، ولا شيئا من الشر أن تتقيه. وقال الحسن: ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرا من الحلال مخافةَ الحرام.
وقال الثوري: إنما سُمُّوا متقين؛ لأنهم اتقوا ما لا يُتَقَى. وقال موسى بن أَعْيَن: المتقون تَنَزَّهُوا عن أشياء من الحلال مخافةَ أن يَقَعُوا في الحرام، فسماهم الله متقين.
وأخرج الشيخان من حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما مرفوعًا: "ومن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه". وقد أخرج الترمذيّ، والمصنّف من حديث عطيّة السعديّ ﵁ مرفوعًا: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتيى يَدَع ما لا بأس به حَذرًا مما به بأس" (١).
وقال ميمون بن مِهْرَان: المتقي أشد مُحَاسبةً لنفسه من الشريك الشحيح لشريكه.
стр. 532
وقال ابن مسعود ﵁ قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢]، قال: "أن يُطاعَ فلا يُعْصَى ويُذكَر فلا يُنسَى، وأن يُشكَر فلا يُكفَر".
وأخرجه الحاكم مرفوعًا، والموقوف أصحّ.
وشُكرُه يدخل فيه جميع فعل الطاعات. ومعنى ذكره "فلا يُنسَى" ذكرُ العبدِ بقلبه لأوامر الله في حركاته وسكناته وكلماته فيمتثلها، ولنواهيه في ذلك كله فيجتنبها.
وقد يغلب استعمالُ التقوى على اجتناب المحرمات، كما قال أبو هريرة ﵁ وسُئل عن التقوى -فقال: هل أخذت طريقًا ذا شوك؟ قال: نعم، قال: فكيف صنعت؟ قال: إذا رأيت الشوك عدلتُ عنه، أو جاوزتُهُ، أو قصرتُ عنه، قال: ذاك التقوى.
وأخذ هذا المعنى ابنُ المعتزّ، فقال [من مجزُوّ الكامل]:
خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا ... وَكَبِيرَهَا فَهُوَ التُّقَى
وَاصْنَعْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَر ... ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرَ مَا يَرَى
لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً ... إِنَّ الجِبَالَ مِنَ الحصَى
وأصل التقوى: أن يعلم العبد ما يُتَّقَى، ثم يَتَّقِي. قال عون بن عبد الله: تمام التقوى أن تبتغي علمَ ما لم تَعْلَم منها إلى ما عَلِمتَ منها.
وذَكَر معروف الكرخي عن بكر بن خنيس قال: كيف يكون متقيًّا من لا يدري ما يَتَّقِي؟، ثم قال معروف الكرخي: إذا كنت لا تحسن تَتَّقِي أكلتَ الربا، وإذا كنت لا تحسن تتقي لقيتْكَ امرأةٌ، فلم تَغُضَّ بصرك، وإذا كنت لا تحسن تتقي وضعت سيفك على عاتقك، وقد قال النبي ﷺ لمحمد بن مسلمة: "إذا رأيت أمتي قد اختَلَفَتْ فاعْمِدْ إلى سيفك، فاضرب به أُحُدًا" (١). ثم قال معروف: ومجلسي هذا لعله كان ينبغي لنا أن
стр. 533
نتقيه، ثم قال: مجيئكم معي من المسجد إلى هاهنا كان ينبغي لنا أن نتقيه، أليس جاء في الحديث أنه فتنة للمتبوع، مَذَلَّةٌ للتابع (١). يعني مشي الناس خلف الرجل.
وبالجملة: فالتقوى هي وصية الله لجميع خلقه، ووصية رسول الله ﷺ لأمته. وكان ﷺ إذا بعث أميرا على سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرًا. أخرجه مسلم. ولمّا خطب ﷺ في حجة الوداع يوم النحر وَصَّى الناسَ بتقوى الله، وبالسمع والطاعة لأئمتهم. أخرجه الترمذيّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ. ولمّا وَعَظَ الناسَ قالوا له: كأنها موعظة مُوَدِّع فأوصنا، قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة" (٢).
وفي حديث أبي ذر الطويل الذي أخرجه ابن حبان وغيره قلت: يا رسول الله أوصني، قال: "أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس الأمر كله" (٣).
وأخرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أوصني، قال: "أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد، فإنه رَهْبانية الإسلام" (٤). وخرجه غيره، ولفظه: قال: "عليك بتقوى الله، فإنه جماع كل خير".
وفي الترمذي عن يزيد بن سلمة أنه سأل النبي ﷺ قال: يا رسول الله إني سمعت منك حديثًا كثيرًا، فأخاف أن يُنسيني أوله آخره، فحدثني بكلمة تكون جَمّاعًا، قال: "اتق الله فيما تعلم" (٥).
стр. 534
ولم يزل السلف الصالح يتواصون بها.
وكان أبو بكر الصديق ﵁ يقول في خطبه: أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله، وأن تُثنُوا عليه بما هو أهله، وأن تَخلِطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة، فإن الله أثني على زكريا وأهل بيته، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ في الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] (١). ولمّا حضرته الوفاة، وعَهِد إلى عمر ﵁ دعاه، فوصّاه بوصيته، وأول ما قال له: اتق الله يا عمر.
وكتب عمر إلى ابنه عبد الله: أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله ، فإنه من اتقاه وقاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكره زاده، واجعل التقوى نُصْبَ عينيك، وجَلاءَ قلبك. واستعمل علي بن أبي طالب ﵁ رجلا على سرية، فقال له: أوصيك بتقوى الله الذي لا بُدّ لك من لقائه، ولا مُنتهَى لك دونه، وهو يملك الدنيا والآخرة.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل: أوصيك بتقوى الله التي لا يَقبَل غيرها، ولا يَرحَم إلا أهلها، ولا يُثيب إلا عليها، فإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل، جعلنا الله وإياك من المتقين.
ولما وُلِّي خطب، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أوصيكم بتقوى الله ، فإن تقوى الله خَلَفٌ من كل شيء، وليس من تقوى الله خَلَف.
وقال رجل ليونس بن عبيد: أوصني فقال: أوصيك بتقوى الله والإحسان، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. وقال له رجل يريد الحج: أوصني، فقال له: اتق الله فمن اتقى الله فلا وحشة عليه. وقيل لرجل من التابعين عند موته: أوصنا، فقال: أوصيكم بخاتمة سورة النحل: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]. وكتب رجل من السلف إلى أخ له: أوصيك بتقوى الله، فإنها من أكرم
стр. 535
ما أسررتَ، وأزين ما أظهرت، وأفضل ما ادّخرتَ، أعاننا الله وإياك عليها، وأوجب لنا ولك ثوابها. وكتب رجل منهم إلى أخ له: أوصيك وأنفسنا بالتقوى؛ فإنها خير زاد الآخرة والأولى، واجعلها إلى كل خير سبيلك، ومن كل شر مَهْرَبك، فقد تكفل الله لأهلها بالنجاة مما يَحذَرون، والرزقَ من حيث لا يحتسبون. وقال شعبة: كنت إذا أردت الخروج قلت للحكم: ألك حاجة؟ فقال: أوصيك بما أوصى به النبي ﷺ معاذَ ابن جبل: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن". وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يقول في دعائه: "اللهم إني أسألك الهدي والتقى والعِفّة والغنى". رواه مسلم. وقال أبو ذر ﵁: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، ثم قال: "يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم" (١).
وقال ﷺ لمعاذ ﵁: "اتق الله حيثما كنت" (٢)، يعني في السر والعلانية، حيث يراه الناس وحيث لا يرونه، وفي حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال له: "أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته" (٣). وكان النبي ﷺ يقول في دعائه: "أسألك خشيتك في الغيب والشهادة" (٤). وخشيةُ الله في الغيب والشهادة هي من المنجيات. وقال النبي ﷺ لمعاذ ﵁: "استح من الله استحياء رجل ذي هيبة من أهلك" (٥).
