(المسألة السابعة): في ذكر بعض ما جاء عن السلف في ذمّ البدعة:
ذكر الإمام الطبري رحمه الله تعالى في كتاب "آداب النفوس": حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أبان، أن رجلًا قال لابن مسعود: "ما الصراط المستقيم، قال: تركنا محمد ﷺ في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جوادّ، وعن يساره جوادّ، وثَمّ رجال يدعون من مَرَّ بهم، فمن أخذ في تلك الجوادّ انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ الآية [الأنعام: ١٥٣].
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: تعلموا العلم قبل أن يُقبَض، وقبضه أن يذهب أهله، ألا وإياكم والتنطع والتعمق والبدع، وعليكم بالعتيق. أخرجه الدارمي.
وقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ قال: البدع. قال ابن شهاب: وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ الآية [الأنعام: ١٥٩]، فالْهَرَب الْهَرَبَ، والنجاة النجاةَ، والتمسك بالطريق المستقيم، والسنن القويم، الذي سلكه السلف الصالح، وفيه المتجر الرابح. وعن أبي هريرة: قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أمرتكم به فخذوه، وما نهيتكم عنه فانتهوا". متّفق عليه.
وروى ابن ماجة وغيره عن العرباض بن سارية ﵁ قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذَرَفَت منها العيون، ووَجِلَت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فما تعهد إلينا؟ فقال قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرًا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم والأمور المحدثات، فإن كل بدعة ضلالة، وعليكم بالطاعة، وإن عبدًا حبشيا، فإنما المؤمن كالْجَمَل الأَنِفِ حيثما قيد انقاد". وأخرجه الترمذي بمعناه، وصححه.
ورَوى أبو داود قال: حدثنا ابن كثير قال: أخبرنا سفيان، قال: كتب رجلٌ إلى عمر بن عبد العزيز، يسأله عن القدر، فكتب إليه: "أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله،
стр. 597
والاقتصاد في أمره، واتباع سنة رسول الله ﷺ ، وترك ما أحدث المُحْدِثون بعدَ ما جرت به سنته، وكُفُوا مُؤْنته، فعليك بلزوم الجماعة، فإنها لك -بإذن الله- عِصْمَة، ثم اعلم أنه لم يبتدع الناس بدعةً إلا قد مضى قبلها ما هو دليلٌ عليها، أو عبرةٌ فيها، فإن السنة إنما سَنَّها من قد علم ما في خلافها من الخطإ والزَّلَلِ، والْحُمْق والتعمّق، فارضَ لنفسك ما رَضِي به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وَقَفُوا، وببصر نافذ كَفُّوا، وإنهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه أَوْلَى، فإن كان الهدى ما أنتم عليه، فقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم: إنما حَدَثَ بعدَهم، فما أحدثه إلا مَن اتّبع غير سبيلهم، ورَغِبَ بنفسه عنهم، فإنهم هم السابقون، قد تكلموا فيه بما يَكفِي، ووَصَفُوا ما يَشفِي، فما دونهم من مَقْصَر، وما فوقهم من مَحْسَر، وقد قَصَّر قوم دونهم فجَفَوا، وطَمَحَ عنهم أقوام فَغَلَوْا، وإنهم مع ذلك لَعَلَى هُدًى مستقيم.
كتبت تسأل عن الإقرار بالقدر، فعلى الخبير -بإذن الله- وقعتَ، ما أعلم ما أحدث الناس من مُحدَثة، ولا ابتدعوا من بدعة، هي أبين أثرًا، ولا أثبت أمرًا، من الإقرار بالقدر، لقد كان ذكره في الجاهلية الْجُهَلاء، يتكلمون به في كلامهم، وفي شِعْرهم، يُعَزُّون به أنفسهم على ما فاتهم، ثم لم يَزِده الإسلام بعدُ إلا شِدَّةً، ولقد ذكره رسول الله ﷺ في غير حديث ولا حديثين، وقد سمعه منه المسلمون، فتكلموا به في حياته، وبعد وفاته، يقينًا وتسليمًا لربهم، وتضعيفًا لأنفسهم أن يكون شيء لم يُحِط به علمه، ولم يُحصِه كتابه، ولم يَمضِ فيه قَدَرُه، وإنه مع ذلك لفي محكم كتابه، منه اقتبسوه، ومنه تعلموه، ولئن قلتم: لِمَ أَنزل الله آية كذا؟ لم قال كذا؟ لقد قرءوا منه ما قرأتم، وعَلِمُوا من تأويله ما جهلتم، وقالوا بعد ذلك كله بكتاب وقدر، وكُتِبت الشقاوة، وما يُقدَّر يكن، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا نملك لأنفسنا ضرا ولا نفعًا، ثم رَغِبوا بعد ذلك ورهبوا" (١).
стр. 598
وقال سهل بن عبد الله التستريّ: عليكم بالاقتداء بالأثر والسنة، فإني أخاف أنه سيأتي عن قليلٍ زمانٌ إذا ذَكَر إنسانٌ النبيَّ ﷺ والاقتداء به في جميع أحواله ذَمُّوه، ونَفَرُوا عنه، وتبرءوا منه، وأَذَلّوه، وأهانوه، قال سهل: إنما ظهرت البدعة على أيدي أهل السنة؛ لأنهم ظاهروهم، وقاولوهم، فظهرت أقاويلهم، وفَشَت في العامة، فسمعه من لم يكن يسمعه (١)، فلو تركوهم، ولم يكلموهم لمَات كل واحد منهم على ما في صدره، ولم يَظهَر منه شيء، وحمله معه إلى قبره. وقال سهل: لا يُحدِث أحدكم بدعةً حتى يُحدث له إبليس عبادةً، فيتعبد بها، ثم يُحدث له بدعة، فإذا نطق بالبدعة، ودعا الناس إليها نُزِع منه تلك الخدمة. قال سهل: لا أعلم حديثًا جاء في المبتدعة أشدّ من هذا الحديث: "حجب الله الجنة عن صاحب البدعة" (٢)، قال: فاليهودي والنصراني أرجى منهم. قال سهل: من أراد أن يُكرِم دينه، فلا يدخل على السلطان، ولا يَخلُوَنَّ بالنسوان، ولا يخاصمنّ أهل الأهواء. وقال أيضا: اتّبِعوا ولا تبتدعوا، فقد كُفيتم. وفي "مسند الدارمي" أن أبا موسى الأشعري جاء إلى عبد الله بن مسعود، فقال: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفًا شيئًا أنكرته، ولم أر -والحمد لله- إلا خيرًا، قال: فما هو؟ قال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قومًا حِلَقًا حِلَقًا جلوسًا ينتظرون الصلاة، وفي كل حَلْقة رجل، وفي أيديهم حصًى، فيقول لهم: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئًا انتظارَ رأيك، وانتظارَ أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يَعُدُّوا سيئاتهم، وضَمِنتَ لهم ألا يضيع من حسناتهم، ثم مَضَى ومضينا معه، حتى أتى حلقة من تلك الحِلَق، فوقف عليهم، فقال: ماهذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصًى نَعُدّ به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فَعُدُّوا سيئاتكم، وأنا ضامن لكم ألا
стр. 599
يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، أو مُفْتَتَحِي بابِ ضلالة، قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا خيرًا، فقال: وكم من مريد للخير لن يصيبه. وعن عمر بن عبد العزيز، وسأله رجل عن شيء من أهل الأهواء والبدع، فقال: عليك بدين الأعراب، والغلام في الْكُتّاب، والْهَ عمّا سوى ذلك. وقال الأوزاعي: قال إبليس لأوليائه: من أيّ شيء تأتون بني آدم؟ فقالوا: من كل شيء، قال: فهل تأتونهم من قِبَل الاستغفار، قالوا: هيهات ذلك شيء قُرِن بالتوحيد، قال: لأَبُثَّنّ فيهم شيئًا لا يستغفرون الله منه، قال: فَبَثَّ فيهم الأهواء. وقال مجاهد: ولا أدري أَيُّ النعمتين علي أعظم؟: أن هداني للإسلام، أو عافاني من هذه الأهواء. وقال الشعبيّ: إنما سُمُّوا أصحاب الأهواء؛ لأنهم يَهْوُون في النار. كله عن الدارمي.
