← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17132

مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مَشَارِقُ الْأَنْوَارِ الوهَّاجَة وَمَطَالع الْأَسْرَار البهَّاجَة فِي شَرح سُنَن الإِمَام ابْن مَاجَه تأليف الْفَقِير إِلَى مَوْلَاهُ الْغَنِيّ الْقَدِير مُحَمَّد ابْن الشَّيْخ العلَّامة عَليّ بن آدم بن مُوسَى خُويدم الْعِلم بِالْحرم الْمَكِّيّ الشّريف عَفا الله تَعَالَى عَنهُ وَعَن وَالِديهِ آمين «المجَلَّد الأوَّل» دَار الْمُغنِي

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

مَشَارِقُ الْأَنْوَارِ الوهَّاجَة وَمَطَالع الْأَسْرَار البهَّاجَة فِي شَرح سُنَن الإِمَام ابْن مَاجَه

стр. 4

حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة الطَّبعة الأولى ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م (ح) دَار الْمُغنِي للنشر والتوزيع، ١٤٢٦ هـ فهرسة مكتبة الْملك فَهد الوطنية أثْنَاء النشر الأثيوبي، مُحَمَّد عَليّ آدم مَشَارِق الْأَنْوَار الوهاجة ومطالع الْأَسْرَار البهاجة فِي شرح سنَن الإِمَام ابْن مَاجَه ... / مُحَمَّد عَليّ آدم الأثيوبي. - الرياض، ١٤٢٦ هـ ٤ مج. ٥٥٥ ص، ١٧.٥ × ٢٥ سم ردمك: ٨ - ٥٤ - ٧٦٢ - ٩٩٦٠ (مَجْمُوعَة) ٦ - ٥٥ - ٧٦٢ - ٩٦٦٠ (جـ ١) ١ - الحَدِيث - سنَن أ. العنوان ديوي ٢٣٥.٦ - ٧٤٠٤/ ١٤٢٦ رقم الْإِيدَاع: ٧٤٠٤/ ١٤٢٦ ردمك: ٨ - ٥٤ - ٧٦٢ - ٩٩٦٠ (مَجْمُوعَة) ٦ - ٥٥ - ٧٦٢ - ٩٦٦٠ (جـ ١) دَار الْمُغنِي للنشر والتوزيع ٢٣٨ شَارِع الْمَدِينَة المنورة - ظهرة البديعة ص. ب: ١٥٤٠٤١ الرياض: ١١٧٤٨ هَاتِف ناسوخ: ٠٠٩٦٦١٤٢٥٧٠١٩

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الشارح الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب، ولم يجعل له عِوجًا، وأسند بيانه إليه ﷺ ، فقال : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فكانت سنته بيانًا لمجمله، وقيدًا لمطلقه، فأعظم بها منهجًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي لم يجعل في دينه حرجًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله رحمة للعالمين، وواضعًا عنهم كلّ إصر كان أثقل ظهر الأولين مُحْرِجًا، صلّى الله عليه وعلى آله، وصحبه، وسلّم تسليمًا أبلجًا. [أما بعد]: فإن سنن الإمام الحافظ الحجة الثبت أبي عبد الله محمد بن يزيد المعروف بابن ماجه من أهمّ الكتب التي تتداولها أيدي طلبة العلم في جميع أقطار الأرض من قديم الزمان، غير أنه لم يقم أحد بشرحها شرحًا وافيًا بمقاصدها، ومستوعبًا لمباحثها، ومزيلًا لملتبساتها، وفاتحًا لمقفلاتها، ومبيّنًا ما تضمّنته من أنواع العلوم، وأسرار الفهوم، وموضّحًا ما وقع فيها من الأحاديث الواهية، وغيرها من المطالب التي هي من أهمّ المهمّات لطلّاب العلم، ولا سيّما طلّاب الحديث، وقد كتب كثيرون من فضلاء المتقدّمين، والمتأخرين عليها تعليقات لا بأس بها، لكنها قطرات، لا تُروي الغليل، ولا تشفي العليل، فأحببت أن أتشرّف بخدمتها حسب الطاقة بشرح متّصف بالأوصاف السابقة، تتجلّى فيه معاني الأحاديث باسقة، متحلّية بحلل جواهر أهل الحديث، ممن أسهموا في خدمة هذا الفنّ في القديم والحديث، وأخصّ منهم الإمام الحافظ الحجة، حذام المحدثين في المتأخرين، شيخ الإسلام أحمد بن محمد بن عليّ المعروف بابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى، فإن كتبه هي مادّة هذا الشرح، ولا سيّما كتابه العديم النظير في بابه "فتح الباري شرح صحيح البخاري"، فقد قلت، وأقول، وأكرر: لولا فتح الباري، ثم "فتح الباري" ما قضيت أوطاري، وكذا كتب الأئمة: ابن

стр. 6

المنذر، والبيهقيّ، والبغويّ، والخطابيّ، والقاضي عياض، والقرطبيّ، والنوويّ، والمنذريّ، والذهبيّ، وابن حزم، وابن تيميّة، وابن القيّم، والعينيّ، وابن قُدامة، والصنعانيّ، والشوكانيّ، وابن الأثير، والفيّوميّ، وابن منظور، والمجد الفيروزأباديّ، وغيرهم ممن يمرّ عليك حين أعزو الكلام إليه، رحمعهم الله تعالى أجمعين، وحشرنا في زمرتهم، وأدخلنا مدخلهم الكريم آمين. فسيكون الشرح -إن شاء الله تعالى- بحوله وقوته قرّة أعين محبي السنة، يزيل عنهم كلّ غبَش وسنة، فيا طلّاب علم الحديث أهلا بكم في رحاب كتاب نفيس، رائق الحديث لكل جليس، ولكل من استوحش ببعده عن فنّ الحديث أنيس. يَا ابْنَ الْكِرَام أَلَا تَدْنُو فتُبْصِرَ مَا ... قَدْ حَدَّثُوكَ فَمَا رَاءٍ كمَنْ سَمِعَا وسمّيته: [مشارق الأنوار الوهّاجة، ومطالع الأسرار البهّاجة، في شرح سنن الإمام ابن ماجه]، والله تعالى الكريم، أسأل أن ينفعني به، وكلّ من تلّقاه بقلب سليم، إنه بعباده رؤوف رحيم. (اعلم): أنه ينبغي لي أن أُقدّم بين يدي الشرح ترجمة لصاحب الكتاب، وبيان مكانَة "سننه"، فأقول: هو الإمام الحافظ الكبير الحجة المفسر أبو عبد الله محمد بن يزيد ابن ماجه الرَّبَعي (١) بالولاء الْقَزْوِيني (٢)، مصنف "السنن"، و"التاريخ"، و"التفسير"، وحافظ قزوين في عصره، ولد سنة تسع ومائتين، وسمع من علي بن محمد الطنافسي الحافظ،

стр. 7

وأكثر عنه، ومن جُبَارة بن المُغَلِّس، وهو من قدماء شيوخه، ومن مصعب بن عبد الله الزبيري، وسويد بن سعيد، وعبد الله بن معاوية الجمَحيّ، ومحمد بن رُمْح، وإبراهيم ابن المنذر الحِزَامي، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأبي بكر بن أبي شيبة، وهشام بن عمار، ويزيد بن عبد الله اليمامي، وأبي مصعب الزهري، وبشر بن معاذ العقدي، وحميد بن مسعدة، وأبي حذافة السهمي، وداود بن رُشيد، وأبي خيثمة، وعبد الله بن ذكوان المقرئ، وعبد الله بن عامر بن بَرّاد، وأبي سعيد الأشج، وعبد الرحمن بن إبراهيم دُحَيم، وعبد السلام بن عاصم الْهِسِنجاني، وعثمان بن أبي شيبة، وخلق كثير مذكورين في "سننه" وتآليفه. وروى عنه جماعة، منهم: إبراهيم بن دينار الحوْشيّ الهمَذَانيّ، وأحمد بن إبراهيم الْقَزْوينيّ، جدّ الحافظ أبي يعلى الخليليّ، وأبو الطيّب أحمد بن رَوح البغداديّ الشَّعْرانيّ، ومحمد بن عيسى الأبهري، وأبو عَمْرو أحمد بن محمد بن حكيم المديني الأصبهانيّ، وإسحاق بن محمد القزوينيّ، وجعفر بن إدريس، والحسين بن عليّ بن يزدانيار، وأبو الحسن علي بن إبراهيم بن سلمة القزوينيّ القطان، وسليمان بن يزيد القزوينيّ، وعليّ ابن سعيد بن عبد الله العسكريّ، وآخرون. قال القاضي أبو يعلى الخليليّ: كان أبوه يزيد يعرف بماجه، وولاؤه لربيعة. وعن ابن ماجه قال: عرضت هذه "السنن" على أبي زرعة الرازي، فنظر فيه، وقال: أظنّ إن وقع هذا في أيدي الناس، تعطلت هذه الجوامع، أو أكثرها، ثم قال: لعل لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثا، مما في إسناده ضعف، أو نحو ذا. قال الذهبيّ: قد كان ابن ماجه حافظا ناقدا صادقا، واسع العلم، وإنما غَضّ من رتبة "سننه" ما في الكتاب من المناكير، وقليل من الموضوعات، وقول أبي زرعة -إن صح- فإنما عَنَى بثلاثين حديثا الأحاديث المطّرحة الساقطة، وأما الأحاديث التي لا تقوم بها حجة، فكثيرة، لعلها نحو الألف (١). قال أبو يعلى الخليلي: هو ثقة كبير متفق

стр. 8

عليه، محتجّ به له معرفة بالحديث وحفظ، ارتحل إلى العراقين، ومكة، والشام، ومصر، والرّيّ لكَتْبِ الحديث. وقال الحافظ محمد بن طاهر المقدسيّ: رأيت لابن ماجه بمدينة قزوين تاريخا على الرجال والأمصار من عهد الصحابة إلى عصره، وفي آخره بخط صاحبه جعفر بن إدريس: مات أبو عبد الله يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء، لثمان بقين من شهر رمضان، من سنة ثلاث وسبعين ومائتين، وسمعته يقول: وُلدت في سنة تسع ومائتين، ومات وله أربع وستون سنة، وصلى عليه أخوه أبو بكر، وتولى دفنه أخواه أبو بكر وأبو عبد الله، وابنه عبد الله. وقال الذهبيّ: مات في رمضان سنة ثلاث وسبعين ومائتين، وقيل: سنة خمس، والأول أصحّ، وعاش أربعا وستين سنة. وقع لنا رواية "سننه" بإسناد متصل عال، وفي غضون كتابه أحاديث يَعْلُو بِهَا صاحبه الحافظ أبو الحسن القطان. وقد حَدَّث ببغداد أخوه أبو محمد الحسن بن يزيد بن ماجه القزويني، في حدود سنة ثمانين ومائتين، إذ حَجّ عن إسماعيل بن توبة القزويني الحافظ، سمع منه الحافظ أبو طالب أحمد بن نصر. وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب": كتابه في السنن جامع جيد كثير الأبواب والغرائب، وفيه أحاديث ضعيفة جدًّا، حتى بلغني أن السري كان يقول: مهما انفرد بخبر فيه هو ضعيف غالبا. وليس الأمر في ذلك على إطلاقه باستقرائي، وفي الجملة ففيه أحاديث منكرة، والله تعالى المستعان، ثم وجدت بخط الحافظ شمس الدين محمد ابن علي الحسيني ما لفظه: سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول: كل ما انفرد به ابن ماجه فهو ضعيف -يعني بذلك ما انفرد به من الحديث عن الأئمة الخمسة-. انتهى ما وجدته بخطه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الكلام ليس بصحيح على إطلاقه، فإن فيه أحاديث انفرد بها، وهي إما صحيحة وإما حسان، وكذا حمل الحافظ هذا الكلام في "التهذيب" على الرجال غير صحيح، لأنه انفرد برجال ثقات وسوف تراهم حين أنبه عليهم في هذا الشرح -إن شاء الله تعالى-.

