وروى عنه مسعر، والثوريّ، وشعبة، وأبو بكر النهشليّ، وخلق كثير.
وثقه ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ، والعجليّ. وقال أبو بكر بن عياش: كان بالكوفة ثلاثة ليس لهم رابع: حبيب بن أبي ثابت، والحكم، وحماد، وكانوا أصحاب الفتيا، ولم يكن أحد إلا ذلّ لحبيب. وقال ابن المدينيّ: له نحو مائتي حديث.
وقال العجلي: كوفي تابعيّ ثقة. وقال ابن معين والنسائي: ثقة. وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة حجة، قيل له: ثبت؟ قال: نعم، إنما روى حديثين -قال: أظن يحيى يريد منكرين- حديث المستحاضة تصلي وإن قطر الدم على الحصير، وحديث القبلة للصائم. وقال أبو زرعة: لم يسمع من أم سلمة. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، ولم يسمع حديث المستحاضة من عروة. وقال الترمذي عن البخاري: لم يسمع من عروة ابن الزبير شيئا. قال أبو بكر بن عياش وغيره: مات سنة (١١٩)، وقيل: غير ذلك.
وقال ابن حبان في "الثقات": كان مدلسا. وقال ابن عدي: هو أشهر وأكثر حديثا من أن أحتاج أذكر من حديثه شيئا، وقد حدث عنه الأئمة، وهو ثقة حجة كما قال ابن معين. وقال العجلي: كان ثقة ثبتا في الحديث، سمع من ابن عمر غير شيء، ومن ابن عباس، وكان فقيه البدن، وكان مفتي الكوفة قبل الحكم وحماد. وذكره أبو جعفر الطبري في "طبقات الفقهاء"، وكان ذا فقه وعلم. وقال ابن خزيمة في "صحيحه": كان مدلسا، وقد سمع من ابن عمر.
مات سنة (١١٩) وقيل: (١٢٢). أخرج له الجماعة (١). وله في هذا الكتاب (٢٤) حديثًا.
٣ - (ميمون بن أبي شبيب) الرَّبَعِيُّ، أبو نصر الكوفيّ، ويقال: الرقّيّ، صدوقٌ، كثير الإرسال [٣].
رَوَى عن معاذ بن جبل، وعمر، وعلي، وأبي ذر، والمقداد، وابن مسعود، وقيس
стр. 492
بن سعد، والمغيرة بن شعبة، وعائشة، وسمرة بن جندب، وأبي عمرو الصِّينِيِّ.
ورَوَى عنه إبراهيم النخعي، وحبيب بن أبي ثابت، والحكم بن عتيبة، ومنصور ابن زاذان، والحسن بن الحُرّ، وإسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصُّفَيراء.
قال علي بن المديني: خفي علينا أمره. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال عمرو بن علي: كان رجلا تاجرا كان من أهل الخير، وليس يقول في شيء من حديثه: سمعت، ولم أُخْبَر أن أحدا يزعم أنه سمع من الصحابة. وقال أبو داود: ولم يدرك عائشة. وقال الحسن بن الحر عن ميمون بن أبي شبيب أردت الجمعة في زمان الحجاج، فذكر خبرا. قال أبو بكر بن أبي عاصم: مات سنة ثلاث وثمانين، وفيها أرخه ابن حبان، وزاد: قُتِل في الجماجم. وقال ابن معين: ضعيف.
وقال ابن خراش: لم يسمع من علي، وصحح له الترمذي روايته عن أبي ذر، لكن في بعض النسخ، وفي أكثرها قال: حسن فقط.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والأربعة (١)، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث فقط برقم ٤١ و٢٢٤٠ و٣٥٥٧.
٤ - (المغيرة (٢) بن شعبة) بن أبي عامر بن مسعود بن معقب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قيس الثقفي، أبو عيسى، أو أبو محمد. وقال الطبري: يكنى أبا عبد الله. قال: وكان ضخم القامة، عَبْلَ الذراعين، بعيد ما بين المنكبين، أصهب الشعر جعده. وكان لا يَفرُقُه، أسلم قبل عمرة الحديبية، وشهدها، وبيعة الرضوان، وله فيها ذكر، وحَدَّثَ عن النبي ﷺ ، رَوَى عنه أولاده: عروة، وعفار، وحمزة ومولاه ورّاد، وابن عم أبيه حسن بن حبة، ومن الصحابة الْمِسْوَر بن مخرمة، ومن المخضرمين فمن
стр. 493
بعدهم، قيس بن أبي حازم، ومسروق، وقبيصة بن ذؤيب، ونافع بن جبير، وبكر بن عبد الله المزني، والأسود بن هلال، وزياد بن علاقة، وآخرون. قال ابن سعد: كان يقال له: مغيرة الرأي، وشهد اليمامة، وفتوح الشام والعراق، وقال الشعبي، كان من دُهاة العرب، وكذا ذكره الزهري. وقال قبيصة بن جابر: صحبت المغيرة، فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب، لا يخرج من باب منها إلا بالمكر لخرج المغيرة من أبوابها كلها، وولاه عمر البصرة، ففتح مِيسان، وهَمَذان، وعِدّة بلاد إلى أن عزله لا شهد عليه أبو بكرة ومن معه. قال البغوي: كان أول من وضع ديوان البصرة. وقال ابن حبان: كان أول من سُلِّم عليه بالإِمْرة (١)، ثم ولاه عمر الكوفة، وأقره عثمان، ثم عزله، فلما قُتل عثمان اعتزل القتال إلى أن حضر مع الحكمين، ثم بايع معاوية بعد أن اجتمع الناس عليه، ثم ولاه بعد ذلك الكوفة، فاستمر على إمرتها حتى مات سنة خمسين عند الأكثر، ونقل فيه الخطيب الإجماع، وقيل: مات قبلُ بسنة، وقيل بعدها بسنة. وقال الطبري: كان لا يقع في أمر إلا وجد له مخرجا، ولا يلتبس عليه أمران إلا ظهر الرأي في أحدهما.
وأخرج البغوي من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: استعمل عمر المغيرة على البحرين، فكرهوه، وشَكَوا منه، فعزله، فخافوا أن يعيده عليهم، فجمعوا مائة ألف، فأحضرها الدِّهْقان إلى عمر، فقال: إن المغيرة أختان هذه، فأودعها عندي، فدعاه، فسأله، فقال: كذب، إنما كانت مائتي ألف، فقال: وما حملك على ذلك، قال كثرة العيال، فسُقِطَ في يد الدّهقان، فحلف وأكد الأيمان أنه لم يودع عنده قليلا ولا كثيرا، فقال عمر للمغيرة: ما حمل على هذا؟، قال: إنه افترى عليّ، فأردت أن أُخزيه.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: توفي سنة تسع وأربعين، وهو أميرها، وقال ابن
стр. 494
سعد، وأبو حسان الزيادي، وغير واحد: مات سنة خمسين، ونقل الخطيب الإجماع من أهل العلم على ذلك، وفيها في شعبان أرخه ابن حبان. وقال ابن عبد البر: مات سنة إحدى وخمسين.
أخرج له الجماعة، وله (١٣٦) حديثًا، اتفق الشيخان على تسعة منها، وانفرد البخاريّ بحديث، ومسلم بحديثين (١). وله في هذا الكتاب (٢١) حديثًا. والباقيان تقدّما قبل حديثين. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين.
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، فميمون أخرج له مسلم في "المقدّمة" هذا الحديث.
٤ - (ومنها): أن سفيان فمن بعده هذا أول محلّ ذكرهم من الكتاب.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. قال النووي رحمه الله تعالى: وهذا كثير، وقد يَروِي ثلاثة تابعيّون بعضهم عن بعض، وهو أيضًا كثير، لكنه دون الأول، وقد يروي أربعة تابعيون بعضهم عن بعض، وهذا قليل جدّا، وكذلك وقع مثل هذا في الصحابة رضي الله تعالى عنهم، صحابي عن صحابي كثير، وثلاثة صحابة بعضهم عن بعض، وأربعة بعضهم عن بعض، وهو قليل جدّا، وقد جمعت أنا الرباعيات من الصحابة والتابعين في أول شرح "صحيح البخاري" بأسانيدها، وجمل من طُرفها. انتهى كلام النوويّ (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 495
وقد بيّن السيوطي رحمه الله تعالى أمثلة هذا النوع في كتابه "تدريب الراوي" ٢/ ٣٨٦، حيث قال:
النوع (السادس والسابع والسبعون): رواية الصحابة بعضهم عن بعض، والتابعين بعضهم عن بعض، هذان ذكرهما البلقيني في "محاسن الاصطلاح"، وقال: إنهما مُهِمّان؛ لأن الغالب رواية التابعين عن الصحابة، ورواية أتباع التابعين عن التابعين، فيحتاج إلى التنبيه على ما يخالف الغالب، قال:
ومن أمثلة الأول حديث اجتمع فيه أربعة صحابة، وهو حديث الزهري، عن السائب بن يزيد، عن حويطب بن عبد العزى، عن عبد الله بن السعدي، عن عمر بن الخطاب، مرفوعا: "ما جاءك الله به من هذا المال عن غير إشراف، ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك". وحديث خالد بن معدان، عن كثير بن مرة، عن نعيم بن هبار، عن المقداد بن معدي كرب، عن أبي أيوب، عن عوف بن مالك، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، وهو مرعوب، متغير اللون، فقال: "أطيعوني ما دمت فيكم، وعليكم بكتاب الله، فَأَحِلُّوا حلاله، وحرموا حرامه". وحديث اجتمع فيه أربع من نساء الصحابة، اثنتان من أمهات المؤمنين، وربيبتان للنبي ﷺ ، وهو ما رواه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من طريق ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن زينب بنت أم سلمة، عن حبيبة بنت أم حبيبة، عن أمها أم حبيبة، عن زينب بنت جحش، قالت: أتيت رسول الله ﷺ يوما، محمرا وجهه، وهو يقول: "لا إله إلا الله -ثلاث مرات- ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من رَدْمِ يأجوج ومأجوج مثل هذه، وعقد عشرا"، قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا كثر الخبث". وقد أفرد بعضهم هذه الأحاديث الثلاثة في جزء.