وسئل سهل بن عبد الله عن الصلاة خلف المعتزلة، والنكاح منهم وتزويجهم، فقال: لا ولا كرامة، هم كُفّار كيف يؤمن مَن يقول: القرآن مخلوق، ولا جنة مخلوقة، ولا نار مخلوقة، ولا لله صراط ولا شفاعة، ولا أحد من المؤمنين يدخل النار، ولا يخرج من النار من مذنبي أمة محمد ﷺ ، ولا عذاب القبر، ولا منكر ولا نكير، ولا رؤية لربنا في الآخرة، ولا زيادة، وأن علم الله مخلوق، ولا يرون السلطان ولا جمعة، ويُكَفِّرون من يؤمن بهذا. وقال الفضيل بن عياض: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه.
وقال سفيان الثوري: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يُتاب منها، والبدعة لا يتاب منها. وقال ابن عباس: النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنة، ويَنهَى عن البدعة عبادةٌ. وقال أبو العالية: عليكم بالأمر الأَوَّل الذي كانوا عليه قبل أن يتفرقوا، قال عاصم الأحول: فحدثتُ به الحسن، فقال: قد نصحك والله وصدقك.
وقد قال بعض العلماء العارفين في قوله ﷺ : "تفرقت بنو إسرائيل عن ثنتين وسبعين فرقة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ... " الحديث:
стр. 600
هذه الفرقة التي زادت في فرقة أمة محمد ﷺ هم قوم يُعادون العلماء، ويُبغضون الفقهاء، ولم يكن ذلك قط في الأمم السالفة. وقد رَوَى رافع بن خديج أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "يكون في أمتي قوم يَكفُرون بالله وبالقرآن، وهم لا يشعرون، كما كفرت اليهود والنصارى"، قال: فقلت -جُعِلتُ فداك با رسول الله-: "كيف ذاك؟ قال: يُقِرُّون ببعض، ويكفرون ببعض"، قال: قلت -جُعلتُ فداك يا رسول الله-: وكيف يقولون؟ قال: "يجعلون إبليس عَدلًا لله في خلقه وقوته ورزقه، ويقولون: الخير من الله، والشر من إبليس" -قال-: "فيكفرون بالله، ثم يقرءون على ذلك كتابَ الله، فيكفرون بالقرآن بعد الإيمان والمعرفة"، قال: "فما تَلقَى منهم من العداوة والبغضاء والجدال، أولئك زنادقة هذه الأمة ... " وذكر الحديث.
وقد نهى الله عن مجالسة أهل البِدَع والأهواء، وأن من جالسهم حكمه حكمهم، فقال : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا﴾ الآية [الأنعام: ٦٨]، ثم بَيّن في "سورة النساء"، وهي مدنية عقوبةَ مَن فَعَل ذلك، وخالف، ما أمر الله به فقال: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ في الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ الآية [االنساء: ١٤٠]، فألحق من جالسهم بهم، وقد ذهب إلى هذا جماعة من أئمة هذه الأمة، وحكم بموجب هذه الآيات، في مجالس أهل البِدَع على المعاشرة والمخالطة، منهم: أحمد بن حنبل، والأوزاعي، وابن المبارك، فإنهم قالوا في رجل شأنه مجالسة أهل البدع، قالوا: يُنهَى عن مجالستهم، فإن انتهى وإلا أُلحق بهم، يعنون في الحكم. وقد حمل عمر بن عبد العزيز الحدّ على مجالس شَرَبةِ الخمر، وتلا: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، قيل له: فإنه يقول: إني أجالسهم لأباينهم، وأرُدّ عليهم، قال: يُنهَى عن مجالستهم، فإن لم ينته أُلحق بهم. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 601
[تنبيه]: من أسباب ظهور البدع: اتباعُ الهوى، وقلّةُ العلم بالأدلة الشرعية، واتباعُ الآباء والمشايخ، واتباعُ المذاهب والطائفة، وأخذ أهل السلطة بها، أو سكوتهم عنها، وكون المبتدع من ذوي الفصاحة والبيان، واحتفاء المبتدعة ببعضهم، وتعاونهم فيما بينهم (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال:
٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ الْمَدنِيُّ أَبو عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ ابْنِ أَبِي كثيرٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ ، قَالَ: "إِنَّمَا هُمَا اثْنَتَانِ: الْكَلَامُ، وَالْهَدْيُ، فَأَحْسَنُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّه، وَأَحْسَنُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، أَلا وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدِثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ شَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، أَلا لَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الأَمَدُ، فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ، أَلا إِنَّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ، وَإِنَّمَا الْبَعِيدُ مَا لَيْسَ بِآتٍ، أَلا أَنَّمَا الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، أَلا إِنَّ قِتَالَ الْمُؤْمِنِ كُفْرٌ، وَسِبَابهُ فُسُوقٌ، وَلَا يَحِلُّ لمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، أَلا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ لَا يَصْلُحُ بِالجدِّ، وَلَا بِالْهَزْلِ، وَلَا يَعِدُ الرَّجُلُ صَبِيَّهُ، ثُمَّ لَا يَفِي لَهُ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارَ، وَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِن الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الجنَّةِ، وَإِنَّهُ يُقَالُ لِلصَّادِقِ: صَدَقَ وَبَرَّ، وَيُقَالُ لِلْكَاذِبِ: كَذَبَ وَفَجَرَ، أَلَا وَإِنَّ الْعَبْدَ يَكْذِبُ حَتَى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ الْمَدنِيُّ أَبو عُبَيْدٍ) المدنيّ التَّبَّان -بفتح المثنّاة، وتشديد الموحّدة- التيميّ مولاهم، يقال: مولى ابن جُدْعان، صدوقٌ يُخطئ [١٠].
стр. 602
رَوَى عن أبيه، وعيسى بن يونس، والداروردي، ومسكين بن بكير، ومحمد بن سلمة الْحَرّانيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاري، وابن ماجه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن عبد الله الحضرميّ، وأبو إسماعيل الترمذي، وغيرهم.
قال أبو حاتم: شيخ. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ. وفي "الزهرة": روى عنه البخاريّ ثلاثة عشر حديثًا. انتهى. وروى عنه المصنّف في هذا الكتاب (٦) أحاديث فقط برقم ٤٥ و١٠٢ و٦٩٨ و١٣٥١ و١٤٨٦ و٢٥٩٥.
٢ - (أَبوه) عُبيد بن ميمون القرشيّ التيميّ مولاهم، أبو عبّاد المدنيّ المقرىء، مولى هارون بن زيد بن المهاجر بن قُنْفُذ، مستورٌ [٧].
رَوَى عن محمد بن جعفر بن أبي كثير، ومحمد بن هلال، ونافع بن أبي نعيم القاريء، ورَوَى عنه ابنه محمد، وإبراهيم بن محمد بن إسحاق المدني، قال أبو حاتم: مجهول. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يروي المقاطيع، قال: مات سنة أربع ومائتين. تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم ٤٥ و ١٣٥١.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) الأنصاريّ الزُّرَقيّ مولاهم المدنيّ، أخو إسماعيل، وهو الأكبر، ثقة [٧].
روى عن زيد بن أسلم، وحميد الطويل، وإبراهيم، وموسى ابني عقبة، وهشام ابن عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعمرو بن أبي عمرو، وجماعة.
وروى عنه عبد الله بن نافع الصائغ، وزياد بن يونس، وسعيد بن أبي مريم، وعبد العزيز بن عبد الله الأويسي، وعبيد بن ميمون، وجماعة.
قال الدوري عن ابن معين: ثقة. وقال ابن المديني: معروف. وقال النسائي: صالح، وقال أيضًا: مستقيم الحديث. وقال العجلي: مدني ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم ٤٥ و١٣٥١.
стр. 603
٤ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش -بتحتانيّة ومعجمة- الأسديّ مولى آل الزبير، ويقال: مولى أم خالد بنمت سعيد بن العاص، زوج الزبير، ثقة فقيه، إمام في المغازي [٥].
أدرك ابن عمر وغيره، ورَوَى عن أم خالد، ولها صحبة، وجدّه لأمه أبي حَبِيبة مولى الزبير، وحمزة وسالم ابني عبد الله بن عمر، وسالم أبي الغيث، والأعرج، ونافع بن جبير بن مُطعم، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، ونافع مولى ابن عمر، وكريب، وعكرمة، وغيرهم.