стр. 9

قال: وذكر ابن طاهر في "المنثور" أن أبا زرعة وقف عليه، فقال: ليس فيه إلا نحو سبعة أحاديث. وذكر الرافعي في "تاريخ قزوين" في ترجمته أنه محمد بن يزيد، وأن "ماجه" لقب يزيد، وأنه بالتخفيف اسم فارسي، قال: وقد يقال: محمد بن يزيد بن ماجه، والأول أثبت. قال: رثاه محمد بن الأسود القزويني بأبيات، أولها [من الوافر]: لَقَدْ أَوْهَى دَعَائِمَ عَرْشِ عِلْمِ ... وَضَعْضَعَ رُكْنَهُ فَقْدُ ابْنِ مَاجَهْ ورثاه يحيى بن زكريا الطرائفي بقوله [من الوافر أيضًا]: أيَا قَبْرَ ابْنِ مَاجَهْ غِثْتَ قَطْرًا ... مَسَاءً بِالْغَدَاةِ وَبِالْعَشِيِّ قال: والمشهورون برواية "السنن": أبو الحسن القطان، وسليمان بن يزيد، وأبو جعفر محمد بن عيسى، وأبو بكر حامد الأبهري، وسعدون، وإبراهيم بن دينار. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: "ماجه" بسكون الهاء وصلًا ووقفًا. قال ابن خلّكان: "وماجه" -بفتح الميم والجيم، وبينهما ألف، وفي الآخر هاء ساكنة. انتهى. وقال في "القاموس، وشرحه تاج العروس". "ماجه" بسكون الهاء، كما جزم به الشمس بن خلّكان لقب والد الإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد الرَّبَعيّ القزوينيّ، صاحب "التفسير"، و"التاريخ"، و"السنن"، لا لقب جدّه، كما زعمه بعضٌ، قال شيخنا: وما ذهب إليه المصنّف، فقد جزم به أبو الحسن بن القطّان، ووافقه على ذلك هبة الله بن زاذان، وغيره، قالوا: وعليه فيُكتب "ابن ماجه" بالألف لا غير. وهناك قول آخر ذكره جماعة، وصحّحوه، وهو أن "ماجه" اسم لأمّه. والله تعالى أعلم. انتهى (١). وقال في "الرسالة المستطرفة": "ماجه" لقب أبيه، لا جدّه، ولا أنه اسم أمّه، خلافًا لمن زَعَم ذلك، وهاؤه ساكنة وصلًا ووقفًا؛ لأنه اسم أعجميّ. انتهى (٢).

стр. 10

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قدْ تبيَّنَ بما ذُكر أن الصواب أن "ماجه" يقرأ بالهاء الساكنة وصلًا ووقفًا، وأما ما اشتهر في الآونة الأخيرة من قراءته وكتابته بالتاء المربوطة، فغلطٌ؛ لأنه لم يثبت ممن يُعتمد قوله، ومن العجيب الغريب أن محقّق "سنن ابن ماجه" الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي قال فيما كتبه في آخر الكتاب بعد أن أورد الكتب التي كتبته بالهاء، وما قاله ابن خلّكان من ضبطه بالهاء الساكنة: ما نصه: وهل بعد ضبط ابن خلّكان مقالٌ لإنسان؟. فأصاب، ولكن الغريب العجيب أنه أورد بعد ذلك الكتب التي كتبته بالتاء المربوطة، ثم قال: وإنما أتعبت معي القرّاء لكيلا يُخطّىء بعضهم بعضًا، ممن قال: "ابن ماجه" -أي بالهاء- فهو على صواب، وأمامه ما يأتسي به، ومن قال: "ابن ماجة" -أي بالتاء- فهو على بيّنة أيضًا، وليس بضارّه شيئًا أن يخالفه سواه. انتهى. وهذا هو العجب العجاب، فأين البيّنة على هذا، فهل توارد المطابع في الغلط يكون بيّنة على تصويب الغلط، كلّا ثم كلّا، فهلا يأتينا ببيّنة واحدةٍ من كلام المحققين، كابن خلّكان، وصاحب القاموس، كما فعل في الهاء الساكنة، فهيهات، هيهات. والحاصل أن قراءة "ابن ماجه" وكتابته بالهاء الساكنة وصلًا ووقفًا هو الصواب الذي لا يجوز سواه، فإنه اسم عجميّ، يُنطق به كما سُمع، فكما لا يقال في "سيبويه، ونفطويه، وواهويه، ونحوها": سيبوية، ونفطوية، وراهوية بالتاء المربوطة، لا يقال هنا أيضًا: "ابن ماجة" بالتاء، فافهم، وتبصّر بالإنصاف، ولا تتهَوَّر بتقليد ذوي الاعتساف، والله تعالى يتولّى هداك، اللهم اهدنا فيمن هديت آمين. وإنما أطلت في هذا البحث؛ لأني رأيت من يدّعي صحّة "ابن ماجة" بالتاء، ويخاصم في ذلك مستندًا إلى ما كتبه الأستاذ المذكور، فأحببت أن يتبيّن الحقّ، ولا يُغترّ بمثله. والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: عدد كتب "سنن ابن ماجه" اثنان وثلاثون كتابا. وقال أبو الحسن القطان: في "السنن" ألف وخمسمائة باب، وجملة ما فيه أربعة آلاف حديث. ذكره الذهبي في "سيره". (١). وذكر الأستاذ محمد فؤاد أن عدد كتبه (٣٧) عدا المقدّمة، وعدد

стр. 11

أبوابه (١٥١٥) بابًا، وعدد أحاديثه (٤٣٤١) انتهى. وعدد الأحاديث الصحيحة منه على ما حققه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى (٣٥٠٣) وعدد الأحاديث الضعيفة منه (٩٤٨). لكن المجموع يخالف ما قاله محمد فؤاد، ويحتاج إلى تدقيق، وإمعان، وسأحقّقه عند متابعة العمل في الشرح، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [خاتمة]: عملي في الشرح كما يلي: ١ - كتابة نصّ الكتاب، أو الباب، ثم شرح ذلك، إن احتاج إليه. ٢ - كتابة نصّ الحديث سندًا ومتنًا، مع معارضة النسخ الموجودة لديّ. ٣ - ذكر تراجم رجال السند، مسلسلًا بالأرقام، وأذكر له عنوانًا بقولي: رجال هذا الإسناد: خمسة، أو ستة، أو نحو ذلك. ٤ - إن كان المترجم لم يسبق له ذكر، ذكرت له ترجمة متوسّطة، إذا كان من المشاهير الأعلام (١)، وإن كان ممن تُكُلِّم فيه توسّعت في ترجمته بذكر ما قاله العلماء الجرح والتعديل، حتى يعرف حقَّ المعرفة بما له، وما عليه، وإن تقدَّمت ترجمته ذكرت ما يُعرف به من نسبه، وطبقته، ومرتبته في العدالة، والضعف، مع الإحالة إلى موضع ذكره. ٥ - أعتمد أولًا عبارة "تقريب التهذيب" حتى تكون كالفَذْلَكَة (٢)، ثم أذكر

стр. 12

بعدها ما يكون كالتفصيل لها مما في "تهذيب التهذيب" غالبًا، و"لسان الميزان"، و"تعجيل المنفعة"، و"هدي الساري مقدّمة فتح الباري"، وكلها للحافظ أبي الفضل ابن حجر المتوفّى سنة (٨٥٢ هـ) رحمه الله تعالى، وهو المراد عند إطلاقي لفظ "الحافظ" في هذا الشرح، وفي غيره من مؤلّفاتيّ. ومن "تهذيب الكمال" للحافظ أبي الحجّاج المزّيّ المتوفّى سنة (٧٤٢) رحمه الله تعالى، و"الخلاصة" للحافظ الخزرجيّ المتوفّى سنة (٩٢٣) رحمه الله تعالى، و"سير أعلام النبلاء"، و"تذكرة الحفّاظ"، و"ميزان الاعتدال"، وكلها للحافظ الذهبيّ المتوفّى سنة (٧٤٨) رحمه الله تعالى. وقد أزيد في بعض المواضع من "التاريخ الكبير" للإمام البخاريّ المتوفّى سنة (٢٥٦) رحمه الله تعالى، و"الجرح والتعديل" للإمام ابن أبي حاتم المتوفّى سنة (٣٢٧) رحمه الله تعالى، و"الثقات" للإمام ابن حبّان البستيّ المتوفّى سنة (٣٥٤) رحمه الله تعالى، وغيرها من كتب المحقّقين الأعلام رحمهم الله تعالى. ٦ - ذكر لطائف الإسناد. ٧ - ترقيم الكتب والأبواب، والأحاديث الموجودة في الكتاب، وبيان ما تفرّد به المصنّف عن بقيّة أصحاب الأصول الستّة. ٨ - أكتب رقم الطبقات بين قوسين هكذا [١] ورقم الباب والحديث هكذا ١/ ١ فأقول مثلًا: محمد بن عبد الله بن نمير الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ٤ فالرقم الذي قبل الخط المائل للباب، والذي بعده للحديث. ٩ - ثم أدخل في شرح الحديث مبتدءًا بذكر الصحابيّ، أو من دونه حسب ارتباط الكلام، وأكتب عنوانًا "شرح الحديث" "عن أبي هريرة ﵁ ... "، فأذكر ما يتطلّبه ذلك الحديث من شرح غريبه، وإعرابه وإيضاح ما يُستشكل من جمله، ببيان أقوال اللغويين، والنحويين، والفقهاء المعتبرين. ١٠ - ثم أذكر المسائل التي تتعلّق بذلك الحديث، فأكتب عنوانًا "مسائل تتعلّق

