← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17132

مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

صح أنه عبد عمرو بن عبد غنم، ويقال: سكين، وقال البغوي: حدثنا محمد بن حميد، حدثنا أبو نميلة، حدثنا محمد بن عبيد الله، قال: اسمه سعد بن الحارث، قال البغوي: وبلغني أن اسمه عبد ياليل، وقال ابن سعد، عن الواقدي، كان اسمه عبد شمس، فسمي في الإسلام عبد الله، ونقل عن الهيثم مثله، وزاد البغوي عن الواقدي: ويقال: إنه عبد الله ابن عائذ، وقال ابن البرقي: اسمه عبد الرحمن، ويقال: عبد شمس، ويقال: عبد غنم، ويقال: عبد الله، ويقال: بل هو عبد نهم، وقيل: عبد تيم، وحكى ابن منده في أسمائه: عبد، بغير إضافة، وفي اسم أبيه: عبد غنم، وحكى أبو نعيم فيه: عبد العزى، وسَكَن -بفتحتين. قال النووي في مواضع من كتبه: اسم أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر على الأصح من ثلاثين قولا. وقال القطب الحلبي: اجتمع في اسمه واسم أبيه أربعة وأربعون قولا، مذكورة في "الكنى" للحاكم، وفي "الاستيعاب"، وفي "تاريخ ابن عساكر". قال الحافظ: وجه تكثره أنه يجتمع في اسمه خاصة عشرة أقوال مثلا، وفي اسم أبيه نحوها، ثم تركبت، ولكن لا يوجد جميع ذلك منقولا، فمجموع ما قيل في اسمه وحده نحو من عشرين قولا: عبد شمس، وعبد نهم، وعبد تيم، وعبد غنم، وعبد العزى، وعبد ياليل، وهذه لا جائز أن تبقى بعد أن أسلم، كما أشار إليه ابن خزيمة، وقيل فيه أيضا: عبيد بغير إضافة، وعبيد الله بالإضافة، وسُكين بالتصغير، وسكن بفتحتين، وعمرو بفتح العين، وعمير بالتصغير، وعامر، وقيل: برير، وقيل: بر، وقيل: يزيد، وقيل: سعد، وقيل: سعيد، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وجميعها محتمل في الجاهلية والإسلام، إلا الأخير، فإنه إسلامي جزما، والذي اجتمع في اسم أبيه خمسة عشر قولا، فقيل: عائذ، وقيل: عامر، وقيل: عمرو، وقيل: عمير، وقيل: غنم، وقيل: دومة، وقيل: هانئ، وقيل: ملّ، وقيل: عبد نهم، وقيل: عبد غنم، وقيل: عبد شمس، وقيل: عبد عمرو، وقيل: الحارث، وقيل: عشرقة، وقيل: صخر، فهذا معنى قول من قال اختلف في اسمه واسم أبيه على أكثر من ثلاثين قولا.

стр. 37

فأما مع التركيب بطريق التجويز، فيزيد على ذلك نحو مائتين وسبعة وأربعين من ضرب تسعة عشر في ثلاثة عشر، وأما مع التنصيص، فلا يزيد على العشرين، فإن الاسم الواحد من أسمائه يركب مع ثلاثة، أو أربعة من أسماء الأب، إلى أن يأتي العد عليهما، فيخلص للمغايرة مع التركيب عدد أسمائه خاصة، وهي تسعة عشر، مع أن بعضها وقع فيه تصحيف، أو تحريف، مثل بر، وبرير، ويزيد، فإنه لم يرد شيء منها إلا مع عشرقة، والظاهر أنه تغيير من بعض الرواة، وكذا سكن وسكين، والظاهر أنه يرجع إلى واحد، وكذا سعد وسعيد، مع أنهما أيضا لم يردا إلا مع الحارث، وبعضها انقلب اسمه مع اسم أبيه كما تقدم في قول من قال: عبد عمرو بن عبد غنم، وقيل: عبد غنم بن عبد عمرو، فعند التأمل لا تبلغ الأقوال عشرة خالصة، ومرجعها من جهة صحة النقل إلى ثلاثة: عمير، وعبد الله، وعبد الرحمن، الأولان محتملان في الجاهلية والإسلام، وعبد الرحمن في الإسلام خاصة، كما تقدم. قال ابن أبي داود كنت أجمع سند أبي هريرة، فرأيته في النوم، وأنا بأصبهان، فقال لي: أنا أول صاحب حديث في الدنيا. وقد أجمع أهل الحديث على أنه أكثر الصحابة حديثا، وذكر أبو محمد بن حزم أن مسند بقي بن مخلد احتوى من حديث أبي هريرة على خمسة آلاف وثلاثمائة حديث وكسر، وحدث أبو هريرة أيضا عن أبي بكر، وعمر، والفضل بن العباس، وأبي بن كعب، وأسامة بن زيد، وعائشة، وبصرة الغفاري، وكعب الأحبار، وروى عنه ولده المحرر -بمهملات- ومن الصحابة ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأنس، وواثلة بن الأسقع، ومن كبار التابعين مروان بن الحكم، وقبيصة بن ذؤيب، وعبد الله بن ثعلبة، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وسلمان الأغر، والأغر أبو مسلم، وشريح بن هانئ، وخباب صاحب المقصورة، وأبو سعيد المقبري، وسليمان بن يسار، وسنان بن أبي سنان، وعبد الله بن شقيق، وعبد الرحمن بن أبي عمرة، وعراك بن مالك، وأبو رزين الأسدي، وعبد الله بن قارظ، وبسر بن سعيد، وبشير بن نهيك، وبعجة الجهني، وحنظلة الأسلمي، وثابت بن عياض، وحفص بن

стр. 38

عاصم بن عُمَر، وسالم بن عبد الله بن عمر، وأبو سلمة وحميد ابنا عبد الرحمن بن عوف، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، وخلاس بن عمرو، وزُرارة بن أوفى، وسالم أبو الغيث، وسالم مولى شداد، وعامر بن سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن عمرو بن سعيد ابن العاص، وأبو الحباب سعيد بن يسار، وعبد الله بن الحارث البصري، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن مرجانة، والأعرج، وهو عبد الرحمن بن هرمز، والمقعد، وهو عبد الرحمن بن سعيد، ويقال له: الأعرج أيضا، وعبد الرحمن بن أبي نُعْم، وعبد الرحمن بن يعقوب، والد العلاء، وأبو صالح السمان، وعبيدة بن سفيان، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعطاء بن ميناء، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن يزيد الليثي، وعطاء ابن يسار، وعبيد بن حنين، وعجلان والد محمد، وعبيد الله بن أبي رافع، وعنبسة بن سعيد بن العاص، وعمرو بن الحكم، أبو السائب، مولى ابن زُهرة، وموسى بن يسار، ونافع بن جبير بن مطعم، وعبد الله بن رَباح، وعبد الرحمن بن مهران، وعمرو بن أبي سفيان، ومحمد بن زياد الجمحي، وعيسى بن طلحة، ومحمد بن قيس بن مَخْرَمة، ومحمد ابن عباد بن جعفر، ومحمد بن أبي عائشة، والهيثم بن أبي سنان، وأبو حازم الأشجعي، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو الشعثاء المحاربي، ويزيد بن الأصم، ونعيم المجمر، ومحمد بن المنكدر، وهمام بن منبه، وأبو عثمان الطنبذي، وأبو قيس مولى أبي هريرة، وآخرون كثيرون. قال البخاري: روى عنه نحو الثمانمائة من أهل العلم، وكان أحفظ من روى الحديث في عصره، قال وكيع في نسخته: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، قال: كان أبو هريرة أحفظ أصحاب محمد ﷺ ، وأخرجه البغوي من رواية أبي بكر بن عياش، عن الأعمش بلفظ: ما كان أفضلهم، ولكنه كان أحفظ، وأخرج ابن أبي خيثمة، من طريق سعيد بن أبي الحسن، قال: لم يكن أحد من الصحابة أكثر حديثا من أبي هريرة، وقال الربيع: قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، وقال أبو الزُّعَيزِعَة، كاتب مروان: أرسل مروان إلى أبي هريرة، فجعل يحدثه، وكان أجلسني خلف السرير،

стр. 39

أكتب ما يحدث به حتى إذا كان في رأس الحول، أرسل إليه فسأله، وأمرني أن أنظر، فما غَيّر حرفا عن حرف. وفي "صحيح البخاري" من طريق وهب بن منبه، عن أخيه همام، عن أبي هريرة، قال: لم يكن من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثا مني، إلا عبد الله ابن عمرو، فإنه كان يكتب، ولا أكتب. وقال الحاكم، أبو أحمد -بعد أن حكى الاختلاف في اسمه ببعض تقدم- كان من أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ ، وألزمهم له صحبة، على شبع بطنه، فكانت يده مع يده، يدور معه حيث دار، إلى أن مات، ولذلك كثر حديثه. وقد أخرج البخاري في "الصحيح" من طريق سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: "لقد ظننت ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أوّل منك لما رأيت من حرصك على الحديث". وأخرج أحمد من حديث أبي بن كعب: أن أبا هريرة كان جريئا على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء، لا يسأله عنها غيره. وقال أبو نعيم: كان أحفظ الصحابة لأخبار رسول الله ﷺ ، ودعا له بأن يحببه إلى المؤمنين، وكان إسلامه بين الحديبية وخيبر، قدم المدينة مهاجرًا وسكن الصُّفّة، وقال أبو معشر المدائني، عن محمد بن قيس قال: كان أبو هريرة يقول: لا تكنوني أبا هريرة، فإن النبي ﷺ كناني أبا هر، والذكر خير من الأنثى. وأخرجه البغوي بسند حسن عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، وقال عبد الرحمن بن أبي لبيبة: أتيت أبا هريرة، وهو آدم، بَعيدُ ما بين المنكبين، ذو ضفيرتين، أفرق الثنيتين. وأخرج ابن سعد من طريق قرة بن خالد، قلت لمحمد بن سيرين: أكان أبو هريرة مُخشوشنا؟ قال: لا، كان لينا، قلت: فما كان لونه؟ قال: أبيض، وكان يخضب، وكان يلبس ثوبين ممشقين، وتمخط يوما، فقال: بخ بخ، أبو هريرة يتمخط في الكتان. وقال أبو هلال عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: لقد رأيتني أُصرَع بين منبر رسول الله ﷺ ، وحجرة عائشة، فيقال: مجنون، وما بي جنون، زاد يزيد بن إبراهيم، عن محمد عنه: وما بي إلا الجوع، ولهذا الحديث طرقا في "الصحيح" وغيره، وفيها سؤال أبي بكر، ثم عمر عن آية، وقال: لعل أن يسبقني، فيفتح علي الآية، ولا يفعل. وقال داود بن

стр. 40

عبد الله، عن حميد الحميري: صحبت رجلا صحب النبي ﷺ أربع سنين، كما صحبه أبو هريرة. وقال ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم: نزل علينا أبو هريرة بالكوفة، واجتمعت أحمس، فجاءوا ليسلموا عليه، فقال: مرحبا، صحبت رسول الله ﷺ ثلاث سنين، لم أكن أحرص على أن أعي الحديث مني فيهن. وقال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمر بن ذر، حدثنا مجاهد، عن أبي هريرة قال: والله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد على الأرض بكبدي من الجوع، وأشد الحجر على بطني، فذكر قصة القدح واللبن. وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن هو ابن مهدي، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثني أبو كثير، حدثني أبو هريرة، قال: أما والله ما خلق الله مؤمنا يسمع بي، ولا يراني إلا أحبني، قال: وما علمك بذلك يا أبا هريرة؟ قال: إن أمي كانت مشركة، وإني كنت أدعوها إلى الإسلام، وكانت تأبى عليّ، فدعوتها يوما، فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ ، وأنا أبكي، فذكرت له، فقال: "اللهم اهد أم أبي هريرة"، فخرجت عدوا، فإذا بالباب مجاف، وسمعت خَضْخَضْةَ الماء، ثم فتحت الباب، فقالت: أشهد إن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فرجعت وأنا أبكي من الفرح، فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يحببني وأمي إلى المؤمنين، فدعا. وقال الجريري عن أبي بصرة، عن رجل من الطفاوة، قال: نزلت على أبي هريرة، قال: ولم أدرك من الصحابة رجلا أشد تشميرا، ولا أقوم على ضيف منه. وقال عمرو بن علي الفلاس: كان مقدمه عام خيبر، وكانت في المحرم سنة سبع، وفي "الصحيح" عن الأعرج قال: قال أبو هريرة: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ ، والله الموعد، إني كنت امرأ مسكينا، أصحب رسول الله ﷺ على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فحضرت من النبي ﷺ مجلسا، فقال: "من يبسط رداءه حتى أقضِي مقالتي، ثم يقبضه إليه، فلن ينسى شيئا سمعه مني"، فبسطت بردة علي حتى قَضَى حديثه، ثم قبضتها إلي، فوالذي نفسي بيده ما نسيت شيئا سمعته منه بعد. وأخرجه أحمد،