ورَوى عنه ابن أخيه إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، وبكير بن الأشجّ، وهو من أقرانه، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، ومالك، ومحمد وإسماعيل ابنا جعفر، ووهيب بن خالد، والسفيانان، وسليمان بن بلال، وابن جريج، والداروردي، وجماعة.
قال ابن سعد: كان ثقة ثبتا كثير الحديث. وقال في موضع آخر: كان ثقة قليل الحديث. وقال إبراهيم بن المنذر عن مَعْن بن عيسى: كان مالك يقول: عليكم بمغازي موسى بن عقبة، فإنه ثقة. وفي رواية أخرى عنه: عليكم بمغازي الرجل الصالح، موسى بن عقبة، فإنها أصح المغازي. وفي رواية: فإنه رجل ثقة، طلبها على كِبَر السن، ولم يُكَثِّر كما كَثَّر غيره. وفي رواية: من كان في كتاب موسى قد شَهِد بدرًا فقد شهدها، ومن لم يكن فيه فلم يشهدها.
وقال إبراهيم بن المنذر أيضًا عن محمد بن طلحة بن الطويل قال: ولم يكن بالمدينة أعلم بالمغازي منه، قال: كان شُرَحبيل أبو سَعْد عالما بالمغازي، فاتهموه أنه يُدخِل فيهم من لم يَشهَد بدرًا، وفيمن قُتل يوم أحد من لم يكن منهم، وكان قد احتاج فسقط عند الناس، فسَمِع بذلك موسى بن عقبة، فقال: وإن الناس قد اجترؤوا على هذا، فَدَبّ على كِبَر السنّ، وقَيَّد من شهد بدرًا، وأُحُدًا، ومن هاجر إلى الحبشة والمدينة، وكَتَب ذلك. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: كان ابن معين يقول: كتاب موسى بن عقبة عن الزهري من أصح هذه الكتب. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة، وكذا قال الدُّوري
стр. 604
وغير واحد عن ابن معين. وكذا قال العجلي والنسائي.
وقال المفضل الغَلّابي عن ابن معين: ثقة، كانوا يقولون في روايته عن نافع شيء. قال: وسمعت ابن معين يضعفه بعض شيء. وقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: ليس موسى بن عقبة في نافع مثل مالك، وعبيد الله بن عمر. وقال الواقدي: كان لإبراهيم وموسى ومحمد بني عقبة حلقة في مسجد رسول الله ﷺ وكانوا كلهم فقهاء ومحدثين، وكان موسى يُفتي. وقال مصعب الزبيري: كان لهم هيئة وعلم. وقال الدوري عن ابن معين: أقدمهم محمد، ثم إبراهيم، ثم موسى، وكان موسى أكثرهم حديثًا. وقال أبو حاتم: ثقة صالح. وروى ابن أبي خيثمة عن موسى أنه قال: لم أُدرك أحدا يقول قال النبي ﷺ إلا أم خالد. قال: وقال مَخْلَد بن الحسين: سمعت موسى بن عقبة، وقيل له: رأيت أحدًا من الصحابة؟ قال: حججت وابن عمر بمكة، عام حج نَجْدَة الْحَرُوريّ، ورأيت سهل بن سعد متخطيًا عليّ، فتوكأ على المنبر فسارّ الإمامَ بشيء. وقال إبراهيم بن طهمان: ثنا موسى بن عقبة، وكان من الثقات. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة إحدى، وقيل: سنة خمس. وقال عمرو ابن عليّ عن يحيى القطان: مات قبل أن نَدْخُل المدينة بسنة، سنةَ إحدى وأربعين ومائة، وفيها أرخه جماعة. وقال نوح بن حبيب: مات سنة اثنتين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا.
٥ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عبيد ويقال: علي، ويقال: ابن أبي شَعِيرة الْهَمْدانيّ السَّبِيعيّ -بفتح المهملة، وكسر الموحّدة- والسَّبِيع من هَمْدَان، ثقة عابدٌ مكثرٌ، اختلط بآخره، ويدلّس [٣].
وُلِد لسنتين من خلافة عثمان، قاله شريك عنه. رَوَى عن علي بن أبي طالب، والمغيرة بن شعبة، وقد رآهما، وقيل: لم يسمع منهما، وعن سليمان بن صُرَد، وزيد بن أرقم، والبراء ابن عازب، وجابر بن سَمُرة، وحارثة بن وهب الْخُزاعيّ، وحُبَيش بن جُنَادة، وذي الْجَوْشن، وعبد الله بن يزيد الْخَطْمي، وغيرهم.
стр. 605
ورَوَى عنه ابنه يونس، وابن ابنه إسرائيل بن يونس، وابن ابنه الآخر يوسف بن إسحاق، وقتادة، وسليمان التيمي، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وفِطْر بن خليفه، وجرير بن حازم، ومحمد بن عجلان، وشعبة، ومسعر، والثوري، وهو أثبت الناس فيه، وزهير بن معاوية، وزائدة بن قُدامة، وزكرياء بن أبي زائدة، وجماعة.
قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: أيما أحب إليك أبو إسحاق أو السُّدّي؟ فقال: أبو إسحاق ثقة، ولكن هؤلاء الذين حملوا عنه بأَخَرة. وقال ابن معين والنسائي: ثقة. وقال ابن المديني: أحصينا مشيخته نحوا من ثلاثمائة شيخ، وقال مرة: أربعمائة. وقد روى عن سبعين أو ثمانين لم يرو عنهم غيره. وقال العجليّ: كوفي تابعيّ ثقة، والشعبي أكبر منه بسنتين، ولم يسمع أبو إسحاق من علقمة، ولم يسمع من حارث الأعور إلا أربعة أحاديث، والباقي كتاب. وقال أبو حاتم: ثقة، وهو أحفظ من أبي إسحاق الشيباني، وشِبْهُ الزهريِّ في كثرة الرواية، واتساعه في الرجال. وقال له رجل: إن شعبة يقول: إنك لم تسمع من علقمة، قال: صدق.
وقال أبو داود الطيالسيّ: قال رجل لشعبة: سمع أبو إسحاق من مجاهد؟ قال: ما كان يصنع بمجاهد؟ كان هو أحسن حديثا من مجاهد، ومن الحسن، وابن سيرين. وعن الأعمش قال: كان أصحاب عبد الله إذا رأوا أبا إسحاق قالوا: هذا عمرو القارىء. وقال له عون بن عبد الله: ما بَقِي منك؟ قال: أصلي البقرة في ركعة، قال ذهب شَرُّك، وبقي خيرك. وعن أبي بكر بن عياش قال: قال أبو إسحاق: ذهبت الصلاة مني، وضَعُفتُ، فما أُصلِّي إلا بالبقرة وآل عمران. وقال العلاء بن سالم: كان الأعمش يتعجب من حفظ أبي إسحاق لرجاله الذين يروي عنهم. وقال حفص بن غياث عن الأعمش: كنت إذا خَلَوتُ بأبي إسحاق جئنا بحديث عبد الله غَضًّا. وقال ابن حبان في "كتاب الثقات": كان أبو إسحاق مُدَلِّسًا. وكذا ذكره في المدلسين حسين الكرابيسي، وأبو جعفر الطبري. وقال ابن المديني في "العلل": قال شعبة: سمعت أبا إسحاق يُحدِّث عن الحارث بن الأَزْمع بحديث، فقلت له: سمعت منه؟ فقال: حدثني
стр. 606
به مجُالد عن الشعبي عنه.
قال شعبة: وكان أبو إسحاق إذا أخبرني عن رجل قلت، له: هذا أكبر منك؟ فإن قال: نعم علمت أنه لَقِي، وإن قال: أنا أكبر منه تركته. وقال أبو إسحاق الجوزجاني: كان قوم من أهل الكوفة لا تُحمَد مذاهبهم -يعني التشيع- هم رؤوس محدثي الكوفة، مثل أبي إسحاق، والأعمش، ومنصور، وزُبيد، وغيرهم من أقرانه، احتملهم الناس على صدق ألسنتهم في الحديث، ووُقِّفُوا عندما أرسلوا لمّا خافوا أن لا تكون مخارجها صحيحة، فأما أبو إسحاق فروى عن قوم لا يُعرَفون، ولم ينتشر عنهم عند أهل العلم إلا ما حَكَى أبو إسحاق عنهم، فإذا رَوَى تلك الأشياء عنهم كان التوقيف في ذلك عندي الصواب. وحدثنا إسحاق، ثنا جرير، عن مَعْن قال: أفسد حديث أهل الكوفة الأعمش وأبو إسحاق -يعني للتدليس-.