стр. 13

بهذا الحديث" "المسألة الأولى" في درجته، "المسألة الثانية" في تخريجه، "المسألة الثالثة" في فوائده، مقدّمًا فيها ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، ومنه يُعلم مطابقة الحديث للباب، "المسألة الرابعة" في اختلاف أهل العلم في حكم كذا، وهلُمّ جرّا بحسب كثرة متعلّقات الحديث وقلّتها، وهكذا كلّ حديث إلى أن ينتهي الباب، أو الكتاب. ١١ - إذا كان الحديث ضعيفًا لا أتوسّع في البحث فيه إلا في شرح غريبه، وبيان درجته، وأسباب ضعفه، إلا إذا كان ضعفه بسند المصنّف خاصّة، مع صحته عند غيره، ولا سيما إذا كان في "الصحيح"، فإني أستوفي شرحه، وبيان ما يتعلّق به، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (خاتمة) أختم بها المقدّمة -وأسأل الله تعالى حسنها-: (اعلم): أنه جرت عادة أهل العلم، ولا سيّما المحدّثون رحمهم الله تعالى أن يسوقوا أسانيدهم إلى أصحاب الكتب في أول شروعهم، قراءةً، أو تدريسًا، أو شرحًا، أو غير ذلك؛ لأنها كما قال بعض الفضلاء، أنسابُ الكتب، فأقول تأسيًا بهم، واقتفاء لآثارهم: إنه اتّصل سندي بالإمام ابن ماجه رحمه الله تعالى في "سننه" خاصّة، وجميع مؤلفاته عامّة بطرق مختلفة، أقتصر منها على ما يخصّ "سننه"، فأقول: أروي سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الله بن يزيد المعروف بابن ماجه القزوينيّ ٢٠٢ - ٢٧٣ هـ رحمه الله تعالى عن مشايخ كثيرين قراءةً وسماعًا لبعضها، وإجازةً لكلّها، أخصّ منهم: والدي العلامة الجليل، والدرّاكة النبيل الشيخ علي بن آدم بن موسى المتوفّى يوم الخميس (١٢/ ٩/ ١٤١٢ هـ) وله نيَفٌ وثمانون سنة رحمه الله تعالى، والشيخ عبد الباسط بن محمد بن حسن النحويّ البورنيّ المناسيّ، والشيخ المقرىء المحدث حياة بن علي، والشيخ محمد زين بن محمد ياسين الداني إجازةً منهم رحمهم الله تعالى أربعتهم عن العلامة المقرىء المحدث الشيخ كبير أحمد بن عبد الرحمن الْعدّيّ الحسنيّ أبًا العَقِيليّ أُمًّا الدوّويّ بلدًا المتوفّى سنة (١٣٩٠ هـ) عن العلامة عبد الجليل بن يحيى الدُّلّتّيّ، عن والده يحيى بن بشير الدُّلّتّيّ، عن والده بشير الدّلّتّيّ، عن المفتي داود بن أبي بكر الدّوّويّ، عن السيد سليمان بن يحيى

стр. 14

مقبول الأهدل، عن أحمد بن محمد مقبول الأهدل، عن أحمد بن محمد النخليّ المكيّ، عن محمد بن علاء الدين البابليّ، عن عيسى بن محمد الثعالبيّ، عن عليّ بن إبراهيم الحلبي، عن محمد بن أحمد الرمليّ، عن زكريا الأنصاريّ، عن الحافظ أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلانيّ، عن أبي العباس أحمد بن عمر البغداديّ اللؤلؤيّ، عن الحافظ أبي الحجاج يوسف ابن عبد الرحمن المزّيّ، عن عبد الرحمن بن أبي عمر بن قُدَامة الحنبليّ المقدسيّ، عن موفّق الدين عبد الله بن أحمد بن قُدامة الحنبليّ المقدسيّ، عن أبي زُرْعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسيّ، عن الفقيه أبي منصور محمد بن الحسين بن الهيثم المقوميّ القزوينيّ، عن أبي طلحة القاسم بن أبي المنذر الخطيب، عن أبي الحسن عليّ بن إبراهيم بن سلمة بن بحر القطّان، عن مؤلفه الحافظ الحجة الهمام أبي عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزوينيّ رحمه الله تعالى. و"ماجه" لقب يزيد والد محمد يقرأ بالهاء الساكنة وصلًا ووقفًا كما أسلفت تحقيقه، فتنبَّهْ. قال رحمه الله تعالى في ثلاثيّاته: حدّثنا جُبَارة، قال: حدّثنا كثير، قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أحبّ أن يكثر خير بيته، فليتوضّأ إذا حضر غداؤه، وإذا رُفع". انتهى. وهو سند ضعيف؛ لضعف جُبارة بن المُغَلِّس، وكثير بن سُليم. (ح) وأرويه أيضًا عن شيخي العلامة محمد زين ابن الشيخ محمد ياسين الدانيّ المتوفّى سنة (١٣٩٥ هـ) عن شيخه محمد سراج بن محمد سعيد الأنيّ، عن الشيخ يوسف بن إسماعيل البيروتيّ، عن الشيخ إبراهيم السقّا الشافعيّ، عن العلامة ثُعيلب، عن الشهابين: أحمد الملّوي، وأحمد الجوهري، كلاهما عن عبد الله بن سالم البصريّ، صاحب الثبت المشهور عن الشمس البابليّ، عن البرهان إبراهيم بن حسن اللقاني، وعلي بن إبراهيم الحلبيّ، عن الشمس محمد بن أحمد الرمليّ، عن القاضي زكريا الأنصاريّ، عن الحافظ أبي الفضل أحمد بن علي ابن حجر العسقلانيّ بالسند السابق. (ح) وأرويه أيضًا عن الشيخ المحدث المتقن محمد بن عبد الله الصوماليّ رحمه الله

стр. 15

تعالى إجازة عن الشيخ سليمان بن عبد الرحمن الحمدان المدرس بالحرم المكيّ، عن أبي عبد الله محمد بن يوسف السورتيّ، عن محمد بن الطيب المكيّ، عن الشيخ حسين بن محسن الأنصاريّ اليمنيّ، عن الشيخ ناصر الحازميّ، عن العلامة محمد بن عليّ الشوكانيّ، عن عبد القادر الكوكبانيّ، عن محمد حياة السنديّ، عن سالم بن عبد الله البصريّ، عن أبيه الشيخ عبد الله بن سالم البصريّ بالسند المتقدّم. (ح) وأرويه أيضًا عن الشيخ محمد بن عبد الله الصومالي، عن شيخه عبد الحقّ بن عبد الواحد، عن أحمد بن عبد الله البغداديّ، عن عبد الرحمن بن عباس بن عبد الرحمن، عن الشوكانيّ، عن عبد القادر بن أحمد الكوكبانيّ، عن عبد الخالق بن أبي بكر المزجاجيّ، عن إبراهيم بن حسن الكرديّ، عن البابليّ، عن سالم بن محمد السنهوريّ، عن محمد بن أحمد الغيطيّ، عن الزين الأنصاريّ، عن الحافظ ابن حجر العسقلانيّ، عن أبي الحسن عليّ بن أبي المجد، عن أبي العباس الحجار، عن الأنجب بن أبي السعادات، عن أبي زرعة المقدسيّ بالسند المذكور. (ح) وأرويه أيضًا عن شيخي العلامة المحدث الشهير محمد بن رافع بن بصيري سماعًا لبعضه بقراءة غيري عليه، وإجازةً لباقيه، عن شيخه محمد بن محمد أمين خير الباكستاني ثم المكي، عن محمد يحيى الكاندهلوي، عن الشيخ رشيد أحمد الجنجوهي، عن عبد الغني المجدديّ، عن محمد إسحاق، عن جده عبد العزيز، عن أبيه ولي الله أحمد ابن عبد الرحيم الدهلوي، عن أبي طاهر محمد بن إبراهيم الكوراني المدنيّ، عن والده البرهان إبراهيم بن حسن الكردي المدني، عن الشيخ أحمد القشاشيّ، عن الشيخ أحمد بن عبد القدوس الشناوي، عن شمس الدين أحمد بن محمد الرملي، عن زين الدين زكريا الأنصاريّ، عن الحافظ ابن حجر العسقلانيّ بالسند المذكور. (ح) وأرويه أيضًا قراءة لأول حديث منه، وإجازة لباقيه عن المسند الكبير الشيخ محمد ياسين بن محمد عيسى رحمه الله تعالى، عن الشيخ محمد بن علي المالكيّ، عن العلامة أبي بكر بن محمد شطا المكيّ، عن أحمد بن زيني دحلان المكيّ، عن عثمان بن حسن الدمياطيّ،

стр. 16

عن عبد الله بن حجازي الشرقاويّ، عن الشمس محمد بن سالم الحفنيّ. (ح) وعن الشيخ الفادانيّ، عن الشيخ عمر بن حمدان المحرسيّ، عن شيخه فالح ابن محمد الظاهريّ، عن محمد بن علي الخطابي السنوسيّ، عن السيد محمد مرتضى الزبيديّ، عن الشمس محمد بن سالم الحفنيّ المذكور، عن عبد العزيز الزياديّ، عن محمد ابن العلاء البابليّ، عن سالم بن محمد السنهوريّ، عن النجم محمد بن أحمد الغيطيّ، عن القاضي زكريا الأنصاريّ، عن الحافظ ابن حجر العسقلانيّ بسنده الماضي. (ح) وأرويه أيضًا عن الشيخ إسماعيل عثمان زين اليمنيّ، عن شيخه محمد بن يحيى دوم الأهدل، عن محمد بن عبد الرحمن الأهدل، عن محمد بن أحمد بن عبد الباري الأهدل، عن عمه شرف الإسلام الحسن بن عبد الباري الأهدل، عن عبد الرحمن بن سليمان الأهدل، عن والده العلامة سليمان بن يحيى مقبول الأهدل، عن صفي الدين أحمد بن محمد شريف مقبول الأهدل عن عماد الدين السيد يحيى بن عمر مقبول الأهدل، عن أبي بكر بن علي البطاح الأهدل، عن يوسف بن محمد البطاح، عن الطاهر ابن حسين بن عبد الرحمن الأهدل، عن أبي الضياء وجيه الدين عبد الرحمن بن علي الديبع الشيباني، عن زين الدين أحمد بن عبد اللطيف الشرجي، عن سليمان بن إبراهيم العلويّ، عن برهان الدين إبراهيم بن عمر العلويّ، عن محدث الشام أبي الحجاج يوسف بن الزكيّ عبد الرحمن الشهير بالحافظ المزيّ، عن عبد الرحمن بن أبي عمر المقدسيّ الحنبليّ بالسند المذكور. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لي أسانيد متعدّدة إلى الإمام ابن ماجه غير هذه، ويكفي ما ذكرته اختصارًا. وبالسند الذي ذكرته آنفًا قال الإمام الحافظ الحجة، أبو عبد الله، محمد بن يزيد المعروف بابن ماجَهْ الْقَزْوينيّ المتوفّى سنة (٢٧٣ هـ):