стр. 41

والبخاري، ومسلم، والنسائي من طريق الزهري، عن الأعرج، ومن طريق الزهري أيضا عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، يزيد بعضهم على بعض. وأخرجه البخاري وغيره، من طريق سعيد المقبري عنه مختصرا: قلت: يا رسول الله إني لأسمع منك حديثا كثيرا أنساه، فقال: "ابسط رداءك"، فبسطته، ثم قال: "ضمه إلى صدرك"، فضممته، فما أنسيت حديثا بعد. وأخرج أبو يعلى من طريق الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل، عن أبي هريرة قال: شكوت إلى رسول الله ﷺ سوء الحفظ، فقال: "افتح كساءك"، فذكر نحوه. وأخرج أبو نعيم من طريق عبد الله بن أبي يحيى، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ ، قال: "ألا تسألني عن هذه الغنائم؟ " قلت: أسألك أن تعلمني مما علمك الله، قال: فنزع نمرة على ظهري، ووسطها بيني وبينه، فحدثني حتى إذا استوعبت حديثه، قال: "اجمعها، فصُرها إليك"، فأصبحت لا أسقط حرفا مما حدثني، وقد تقدمت طرق هذا الحديث الصحيحة، وله طرق أخرى، منها عند أبي يعلى من طريق يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "من يأخذ مني كلمة، أو كلمتين، أو ثلاثا، فيصرهن في ثوبه، فيتعلمهن، ويعلمهن؟ " قال: فنشرت ثوبي، وهو يحدث، ثم ضممته، فأرجو ألا أكون نسيت حديثا مما قال. وأخرجه أحمد من طريق المبارك بن فضالة، عن الحسن نحوه، وفيه: فقلت: أنا، فقال: "ابسط ثوبك"، وفي آخره: فأرجو ألا أكون نسيت حديثا سمعته منه بعد ذلك. وأخرج ابن عساكر من طريق شعبة، عن سماك بن حرب، عن أبي الربيع، عن أبي هريرة: كنت عند النبي ﷺ ، فبسطت ثوبي، ثم جمعته، فما نسيت شيئا بعد هذا، مختصر مما قبله. قال الحافظ: ووقع لي بيان ما كان حدث به النبي ﷺ في هذه القصة، إن ثبت الخبر، فأخرج أبو يعلى من طريق أبي سلمة: جاء أبو هريرة، فسلم على النبي ﷺ ، في شكواه يعوده، فأذن له، فدخل، فسلم وهو قائم، والنبي ﷺ ، متساند إلى صدر علي، ويده على صدره ضامّه إليه، والنبي ﷺ باسط رجليه، فقال: "ادن يا أبا هريرة"، فدنا،

стр. 42

ثم قال: "ادن يا أبا هريرة"، ثم قال: "ادن يا أبا هريرة"، فدنا حتى مست أطراف أصابع أبي هريرة أصابع النبي ﷺ ، ثم قال له: "اجلس"، فجلس، فقال له: "أدن مني طرف ثوبك"، فمد أبو هريرة ثوبه، فأمسك بيده، ففتحه، وأدناه من النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : "أوصيك يا أبا هريرة بخصال، لا تدعهن ما بقيت"، قال: أوصني ما شئت، فقال له: "عليك بالغسل يوم الجمعة، والبكور إليها، ولا تلغ، ولا تله، وأوصيك بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، فإنه صيام الدهر، وأوصيك بركعتي الفجر، لا تدعهما، وإن صليت الليل كله، فإن فيها الرغائب"، قالها ثلاثا، ثم قال: "ضم إليك ثوبك"، فضم ثوبه إلى صدره، فقال: يا رسول الله بأبي وأمي أسر هذا، أو أعلنه؟ قال: "أعلنه يا أبا هريرة"، قالها ثلاثا، والحديث المذكور من علامات النبوة، فإن أبا هريرة كان أحفظ الناس للأحاديث النبوية في عصره. وقال طلحة بن عبيد الله: لا أشك أن أبا هريرة سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع. وقال ابن عمر: أبو هريرة خير مني، وأعلم بما يحدث. وأخرج النسائي بسند جيد في "العلم" من "كتاب السنن الكبرى" [٣/ ٤٤٠]: أن رجلا جاء زيد بن ثابت، فسأله عن شيء، فقال له زيد: عليك بأبي هريرة، فإني بينما أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد ذات يوم، ندعو الله، ونذكر ربنا، خرج علينا رسول الله ﷺ ، حتى جلس إلينا، فسكتنا، فقال: "عودوا للذي كنتم فيه"، قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي، قبل أبي هريرة، وجعل رسول الله ﷺ يؤمن على دعائنا، ثم دعا أبو هريرة، فقال: اللهم إني أسألك مثل ما سألك صاحباي هذان، وأسألك علما لا ينسى، فقال رسول الله ﷺ : "آمين"، فقلنا: يا رسول الله ونحن نسأل الله علما لا ينسى، فقال: "سبقكم بها الغلام الدوسي". وأخرج الترمذي من طريق سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قلت: يا رسول الله إني أسمع منك أشياء لا أحفظها، قال: "ابسط رداءك"، فبسطته، فحدث حديثا كثيرا، فما نسيت شيئا حدثني به، وسنده صحيح، وأصله عند البخاري بلفظ: "فما نسيت شيئا سمعته بعدُ". وأخرج الترمذي أيضا عن عمر أنه قال لأبي هريرة: أنت

стр. 43

كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ ، وأحفظنا لحديثه. وعن الدراوردي، عن سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، قال: تواعد الناس ليلة إلى قبّة من قباب معاوية، فاجتمعوا فيها، فقام أبو هريرة يحدّثهم عن رسول الله ﷺ حتى أصبح. وأخرج ابن سعد من طريق سالم مولى بني نصر، سمعت أبا هريرة، يقول: بعثني رسول الله ﷺ مع العلاء الحضرمي، فأوصاه بي خيرًا، فقال لي: "ما تحب؟ " قلت: أؤذن لك، ولا تسبقني بـ "آمين"، وأخرجه البخاري من طريق سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم. قال الحافظ الذهبيّ رحمه الله تعالى معلّقا على هذا الأثر: هذا دالّ على جواز كتمان بعض الأحاديث التي تحرّك فتنة في الأصول، أو الفروع، أو المدح والذمّ، أما حديث يتعلّق بحل، أو حرام، فلا يحلّ كتمانه بوجه، فإنه من البينات والهدى، وفي "صحيح البخاريّ" قول الإمام عليّ ﵁: "حدّثوا الناس بما يَعرفون، ودعوا ما يُنكرون، أتحبّون أن يكذّب الله ورسوله"، وكذا لو بثّ أبو هريرة ﵁ ذلك الوعاء لأوذي، بل لقُتل، ولكن العالم قد يؤدّيه اجتهاده إلى أن ينشر الحديث الفلانيّ؛ إحياء للسنّة، فله ما نوى، وله أجر، وإن غلط في اجتهاده. انتهى (١). وعند أحمد من طريق يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، وقيل له: أكثرت، فقال: لو حدثنّكم بما سمعت لرميتموني بالقَشَع، أي الجلود. وفي "الصحيح" عن نافع قال: قيل لابن عمر حديث أبي هريرة، أن من اتبع جنازة، فصلى عليها فله قيراط ... الحديث، فقال: أكثر علينا أبو هريرة، فسأل عائشة، فصدقته، فقال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة. وأخرج البغوي بسند جيد، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن ابن عمر أنه قال لأبي هريرة: أنت كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ ، وأعلمنا

стр. 44

بحديثه. وأخرج ابن سعد بسند جيد، عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، قال: قالت عائشة لأبي هريرة: إنك لتحدث بشيء ما سمعته، قال: يا أمه طلبتها، وشغلك عنها المكحلة والمرآة، وما كان يشغلني عنها شيء، والأخبار في ذلك كثيرة. وأخرج البيهقي في "المدخل" من طريق بكر بن عبد الله، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أنه لقي كعبا، فجعل يحدثه ويسأله، فقال كعب: ما رأيت رجلا لم يقرأ التوراة أعلم بما في التوراة من أبي هريرة. وأخرج أحمد من طريق عاصم بن كليب، عن أبيه، سمعت أبا هريرة يبتدىء حديثه بأن يقول: قال رسول الله الصادق المصدوق، أبو القاسم ﷺ : "من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار". وأخرج مسدد في "مسنده" من رواية معاذ بن المثنى، عن خالد، عن يحيى بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: بلغ عمر حديثي، فقال لي: كنت معنا يوم كنا في بيت فلان؟ قلت: نعم، إن رسول الله ﷺ قال يومئذ: "من كذب علي ... " الحديث، قال: اذهب الآن فحدث. قال الذهبيّ: يحيى ضعيف. وعن سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عُبيد الله، عن السائب بن يزيد، سمع عمر يقول لأبي هريرة: لتتركنّ الحديث عن رسول الله ﷺ ، أو لأُلحقنك بأرض دوس، وقال لكعب: لتتركن الحديث، أو لألحقنك بأرض الْقِرَدة. وعن يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان أن أبا هريرة كان يقول: إني لأحدث أحاديث، لو تكلمت بها في زمن عمر لشُجّ رأسي. قال الحافظ الذهبي: هكذا كان عمر ﵁ يقول: أقلوا الحديث عن رسول الله ﷺ ، وزجر غير واحد من الصحابة عن بثّ الحديث، وهذا مذهب لعمر ولغيره، فبالله عليك إذا كان الإكثار من الحديث في دولة عمر، بل هو غضّ لم يُشَب، فما ظنك بالإكثار من رواية الغرائب، والمناكير في زماننا مع طول الأسانيد، وكثرة الوهم والغلط، فبالحريّ أن نزجُر القوم عنه، فيا ليتهم يقتصرون على رواية الغريب والضعيف، بل يروون والله -الموضوعات والأباطيل، والمستحيل في الأصول