قال السيوطي: وقع في بعض الأجزاء حديثٌ اجتمع فيه خمسة من الصحابة، ثم أخرج بسنده عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن عثمان بن عفان، عن عمر بن الخطاب، عن أبي بكر الصديق،
стр. 496
عن بلال، قال: قال رسول الله ﷺ : "الموت كفارة لكل مسلم". انتهى كلام السيوطيّ ببعض اختصار، وقال في "ألفية الحديث" مشيرًا إلى هذا:
وَفِي الصِّحَابِ أَرْبَعٌ في سَنَدِ ... وَخَمْسَةٌ وَبَعْدَهَا لَمْ يُوجَدِ
وقد علّق العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله تعالى فيما كتبه على "ألفية المصطلح" للسيوطي على الحديث المذكور أخيرًا: ما نصّه: هكذا نقله الناظم في "التدريب" عن بعض الأجزاء، ورواه بإسناده هو، ولم يتكلّم على إسناده من صحّة، أو ضعف، وقد نقل المتن في "الجامع الصغير"، ورمز له بأنه رواه أبو نعيم في "الحلية"، والبيهقي في "الشعب" من حديث أنس، وأطال القول فيه في "اللآلىء المصنوعة" ٢/ ٢٢١ - ٢٢٢ وكل طرقه التي ذكرها من حديث أنس، ولم يذكر أنه جاء من رواية بلال، وكذلك نسبه العجلوني في "كشف الخفا" ٢/ ٢٨٩ للبيهقي والقضاعي، ولم أجد له إسنادًا عن بلال إلا الذي رواه به الناظم، وهو إسناد يحتاج إلى نظر كثير. انتهى كلام أحمد شاكر، والله تعالى أعلم بالصواب.
وأما شرح الحديث فيُعلم مما سبق، فلا حاجة إلى إعادته، ولنذكر هنا مسألتين تتعلّقان به:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث المغيرة بن شُعبة ﵁ هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٥/ ٤١) بالسند المذكور، و (مسلم) في "المقدّمة" (١/ ٧) و (الترمذيّ) رقم (٢٦٦٢) وقال: حسن صحيح.
[تنبيه]: قال الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى في "جامعه" (جـ: ٥ ص: ٣٦) -بعد أن أخرج حديث المغيرة ﵁ هذا -: ما نصّه:
"وفي الباب عن علي بن أبي طالب، وسمرة، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، ورَوَى شعبة عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن سمرة، عن النبي ﷺ هذا
стр. 497
الحديث، ورَوَى الأعمش، وابن أبي ليلى، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي، عن النبي ﷺ ، وكأن حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن سمرة عند أهل الحديث أصحُّ.
قال: سألت أبا محمد عبد الله بن عبد الرحمن، عن حديث النبي ﷺ : "من حَدَّث عَنِّي حديثًا، وهو يَرَى أنه كَذِبٌ فهو أحد الكاذبين". قلت له: مَن رَوَى حديثًا وهو يَعلَم أن إسناده خطأٌ أيُخافُ أن يكون قد دخل في حديث النبي ﷺ ، أو إذا رَوَى الناس حديثا مرسلًا، فأسنده بعضهم، أو قَلَبَ إسنادَه يكون قد دخل في هذا الحديث؟ فقال: لا، إنما معنى هذا الحديث: إذا رَوَى الرجل حديثًا، ولا يُعرَف لذلك الحديث عن النبي ﷺ أصلٌ، فحدَّث به، فأخاف أن يكون قد دخل في هذا الحديث. انتهى كلام الترمذيّ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره الإمام الترمذيّ عن الإمام أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ رحمهما الله تعالى كلام كلام نفيس، وتحقيقٌ أنيسٌ.
وحاصله أنه لا يدخل في هذا الوعيد من يُحدّث بالأحاديث الواردة بالأسانيد المرسلة، والمنقطعة، أو الأحاديث التي دخل على بعض رواتها قلب، أو نحوه، إنما الذي يدخل فيه من يروي الأحاديث التي لا أصل لها من الموضوعات، والواهيات بالمرّة، فإن روايتها لا تحلّ إلا لبيان كونها غير ثابتة، وأما القسم الأول، فإن الأولى لمن يرويها أن يُبيّن ما فيها من العلل، وإن لم يُبين ذلك اتّكالًا على إيراد أسانيدها، فلا بأس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 498
٦ - (باب اتِّباع سُنّة الخلفاء الراشدين المهديين)
وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال:
٤٣ - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَشِيرِ بْنِ ذَكْوَانَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي المُطَاعِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ يَقُولُ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّه ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَوَعَظنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنهَا الْعُيُونُ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّه وَعَظْتَنَا مَوْعِظَةَ مُوَدِّعٍ، فَاعْهَدْ إِلَيْنَا بِعَهْدٍ، فَقَالَ: "عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، وَسَتَرَوْنَ مِنْ بَعْدِي اخْتِلَافًا شَدِيدًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْأُمُورَ الْمُحْدَثَاتِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ".
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللَّه بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَشِيرِ بْنِ ذَكْوَانَ الدِّمَشْقِيُّ) الْبَهْرَانيّ، أبو عمرو، ويقال: أبو محمد المقريء، إمام الجامع، صدوقٌ مُقَدَّم في القراءة [١٠].
رَوَى عن أيوب بن تميم المقريء، وقرأ عليه، وبقية، وضمرة بن ربيعة، ومروان ابن محمد، والوليد بن مسلم، وغيرهم.
ورَوَى عنه أبو داود، وابن ماجه، وأحمد بن أبي الحواري، وهو من أقرانه، وابنُهُ أبو عبيدة أحمد بن عبد الله، وأبو زرعة الرازي، وأبو زرعة الدمشقي، وغيرهم.
قال هشام بن مَرْثد عن ابن معين: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال الوليد بن عُتبة: ما بالعراق أقرأُ منه. قال أبو زرعة الدمشقيّ: ولا بالحجاز، ولا بالشام، ولا بمصر، ولا بخراسان في زمنه عندي أقرأ منه. قال أبو زرعة: حدثني قال: وُلدت سنة (١٧٣) يوم عاشوراء، وتُوُفّي في شوال سنة (٢٤٢). وقال في موضع آخر: مات سنة (٣). وقال عمرو بن دُحيم: وُلد سنة (٧٣)، ومات سنة (٤٢). وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (٢٤٣). وله في هذا الكتاب (٦) أحاديث فقط برقم ٤٢ و٤٧٤ و١٣٢٧ و١٨١٧ و٣٢٨٥ و٤١٨٦.
стр. 499
٢ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولى بني أمية، وقيل: مولى بني العباس، أبو العبّاس الدمشقيّ، عالم الشام، ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨].
رَوَى عن حَرِيز بن عثمان، وصفوان بن عمرو، والأوزاعي، وابن جريج، وابن عجلان، وابن أبي ذئب، وسعيد بن عبد العزيز، والثوري، وعبد الله بن العلاء بن زَبْر، وثور بن يزيد، وغيرهم.
ورَوَى عنه الليث بن سعد، وهو من شيوخه، وبقية بن الوليد، وعبد الله بن وهب، وهما من أقرانه، والحميدي، وسليمان بن عبد الرحمن، وأحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه، وعلي بن المديني، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال حماد كاتبه عنه: جالست ابن جابر سبع عشرة سنة، وعنه قال: كنت إذا أردت أن أسمع من شيخ سألت عنه الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز. وقال الفضل بن زياد عن أحمد: ليس أَحَدٌ أَرْوَى عن الشاميين من إسماعيل بن عياش والوليد. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ما رأيت أعقل منه. وقال إبراهيم بن المنذر: سألني علي بن المديني أن أُخرج له حديث الوليد، فقلت له: سبحان الله وأين سماعي من سماعك؟ فقال: الوليد دخل الشام وعنده علم كثير، ولم استمكن منه، قال فأخرجته له، فتعجب من فوائده، وجعل يقول: كان يكتب على الوجه. وقال عبد الله بن علي بن المديني عن أبيه: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن الوليد، ثم سمعت من الوليد، وما رأيت من الشاميين مثله، وقد أغرب بأحاديث صحيحة، لم يَشرَكه فيها أحد. وقال أحمد ابن أبي الْحَوَاريّ: قال لي مروان بن محمد: إذا كتبت حديث الأوزاعي عن الوليد، فما تبالي مَنْ فاتك. وقال مروان أيضًا: كان الوليد عالما بحديث الأوزاعي. وقال أبو مسهر: كان الوليد معتنيا بالعلم. وقال أيضًا: كان من ثقات أصحابنا. وفي رواية من حفاظ أصحابنا. وقال أبو زرعة الدمشقي: قال لي أحمد: عندكم ثلاثة أصحاب حديث: مروان بن محمد، والوليد، وأبو مسهر. وقال يعقوب بن سفيان: كنت أسمع أصحابنا يقولون: علم الناس عند إسماعيل بن عَيّاش، والوليد بن
стр. 500
مسلم، فأما الوليد فمضى على سنته محمودًا، عند أهل العلم، متقنًا صحيحًا، صحيح العلم. وقال العجلي ويعقوب بن شيبة: الوليد بن مسلم ثقة. وقال محمد بن إبراهيم: قلت لأبي حاتم: ما تقول في الوليد بن مسلم؟ قال: صالح الحديث. وقال أبو زرعة الرازي: كان الوليد أعلم من وكيع بأمر المغازي. وقال ابن جَوْصاء: لم نزل نسمع أنه من كتب مصنفات الوليد صَلَح أن يلي القضاء، قال: ومصنفات الوليد سبعون كتابًا. وقال صدقة بن الفضل المروزي: قدم الوليد مكة، فما رأيت أحفظ للطوال، والملاحم منه، فجعلوا يسألونه عن الرأي، ولم يكن يحفظ، ثم رجع وأنا بمكة، وإذا هو قد حفظ الأبواب، وإذا الرجل حافظ متقن. وقال الحميدي: قال لنا الوليد بن مسلم: إن تركتموني حدثتكم عن ثقات شيوخنا، وإن أبيتم فاسألوا نحدثكم بما تسألون.
وقال الإسماعيلي: أُخبرت عن عبد الله بن أحمد عن أبيه قال: كان الوليد رَفّاعًا.