стр. 17

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بدأ المصنّف رحمه الله تعالى كتابه بالبسملة اتباعًا للنبيّ ﷺ حيث كان يُصَدِّر بها كتبه إلى الملوك، وغيرهم، كما ثبت ذلك في قصّة هِرَقْل، وقصّة صلح الحديبية، وغير ذلك، مما أخرجه الشيخان، وغيرهما. وموافقةً للكتاب العزيز، حيث إن الصحابة ﵃ افتتحوا كتابة الإمام الكبير بها، وتبعهم على ذلك جميع من كتب المصحف بعدهم في جميع الأمصار، مَن يقول بأن البسملة آية من أوّل الفاتحة، ومن لا يقول به. وقال إمام المفسّرين، أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ رحمه الله تعالى في تفسيره النافع ما نصّه: إن الله تعالى ذكرُهُ، وتقدّست أسماؤه، أدّب نبيّه محمدًا ﷺ بتعليمه تقديم ذكر أسمائه الحسنى، أمامَ أفعاله، وتقدّم إليه في وصفه بها قبل جميع مهماته، وجعل ما أدّبه به من ذلك، وعلّمه إياه منه لجميع خلقه سنّةً، يستنّون بها، وسبيلًا يتّبعونه عليها في افتتاح أوائل منطقهم، وصدور رسائلهم، وكتبهم، وحاجاتهم انتهى كلام ابن جرير (١). [تنبيه]: إنما عَدَلتُ عن الاستدلال بما اشتهر الاحتجاج به -ولا سيّما عند المتأخرين من المصنّفين- على استحباب البسملة، وهو حديث: "كلّ أمر ذى بال، لا يُبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم، فهو أبتر"، وفي رواية: "لا يُبدأ بالحمد لله"، وفي رواية: "بالحمد، فهو أقطع"، وفي رواية: "أجذم"، وفي رواية: "لا يبدأ فيه بذكر الله". رواه الحافظ عبد القادر الرُّهَاويّ رحمه الله تعالى في "أربعينه" من حديث أبي هريرة ﵁-كما ذكره النوويّ رحمه الله تعالى في شرحه- إلى ما ذكرته لضعفه جدًّا، بل ادّعى بعضهم وضعه، وإن لم يُوافق عليه، وقد ذكرت في "شرح مقدمة مسلم" خمس عشرة مسألة، مما يتعلق بالبسملة، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 18

(وَصَلَّى اللهُ) جملة خبريّة لفظًا، إنشائيّة معنًى، والأصحّ في معنى الصلاة ما ذكره الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في "صحيحه" عن أبي العالية أنه قال: صلاه الله ثناؤه عليه عند ملائكته، وصلاة الملائكة الدعاء. انتهى. وقال ابن عباس معنى: يصلّون يُبرّكون. انتهى، قال في "الفتح": تحت قول أبي العالية: أخرجه ابن أبي حاتم. وقال تحت قول ابن عبّاس: وصله الطبريّ من طريق عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿يُصَلُّونَ عَلىَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:٥٦] قال: يبَرِّكون على النبيّ ﷺ ، أي يدعون له بالبركة، فيوافق قول أبي العالية، لكنه أخصّ منه انتهى (١). وقال الإمام الترمذيّ ﵀ في "جامعه": ورُوِيَ عن سفيان الثوريّ، وغيرِ واحد من أهل العلم قالوا: صلاة الربّ الرحمةُ، وصلاة الملائكة الاستغفار انتهى كلام الترمذيّ (٢). وقال الحافظ ابن كثير: والصلاة من الله تعالى ثناؤه على العبد عند الملائكة. حكاه البخاريّ عن أبي العالية. ورواه أبو جعفر الرازيّ، عن الربيع بن أنس، عنه. وقال غيره: الصلاة من الله الرحمة. وقد يقال: لا منافاة بين القولين. والله أعلم. وأما الصلاة من الملائكة، فبمعنى الدعاء للناس، والاستغفار انتهى كلام ابن كثير (٣). وقد رجّح العلّامة ابن القيّم رحمه الله تعالى تفسير من فسّر صلاة الله تعالى بالثناء عند الملائكة، وردّ على من فسّرها بالرحمة، وبالغ في ذلك في كتابه "جلاء الأفهام". ونقلته في "شرح النسائيّ" فراجعه فإنه مفيد جدًّا. وقال الحافظ في "الفتح" بعد ما ذكر الاختلاف: ما حاصله: وأولى الأقوال ما

стр. 19

تقدّم عن أبي العالية أن معنى صلاة الله عَلى نبيّه ﷺ ثناؤه عليه، وتعظيمه، وصلاة الملائكة، وغيرهم عليه، طلب ذلك من الله تعالى، والمراد طلب أصل الصلاة. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ -من ترجيح تفسير أبي العالية- هو الراجح عندي، وقد أشبعت الكلام على هذا البحث في "شرح مقدّمة مسلم"، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. [تنبيه]: يحتمل أن تكون جملتا البسملة والصلاة إنشائيتين، فلا إشكال في عطف إحداهما على الأخرى، ويحتمل أن تكونا مختلفتين إنشاء، وإخبارًا، وفي عطف إحداهما على الأخرى خلاف بين النحاة، وقد نظم بعضهم ذلك، فقال: وَعَطْفُكَ الإِنْشَا عَلَى الإِخْبار ... وَعَكسُهُ فِيهِ خِلَافٌ جَارِي أَهْلُ الْبَيانِ وَابْنُ مَالِكٍ أبوا ... مِثْلَ ابْنِ عُصْفُورٍ وَبِالجُلِّ اقتَدوْا وَجَوَّزَتْهُ فِرْقَةٌ قَلِيلَهْ ... وَسِيبوَيْه وَارْتَضى دَلِيلَهْ (وسَلَّمَ) اختُلف في معنى السلام، فقيل: السلام الذي هو اسم من أسماء الله تعالى عليك، وتأويله: لا خلوت من الخيرات، والبركات، وسَلِمتَ من المكاره والآفات، إذ كان اسم الله إنما يُذكر توقّعًا لاجتماع معاني الخير والبركة فيها، وانتفاء عوارض الخلل والفساد عنها. ويحتمل أن يكون بمعنى السلام: أي ليكن قضاء الله تعالى عليك السلام، وهو السلامة، كالمقام والمقامة: أي يسلّمك الله تعالى من النقائص، فمعنى اللهم سلّم على محمد: اللهم اكتب له السلامة من كلّ نقص في دعوته، وأمته، وذكره، فتزداد دعوته على مرّ الأيام علوًّا. أمته تكاثرًا، وذكره ارتفاعًا. أفاده البيهقي رحمه الله تعالى (١). (عَلَى سَيِّدِنَا) متعلِّقٌ بـ "صلى". قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: وسيّد القوم رئيسهم، وأكرمهم، والسيّد: المالك، وأصله سَوِيد، وزانُ كريم، فاستُثقلت الكسرة

стр. 20

على الواو، فحُذفت، فاجتمعت الواو، وهي ساكنة، والياء، فقُلبت الواو ياءً، وأدغمت في الياء. وقيل: أصله فَيْعِلٌ -بسكون الياء، وكسر العين- وهو مذهب البصريين، والأصل سَيْوِد. وقيل: بفتح العين، وهو مذهب الكوفيين، لأنه لا يوجد فَيْعِلٌ بكسر العين في الصحيح، إلا صَيْقِل، اسم امرأة، والعليل محمول على الصحيح، فتعيّن الفتح؛ قياسًا على عَيْطَل، وكذلك ما أشبهه. انتهى (١). وقال النوويّ رحمه الله تعالى: اعلم أن السيّد يطلق على الذي يفوق قومه، ويرتفع قدره عليهم، ويُطلق على الزعيم والفاضل، ويُطلق على الحليم الذي لا يستفزّه غضبه، ويُطلق على الكريم، وعلى المالك، وعلى الزوج، وقد جاءت أحاديث كثيرة بإطلاق السيّد على أهل الفضل. فمن ذلك ما رواه البخاريّ في "صحيحه" عن أبي بكرة ﵁ أن النبيّ ﷺ صَعِد بالحسن بن عليّ رضي الله تعالى عنهما المنبر، فقال: "إن ابني هذا سيّد ... " الحديث. وفي "الصحيحين" عن أبي سعيد الخدريّ ﵁: أن رسول الله ﷺ قال للأنصار لمّا أقبل سعد ابن معاذ ﵁: "قوموا إلى سيِّدكم". وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁: "أن سعد ابن عبادة قال: يا رسول الله أرأيت الرجل يجد مع امرأته رجلًا أيقتله؟ ... " الحديث، وفيه: فقال رسول الله ﷺ : "انظروا إلى ما يقول سيّدكم". وأما ما أخرجه أبو داود في "سننه" بإسناد صحيح عن بُريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقولوا للمنافق: سيّد، فإنه إن يك سيّدًا، فقد أسخطتم ربكم "، فيُجمع بينه وبين هذه الأحاديث بأنه لا بأس بإطلاق: فلانٌ سيّدٌ، ويا سيّدي، وشبه ذلك إذا كان المُسَوَّد فاضلًا خَيِّرًا، إما بعلم، وإما بصلاح، وإما بغير ذلك، وإن كان فاسقًا، أو متّهما في دينه، أو نحو ذلك، كُرِه أن يقال له: سيّد. انتهى كلام النوويّ بتصرف (٢).

стр. 21

وقال الإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى في "بدائع الفوائد": اختلف الناس في جواز إطلاق السيّد على البشر، فمنعه قوم، ونُقل عن مالك، واحتجّوا بقول النبيّ ﷺ لمّا قيل له: يا سيّدنا، قال: "السيّد الله ﵎". وجوّزه قوم، واحتجّوا بقول النبيّ ﷺ للأنصار: "قوموا إلى سيّدكم"، وهذا أصحّ من الحديث الأول، قال هؤلاء: السيّد أحد ما يُضاف إليه، فلا يقال: للتميميّ: سيّد كِنْدَةَ، ولا يقال: الملك سيّد البشر. قال: وعلى هذا فلا يجوز أن يُطلق على الله هذا الاسم. وهذا فيه نظر، فإن السيّد إذا أُطلق عليه تعالى، فهو في منزلة المالك، والمولى، والربّ، لا بمعنى الذي يُطلق على المخلوق. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أن لفظ "السيّد" يجوز إطلاقه على الله تعالى؛ لحديث أبي داود المذكور، وهو حديث صحيح، ويجوز إطلاقه على المخلوق إذا لم يكن فاسقًا؛ للأحاديث المتقدّمة في كلام النوويّ رحمه الله تعالى. وأما نهيه ﷺ عن قولهم: "يا سيّدنا" فهو من باب التحذير عن الْغُلُوّ في المدح، فالحديث صريح في ذلك، فقد أخرج أبو داود بسند جيّد، وصحّحه غير واحد -كما قال في "الفتح" (٢) - عن عبد الله بن الشّخّير ﵁ قال: "انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ ، فقلنا: أنت سيّدنا، فقال: "السيّد الله ﵎"، قلنا: وأفضلنا فضلًا، وأعظمنا طَوْلًا، فقال: "قولوا: بقولكم -أو بعض قولكم- ولا يَسْتَجْرِيَنَّكم الشيطان" (٣). والله تعالى أعلم بالصواب. وقوله: (مُحَمَّدٍ) بالجرّ صفة لسيّد، أو عطف بيان له، أو بدلٌ، ويجوز قطعه إلى