стр. 45

والفروع، والملاحم والزهد، نسأل الله العافية، فمن روى ذلك مع علمه ببطلانه، وغرّ المؤمنين، فهذا ظالم لنفسه، جان على السنن والآثار، يستتاب من ذلك، فإن أناب وأقصر، وإلا فهو فاسق كفى به إثمًا أن يحدّث بكل ما سمع، وإن هو لم يعلم، فليتورّع، وليستعن بمن يُعينه على تنقية مروياته، نسأل الله العافية، فلقد عمّ البلاء، وشملت الغفلة، ودخل الداخل على المحدثين الذين يركن إليهم المسلمون، فلا عُتبى على الفقهاء وأهل الكلام. انتهى كلام الذهبيّ (١). وأخرج مسدد من طريق عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، كان ابن عمر إذا سمع أبا هريرة يتكلم قال: إنا نعرف ما يقول، ولكنا نجبُن ويجترىء. وفي "فوائد المزكى"، تخريج الدارقطني من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رفعه: "إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه"، فقال له مروان: أما يكفي أحدنا ممشاه إلى المسجد حتى يضطجع؟ قال: لا، فبلغ ذلك ابن عمر، فقال: أكثر أبو هريرة، فقيل لابن عمر: هل تنكر شيئا مما يقول؟ قال: لا، ولكنه اجترأ وجبنا، فبلغ ذلك أبا هريرة، فقال: ما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا. وقد أخرج أبو داود الحديث المرفوع. وأخرج ابن سعد من طريق الوليد بن رباح، سمعت أبا هريرة يقول لمروان حين أرادوا أن يدفنوا الحسن عند جده: تدخل فيما لا يعنيك؟ وكان الأمير يومئذ غيره، ولكنك تريد رضا الغائب، فغضب مروان، وقال: إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة الحديث، وإنما قدم قبل وفاة رسول الله ﷺ بيسير، فقال أبو هريرة: قدمت ورسول الله ﷺ بخيبر، وأنا يومئذ قد زدت على الثلاثين، فأقمت معه حتى مات، أدور معه في بيوت نسائه، وأخدمه، وأغزو معه، وأحج، فكنت أعلم الناس بحديثه، وقد والله سبقني قوم بصحبته، فكانوا يعرفون لزومي له، فيسألونني عن حديثه، منهم عمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، ولا والله لا يخفى

стр. 46

علي كل حديث كان بالمدينة، وكل من كانت له من رسول الله ﷺ منزلة، ومن أخرجه من المدينة أن يساكنه، قال: فوالله ما زال مروان بعد ذلك كافا عنه. وأخرج ابن أبي خيثمة من طريق ابن إسحاق، عن عمر، أو عثمان بن عروة عن أبيه، قال: قال: أبي أدنني من هذا اليماني ﵁ -يعني أبا هريرة ﵁ فإنه يكثر، فأدنيته، فجعل يحدث، والزبير يقول: صدق، كذب، فقلت: ما هذا؟ قال: صدق أنه سمع هذا من رسول الله ﷺ ، ولكن منها ما وضعه في غير موضعه. وتقدم قول طلحة: قد سمعنا كما سمع، ولكنه حفظ ونسينا. وفي "فوائد تمام" من طريق أشعث بن سليم، عن أبيه، سمعت أبي يحدث عن أبي هريرة، فسألته، فقال: إن أبا هريرة سمع. وأخرج أحمد في "الزهد" بسند صحيح، عن أبي عثمان النهدي، قال: تضيفت أبا هريرة سبعا، فكان هو وامرأته وخادمه، يقسمون الليل أثلاثا، يصلي هذا ثم يوقظ هذا. وأخرج ابن سعد بسند صحيح عن عكرمة، أن أبا هريرة كان يسبح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة، يقول: أسبح بقدر ديتي (١). وفي "الحلية" من تاريخ أبي العباس السراج بسند صحيح، عن مضارب بن حزن، كنت أسير من الليل، فإذا رجل يكبر، فلحقته، فقلت: ما هذا؟ قال: أكثر شكر الله علي أن كنت أجيرا لبسرة بنت غزوان لنفقة رحلي، وطعام بطني، فإذا ركبوا سبقت بهم، وإذا نزلوا خدمتهم، فزوجنيها الله، فأنا أركب، وإذا نزلت خُدِمت. وأخرجه ابن خزيمة من هذا الوجه، وزاد: وكانت إذا أتت على مكان سهل نزلت، فقالت: لا أَرِيم حتى تجعل لي عصيدة، فها أنا إذا أتيت على نحو من مكانها، قلت: لا أريم حتى تجعلي لي عصيدة. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين: أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين، فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال، فمن أين لك؟ قال: خيل نُتجت، وأعطية تتابعت، وخراج

стр. 47

رقيق لي، فنظر فوجدها كما قال، ثم دعاه ليستعمله، فأبى، فقال: لقد طلب العمل من كان خيرا منك، قال: ومن؟ قال: يوسف ﵇، قال: إن يوسف نبي الله ابن نبي الله، وأنا أبو هريرة ابن أميمة، وأخشى ثلاثا أن أقول بغير علم، أو أقضي بغير حكم، ويضرب ظهري، ويشتم عرضي، وينزع مالي. وأخرج ابن أبي الدنيا في "كتاب المزاح"، والزبير بن بكار فيه، من طريق ابن عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة: أن رجلا قال له: إني أصبحت صائما، فجئت أبي، فوجدت عنده خبزا ولحما، فأكلت حتى شبعت، ونسيت أني صائم، فقال أبو هريرة: الله أطعمك، قال: فخرجت حتى أتيت فلانا، فوجدت عنده لقحة تحلب، فشربت من لبنها حتى رويت، قال: الله سقاك، قال: ثم رجعت إلى أهلي فقِلتُ، فلما استيقظت دعوت بماء فشربته، فقال. يا ابن أخي أنت لم تعود الصيام. وأخرج ابن أبي الدنيا في "المحتضرين" بسند صحيح، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: دخلت على أبي هريرة، وهو شديد الوجع، فاحتضنته، فقلت: اللهم اشف أبا هريرة، فقال: اللهم لا ترجعها، قالها مرتين، ثم قال: إن استطعت أن تموت فمت، والله الذي نفس أبي هريرة بيده، ليأتين على الناس زمان، يمر الرجل على قبر أخيه، فيتمنى أنه صاحبه. وقد جاء هذا الحديث مرفوعا، عن أبي هريرة. وعن عمير بن هانئ، قال: كان أبو هريرة يقول: تشبثوا بصدغي معاوية، اللهم لا تدركني سنة ستين. وأخرج أحمد، والنسائي بسند صحيح، عن عبد الرحمن بن مهران، عن أبي هريرة، أنه قال حين حضره الموت: لا تضربوا عليّ فسطاطا، ولا تتبعوني بمجمرة، وأسرعوا بي. وأخرج أبو القاسم بن الجراح في "أماليه" من طريق عثمان الغطفاني، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: إذا مت فلا تنوحوا علي، ولا تتبعوني بمجمرة، وأسرعوا بي. وأخرج البغوي من وجه آخر عن أبي هريرة، أنه لما حضرته الوفاة بكى، فسئل، فقال: من قلة الزاد، وشدة المفازة. وأخرج ابن أبي الدنيا من طريق مالك، عن سعيد المقبري، قال: دخل مروان على أبي هريرة، في شكواه الذي مات فيه -

стр. 48

فقال: شفاك الله، فقال أبو هريرة: اللهم إني أحب لقاءك، فأحبب لقائي، فما بلغ مروان -يعني وسط السوق- حتى مات. وقال ابن سعد عن الواقدي: حدثني ثابت بن قيس، عن ثابت ابن مِسحل قال: صلى الوليد بن عقبة بن أبي سفيان، على أبي هريرة بعد أن صلى بالناس العصر، وفي القوم ابن عمر، وأبو سعيد الخدري، قال: وكتب الوليد إلى معاوية يخبره بموته، فكتب إليه انظر من ترك، فادفع إلى ورثته عشرة آلاف درهم، وأحسن جوارهم، فإنه كان ممن نصر عثمان يوم الدار. قال أبو سليمان ابن زَبْر في "تاريخه": عاش أبو هريرة ثمانيا وسبعين سنة. قال الحافظ: وكأنه مأخوذ من الأثر المتقدم عنه، أنه كان في عهد النبي ﷺ ابن ثلاثين سنة، وأزيد من ذلك، وكانت وفاته بقصره بالعقيق، فحمل إلى المدينة، قال هشام بن عروة، وخليفة، وجماعة: توفي أبو هريرة سنة سبع وخمسين، وقال الهيثم بن عدي، وأبو معشر، وضمرة بن ربيعة: مات سنة ثمان وخمسين، وقال الواقدي، وأبو عبيد، وغيرهما: مات سنة تسع وخمسين، وزاد الواقدي: وصلى على عائشة في رمضان سنة ثمان، وعلى أم سلمة في شوال سنة تسع، ثم توفي بعد ذلك. قال الحافظ: وهذا الذي قاله في أم سلمة وَهَلٌ منه، وإن تابعه عليه جماعة، فقد ثبت في "الصحيح" ما يدل على أن أم سلمة عاشت إلى خلافة يزيد بن معاوية، والمعتمد في وفاة أبي هريرة قول هشام بن عروة (١). أخرج له الجماعة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنما أطلت في ترجمة أبي هريرة ﵁ لما في سيرته العطرة مما يتناسب مع ما يحتاج إليه طالب العلم، فإنه قد تبيّن مما ذُكر أنه ﵁ كان حريصًا على طلب العلم، ومقبلا عليه، متفرّغًا له، لا يشغله بيع ولا زراعة، ولا أهل، ولا مال، فبذل كل ما في وسعه لطلبه، ولم يقتصر على بذل الجهد فقط، بل شكى إلى النبيّ ﷺ ما يواجهه من مشكلة النسيان، فعالج ﷺ ذلك بدعوته المباركة، فأزال الله

стр. 49

عنه تلك المشكلة، وفتح الله عليه في وقت قصير ما لم يفتح على غيره في زمن طويل، فكان أحفظ الصحابة، فأبقى للأمة ذخرًا كثيرًا من الأحاديث التي تعلقت بها السعادة الدنيوية، والأخروية، وهكذا ينبغي لطالب العلم أن يتفرغ له، وأن يبذل كل ما عنده من جهد، ومال، وصحة لطلبه، وأن يكثر من الدعاء حتى يفتح الله عليه في أقرب وقت ما يكون له وللأمة سببا لسعادة الدارين، اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، وزدنا علمًا، آمين. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ أكثر من روى الحديث في دهره، وهو رئيس المكثرين السبعة من الصحابة ﵃، والمكثر من روى فوق الألف، وهم الذين جمعتهم مرتّبًا بقولي: المُكْثِرُونَ في رِوَايةِ الخُبَر ... مِنَ الصَّحَابَةِ الأكارِم الْغُرَرْ أبو هُرَيْرَةَ يَليه ابْنُ عُمَرْ ... فَأنَسٌ فَزَوْجَةُ الهادي الأَبَرْ ثُمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ يَلِيهِ جَابِرُ ... وَبَعْدَهُ الخُدْرِيُّ فَهْوَ الآخِرُ فأما أبو هريرة ﵁ فروى (٥٣٧٤) حديثًا، اتفق الشيخان على (٣٢٦) وانفرد البخاريّ (٩٣) ومسلم (٩٨) (١). وأما ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فروى (٢٦٣٠) اتفقا على (١٧٠) وانفرد البخاريّ (٨١) ومسلم (٣١). وأما أنس بن مالك ﵁، فروى (٢٢٨٦)، اتفقا على (١٦٨) وللبخاريّ (٨٣) ولمسلم (٧١). وأما عائشة رضي الله تعالى عنها، وهي المرادة بقولي: "فزوجة الهادي الأبرّ"، فروت (٢٢١٠) اتفقا على (١٧٤) وللبخاريّ (٥٤) ولمسلم (٦٨). وأما ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، فروى