وهذا هو السبب الموجب لخشية الله في السر، فإن مَن عَلِم أن الله يراه حيث كان، وأنه مُطّلع على باطنه وظاهره وسره وعلانيته، واستحضر ذلك في خلواته أوجب له
стр. 536
ذلك ترك المعاصي في السر، وإلى هذا المعنى الإشارة في القرآن بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
كان بعض السلف يقول لأصحابه: زهَّدَنا الله وإياكم في الحرام زُهْدَ مَن قدر عليه في الخلوة، فعَلِم أن الله يراه فتركه من خشيته، أو كما قال. وقال الشافعي ﵀: أعز الأشياء ثلاثة: الجود من قلة، والورع في خلوة، وكلمة الحق عند من يُرجَى أو يخاف. وكتب ابن السَّمّاك الواعظ إلى أخ له: أما بعدُ أوصيك بتقوى الله الذي هو نجيك في سريرتك، ورقيبك في علانيتك، فاجعل الله مِنْ بالِك على كل حال، في ليلك ونهارك، وخَفْ الله بقدر قربه منك، وقدرته عليك، واعلم أنك بعينه، ليست تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره، ولا من ملكه إلى ملك غيره، فليعظُم منه حذرك، وليكْثُر منه وَجَلُك، والسلام.
قال أبو الجلد: أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء قل لقومك: ما بالكم تسترون الذنوب من خلقي، وتظهرونها لي، إن كنتم ترون أني لا أراكم فأنتم مشركون بي، وإن كنتم ترون أني أراكم، فلم تجعلوني أهون الناظرين إليكم. وكان وهب بن الورد يقول: خَفِ الله على قدر قدرته عليك، واستحي منه على قدر قربه منك. وقال له رجل: عِظْني، فقال له: اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك. وكان بعض السلف يقول: أتراك تَرْحَم من لم تُقِرَّ عينيه بمعصيتك، حتى علم أن لا عين تراه غيرك. وقال بعضهم: ابنَ آدم إن كنت حيث ركبت المعصية لم تَصْفُ لك من عَيْنٍ ناظرة إليك، فَلَمّا خلوت بالله وحده صَفَتْ لك معصيته، ولم تستحي منه حياءك من بعض خلقه، ما أنت إلا أحد رجلين، إن كنت ظننت أنه لا يراك فقد كفرت، وإن كنت علمت أنه يراك فلم يمنعك منه ما منعك من أضعف خلقه، لقد اجترأت.
دخل بعضهم غَيضَة ذات شجر، فقال: لو خلوت ها هنا بمعصيةٍ مَن كان يراني، فسمع هاتفا بصوت ملأ الغيضة: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].
راود بعضهم أعرابية، وقال لها: ما يرانا إلا الكواكب، قالت: أين مُكَوْكِبُها؟.
стр. 537
رأى محمد بن المنكدر رجلا واقفا مع امرأة يكلمها، فقال: إن الله يراكما، سترنا الله وإياكما. وقال الحارث المحاسبي: المراقبة علم القلب بقرب الرب. وسئل الجنيد بم يُستعان على غض البصر؟ قال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى ما تنظره.
وكان الإمام أحمد ينشد [من الطويل]:
إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرُ يَوْمًا فَلَا تَقُلْ ... خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ
وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ يَغْفُلُ سَاعَةً ... وَلَا أَنَّ مَا يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيبُ
وَكَانَ ابْن السَّمّاك ينشد:
يَا مُدْمِنَ الذَّنْبِ أَمَا تَسْتَحِي ... وَاللهُ في الخلْوَةِ ثَانِيكَا
غَرَّكَ مِنْ رَبِّكَ إِمْهَالُهُ ... وَسَتْرُهُ طُولَ مَسَاوِيكَا
والمقصود أن النبي ﷺ لمّا وَصَّى معاذًا بتقوى الله سرا وعلانية، أرشده إلى ما يُعينه على ذلك، وهو أن يستحيى من الله كما يستحي من رجل ذي هيبة من قومه.
ومعنى ذلك: أن يستشعر دائما بقلبه قرب الله منه، واطلاعه عليه، فيستحيى من نظره إليه، وقد امتثل معاذ ما وصاه به النبي ﷺ ، وكان عمر ﵁ قد بعثه على عمل، فَقَدِم وليس معه شيء، فعاتبته امرأته، فقال: كان معي ضاغط، يعني من يُضَيِّق عليّ، ويمنعني من أخذ شيء، وإنما أراد معاذ ربه ، فظنت امرأته أن عمر بعث معه رقيبا، فقامت تشكوه إلى الناس.
ومَنْ صار له هذا المقام حالًا دائمًا أو غالبًا، فهو من المحسنين الذين يعبدون الله كأنهم يرونه، ومن المحسنين الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم.
وبالجملة فتقوى الله في السر هو علامة كمال الإيمان، وله تأثير عظيم في إلقاء الله لصاحبه الثناء في قلوب المؤمنين.
وفي الحديث: "ما أَسَرَّ عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية، إن خيرًا فخيرٌ،
стр. 538
وإن شرّا فشرّ" (١)، رُوي هذا مرفوعا، ورُوي عن ابن مسعود من قوله. وقال أبو الدرداء: لِيَتّق أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين، وهو لا يشعر، يخلو بمعاصي الله فيُلقِي الله له البغض في قلوب المؤمنين. وقال سليمان التيمي: إن الرجل ليصيب الذنب في السر، فيصبح وعليه مذلته. وقال غيره: إن العبد ليُذنب الذنب فيما بينه وبين الله، ثم يجيء إلى إخوانه، فيرون أثر ذلك عليه، وهذا من أعظم الأدلة على وجود الإله الحق المجازي بِذَرّات الأعمال في الدنيا قبل الآخرة، ولا يَضِيع عنده عَمَلُ عاملٍ، ولا ينفع من قدرته حجاب ولا استتار، فالسعيد مَن أصلح ما بينه وبين الله، فإنه مَنْ أصلح ما بينه وبين الله، أصلح الله ما بينه وبين الخلق، ومَن التمس محامد الناس بسخط الله عاد حامِدُه من الناس ذامّا له.
قال أبو سليمان: إن الخاسرَ مَن أبدى للناس صالح عمله، وبارز بالقبيح من هو أقرب إليه من حبل الوريد.
ومن أعجب ما رُوي في هذا ما رُوي عن أبي جعفر السائح قال: كان حبيب أبو محمد تاجرًا يكري الدراهم، فَمَرّ ذات يوم بصبيان، فإذا هم يلعبون، فقال بعضهم لبعض: قد جاء آكل الربا، فَنكّس رأسه، وقال: يا رب أفشيت سري، فرجع فجمع ماله كله، وقال: يا رب إني أسيرٌ، وإني قد اشتريت نفسي منك بهذا المال فأعتقني، فلما أصبح تصدق بالمال كله، وأخذ في العبادة، ثم مَرّ ذات يوم، فلما رأوه قال بعضهم لبعض: اسكتوا فقد جاء حبيب العابد، فبكى، وقال: يا رب أنت تَذُمّ مَرّة، وتَحْمَدُ مَرّة، وكله من عندك.
وبالجملة فما جاء عن السلف في هذا الباب كثير، وهذا غيضٌ فيض، وفيه
стр. 539
الكفاية لمن وفّقه الله تعالى وهدهُ، اللهم اجعلنا من أوليائك المتّقين سرّا وعلانيةً، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس:٦٣، ٦٤] بمنك وكرمك وجودك، إنك أكرم الأكرمين، وأجود المسؤولين، آمين آمين آمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): قوله ﷺ : "فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ".
هذا إخبار منه ﷺ بما يقع في أمته بعده من كثرة الاختلاف في أصول الدين وفروعه، وفي الأعمال والأقوال والاعتقادات، وهذا موافق لما رُوي عنه من افتراق أمته على بضع وسبعين فرقة، وأنها كلها في النار، إلا فرقة واحدة، وهي ما كان عليه هو وأصحابه.