стр. 22

الرفع بتقدير مبتدأ محذوف وجوبًا؛ لكونه نعت مدح: أي هو محمدٌ، أو إلى النصب بتقدير فعل محذوف كذلك: أي أمدح محمدًا. ولا يعترض على هذا كونه بصورة المجرور والمرفوع؛ لأن ذلك جائز في لغة بعض العرب، حيث يقفون على المنصوب المنوّن بالسكون، ورسمه يكون بصورة المرفوع والمجرور. و (محمّد): علم لنبيّنا ﷺ ، وهو أشرف أسمائه منقول من اسم مفعول حُمّد المضعّف، وهو يتضمّن الثناء على المحمود، وإجلاله، وتعظيمه، ومحبّته، وهو علم وصفة، اجتمع فيه الأمران في حقه ﷺ ، وإذ كان علمًا محضًا في حقّ غيره، وقد أشبعت الكلام في هذا البحث في "شرح مقدّمة مسلم"، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق. (وَآلِهِ) بالجرّ عطفًا على "سيدنا"، واختُلف في أصله، فقيل: أهل، قُلبت الهاء همزةً، ثم سُهّلت، ولهذا إذا صُغّر رُدّ إلى أصله، فقيل: أُهيلٌ. وقيل: أصله أَوَلٌ بالتحريك، من آل يئول: إذا رجع، سمّي بذلك من يؤول إلا الشخص، ويضاف إليه، ولا يضاف إلا إلى معظّم، فلا يقال: آل الحجّام، ولا آل الإسكاف، بخلاف أهل، فإنه يستعمل في الأشراف وغيرهم، وإنّما قيل: آل فرعون؛ لتصوّره بصورة الأشراف، ولا يضاف أيضًا إلى غير العاقل، ولا إلى الضمير عند الأكثرين، وجوّزه بعضهم بقلّة، كما هنا، وكما في قول الشاعر: وَانصُرْ عَلَى آلِ الصَّليـ ... ـبِ وَعَابِدِيهِ الْيَوْمَ آلَكْ واختُلف في المراد بالآل هنا، فقيل: من تحرم عليهم الصدقة، وهو نصّ الشّافعي، واختاره الجمهور، ورجحه السخاوي، وقيل: أزواجه وذرّيته. وقيل: ذريّة فاطمة رضي الله تعالى عنها وقيل: جميع قريش. وعن أحمد رحمه الله تعالى: المراد في حديث التشهّد أهل بيته. وقيل: جميع أمّة الإجابة، وهو قول مالك، واختاره الأزهري، ورجحه النوويّ في "شرح مسلم". وقيّده بعضهم، وهو الحقّ بالأتقياء منهم، وعليه يُحمل كلام من أطلقه، ويؤيّده قوله : ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤].

стр. 23

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول الأول هو الأرجح؛ لأنه صحّ قوله ﷺ : "إنا آل محمد لا تحلّ لنا الصدقة"، وقوله ﷺ : "إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحلّ لمحمد، ولا لآل محمد". ووجه الاستدلال بهما أن الآل الذي طُلِبَ منا أن نصلّي عليهم إذا صلينا على النبيّ ﷺ هم الذين بينهم النبيّ ﷺ في هذين الحديثين، ونحوهما، فليُتنبّه. والله تعالى أعلم. (وَصَحبِهِ) بالجرّ كسابقه، وهو اسم جمع لصاحب بمعنى الصحابيّ، كراكب ورَكْب. وقيل: جمع له، وهو من لقي النبيّ ﷺ مؤمنا به، ولو لم يرو عنه، ولم تطل مجالسته، كما قال في "ألفية الحديث": حدّ الصَّحَابي مُسْلِمًا لَاقِي الرَّسُولْ ... وَإِنْ بِلَا رِوَايةٍ عَنْهُ وَطُول (وَمُحِبِّيهِ) أي محبي النبيّ ﷺ ، وهم المتمسّكون بسنته، المقتفون لآثاره، وهم الذين يحبّون الله تعالى حقّ المحبّة، الذين فهموا الخطاب الموجّه إليهم بقول الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] حقّ الفهم، فنالوا بذلك ما وعدهم الله : ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، فتحقّق لهم قوله تعالى في الحديث القدسيّ الذي أخرجه البخاريّ في "صحيحه" "من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله، ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت، وأنا أكره مساءته". وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل: إن الله يحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في أهل الأرض". ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].

стр. 24

[تنبيه]: عطف "محبيه" على ما قبله من عطف العامّ على الخاصّ؛ ليشمل من أتى بعدهم متمسّكًا بسنته ﷺ إلى يوم القيامة، وقدّم الآل؛ لأن النصّ ورد بالصلاة عليهم، حيث قال ﷺ في تعليمه الصلاة لمّا سئل عن كيفيّة الصلاة المأمور بها في الآية: "قولوا: اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد الخ". وأما الصلاة على الصحب، وتاليه، فمن استحسانات العلماء، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: إنما قَرَن المصنّف رحمه الله تعالى الصلاة بذكر السلام، امتثالًا للأمر الوارد في الآية الكريمة: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وخروجًا من الخلاف في كراهة إفراد أحدهما عن الآخر، وإن كان المختار عدم الكراهة. قال الحافظ السخاويّ رحمه الله تعالى: استُدلّ بحديث كعب بن عُجرة ﵁، وغيره -يعني حديث تعليمه ﷺ الصلاة الإبراهيميّة لمّا سألوه عن كيفيّة الصلاة عليه- على أن إفراد الصلاة عن التسليم لا يكره، وكذا العكس؛ لأن تعليم السلام تقدّم قبل تعليم الصلاة، فأُفرِدَ التسليمُ مدّةً في التشهّد قبل الصلاة عليه. وقد صرّح النوويّ رحمه الله تعالى في "الأذكار" وغيره بالكراهة، واستدلّ بورود الأمر بهما معًا في الآية. قال شيخنا -يعني الحافظ ابن حجر-: وفيه نظر، نعم يكره أن يُفرد الصلاة، ولا يُسلّم أصلًا، أما لو صلّى في وقتٍ، وسلّم في وقتٍ آخر، فإنه يكون ممتثلًا انتهى كلام السخاويّ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لي فيما ذُكر وقفتان: (الأولى): قول النوويّ بكراهة الإفراد مما لا دليل عليه، فإنّ مجرّد الاقتران في الآية لا يدلّ عليه، كما أنّ قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] لا يدلّ على ذلك، فلا قائل بأن من وجبت عليه الزكاة لا بدّ أن يؤدّيها مؤونة بالصلاة، بحيث إنه لو فرّق بينهما كُره عليه.

стр. 25

(الثانية): قول الحافظ رحمه الله تعالى: نعم يكره أن يفرد الصلاة، ولا يُسلّم أصلًا الخ محلّ نظر أيضًا؛ لأنه لا يمكن حصول ذلك أصلًا؛ لأنه لا بدّ أن يصلّي الصلوات الخمس، فإذا صلّى لا بدّ أن يتشهّد، وفيه السلام، فلا يمكن عدم السلام أصلًا، فتنبّه. والحاصل أن القول بكراهة الإفراد غير صحيح، بل الجمع بينهما مستحبّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه آخر]: عطف المصنّف رحمه الله تعالى الآل والصحب، وأشركهم مع النبيّ ﷺ في الصلاة والسلام عليهم، أما الصحب، فمن عمل العلماء، وأما الآل فقد وردت النصوص بهم؛ فإن النبيّ ﷺ ذكرهم في تعليماته لكيفيّة الصلاة المأمور بها في الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]: فقد أخرج الشيخان، وغيرهما عن كعب بن عجرة ﵁، قيل: يا رسول الله، أما السلام عليك، فقد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا: "اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد". متفق عليه. وعن أبي حميد الساعديّ، ﵁، أنهم قالوا: يا رسول الله، كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله ﷺ : قولوا: "اللهم صل على محمد، وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد، وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". متفق عليه. وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: لقيني كعب بن عجرة، فقال: ألا أُهدي لك هدية، سمعتها من النبي ﷺ ، فقلت: بلى، فأهدها لي، فقال: سألنا رسول الله ﷺ ، فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عليكم، أهلَ البيت؟، فإن الله قد عَلَّمَنا كيف نسلم عليكم، قال: قولوا: "اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على

стр. 26

إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". متفق عليه. وأخرج مسلم عن أبي مسعود الأنصاري ﵁، قال: أتانا رسول الله ﷺ ، ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك، يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ ، حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله ﷺ : قولوا: "اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم". وغير ذلك من الصيغ المختلفة الواردة في التعليم النبويّ، فكان الأولى أن يصلّي عليهم أيضًا. وقد ذكرت في "شرح مقدّمة مسلم" أحاديث صحيحة في فصل الصلاة والسلام على النبيّ ﷺ ، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].

стр. 27

١ - (باب اتباع سنة رسول الله ﷺ -) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما أحسن صنيع المصنّف رحمه الله تعالى، وأنصع تبويبه، حيثما بدأ كتابه بـ "باب اتّباع سنة رسول الله ﷺ ، إشارة إلى تصنيفه في جمع سننه ﷺ ، وتنبيهًا للطالب على أن الأخذ بهذه السنن هو الدين القويم، والصراط المستقيم، ثم عقّب هذا الباب بأبواب الإيمان؛ لأنه الأساس لبناء المكلّف بيت العزّ والشرف، ثم أتبعه بفضائل أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لأنهم مبلغوا هذه السنن إلى الأمة، فينبغي أن يعرف فضلهم، ويُشهر قدرهم، ثم عقد بابًا لذكر الخوارج الذين خرجوا على أهل الحقّ من أصحاب رسول الله ﷺ ، وغيرهم؛ ليجتنب الناس بدعهم، وانحرافاتهم، ثم أتبعه بـ "باب من سنّ سنة حسنةً، أو سيّئة"، و"باب من أحيا سنّة قد أميتت" حثًّا على نشر السنة القائمة، وإماتة السنة التي أُميتت، ثم ختمه بأبواب العلم، إشارةً إلى أن هذه السنن إنما تحقّق، وتُنشر بتعلّمها، وتعليمها، ثم دخل في المقصمود بادئًا بـ "كتاب الطهارة وسننها"، ومسلسلًا لأبواب السنن حسب تناسبها، والتئامها، فلله درّه من مصنف مهذِّب، ومحدّث مرتّب، فجزاه الله تعالى أحسن الجزاء على ما أسداه إلى الأمة الإسلامية من سُنَن، وزفّه إليها من عطايا ومنن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ -المذكور أول الكتاب- قال: ١ - (حَدَّثَنَا أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنا شَرِيكٌ، عَنِ الأعَمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا أَمَرتُكُمْ بِهِ فَخُذوه، وَمَا نَهَيْتكُمْ عَنهُ فَانْتَهُوا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أبو بكر بن أبي شيبة) هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، واسمه إبراهيم بن عثمان بن خواستي العبسي مولاهم، الحافظ الكوفي الواسطيّ الأصل، ثقة حافظ، صاحب تصانيف [١٠]: رَوَى عن أبي الأحوص، وعبد الله بن إدريس، وابن المبارك، وجماعة.