стр. 50

(١٦٩٦)، اتفقا على (٧٥) وللبخاري (٢٨) ولمسلم (٤٩). وأما جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، فروى (١٥٤٠) اتفقا على (٥٨) وللبخاريّ (٢٦) ولمسلم (١٢٦). وأما أبو سعيد الخدريّ، وهو المراد بقولي "الخدريّ"، فروى (١١٧٠) اتفقا على (٤٣) وللبخاريّ (٢٦) ولمسلم (٥٢). والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الأعمش، عن أبي صالح. (ومنها): أن الأعمش من المكثرين في الرواية عن أبي صالح، يقال: سمع منه ألف حديث، قاله الخزرجيّ في "الخلاصة" ص ١١٢. ٤ - (ومنها): أن فيه التحديث، والعنعنة، وكلاهما من صيغ الاتصال على الأصحّ في "عن" من غير المدلّس، بشرطه، وهو السماع عند البخاريّ وغيره، وهو الراجح، والمعاصرة مع إمكان اللقيّ عند مسلم، وقد حقّقت هذا البحث، واستوفيته في "شرح مقدّمة مسلم"، فراجعه، تستفد علمًا جمًّا؟، ومثلها "أنَّ"، وقد أشار إلى ذلك السيوطيّ رحمه الله تعالى في "ألفيّة الحديث" حيث قال: وَمَنْ رَوَى بِـ "عَنْ "وَ"أَن" فَاحْكُمِ ... بِوَصْلِهِ إِنِ اللِّقَاءُ يُعْلَم وَلَمْ يَكُنْ مُدَلِّسًا وَقِيلَ لَا ... وَقِيلَ "أَنَّ" اقْطَعْ وَأَمَّا "عَنْ" صِلَا وَمُسْلِمٌ يَشرِطْ تَعَاصُرًا فَقَطْ ... وَبَعْضُهُمْ طُولَ صَحَابَةٍ شَرَطْ وقوله: "إن اللقاء يعلم" أي مع السماع، فليس اللقاء كافيًا في ذلك، وأما ما اشتهر من أن اللقاء المجرد عن السماع هو الشرط عند البخاريّ، ومن قال بقوله، وهم الجمهور، فليس بصحيح، بل هم يشترطون السماع مع اللقاء، وقد حَقَّقْتُ ذلك في الشرح المذكور، وبالله تعالى التوفيق. ٥ - (ومنها): أن ثلاثة من رجاله ممن اشتهر بكنيته، أبو بكر، وأبو صالح، وأبو هريرة. ٦ - (ومنها): أن كنية أبي هريرة ليست كنية حقيقيَّة، وإنما هي لقب بصورة

стр. 51

الكنية، وإنما لقّب به لأجل هرّة كانت معه، فقد أخرج الترمذيّ، وحسّنه عن عبد الله ابن رافع، قال: قلت لأبي هريرة: لم كنّوك أبا هريرة؟ قال: أما تفرَق منّي؟ قلت: بلى إني لأهابك، قال: كنت أرعى غنما لأهلي، فكانت لي هُريرة صغيرة، فكنت أضعها بالليل في شجرة، فإذا كان النهار ذهبت بها معي، فلعبت بها، فكنوني أبا هريرة. وعن أبي معشر نجيح، عن محمد بن قيس، قال: كان أبو هريرة يقول: لا تكنوني أبا هريرة، كناني رسول الله ﷺ أبا هِرّ، قال: "ثكلتك أمك أبا هرّ"، والذكر خير من الأنثى. وعن كثير ابن زيد، عن الوليد بن رباح أن أبا هريرة كان يقول: كان النبيّ ﷺ يدعوني أبا هرّ (١). ٧ - (ومنها): أن الأعمش ممن اشتهر بلقبه، وأصل العمش في اللغة سيلان دمع العين، مع ضعف البصر، يقال: عمِشت العين، من باب تعِب: إذا سال دمعها في أكثر الأوقات، مع ضعف البصر، فالرجل أعمش، والأنثى عَمشاء، والجمع عُمْش بضم، فسكون، كحُمر، جمع أحمر وحمراء، كما قال في "الخلاصة": فُعْلٌ لِنَحْوِ أحْمَر وَحَمْرَا ... وَفُعْلَةٌ جَمعًا بِنَقْلٍ يُدْرَى [تنبيهات]: (الأول): اختلف في أبي هريرة، هل هو منصرف، أم لا؟، قال القاري في "المرقاة": جرّ أبي هريرة بالكسر هو الأصل، وصوّبه جماعة؛ لأنه جزء علم، واختار آخرون منع صرفه، كما هو الشائع على ألسنة العلماء، من المحدّثين، وغيرهم؛ لأن الكلّ صار كالكلمة الواحدة. انتهى. قال المباركفوريّ: الراجح منعه من الصرف، ويؤيّده منع صرف "ابن داية" علمًا للغراب، قال قيس بن الملوّح، مجنون ليلى [من الطويل]: أَقُولُ وَقَدْ صَاحَ ابْنُ دَايَةَ غَدْوَةً ... بِبُعْدِ النَّوَى لَا أَخْطَأتكَ الشَّبَائِكُ قال القاضي البيضاويّ في "تفسيره" في قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]: ما نصّه: "رمضان" مصدر رَمض: إذا احترق، فأضيف

стр. 52

إليه "شهر"، وجُعل علمًا، ومنع من الصرف للعلميّة والألف والنون، كما مُنع "داية" في "ابن داية" علما للغراب؛ للعلمية والتأنيث. انتهى "تحفة الأحوذيّ" ١/ ٣٢. (التنبيه الثاني): قال العلامة المباركفوريّ رحمه الله تعالى: قد تفوّه بعض الفقهاء الحنفيّة بأن أبا هريرة لم يكن فقيها، وقوله هذا باطل، مردود عليهم، وقد صرّح أجلّة العلماء الحنفية بأنه ﵁ كان فقيهًا، قال صاحب "السعاية شرح الوقاية": وهو من العلماء الحنفيّة ردّا على من قال منهم: إن أبا هريرة غير فقيه ما لفظه: كون أبي هريرة غير فقيه، غير صحيح، بل الصحيح أنه من الفقهاء الذين كانوا يُفتون في زمان النبيّ ﷺ -كما صرّح به ابن الهمام في "تحرير الأصول"، وابن حجر في "الإصابة". انتهى. وفي بعض حواشي "نور الأنوار" أن أبا هريرة كان فقيها، صرّح به ابن الهمام في "التحرير"، كيف وهو لا يعمل بفتوى غيره؟ وكان يفتي في زمن الصحابة ﵁، وكان يعارض أجلة الصحابة، كابن عباس، فإنه قال: إن عدة الحامل المتوفّى عنها زوجها أبعد الأجلين، فرده أبو هريرة، وأفتى بأن عدتها وضع الحمل، كذا قيل. انتهى. وقال الحافظ الذهبيّ رحمه الله تعالى في "التذكرة": أبو هريرة الدوسي اليمانيّ الفقيه، صاحب رسول الله ﵁، كان من أوعية العلم، ومن كبار أئمة الفتوى، مع الجلالة، والعبادة، والتواضع. انتهى. وقال الإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى في "إعلام الموقّعين": ثم قام بالفتوى بعد رسول الله ﷺ بَرْكُ الإسلام (١)، وعصابة الإيمان، وعسكر القرآن، وجند الرحمن، أولئك أصحابه ﷺ ، وكانوا بين مكثر منها، ومقلّ، ومتوسّط، وكان المكثرون منهم سبعة: عمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر ﵃.

стр. 53

والمتوسطون منهم فيما رُوي عنهم من الفُتْيَا: أبو بكر الصديق، وأم سلمة، وأنس ابن مالك، وأبو سعيد الخدريّ، وأبو هريرة ... ﵁ الخ، فلا شك في أن أبا هريرة ﵁ كان فقيها من فقهاء الصحابة ﵃، ومن كبار أئمة الفتوى. [فإن قيل]: قال إبراهيم النخعي أيضًا: إن أبا هريرة لم يكن فقيها، والنخعي من فقهاء التابعين. [قلت]: قد نُقم على إبراهيم النخعي لقوله: إن أبا هريرة لم يكن فقيها، قال الحافظ الذهبيّ في "الميزان" في ترجمته: وكان لا يُحكم العربية، ربما لحن، ونقموا عليه قوله: لم يكن أبو هريرة فقيهًا. انتهى. وقال القاضي أبو بكر بن العربي في "عارضة الأحوذيّ" في حديث المصرّاة المرويّ عن أبي هريرة، وابن عمر ﵃: قال بعضهم: هذا الحديث لا يُقبل؛ لأنه يرويه أبو هريرة، وابن عمر، ولم يكونا فقيهين، وإنما كانا صالحين، فروايتهما إنما تقبل في المواعظ، لا في الأحكام. وهذه جرأة على الله، واستهزاء في الدين عند ذهاب حملته، وفقد نَصَرَته، ومن أفقه من أبي هريرة، وابن عمر ﵃؟، ومن أحفظ منهما؟ خصوصًا من أبي هريرة، وقد بسط رداءه، وجمعه النبيّ ﷺ ، وضمه إلى صدره، فما نسي شيئًا أبدًا، ونسأل الله المعافاة من مذهب لا يثبت إلا بالطعن علي الصحابة ﵃، ولقد كنت في جامع المنصور من مدينة السلام في مجلس عليّ بن محمد الدامغانيّ، قاضي القضاة، فأخبرني به بعض أصحابنا، وقد جرى ذكر هذه المسألة أنه تكلم فيها بعضهم يومًا، وذكر هذا الطعن في أبي هريرة، فسقطت من السقف حية عظيمة في وسط المسجد، فأخذت في سمت المتكلم بالطعن، ونفر الناس، وارتفعوا، وأخذت الحية تحت السواري، فلم يُدر أين ذهبت، فارعوَى من بعد ذلك من الترسّل في هذا القدح. اهـ. انتهى "تحفة الأحوذي" ١/ ٣٢ - ٣٣.

стр. 54

وقال الحافظ الذهبيّ رحمه الله تعالى في "سير أعلام النبلاء" (١): قال الحافظ أبو سعد السمعانيّ: سمعت أبا المعمر المبارك بن أحمد، سمعت أبا القاسم يوسف بن عليّ الزنجانيّ الفقيه، سمعت الفقيه أبا إسحاق الفيروزابادي، سمعت القاضي أبا الطيب يقول: كنا في مجلس النظر بجامع المنصور، فجاء شابّ خُراساني، فسأل عن مسألة المصرّاة، فطالب بالدليل، حتى استدلّ بحديث أبي هريرة الوارد فيها، فقال -وكان حنفيًّا-: أبو هريرة غير مقبول الحديث، فما استتمّ كلامه، حتى سقط عليه حيّة عظيمة من سقف الجامع، فوثب الناس من أجلها، وهرب الشابّ منها، وهي تتبعه، فقيل له: تُبْ، تُبْ، فقال: فغابت الحية، فلم يُر لها أثر. إسنادها أئمة. انتهى "سير أعلام النبلاء" ٢/ ٦١٨ - ٦١٩. والله تعالى أعلم. (التنبيه الثالث): يجوز التلقيب بالأعمش، ونحوه من الألقاب التي فيها نقص، إذا اشتهر بها الشخص، وإن كان يكره ذلك بقصد تعريفه، لا تعييره؛ للضرورة، وأما النهي الوارد في آية: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١] فمحمول على ما إذا كان للتعيير، كما هو المتعارف عند عوامّ الناس أنهم يلقّبون الشخص بما فيه من العيوب، كالعور، والعمَش، والعرَج، فنهي عن ذلك، وأما بعد أن اشتهر، ولا يُعرف إلا به، فيجوز؛ لما ذكرناه، وإليه أشار الحافظ السيوطيّ في "ألفية الحديث"، حيث قال: وَذِكْرُهُ بِالْوَصْفِ أَوْ بِاللَّقَبِ ... أَوْ حِرْفَةٍ لَا بَأْسَ إِنْ لَمْ يَعِب (التنبيه الرابع): عدد ما رواه المصنّف رحمه الله تعالى من الأحاديث في هذا الكتاب لأبي هريرة (٦٣١) ولأبي صالح (١٣٦) وللأعمش (٢٦٠) ولشريك النخعيّ (٧٦) ولشيخه أبي بكر بن أبي شيبة (١٠٩٨). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فخذوه) أي