وقال المروذي عن أحمد: كان الوليد كثير الخطإ. وقال حنبل عن ابن معين: سمعت أبا مسهر يقول: كان الوليد ممن يأخذ عن أبي السَّفَر حديث الأوزاعي، وكان أبو السفر كذابًا. وقال مؤمل بن إهاب عن أبي مسهر: كان الوليد بن مسلم يحدث حديث الأوزاعي عن الكذابين، ثم يُدَلِّسها عنهم. وقال صالح بن محمد: سمعت الهيثم بن خارجة يقول: قلت للوليد: قد أفسدت حديث الأوزاعي، قال: كيف؟ قلت: تروي عن الأوزاعي عن نافع، وعن الأوزاعي عن الزهري، ويحيى بن سعيد، وغيرك يُدخل بين الأوزاعي وبين نافع عبد الله بن عامر، وبينه وبين الزهري إبراهيم بن مُرّة، وقُرّة، وغيرهما، فما يَحمِلك على هذا؟ قال أُنَبِّل الأوزاعي عن هؤلاء. قلت: فإذا رَوَى الأوزاعي عن هؤلاء وهؤلاء وهم ضعفاء، أحاديثَ مناكير فأسقطتهم أنت، وصَيَّرتهَا من رواية الأوزاعي عن الثقات ضُعِّف الأوزاعي، قال: فلم يَلتَفت إلى قولي. وقال الدارقطني: كان الوليد يُرسل، يروي عن الأوزاعي أحاديث عند الأوزاعي عن شيوخ ضعفاء، وعن شيوخ قد أدركهم الأوزاعي، فيسقط أسماء الضعفاء، ويجعلها عن الأوزاعي عن نافع، وعن عطاء. وقال الْفَسَوي: سألت هشام بن عمار عن الوليد،
стр. 501
فأقبل يصف علمه وورعه وتواضعه. وقال ابن اليمان: ما رأيت مثله. وقال الآجريّ: سألت أبا داود عن صدقة بن خالد، فقال: هو أثبت من الوليد، الوليدُ رَوَى عن مالك عشرة أحاديث، ليس لها أصل، منها أربعة عن نافع. وقال مهنا: سألت أحمد عن الوليد، فقال: اختلطت عليه أحاديث ما سمع وما لم يسمع، وكانت له منكرات، منها حديث عمرو بن العاص: "لا تُلَبِّسُوا علينا ديننا ﷺ " (١)، في هذا عن النبي ﷺ وقال عبد الله بن أحمد: سئل عنه أبي، فقال: كان رَفّاعًا.
قال دُحَيم عن ابن بنت الوليد: وُلد الوليد سنة تسع عشرة ومائة. وقال ابن سعد ويعقوب بن شيبة وغيرهما: حج الوليد سنة أربع وتسعين، ومات بعد انصرافه من الحج قبل أن يصل إلى دمشق، وفي سنة أربع أرخه عمرو بن علي وأبو موسى وغيرهما. وقال دُحيم وغير واحد: مات في المحرم سنة خمس وتسعين. وقال البخاري: قال لي إبراهيم بن المنذر: قال لي حرملة بن عبد العزيز: نزل عليّ الوليدُ قافلًا من الحج، فمات عندي بذي المُرْوة. وقال معاوية بن صالح: مات سنة ست وتسعين، ولم يتابع على ذلك. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢٠) حديثًا.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْعَلَاءِ) بن زَبْر -بفتح الزاي، وسكون الموحّدة- ابن عُطارد بن عمرو بن حُجْر، أبو زَبْر، ويقال: أبو عبد الرحمن الرَّبَعِيّ الدمشقيّ، ثقة [٧].
رَوَى عن بشر بن عبيد الله، وثور بن يزيد، وربيعة بن مَرْثد، وسالم بن عبد الله بن عُمَر، والضحاك بن عبد الرحمن، وعطية بن قيس، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، والوليد بن مسلم، وغيرهم.
стр. 502
ورَوَى عنه ابنه إبراهيم، وزيد بن الحباب، وعمر بن أبي سلمة، ومحمد بن شعيب، ومروان بن محمد، وشبابة بن سوار، وأبو مسهر، وأبو المغيرة، وجماعة.
قال حنبل عن أحمد: مقارب الحديث، وقال الدُّوريّ، وابن أبي خيثمة، وغير واحد عن ابن معين: ثقة. وكذا قال دُحَيم، وأيو داود، ومعاوية بن صالح، وهشام بن عمار. وقال النسائي: ليس به بأس، وكذا قال محمد بن عوف عن ابن معين. وقال ابن سعد: كان ثقة -إن شاء الله-. وقال عثمان الدارمي: سألت عبد الرحمن -يعني دحيمًا- عنه فوثقه جدّا. وقال يعقوب بن سفيان: سألته -يعني دحيمًا- عنه فقال: كان ثقة، وكان من أشراف البلد. قال يعقوب: وعبد الله بن العلاء ثقة، أثنى عليه غير واحد. وقال عمرو بن عليّ: حديث الشاميين كله ضعيف، إلا نفرًا منهم: عبد الله بن العلاء. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، وقال في موضع آخر: هو أحب إلي من أبي مُعَيْد حفص ابن غَيْلان. وقال الدارقطني: ثقة يُجمَع حديثه. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال النسائي في "التمييز": ليس به بأس شامي. وقال العجلي: شامي ثقة. ونقل الإمام الذهبي في "الميزان" أن ابن حزم نقل عن ابن معين أنه ضعفه. قال الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذي": لم أجد ذلك عن ابن معين بعد البحث. قال الحافظ: ووقع في "المحَلَّى" لابن حزم في الكلام على حديث أبي ثعلبة في آنية أهل الكتاب: عبدُ الله بن العلاء ليس بالمشهور، وهو متعقب بما تقدم. انتهى (١).
قال إبراهيم بن عبد الله: تُوُفي أبي سنة أربع وستين ومائة، وهو ابن تسع وثمانين سنة، وصَلَّى عليه سعيدُ بن عبد العزيز. وقال إبراهيم في رواية أخرى: مات سنة خمس.
أخرج له الجماعة، سوى مسلم، وله في هذا الكتاب (٤) أحاديث فقط برقم ٤٢ و٣٨٤٦ و٤٠٣٢ و٤٠٨٥.
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي المُطَاعِ) القرشيّ الأُرْدُنّيّ -بتشديد النون- ابن أخت بلال،
стр. 503
مؤذّن النبيّ ﷺ ، صدوقٌ [٤].
رَوَى عن العرباض بن سارية، ومعاوية. ورَوَى عنه عبد الله بن العلاء بن زَبْر، وعطاء الخراساني، والوليد بن سليمان بن أبي السائب، ذكره أبو زرعة في الطبقة الرابعة. وقال عثمان الدارمي عن دُحَيم: ثقة معروف. وذكوه ابن حبان في "الثقات". وقال أبو زرعة لِدُحَيم تعجبًا من حديث الوليد بن سليمان قال: صحبتُ يحيى بن أبي المطاع، كيف يحدث عبدُ الله بنُ العلاء بن زَبْر عنه أنه سمع العرباض، مع قرب عهد يحيى، قال: أنا من أنكر الناس لهذا، والعرباض قديم الموت. وزعم ابن القطان أنه لا يعرف حاله.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول ابن القطّان: لا يعرف حاله، متعقّبٌ بقول دُحيم المذكور آنفًا -وهو أعرف به-: ثقة معروف.
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٥ - (الْعِرْبَاضَ (١) بْنَ سَارِيَةَ) السُّلَمِيّ، كنيته أبو نَجِيح، صحابيّ مشهورٌ، كان من أهل الصُّفّة، وهو أحد البكّائين الذين نزل فيهم قوله : ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٩٢] نَزَل الشام، وسكن حِمْص، رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن أبي عُبيدة بن الْجَرّاح، وعنه ابنته أم حبيبة، وعبد الرحمن بن عمرو السُّلَميّ، وسعيد بن هانىء الْخَوْلانيُّ، وجُبير بن أبي سليمان بن جبير، وحُجْر بن حجر الكَلاعيُّ، وحكيم بن عمير، وعبد الله بن أبي بلال، وأبو رُهْم السماعي، ويحيى بن أبي المطاع، وآخرون.
قال محمد بن عوف كل واحد من العرباض بن سارية، وعمرو بن عَبَسَة يقول: أنا ربع الإسلام، لا نَدري أيهما أسلم قبل صاحبه. قال ضمضم بن زُرعة، عن شُريح ابن عُبيد: كان عُتبة بن عبد يقول: عرباض خير مني، وكان عرباض يقول: عتبة خير
стр. 504
مني سبقني إلى النبي ﷺ بسنة.
قال خليفة: مات في فتنة ابن الزبير. وقال أبو مسهر وغير واحد: مات سنة (٧٥). وقال أبو عمر محمد بن عبد الواحد اللغويّ الزاهد غلام ثعلب: "العرباض": الطويلُ من الناس وغيرهم، الْجَلْدُ المخاصِمُ من الناس، وهو مدح. و"السارية": الأسطوانة.
قال ابن الْبَرْقيّ: له بضعة عشر حديثًا (١).
أخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط هذا الحديث ٤٢ وأعاده بعده ٤٣ وحديث رقم ٩٨٦ ورقم ٢٢٧٧. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الشاميين من أوله إلى آخره، إلا أن فيه انقطاعًا بين يحيى والعرباض ﵁، كما سيأتي بيانه.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ من المقلّين من الرواية، فليس له إلا نحو عشرة أحاديث، وهي في "السنن". راجع "تحفة الأشراف" ٧/ ٢٨٦ - ٢٩٠، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن يَحْيى بْنِ أَبِي المُطَاعِ القرشيّ الأردنّيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَة) ﵁ هكذا ثبت تصريح يحيى بسماعه من العرباض ﵁ في هذه الرواية، وقد سبق في ترجمته أن أبا زرعة ودُحيمًا أنكرا سماعه منه، لأنه قديم الموت، وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الثالثة -إن شاء الله تعالى-.
стр. 505
(يَقُولُ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّه ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ) ظرف متعلّق بـ "قام": أي يومًا من الأيام، قيل: "ذات" مقحمة، وقيل: بل هي من إضافة الشيء إلى نفسه على رأي من يُجيزه. قاله في "الفتح" (١). وقال الطيبيّ: "ذات" يجوز أن تكون صلة، قال صاحب "النهاية" في حديث: "يطلع عليكم رجلٌ من ذي يَمَنٍ على وجهه مَسْحة من ذي مُلْك": كذا أورده أبو عُمَر الزاهدُ، وقال: "ذي" هنا صِلَةٌ: أي زائدة (٢). وأن تكون غير صِلَة في "المغرب": "ذو" بمعنى الصاحب، تقول للمرأة: امرأة ذات مال، ثم أجروها مُجرَى الأسماء التامّة المستقلّة بأنفسها، فقالوا: ذات قديمة أو محدثةٌ، ثم استعملوها استعمال النفس والشيء، فعلى هذا قوله: "ذاتَ يوم" يفيد من التوكيد ما لا يُفيده لو لم يُذكر؛ لئلّا يُتوهَّمَ التجوّز إلى مطلق الزمان، نحو قولك: رأيت نفس زيد، وقولك: رأيت زيدًا. انتهى كلام الطيبيّ (٣).