وكذلك في هذا الحديث أمر عند الافتراق والاختلاف بالتمسك بسنته، وسنة الخلفاء الراشدين من بعده.
والسنة هي الطريق المسلوك، فيَشمَل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون، من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة، ولهذا كان السلف قديمًا لا يطلقون اسم السنة إلا على ما يشمل ذلك كله، ورُوي معنى ذلك عن الحسن، والأوزاعي، والفضيل بن عياض.
وكثيرٌ من العلماء المتأخرين يَخُصّ اسم السنة بما يتعلق بالاعتقاد، لأنها أصل الدين، والمخالف فيها على خطر عظيم.
وفي ذكر هذا الكلام بعد الأمر بالسمع والطاعة لأولي الأمر إشارةٌ إلى أنه لا طاعة لأولي الأمر إلا في طاعة الله، كما صح عنه ﵁ أنه قال: "إنما الطاعة في المعروف"، متّفقٌ عليه. وفي "المسند" عن أنس أن معاذ بن جبل ﵄ قال: "يا رسول الله
стр. 540
أرأيت إن كان علينا أمراء لا يستنون بسنتك، ولا يأخذون بأمرك، فما تأمر في أمرهم؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا طاعة لمن لم يُطع الله " (١)، وأخرج ابن ماجه من حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "سيلي أموركم بعدي رجال يُطفئون السنة بالبدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها"، فقلت: يا رسول الله إن أدركتهم كيف أفعل؟ قال: "لا طاعة لمن عصى الله" (٢).
وفي أمره ﷺ باتباع سنته، وسنة الخلفاء الراشدين بعد أمره بالسمع والطاعة لولاة الأمور عمومًا دليل على أن سنة الخلفاء الراشدين مُتَّبَعَة كاتباع السنة، بخلاف غيرهم من ولاة الأمور.
وفي "مسند الإمام أحمد"، و"جامع الترمذي"، و"سنن ابن ماجه" عن حذيفة ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ جلوسًا، فقال: إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم، فاقتدوا بالذين من بعدي -وأشار إلى أبي بكر وعمر ﵄ وتمسكوا بعهد عمار، وما حدثكم به ابن مسعود فصدقوه"، وفي رواية: "فتمسكوا بعهد ابن أم عبد، واهتدوا بهدي عمار" (٣). فنص رسول الله ﷺ في آخر عمره على من يُقتَدَى به مِن بعده.
وقد اختلف العلماء في إجماع الخلفاء الأربعة هل هو إجماع، أو حجة مع مخالفة غيرهم من الصحابة أم لا، وفيه روايتان عن الإمام أحمد، وحكم أبو خازم الحنفي في زمن المعتضد بتوريث ذوي الأرحام، ولم يَعتَدّ بمن خالف الخلفاء، ونفذ حكمه بذلك في الآفاق.
ولو قال بعض الخلفاء الأربعة قولًا، ولم يخالفه منهم أحد، بل خالفه غيره من الصحابة، فهل يُقَدَّم قوله على قول غيره؟ فيه قولان أيضا للعلماء، والمنصوصُ عن
стр. 541
أحمد أنه يُقَدَّم قوله على قول غيره من الصحابة، وكذا ذكره الخطابي وغيره، وكلام أكثر السلف يدل على ذلك، خصوصًا عمر بن الخطاب ﵁، فإنه رُوي عن النبي ﷺ من وجوه أنه قال: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" (١).
وكان عمر بن عبد العزيز يتبع أحكامه، ويستدل بقول النبي ﷺ : "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه". وقال مالك: قال عمر بن عبد العزيز: سَنَّ رسول الله ﷺ ، وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها اعتصامٌ بكتاب الله، وقوةٌ على دين الله، وليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر في أمر خالفها، من اهتدى بها فهو المهتدي، ومن استنصر بها فهو المنصور، ومن تركها، واتّبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم، وساءت مصيرا. وحَكَى عبد الله بن عبد الحكم عن مالك أنه قال: أعجبني عزم عمر على ذلك -يعني هذا الكلام-. وروى عبد الرحمن بن مهدي هذا الكلام عن مالك، ولم يَحكِه عن عمر. وقال خلف بن خليفة: شَهِدتُ عمر بن عبد العزيز يخطب الناس، وهو خليفة، فقال في خطبته: ألا إن ما سَنَّ رسولُ الله ﷺ ، وصاحباه فهو وظيفةُ دينٍ، نأخذ به، وننتهي إليه.
ورَوَى أبو نعيم من حديث عَرْزَب الكنديّ: أن رسول الله ﷺ قال: "إنه سيحدُث بعدي أشياء، فأحبّها إليّ أن تلزموا ما أحدث عمر" (٢).
وكان عليّ ﵁ يَتَّبع قضاياه وأحكامه، ويقول: إن عمر كان رشيد الأمر. ورَوَى الأشعث عن الشعبي قال: إذا اختلف الناس في شيء، فانظروا فيه كيف قَضَى عمر، فإنه لم يكن يقضي في أمر لم يُقْضَ فيه قبله حتى يُشاور. وقال مجاهد: إذا اختلف الناس في شيء، فانظروا ما صنع عمر فخذوا به. وقال أيوب عن الشعبي: انظروا ما اجتمعت عليه أمة محمد ﷺ ، فإن الله لم يكن يجمعها على ضلالة، فإذا اختلفت فانظروا ما صنع
стр. 542
عمر بن الخطاب فخذوا به. وسئل عكرمة عن أم الولد، فقال: تَعتِق بموت سيدها، قل له: بأيّ شيء تقول؟ قال بالقرآن، قال: بأيّ القرآن؟ قال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، وعمر ﵁ من أولي الأمر. وقال وكيع: إذا اجتمع عمر وعلي على شيء فهو الأمر. ورُوي عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يحلف أن الصراط المستقيم هو الذي ثَبَتَ عليه عمر ﵁ حتى دخل الجنّة.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وبكل حال فما جَمَع عمر عليه الصحابة، فاجتمعوا عليه في عصره، فلا شك أنه الحق، ولو خالفه مِنْ بعد ذلك مَن خالفه، كقضائه في مسائل من الفرائض كالعول، وفي زوج وأبوين، وزوجة وأبوين أن للأم ثلث الباقي، وكقضائه فيمن جامع في إحرامه أنه يمضي في نسكه، وعليه القضاء والهدي، ومثل ما قضى به في امرأة المفقود، ووافقه غيره من الخلفاء أيضًا، ومثل ما جَمَع عليه الناس في الطلاق الثلاث، وفي تحريم متعة النساء، ومثل ما فعله من وضع الدِّيوان، ووضع الخراج على أرض الْعَنْوة، وعقد الذمة لأهل الذمة بالشروط التي شرطها عليهم، ونحو ذلك (١).
ويَشهَد لصحته ما جَمَع عليه عمر أصحابه، فاجتمعوا عليه لون، ولم يُخالَف في وقته قول النبي ﷺ : "رأيتني في المنام أَنزع على قليب، فجاء أبو بكر فنزع ذنوبا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف، والله يغفر له، ثم جاء عمر بن الخطاب، فاستحالت غَرْبًا، فلم أر أحدا يَفْرِي فَرْيَه، حتى رَوِيَ الناسُ، وضربوا بعطن" (٢). وفي رواية: "فلم أر عَبْقَرِيّا من الناس يَنْزع نزع ابن الخطاب"، وفي رواية أخرى: "حتى تَوَلَّى، والحوضُ يتفجر" (٣).
стр. 543
وهذا إشارة إلى أن عمر لم يَمُت حتى وضع الأمور في مواضعها، واستقامت الأمور، وذلك لطول مدته، وتفرغه للحوادث، واهتمامه بها، بخلاف مدة أبي بكر، فإنها كانت قصيرة، وكان مشغولا فيها بالفتوح، وبَعْثِ البعوث للقتال، فلم يتفرغ لكثير من الحوادث، وربما كان يقع في زمنه ما لا يبلغه، ولا يُرفَع إليه حتى رفعت تلك الحوادث إلى عمر، فرد الناس فيها إلى الحقّ، وحملهم على الصواب.