стр. 55

تمسّكوا به. و"ما" في الموضعين شرطيّة، أو موصولة مبتدأ، وجوابها، أو خبرها قوله: "فخذوه"، ودخلت الفاء في الخبر؛ لمشابهة "ما" الموصولة للشرطية في العموم، والوجه الأول أولى. قال السنديّ رحمه الله تعالى: وما في الموضعين شرطية، كما ذكر السيوطيّ هذا الاحتمال؛ لأن الشرطية أظهر معنى، وفي الموصولة يلزم وقوع الجملة الإنشائية خبرًا، وهو مما اختلفوا فيه، وكثير منهم على أنه لا يصحّ إلا بتأويل، بخلاف الشرطية، فإن المحققين على أن خبرها جملة الشرط، لا الجزاء. انتهى. فقوله: "ما أمرتكم به" يعم أمر الإيجاب، والندب، وقوله: "فَخُذُوهُ" لمطلق الطلب الشامل للوجوب والندب، فينطبق على القسمين، وقيل: هذا مخصوص بأمر الوجوب. وسيأتي مزيد بسط لذلك في شرح الحديث التالي، إن شاء الله تعالى. [تنبيه]: المراد بالأمر هنا هو الأمر الذي يتعلّق بالدين، وأما ما يتعلق بأمر الدنيا، فليس كذلك؛ لأن النبيّ ﷺ إنما جاء لبيان الأمور الدينيّة، لا الأمور الدنيويّة؛ لما أخرجه أحمد، في "مسنده رقم ٢٤٣٩٩"، ومسلم في "صحيحه"، والمصنّف في "كتاب الأحكام" ٢٤٧١، كما سيأتي، من حديث عائشة، وأنس رضي الله تعالى عنهما: أن النبيّ ﷺ مرّ بقوم يُلقّحون، فقال: "لو لم تفعلوا لصلح"، قال: فخرج شِيصًا، فمرّ بهم، فقال: "ما لنخلكم؟ "، قالوا: قلت: كذا وكذا، قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم". ولفظ أحمد في "مسنده"، والمصنّف في "كتاب الأحكام": أن النبيّ ﷺ سمع أصواتًا، فقال: "ما هذا الصوت؟ "، قالوا: النخل يُؤبِّرونها، فقال: "لو لم يفعلوا لصلح"، فلم يؤبّروا عامئذ، فصار شِيصًا، وذكروا للنبيّ ﷺ ، فقال: "إن كان شيئًا من أمر دنياكم، فشأنكم به، وإن كان من أمور دينكم فإليّ". فدل هذا النصّ على أن أمر النبيّ ﷺ الذي يجب امتثاله، والذي جاء التحذير الشديد في قوله : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، وقوله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ

стр. 56

وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]، هو ما كان أمرًا دينيًّا، لا الأمور الدنيوية، فإن الإنسان يُخَيَّر فيها، كما أرشد إليه بقوله: "فشأنكم به"، والله تعالى أعلم. (وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ) يعم نهي التحريم، والتَّنْزِيه، وكذا الطلب في قوله: (فَانْتَهُوا) أي اتركوه، يعم القسمين. ثم الخطاب، وإن كان للحاضرين، فيعم الغائبين أيضًا؛ لأن رسالته ﷺ للجميع، كما بيّنه الله بقوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث -كما قال الحافظ ابن عساكر في "الأطراف"-: مختصر من الحديث الذي بعده، وسيأتي تمام شرحه، وبيان مسائله هناك، إن شاء الله تعالى. وهو حديث صحيح. [فإن قيل]: كيف يصحّ، وفي إسناده شريك القاضي، وهو متكلم فيه، كما سبق في ترجمته؟. [أجيب]: بأنه لم ينفرد به، بل تابعه عليه جرير بن عبد الحميد، كما سيأتي في الحديث الذي بعده، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجه ﵀ -المذكور أول الكتاب- قال: ٢ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، قَالَ: أنبأنا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ذَرُونِي مَا تركْتكُمْ، فَإِنَّما هَلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكمْ بسُؤَالهِمْ، وَاختِلَافِهِمْ عَلَى أنبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أمرتكمْ بِشيءٍ فَخُذُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نهَيْتكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَانْتَهُوا"). رجال هذا الإسناد: خمسة، وقد تقدّموا غير: ١ - (محمد بن الصبّاح) بن سفيان بن أبي سفيان الجْرْجَرَائيّ، أبي جعفر التاجر مولى عمر بن عبد العزيز، صدوقٌ [١٠].

стр. 57

رَوَى عن حفص بن غياث، وعائذ بن حبيب، وجرير، وحاتم بن إسماعيل، وإسحاق الأزرق، وابن عيينة، وحماد بن خالد، وزكرياء بن منظور، وعباد بن العوام، وعبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن رجاء المكي، وسعيد بن مسلمة الأموي، وعبد العزيز بن أبي حازم، وعبد العزيز بن الخطاب، والدراوردي، وعلي بن ثابت الجزري، وعمار بن محمد، ومحمد بن سلمة، ومحمد بن سليمان بن الأصبهاني، ومروان بن معاوية، وهشيم، والوليد بن مسلم، والقطان، ويحيى بن سليمان، وأبي بكر ابن عياش، ومعمر بن سليمان الرقي، ويزيد بن هارون، ويعقوب بن الوليد المدني، وخلق. وروى عنه أبو داود، وابن ماجه، وابنه جعفر بن محمد بن الصباح، وأبو زرعة الرازي، وموسى بن هارون، وجعفر الفريابي، والحسين بن إسحاق التستري، وإسحاق بن إبراهيم المنجنيقي، والقاسم بن زكريا المطرز، ومحمد بن صالح بن ذُرَيح، ومحمد بن إسحاق الثقفي السراج، وغيرهم. قال أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز: سألت ابن معين عنه؟ فقال: ليس به بأس، قلت: وعنده عن الوليد بن مسلم كتاب صالح، وعن ابن عيينة حديث كثير، فقال: ليس به بأس. وقال يعقوب بن شيبة: ذُكر ليحيى بن معين ابن الصباح يعني الجرجرائي -فقال يحيى: حدث بحديث منكر، عن علي بن ثابت، عن إسرائيل، عن ابن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا: "صنفان ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة، والقدرية"، قال يعقوب: وهذا حديث منكر جدا من هذا الوجه، كالموضوع، وإنما يرويه علي بن نزار، شيخ ضعيف، واهي الحديث، عن ابن عباس ﵄ يعني بواسطة عكرمة- قال: ولم يذكر يحيى محمد بن الصباح هذا بسوء. وقال أبو زرعة، ومحمد بن عبد الله الحضرمي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، والدولابي أحب إلي منه. قال البخاري، وابن حبان في "الثقات"، والبغوي: مات سنة أربعين ومائتين. تفرد به أبو داود، والمصنّف. [تنبيهات]. (الأول): الجَرْجَرَائيّ -بجيمين مفتوحتين، بينهما راء ساكنة، ثم راء خفيفة: نسبة

стр. 58

إلى جرجرايا بلدة قريبة من دجلة بين بغداد وواسط. قاله في "اللباب" ١٢٧٠. (الثاني): جملة ما رواه المصنّف لشيخه محمد بن الصباح هذا في هذا الكتاب (١٤٦) حديثًا. (الثالث): محمد بن الصباح في الكتب الستة اثنان: [أحدهما]: هذا، وهو من أفراد أبي داود، والمصنف، كما سبق آنفًا. [والثاني]: محمد بن الصباح أبو جعفر الدولابيّ البغداديّ الثقة الحافظ [١٠] من رجال الجماعة. والفرق بينهما أن الأول يروي عنه المصنف بلا واسطة، وقد أكثر عنه، والثاني روى عنه بواسطة محمد بن يحيى الذهليّ في موضع واحد برقم (١٩٣) وليس له عنده غيره، وكذا لا يروي عنه الترمذيّ، والنسائيّ إلا بواسطة، وإنما يروي عنه مباشرة البخاريّ، ومسلم، وأبو داود. والله تعالى أعلم. ٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط -بضم القاف، وسكون الراء، بعدها طاء مهملة- الضبي، أبو عبد الله الرازي القاضي، وُلد بقرية من قرى أصبهان، ونشأ بالكوفة، ونزل الرَّيّ. رَوَى عن عبد الملك بن عمير، وأبي إسحاق الشيباني، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وسليمان التيمي، والأعمش، وعاصم الأحول، وسهيل بن أبي صالح، وخلق كثير. وروى عنه إسحاق بن راهويه، وابنا أبي شيبة، وقتيبة، وعبدان المروزي، وأبو خيثمة، ومحمد بن قدامة بن أعين المصيصي، ومحمد بن قدامة الطوسي، ومحمد بن قدامة ابن إسماعيل السلمي النجاري، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، ويحيى بن يحيى، ويوسف بن موسى القطان، وأبو الربيع الزهراني، وعلي بن حجر، وجماعة. وقال محمد بن سعد: كان ثقة يُرحل إليه وقال ابن عمار الموصلي: حجة، كانت كتبه صحاحا. وقال محمد بن عموو زُنيج: سمعت جريرا قال: رأيت ابن أبي نَجيح، وجابرا الجعفي، وابن جريج، فلم أكتب عن واحد منهم، فقيل له: ضيعت يا أبا عبد

стр. 59

الله، فقال: لا، أما جابر فكان يؤمن بالرجعة، وأما ابن أبي نجيح فكان يرى القدر، وأما ابن جريج فكان يرى المتعة. وقيل لسليمان بن حرب: أين كتبت عن جرير؟ فقال بمكة، أنا وعبد الرحمن يعني ابن مهدي- وشاذان. وقال علي بن المديني: كان جرير صاحب ليل. وقال أبو خيثمة: لم يكن يدلس. وقال يعقوب بن شيبة، عن عبد الرحمن ابن محمد، عن سليمان الشاذكوني: حدثنا عن مغيرة، عن إبراهيم في طلاق الأخرس، ثم حدثنا به عن سفيان، عن مغيرة، ثم وجدته على ظهر كتاب لابن أخيه، عن ابن المبارك، عن سفيان، عن مغيرة، قال سليمان: فوقفته عليه، فقال لي: حدثنيه رجل عن ابن المبارك، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم. قال الحافظ: إن صحت هذه الحكاية، فجرير كان يدلس. وقد قيل ليحيى بن معين، عقب هذه الحكاية: كيف تروي عن جرير؟ فقال: ألا تراه قد بين لهم أمرها. وقال العجلي: كوفي ثقة، نزل الري، وقال النسائي: ثقة. وقال ابن خراش: صدوق. وقال أبو القاسم اللالكائي: مجمع على ثقته. وقال أحمد بن حنبل: لم يكن بالذكي، اختلط عليه حديث أشعث، وعاصم الأحول، حتى قدم عليه بهز، فعرفه، نقله العقيلي. وقال البيهقي في "السنن": نُسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ. وذكر صاحب "الحافل" عن أبي حاتم أنه تغير قبل موته بسنة، فحجبه أولاده، وهذا ليس بمستقيم، فإن هذا إنما وقع لجرير بن حازم، فكأنه اشتبه على صاحب "الحافل". وقال ابن حبان في "الثقات": كان من العباد الخُشُن. وقال أبو أحمد الحاكم: هو عندهم ثقة. وقال الخليلي في "الإرشاد": ثقة متفق عليه. وقال حنبل بن إسحاق: وُلد جرير بن عبد الحميد في سنة (١٠٧)، وقال حنبل أيضا عن أحمد: ثنا محمد بن حميد، عن جرير: وُلدت سنة (١٠) قال: ومات جرير سنة (١٨٨). وكذا قال مطين في تاريخ وفاته، وزاد في شهر ربيع الآخر. روى له الجماعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب (٢٩) حديثًا، والله تعالى أعلم.