وفي الرواية الآتية بعد حديث (٤٤) من رواية عبد الرحمن بن عمرو السلميّ، عن العرباض ﵁ قال: "صلّى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح، ثم أقبل علينا بوجهه، فوعظنا ... " الحديث.
(فَوَعَظَنَا) من باب ضرب، يقال: وعَظَه يَعِظه وَعْظًا وعِظَةً -بكسرٍ، ففتح-: أمره بالطاعة، ووصّاه بها، وعليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ الآية [سبأ: ٤٦]: أي أُوصِيكم وآمركم، فاتّعظ: أي ائتمر، والاسم الموعِظة. قاله الفيّوميّ (٤) (مَوْعِظَةً) بفتح الميم، وسكون الواو، وكسر العين الهملة: اسم من الوعظ. وقوله (بَلِيغَةً) صفة لـ "موعظة": أي تامّةً في الإنذار من المبالغة: أي بالغ فيها بالإنذار
стр. 506
والتخويف، لا من البلاغة المفسّرة بوجازة اللفظ، وكثرة المعنى مع البيان؛ لعدم المناسبة بالمقام. قاله في "المرعاة" (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "البلاغة الخ" فيه نظر، أيّ مانع من إرادة البلاغة بالمعنى الثاني، بل هو أقرب؛ لأن المبالغة بالإنذار والتخويف يوجد بها، كما هو أسلوب القرآن الكريم، فإن البلاغة هي التعبير عن المعنى الصحيح بما طابقه من اللفظ الرائق من غير مزيد على المقصود، ولا انتقاص عنه في البيان. ومعنى بلاغة الكلام مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته، ومعنى مقتضى الحال أن يعبر بالتنكير في محله، وبالتعريف في محلّه، وما أشبه ذلك. قاله الكفويّ. انتهى (٢).
وقال في "اللسان": البلاغة: الفصاحة، ورجلٌ بَلِيغٌ -بفتح، فكسر- وبَلْغٌ -بفتح، فسكون- وبِلْغٌ -بكسر، فسكون-: حسنُ الكلام، فصيحه، يَبْلُغُ بعيارة لسانه كُنْهَ ما في قلبه، والجمع بُلغاء. انتهى (٣).
ومما لا شكّ فيه أن موعظته ﷺ مشتملة على البلاغة بمعناها اللغويّ، والاصطلاحيّ، فلا وجه لإنكار تفسير قوله: "بليغة" بهذا المعنى، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: البلاغة في الموعظة مستحسنة؛ لأنها أقرب إلى قبول القلوب، واستجلابها، والبلاغة هي التوصل إلى إفهام المعاني المقصودة، وإيصالها إلى قلوب السامعين بأحسن صورة، من الألفاظ الدالة عليها، وأفصحِها، وأحلاهما للأسماع، وأوقعِها في القلوب. انتهى (٤).
стр. 507
(وَجِلَتْ) -بفتح، فكسر-: أي خافت وخشعت، يقال: وَجِل كفَرِحَ يوجَل بالفتح، ويَيْجلُ، وياجَل ويِيجَل بكسر أوله وَجلَا وموجَلًا بفتح الجيم، كمَقْعَد. أفاده في "القاموس" (مِنْهَا الْقُلُوبُ) بالرفع على الفاعليّة لـ"وجل": أي خافت من أجل تلك الموعظة البليغة قلوب الحاضرين؛ لتأثيرها في النفوس، واستيلاء سلطان الخشية عليها (وَذَرَفَت) بفتح الراء: أي دمعت، يقال: ذَرَف الدمع يَذْرِف ذَرْفًا، وذَرَفَانًا، وذُروفًا، وذَرِيفًا، وتَذْرَافًا: سال، وعينُهُ: سال دمعها. قاله في "القاموس" (مِنْهَا الْعُيُونُ) بالرفع أيضًا على الفاعلية: أي سال منها الدمع، وإسناد الذَّرْف إلى العيون مع أن السائل دمعها، كإسناد الفيض إليها في قوله تعالى: ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ الآية [التوبة:٩٢]، كأن أعينهم ذَرَفت مكان الدمع، ففيه من المبالغة ما لا يخفى.
والمقصود أنها أثّرت فيهم ظاهرًا وباطنًا.
ووقع في الرواية التالية تقديم قوله: "ذَرَفت منها العيون" على قوله: "وجِلَت منها القلوب"، قيل: فائدة تقديمه عليه مع أن الأولى تأخيره؛ للإشعار بأن الموعظة أثّرت فيهم، وأخذت بمجامعهم ظاهرًا وباطنًا. (١).
(فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَعَظْتَنَا مَوْعِظَةَ مُوَدِّعٍ) بنصب "موعظة" على أنه مفعول مطلق نوعيّ، وإضافته إلى "المودع" وهو بتشديد الدال المهملة المكسورة، اسم فاعل من ودعّ توديعًا: إذا شيّعه عند سفره، أي كأنك تودّعنا بهذه الموعظة حيث بالغت فيها، وفائدة هذا القيد أن المودِّع -بالكسر- لا يترك عند الوَداع شيئًا مما يُهِمّ المُوَدَّع -بالفتح- ويفتقر إليه إلا ويورده، ويستقصي فيه (٢).
(فَاعْهَدْ) بفتح الهاء أمر من العَهْد بمعنى الوصيّة، والفاء فصيحيّة، أي إذا كان الأمر كذلك فمرنا بما فيه كمال صلاحنا. وقوله (إِلَيْنَا بِعَهْدٍ) متعلّق بما قبله: أي أَوْصِنَا
стр. 508
بوَصِيّة، و"العَهْد": الوصيّةُ، يقال: عَهِدَ إليه يَعْهَدُ من باب تَعِبَ: إذا أوصاه. وفي الرواية التالية: "فماذا تعهد إلينا". وفي رواية لأحمد بلفظ: "فأوصنا".
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: قولهم: "فأوصنا". يَعْنُون وصيةً جامعةً كافيةً، فإنهم لمّا فَهِمُوا أنه مُوَدِّع استوصوه وصيةً ينفعهم التمسك بها بعده، ويكون فيها كفايةٌ لمن تمسك بها، وسعادة له في الدنيا والآخرة.
(فَقَالَ: "عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّه) أي الزموا تقوى الله تعالى، وهذا من جوامع كلمه ﷺ ؛ لأن التقوى امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، فهي كافلة سعادة الدنيا والآخرة لمن تمسّك بها، وهي وصيّة الله للأولين والآخرين بقوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١] (وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ) أي
وعليكم بقبول قول من ولّاه الله عليكم، وطاعته بما أمركم به عادلًا كان أو جائرًا ما لم يأمر بمعصية؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا) خبرٌ لـ "كان" المحذوفة مع اسمها، أي وإن كان المطاع عبدًا حبشيًّا، وهذا الحذف كثيرٌ بعد "إن"، كما أشار إليه ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:
وَيَحْذِفُونَهَا وَيُبْقُونَ الخُبَرْ ... وَبَعْدَ "إِنْ" وَ"لَوْ" كَثِيرًا ذَا اشْتَهَرْ
وفي رواية الترمذيّ: "وإن عبدٌ حبشيّ"، وعليه فيكون الحذف لـ"كان" مع خبرها، أي وإن كان عبد حبشيّ مُوَلًّى عليكم، وهذا الحذف أقلّ مما قبله. وفي رواية لأحمد والدارميّ: "وإن كان عبدًا حبشيّا".
والمعنى: وإن صار أدنى الخلق أميرًا عليكم، فلا تستنكفوا عن طاعته، أو لو استولى عليكم عبد حبشيّ فأطيعوه مخافة إثارة الفتن.
قال الخطّابي رحمه الله تعالى: يريد به طاعة من ولّاه الإمام عليكم، وإن كان عبدًا حبشيّا، ولم يُرد بذلك أن يكون الإمام عبدًا حبشيّا، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "الأئمة من قريش"، وقد يُضرب المثلُ في الشيء بما لا يكاد يصحّ في الوجود، كقوله ﷺ : "من بنى لله مسجدًا، ولو كمَفْحَص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنّة"، وقدرُ مَفْحَص القطاة لا
стр. 509
يكون مسجدًا لشخص آدميّ. ونظائر هذا في الكلام كثير. انتهى (١).
وقال الطيبيّ: هذا واردٌ على سبيل المبالغة، لا التحقيق، كما جاء: "من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة"، يعني لا تستنكفوا عن طاعة من وُلّي عليكم، ولو كان عبدًا حبشيّا؛ إذ لو استنكفتم عنه لأدّى إلى إثارة الحرب، وتهييج الفتن، وظهور الفساد في الأرض، فعليكم بالصبر والمداراة حتى يأتي أمر الله. انتهى (٢).
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: هذا مما تكاثرت به الروايات عن النبي ﷺ ، وهو مما اطّلَعَ عليه النبي ﷺ من أمر أمته بعده، وولايةِ العبيد عليهم.
وفي "صحيح البخاري" عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "اسمعوا وأطيعوا وإن استُعمِلَ عليكم عبد حبشي، كان رأسه زبيبة"، وفي "صحيح مسلم" عن أبي ذر ﵁ قال: "إن خليلي ﷺ أوصاني أن أسمع وأطيع، ولو كان عبدًا حبشيا مُجَدَّع الأطراف".
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جِدّا، ولا ينافي هذا قوله ﷺ : "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي في الناس اثنان"، متّفقٌ عليه، وقوله ﷺ : "الناس تبع لقريش"، متّفقٌ عليه، وقوله ﷺ : "الأئمة من قريش" (٣)؛ لأنّ ولاية العبيد قد تكون من جهة إمام قُرَشِيٍّ، ويشهد لذلك ما أخرجه الحاكم من حديث علي ﵁ عن النبي ﷺ : قال: "الأئمة من قريش، أبرارُها أمراء أبرارها، وفُجّارها أمراء فجارها، ولكلٍّ حقٌّ فآتوا كل ذي
стр. 510
حق حقه، وإن أَمَّرَت عليكم قريشٌ عبدًا حبشيّا فاسمعوا له وأطيعوا"، وإسناده جيد، ولكنه رُوي عن علي موقوفا، وقال الدارقطني: هو أشبه.