стр. 28

ورَوى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والمصنّف، وروى له النسائي بواسطة أحمد بن علي القاضي، وزكرياء الساجي، وعثمان بن خرزاذ، وابنه أبو شيبة إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن سعد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وجماعة. قال يحيى الحماني: أولاد ابن أبي شيبة من أهل العلم، كانوا يزاحمونا عند كل محدث. وقال أحمد: أبو بكر صدوق، وهو أحب إلي من عثمان. قال عبد الله بن أحمد: فقلت لأبي: إن يحيى بن معين يقول: عثمان أحب إلي، فقال: أبو بكر أعجب إلينا. وقال العجلي: ثقة، وكان حافظا للحديث. وقال أبو حاتم، وابن خراش: ثقة، وقال عمرو ابن علي: ما رأيت أحفظ من أبي بكر، قدم علينا مع علي بن المديني، فسرد للشيباني أربعمائة حديث حفظا وقام. وقال أبو عبيد القاسم: انتهى العلم إلى أربعة، فأبو بكر أسردهم له، وأحمد أفقههم فيه، ويحيى أجمعهم له، وعلي أعلمهم به، وقال صالح بن محمد: أعلم من أدركت بالحديث وعلله علي بن المديني، وأعلمهم بتصحيف المشايخ يحيى بن معين، وأحفظهم عند المذاكرة أبو بكر بن أبي شيبة. وقال ابن خراش: سمعت أبا زرعة الرازي يقول: ما رأيت أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبة، فقلت له: يا أبا زرعة وأصحابنا البغداديين؟ فقال: دع أصحابك أصحاب مخاريق. وقال ابن حبان في "الثقات": كان متقنًا حافظا دَيِّنا، ممن كتب، وجمع، وصنّف، وذاكر، وكان أحفظ أهل زمانه للمقاطيع. وقال ابن قانع: ثقة ثبت. قال البخاري وغير واحد: مات سنة خمس وثلاثين ومائتين في المحرم. وفي "الزهرة": روى عنه البخاري ثلاثين حديثا، ومسلم ألفا وخمسمائة وأربعين حديثا. أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والمصنّف. ٢ - (شريك) بن عبد الله بن أبي شريك النخعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ القاضي بواسط، ثم الكوفة، صدوقٌ يُخطيء كثيرًا، تغيّر حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا، شديدًا على أهل البدع [٨].

стр. 29

رَوَى عن زياد بن علاقة، وأبي إسحاق السبيعي، وعبد الملك بن عمير، والعباس ابن ذَرِيح، وإبراهيم بن جرير العجلي، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وخلق. وروى عنه ابن مهدي، ووكيع، ويحيى بن آدم، ويونس بن محمد المؤدب، والفضل بن موسى السيناني، وعبد السلام بن حرب، وابنا أبي شيبة، وغيرهم. قال صالح بن أحمد عن أبيه: سمع شريك من أبي إسحاق قديما، وشريك في أبي إسحاق أثبت من زهير، وإسرائيل، وزكريا. وقال يزيد بن الهيثم عن ابن معين: شريك ثقة، وهو أحب إلي من أبي الأحوص، وجرير، وهو يروي عن قوم لم يرو عنهم سفيان الثوري، قال ابن معين: ولم يكن شريك عند يحيى -يعني القطان- بشيء، وهو ثقة ثقة. وقال أبو يعلى: قلت لابن معين: أيما أحب إليك جرير أو شريك؟ قال: جرير، قلت: فشريك أو أبو الأحوص؟ قال: شريك، ثم قال: شريك ثقة، إلا أنه لا يتقن، ويغلط، ويذهب بنفسه على سفيان وشعبة. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: شريك أحب إليك في أبي إسحاق أو إسرائيل؟ قال: شريك أحب إلي، وهو أقدم، قلت: شريك أحب إليك في منصور أو أبو الأحوص؟ فقال: شريك أعلم به، وقال العجلي: كوفي ثقة، وكان حسن الحديث، وكان أروى الناس عنه إسحاق الأزرق. وقال علي بن حكيم عن وكيع: لم يكن أحد أروى عن الكوفيين من شريك، وقال الجوزجاني: شريك سيء الحفظ، مضطرب الحديث مائل. وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي زرعة: شريك يحتج بحديثه؟ قال: كان كثير الخطأ، صاحب حديث، وهو يغلط أحيانا، فقال له فضلك الصائغ: إنه حدث بواسط بأحاديث بواطيل، فقال أبو زرعة: لا تقل بواطيل. قال عبد الرحمن: وسألت أبي عن شريك، وأبي الأحوص، أيهما أحب إليك؟ قال: شريك، وقد كان له أغاليط. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عدي: في بعض ما لم أتكلم عليه من حديثه مما أمليت بعض الإنكار، والغالب على حديثه الصحة والاستواء، والذي يقع في حديثه من النكرة، إنما أُتي به من سوء حفظه، لا أنه يتعمد شيئًا مما يستحق أن ينسب فيه إلى شيء من الضعف. قال أحمد بن حنبل: ولد شريك

стр. 30

سنة (٩٠)، ومات سنة سبع وسبعين ومائة، وكذا أرخه غير واحد، منهم ابن سعد، وقال: كان ثقة مأمونا كثير الحديث، وكان يَغْلَط. وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري: أخطأ في أربعمائة حديث. وقال ابن المثنى: ما رأيت يحيى، ولا عبد الرحمن حَدّثا عنه بشيء. وقال محمد بن يحيى بن سعيد، عن أبيه: رأيت في أصول شريك تخليطا. وقال أبو جعفر الطبري: كان فقيها عالما. وقال أبو داود: ثقة يخطئ على الأعمش، زهير فوقه، وإسرائيل أصح حديثا منه، وأبو بكر بن عياش بعده. وقال ابن حبان في "الثقات": ولي القضاء بواسط سنة (١٥٥)، ثم ولي الكوفة بعدُ، ومات بها سنة (٧) أو (١٨٨)، وكان في آخر أمره يخطيء فيما روى، تغير عليه حفظه، فسماع المتقدمين منه ليس فيه تخليط، وسماع المتأخرين منه بالكوفة فيه أوهام كثيرة. روى له البخاري في التعاليق، ومسلم في المتابعة، والأربعة. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، يقال: أصله من طبرستان، وولد بالكوفة، ثقة حافظٌ، عارفٌ بالقراءة، وَرعٌ، لكنه يدلّس [٥]. رَوَى عن أنس ولم يثيت له منه سماع وعبد الله بن أبي أوفى، يقال: إنه مرسل، وزيد بن وهب، وأبي وائل، وأبي عمرو الشيباني، وقيس بن أبي حازم، وخلق كثير. وروى عنه الحكم بن عتيبة، وزبيد اليامي، وأبو إسحاق السبيعي، وهو من شيوخه، وسليمان التيمي، وسهيل بن أبي صالح، وهو من أقرانه، ومحمد بن واسع، وشعبة، والسفيانان، وإبراهيم بن طهمان، وخلائق من أواخرهم أبو نعيم، وعبيد الله بن موسى. قال ابن المديني: لم يحمل عن أنس، إنما رآه يخضب، ورآه يصلي. وقال ابن معين: كلُّ ما روى الأعمش عن أنس مرسل. وقال أبو حاتم: لم يسمع من ابن أبي أوفى، ولا من عكرمة: وقال ابن المنادى: قد رأى أنس بن مالك، إلا أنه لم يسمع منه، ورأى أبا بكرة الثقفي، وأخذ له بركابه، فقال له: يا بني إنما أكرمت ربك.

стр. 31

وتعقّب الحافظ قول ابن المنادي هذا، وتعجّب من الحافظ المزّي حيث نقله، ولم يتعقّبه، مع حفظه ونقده، فقال: وقول ابن المنادي: إن الأعمش أخذ بركاب أبي بكرة الثقفي غلط فاحش؛ لأن الأعمش وُلد إما سنة (٦١) أو سنة (٥٩) على الخلف في ذلك، وأبو بكرة مات سنة إحدى أو اثنتين وخمسين، فكيف يتهيأ أن يأخذ بركاب من مات قبل مولده بعشر سنين أو نحوها؟ وكأنه كان -والله أعلم- أخذ بركاب ابن أبي بكرة، فسقطت "ابن"، وثبت الباقي. انتهى. وقال وكيع، عن الأعمش: رأيت أنس بن مالك، وما منعني أن أسمع منه إلا استغنائي بأصحابي. وقال ابن المديني: حفظ العلم على أمة محمد ﷺ ستة: عمرو بن دينار بمكة، والزهري بالمدينة، وأبو إسحاق السبيعي، والأعمش بالكوفة، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير بالبصرة. وقال أبو بكر بن عياش عن مغيرة: لما مات إبراهيم اختلفنا إلى الأعمش في الفرائض. وقال هشيم: ما رأيت بالكوفة أحدًا أقرأ لكتاب الله منه. وقال ابن عيينة: سبق الأعمش أصحابه بأربع: كان أقرأهم للقرآن، وأحفظهم للحديث، وأعلمهم بالفرائض، وذكر خصلة أخرى. وقال يحيى بن معين: كان جرير إذا حدث عن الأعمش، قال: هذا الديباج الخسرواني. وقال شعبة: ما شفاني أحد في الحديث ما شفاني الأعمش. وقال عبد الله بن داود الْخُريبي: كان شعبة إذا ذكر الأعمش قال: المصحف المصحف. وقال عمرو بن علي: كان الأعمش يسمى المصحف؛ لصدقه. وقال ابن عمار: ليس في المحدثين أثبت من الأعمش، ومنصور ثبت أيضا، إلا أن الأعمش أعرف بالمسند منه. وقال العجلي: كان ثقة ثبتا في الحديث، وكان محدث أهل الكوفة في زمانه، ولم يكن له كتاب، وكان رأسا في القرآن، عَسِرًا، سيىء الخلق، عالمًا بالفرائض، وكان لا يلحن حرفا، وكان فيه تشيع، ويقال: إن الأعمش وُلد يوم قتل الحسين، وذلك يوم عاشوراء سنة (٦١). وقال عيسى بن يونس: لم نر مثل الأعمش، ولا رأيت الأغنياء والسلاطين عند أحد أحقر منهم عند الأعمش، مع فقره وحاجته. وقال يحيى بن سعيد القطان: كان من النساك، وهو علامة الإسلام. وقال