стр. 60

شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَّ ﷺ : "ذَرُونِي) أي اتركوني من السؤال عن القيود في المطلقات، ونحو ذلك، قال الفيَّوميّ: وذِرْته أَذَره وَذْرًا: تركته، قالوا: وأماتت العرب ماضيه، ومصدره، فإذا أريد الماضي قيل: ترك، وربّما استُعْمِلا على قلّة، ولا يُستعمل منه اسم فاعل. انتهى. وقال المجد في "القاموس": وذَرْهُ: أي دعه، يَذَرُهُ تَرْكًا، ولا تقل: وَذَرْهُ، وأصله وَذِرَهُ يَذَرُهُ، كوَسِعَهُ يَسَعُهُ، لكن ما نطقوا بماضيه، ولا بمصدره، ولا باسم الفاعل، أو قيل: وَذِرْتُهُ شاذّا. انتهى. وقال ابن منظور في "اللسان": قال ابن السّكّيت: يقال: ذَرْ ذَا، ودع ذَا، ولا يقال: وَذَرْتهُ، ولا وَدَعْتُهُ، وأما في الغابر، فيقال: يَذَرُهُ، ويَدَعُهُ، وأصله وَذِره يَذَره، مثالُ وَسِعَه يَسَعهُ، ولا يقال: واذِر، ولا وادعٌ، ولكن تركته، فأنا تارك. انتهى. ولبعضهم شعرًا: وَقَدْ أَمَاتُوا الماضِ (١) مِنْ يَذَرْ يَدَع ... لكنَّ في الضُّحَى قُرِي بِـ "مَا وَدع" ولفظ البخاريّ: "دعوني"، وهو بمعنى "ذرُوني". وقد ذكر مسلم سبب هذا الحديث من رواية محمد بن زياد، فقال عن أبي هريرة ﵁: "خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال: يا أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله، فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله ﷺ لو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء، فاتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه". وأخرجه الدارقطني مختصرا، وزاد فيه: "فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا

стр. 61

تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. وقد رُوي من غير وجه أن هذه الآية نزلت لما سألوا النبي ﷺ عن الحج، وقالوا: أفي كل عام؟ (١). وفي "الصحيحين" عن أنس ﵁، قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال رجل: من أبي؟ فقال: "فلان"، فنزلت هذه الآية: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١]، وفيهما أيضا عن قتادة، عن أنس، قال: سألوا رسول الله ﷺ حتى أحفوه في المسألة، فغضب، فصعِد المنبر، فقال: "لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته"، فقام رجل، كان إذا لاحى الرجال دُعي إلى غير أبيه، فقال: يا رسول الله من أبي؟ قال: "أبوك حذافة"، ثم أنشأ عمر، فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، نعوذ بالله من الفتن. وكان قتادة يذكر عند هذا الحديث هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١]. وفي "صحيح البخاري"، عن ابن عباس قال: كان قوم يسألون رسول الله ﷺ ؛ استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟، ويقول الرجل، تضل نِاقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ (٢). وله شاهد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عند الطبري في "التفسير"، وفيه: "لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم، فاتركوني ما تركتكم ... " الحديث، وفيه: "فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. وأخرج ابن جرير الطبري في "تفسيره": من حديث أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ ، وهو غضبان محمار وجهه، حتى جلس على المنبر، فقام إليه رجل، فقال: أين أنا؟ فقال: "في النار"، فقام إليه آخر: فقال: من أبي؟ قال: أبوك حذافة، فقام عمر ﵁،

стр. 62

فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماما، إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك، والله أعلم بآبائنا، قال: فسكن غضبه، ونزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. وروي أيضا من طريق العوفي عن ابن عباس، في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾، قال: إن رسول الله ﷺ " أَذَّن في الناس، فقال: "يا قوم كتب عليكم الحج"، فقام رجل، فقال: يا رسول الله أفي كل عام؟ فأغضب رسول الله ﷺ غضبا شديدا، فقال: "والذي نفسي بيده لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، وإذن لكفرتم، فاتركوني ما تركتكم، فإذا أمرتكم بشيء فافعلوا، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه"، فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾، نهاهم أن يسألوا مثل الذي سألت النصارى في المائدة، فأصبحوا بها كافرين، فنهى الله تعالى عن ذلك، ولكن انظروا، فإذا نزل القرآن، فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه (١). (مَا ترَكْتكُمْ) "ما" مصدريّة ظرفية: أي مدة تركي إياكم بغير أمر بشيء، ولا نهي عن شيء. قال في "الفتح" ١٥/ ١٨٨: وإنما غاير بين اللفظين، لأنهم أماتوا الفعل الماضي، واسم الفاعل منهما، واسم مفعولهما، وأثبتوا الفعل المضارع، وهو "يذر"، وفعل الأمر، وهو "ذر"، ومثله "دع"، و"يدع"، ولكن سُمِع "ودع"، كما قرئ به في الشاذ في قوله تعالى: "ما ودعك ربك وما قلى"، قرأ بذلك إبراهيم بن أبي عبلة، وطائفة، وقال الشاعر [من الطويل]: وَنَحْنُ وَدَعْنَا آلَ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ ... فَرَائِسَ أَطْرَافِ المثقَّفَةِ السُّمْرِ ويحتمل أن يكون ذكر ذلك على سبيل التفنن في العبارة، وإلا لقال: اتركوني. والمراد بهذا الأمر ترك السؤال عن شيء لم يقع، خشية أن ينزل به وجوبه، أو

стр. 63

تحريمه، وعن كثرة السؤال لما فيه غالبا من التعنت، وخشية أن تقع الإجابة بأمر يُستَثقَل، فقد يؤدي لترك الامتثال، فتقع المخالفة. قال ابن فرج: معنى قوله: "ذروني ما تركتكم": لا تكثروا من الاستفصال عن المواضع التي تكون مفيدة لوجه ما ظهر، ولو كانت صالحة لغيره، كما أن قوله: "حجوا" وإن كان صالحا للتكرار، فينبغي أن يكتفى بما يصدق عليه اللفظ، وهو المرة، فإن الأصل عدم الزيادة، ولا تكثروا التنقيب عن ذلك؛ لأنه قد يفضي إلى مثل ما وقع لبني إسرائيل، إذ أُمروا أن يذبحوا البقرة، فلو ذبحوا أي بقرة كانت لامتثلوا، ولكنهم شددوا، فَشُدّد عليهم، وبهذا تظهر مناسبة قوله: "فإنما هلك من كان قبلكم ... " إلى آخره، بقوله: "ذروني ما تركتكم". وقد أخرج البزار، وابن أبي حاتم في "تفسيره" من طريق أبي رافع، عن أبي هريرة مرفوعًا: "لو اعترض بنو إسرائيل أدنى بقرة، فذبحوها لكفتهم، ولكن شددوا فشدد الله عليهم"، وفي السند عباد بن منصور، وحديثه من قبيل الحسن. وأورده الطبري عن ابن عباس موقوفًا، وعن أبي العالية مقطوعا. واستُدل به على أن لا حكم قبل ورود الشرع، وأن الأصل في الأشياء عدم الوجوب. انتهى (١). (فَإِنَّما هَلَكَ) بفتح اللام ثلاثيّا، وقوله (مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) فاعله (بِسُؤَالهِم) أي بسبب سؤالهم (وَاختِلَافِهِمْ عَلَى أنبِيَائِهِمْ) وفي رواية البخاريّ: "فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم"، قال في "الفتح": قوله: "فإنما أهلك" بفتحات، وقال بعد ذلك: "سؤالهم" بالرفع على أنه فاعل "أهلك"، وفي رواية غير الكشميهني "أُهلك" بضم أوله، وكسر اللام، وقال بعد ذلك "بسؤالهم": أي بسبب سؤالهم. وقوله: "واختلافُهم" بالرفع، وبالجر على الوجهين، ووقع في رواية همام عند أحمد بلفظ: "فإنما هلك" -يعني كرواية المصنّف- وفيه "بسؤالهم"، ويتعين الجر في "واختلافهم"، وفي رواية الزهري: "فإنما أهلك"، وفيه "سؤالهم"، ويتعين الرفع في "واختلافهم". وأما قول النووي في "أربعينه": "واختلافهم" برفع الفاء، لا بكسرها،

стр. 64

فإنه باعتبار الرواية التي ذكرها، وهي التي من طريق الزهري. انتهى. (فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشيءٍ) وفي رواية مسلم "بأمر" (فَخُذُوا مِنْهُ) ولفظ البخاريّ: "فأتوا منه" (مَا اسْتَطَعْتُمْ) أي افعلوا قدر استطاعتكم، ووقع في رواية الزهري عند مسلم: "وما أمرتكم به"، وفي رواية همام عنده: "وإذا أمرتكم بالأمر، فأتمروا ما استطعتم"، وفي رواية محمد بن زياد عند الترمذيّ: "فافعلوا". (وَإِذَا نَهَيْتكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَانْتَهُوا"). وفي رواية البخاريّ: "فاجتنبوه"، هكذا رواية المصنّف بتقديم جملة الأمر على جملة النهي، وهو رواية مسلم من طريق الزهريّ، عن ابن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن كلاهما عن أبي هريرة ﵁، ووقع في رواية للبخاريّ من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة بتقديم جملة النهي على الأمر، قال الحافظ: ما مختصره: واقتصر النووي في "الأربعين" على رواية الزهريّ المذكورة، وعزا الحديث للبخاري ومسلم فتشاغل بعض شراح "الأربعين" بمناسبة تقديم النهي على ما عداه ولم يعلم أن ذلك من تصرف الرواة، وأن اللفظ الذي أورده البخاري هنا أرجح من حيث الصناعة الحديثية؛ لأنهما اتفقا على إخراج طريق أبي الزناد، دون طريق الزهري، وإن كان سند الزهري مما عُدّ في أصح الأسانيد، فإن سند أبي الزناد أيضا مما عد فيها فاستويا، وزادت رواية أبي الزناد اتفاقَ الشيخين. وظن القاضي تاج الدين في شرح "المختصر" أن الشيخين اتفقا على هذا اللفظ، فقال بعد قول ابن الحاجب: "الندب": أي احتج من قال إن الأمر للندب بقوله: "إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم"، فقال الشارح: رواه البخاري ومسلم، ولفظهما: وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، وهذا إنما هو لفظ مسلم وحده، ولكنه اغتر بما ساقه النووي في "الأربعين". ثم إن هذا النهي عام في جميع المناهي، ويُستثنى ما يُكرَه المكلف على فعله، كشرب الخمر، وهذا على رأي الجمهور، وخالف قوم، فتمسكوا بالعموم، فقالوا: الإكراه على ارتكاب المعصية لا يبيحها، والصحيح عدم المؤاخذة إذا وُجدت صورة

стр. 65

الإكراه المعتبرة. واستثنى بعض الشافعية من ذلك الزنا، فقال: لا يتصور الإكراه عليه، وكأنه أراد التمادي فيه، وإلا فلا مانع أن ينعظ (١) الرجل بغير سبب، فيكره على الإيلاج حينئذ، فيولج في الأجنبية، فإن مثل ذلك ليس بمحال، ولو فعله مختارا لكان زانيا، فتُصُوِّر الإكراهُ على الزنا. واستَدَلَّ به من قال: لا يجوز التداوي بشيء محرم كالخمر، ولا دفع العطش به، ولا إساغة لقمة من غُصَّ به، والصحيح عند الشافعية جواز الثالث؛ حفظا للنفس، فصار كأكل الميتة لمن اضطر، بخلاف التداوي، فإنه ثبت النهي عنه نصا، ففي مسلم عن وائل رفعه: "إنه ليس بدواء، ولكنه داء"، ولأبي داود عن أبي الدرداء رفعه: "ولا تداووا بحرام"، وله عن أم سلمة مرفوعا: "إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها". وأما العطش فإنه لا ينقطع بشربها، ولأنه في معنى التداوي، والله أعلم. والتحقيق أن الأمر باجتناب المنهي على عمومه، ما لم يعارضه إذن في ارتكاب منهي، كأكل الميتة للمضطر. وقال الفاكهاني: لا يتصور امتثال اجتناب المنهي حتى يترك جميعه، فلو اجتنب بعضه لم يعد ممتثلا، بخلاف الأمر -يعني المطلق- فإن من أتى بأقل ما يصدق عليه الاسم كان ممتثلا. انتهى ملخصا. وقد أجاب هنا ابن فرج بأن النهي يقتضي الأمر، فلا يكون ممتثلا لمقتضى النهي حتى لا يفعل واحدا من آحاد ما يتناوله النهي، بخلاف الأمر، فإنه على عكسه، ومن ثَمَّ نشأ الخلاف هل الأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده. قاله في "الفتح" ١٥/ ١٨٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 66

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى). في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ١/ ١ و ٢ - وأخرجه (خ) في "الاعتصام" ٧٢٨٨ (م) في "الحج" ١٣٣٧ (ت) في "العلم" ٢٦٧٩ و (النسائيّ) في "الحج" (٢٥٧٣) (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٣٢٠ و ٧٤٤٩ و ٨٤٥٠ و ٩٢٣٩ و ٩٤٨٨ و ٩٥٧٧ و ٢٧٢٥٨ و٩٨٩٠ و ٢٧٣١٢ و ١٠٢٢٩، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان وجوب اتّباع سنته ﷺ . ٢ - (ومنها): ما قاله النووي رحمه الله تعالى: هذا من جوامع الكلم، وقواعد الإسلام، ويدخل فيه كثير من الأحكام، كالصلاة لمن عجز عن ركن منها، أو شرط، فيأتي بالمقدور، وكذا الوضوء، وستر العورة، وحفظ بعض الفاتحة، وإخراج بعض زكاة الفطر لمن لم يقدر على الكل، والإمساك في رمضان لمن أفطر بالعذر، ثم قدر في أثناء النهار إلى غير ذلك من المسائل التي يطول شرحها. وقال غيره: فيه أن من عجز عن بعض الأمور لا يسقط عنه المقدور، وعبر عنه بعض الفقهاء بأن الميسور لا يسقط بالمعسور، كما لا يسقط ما قدر عليه من أركان الصلاة بالعجز عن غيره، وتصح توبة الأعمى عن النظر المحرم، والمجبوب عن الزنا؛ لأن الأعمى والمجبوب قادران على الندم، فلا يسقط عنهما بعجزهما عن العزم على عدم العود؛ إذ لا يتصور منهما العود عادة، فلا معنى للعزم على عدمه. ٣ - (ومنها): أنه استدل به على أن من أُمر بشيء، فعجز عن بعضه، ففعل المقدور أنه يسقط عنه ما عجز عنه، وبذلك استدل المزني على أن ما وجب أداؤه لا يجب قضاؤه، ومن ثم كان الصحيح أن القضاء بأمر جديد.