قال يحيى بن معين: سمع منه ابن عيينة بعدما تغير. قال الحافظ: ووجدت في "التاريخ المظفري" أن يوسف بن عمر لمّا وَلِي الكوفة، أخرج بنو أبي إسحاق أبا إسحاق على بِرْذَون ليأخذ صِلَةَ يوسف، فأُخِذَت، وهو راكب، فرجعوا به، ومات يوم دخول الضحاك الخارجي الكوفة. وقال ابن حبّان في "الثقات": وُلد أبو إسحاق، سنة (٢٩)، ويقال: سنة (٣٢). وقال أبو بكر بن عياش: مات أبو إسحاق، وهو ابن مائة سنة أو نحوها.
وقال الحميدي عن سفيان: مات سنة ست وعشرين ومائة. وقال أحمد عن يحيى ابن سعيد: مات سنة سبع، وكذا قال غير واحد. وقال أبو نعيم: مات سنة (٨). وقال عمرو بن علي: مات سنة (٢٩). وقال أبو بكر بن أبي شيبة: مات وهو ابن (٩٦). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠٦) أحاديث.
٦ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) عوف بن مالك بن نَضْلَة -بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة- الْجُشَميّ -بضم الجيم، وفتح المعجمة- من بني جُشم بن معاوية بن بَكْر بن هَوَازن، الكوفيّ، مشهورٌ بكنيته، ثقة [٣].
رَوَى عن أبيه، وله صحبةٌ، وعن علي، وقيل: إنه لم يسمع منه، وابن مسعود،
стр. 607
وأبي مسعود الأنصاري، وأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة، وعروة بن المغيرة بن شعبة، ومسروق بن الأجدع، ومسلم بن يزيد، وغيرهم. ورَوَى عنه بن أخيه أبو الزَّعْرَاء الجُشَميّ، وأبو إسحاق السبيعي، ومالك بن الحارث السُّلَميّ، وعبد الله بن مُرّة، وغيرهم.
قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: قتلته الخوارج أيام الحجاج بن يوسف. وقال ابن سعد: روى عن حُذيفة، وزيد ابن صُوحان، قال: وكان ثقة، له أحاديث. أنا عفان، أنا حماد بن زيد، أنا عاصم قال: كنا نأتي أبا عبد الرحمن السُّلَميَّ، فكان يقول لنا: لا تجالسوا الْقُصّاص غير أبي الأحوص. وقال النسائي في "الكنى": كوفي ثقة. أخبرنا أحمد بن سليمان، ثنا يحيى بن آدم، ثنا أبو بكر بن عياش، سمعت أبا إسحاق يقول: خرج أبو الأحوص إلى الخوارج، فقاتلهم فقتلوه. وذكر الخطيب في "تاريخه" أنه شهد مع علي قتال الخوارج بالنَّهْروان.
قال الحافظ: فإن ثبت ذلك فلا يُدفَع سماعه منه، انتهى (١).
أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا.
٧ - (عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْعُودٍ) الصحابي الشهير ﵁ تقدّم في ٢/ ١٩، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ ، قَالَ: "إِنَّمَا هُمَا اثْنَتَانِ) قال العلامة السنديّ رحمه الله تعالى: ضمير "هما" مبهمٌ مفسَّر بالكلام والهدي: أي إنما الكتاب والسنة اللذان وقع التكليف بهما اثنتان، لا ثالث معهما حتى يَثقُل عليكم الأمر، ويتفرّقَ، وفائدةُ الإخبار نفي أن يكون معهما ثالثٌ لما ذكرنا. ويحتمل أن يكون المقصود النهي عن ضمّ المحدثات إليهما، كأنه قيل: المقصود بقاؤهما اثنتين ويحتمل أن يكون
стр. 608
ضمير "هما" لما وقع به التكليف مع قطع النظر عن العدد، وإنما ثُنّي نظرًا إلى كون ذلك في الواقع اثنتين، فحصلت الفائدة في الإخبار باسم العدد، وهذا مثل ما قالوا في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾ الآية [النساء: ١٧٦]. ويحتمل أن يقال: "اثنتان" تمهيد لما هو الخبر، والخبر في الواقع ما هو المبدل من "اثنتان"، وهما الكلام والهدي، وعلى الوجوه تأنيث "اثنتان" نظرًا إلى أنهما حُجّتان. انتهى كلام السنديّ (١).
(الْكَلَامُ) بالرفع على البدليّة، أو على خبر لمحذف: أي أحدهما الكلام والهدي، ويحتمل النصب على أنه مفعول لفعل مقدّر: أي أعني الكلامَ وَالْهَدْيَ.
(فَأَحْسَنُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ) الفاء فصيحيّة: أي إذا عرفت أن الأمر لا يتعديّ اثنتين، وأردت تفصيلهما فأقول لك: أحسن الكلام كلام الله ، وهو معنى قوله : ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ الآية [الزمر: ٢٣] (وَأَحْسَنُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ) ﷺ ، وقد سبق قريبًا أن "الهدي" ضُبط بوجهين: بفتح، فسكون آخره ياء، أو بضم، ففتح مقصورًا، و (أَلا) أداة استفتاح، وتنبيه على تأكيد مضمون الكلام عند المتكلّم (٢) (وَإِيَّاكُم وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ) من إضافة الصفة إلى الموصوف: أي الأمور المحدثة (فَإِنَّ) الفاء للتعليل: أي لأن (شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا) هو بتقدير "من" التبعيضيّة: أي إنها من شرّ الأمور، وإلا فإن بعض الأمور مثلُ الشرك شرّ من كثير من المحدثات (وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) تقدم شرح هاتين الجملتين (أَلا لا) ناهية (يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الْأَمَدُ) أي الأجل، أي لا يُلقِيَنَّ الشيطان في قلوبكم طول البقاء، فتقسو قلوبكم. وفي بعض النسخ "الأمل"، وطوله تابع لطول الأجل، وفي طولهما، ونسيان الموت تأثير يتبع في قسوة القلوب. وقوله: (فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ) بالنصب على أنه جواب النهي، كما قال في "الخلاصة":
стр. 609
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْي أَوْ طَلَبْ ... مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
(أَلَا إِنَّ مَا) بكسر همزة "إنّ"؛ لوقوعها بعد "ألا" الاستفتاحيّة التي تدخل على الجملة المستأنفة، كما قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣]، و"ما" موصولة مبتدأٌ: أي إن الذي (هُوَ آتٍ قَرِيبٌ) هذا فيه تعليم، وإرشاد لما ينتفع به طويل الأمد (وَإِنَّمَا الْبَعِيدُ مَا لَيْسَ بِآتٍ) أي إن الأمر الذي لا يأتي هو البعيد (أَلا إِنَّمَا الشَّقِيُّ) -بفتح، فكسر- فعيلٌ بمعنى فاعل، من شَقي يَشقَى من باب رَضِي شَقَا بالفتح: ضدّ سَعِدَ، والاسم الشِّقْوة بالكسر، والشَّقَاوة بالفتح (مَنْ شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ) أي من كُتب عليه أنه شقيّ حينما كان حملًا في بطن أمه، يعني أن الشقيّ الكامل هو شقيّ الآخرة، وهو من كُتب عليه الشقاء، قبل أن يولد، وأما الشقاء الدنْيويّ فأمره هيّنٌ، وهو بمعنى حديث ابن مسعود ﵁ الآخر المتّفق عليه الآتي للمصنّف برقم (٧٦) قال: حدثنا رسول الله ﷺ ، وهو الصادق المصدوق قال: "إن أحدكم يُجمَع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا فيُؤمَر بأربع: برزقه، وأجله، وشقي أو سعيد ... " الحديث. وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه -إن شاء الله تعالى-.
وقال السنديّ ﵀: قوله: "ألا إنما الشقيّ الخ" أي فعليكم بالتفكّر في ذلك، والبكاء له، وكيف القسوة والضحك مع سبق التقدير في النهاية. والمعنى أن ما قدّر الله تعالى عليه في أصل خلقته أن يكون شقيّا فهو الشقيّ في الحقيقة، لا من عَرَضَ له الشقاء بعد ذلك، وهو إشارة على شقاء الآخرة، لا شقاء الدنيا. انتهى (١).
(وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ) ببناء الفعل للمفعول: أي من وفّقه الله تعالى للاتّعاظ فرأى ما جرى على غيره بسبب المعاصي من العقاب، فتركه خوفًا من أن يناله مثل ما نال غيره.
(أَلَا إِنَّ قِتَالَ الْمُؤْمِنِ كُفْرٌ) قيل: أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير، معتمِدًا على ما تقرّر من القواعد أن مثل ذلك لا يُخرج عن الملَّة، مثل حديث الشفاعة، ومثل قوله
стр. 610
تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [النساء: ٤٨]، وقيل: أطلق عليه الكفر؛ لشبهه به؛ لأن قتال المؤمن من شأن الكافر. وقيل: المراد الكفر اللغويّ، وهو التغطية؛ لأن حقّ المسلم على المسلم أن يُعينه وينصره، ويكفّ عنه أذاه، فلما قاتله كان كأنه غطّى على هذا الحقّ. وسيأتي تمام البحث فيه عند شرح حديث رقم (٦٨) -إن شاء الله تعالى-.
(وَسِبَابُه فُسُوقٌ) يحتمل أن يكون بنصب "سبابه" عطفًا على اسم "إن"، وفسوق عطف على خبرها، ورفع الأول أيضًا عطفا على محلّ اسم "إن"، ويحتمل أن يكون مبتدأ وخبرًا، وإلى ما ذُكر أشار في "الخلاصة" بقوله:
وَجَائِزٌ رَفْعُكَ مَعْطُوفًا عَلَى ... مَنْصُوبِ "إنَّ" بَعْدَ أَنْ تَسْتكْمِلَا
و"السباب" -بكسر السين المهملة، وتخفيف الموحّدة-: وهو السبّ، وقيل: السباب أشدّ من السبّ، إذ هو أن يقول في الرجل ما فيه، وما ليس فيه، يريد بذلك عيبه.
و"الفسوق" -بالضمّ- في اللغة الخروج، وفي الشرع الخروج عن طاعة الله ورسوله ﷺ ، وهو في عرف الشرع أشدّ من العصيان، قال الله : ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ الآية [الحجرات: ٧].
(وَلَا يَحِلُّ) بكسر الحاء المهملة، من باب ضرب (لمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ) بضم الجيم، من باب نصر (أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ): أي فوق ثلاث ليال، وظاهره إباحة ذلك في الثلاث، وهو من الرفق؛ لأن الآدميّ في طبعه الغضب، وسوء الخلق، ونحو ذلك، والغالب أن يزول، أو يَقِلَّ في الثلاث.
قال النووي: قال العلماء: تحرم الهجرة بين المسلمين أكثر من ثلاث ليال بالنص، وتُباح في الثلاث بالمفهوم، وإنما عُفِي عنه في ذلك؛ لأن الآدمي مجبول على الغضب، فسومح بذلك القدر؛ ليرجع ويزول ذلك العارض.
وقال أبو العباس القرطبي: المعتبر ثلاث ليال، حتى لو بدأ بالهجرة في أثناء النهار
стр. 611
أُلغي البعض، وتُعتبر ليلة ذلك اليوم، وينقضي العفو بانقضاء الليلة الثالثة.
قال الحافظ: وفي الجزم باعتبار الليالي دون الأيام جمود، فقد أخرج البخاريّ من حديث أنس بن مالك ﵁ بلفظ: "ولا يحلُ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام"، فالمعتمد أن المرخص فيه ثلاثة أيام بلياليها، فحيث أُطلقت الليالي أريد بأيامها، وحيث أطلقت الأيام أريد بلياليها، ويكون الاعتبار مُضِيُّ ثلاثة أيام بلياليها، مُلَفّقةً إذا ابتدئت مثلًا من الظهر يوم السبت كان آخرها الظهر يوم الثلاثاء. ويَحتَمِل أن يُلغَى الكسرُ، ويكون أول العدد من ابتداء اليوم أو الليلة، والأول أحوط.
(أَلَا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ) -بفتح الكاف، وكسر الذال المعجمة، مصدر كَذَبَ يكذِبُ من باب ضرب، ويجوز التخفيف بكسر الكاف، وسكون الذال (١)، وهو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، سواء فيه العمدُ والخطأُ، ولا واسطة بين الصدق والكَذِب على مذهب أهل السنّة، والإثم يَتْبَع العمد. قاله الفيّوميّ.
(فَإِنَّ الْكَذِبَ) الفاء للتعليل: أي لأن الكذب (لَا يَصْلُحُ) بضم اللام، من بابي نصر وكرُم، ويجوز فتحها، من باب فتح: أي لا يحلّ، أو لا يوافق شأن المؤمن (بِالْجِدِّ) أي بطريق الجدّ وهو -بكسر الجيم- اسم من جَدَّ في كلامه جَدّا بالفتح، من باب ضَرَب: ضدّ هَزَلَ (٢) (وَلَا بِالْهَزْلِ) بفتح، فسكون، مصدر هزل في كلامه، من باب
стр. 612
ضرب: إذا مَزَحَ، يعني أن الكذب لا يجوز في حال الجدّ ولا في حال الهزل، إلا فيما استثناه الشارع، وسيأتي بيانها في المسألة الخامسة -إن شاء الله تعالى-.
(وَلَا يَعِدُ) بكسر العين المهملة مضارع وَعَدَ، ثم يحتمل أن تكون "لا" نافيةً، والفعل بعدها مرفوع، والمراد من النفي النهي، ويحتمل أن تكون ناهيةً، والفعل بعدها مجزم كُسِر للالتقاء الساكنين، وقوله: (الرَّجُلُ) مرفوع على الفاعليّة، وقوله: (صَبِيَّهُ) -أي ولده الصغير- منصوب على المفعولية. وقوله: (ثُمَّ لَا يَفِي لَهُ) مرفوعٌ عطفًا على "لا يَعِدُ"، أو على الاستئناف، ويحتمل نصبه إجراء لـ"ثُمَّ" مجُرى الواو كما هو مذهب الكوفيين، فهو منصوب بـ "أن" مضمرة وجوبًا بعد العاطف الواقع في جواب النفي المحض، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ "فَا" جَوَابِ نَفْي أَوْ طَلَبْ ... مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
والمعنى أنه لا يجوز للرجل أن يَعِدَ الصغيرَ بأن يفعل له شيئًا، ثم لا يفي له بذلك، كأن تقول الأمّ، أو الأب لولدهما الصغير إذا بكا: سأذهب الآن إلى السوق، وأشتري لك الحلواء، ولا يفي بذلك، هذا هو المفهوم من الحديث.
(وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي) بفتح أوله، من الهداية، وهي الدلالة الموصلة إلى المطلوب (إِلَى الْفُجُورِ) بالضمّ مصدر فَجَر يفجُر من باب قعد، يقال: فجر العبد فُجُورًا: إذا فسق، وزنى، وفَجَر الحالف فُجوارًا: إذا كذب. قاله الفيّوميّ (١).
وقال الراغب الأصفهانيّ: أصل الفجر: الشقّ، فالفجور شَقُّ سَتْر الديانة، ويُطلق على الميل إلى الفساد، وعلى الانبعاث في المعاصي، وهو اسم جامع للشرّ. انتهى بتصرّف (٢).
وقال السنديّ: قيل: لعلّ الكذب بخاصيّته يُفضي بالإنسان إلى القبائح،
стр. 613
والصدق بخلافه. ويحتمل أن يكون المراد بالفجور هو نفس ذلك الكذب، وكذلك البرّ نفس ذلك الصدق، والهداية إليه باعتبار الغايرة الاعتباريّة في المفهوم والعنوان، كما يقال: العلم يؤدّي إلى الكمال، وإليه يشير آخر الحديث. انتهى (١) (وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ) أي يوصل إليها، ومصداق هذا في كتاب الله تعالى قوله : ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤].