وقد قيل: إن العبد الحبشي إنما ذَكَرَه على وجه ضرب المثل، وإن لم يصح وقوعه، كما قال النبي ﷺ فيمن بنى مسجدًا، ولو كمَفْحَص قَطاة (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن يؤوّل بأن المراد به من تولّى من جهة الإمام، أو أن هذا مثلٌ ضربه النبيّ ﷺ ، وإن لم يصحّ وقوعه. أو هو محمول على المتغلّب المتسلّط. والله تعالى أعلم.
(وَسَتَرَوْنَ مِنْ بَعْدِي) أي بعد موتي (اخْتِلَافًا شَدِيدًا) وفي رواية أبي داود: "فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا" قال الطيبيّ: والفاء في "فإنه" للتسبيب، جَعَلت ما بعدها سببًا لما قبلها، يعني من قبِل وصيّتي، والتزم تقوى الله، وقَبِل طاعة من وليّ عليه، ولم يُهيج الفتن أمن بعدي ما يرى من الاختلاف الكثير، وتشعُّب الآراء، ووقوع الفتن، ثم أكّد الوصيّة بقوله: "فعليكم بسنتي" على سبيل الالتفات، وعطف عليه قوله: "وإياكم ومحدثات الأمور" تقريرًا بعد تقرير، أو توكيدًا بعد توكيد، وكذا قوله: "تمسّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ" تشديد على تشديد. انتهى.
(فَعَلَيْكُم) اسم فعل بمعنى الزموا (بسُنَّتِي) أي بطريقتي الثابتة عنّي واجبًا، أو مندوبًا: أي فالزموها، واعملوا بها (وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ) أي والزموا سنتهم؛ لأنهم فيما سنّوه إما متّبعون لسنتي نفسها، وإما متّبعون لما فهموا منها في الجملة وظهر لهم تفصيلها على وجه يَخفى على غيرهم.
قال المنذريّ رحمه الله تعالى في "مختصر السنن" والخلفاء: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ ﵁، وقال رسول الله ﷺ : "اقتَدُوا بالذين من بعدي: أبي بكر وعمر"، فخص اثنين، وقال: "فإن لم تَجِديني فأْتِي أبا بكر"، فخصه، فإذا قال أحدهم، وخالفه
стр. 511
فيه غيره من الصحابة كان المصير إلى قوله أولى. انتهى كلام المنذريّ (١).
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: والخلفاء الراشدون الذين أُمرنا بالاقتداء بهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ ﵁، فإن في حديث سفينة ﵁ عن النبي ﷺ : "الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم يكون مُلْكًا"، وقد صححه الإمام أحمد، واحتج به على خلافة الأئمة الأربعة.
ونَصَّ كثير من الأئمة على أن عمر بن عبد العزيز خليفة راشد أيضًا، ويدل عليه ما أخرجه الإمام أحمد من حديث حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: تكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوّة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله، ثم تكون ملكا عَاضّا ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة"، ثم سكت. فلما وُلِّيَ عمرُ بن عبد العزيز دخل عليه رجل، فحدثه بهذا الحديث، فَسُرّ له، وأعجبه (٢).
стр. 512
وكان محمد بن سيرين يُسْأَل أحيانا عن شيء من الأشربة، فيقول: نَهَى عنه إمام هدى عمرُ بنُ عبد العزيز ﵁ ورحمه (١).
وقال القاري في "المرقاة": الخلفاء قيل: هم الخلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵁؛ لأنه ﷺ قال: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة"، وقد انتهت بخلافة علي ﵁. انتهى (٢).
(الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ) قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: إنما وصف الخلفاء بـ "الراشدين"؛ لأنهم عرفوا الحقّ، وقَضَوا به، فالراشد ضد الغاوي، والغاوي من عرف الحق وعمل بخلافه، وقوله: "المهديين" يعني أن الله يَهديهم للحق، ولا يُضلهم عنه، فالأقسام ثلاثة: راشد، وغَاوٍ، وضالّ، فالراشدُ عَرَفَ الحقَّ واتبعه، والغاوي عرفه ولم يتبعه، والضالُّ بالكلية لم يَعرِفه بالكلّيّة، فكل راشد فهو مهتدٍ، وكل مهتد هداية تامة فهو راشد؛ لأن الهداية إنما تتم بمعرفة الحق والعمل به أيضًا. انتهى (٣).
وقال بعض المحققين: وصف "الراشدين" بـ"المهديين"؛ لأنه إذا لم يكن مهتديا في نفسه لم يصلح أن يكون هاديا لغيره؛ لأنه يوقع الخلق في الضلالة من حيث لا يشعر. فأبو بكر الصدّيق، وعمر الفاروق، وعثمان ذو النورين، وأبو تراب عليّ ﵃ لما كانوا أفضل الصحابة، وواظبوا على استمطار الرحمة من السحابة النبويّة، وخصّهم الله تعالى
стр. 513
بالمراتب العليّة، والمناقب السنيّة، ووطّنوا أنفسهم على مشاقّ الأسفار، ومجاهدة النفس، والقتال مع الكفّار، أنعم الله تعالى عليهم بمنصب الخلافة العظمى، والتصدّي إلى الرئاسة الكبرى؛ لإشاعة أحكام الدين، وإعلاء أعلام الشرع المتين، رفعًا لدرجاتهم، وازديادًا لمثوباتهم.
فخلف الصدّيق ﵁ بإجماع الصحابة ﵃ سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام؛ لعلمه، وحمله ووقاره، وسلامة نفسه، ولين جانبه، والناس متحيّرون، والأمر غير ثابت، فحَمَى بيضة الدين، ودفع غوائل المرتدّين، وجمع القرآن، وفتح بعض البلدان.
ثم استُخلف الفاروق ﵁، والأمر مستقرّ، والقوم مطيعون، والفِتَن ساكنة، فرفع رايات الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وفَتَح أكثر أقاليم الأرض؛ لأنه في غاية الصلابة، وكمال الشهامة، ومتانة الرأي، وحسن التدبير، وخلافته عشر سنين وستة أشهر وعشر ليال.
ثم بويع لعثمان ﵁ لكونه أحقّ من وُجد في ذلك الوقت لدى أهل الحلّ والعقد، من المهاجرين والأنصار، فأظهر في مدّة اثنتي عشرة سنة مساعي جميلة في الإسلام، وجمع الناس على مصحف واحد بعد ما كانوا يقرءون بقراءات مختلفة على حسب السماع، وبَعَث بها إلى الآفاق، ولذا نُسب المصحف إليه، وجُعل إمامًا.
ثم بويع بعده لعليّ ﵁؛ لأنه أفضل الصحابة بعدهم، وسيّد بني هاشم بعد رسول الله ﷺ ، فلو لم تقع الخلافة على الترتيب المذكور لحُرم أحدهم من ذلك المنصب المشكور، ولا يخفى كون هذا من جملة معجزاته ﷺ الدالّ على صدق نبوّته؛ لأنه استبدّ بذكر هذا الغيب، وقال: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكًا عضوضًا"، ووقع كما قال (١).
وقال التوربشتيّ في "شرح المصابيح": المعنيّون بهذا القول هم الخلفاء الأربعة؛
стр. 514
لأنه قال في حديث آخر: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة"، وقد انتهت الثلاثون بخلافة علي ﵁، وليس معنى هذا القول نفي الخلافة عن غيرهم؛ لأن النبيّ ﷺ قال: "يكون في أمتي اثنا عشر خليفةً"، وإنما المراد تفخيم أمرهم، وتصويب رأيهم، والشهادة لهم بالتفوّق فيما يمتازون به عن غيرهم من الإصابة في العلم، وحسن السيرة، واستقامة الأحوال، ولهذا وصفهم بـ "الراشدين"، وهم الذين أوتوا الرشَدَ في مقاصدهم الصحيحة، وهُدُوا إلى الأقوم والأصلح في أقوالهم وأفعالهم.
وإنما ذكر سنّتهم في مقابلة سنّته؛ لأمرين:
(أحدهما): أنه عَلِم أنهم لا يُخطئون فيما يستخرجونه من سنته باجتهادهم.
(والثاني): أنه ﷺ عَلِم أن بعضًا من سننه لا يشتهر بزمانه، وإن عَلِمه الأفراد من أصحابه، ثم يشتهر في زمانهم، فيضاف إليهم، فربما يستدرع أحدٌ من ردّ تلك السنن بإضافتها إليهم، فأطلق القول باتباع سنتهم؛ سدّا للباب. انتهى.
وقيل: الحديث عامّ في كلّ خليفة راشد لا يخُصّ الخلفاء الراشدين الأربعة، ومعلومٌ من قواعد الشريعة أنه ليس لخليفة راشد أن يَشرَع طريقة غير ما كان عليها النبيّ ﷺ ، فليس المراد في الحديث بسنة الخلفاء الراشدين إلا طريقتهم الموافقة لطريقته ﷺ من جهاد الأعداء، وتقوية شعائر الدين، ونحوها. انتهى. (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد بالموافقة في قوله: "الموافقة لطريقته ﷺ " الموافقة إما نصّا، أو استنباطًا، فافهم. والله تعالى أعلم.
وقال الشوكانّي في "الفتح الرباني": إن أهل العلم قد أطالوا الكلام في هذا، وأخذوا في تأويله بوجوه، أكثرها مُتَعَسَّفة، والذي ينبغي التعويل عليه، والمصير إليه هو العمل بما يدل عليه هذا التركيب، بحسب ما تقتضيه لغة العرب، فالسنة هي الطريقة، فكأنه قال: الزموا طريقتي، وطريقة الخلفاء الراشدين، وقد كانت طريقتهم هي نفس
стр. 515
طريقته، فإنهم أشد الناس حرصًا عليها، وعملًا بها في كل شيء، وعلى كل حال، كانوا يَتَوَقَّون مخالفته في أصغر الأمور فضلًا عن أكبرها، وكانوا إذا أعوزهم الدليل من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ عملوا بما يَظهَر لهم من الرأي بعد الفحص والبحث والتشاور والتدبر، وهذا الرأي عند عدم الدليل هو أيضا من سنته؛ لِمَا دل عليه حديث معاذ ﵁ لمّا قال له رسول الله ﷺ : "بم تقضي؟ " قال: بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد"، قال: فبسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد"، قال: أجتهد رأيي، قال: "الحمد لله الذي وَفَّق رسولَ رسوله"، أو كما قال ﷺ ، وهذا الحديث -وإن تكلم فيه بعض أهل العلم بما هو معروف- فالحق أنه من قسم الحسن لغيره، وهو معمول به، وقد أوضحت هذا في بحث مستقل.