стр. 32

وكيع: اختلفت إليه قريبا من سنتين، ما رأيته يقضي ركعة، وكان قريبا من سبعين سنة، لم تفته التكبيرة الأولى. وقال الخُرَيْبِيّ: مات يوم مات، وما خلف أحدًا من الناس أعبد منه، وكان صاحب سنة. وقال ابن معين: ثقة. وقال النسائي: ثقة ثبت. وقال أبو عوانة وغيره: مات سنة (١٤٧)، وقال أبو نعيم: مات سليمان سنة ثمان وأربعين ومائة في ربيع الأول، وهو ابن (٨٨) سنة، وفيها أرخه غير واحد. روى له الجماعة. ٤ - (أبو صالح) ذكوان السمّان الزيات المدني، مولى جويرية بنت الأحمس الغطفاني، ثقة ثبتٌ، كان يجلب الزيت إلى الكوفة [٣]. شهد الدار زمن عثمان، وسأل سعد بن أبي وقاص مسألة في الزكاة، وروى عنه، وعن أبي هريرة، وأبي الدرداء، وأبي سعيد الخدري، وعَقِيل بن أبي طالب، وجابر، وابن عمر، وابن عباس، ومعاوية، وعائشة، وأم حبيبة، وأم سلمة، وغيرهم. وأرسل عن أبي بكر. ورَوَى عنه أولاده: سهيل، وصالح، وعبد الله، وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن دينار، ورجاء بن حيوة، وزيد بن أسلم، والأعمش، وأبو حازم، سلمة بن دينار، وآخرون. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة ثقة، من أجل الناس، وأوثقهم. وقال حفص ابن غياث، عن الأعمش: كان أبو صالح مؤذنا، فأبطأ الإمام فأمنا، فكان لا يكاد يجيزها من الرقة والبكاء. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة صالح الحديث، يحتج بحديثه. وقال أبو زرعة: ثقة مستقيم الحديث. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وكان يَقْدَم الكوفة يجلب الزيت، فينزل في بني أسد. وقال أبو داود: سألت ابن معين من كان الثبت في أبي هريرة؟ فقال: ابن المسيب، وأبو صالح، وابن سيرين، والمقبري، والأعرج، وأبو رافع. وقال الساجي: ثقة صدوق. وقال الحربي: كان من الثقات. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العجلي: ثقة. وقال أبو زرعة: لم يلق أبا ذر. قال يحيى بن بكير وغير واحد: مات سنة (١٠١). روى له الجماعة.

стр. 33

٥ - (أبو هريرة) بن عامر بن عبد ذي الشَّرَى بن طريف بن عتاب بن أبي صعب بن منبه بن سعد بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس بن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب الدوسي، هكذا سماه، ونسبه ابن الكلبي، ومن تبعه، وقواه أبو أحمد الدمياطي. وقال ابن إسحاق: كان وسيطا في دوس، وأخرج الدولابي من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: اسم أبي هريرة عبد نهم بن عامر، وهو دوسي، حليف لأبي بكر الصديق، وخالف ابن البرقي في نسبه، فقال: هو ابن عامر بن عبد شمس بن عبد الساطع بن قيس بن مالك بن ذي الأسلم بن الأحمس بن معاوية بن المسلم بن الحارث بن دهمان بن سليم بن فهم بن عامر بن دوس، قال: ويقال: هو ابن عتبة بن عمرو بن عيسى بن حرب بن سعد بن ثعلبة بن عمرو بن فهم بن دوس، وقال أبو علي بن السكن: اختلف في اسمه، فقال أهل النسب: اسمه عمير بن عامر، وقال ابن إسحاق: قال لي بعض أصحابنا عن أبي هريرة: كان اسمي في الجاهلية عبد شمس ابن صخر، فسماني رسول الله ﷺ عبد الرحمن، وكُنيت أبا هريرة؛ لأني وجدت هرة، فحملتها في كمي، فقيل لي: أبو هريرة، وهكذا أخرجه أبو أحمد الحاكم في "الكنى" من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، وأخرجه ابن منده من هذا الوجه مطولا، وأخرج الترمذي بسند حسن، عن عبيد الله بن أبي رافع، قال: قلت لأبي هريرة: لم كنيت بأبي هريرة؟ قال: كنت أرعى غنم أهلي، وكانت لي هرة صغيرة، فكنت أضعها بالليل في شجرة، وإذا كان النهار ذهبت بها معي، فلعبت بها، فكنوني أبا هريرة. انتهى. وفي "صحيح البخاري": أن النبي ﷺ قال له: يا أبا هِرّ. وأخرج البغوي من طريق إبراهيم بن الفضل المخزومي، وهو ضعيف، قال: كان اسم أبي هريرة في الجاهلية عبد شمس، وكنيته أبو الأسود، فسماه رسول الله ﷺ عبد الله، وكناه أبا هريرة. وأخرج ابن خزيمة بسند قوي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عبد شمس، من الأزد، ثم من دوس. وأخرج الدولابي بسند حسن، عن أسامة بن زيد الليثي، عن عبيد الله

стр. 34

ابن أبي رافع، والمقبري، قالا: كان اسم أبي هريرة عبد شمس بن عامر بن عبد الشَّرَى (١) - والشَّرَى اسم صنم لدوس- فلما أسلم سُمي بعبد الله بن عامر، وقال عبد الله بن إدريس عن شعبة: كان اسم أبي هريرة عبد شمس، وكذا قال يحيى بن معين، وأحمد بن صالح المصري، وهارون بن حاتم، وكذا قال أبو زرعة، عن أبي مسهر، وقال أبو نعيم الفضل بن دكين مثله، وزاد: ويقال: عبد عمرو، وقال مرة أخرى: أبو هريرة سُكين، ويقال: عامر بن عبد غنم، وكذا قال إسماعيل بن أبي أويس: وجدت في كتاب أبي كان اسم أبي هريرة عبد شمس، واسمه في الإسلام عبد الله، وعن أبي نمير (٢) مثله، وذكر الترمذي عن البخاري مثله، وقال صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه: أبو هريرة عبد شمس، ويقال: عبد نهم، ويقال: عبد غنم، ويقال: سكين، ويقال: عبد الله بن عامر، أخرجه البغوي عن صالح، وكذا قال الأحوص بن المفضل العلائي عن أبيه، وكذا حكاه يعقوب بن سفيان في "تاريخه"، وذكر ابن أبي شيبة مثله، وزاد: ويقال: عبد الرحمن بن صخر، وذكر البغوي عن عبد الله بن أحمد، قال: سمعت شيخا لنا كبيرا يقول: اسم أبي هريرة سكين بن دُومة، وهذا حكاه الحسن بن سفيان بسنده عن أبي عمر الضرير، وزاد: ويقال: عبد عمرو بن غنم، وقال عمرو بن علي الفلاس، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن المحرر بن أبي هريرة: كان اسم أبي عبد عمرو بن عبد غنم، أخرجه أسلم بن سهل في "تاريخه"، وأخرجه البغوي عن المقدمي، عن عمه سفيان، ولفظه: كان اسم أبي هريرة عبد الرحمن بن غنم، كذا في رواية عيسى بن علي، عن البغوي، وأخرجه ابن أبي الدنيا من طريق المقدمي مثل ما قال عمرو بن علي، وكذا هو في "الذهليات" عن بكر بن بكار، عن عُمَر بن علي المقدمي (٣)، وقال ابن خزيمة:

стр. 35

قال الذهلي: هذا أوضح الروايات (١) عندنا على القلب، قال ابن خزيمة: وإسناد محمد ابن عمرو، عن أبي سلمة أحسن من سفيان بن حسين، عن الزهري، عن المحرر، إلا أن يكون كان له اسمان قبل إسلامه، وأما بعد إسلامه، فلا أحسب اسمه استمر. قلت أنكر أن يكون النبي ﷺ غير اسمه، فسماه عبد الرحمن، كما نقل أحمد بن حنبل، عن أبي عبيدة الحداد، وأخرج أبو محمد بن زيد، عن الأصمعي أن اسمه عبد عمرو بن عبد غنم، ويقال: عمرو بن عبد غنم، وجزم بالأول النسائي، وقال البغوي: حدثنا الحسن ابن عرفة، حدثنا أبو إسماعيل المؤدب، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، واسمه عبد الرحمن بن صخر، قال الحافظ: وأبو إسماعيل صاحب غرائب، مع أن قوله: واسمه عبد الرحمن بن صخر، يحتمل أن يكون من كلام أبي صالح، أو من كلام من بعده، وأخلق به أن يكون أبو إسماعيل الذي تفرد به، والمحفوظ في هذا قول محمد بن إسحاق، وأخرج أبو نعيم من طريق إسحاق بن راهويه، قال: أبو هريرة مختلف في اسمه، فقيل: سكين بن مل، وقيل: ابن هانئ، وقال بعضهم: عمر بن عبد شمس، وقيل: ابن عبد نهم، وقال عباس الدوري، عن أبي بكر بن أبي الأسود: سكين بن جابر، وأخرج أبو أحمد الحاكم بسند صحيح، عن صالح بن كيسان، قال: اسمه عامر، ومثله حكاه الهيثم بن عدي، عن ابن عباس، وهو المسوق، وزاد أنه ابن عبد شمس بن عبد غنم بن عبد ذي الشَّرَى، وقال أبو مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز: هو عامر بن عبد شمس، وقيل: عبد غنم، وقيل: سكين بن عامر، وقال خليفة: اختلف في اسمه، فقيل: عمير بن عامر، وقيل: سكين بن دومة، ويقال: عبد عمرو بن عبد غنم، وقيل: عبد الله ابن عامر، وقيل: برير، أو يزيد بن عشرقة، وقال الفلاس: اختلفوا في اسمه، والذي

стр. 36

صح أنه عبد عمرو بن عبد غنم، ويقال: سكين، وقال البغوي: حدثنا محمد بن حميد، حدثنا أبو نميلة، حدثنا محمد بن عبيد الله، قال: اسمه سعد بن الحارث، قال البغوي: وبلغني أن اسمه عبد ياليل، وقال ابن سعد، عن الواقدي، كان اسمه عبد شمس، فسمي في الإسلام عبد الله، ونقل عن الهيثم مثله، وزاد البغوي عن الواقدي: ويقال: إنه عبد الله ابن عائذ، وقال ابن البرقي: اسمه عبد الرحمن، ويقال: عبد شمس، ويقال: عبد غنم، ويقال: عبد الله، ويقال: بل هو عبد نهم، وقيل: عبد تيم، وحكى ابن منده في أسمائه: عبد، بغير إضافة، وفي اسم أبيه: عبد غنم، وحكى أبو نعيم فيه: عبد العزى، وسَكَن -بفتحتين. قال النووي في مواضع من كتبه: اسم أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر على الأصح من ثلاثين قولا. وقال القطب الحلبي: اجتمع في اسمه واسم أبيه أربعة وأربعون قولا، مذكورة في "الكنى" للحاكم، وفي "الاستيعاب"، وفي "تاريخ ابن عساكر". قال الحافظ: وجه تكثره أنه يجتمع في اسمه خاصة عشرة أقوال مثلا، وفي اسم أبيه نحوها، ثم تركبت، ولكن لا يوجد جميع ذلك منقولا، فمجموع ما قيل في اسمه وحده نحو من عشرين قولا: عبد شمس، وعبد نهم، وعبد تيم، وعبد غنم، وعبد العزى، وعبد ياليل، وهذه لا جائز أن تبقى بعد أن أسلم، كما أشار إليه ابن خزيمة، وقيل فيه أيضا: عبيد بغير إضافة، وعبيد الله بالإضافة، وسُكين بالتصغير، وسكن بفتحتين، وعمرو بفتح العين، وعمير بالتصغير، وعامر، وقيل: برير، وقيل: بر، وقيل: يزيد، وقيل: سعد، وقيل: سعيد، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وجميعها محتمل في الجاهلية والإسلام، إلا الأخير، فإنه إسلامي جزما، والذي اجتمع في اسم أبيه خمسة عشر قولا، فقيل: عائذ، وقيل: عامر، وقيل: عمرو، وقيل: عمير، وقيل: غنم، وقيل: دومة، وقيل: هانئ، وقيل: ملّ، وقيل: عبد نهم، وقيل: عبد غنم، وقيل: عبد شمس، وقيل: عبد عمرو، وقيل: الحارث، وقيل: عشرقة، وقيل: صخر، فهذا معنى قول من قال اختلف في اسمه واسم أبيه على أكثر من ثلاثين قولا.