(وَإِنَّ الصِّدْقَ) -بكسر، فسكون-: خلاف الكذب. قال الراغب الأصفهانيّ: الصدق والكذب أصلهما في القول، ماضيا كان أو مستقبلًا، وعدًا كان أو غيره، ولا يكونان بالقصد الأول إلا في القول، ولا يكونان في القول إلا في الخبر دون غيره من أصناف الكلام، وقد يكونان بالْعَرَض في غيره من أنواع الكلام، كالاستفهام، والأمر، والدعاء، وذلك نحو قول القائل: أزيد في الدار؟ فإن في ضمنه إخبارًا بكونه جاهلًا بحال زيد، وكذا إذا قال: واسني في ضمنه أنه محتاج إلى المواساة، وإذا قال: لا تؤذني ففي ضمنه أنه يؤذيه. والصدق: مطابقة القول الضميرَ والمُخْبَرَ عنه معًا، ومتى انخرم شرط من ذلك لم يكن صدقًا، بل إما أن لا يوصف بالصدق، وإما أن يوصف تارة بالصدق، وتارة بالكذب على نظرين مختلفين، كقول الكافر: من غير اعتقاد: محمد رسول الله، فإن هذا يصحّ أن يقال: صدقٌ لكون المُخْبَر عنه كذلك، ويصحّ أن يقال: كَذِبٌ لمخالفة قوله ضميره، وبالوجه الثاني إكذابُ الله تعالى المنافقين حيث قالوا: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ الآية [المنافقون: ١].
والصِّديق من كَثُر منه الصدق. وقيل: بل يقال لمن لا يكذب قطّ لتعوّده الصدق. وقيل: لمن لا يتأتّى منه الكذب لتعوّده الصدق. وقيل: بل لمن صَدَقَ بقوله واعتقاده، وحَقَّقَ صدقه بفعله.
стр. 614
وقد يستعمل الصدق والكذب في كل ما يَحِقُّ ويَحْصُل في الاعتقاد، نحو صَدَقَ ظَنِّي، ويُستعملان في أفعال الجوارج، فيقال: صَدَقَ في القتال إذا وفّى حقّه، وفعلَ ما يجب كما يجبُ، وكَذَبَ في القتال إذا كان بخلاف ذلك، قال الله : ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٣]: أي حقّقوا العهد بما أظهروه من أفعالهم، وقال : ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٨]: أي يسأل من صدق بلسانه عن صدق فعله تنبيهًا أنه لا يكفي الاعتراف بالحقّ دون تحرّيه بالفعل، وقال : ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ الآية [الفتح: ٢٧]: فهذا صدق بالفعل، وهو التحقيق: أي حقَّقَ رؤيته، وعلى ذلك قوله : ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣]: أي حقّق ما أورده قولًا بما تحرّاه فعلًا.
ويُعبّر عن كلّ فعل فاضل ظاهرًا وباطنًا بالصدق، فيُضاف إليه ذلك الفعل الذي يوصف به، نحو قوله : ﴿في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، وعلى هذا قوله : ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ الآية [يونس: ٢]، وقوله : ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ الآية [الإسراء: ٨٠]، وقوله : ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ في الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، فإن ذلك سؤال أن يجعله الله تعالى صالحًا، بحيث إذا أثنى عليه مَنْ بَعدَهُ لم يكن ذلك الثناء كذبًا، بل يكون كما قال الشاعر [من الطويل]:
إِذَا نَحْنُ أثنَيْنَا عَلَيْكَ بِصَالِح ... فَأَنْتَ الَّذِي نُثْنِي وَفَوْقَ الَّذِي نُثْنِي
انتهى المقصود من كلام الراغب (١).
(يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ) -بكسر الموحّدة-: أصله التوسّع في فعل الخير، وهو اسم جامعٌ للخيرات كلّها، ويُطلق على العمل الخالص الدائم (٢). وقيل: هو العمل الصالح
стр. 615
الخالص من كلّ مذموم. قال ابن العربيّ: إذا تحرّى الصدق لم يَعص الله، لأنه إن أراد أن يفعل شيئًا من المعاصي خاف أن يقال: أفعلت كذا؟، فإن سكت لم يَأمن الريبة، وإن قال: لا كَذَب، وإن قال: نعم فسق، وسقطت منزلته، وانتُهكت حرمته. انتهى (١).
(وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ) مصداقه في كتاب الله تعالى قوله : ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣] (وَإِنَّهُ) الضمير للشأن، أي إن الشأن والحال (يُقَالُ لِلصَّادِقِ: صَدَقَ وَبَرَّ) أي إذا كان صدق العبد في قوله، وفعله، وُصف بالصدق والبِرّ الذين هما من أشرف الخصال، وأكمل الخِلال، ونعم الوصف وصفه (وَيُقَالُ لِلْكَاذِبِ: كَذَبَ وَفَجَرَ) أي إنه يوصف بما هو من أسوء الأحوال، وأقبح الفعال، وهما الكذب والفجور، وبئس الوصف وصفه (أَلا وَإِنَّ الْعَبْدَ يَكْذِبُ) وفي رواية الشيخين: "وإن الرجل ليكذب"، وفي رواية مسلم: "وما يزال الرجل يكذب، ويتحرّى الكذب". والمراد أنه يتكرّر منه الكذب حتى يستحقّ اسم المبالغة في الكذب، وكذا يقال في الصدق. (حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا) زاد في رواية "الصحيح" قبل جملة الكذب: "وإن الرجل ليصدُق، ويتحرّى الصدق، حتى يُكتب عند الله صِدِّيقا".
قال القرطبيّ: معنى "يتحرّى الصدق" يقصد إليه، ويتوخّاه، ويجتنب نقيضه الذي هو الكذب حتى يكون الصدق غالب حاله، فيكتب من جملة الصدِّيقين، ويُثبتُ في ديوانهم، وكذلك القول في الكذب، وأصل الكتب: الضمّ والجمع، ومنه كَتَبْتُ البغلةَ إذا جمعت بين شفريها (٢) بحلقة. انتهى (٣).
وقال في "الفتح": المراد بالكتابة الحكم عليه بذلك، وإظهاره للمخلوقين من الملأ الأعلى، وإلقاء ذلك في قلوب أهل الأرض، وقد ذكره مالك بلاغًا عن ابن
стр. 616
مسعود ﵁، وزاد فيه زيادة مفيدة، ولفظه: "لا يزال العبد يَكذِب، ويتحرى الكذب، فيُنْكَتُ في قلبه نُكْتَةٌ سوداءُ، حتى يَسْوَدَّ قلبه، فيكتب عند الله من الكاذبين".
قال النووي: قال العلماء: في هذا الحديث حَثّ على تحري الصدق، وهو قصدُهُ، والاعتناءُ به، وعلى التحذير من الكذب، والتساهل فيه، فإنه إذا تساهل فيه كَثُرَ منه، فَيُعرَف به.
قال الحافظ: والتقييد بالتحري وقع في رواية أبي الأحوص، عن منصور عند مسلم، ولفظه: "وإن العبد لَيَتَحَرَّى الصدق"، وكذا قال في الكذب، وعنده أيضا في رواية الأعمش، عن شقيق، وهو أبو وائل، وأوله عنده: "عليكم بالصدق"، وفيه: "وما يزال الرجل يصدق، ويتحرى الصدق"، وقال فيه: "ما يزال الرجل يكذب، ويتحرى الكذب ... "، فذكره.
قال: وفي هذه الزيادة إشارة إلى أن من تَوَقَّى الكذب بالقصد الصحيح إلى الصدق، صار له الصدق سَجِيّةً حتى يَستحقَّ الوصف به، وكذلك عكسه، وليس المراد أن الحمد والذمّ فيهما يختص بمن يقصد إليهما فقط، وإن كان الصادق في الأصل ممدوحًا، والكاذب مذمومًا.
ثم قال النووي: واعلَم أن الموجود في نسخ البخاري ومسلم في بلادنا وغيرها، أنه ليس في متن الحديث إلا ما ذكرناه، قاله القاضي عياض، وكذا نقله الحميدي، ونقل أبو مسعود عن كتاب مسلم في حديث ابن المثنى وابن بشار زيادة، وهي: إن شر الرَّوَايا رَوَايا الكذب؛ لأن الكذب لا يصلح منه جِدّ ولا هزل، ولا يَعِدُ الرجل صبيه، ثم يُخلِفه".
فذكر أبو مسعود أن مسلما رَوَى هذه الزيادة في كتابه، وذكرها أيضا أبو بكر الْبَرْقاني في هذا الحديث، قال الحميدي: وليست عندنا في كتاب مسلم.
والرَّوَايا جمع رَوِيّة بالتشديد، وهو ما يَتَرَوَّى فيه الإنسان قبل قوله أو فعله، وقيل: هو جمع رَاوية أي للكذب، والهاء للمبالغة (١).