стр. 67

٤ - (ومنها): أنه استدل به على أن اعتناء الشرع بالمنهيات فوق اعتنائه بالمأمورات؛ لأنه أطلق الاجتناب في المنهيات، ولو مع المشقة في الترك، وقيد في المأمورات بقدر الطاقة، وهذا منقول عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى. [فإن قيل]: إن الاستطاعة معتبرة في النهي أيضا، إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. [فجوابه]: أن الاستطاعة تطلق باعتبارين. قال في "الفتح": كذا قيل، والذي يظهر أن التقييد في الأمر بالاستطاعة، لا يدل على المدعَى من الاعتناء به، بل هو من جهة الكف؛ إذ كل أحد قادر على الكف لولا داعية الشهوة مثلا، فلا يتصور عدم الاستطاعة عن الكف، بل كل مكلف قادر على الترك، بخلاف الفعل، فإن العجز عن تعاطيه محسوس، فمن ثَمَّ قيد في الأمر بحسب الاستطاعة دون النهي. وعَبّر الطوفي في هذا الموضع بأن ترك المنهي عنه عبارة عن استصحاب حال عدمه، أو الاستمرار على عدمه، وفعل المأمور به عبارة عن إخراجه من العدم إلى الوجود. وقد نوزع بأن القدرة على استصحاب عدم المنهي عنه قد تتخلف، واستُدِل له بجواز أكل المضطر الميتة. وأجيب بأن النهي في هذا عارضه الإذن بالتناول في تلك الحالة. وقال ابن فرج في "شرح الأربعين": قوله: "فاجتنبوه" هو على إطلاقه حتى يوجد ما يبيحه، كأكل الميتة عند الضرورة، وشرب الخمر عند الإكراه، والأصل في ذلك جواز التلفظ بكلمة الكفر، إذا كان القلب مطمئنا بالإيمان، كما نطق به القرآن. انتهى. والتحقيق أن المكلف في ذلك كله ليس منهيا في تلك الحال. وأجاب الماوردي بأن الكف عن المعاصي ترك، وهو سهل، وعمل الطاعة فعل وهو يشق، فلذلك لم يبح ارتكاب المعصية ولو مع العذر؛ لأنه ترك، والترك لا يعجز المعذور عنه، وأباح ترك العمل بالعذر؛ لأن العمل قد يعجز المعذور عنه. وادعى بعضهم أن قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، يتناول امتثال المأمور، واجتناب المنهي، وقد قيد بالاستطاعة واستويا، فحينئذ يكون الحكمة في تقييد الحديث بالاستطاعة، في جانب الأمر دون النهي أن العجز يكثر

стр. 68

تصوره في الأمر، بخلاف النهي، فإن تصور العجز فيه محصور في الاضطرار، وزعم بعضهم أن قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ نسخ بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، والصحيح أن لا نسخ، بل المراد بحق تقاته امتثال أمره، واجتناب نهيه مع القدرة، لا مع العجز. ٥ - (ومنها): أنه استدل به على أن المكروه يجب اجتنابه؛ لعموم الأمر باجتناب المنهي عنه، فشمل الواجب والمندوب. وأجيب بأن قوله: "فاجتنبوه" يُعمل به في الإيجاب والندب بالاعتبارين، ويجيء مثل هذا السؤال وجوابه في الجانب الآخر، وهو الأمر. وقال الفاكهاني: النهي يكون تارة مع المانع من النقيض وهو المحرم، وتارة لا يكون معه وهو المكروه، وظاهر الحديث يتناولهما. ٦ - (ومنها): أنه استُدل به على أن المباح ليس مأمورا به؛ لأن التأكيد في الفعل، إنما يناسب الواجب والمندوب وكذا عكسه. وأجيب بأن من قال: المباح مأمور به لم يرد الأمر بمعنى الطلب، وإنما أراد بالمعنى الأعم، وهو الإذن. ٧ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الأمر لا يقتضي التكرار ولا عدمه. وقيل: يقتضيه. وقيل: يتوقف فيما زاد على مرة، وحديث الباب قد يُتمسك به لذلك؛ لما في سببه أن السائل قال في الحج: أكل عام؟ فلو كان مطلقه يقتضي التكرار أو عدمه، لم يحسن السؤال، ولا العناية بالجواب، وقد يقال: إنما سأل استظهارا واحتياطا. وقال المازري: يحتمل أن يقال: إن التكرار إنما احتمل من جهة أن الحج في اللغة قصد فيه تكرار، فاحتمل عند السائل التكرار من جهة اللغة، لا من صيغة الأمر. ٨ - (ومنها): أنه قد تمسك به من قال بإيجاب العمرة؛ لأن الأمر بالحج إذا كان معناه تكرار قصد البيت بحكم اللغة والاشتقاق، وقد ثبت في الإجماع أن الحج لا يجب إلا مرة، فيكون العود إليه مرة أخرى دالا على وجوب العمرة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاستدلال غير واضح، وسيأتي في "كتاب المناسك" أدلة وجوب العمرة، إن شاء الله تعالى.

стр. 69

٩ - (ومنها): أنه استُدل به على أن النبي ﷺ كان يجتهد في الأحكام؛ لقوله ﷺ : "ولو قلت: نعم لوجبت". وأجاب من منع باحتمال أن يكون أوحي إليه ذلك في الحال. ١٠ - (ومنها): أنه استُدل به على أن جميع الأشياء على الإباحة، حتى يثبت المنع من قبل الشارع. ١١ - (ومنها): أنه استُدل به على النهي عن كثرة المسائل، والتعمق في ذلك، قال البغوي في "شرح السنة": المسائل على وجهين: [أحدهما]: ما كان على وجه المّعلم لما يحتاج إليه من أمر الدين فهو جائز، بل مأمور به؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ٧]، وعلى ذلك تتنزل أسئلة الصحابة عن الأنفال، والكلالة، وغيرهما. [ثانيهما]: ما كان على وجه التعنت والتكلف، وهو المراد في هذا الحديث، والله أعلم. ويؤيده ورود الزجر في الحديث عن ذلك، وذم السلف، فعند أحمد من حديث معاوية ﵁ أن النبي ﷺ ، نهى عن الأغلوطات، قال الأوزاعي: هي شداد المسائل. وقال الأوزاعي أيضا: إن الله إذا أراد أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه المغاليط، فلقد رأيتهم أقل الناس علما. وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: المراء في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل. وقال ابن العربي: كان النهي عن السؤال في العهد النبوي؛ خشية أن ينزل ما يشق عليهم، فأما بعدُ فقد أمن ذلك، لكن أكثر النقل عن السلف بكراهة الكلام في المسائل التي لم تقع، قال: وإنه لمكروه إن لم يكن حراما إلا للعلماء، فإنهم فرعوا، ومهدوا، فنفع الله من بعدهم بذلك، ولا سيما مع ذهاب العلماء، ودروس العلم. انتهى ملخصا. وينبغي أن يكون محل الكراهة للعالم إذا شغله ذلك عما هو أَهَمُّ منه، وكان ينبغي تلخيص ما يكثر وقوعه مجردا عما يندر، ولا سيما في المختصرات؛ ليسهل تناوله. والله المستعان. قاله في "الفتح" ١٥/ ١٩٠ - ١٩٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في ذكر ما كتبه الحافظ ابن رجب ﵀ في كتابه "جامع

стр. 70

العلوم والحكم" في هذا الحديث، فقد أجاد رحمه الله تعالى البحث فيه، وأتى بالعجب العجاب من الفوائد الكثيرة، والعوائد الغزيرة، أحببت إيراده هنا؛ تكميلًا للفوائد، وتتميمًا للعوائد، قال رحمه الله تعالى- بعد أن أورد أحاديث في معنى الحديث الذي ذكره المصنّف: ما حاصله: دلت هذه الأحاديث على النهي عن السؤال عما لا يحتاج إليه، مما يسوء السائل جوابه، مثل سؤال السائل هل هو في النار أو في الجنة؟ وهل أبوه من يُنسب إليه أو غيره؟ وعلى النهي عن السؤال على وجه التعنت والعبث والاستهزاء، كما كان يفعله كثير من المنافقين وغيرهم، وقريب من ذلك سؤال الآيات، واقتراحها على وجه التعنت كما كان يسأله المشركون وأهل الكتاب. وقال عكرمة وغيره. إن الآية نزلت في ذلك، ويقرب من ذلك السؤال عما أخفاه الله عن عباده، ولم يطلعهم عليه كالسؤال عن وقت الساعة، وعن الروح. ودلت أيضا على نهي المسلمين عن السؤال عن كثير من الحلال والحرام، مما يُخشى أن يكون السؤال سببا لنزول التشديد فيه، كالسؤال عن الحج، هل يجب كل عام أم لا؟ وفي الصحيح عن سعد بن أبي وقّاص ﵁، عن النبي ﷺ - ﷺ أنه قال: "إن أعظم المسلمين في المسلمين جُرما من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته". ولما سئل النبي ﷺ - ﷺ عن اللعان كره المسائل وأعابها، حتى ابتلي السائل عنه قبل وقوعه بذلك في أهله. وكان النبي ﷺ ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، متّفق عليه. ولم يكن النبي ﷺ يرخص في المسائل، إلا للأعراب ونحوهم، من الوفود القادمين عليه، يتألفهم بذلك، فأما المهاجرون والأنصار المقيمون بالمدينة الذين رسخ الإيمان في قلوبهم فَنُهُوا عن المسألة، كما في "صحيح مسلم " عن النواس بن سمعان قال: أقمت مع رسول الله ﷺ بالمدينة سنة، ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة، كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل النبي ﷺ . وفيه أيضا عن أنس ﵁ قال: نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل، فيسأله، ونحن نسمع. وفي "المسند" عن أبي أمامة ﵁ قال: كان الله قد أنزل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا

стр. 71

عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، قال: فكنا قد كرهنا كثيرا من مسألته، واتقينا ذلك حين أنزل الله على نبيه ﷺ ، قال: فأتينا أعرابيا فرشوناه بُرْدًا، ثم قلنا له: سل النبي ﷺ ، وذكر حديثا. وفي "مسند أبي يعلى" عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما قال: إن كان لتأتي عليّ السنة أريد أن أسأل رسول الله ﷺ عن شيء فأتهيب منه وإن كنا لنتمنى الأعراب وفي مسند البزار عن ابن عباس ﵄، قال: ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد ﷺ ، ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة، كلها في القرآن ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وذكر الحديث. وقد كان أصحاب النبي ﷺ أحيانا يسألونه عن حكم حوادث، قبل وقوعها، لكن للعمل بها عند وقوعها، كما قالوا له: إنا لاقوا العدو غدا، وليس معنا مدى، أفنذبح بالقصب، وسألوه عن الأمراء الذين أخبر عنهم بعده، وعن طاعتهم وقتالهم، وسأله حذيفة عن الفتن، وما يصنع فيها. فهذا الحديث، وهو قوله ﷺ : "ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم" يدل على كراهة المسائل وذمها، ولكن بعض الناس يزعم أن ذلك كان مختصا بزمن النبي ﷺ لما يُخشى حينئذ من تحريم ما لم يحرم، أو إيجاب ما يشق القيام به، وهذا قد أمن بعد وفاته ﷺ . ولكن ليس هذا وحده هو سبب كراهة المسائل، بل له سبب آخر، وهو الذي أشار إليه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في كلامه الذي ذكرنا بقوله: "ولكن انتظروا فإذا نزل القرآن، فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه". ومعنى هذل أن جميع ما يحتاج إليه المسلمون في دينهم، لا بد أن يبينه الله في كتابه العزيز، ويبلغ ذلك رسوله ﷺ عنه، فلا حاجة بعد هذا لأحد في السؤال، فإن الله تعالى أعلم بمصالح عباده منهم، فما كان فيه هدايتهم ونفعهم، فإن الله تعالى لا بد أن يبينه لهم ابتداء من غير سؤال، كما قال تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ الآية

стр. 72

[النساء: ١٧٦]، وحينئذ فلا حاجة إلى السؤال عن شيء، ولا سيما قبل وقوعه، والحاجة إليه، وإنما الحاجة المهمة إلى فهم ما أخبر الله تعالى به ورسوله ﷺ ، ثم اتباع ذلك، والعمل به. وقد كان النبي ﷺ يسأل عن المسائل، فيحيل على القرآن، كما سأله عمر عن الكلالة، فقال: "يكفيك آية الصيف". وأشار رسول الله ﷺ في هذا الحديث إلى أن في الاشتغال بامتثال أمره، واجتناب نهيه، شغلا عن المسائل، فقال: "إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"، فالذي يتعين على المسلم الاعتناء به والاهتمام أن يبحث عما جاء عن الله تعالى ورسوله ﷺ ، ثم يجتهد في فهم ذلك، والوقوف على معانيه، ثم يشتغل بالتصديق بذلك، إن كان من الأمور العلمية، وإن كان من الأمور العملية بذل وسعه في الاجتهاد، في فعل ما يستطيعه من الأوامر، واجتناب ما ينهى عنه، فتكون همته مصروفة بالكلية إلى ذلك، لا إلى غيره، وهكذا كان حال أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين لهم بإحسان في طلب العلم النافع، من الكتاب والسنة، فأما إن كانت همة السامع مصروفة عند سماع الأمر والنهي، إلى فرض أمور قد تقع، وقد لا تقع، فإن هذا مما يدخل في النهي، ويثبط عن الجد في متابعة الأمر. وقد سأل رجل ابن عمر عن استلام الحجر، فقال له: رأيت النبي ﷺ يستلمه ويقبله، فقال له الرجل: أرأيت إن غُلبت عنه، أرأيت إن زُوحمت؟ فقال له ابن عمر: اجعل أرأيت باليمن، رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله. أخرجه الترمذي. ومراد ابن عمر أن لا يكون لك هَمٌّ إلا في الاقتداء بالنبي ﷺ ، ولا حاجة إلى فرض العجز عن ذلك، أو تعسره قبل وقوعه، فإنه يفتر العزم على التصميم عن المتابعة، فإن التفقه في الدين، والسؤال عن العلم، إنما يحمد إذا كان للعمل، لا للمراء والجدال. وقد رُوي عن علي ﵁ أنه ذكر فتنا تكون في آخر الزمان، فقال له عمر: متى ذلك

стр. 73

يا علي؟، قال: إذا تُفُقه لغير الدين، وتعلم لغير العمل، والتمست الدنيا بعمل الآخرة. وعن ابن مسعود ﵁، أنه قال: كيف بكم إذا لبستم فتنة يربو فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير، وتتخذ سنة، فإن غيرت يوما، قيل: هذا منكر، قالوا: ومتى ذلك؟ قال: إذا قلت أمناؤكم، وكثرت أمراؤكم، وقلت فقهاؤكم، وكثرت قراؤكم، وتُفُقه لغير الدين، والتمست الدنيا بعمل الآخرة. أخرجه عبد الرازق في كتابه. ولهذا المعنى كان كثير من الصحابة والتابعين، يكرهون السؤال عن الحوادث قبل وقوعها، ولا يجيبون عن ذلك، قال عمرو بن مرة: خرج عمر على الناس، فقال: أحرّج عليكم أن تسألوا عما لم يكن، فإن لنا فيما كان شغلا. وعن ابن عمر ﵄ قال: لا تسألوا عما لم يكن، فإني سمعت عمر ﵁، لعن السائل عما لم يكن. وكان زيد بن ثابت إذا سئل عن شيء يقول: كان هذا، فإن قالوا: لا، قال دَعُوه حتى يكون. وقال مسروق: سألت أبي بن كعب عن شيء؟ فقال: أكان بعدُ؟ فقلت: لا، فقال: أَجِمَّنَا يعني أرحنا حتى يكون، فإذا كان اجتهدنا لك رأينا. وقال الشعبي: سئل عمار عن مسألة، فقال: هل كان هذا بعدُ؟ قالوا: لا، قال: فدعونا حتى يكون، فإذا كان تجشمناه لكم. وعن الصلت بن راشد قال: سألت طاوسا عن شيء، فانتهرني، فقال: أكان هذا؟ قلت: نعم، قال: آلله، قلت: آلله، قال: إن أصحابنا أخبرونا عن معاذ بن جبل ﵁، أنه قال: يأيها الناس لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله، فيذهبكم ههنا وههنا، فإنكم إن لم تعجلوا بالبلاء قبل نزوله، لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سُدّد، أو قال: وُفّق، وقد خرجه أبو داود في كتاب "المراسيل" مرفوعا من طريق ابن عجلان، عن طاوس، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها، فإنكم إن لم تفعلوا، لم ينفك المسلمون أن يكون منهم من إذا قال سُدِّد ووفق، وإنكم إن عجلتم تشتت بكم السبل ههنا وههنا. ومعنى إرساله أن طاوسا لم يسمع من معاذ. وأخرجه أيضا من رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن النبي ﷺ مرسلا. ورَوَى الحجاج بن منهال، حدثنا جرير

стр. 74

ابن حازم، سمعت الزبير بن سعيد رجلا من بني هاشم، قال: سمعت أشياخنا يحدثون أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال في أمتي من إذا سئل سُدد وأُرشد، حتى يسألوا عما لا ينزل تبيينه، فإذا فعلوا ذلك ذهب بهم ههنا وههنا. وقد رَوَى الصنابحي عن معاوية، عن النبي ﷺ ، أنه نهى عن الأغلوطات. أخرجه الإمام أحمد ﵀، وفسره الأوزاعي، وقال: هي شداد المسائل. وقال عيسى بن يونس: هي ما لا يُحتاج إليه من كيف وكيف. ويُروَى من حديث ثوبان، عن النبي ﷺ قال: "سيكون قوم من أمتي يُغَلِّطون فقهاءهم بعضل المسائل، أولئك شرار أمتي". وقال الحسن: شرار عباد الله الذين يتبعون شرار المسائل، يعمون بها عباد الله. وقال الأوزاعي: إن الله إذا أراد أن يحرِم عبده بركة العلم، ألقَى على لسانه المغاليط، فلقد رأيتهم أقل الناس علما. وقال ابن وهب عن مالك: أدركت هذه البلدة، وإنهم ليكرهون الإكثار الذي فيه الناس اليوم، يريد المسائل. وقال أيضا: سمعت مالكا، وهو يعيب كثرة الكلام، وكثرة الفتيا، ثم قال: يتكلم كأنه جمل مغتلم، يقول: هو كذا، هو كذا، يهدر في كلامه. وقال: سمعت مالكا يكره الجواب في كثرة المسائل، وقال: قال الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]، فلم يأته في ذلك جواب، فكان مالك يكره المجادلة عن السنن. وقال أيضا الهيثم بن جميل: قلت لمالك: يا أبا عبد الله الوجل يكون عالما بالسنن، يجادل عنها؟ قال: لا، ولكن يخبر بالسنة، فإن قبلت منه، وإلا سكت. قال إسحاق بن عيسى: كان مالك يقول: المراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل. وقال وهب: سمعت مالكا يقول: المراء في العلم يقسي القلب، ويورث الضغن. وكان أبو شريح الإسكندراني يوما في مجلسه، فكثرت المسائل، فقال: قد درنت قلوبكم منذ اليوم، فقوموا إلى أبي حميد خالد بن حميد، صَقِّلوا قلوبكم، وتعلموا هذه الرغائب، فإنها تجدد العبادة، وتورث الزهادة، وتجر الصداقة، وأقلوا المسائل، إلا ما نزل، فإنها تقسي القلب، وتورث العداوة. وقال الميموني: سمعت أبا عبد الله ﵁ -يعني أحمد- يسأل عن مسألة، فقال: وقعت هذه

стр. 75

المسألة، بُليتم بها بعدُ. وقد انقسم الناس في هذا الباب قسمين: فمن أتباع أهل الحديث من سَدّ باب المسائل حتى قل فهمه، وعلمه لحدود ما أنزل الله على رسوله ﷺ ، وصار حامل فقه، غير فقيه. ومن فقهاء أهل الرأي من توسع في توليد المسائل، قبل وقوعها ما يقع في العادة منها وما لا يقع، واشتغلوا بتكلف الجواب عن ذلك، وكثرة الخصومات فيه، والجدال عليه، حتى يتولد من ذلك افتراق القلوب، ويستقر فيها بسببه الأهواء والشحناء، والعداوة والبغضاء، ويقتون ذلك كثيرا بنية المغالبة، وطلب العلو والمباهاة، وصرف وجوه الناس، وهذا مما ذمه العلماء الربانيون، ودلت السنة على قبحه وتحريمه، وأما فقهاء أهل الحديث العاملون به، فإن معظم همهم البحث عن معاني كتاب الله، وما يفسره من السنن الصحيحة، وكلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وعن سنة رسول الله ﷺ ، ومعرفة صحيحها وسقيمها، ثم التفقه فيها وفهمها، والوقوف على معانيها، ثم معرفة كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان، في أنواع العلوم، من التفسير والحديث، ومسائل الحلال والحرام، وأصول السنة والزهد والرقائق وغير ذلك، وهذا هو طريق الإمام أحمد، ومن وافقه من علماء الحديث الربانيين، وفي معرفة هذا شغل شاغل عن التشاغل بما أحدث من الرأي مما لا ينتفع به ولا يقع، وإنما يورث التجادل فيه كثرة الخصومات والجدال، وكثرة القيل والقال، وكان الإمام أحمد كثيرا إذا سئل عن شيء من المسائل المحدثة المتولدات التي لا تقع، يقول: دعونا من هذه المسائل المحدثة، وما أحسن ما قاله يونس بن سليمان السقطي: نظرت في الأمر فإذا هو الحديث والرأى، فوجدت في الحديث ذكر الرب وربوبيته، وإجلاله وعظمته، وذكر العرش، وصفة الجنة والنار، وذكر النبيين والمرسلين، والحلال والحرام، والحث على صلة الأرحام، وجماع الخير فيه، ونظرت في الرأي فإذا فيه المكر والغدر والحيل، وقطيعة الأرحام، وجماع الشر فيه. وقال أحمد بن شبويه: من أراد علم القبر فعليه بالآثار، ومن
следующие страницы →