стр. 37

فأما مع التركيب بطريق التجويز، فيزيد على ذلك نحو مائتين وسبعة وأربعين من ضرب تسعة عشر في ثلاثة عشر، وأما مع التنصيص، فلا يزيد على العشرين، فإن الاسم الواحد من أسمائه يركب مع ثلاثة، أو أربعة من أسماء الأب، إلى أن يأتي العد عليهما، فيخلص للمغايرة مع التركيب عدد أسمائه خاصة، وهي تسعة عشر، مع أن بعضها وقع فيه تصحيف، أو تحريف، مثل بر، وبرير، ويزيد، فإنه لم يرد شيء منها إلا مع عشرقة، والظاهر أنه تغيير من بعض الرواة، وكذا سكن وسكين، والظاهر أنه يرجع إلى واحد، وكذا سعد وسعيد، مع أنهما أيضا لم يردا إلا مع الحارث، وبعضها انقلب اسمه مع اسم أبيه كما تقدم في قول من قال: عبد عمرو بن عبد غنم، وقيل: عبد غنم بن عبد عمرو، فعند التأمل لا تبلغ الأقوال عشرة خالصة، ومرجعها من جهة صحة النقل إلى ثلاثة: عمير، وعبد الله، وعبد الرحمن، الأولان محتملان في الجاهلية والإسلام، وعبد الرحمن في الإسلام خاصة، كما تقدم. قال ابن أبي داود كنت أجمع سند أبي هريرة، فرأيته في النوم، وأنا بأصبهان، فقال لي: أنا أول صاحب حديث في الدنيا. وقد أجمع أهل الحديث على أنه أكثر الصحابة حديثا، وذكر أبو محمد بن حزم أن مسند بقي بن مخلد احتوى من حديث أبي هريرة على خمسة آلاف وثلاثمائة حديث وكسر، وحدث أبو هريرة أيضا عن أبي بكر، وعمر، والفضل بن العباس، وأبي بن كعب، وأسامة بن زيد، وعائشة، وبصرة الغفاري، وكعب الأحبار، وروى عنه ولده المحرر -بمهملات- ومن الصحابة ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأنس، وواثلة بن الأسقع، ومن كبار التابعين مروان بن الحكم، وقبيصة بن ذؤيب، وعبد الله بن ثعلبة، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وسلمان الأغر، والأغر أبو مسلم، وشريح بن هانئ، وخباب صاحب المقصورة، وأبو سعيد المقبري، وسليمان بن يسار، وسنان بن أبي سنان، وعبد الله بن شقيق، وعبد الرحمن بن أبي عمرة، وعراك بن مالك، وأبو رزين الأسدي، وعبد الله بن قارظ، وبسر بن سعيد، وبشير بن نهيك، وبعجة الجهني، وحنظلة الأسلمي، وثابت بن عياض، وحفص بن

стр. 38

عاصم بن عُمَر، وسالم بن عبد الله بن عمر، وأبو سلمة وحميد ابنا عبد الرحمن بن عوف، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، وخلاس بن عمرو، وزُرارة بن أوفى، وسالم أبو الغيث، وسالم مولى شداد، وعامر بن سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن عمرو بن سعيد ابن العاص، وأبو الحباب سعيد بن يسار، وعبد الله بن الحارث البصري، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن مرجانة، والأعرج، وهو عبد الرحمن بن هرمز، والمقعد، وهو عبد الرحمن بن سعيد، ويقال له: الأعرج أيضا، وعبد الرحمن بن أبي نُعْم، وعبد الرحمن بن يعقوب، والد العلاء، وأبو صالح السمان، وعبيدة بن سفيان، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعطاء بن ميناء، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن يزيد الليثي، وعطاء ابن يسار، وعبيد بن حنين، وعجلان والد محمد، وعبيد الله بن أبي رافع، وعنبسة بن سعيد بن العاص، وعمرو بن الحكم، أبو السائب، مولى ابن زُهرة، وموسى بن يسار، ونافع بن جبير بن مطعم، وعبد الله بن رَباح، وعبد الرحمن بن مهران، وعمرو بن أبي سفيان، ومحمد بن زياد الجمحي، وعيسى بن طلحة، ومحمد بن قيس بن مَخْرَمة، ومحمد ابن عباد بن جعفر، ومحمد بن أبي عائشة، والهيثم بن أبي سنان، وأبو حازم الأشجعي، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو الشعثاء المحاربي، ويزيد بن الأصم، ونعيم المجمر، ومحمد بن المنكدر، وهمام بن منبه، وأبو عثمان الطنبذي، وأبو قيس مولى أبي هريرة، وآخرون كثيرون. قال البخاري: روى عنه نحو الثمانمائة من أهل العلم، وكان أحفظ من روى الحديث في عصره، قال وكيع في نسخته: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، قال: كان أبو هريرة أحفظ أصحاب محمد ﷺ ، وأخرجه البغوي من رواية أبي بكر بن عياش، عن الأعمش بلفظ: ما كان أفضلهم، ولكنه كان أحفظ، وأخرج ابن أبي خيثمة، من طريق سعيد بن أبي الحسن، قال: لم يكن أحد من الصحابة أكثر حديثا من أبي هريرة، وقال الربيع: قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، وقال أبو الزُّعَيزِعَة، كاتب مروان: أرسل مروان إلى أبي هريرة، فجعل يحدثه، وكان أجلسني خلف السرير،

стр. 39

أكتب ما يحدث به حتى إذا كان في رأس الحول، أرسل إليه فسأله، وأمرني أن أنظر، فما غَيّر حرفا عن حرف. وفي "صحيح البخاري" من طريق وهب بن منبه، عن أخيه همام، عن أبي هريرة، قال: لم يكن من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثا مني، إلا عبد الله ابن عمرو، فإنه كان يكتب، ولا أكتب. وقال الحاكم، أبو أحمد -بعد أن حكى الاختلاف في اسمه ببعض تقدم- كان من أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ ، وألزمهم له صحبة، على شبع بطنه، فكانت يده مع يده، يدور معه حيث دار، إلى أن مات، ولذلك كثر حديثه. وقد أخرج البخاري في "الصحيح" من طريق سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: "لقد ظننت ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أوّل منك لما رأيت من حرصك على الحديث". وأخرج أحمد من حديث أبي بن كعب: أن أبا هريرة كان جريئا على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء، لا يسأله عنها غيره. وقال أبو نعيم: كان أحفظ الصحابة لأخبار رسول الله ﷺ ، ودعا له بأن يحببه إلى المؤمنين، وكان إسلامه بين الحديبية وخيبر، قدم المدينة مهاجرًا وسكن الصُّفّة، وقال أبو معشر المدائني، عن محمد بن قيس قال: كان أبو هريرة يقول: لا تكنوني أبا هريرة، فإن النبي ﷺ كناني أبا هر، والذكر خير من الأنثى. وأخرجه البغوي بسند حسن عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، وقال عبد الرحمن بن أبي لبيبة: أتيت أبا هريرة، وهو آدم، بَعيدُ ما بين المنكبين، ذو ضفيرتين، أفرق الثنيتين. وأخرج ابن سعد من طريق قرة بن خالد، قلت لمحمد بن سيرين: أكان أبو هريرة مُخشوشنا؟ قال: لا، كان لينا، قلت: فما كان لونه؟ قال: أبيض، وكان يخضب، وكان يلبس ثوبين ممشقين، وتمخط يوما، فقال: بخ بخ، أبو هريرة يتمخط في الكتان. وقال أبو هلال عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: لقد رأيتني أُصرَع بين منبر رسول الله ﷺ ، وحجرة عائشة، فيقال: مجنون، وما بي جنون، زاد يزيد بن إبراهيم، عن محمد عنه: وما بي إلا الجوع، ولهذا الحديث طرقا في "الصحيح" وغيره، وفيها سؤال أبي بكر، ثم عمر عن آية، وقال: لعل أن يسبقني، فيفتح علي الآية، ولا يفعل. وقال داود بن

стр. 40

عبد الله، عن حميد الحميري: صحبت رجلا صحب النبي ﷺ أربع سنين، كما صحبه أبو هريرة. وقال ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم: نزل علينا أبو هريرة بالكوفة، واجتمعت أحمس، فجاءوا ليسلموا عليه، فقال: مرحبا، صحبت رسول الله ﷺ ثلاث سنين، لم أكن أحرص على أن أعي الحديث مني فيهن. وقال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمر بن ذر، حدثنا مجاهد، عن أبي هريرة قال: والله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد على الأرض بكبدي من الجوع، وأشد الحجر على بطني، فذكر قصة القدح واللبن. وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن هو ابن مهدي، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثني أبو كثير، حدثني أبو هريرة، قال: أما والله ما خلق الله مؤمنا يسمع بي، ولا يراني إلا أحبني، قال: وما علمك بذلك يا أبا هريرة؟ قال: إن أمي كانت مشركة، وإني كنت أدعوها إلى الإسلام، وكانت تأبى عليّ، فدعوتها يوما، فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ ، وأنا أبكي، فذكرت له، فقال: "اللهم اهد أم أبي هريرة"، فخرجت عدوا، فإذا بالباب مجاف، وسمعت خَضْخَضْةَ الماء، ثم فتحت الباب، فقالت: أشهد إن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فرجعت وأنا أبكي من الفرح، فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يحببني وأمي إلى المؤمنين، فدعا. وقال الجريري عن أبي بصرة، عن رجل من الطفاوة، قال: نزلت على أبي هريرة، قال: ولم أدرك من الصحابة رجلا أشد تشميرا، ولا أقوم على ضيف منه. وقال عمرو بن علي الفلاس: كان مقدمه عام خيبر، وكانت في المحرم سنة سبع، وفي "الصحيح" عن الأعرج قال: قال أبو هريرة: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ ، والله الموعد، إني كنت امرأ مسكينا، أصحب رسول الله ﷺ على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فحضرت من النبي ﷺ مجلسا، فقال: "من يبسط رداءه حتى أقضِي مقالتي، ثم يقبضه إليه، فلن ينسى شيئا سمعه مني"، فبسطت بردة علي حتى قَضَى حديثه، ثم قبضتها إلي، فوالذي نفسي بيده ما نسيت شيئا سمعته منه بعد. وأخرجه أحمد،
следующие страницы →