وأما ما لم يَجمَع عمر الناس عليه، بل كان له فيه رأي، وهو يُسَوِّغ لغيره أن يرى رأيا يخالف رأيه، كمسائل الجد مع الإخوة، ومسألة طلاق البتة، فلا يكون قول عمر فيه حجة على غيره من الصحابة ﵃.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ ابن رجب تحقيق نفيس، إلا أن في بعض ما مَثَّل به لما جَمَع عمر الناس عليه، كالطلاق الثلاث نظرًا لا يخفى، وقد ذكرت تحقيقه في شرح النسائيّ، فليُراجع في محلّه من "كتاب الطلاق"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال:
٤٣ - (حَدَّثَنَا إِسماعِيلُ بْنُ بِشْرِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ السَّوَّاقُ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ، يَقُولُ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّه ﷺ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنَّ هَذه لمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ قَالَ: "قَدْ تَرَكْتكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ، مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بَما عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي، وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّمَا المُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ، حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسماعِيلُ بْنُ بِشْرِ بْنِ مَنْصُورٍ) السَّلِيميُّ -بفتح المهملة، وبعد اللام ياء
стр. 544
تحتانيّة- أبو بِشْر البصري، صدوقٌ تُكُلّم فيه للقدر [١٠].
رَوَى عن أبيه، وفضيل بن سليمان النميري، وابن مهدي، وعمر بن عليّ المُقَدَّميّ، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو داود، وابن ماجه، والنسائي بواسطة، وزكرياء السِّجْزي، وإبراهيم بن أبي طالب، والبخاري في "التاريخ الصغير"، وابن خزيمة، وجماعة.
قال الآجري: سألت أبا داود عنه، فقال: صدوق، وكان قدريّا. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال البخاري في "التاريخ الصغير": حدثني إسماعيل بن بِشْر بن منصور قال: مات أبي سنة (٨٠) يعني ومائة، وأنا ابن ست عشرة سنة. وقال ابن أبي عاصم: مات سنة (٢٥٥). روى عنه أبو داود، والنسائيّ في "عمل اليوم والليلة"، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (٤٣) وحديث رقم (٢٢٩٤).
٢ - (وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ السَّوَّاقُ) بن داود السَّوّاق البصري، صدوقٌ [١١].
رَوَى عن ابن مهديّ، والقطان، وأبي عاصم. وروى عنه ابن ماجه، وعبد الرحمن ابن محمد بن حماد الطِّهْرَاني، والفضل بن الحسن بن محمد الأَهْوَزايّ، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث. تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (٤٣) وحديث رقم (٤٩٤).
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) البصريّ الإمام الحافظ الحجة الثبت [٩] ٣/ ٢٥.
٤ - (معاوية بن صالح) بن حُدير الحضرميّ الحمصيّ، صدوقٌ له أوهام [٧] ٢/ ١٢.
٥ - (ضمرة بن حبيب) بن صُهَيب الزُّبَيديّ -بضم الزاي- أبو عُتْبة الحِمْصيّ، ثقة [٤]. رَوَى عن شداد بن أوس، وأبي أُمامة الباهليّ، وعوف بن مالك، وعبد الرحمن بن عمرو السَّلَميّ، وعبد الله بن زغب الإيادي، وغيرهم. وروى عنه ابنه عُتبة، ومعاوية ابن صالح الحضرمي، وأبو بكر بن أبي مريم، وأرطاة بن المنذر، وعبد الرحمن بن يزيد ابن جابر، وهلال بن يساف.
قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله.
стр. 545
وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال العجلي: شامي تابعيّ. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ثلاثين ومائة، وكان مؤذن المسجد الجامع بدمشق. أخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (٤٣) وحديث رقم (٤٢٥٠).
٦ - (عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ) بن عَبَسَةَ السَّلَمي، الشامي، لا بأس به (١) [٣].
رَوَى عن العرباض بن سارية، وعُتبة بن عبد السَّلَمي. ورَوَى عنه ابنه جابر، وخالد بن معدان، وضمرة بن حبيب، ومحمد بن زياد الألهاني، وغيرهم.
ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: مات سنة عشر ومائة، وذكره مسلمة في الطبقة الأولى من التابعين. تفرّد به أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عندهم، حديث الباب، صححه الترمذي، وابن حبان، والحاكم، في "المستدرك"، وزعم القطان الفاسيّ أنه لا يصح؛ لجهالة حاله. والصحابيّ تقدّم في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ولكن نشير هنا إلى حَلّ بعض ما يُستَشكَل فقط، فنقول:
قوله: (فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟) "ما" اسم استفهام مبتدأ، و"ذا" اسم موصول بمعنى الذي خبر "ما"، و"تعهد" -بفتح الهاء من باب عَلِم- صلة الموصول، والتقدير ما الذي تعهد إليه: أي تأمرنا به، ويحتمل أن تُجعل "ما" مع "ذا" كلمة واحدة للاستفهام، وهي مبتدأ، والجملة خبره، وإلى ما ذُكر أشار ابن مالك رحمه الله تعالى في "الخلاصة" بقوله:
وَمِثْلُ "مَا" "ذَا" بَعْدَ "مَا" اسْتِفْهَامِ ... أَوْ "مَنْ" إِذَا لَمْ تُلْغَ في الْكَلَامِ
وقوله: "قَدْ تَرَكْتكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ": أي على الملّة الواضحة، والحجة الساطعة التي لا تَقبل الشُّبَه، فإيراد الشُّبَه عليها كحال كشف الشُّبَه عنها ودفعِهَا، كما أوضح ذلك بقوله: "لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا".
стр. 546
وقوله: "لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلا هَالِكٌ": "يَزِيغ" بفتح أوله، من باب باع: أي يَمِيل، يقال: زاغت الشمس تزيغ زيغًا: إذا مالت، وزاغت تزوغ زَوغًا من باب قال لغة فيه، ويتعَدّى بالهمزة، فيقال: أزاغه إزاغة. أفاده الفيّوميّ (١).
والمعنى: لا يميل، ولا يخرُج عن الملّة، ويعمل بخلافها متعمّدًا إلا الهالك الذي مأواه جهنم وبئس المصير.
وقوله: "فَإِنَّمَا المُؤْمِنُ كَالجمَلِ" بفتحتين "الْأَنِفِ" بفتح الهمزة، وكسر النون: أي المأنوف، وهو الذي عَقَرَ الْخِشَاشُ (٢) أنفه، فهو لا يمتنع على قائده للوَجَع الذي به. وقيل: الأَنِفُ: الذَّلُول، يقال: أَنِفَ البعيرُ يَأْنْف أَنفًا، فهو آنفٌ: إذا اشتكى أنفَهُ من الْخِشَاش، وكان الأصل أن يقال: مأنوفٌ، لأنه مفعول به، كما يقال: مصدُورٌ، ومَبْطُونٌ للذي يشتكي صدره وبطنه، وإنما جاء هذا شاذّا. ويُروَى كالجمل الآنف بالمدّ، وهو بمعناه. قاله ابن الأثير (٣).
وقال في "اللسان" بعد ذكره كلام ابن الأثير: وقال أبو سعيد: الجمل الأنِف: الذلول المؤاتي الذي يَأْنَف من الزجر، ومن الضرب، ويُعطي ما عنده من السَّيْر عَفْوًا سَهْلًا، كذلك المؤمن لا يَحتاج إلى زجر، ولا عِتَاب، وما لزمه من حقّ صَبَر عليه، وقام به. انتهى (٤).