стр. 617
قال الحافظ: لم أر شيئًا من هذا في "الأطراف" لأبي مسعود، ولا في "الجمع بين الصحيحين" للحميدي، فلعلهما ذكراه في غير هذين الكتابين. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا بهذا الإسناد ضعيف، قال الحافظ البوصيريّ رحمه الله تعالى: هذا إسناد ضعيفٌ، عُبيد بن ميمون أبو عبّاد قال فيه أبو حاتم: مجهول انتهى. وقد سبق هذا في ترجمته، لكن الحديث صحيح من رواية شعبة ومعمر، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود ﵁ بغير هذا اللفظ، فقد أخرجه الإمام أحمد في "مسنده"، فقال:
٣٧٠١ - حدثنا عفان، حدثنا شعبة، قال: أبو إسحاق أخبرنا، عن أبي الأحوص، قال: كان عبد الله يقول: "إن الكذب لا يصلح منه جِدٌّ ولا هزل، وقال عفان مرةً: "جِدٌّ، ولا يَعِدُ الرجل صبيا، ثم لا ينجز له، قال: "وإن محمدا قال لنا: "لا يزال الرجل يصدق حتى يكتب عند الله صديقا، ولا يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند الله كذابًا".
وهذا إسناد صحيح، لكن جعل أوله موقوفًا.
وأخرجه الدارميّ في "مسنده" من طريق إدريس الأوديّ، فرفعه كله، ولفظه:
٢٥٩٩ - أخبرنا عثمان بن محمد، حدثنا جرير، عن إدريس الأوديّ، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، أن عبد الله يرفع الحديث إلى النبي ﷺ قال: "إن شر الرَّوَايا
стр. 618
رَوَايا الكذب، ولا يصلح من الكذب جِدّ ولا هزل، ولا يَعِدُ الرجل ابنه ثم لا ينجز له، إن الصدق يَهدِي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإنه يقال للصادق: صَدَقَ وبَرَّ، ويقال للكاذب: كَذَب وفَجَرَ، وإن الرجل ليصدق حتى يُكتَب عند الله صديقًا، ويكذب حتى يكتب عند الله كذابًا"، وإنه قال لنا: "هل أنبئكم ما الْعَضْهُ؟، وإن الْعَضْهَ هي النميمة التي تفسد بين الناس" (١).
وهذا إسناد صحيحٌ. وأخرجه أحمد مطوّلًا، فقال:
٣٦٥٢ - حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن عابس، قال: حدثنا رجل من همدان، من أصحاب عبد الله، وما سماه لنا، قال: لما أراد عبد الله أن يأتي المدينة جمع أصحابه، فقال: والله إني لأرجو أن يكون قد أصبح اليوم فيكم من أفضل ما أصبح في أجناد المسلمين، من الدين والفقه والعلم بالقرآن، إن هذا القرآن أُنزل على حروف، والله إن كان الرجلان ليختصمان أشدّ ما اختصما في شيء قطّ، فإذا قال القارىء هذا: أقرأني، قال: أحسنت، وإذا قال الآخر، قال: كلاكما محسن، فأقرَأنا: "إن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، والكذب بهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار"، واعتبروا ذاك بقول أحدكم لصاحبه: كَذَبَ وفَجَر، وبقوله إذا صَدَقَه: صدقت وبررت، إن هذا القرآن لا يَختَلف ولا يُستَثنُّ (٢) ولا يَتْفَه (٣) لكثرة الرد، فمن قرأه على
стр. 619
حرف فلا يدعه رغبةً عنه، ومن قرأه على شيء من تلك الحروف التي عَلَّمَ رسول الله ﷺ ، فلا يَدَعْه رغبةً عنه، فإنه من يَجحَد بآية منه يجحد به كُلِّه، فإنما هو كقول أحدكم لصاحبه: اعجَلْ، وحَيّ هلًا، والله لو أعلم رجلًا أعلم بما أُنزل الله على محمد ﷺ مني لطلبته حتى أزداد علمه إلى علمي، إنه سيكون قوم يُميتون الصلاة، فصلّوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معقم تطوعًا، وإن رسول الله ﷺ ، كان يُعارَض بالقرآن في كل رمضان، وإني عَرَضتُ في العام الذي قُبِض فيه مرتين، فأنبأني أني محسن، وقد قرأت من في رسول الله ﷺ سبعين سورة.
وهذا الإسناد فيه مجهول.
والحاصل أن الحديث لمعظمه شواهد، ولذا ذكرت فوائده، وقد قدّمت في مقدّمة هذا الشرح أنه إذا كان الحديث ضعيفًا، لا أعتني ببسط شرحه، ولا بذكر فوائده، إلا أن يكون صحيحًا بطريق آخر، أو يوجد له شواهد، كهذا الحديث، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف ﵀ هنا (٧/ ٤٦) فقط، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٤١٠ و ٤٢٣ و ٤٣٧) و (الدارميّ) في "سننه" رقم (٢٧١٨). والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو اجتناب البدع.
٢ - (ومنها): مجامع الصلاح والفلاح أمران: كتاب الله ، وهدي النبيّ ﷺ ، أي سنته.
٣ - (ومنها): التحذير عن محدثات الأمور؛ لأنها كلّها شرّ، وأيُّ شرّ.
٤ - (ومنها): أن كلّ ما أُحدث على غير أصل من الأدلّة الشرعيّة، فإنه بدعة، وهو عين الضلالة، والهلاك والخسران.
٥ - (ومنها): أنه لا ينبغي لمسلم أن يكون طويل الأمل؛ لأنه سبب لقسوة القلوب، ويورث الغفلة، فتأتيه منيّته، وهو لاهٍ ساهٍ، فيخسر الخسران الأبديّ، أخرج
стр. 620
البخاريّ في "صحيحه" رقم (٦٤١٧) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "خط النبي ﷺ خطا مُرَبَّعًا، وخَطَّ خَطًّا في الوسط خارجا منه، وخَطَّ خِطَطًا صغارًا إلى هذا الذي في الوسط، من جانبه الذي في الوسط، وقال: "هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به"، أو "قد أحاط به، وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الْخِطَط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نَهَشَه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا". وسيأتي هذا الحديث للمصنّف في "كتاب الزهد" برقم (٤٢٢١).
وأخرج برقم (٦٤١٨) من حديث أنس ﵁ قال: خط النبي ﷺ خُطُوطًا، فقال: "هذا الأمل، وهذا أجله، فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب". وسيأتي للمصنّف في "الزهد" (٤٢٢) ولفظ أحمد في "مسنده" (١١٧٩١) عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ جمع أصابعه فوضعها على الأرض، فقال: "هذا ابن آدم"، ثم رفعها خلف ذلك قليلًا، وقال: "هذا أجله"، ثم رمى بيده أمامه قال: "وثَمَّ أمله".
٥ - (ومنها): أن ما وُعد به الإنسان آتٍ لا مَحالةَ، فلا ينبغي له التفريط في الاستعداد له.
٦ - (ومنها): أن السعيد الكامل هو الذي يعتبر بغيره، ولا ينتظر وقوع العقاب عليه، بل يرتدع عن هواه، وينكفّ عن شهواته، ويشمّر بالتوبة والاستقامة للدار الآخرة.
٧ - (ومنها): أنه قتال المؤمن من الأمور الموبقات، فيجب الحذر منه، فإن الشارع الحكيم أوجب على المؤمن أن ينصر أخاه، ويعضده، ويحترمه، ويكرمه، فإذا سلك مسلكًا معاكسا لهذا، فقد تعرّض للكفر؛ لأن هذا من أخلاق الكفرة اللئام.
٨ - (ومنها): أن سباب المؤمن فسوقٌ يُخرج عن العدالة والاستقامة؛ لأن فيه انتهاك حرمة أخيه، والاستخفاف بواجب حقّه، وهذا من أخلاق الفسقة الطَّغام.
٩ - (ومنها): أنه لا يحلّ لمسلم هجر أخيه المسلم لأمر دنيويّ فوق ثلاثة أيام، وأما الثلاثة، فيُرخّص فيها؛ لكون الإنسان مجبولًا على الغضب، فأمهل هذه المدّة حتى
стр. 621
تذهب عنه سورة الغضب، ويراجع نفسه.
١٠ - (ومنها): التحذير عن الكذب، وأنه لا يجوز لا بجدّ، ولا بهزل. قال القرطبيّ: وفيه حجة للطبريّ في تحريمه الكذب مطلقًا وعمومًا.