[فإن قلت]: إذا كان ما عَمِلوا فيه بالرأي هو من سنته لم يبق لقوله: "وسنة الخلفاء الراشدين" ثمرة.
[قلت]: ثمرته أن من الناس من لم يُدرك زمنه ﷺ ، وأدرك زمن الخلفاء الراشدين، أو أدرك زمنه وزمن الخلفاء، ولكنه حَدَث أمرٌ لم يَحدُث في زمنه، ففعله الخلفاء، فأشار بهذا الإرشاد إلى سنة الخلفاء إلى دفع ما عساه يتردد في بعض النفوس من الشك، ويَختلِج فيها من الظنون، فأقل فوائد الحديث أن ما يَصدُر عنهم من الرأي، وإن كان من سنته كما تقدم، ولكنه أولى من رأي غيرهم عند عدم الدليل.
وبالجملة فكثيرًا ما كان ﷺ ينسب الفعل أو الترك إليه، أو إلى أصحابه في حياته، مع أنه لا فائدة لنسبته إلى غيره مع نسبته إليه؛ لأنه محل القدوة، ومكان الأسوة، فهذا ما ظهر لي في تفسير هذا الحديث، ولم أقف عند تحريره على ما يوافقه من كلام أهل العلم، فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله العظيم.
انتهى كلام الشوكاني (١).
стр. 516
وقيل: المعنى في ذكر سنة الخلفاء مع سنّته أن يُعْلَم أن النبيّ ﷺ مات على تلك السنّة، وأنه لا يحتاج مع قول النبيّ ﷺ إلى قول أحد، فلا زائد إذًا على ما ثبت في السنّة إلا أنه قد يُخاف أن تكون منسوخة بسنة أخرى، فافتقر العلماء إلى النظر في عمل الخلفاء بعده؛ ليعلموا أن ذلك هو الذي مات عليه النبيّ ﷺ من غير أن يكون له ناسخٌ؛ لأنهم كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمره. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا يقتضي أن المراد بسنة الخلفاء هي السنة المنصوص عليها فقط، وهذا خلاف الصواب، بل الحقّ أن لهم سنة تُعزى إليهم، وهي التي استنبطوها من الأدلّة الشرعيّة، فنُسبت إليهم، فأمر ﷺ باتباعها؛ لأنها مستنبطة من سنته. فتفطّن، والله الهادي إلى سواء السبيل.
وقال صاحب "سبل السلام": أما حديث: "عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين بعدي، فإنه ليس المراد بسنّة الخلفاء الراشدين إلا طريقتهم الموافقة لطريقته ﷺ من جهاد الأعداء، وتقوية شعائر الدين ونحوها، فإن الحديث عام لكل خليفة راشد، لا يَخُصُّ الشيخين، ومعلوم من قواعد الشريعة أنه ليس لخليفةٍ راشدٍ أن يَشْرَع طريقةً غير ما كان عليها النبي ﷺ .
ثم هذا عمر ﵁ نفسُهُ الخليفةُ الراشد سَمَّى ما رآه من تجميع صلاته ليالي رمضان بدعةً، ولم يَقُل: إنها سنة فتأمل.
على أن الصحابة ﵃ خالفوا الشيخين في مواضع ومسائل، فدل على أنهم لم يحملوا الحديث على أن ما قالوه، وفعلوه حجة.
قال المباركفوريّ ﵀ بعد نقل كلام صاحب "السبل" هذا: فإذا عرفت أنه ليس المراد بسنة الخلفاء الراشدين إلا طريقتهم الموافقة لطريقته ﷺ لاح لك أن الاستدلال على كون الأذان الثالث -يعني أذان الجمعة- الذي هو من مجتهدات عثمان ﵁ أمرًا مسنونًا ليس بتامّ، ألا ترى أن ابن عمر ﵁ قال: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة، فلو كان هذا الاستدلال تاما، وكان الأذان الثالث أمرًا مسنونًا، لم يُطلِق عليه
стр. 517
لفظ البدعة، لا على سبيل الإنكار، ولا على سبيل غير الإنكار، فإن الأمر المسنون لا يجوز أن يُطلَق عليه لفظ البدعة بأي معنى كان، فتفكر.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي فيما قاله المباركفوريّ نظرٌ؛ بل الحقّ أنه لا تنافي بين تسمية عمر ﵁ للتراويح، ولا ابن عمر ﵄ للأذان المذكور بدعةً وبين الأمر باتباع سنة الخلفاء في حديث الباب؛ لأن التسمية تعود إلى اللغة، لا إلى الشرع؛ فمن حيث كون ذلك لم يكن في عهده ﷺ سُمّي بدعة، وهذا معناه لغةً؛ لكونه حدث بعد أن لم يكن، وأما أن يكون بدعة شرعيّة من البدع التي قال فيها ﷺ : "كل بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار"، فكّلا ثم كلّا.
قال الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى-عند قوله "فإن كلَّ بدعة ضلالة": ما نصّه: المراد بالبدعة ما أُحدِث مما لا أصل له في الشريعة يَدُلُّ عليه، وأما ما كان له أصلى من الشرع يَدُلُّ عليه فليس ببدعة شرعا وإن كان بدعة لغة. انتهى. وسيأتي تحقيق ذلك في الباب التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.
(عَضُّوا) بفتح العين، أي أمسكوا، قال الفيّوميّ: عَضِضتُ اللُّقمة، وبها، وعليها عَضًّا: أمسكتها بالأسنان، وهو من باب تَعِبَ في الأكثر، لكن المصدر ساكنٌ، ومن باب نفع لغة قليلةٌ، وفي أفعال ابن القطّاع من باب قتل. انتهى (١).
قال الجامع: إن صحّ ما حكاه ابن القطّاع يجوز هنا ضم العين. والله تعالى أعلم.
(عَلَيْهَا) أي على السنّة (بِالنَّوَاجِذِ) جمع ناجذ: هو السنّ بين الضرس والناب، يقال: ضَحِكَ حتى بدت نواجذه، قال ثعلب: المراد الأنياب، وقيل: الناجذ آخر الضِّرْس، وهو ضِرس الْحُلُم؛ لأنه ينبت بعد البلوغ وكمال العقل، وقيل: الأضراس كلّها نواجذ، قال في "البارع": وتكون النواجذ للإنسان والحافرِ، وهي من ذوات الخفّ الأنياب. قاله في "المصباح". وفي "القاموس": النواجذ: أقصى الأضراس، وهي
стр. 518
أربعة، أو هي الأنياب، أو التي تلي الأنياب، أو هي الأضراس كلّها، جمع ناجذ، والنّجْذُ: شدّة العضّ بها، والكلام الشديد، وعَضَّ على ناجذه: بلغ أشُدّه. انتهى.
وقال الماوردي: إذا تكاملت الأسنان فهي ثنتان وثلاثون، منها أربعة ثنايا، وهي أوائل ما يَبْدُو للناظر من مقدم الفم، ثم أربع رباعيات، ثم أربع أنياب، ثم أربع ضواحك، ثم اثنا عشر أضراس، وهي الطواحن، ثم أربع نواجذ، وهي أواخر الأسنان، كذا نقله الأبهري. والصحيح أن الأضراس عشرون، شاملة للضواحك والطواحن والنواجذ.
والعضّ بالنواجذ مَثَلٌ في التمسّك بهذه الوصيّة بجميع ما يُمكن من الأسباب المعينة عليه، كمن يتمسّك بشيء، ثم يستعين عليه بأسنانه استظهارًا للمحافظة.
وقال في "تحفة الأحوذي": العض كناية عن شدة ملازمة السنة، والتمسك بها، فإن من أراد أن يأخذ شيئا أخذًا شديدًا يأخذ بأسنانه، أو المحافظةُ على الوصية بالصبر على مقاساة الشدائد، كمن أصابه أَلَمٌ لا يُريد أن يُظهِره، فيَشُدّ بأسنانه بعضها على بعض (١).
وقال في "المرقاة": قال بعض المحقّقين: هذه استعارة تمثيليّة، شُبِّه حال المتمسّك بالسنّة المحمديّة بجميع ما يمكن من الأسباب المعينة عليه بحال من يتمسّك بشيء بيديه، ثم يستعين عليه بأسنانه استظهارًا للمحافظة في ذلك؛ لأن تحصيل السعادات الحقيقيّة بعد مجانبة كلّ صاحب يفسد الوقت، وكلّ سببٍ يَفْتِن القلب منوط باتّباع السنّة، بأن يمتثل الأمر على مشاهدة الإخلاص، ويُعَظِّم النهي على مشاهدة الخوف، بل باقتفاء آثار الرسول ﷺ في جميع موارده ومصاده، وحركاته وسكناته، ويقظته ومنامه، حتى يُلجم النفس بلجام الشريعة، ويتحلّى في القلب حقائق الحقيقة بتصقيله من مفاتح
стр. 519
الأخلاق (١)، وتنويره بأنوار الذكر والمعرفة والوفاق، وتعديله بإجراء جميع حركات الجوارح على قانون العدل، حتى يحدث فيه هيئة عادلة مسنونة من آثار الفضل، يستعدّ لقبول المعارف والحقائق، ويصلُح أن يُنفخ روح الله المخصّص بسُلّاك أحسن الطرائق. هذا. انتهى (٢).
(وَإِيَّاكُمْ وَالْأُمُورَ المُحْدَثَاتِ) عطف على قوله: "فعليكم الخ" للتقرير والتوكيد، وهو منصوب على التحذير بفعل محذوف وجوبًا، كما قال في "الخلاصة":
إِيَّاكَ وَالشَّرَّ وَنَحْوَهُ نَصَبْ ... مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ
أي احذروا الأمورَ التي أُحدثت على خلاف أصل من أصول الدين، واتّقُوا إحداثها (فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) الفاء للتعليل: أي لأن كلّ شيء محدث ليس عليه دليلٌ من الشرع ضلالة، أي طريق موصل إلى الهلاك الأبديّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث العرباض بن سارية ﵁ هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده انقطاع كما سبق بيانه؟.
[قلت]: يشهد له ما بعده، فيصحّ به، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا (٦/ ٤٢ و٤٣ و٤٤) وهو من رواية يحيى بن أبي المطاع عن العرباض ﵁ من أفراده، وأخرجه من طريق عبد الرحمن بن عمرو السَّلَمي عنه
стр. 520
(أبو داود) (٤٦٠٧) و (الترمذيّ) (٢٦٧٦) و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٢٦ - ١٢٧) و (الدارميّ) في "سننه" (٩٦) و (ابن حبان) في "صحيحه" (٥) و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (١١٨٥ و ١١٨٦) و (الطبرانيّ) في "المعجم الكبير" (١٨/ ٢٤٥) رقم (٦١٧) و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٩٥) و (البيهقيّ) (٦/ ٥٤١) و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٠٢) وقال الترمذيّ: حسنٌ صحيحٌ، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ.