يعني أن المؤمن كالجمل الذي جُعل الزمام في أنفه، فيجُرّه من شاء من صغير وكبير، ورجال ونساء إلى حيث يشاء، كما أوضحه بقوله: "حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ". و"حيثما" اسم شرط جازمة تجزم شرطها وجوابها، و"قيد" بكسر القاف مبنيّا للمفعول فعل شرطها، و"انقاد" مطاوع قاد جوابها: أي إلى أيّ مكان جُرّ انجرّ إليه، ولا يستعصي على
стр. 547
من أراد قيادته.
والمعنى: أن من شأن المؤمن تركَ التكبّر، ولزومَ التواضع، فلا يَأْنَف عن قبول الحقّ، من أي شخص كان، بل يخضع له، ويستجيب، ويقول: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث العرباض بن سارية ﵁ هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٦/ ٤٣ و٤٤) و (أبو داود) رقم (٤٦٠٧) و (الترمذيّ) (٢٦٧٦) و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٢٦ - ١٢٧) و (الدارميّ) في "سننه" (٩٦) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥) و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (١١٨٥ و١١٨٦) و (الطبرانيّ) في "المعجم الكبير" (١٨/ ٢٤٥ رقم ٦١٧) و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٩٥) و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٥٤١) و (البغويّ) في "شرح السنة" رقم (١٠٢)، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قوله: " فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قِيد انقاد" قد تقدّم أنه قد أنكر طائفة من الحفّاظ هذه الزيادة في آخر الحديث، وقالوا: هي مُدرجة فيه، وليست منه، قاله أحمد بن صالح المصريّ وغيره، وقد أخرجه الحاكم في "المستدرك" ١/ ٩٦ وقال في آخره: وكان أَسَدُ بن وَدَاعة يزيد في هذا الحديث: "فإنما المؤمن كالجمل الأنف، حيثما قِيد انقاد". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 548
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال:
٤٤ - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا ثَوْرُ ابْنُ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّه ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَوَعَظنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ... "، فَذَكَرَ نَحْوَهُ) *.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ) المُقَوِّم -بتشديد الواو المكسورة- ويقال: المُقَوِّميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقة حافظٌ عابدٌ مصنّف [١٠].
رَوَى عن عبد الوهاب الثقفي، وابن عيينة، ويحيى القطان، وأبي بكر الحنفي، وابن مهدي، وغندر، وعبد الملك بن الصباح، وغيرهم.
ورَوى عنه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وروى النسائي أيضا في "مسند علي" عن زكريا السِّجْزيّ عنه، وعبد الله بن عروة الهرويّ، وغيرهم.
قال أبو داود: كان حافظا متقنًا. وقال النسائي: ثقة حافظ. وقال أبو عروبة: ما رأيت بالبصرة أثبت من أبي موسى، ومن يحيى بن حكيم، وكان يحيى بن حكيم ورِعًا مُتَعَبِّدًا. وقال مسلمة بصري ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان ممن جَمَع وصَنَّف، مات سنة ست وخمسين ومائتين. وله في هذا الكتاب (٣٩) حديثًا.
٢ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ الْمِسْمَعِيُّ (١)) أبو محمد الصنعانيّ، ثم البصريّ، صدوقٌ [٩].
رَوَى عن أبيه، وابن عون، والأوزاعي، وهشام بن حسان، وثور بن يزيد الحمصي، وغيرهم. ورَوى عنه إسحاق بن راهويه، وبندار، وأبو موسى، وأبو غسان
стр. 549
المسمعي، ويحيى بن حكيم المقوِّم، والذُّهْلي، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صالح. وقال ابن قانع: كان ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة تسع وتسعين ومائة في ذي القعدة. وقال ابن أبي عاصم: مات سنة مائتين. أخرج له البخاريّ، ومسلم، والنسائيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا (٤٣) وحديث (٣٣٢) و (٣٤٨٩).
[تنبيه]: قال الخليليّ: عبد الملك بن الصبّاح عن مالك مُتَّهَمٌ بِسَرِقة الحديث. قال الحافظ: كذا قال، ولم أَرَ في الرواة عن مالك للخطيب، ولا للدارقطني أحدًا، يقال له: عبد الملك بن الصبّاح، فإن كان محفوظًا، فهو غير المسمعيّ. انتهى (١).
٣ - (ثور بن يزيد) بن زياد الْكَلاعيُّ ويقال: الرَّحَبِيّ، أبو خالد الحمصيّ، ثقة ثبتٌ، إلا أنه يرى القدر [٧].
رَوَى عن مكحول، ورجاء بن حيوة، وصالح بن يحيى بن المقدام، وعطاء، وعكرمة، وأبي الزبير، وابن جريج، وأبي الزناد، وخالد بن معدان، وغيرهم.
ورَوَى عنه بَقِيّة، وصفوان بن عيسى، والسفيانان، وعيسى بن يونس، وابن إسحاق، ومالك، والوليد بن مسلم، ويحيى بن حمزة الحضرمي، وابن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، وأبو عاصم النبيل، وعبد الملك بن الصباح، وجماعة.
قال ابن سعد: كان ثقة في الحديث، ويقال: إنه كان قدريا، وكان جده قُتل يوم صفين مع معاوية، فكان ثور إذا ذَكَر عليا قال: لا أحب رجلا قتل جدي. وقال أحمد: ثنا سعد بن إبراهيم، ثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني ثور بن يزيد الكلاعي، وكان ثقة. وكان أبو أسامة يحسن الثناء عليه. وعده دُحَيم في أثبات أهل الشام، مع أَرْطاة، وحَرِيز، وبَحِير بن سَعْد. وفي رواية يعقوب بن سفيان عنه: ثور بن يزيد أكبرهم، وكل هؤلاء ثقة. وقال عثمان الدارمي عن دُحيم: ثور بن يزيد ثقة، وما
стр. 550
رأيت أحدا يَشُكّ أنه قدريّ، وهو صحيح الحديث حمصي. وقال يعقوب بن سفيان: سمعت أحمد بن صالح، وذَكَر رجال الشام، فقال: وثور بن يزيد ثقة، إلا أنه كان يرى القدر. وقال عمرو بن علي عن يحيى بن سعيد: ما رأيت شاميا أوثق من ثور بن يزيد. وقال ابن المديني عن يحيى بن سعيد: ليس في نفسي منه شيء أتَتَبَّعُه. وقال علي عن يحيى أيضًا: كان ثور عندي ثقة. وقال وكيع: ثور كان صحيح الحديث. وقال أيضا: رأيت ثور بن يزيد، وكان أعبدَ مَنْ رأيت. وقال عيسى بن يونس: كان ثور من أثبتهم. وقال أيضًا: جيد الحديث. وقال الوليد بن مسلم: ثور يحفظ حديث خالد بن معدان. وقال سفيان الثوري: خذوا عن ثور، واتقوا قرنيه. قال عبد الرزاق: ثم أخذ الثوري بيد ثور، وخلا به في حانوت يحدثه. وقال الثوري بعد ذلك لرجل رَأَى عليه صوفًا: ارم بهذا عنك فإنه بدعة، فقال له الرجل: ودخولك مع ثور الحانوت، وإغلاقك الباب عليكما بدعة. وقال أبو عاصم: قال لنا ابن أبي رَوّاد: اتقوا لا يَنْطَحَنَّكم بقرنيه. وقال أبو مسهر وغيره: كان الأوزاعي يتكلم فيه ويهجوه. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثور بن يزيد الكلاعي كان يرى القدر، كان أهل حمص نفوه لأجل ذلك، ولم يكن به بأس. وقال أبو مسهر عن عبد الله بن سالم: أدركت أهل حمص، وقد أخرجوا ثور بن يزيد، وأحرقوا داره لكلامه في القدر. وقال ابن معين: كان مكحول قدريا ثم رجع، وثور بن يزيد قدري. وقال أبو زرعة الدمشقي عن مُنَبِّه بن عثمان: قال رجل لثور بن يزيد: يا قدريُّ، قال: لئن كنتُ كما قلتَ إني لَرَجُلٌ سَوْء، وإن كنتُ على خلاف ما قلتَ، فأنت في حِلّ. وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين: ثور بن يزيد ثقة. وقال في موضع آخر: أزهر الحَرَازي، وأسد بن وَدَاعة كانوا يجلسون، ويسبون علي بن أبي طالب، وكان ثور لا يسبه، فإذا لم يسب جَرُّوا برجله. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه، عن يحيى القطان: كان ثور إذا حدثني عن رجل لا أعرفه، قلت: أنت أكبر أم هذا، فإذا قال: هو أكبر مني كتبته، وإذا قال: هو أصغر مني لم أكتبه. وقال محمد بن عوف، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق حافظ. وقال نعيم بن حماد: قال عبد الله بن المبارك [من مجزوّ الرمل]:
стр. 551
أَيُّهَا الطَّالِبُ عِلْمًا ... ائتِ حَمَّادَ بْنَ زَيْدِ
فَاطْلُبَنَّ الْعِلْمَ مِنْه ... ثُمَّ قَيِّدْهُ بِقَيْدِ
لَا كَثَوْرٍ وَكَجَهْمِ ... وَكعَمْرِو بْنِ عُبَيْدِ
وقال ابن عديّ بعد أن رَوَى له أحاديث: وقد رَوَى عنه الثوريّ، ويحيى القطان، وغيرهما من الثقات، ووثّقوه، ولا أرى بحديثه بأسا إذا رَوى عنه ثقة، أو صدوق، ولم أر في أحاديثه أنكر من هذا الذي ذكرته، وهو مستقيم الحديث، صالح في الشاميين.
وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، قلت: أكان قدريا؟ قال: اتُّهِم بالقدر، وأخرجوه من حمص سَحْبًا. وقال ابن حبان في "الثقات": كان قدريا، ومات وله سبعون سنة. وقال العجلي: شامي ثقة، وكان يرى القدر. وقال الساجي: صدوق قدري، قال فيه أحمد: ليس به بأس، قَدِمَ المدينة، فَنَهَى مالك عن مجالسته.
قال الحافظ: وليس لمالك عنه رواية لا في "الموطإ"، ولا في الكتب الستة، ولا في غرائب مالك للدارقطني، فما أدرى أين وقعت روايته عنه مع ذمه له؟. وقال ابن خزيمة في "صحيحه": هو أصغر سنا من المدني. يعني ثور بن زيد الديليّ.
قال أبو عيسى الترمذي: مات سنة (١٥٠). وقال ابن سعد وخليفة وجماعة: مات سنة (٥٣) ببيت المقدس. وقال يحيى بن بكير: سنة (٥٥).
أخرج له الجماعة، إلا مسلمًا، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثًا.
٤ - (خالد بن معدان) بن أبي كريب الْكَلاعِيّ، أبو عبد الله الشاميّ الحمصيّ، ثقةٌ عابدٌ، يرسل كثيرًا [٣].
رَوَى عن ثوبان، وابن عَمْرو، وابن عُمَر، وعتبة بن عبد السُّلَميّ، ومعاوية بن أبي سفيان، والمقدام بن معد يكرب، وأبي أمامة، وعبد الرحمن بن عمرو السَّلَميّ، وغيرهم.
ورَوى عنه بَحِير بن سَعْد، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وثور بن يزيد،
стр. 552
وحَرِيز بن عثمان، وحسان بن عطية، وفضيل بن فَضالة، وجماعة.
قال يعقوب بن شيبة: لم يلق أبا عُبيدة، وهو كَلَاعيّ يُعَدُّ من الطبقة الثالثة من فقهاء الشام بعد الصحابة. وقال العجلي: شامي تابعيّ ثقة. وقال يعقوب بن شيبة، ومحمد بن سعد، وابن خِرَاش، والنسائي: ثقة. وقال أبو مسهر، عن إسماعيل بن عياش: حدثتنا عبدة بنت خالد بن معدان، وأم الضحاك بنت راشد أن خالد بن معدان قال: أدركت سبعين رجلا من أصحاب النبي ﷺ . وقال بَقِيّة عن بَحِير بن سَعْد: ما رأيت أحدا ألزم للعلم منه، كان علمه في مصحف، له أَزرارٌ وعُرًى، قال بقية: وكان الأوزاعي يُعَظِّم خالدًا، فقال لنا: أله عقب؟ فقلنا: له ابنة، فقال: ائتوها فسلوها عن هدي أبيها، قال: فكان ذلك سبب إتياننا عَبْدة. وقال إسماعيل بن عياش، عن صفوان ابن عمرو: رأيت خالد بن معدان إذا كبرت حلقته قام؟ مخافة الشهرة. وقال يزيد بن هارون: مات وهو صائم. وقال ابن سعد: أجمعوا على أنه توفي سنة (١٠٣). وقال دُحَيم وغيره: مات سنة (٤). وقال يحيى بن صالح عن إسماعيل بن عياش: مات سنة (٥). وقيل عن إسماعيل: سنة ست. وقال أبو عبيد وخليفة: سنة (١٠٨). وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من خيار عباد الله، مات سنة (٤) وقيل: سنة (٨)، وقيل: سنة (١٠٣).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثًا. والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: "فذكر نحوه" ببناء للفعل للفاعل، والضمير يعود لخالد بن معدان: أي ذكر خالد متن الحديث بنحو رواية ضمرة بن حبيب. والله تعالى أعلم.
[فائدة]: الفرق بين قولهم: "فذكر مثله"، وقولهم: "فذكر نحوه"، أن "مثله" يقال: فيما إذا اتّحد الحديثان لفظًا ومعنى، بخلاف "نحوه"، فإنه يقال فيما إذا اتحدا معنى فقط.
قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ، صاحب "المستدرك": إن مما يلزم الحديثيّ من الضبط والإتقان أن يُفرّق بين "مثله" و"نحوه"، فلا يَحِلّ أن يقول: "مثله" إلا إذا علم
стр. 553
أنهما اتفقا في اللفظ، ويحلّ أن يقول: نحوه إذا كان بمعناه (١).
وإلى هذا أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" بقوله:
الْحَاكِمُ اخْصُصْ "نَحْوَهُ بِالْمَعْنَى ... "وَمِثْلَهُ" بِاللَّفْظِ فَرْقٌ يُعْنَى
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
قال الجامع الفقير إلى رحمة ربه القدير محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الإتيوبيّ عفا الله تعالى عنه، وعن والدين آمين:
انتهى الجزء الأول من شرح "سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الله محمد بن يزيد ابن ماجه رحمه الله تعالى المسمّى" مشارق الأنوار الوهّاجة، ومطالع الأسرار البهّاجة، في شرح سنن الإمام ابن ماجه" وذلك يوم السبت المبارك بتاريخ ١٩/ ١١/ ١٤٢٢ هـ الموافق ٢ (فبراير) ٢٠٠٢ م.
وآخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". "السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته".
ويليه الجزء الثاني مفتتحًا بـ (٧) (بَابُ اجْتِناَبِ البِدَعِ وَالجَدَلِ) رقم (٤٥).
"سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، أستغفرك، وأتوب إليك".
٧ - (بَابُ اجْتِنَابِ الْبِدَعِ وَالْجَدَلِ)
" الاجتناب": مصدر "اجتنب، مزيد جَنَبَ، يقال: جَنَبْتُ الرجلَ الشرَّ جُنُوبًا، من باب قَعَد: إذا أبعدته، وجَنَّبْتُهُ بالتثقيل مبالغة (١)، فالاجتناب معناه: الابتعاد.
و"الْبِدَعُ" -بكسر الموحّدة، وفتح الدال المهملة-: جمع بدعة -بكسر، فسكون- قال في "القاموس": "البِدْعة" -بالكسر-: الْحَدَث في الدين بعد الإكمال، أو ما استُحدث بعد النبيّ ﷺ من الأهواء والأعمال، جمعه بِدَعٌ، كعِنَبٍ. انتهى. وقال في "المصباح": أبدعت الشيءَ، وابتدعتُهُ: استخرجته، وأحدثته، ومنه قيل للحالة المخالفة بِدْعَة، وهي اسمٌ من الابتداع، كالرفْعة من الارتفاع، ثم غلب استعماله فيما هو نقصٌ في الدين أو زيادة، لكن قد يكون بعضها غير مكروه، فيُسمّى بِدْعةً مباحة، وهو مصلحة يندفع بها مفسدة كاحتجاب الخليفة عن أَخْلاط الناس. انتهى (٢). وسيأتي تمام البحث في البدعة في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى-.
وأما "الجدَلُ" -بفتح الجيم، والدال المهملة-: فهو مصدرٌ، بمعنى شدّة الخصومة، يقال: جَدِلَ الرجلُ جَدَلًا، فهو جَدِلٌ، من باب تَعِبَ: إذا اشتدّت خُصومته، وجادل مجادلةً، وجِدَالًا: إذا خاصم بما يَشْغَلُ عن ظهور الحقّ، ووضُوح الصواب، هذا أصله، ثم استُعمل على لسان حَمَلَة الشرع في مقابلة الأدلّة لظهور أرجحها، وهو محمود إن كان للوقوف على الحقّ، وإلا فمذموم. ويقال: أوّلُ من دَوَّن الجدَل أبو عليّ الطبريّ. قاله الفيّوميّ.
وقال النوويّ ﵀ في "تهذيب الأسماء واللغات": "الجدَلُ"، و"الِجدال"، و"المجادلة": مقابلة الحجة بالحجة، وتكون بحقّ وباطل، فإن كان للوقوف على الحقّ كان محمودًا، قال الله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ الآية [النحل: ١٢٥]،
стр. 559
وإن كان في مرافعة، أو كان جدالًا بغير علم كان مذمومًا، قال الله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ في آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [غافر: ٤]. وأصله الخصومة الشديدة، وسُمّي جَدَلًا؛ لأن كلّ واحد منهما يُحْكِم خصومته، وحجته إحكامًا بليغًا على قدر طاقته، تشبيهًا بجَدْلِ الحَبْلِ، وهو إحكام فَتْله (١)، يقال: جادله يجادله مجادلةً وجِدَالًا. وعلى هذا الذي ذكرته يُنَزّل ما جاء في الجدل من الذّمّ والإباحة. وقد ذكر الخطيب البغداديّ في كتابه "كتاب الفقيه والمتفقّه" جميع ما جاء في الجدل، ونزّله على هذا التفصيل، وبيّن ذلك أحسن بيان، وكذلك ذكره غيره. وقد صار الجدل علمًا مستقلا، وصُنّفت فيه كتُبٌ لا تُحصى، وممن صنّف فيه أبو إسحاق الشيرازيّ، والغزاليّ، وكتاباهما معروفان. وأول من صنّف فيه أبو عليّ الطبريّ. انتهى كلام النوويّ (٢).
وقال ابن الأثير ﵀: "الجدَلُ": مقابلة الحجة بالحجة، والمجادلة: المناظرة والمخاصمة. والمراد به في الحديث الجَدَلُ على الباطل، وطلب المغالبة به، فأما الْجَدَل لإظهار الحقّ فإن ذلك محمود؛ لقوله : ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عطف الجَدَل على البدع من عطف الخاصّ على العامّ؛ لأن الجدل في الدين بالباطل من جملة البدع، وسيأتي تمام البحث في الجدل في مسائل الحديث الرابع من أحاديث الباب -إن شاء الله تعالى-. والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال:
٤٥ - (حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ الجحْدَرِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ
стр. 560
رَسُولُ اللَّه ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ مَسَّاكُمْ، وَيَقُولُ: "بُعِثْتُ أَنا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ"، وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ: السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَيَقُوُل: "أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْرَ الْأُمُورِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ"، وَكَانَ يَقُولُ: "مَنْ تركَ مَالًا فِلأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا، فَعَلَيَّ وَإِلَيَّ".
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) بن سهل الْهَرويّ الأصل، ثم الْحَدَثانيّ، ويقال له: الأنباريّ، صدوق في نفسه، إلا أنه عمي، فصار يتلقّن ما ليس من حديثه، من قدماء [١٠] ٤/ ٣٠.
٢ - (أَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ الْجَحْدَرِيُّ) أبو بكر البصريّ، صدوقٌ [١٠] ٢/ ١٧.
٣ - (عبد الوهّاب الثقفيّ) هو: عبد الوهّاب بن عبد المجيد بن الصَّلْت، أبو محمد البصريّ، ثقة تغيّر قبل موته بثلاث سنين [٨] ٢/ ١٧.
٤ - (جعفر بن محمد) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي العلويّ، أبو عبد الله المدني الصادق، وأمه أم فَرْوة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، فلذلك كان يقول: وَلَدَني أبو بكر مرتين، صدوقٌ فقيهٌ إمامٌ [٦].
رَوَى عن أبيه، ومحمد بن المنكدر، وعبيد الله بن أبي رافع، وعطاء، وعروة، وجده لأمه القاسم بن محمد، ونافع، والزهري، وغيرهم.
ورَوَى عنه شعبة، والسفيانان، ومالك، وابن جريج، وأبو حنيفة، وابنه موسى، ووُهيبٌ، والقطان، وأبو عاصم، وخلق كثير. وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، وهو من أقرانه، ويزيد بن الهاد، ومات قبله.
قال الدَّرَاوَرْدِيُّ: لم يرو مالك عن جعفر حتى ظهر أمر بني العباس. وقال مصعب الزبيري: كان مالك لا يروي عنه حتى يضمه إلى آخر. وقال ابن المديني: سئل يحيى بن سعيد عنه، فقال في نفسي منه شيء، ومجالد أحب إلي منه، قال: وأملَى عليّ
стр. 561
جعفر الحديث الطويل -يعني في الحج-. وقال إسحاق بن حَكِيم عن يحيى بن سعيد: ما كان كذوبًا. وقال سعيد ابن أبي مريم: قيل لأبي بكر بن عياش: ما لك لم تسمع من جعفر، وقد أدركته؟ قال: سألناه عما يتحدث به من الأحاديث أشيء سمعته؟ قال: لا، ولكنها رواية رويناها عن آبائنا. وقال إسحاق بن راهويه: قلت للشافعيّ: كيف جعفر ابن محمد عندك؟ فقال: ثقة -في مناظرة جرت بينهما-. وقال الدُّوريّ عن يحيى بن معين: ثقة مأمون. وقال ابن أبي خيثمة وغيره عنه: ثقة. وقال أحمد بن سعد بن أبي مريم عن يحيى: كنتُ لا أسأل يحيى بن سعيد عن حديثه، فقال لي: لِمَ لا تسألني عن حديث جعفر بن محمد؟ قلت: لا أريده، فقال لي: إنه كان يحفظ. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ثقة لا يُسأل عن مثله. وقال ابن عَدِيّ: ولجعفر أحاديث ونُسَخٌ، وهو من ثقات الناس، كما قال يحيى بن معين. وقال عمرو بن أبي المقدام: كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد، علمت أنه من سُلالة النبيين. وقال علي بن الجعد عن زهير بن معاوية: قال أبي لجعفر ابن محمد: إن لي جارا يزعُم أنّك تَبْرأُ من أبي بكر وعمر، فقال جعفر: برىء الله من جارك، والله إني لأرجو أن ينفعني الله بقرابتي من أبي بكر. وقال حفص بن غياث: سمعت جعفر بن محمد يقول: ما أرجو من شفاعة علي شيئًا إلا وأنا أرجو من شفاعة أبي بكر مثله. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، ولا يُحتَجّ به، ويُستَضعف، سئل مرة: سمعتَ هذه الأحاديث من أبيك؟ فقال: نعم، وسئل مرة، فقال: إنما وجدتها في كتبه.