[تنبيه]: هذا الحديث خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه من رواية ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السَّلَميّ ﵁، زاد أحمد في رواية له، وأبو داود: وحُجْر بن حُجْر الكَلاعي كلاهما عن العرباض ﵁، وقال الترمذيّ: حسن صحيح. وقال الحافظ أبو نعيم: هو حديث جَيّدٌ من صحيح حديث الشاميين، قال: ولم يتركه البخاري ومسلم من جهة إنكار منهما له. وزعم الحاكم أن سبب تركهما له أنهما توهما أنه ليس له راو عن خالد بن معدان غيرُ ثور بن يزيد، وقد رواه عنه أيضا بَحِير بن سَعْد، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وغيرهما.
قال الحافظ ابن رجب: ليس الأمر كما ظنه، وليس الحديث على شرطهما، فإنهما لم يُخرجا لعبد الرحمن بن عمرو السُّلَمي، ولا لِحُجر الكَلاعي شيئًا، وليس ممن اشتهر بالعلم والرواية، وأيضًا فقد اختلف فيه على خالد بن معدان، فرُوي عنه كما تقدم، ورُوي عنه عن ابن أبي بلال، عن العرباض.
وأخرجه الإمام أحمد من هذا الوجه أيضًا عن ضمرة بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن عمرو السلميّ، عن العرباض، أخرجه من طريقه الإمام أحمد، وابن ماجه، وزاد في حديثه: "فقد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك"، وزاد في آخر الحديث: "فإنما المؤمن كالجمل الأَنِفِ، حيثما قِيد انقاد".
وقد أنكر طائفة من الحفاظ هذه الزيادة في آخر الحديث، وقالوا: هي مدرجة فيه، وليست منه، قاله أحمد بن صالح المصري وغيره، وقد أخرجه الحاكم، وقال في
стр. 521
حديثه: وكان أسد بن وَدَاعة يزيد في هذا الحديث: "فإن المؤمن كالجمل الأَنِفِ حيثما قيد انقاد". انتهى كلام الحافظ ابن رجب (١). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في الكلام على رواية يحيى بن أبي المطاع عن العرباض بن سارية ﵁:
قال في "تهذيب الكمال" جـ: ٣١ ص: ٥٤٠: قال أبو زرعة الدمشقي: حدثني عبد الرحمن بن إبراهيم قال: حدثنا محمد بن شعيب، قال: أخبرني الوليد بن سليمان بن أبي السائب، قال: صحبت يحيى بن أبي المطاع إلى زَيزَى (٢) فلم يزل يقرأ بنا في صلاة العشاء وصلاة الصبح في الركعة الأولى بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، وفي الركعة الثانية بـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١]، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١]، قال أبو زرعة: فقلت لعبد الرحمن بن إبراهيم تعجبًا لقرب عهد يحيى بن أبي المطاع، وما يحدث عنه عبد الله بن العلاء بن زَبْر أنه سمع من العرباض بن سارية، فقال: أنا من أنكر الناس لهذا، وقد سمعتُ ما قال الوليد بن سليمان، قال عبد الرحمن: قال محمد بن شعيب: قال الوليد بن سليمان: فحدثت أيوب بن أبي عائشة بهذا، فأخبرني أنه صَحِب عبد الله بن أبي زكريا إلى بيت المقدس، فكان يقرأ في صلاة العشاء بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وفي الركعة الثانية بالمعوذتين، فكانت هذه أيضًا -إذ يَحكِيها الوليد بن سليمان عن يحيى بن أبي المطاع لأيوب بن أبي عائشة، فيحدثه بمثلها عن ابن أبي زكريا- أكبرَ دليل على قرب عهد يحيى بن أبي المطاع، وبُعْد ما يُحدث به عبد الله بن العلاء بن زبر عنه، من لُقِيّه العرباض، والعرباض قديم الموت، روى عنه الأكابر: عبد الرحمن بن عمرو السُّلَمي، وجبير بن نفير، وهذه الطبقة. انتهى (٣).
стр. 522
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى-بعد ذكر رواية المصنّف هذه التي فيها تصريح يحيى بالسماع من العرباض ﵁: ما نصّه:
وهذا في الظاهر إسناد جَيِّدٌ مُتّصِلٌ، ورواته ثقات مشهورون، وقد صَرّح فيه بالسماع، وقد ذكر البخاري في "تاريخه" (١) أن يحيى بن أبي المطاع سمع من العرباض اعتمادًا على هذه الرواية، إلا أن حفاظ أهل الشام أنكروا ذلك، وقالوا: يحيى بن أبي المطاع لم يسمع من العرباض، ولم يَلْقَه، وهذه الرواية غلط، وممن ذَكَر ذلك أبو زرعة الدمشقيُّ، وحكاه عن دُحَيم، وهؤلاء أعرف بشيوخهم من غيرهم، والبخاريُّ ﵀ يقع له في "تاريخه" أوهام في أخبار أهل الشام.
وقد رُوي عن العرباض من وجوه أُخَر، وروي من حديث بُريدة عن النبي ﷺ إلا أن إسناد بُريدة لا يثبت. انتهى كلام ابن رجب (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما سبق أن يحيى بن أبي المطاع لم يسمع من العرباض ﵁، كما أنكر ذلك دُحيم، وأبو زرعة، وقد أيّد ذلك ابن رجب بأنهما أعلم بشيوخ بلدهما، وأن إثبات البخاريّ السماع له مُستَنَدُه هذه الرواية، وأن إنكارهما أرجح من إثباته؛ لما ذُكر، ولأنه يقع له في "تاريخه" أوهام في أخبار أهل الشام.
لكن الحديث وإن طُعِن فيه بما ذُكر يؤيّده السند التالي، فيصحّ به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه والمرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو اتّباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، وأن اتباع سنّتهم ﵃ عينُ اتّباع سنته ﷺ .
стр. 523
٢ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من وعظ أصحابه في غير الخطب الراتبة، كخطب الجمع والأعياد.
٣ - (ومنها): ما أعطى الله نبيّه ﷺ من بلاغة الكلام، وفصاحة اللسان، وجوامع الكلم، كما أوضح ذلك بقوله -فيما أخرجه الشيخان وغيرهما-: "بُعثتُ بجوامع الكلم"، وفي لفظ: "أعطيت جوامع الكلم ... " الحديث.
٤ - (ومنها): وجوب تقوى الله تعالى، والسمع والطاعة لولاة الأمور، ما لم يأمروا بمعصية، كما ثبت ذلك في قوله ﷺ : "لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف" متّفق عليه، واللفظ لمسلم.
٥ - (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة، فقد أخبر ﷺ بما يقع في أمته بعده من الاختلاف الشديد، وقد وقع كما أخبر كما تشهد بذلك كتب التواريخ التي تصدّت لبيان الوقائع والحوادث.
٦ - (ومنها): الأمر بملازمة سنّته ﷺ ، وسنة خلفائه الراشدين والعضّ عليها عند وقوع الاختلاف في الأمة، كما يَعَضّ الإنسان على الأشياء الثمينة التي يَخاف عليها التفلّت والخروج من يده.
٧ - (ومنها): أن سنّة خلفائه الراشدين هي سنته ﷺ حيث أمر بالتمسّك بها؛ لأنها إما سنته الصريحة القوليّة، أو الفعليّة، أو هي مستنبطة من كتاب الله ، أو سنته ﷺ .
٨ - (ومنها): وجوب الابتعاد عن البِدَع، ومحدثات الأمور التي لا يؤيّدها كتاب، ولا سنّة، ولا إجماع؛ لأنها ضلالة، وكلُّ ضلالة في النار، أعاذنا الله تعالى من عذاب النار، وجعلنا من أهل الجنّة دار الأبرار، إنه سميع قريبٌ مجيب الدعوات. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): أنه ﷺ كان كثيرًا ما يَعِظُ أصحابه في غير الخطب الراتبة، كخطب الجمع والأعياد، وقد أمره الله بذلك، فقال تعالى: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ في أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء:٦٣]، وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ
стр. 524
بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].
ولكنه كان لا يُديم وعظهم، بل يَتَخَوَّلهم بها أحيانا، كما في "الصحيحين" عن أبي وائل، قال: كان عبد الله بن مسعود يُذَكِّرُنا كل يوم خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن إنا نحب حديثك، ونشتهيه، ولَوَدِدنَا أنك تحدثنا كل يوم، فقال: ما يمنعني أن أحدثكم كل يوم إلا كراهةُ أن أملكم، إن رسول الله ﷺ كان يتخولنا بالموعظة كراهة السآمة علينا. وكان النبي ﷺ يَقصُرُ الخطبة، ولا يطيلها، بل كان يُبلِغُ ويُوجِز.
وفي "صحيح مسلم" عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كنت أصلي مع النبي ﷺ ، فكانت صلاته قَصْدًا، وخطبته قصدًا. وأخرجه أبو داود، ولفظه: "كان رسول الله ﷺ لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، إنما هي كلمات يسيرات. وأخرجه مسلم من حديث أبي وائل قال: خطبنا عمار ﵁، فأوجز وأبلغ، فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان، لقد أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفست، قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن طُولَ صلاة الرجل، وقِصَرَ خطبته مَئِنّةٌ من فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة، فإن من البيان سحرًا".
وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود، من حديث الحكم بن حزن ﵁ قال: شهدت مع رسول الله ﷺ الجمعة، فقام متوكئا على عصا أو قوس، فحمد الله، وأثنى عليه، كلمات خفيفات طيبات مباركات. وأخرج أبو داود (١) عن عمرو بن العاص ﵄ أن رجلا قام يومًا، فأكثر القول، فقال عمرو: فلو قصد في قوله لكان خيرًا له، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لقد رأيتُ أو أمرتُ أن أتجوّز في القول، فإن الجواز هو خير" (٢).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 525
(المسألة السادسة): قوله: "ذَرَفَت منها العيون، ووَجِلَت منها القلوب": فيه أن هذين الوصفين بهما مدح الله المؤمنين، عند سماع الذكر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ الآية [الأنفال: ٢]، وقال : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ الآية [الحديد: ١٦]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الزمر: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ الآية [المائدة: ٨٣]، وكان النبي ﷺ يتغير حاله عند الموعظة، كما قال جابر ﵁: كان النبي ﷺ إذا خطب، وذكر الساعة اشتد غضبه، وعلا صوته، واحمرت عيناه، كأنه منذر جيش يقول: صَبَّحَكم ومساكم"، أخرجه مسلم بمعناه. وفي "الصحيحين" عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ خرج حين زاغت الشمس، فصلى الظهر، فلما سلم قام على المنبر، فذكر الساعة، وذكر أن بين يديها أمورًا عظامًا، ثم قال: "من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه، فوالله ما تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به في مقامي هذا"، قال أنس: فأكثر الناس البكاء، وأكثر رسول الله ﷺ أن يقول: "سلوني"، فقام إليه رجل، فقال: أين مدخلي يا رسول الله قال: "النار" ... وذكر الحديث. وفي "مسند الإمام أحمد" عن النعمان بن بشير ﵄ أنه خطب، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب، يقول: "أنذرتكم النار، أنذرتكم النار"، حتى لو أن رجلا كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا، قال: حتى وقعت خميصةٌ كانت على عاتقه عند رجليه. وفي "الصحيحين" عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا النار"، قال: ثم أشاح، ثم قال: "اتقوا النار"، قال: ثم أعرض وأشاح ثلاثًا، حتى ظننا أنه ينظر إليها، ثم قال: "اتقوا النار، ولو بشق تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة". وأخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن سَلِمة، عن على، أو عن الزبير بن العوام ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يخطبنا، فيُذكِّرنا بأيام الله، حتى
стр. 526
يُعْرَف ذلك في وجهه، وكأنه نَذِير قوم يُصَبِّحهم الأمر غدوةً، وكان إذا كان حديث عهد بجبرائيل لم يتبسم ضاحكًا، حتى يرتفع عنه. وأخرج الطبراني والبزار من حديث جابر ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا أتاه الوحيُ، أو وَعَظَ قلتُ: نذير قوم أتاهم العذاب، فإذا ذهب عنه ذلك رأيته أطلق الناس وجهًا، وأكثرهم ضحكًا، وأحسنهم بِشْرًا ﷺ (١).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): قوله: "فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مُوَدِّع فأوصنا" يدل على أنه ﷺ كان قد أبلغ في تلك الموعظة ما لم يُبْلِغ في غيرها، فلذلك فَهِمُوا أنها موعظة مُوَدِّع، فإن المُوَدِّع يَستقصِي ما لا يَستقصي غيره في القول والفعل، ولذلك أمر النبي ﷺ أن يصلي صلاة مودع (٢)؛ لأنه مَن استشعر أنه مُوَدِّع بصلاته أتقنها على أكمل وجوهها، وربما كان قد وقع منه ﷺ تعريض في تلك الخطبة بالتوديع، كما عَرَّض بذلك في خطبته في حجة الوداع، وقال: "لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا"، وطَفِقَ يُوَدِّع الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع، ولمّا رجع من حجه إلى المدينة جمع الناس بماء بين مكة والمدينة، يُسَمَّى "خُمّا"، وخطبهم وقال: "يا أيها الناس إنما أنا بشر مثلكم، يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيبه"، ثم حَضَّ على التمسك بكتاب الله، ووَصَّى بأهل بيته خيرًا، أخرجه مسلم. وفي "الصحيحين"، ولفظه لمسلم عن عقبة بن عامر ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ على قتلى أُحُد، ثم صَعِدَ المنبر كالمُوَدِّع للأحياء والأموات، فقال: "إني فَرَطُكُم على الحوض، فإن عَرْضه كما بين أَيْلَة إلى الْجُحْفة، وإني لست أخشى عليكم أن تُشركوا بعدي، ولكن أخشى عليكم الدنيا تتنافسوا فيها، فتقتتلون فتهلكوا كما هلك
стр. 527
من كان قبلكم"، قال عقبة ﵁: فكان آخر ما رأيت رسول الله ﷺ على المنبر. وأخرج الإمام أحمد، ولفظه: صَلَّى رسول الله ﷺ على قتلى أحد بعد ثمان سنين، كالمودع للأحياء والأموات، ثم طَلَعَ المنبر، فقال: "أيها الناس إني فَرَطُكم، وأنا شهيد عليكم، وإِنَّ مَوْعِدكم الحوض، وإني لأنظر إليه، ولست أخشى عليكم الفقر، ولكن الدينا أن تنافسوها". وأخرج الإمام أحمد أيضا عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا كالمُوَدِّع، فقال: "أنا محمدٌ النبي الأمي" -قال ذلك ثلاث مرات- "ولا نبي بعدي، أوتيت فَوَاتح الكلم، وخواتمه، وجوامعه، وعلمتُ كم خزنة النار وحملة العرش؟ وتجَوَّزَ لي ربي، وعُوفيتْ أمتي، فاسمعوا وأطيعوا ما دُمتُ فيكم، فإذا ذُهِب بي فعليكم بكتاب الله، أَحِلُّوا حلاله، وحرموا حرامه".
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: فلعل في الخطبة التي أشار إليها العرباض ابن سارية ﵁ في حديثه كانت بعض هذه الْخُطَبِ، أو شبيه بها مِمّا يُشعر بالتوديع (١).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): أن قوله ﷺ : "عليكم بتقوى الله والسمع والطاعة"، ولفظ أبي داود: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة" متضمّنٌ لأمرين مهمّين جدًّا، قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: هاتان الكلمتان تجمعان سعادة الدنيا والآخرة.
أما التقوى فهي كافلة سعادة الدنيا والآخرة لمن تمسك بها، وهي وصية الله للأولين والآخرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]. وسيأتي تفسيرها، وشرح معناها مفصّلًا في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-.
وأما الطاعة لولاة أمور المسلمين، ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معاشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم، وطاعة ربهم، كما قال علي بن أبي طالب
стр. 528
-﵁: إن الناس لا يُصلحهم إلا إِمامٌ بَرٌّ أو فاجرٌ، إن كان فاجرًا عبد المؤمن فيه ربه، وحَمَل الفاجر فيها إلى أجله. وقال الحسن في الأمراء: هم يَلُون من أمورنا خمسًا: الجمعة، والجماعة، والعيد، والثغور، والحدود، والله ما يستقيم الدين إلا بهم، وإن جاروا أو ظلموا، والله لمَا يُصلِح الله بهم أكثرُ مما يفسدَون مع أن -والله- إن طاعتهم لَغَيظٌ، وإن فُرْقتهم لكُفْر (١). وأخرج الخلال في "كتاب الإمارة" من حديث أبي أمامة ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ أصحابه حين صَلَّوُا العشاء أَنِ احْشُدُوا فإن لي إليكم حاجة، فلما فرغوا من صلاة الصبح، قال: "هل حشدتم كما أمرتكم؟ "، قالوا: نعم، قال: "اعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، هل عقلتم هذه؟ " -ثلاثا- قلنا: نعم، قال: "فأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، هل عقلتم هذه؟ " -ثلاثًا- قلنا: نعم، قال: "اسمعوا وأطيعوا، هل عقلتم هذه؟ " -ثلاثًا- قلنا: نعم، قال: فكنا نُرَى أن رسول الله ﷺ سيتكلم كلامًا طويلًا، ثم نظرنا في كلامه، فإذا هو قد جمع لنا الأمر كله (٢).
وبهذين الأصلين وَصَّى النبي ﷺ في حجة الوداع في خطبته أيضًا، كما أخرجه الإمام أحمد، والترمذي من رواية أم الحُصَين الأحمسية ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يخطب في حجة الوداع، فسمعته يقول: "يا أيها الناس اتقوا الله، وإن تأمر عليكم عبد حبشيّ، مُجَدَّعٌ فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام فيكم كتابَ الله". قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح. وأخرج مسلم منه ذكرَ السمع والطاعة. وأخرج الإمام أحمد والترمذي أيضًا من حديث أبي أمامة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب في حجة الوداع يقول: "اتقوا الله، وصَلُّوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأَدُّوا زكاة مالكم،
стр. 529
وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم"، وفي رواية أخرى قال: "يا أيها الناس إنه لا نبي بعدي، ولا أُمّة بعدكم"، وذكر الحديث بمعناه. وقال الترمذيّ: حديث حسنٌ صحيح. وفي "المسند" (١) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من لَقِي الله لا يُشرك به شيئًا، وأَدَّى زكاة ماله طَيِّبةً بها نفسه، محُتسبًا، وسَمِعَ وأطاع، فله الجنة، أو دخل الجنّة" (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): في شرح معنى "التقوى"، وتفصيل ما ورد من النصوص وأقوال أهل العلم المتعلّقة بذلك:
قال الإمام ابن رجب ﵀: أصل التقوى أن يجَعَل العبد بينه وبين ما يخافه ويَحذره وقايةً تقيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقايةً تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته، واجتناب معاصيه.
وتارة تضاف التقوى إلى اسم الله كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة:٩٦]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨].
فإذا أضيفت التقوى إليه سبحانه فالمعنى: اتقوا سخطه وغضبه، وهو أعظم ما يُتَّقَى، وعن ذلك ينشأ عقابه الدنيوي والأخروي، قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]، فهو سبحانه أهل أن يُخشَى، ويُهابَ، ويُجَلَّ ويُعَظَّم في صدور عباده، حتى يعبدوه ويطيعوه؛ لما يستحقه من الإجلال والإكرام، وصفات الكبرياء والعظمة، وقوة البطش وشدة البأس. وفي الترمذي (٣) وابن ماجه عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ في هذه
стр. 530
الآية: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ قال: "قال الله تعالى: أنا أهلٌ أُتَّقَى، فمن اتَّقاني، فلم يجعل معي إلها آخر، فأنا أهل أن أغفر له".
وتارة تُضاف التقوى إلى عقاب الله، وإلى مكانه كالنار، أو إلى زمانه كيوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨١]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ الآية [البقرة:٤٨].
ويَدخُل في التقوى الكاملةِ فعلُ الواجبات، وترك المحرمات والشبهات، وربما دخل فيها بعد ذلك فعلُ الندوبات، وترك المكروهات، وهيِ أعلى درجات التقوى، قال الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ [البقرة: ١ - ٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ في الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
قال معاذ بن جبل ﵁: يُنادَى يوم القيامة أين المتقون؟ فيقومون في كَنَف من الرحمن، لا يحتجب منهم ولا يستتر، قالوا له: مَنِ المتقون؟ قال: قوم اتَّقَوُا الشركَ