قال الحافظ: يحتمل أن يكون السؤالان وقعا عن أحاديث مختلفة، فذكر فيما سمعه أنه سمعه، وفيما لم يسمعه أنه وجده، وهذا يدل على تثبته.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من سادات أهل البيت فقهًا وعلمًا وفضلًا، يُحتجّ بحديثه من غير رواية أولاده عنه، وقد اعتبرتُ حديث الثقات عنه، فرأيت أحاديث مستقيمة، ليس فيها شيء يخالف حديث الأثبات، ومن المحال أن يُلصَق به ما جناه غيره. وقال الساجيّ: كان صدوقًا مأمونًا إذا حَدّث عنه الثقات، فحديثه مستقيم. وقال أبو موسى: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث عن سفيان عنه،
стр. 562
وكان يحيى بن سعيد يحدث عنه. وقال النسائي في "الجرح والتعديل": ثقة. وقال مالك: اختلفت إليه زمانًا، فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مُصَلٍّ، وإما صائمٌ، وإما يقرأ القرآن، وما رأيته يحدث إلا على طهارة.
قال الجعابي وغيره: وُلِد سنة ثمانين. وقال خليفة وغير واحد: مات سنة (١٤٨).
أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثًا.
٥ - (أبوه) محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو جعفر المدنيّ المعروف بالباقر، ثقة فاضلٌ [٤] تقدّم في ١/ ٤.
٦ - (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ، ثم السَّلَميّ الصحابي ابن الصحابيّ ﵄ غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنة، تقدّم في ١/ ١١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه أحمد بن ثابت، فإنه من أفراده.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من جعفر، وشيخه سويدُ، هرويّ، ثم حَدَثانيّ (١)، والباقيان بصريان.
٤ - (ومنها): أن فيه التحديث، والعنعنة، وكلاهما من صيغ الاتّصال على الأصحّ في "عن" من غير المدلّس.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
стр. 563
٦ - (ومنها): أن فيه جابرًا ﵁ من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) ﵄، وفي رواية مسلم تصريح أبي جعفر بالسماع، فقد أخرجه من طريق سليمان بن بلال، عن جعفر، عن أبيه، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كانت خطبة النبيّ ﷺ يوم الجمعة، يحمد الله، ويُثني عليه، ثم يقول على إثر ذلك، وقد علا صوته، ثم ساق الحديث.
أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ) أي يوم الجمعة، كما بيّنته رواية مسلم المذكورة (احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ) بالرفع على الفاعليّة، أي ارتفع صوته (وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ) أي من آثار الغضب الناشيء مما تفعله الأمة من قلّة الأدب في معصية الربّ. قاله في "المرقاة" (١).
وقال في "المرعاة": إنما يفعل ﷺ ذلك لإزالة الغفلة من قلوب الناس؛ ليتمكّن فيها كلامه فضلَ تمكّن، أو لأنه يتوجّه فكره إلى الموعظة، فيظهر عليه آثار الهيبة الإلهيّة (٢).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: كونه ﷺ تحمرّ عيناه، ويعلو صوته، ويشتدّ غضبه في حال خطبته كان هذا منه في أحوال، وهذا مُشعرٌ بأن الواعظ حقّه أن يكون منه في وعظه بحسب الفصل الذي يتكلّم فيه ما يطابقه، حتّى لا يأتي بالشيء وضدُّه ظاهرٌ عليه، وأما اشتداد غضبه، فيَحتَمِل أن يكون عند نهيه عن أمر خُولف فيه، أو يريد أنّ صفتَه صفة الغضبان. انتهى (٣).
стр. 564
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: لعل اشتداد غضبه كان عند إنذاره أمرًا عظيمًا، وتهديده خَطْبًا جسيمًا. انتهى (١).
(كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ) هو الذي يجيء مخُبرًا للقوم بما قد دَهَمَهم من جيش عدُوّهم الذي يخافون بأسه، أي كمن يُنذر قومًا بقرب جيش عظيم قصد الإغارة عليهم، فإضافة "منذر" إلى "جيش" من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله الثاني، والأصل: منذر قوم جيشًا، وهو اسم فاعل من "أنذر"، يقال: أنذرتُ الرجلَ كذا إنذارًا: إذا أبلغته، يتعدّى إلى مفعولين، فهو مُنذرٌ، ونَذيرٌ، والجمع نُذُرٌ بضمّتين، وأكثر ما يُستعمل في التخويف، كقوله : ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ الآية، أفاده في "المصباح" (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وما هنا من الثاني. والله تعالى أعلم.
(يَقُولُ) أي ذلك المنذر، فالضمير عائد على "منذر"، والجملة صفة له، أو حال منه.
وقال الطيبيّ: يجوز أن يكون قوله: "يقول" صفة لـ "منذر جيش"، وأن يكون حالًا من اسم "كان"، والعامل معنى التشبيه، فالقائل إذًا الرسول ﷺ ، و"يقول" الثاني عطف على الأول، وعلى الوجه الأول عطف على جملة "كأنه" انتهى.
وتعقّبه القاري، فأحسن في ذلك، قال: الصحيح، بل الصواب الوجه الأول؛ إذ لا معنى لقوله في المنبر: "صبّحكم، ومسّاكم"، ويدلّ عليه إعادة الصحابيّ لفظ "يقول" إشارةً إلى أن قول المنذر تَمّ قبله، ثم الصحيح أنه عطف على "احمرّت"؛ لأن الرواية في "يقول" الرفع، فارتفع احتمال أن يكون معطوفًا على مدخول "حتّى". انتهى (٣).
(صَبَّحَكُمْ) بتشديد الموحّدة، وفاعله ضمير يعود إلى "جيش"، وهو العدوّ المنذر به، والضمير المنصوب يعود على المنذَرِين: أي سيصبّحكم العدوّ يعني سيأتيكم وقت
стр. 565
الصباح، فصيغة الماضي للتحقّق.
شَبّه حال الرسول ﷺ في خطبته، وإنذاره بمجيء يوم القيامة، وقرب وقوعها، وتهالك الناس فيما يُرْديهم أي يُهلكهم بحال من يُنذر قومه عند غفلتهم بجيش قريب منهم يَقصِدُ الإحاطة بهم بغتةً من كلّ جانب، فكما أن المنذر يرفع صوته، وتحمرّ عيناه، ويشتدّ غضبه على تغافلهم، كذلك حال الرسول ﷺ ، ولذا أشار إلى قرب المجيء بإصبعيه. ونظيره ما رُوي أنه لمّا نزل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صعِد على الصفا، فجعل ينادي: "يا بني فهر، يا بني عديّ ... " الحديث (١).
(مَسَّاكُمْ) هكذا رواية المصنّف بدون عاطف، وفي رواية مسلم: "ومسّاكم" بالواو، وهو بتشديد السين المهملة مثلُ "صبّحكم": أي نزل بكم العدوّ مساءً.
(وَيَقُولُ) الضمير للرسول ﷺ ، فهو عطفٌ على "احمرّت": أي يقول ﷺ (بُعِثْتُ) بالبناء للمفعول: أي أرسلني الله تعالى (أَنَا وَالسَّاعَةَ) رُوي برفعها، ونصبها، والمشهور النصب على المفعولية معه، كما قال في "الخلاصة":
يُنْصَبُ تَالِي الْوَاوِ مَفْعُولًا مَعَهْ ... في نَحْوِ سِيرِي وَالطَّرِيقَ مُسْرِعَهْ
بِمَا مِنَ الْفِعْلِ وَشِبْهِهِ سَبَقْ ... ذَا النَّصْبُ لَا بِالْوَاوِ في الْقَوْلِ الأَحَقْ
وأما الرفع فعلى العطف على الضمير المرفوع في "بُعِثْتُ"؛ لوجود التوكيد بالضمير المنفصل، كما قال في "الخلاصة":
وَإِنْ عَلَى ضمِيرِ رَفْعِ مُتَّصِلْ ... عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ ... والنَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "والساعة" قَيَّدناه بالنصب، والرفع (٢)، فأما النصب، فهو على المفعول معه، والرفع على أنه معطوف على التاء في "بُعثتُ"، وفُصل