١١ - (ومنها): أنه لا يجوز لرجل أن يَعِد صبيّه بشيء، ثم لا يفي به؛ لأنه من الكذب المحرّم، قال القرطبيّ: وفيه ما يدلّ على وجوب الوفاء بالوعد، ولو كان بالشيء الحقير مع الصبيّ الصغير.
١٢ - (ومنها): أن الكذب باب الفجور، وأن الفجور باب النار، أعاذنا الله منها بمنه وكرمه آمين.
١٣ - (ومنها): أن الصدق باب البرّ، وأن البرّ باب الجنّة، جعلنا الله من أهلها آمين.
١٤ - (ومنها): أن الصادق يستحقّ أن يوصف بالصدق والبرّ، والكاذب يوصف بالكذب والفجور.
١٥ - (ومنها): أن العبد إذا تحرّى الكذب، ولازمه كتبه الله من الكذابين، وبغّضه إلى خلقه أجمعين، وكذلك الصادق إذا تحرّى الصدق، ولازمه كتبه الله تعالى من الصادقين، وحببه إلى خلقه أجمعين، وهذا هو معنى الحديث الآخر الذي أخرجه الشيخان، وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا أحب الله عبدا نادى جبريل: إن الله يحب فلانا فأَحِبّه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في أهل الأرض". هذا لفظ البخاريّ، ولفظ مسلم من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانا فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء -قال:- ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدًا، دعا جبريل فيقول: إني أُبغض فلانا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، قال: فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض". والله
стр. 622
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): فيما يُستثنى من الكذب:
قال الغزالي ﵀: الكذب من قبائح الذنوب، وليس حراما لعينه، بل لما فيه من الضرر، ولذلك يؤذن فيه حيث يتعين طريقًا إلى المصلحة.
وتُعُقّب بأنه يلزم أن يكون الكذب إذا لم ينشأ عنه ضرر مباحًا، وليس كذلك.
ويمكن الجواب بأنه يُمنَع من ذلك حسما للمادة، فلا يباح منه إلا ما يترتب عليه مصلحة، فقد أخرج البيهقي في "الشعب" بسند صحيح، عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: "الكذب يُجانب الإيمان". وأخرجه عنه مرفوعًا، وقال: الصحيح موقوف. وأخرج البزار من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ رفعه، قال: "يُطبَع المؤمن على كل شيء إلا الخيانة والكذب". وسنده قويّ. وذكر الدارقطني في "العلل" أن الأشبه أنه موقوف، وشاهد المرفوع من مرسل صفوان بن سليم في "الموطإ". قال ابن التين: ظاهره يعارض حديث ابن مسعود ﵁ (١)، والجمع بينهما حمل حديث صفوان على المؤمن الكامل (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: من الأحاديث التي تدلّ على استثناء بعض أنواع الكذب ما أخرجه الشيخان، واللفظ لمسلم، من طريق حميد بن عبد الرحمن بن عوف، أن أمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ﵂ -وكانت من المهاجرات الأُوَل، اللاتي بايعن النبي ﷺ أخبرته أنها سمعت رسول الله ﷺ ، وهو يقول: "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، ويقول خيرًا، وينمي خيرًا".
قال ابن شهاب: ولم أسمع يُرَخَّص في شيء مما يقول الناس كذب، إلا في ثلاث: الحربِ، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها.
وقد جاء من ذلك صريحًا، وهو ما أخرجه الترمذي من حديث أسماء بنت يزيد
стр. 623
مرفوعًا، لا يحل الكذب إلا في ثلاث: تحديثُ الرجل امرأته ليُرضِيها، والكذب في الحرب، وفي الإصلاح بين الناس" (١).
قال في "الفتح" عند قوله: "أو يقول خيرًا": قال العلماء: المراد هنا أنه يخبر بما عمله من الخير، ويسكت عما عمله من الشر، ولا يكون ذلك كذبًا؛ لأن الكذب الأخبار بالشيء على خلاف ما هو به، وهذا ساكت، ولا يُنسَب لساكت قول.
ولا حجة فيه لمن قال: يشترط في الكذب القصد إليه؛ لأن هذا ساكت.
وما زاده مسلم والنسائي من رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه في آخره: "ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إنه كذب إلا في ثلاث"، فذكرها، وهي الحرب، وحديث الرجل لامرأته، والإصلاح بين الناس. وأورد النسائي أيضا هذه الزيادة من طريق الزبيديّ، عن ابن شهاب، وهذه الزيادة مدرجة بَيَّن ذلك مسلم في روايته من طريق يونس، عن الزهري، فذكر الحديث، قال: وقال الزهري ... وكذا أخرجها النسائي مفردةً من رواية يونس، وقال: يونس أثبت في الزهري من غيره.
وجزم موسى بن هارون وغيره بادراجها.
قال: ورويناه في فوائد ابن أبي ميسرة من طريق عبد الوهاب بن رُفيع، عن ابن شهاب، فساقه بسنده مقتصرًا على الزيادة، وهو وَهَمٌ شديد.
قال الطبري: ذهبت طائفة إلى جواز الكذب لقصد الإصلاح، وقالوا: إن الثلاث المذكورة كالمثال، وقالوا: الكذب المذموم إنما هو فيما فيه مضرة، أو ليس فيه مصلحة.
وقال آخرون: لا يجوز الكذب في شيء مطلقًا، وحملوا الكذب المراد هنا على التورية والتعريض، كمن يقول للظالم: دعوت لك أمسِ، وهو يريد قوله: اللهم اغفر
стр. 624
للمسلمين، ويَعِدُ امرأته بعطية شيء، ويريد إن قَدّر الله ذلك، وأن يُظهِر من نفسه قوة.
وبالأول جزم الخطابي وغيره، وبالثاني جزم المهلب والأصيلي وغيرهما.
واتفقوا على أن المراد بالكذب في حق المرأة والرجل، إنما هو فيما لا يُسقط حقا عليه أو عليها، أو أخذَ ما ليس له أو لها، وكذا في الحرب في غير التأمين.
واتفقوا على جواز الكذب عند الاضطرار، كما لو قصد ظالم قتل رجل، وهو مختف عنده، فله أن يَنفِي كونه عنده، ويَحلِفَ على ذلك، ولا يأثم. انتهى ما في "الفتح" (١).
وقال في موضع آخر: قال النووي: الظاهر إباحة حقيقة الكذب في الأمور الثلاثة، لكن التعريض أولى. وقال ابن العربي: الكذب في الحرب من المستثنى الجائز بالنص؛ رفقًا بالمسلمين لحاجتهم إليه، وليس للعقل فيه مجال، ولو كان تحريم الكذب بالعقل ما انقلب حلالًا. انتهى.
قال الحافظ: ويقويه ما أخرجه أحمد وابن حبان من حديث أنس ﵁ في قصة الحجاج بن عِلَاط الذي أخرجه النسائي، وصححه الحاكم، في استئذانه النبي ﷺ أن يقول عنه ما شاء، لمصلحته في استخلاص ماله من أهل مكة، وأَذِنَ له النبي ﷺ ، وإخباره لأهل مكة أن أهل خيبر هزموا المسلمين، وغير ذلك مما هو مشهور فيه.
ولا يعارض ذلك ما أخرجه النسائي، من طريق مصعب بن سعد، عن أبيه، في قصة عبد الله بن أبي سَرْح، وقول الأنصاري للنبي ﷺ لمّا كَفّ عن بيعته-: هلا أومأت إلينا بعينك؟ قال: "ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين"؛ لأن طريق الجمع بينهما أن المأذون فيه بالخداع والكذب في الحرب حالة الحرب خاصة، وأما حالُ المبايعة فليست بحال حرب.
قال الحافظ: كذا قال، وفيه نظر؛ لأن قصة الحجاج بن عِلاط أيضًا لم تكن في
стр. 625
حال حرب، والجواب المستقيم أن نقول: المنعُ مطلقًا من خصائص النبي ﷺ ، فلا يتعاطى شيئًا من ذلك، وإن كان مباحًا لغيره، ولا يُعارض ذلك ما ثبت أنه ﷺ إذا أراد غَزوةً وَرَّى بغيرها، فإن المراد أنه كان يريد أمرًا فلا يُظهره، كأن يريد أن يغزو وجهة الشرق، فيسأل عن أمر في جهة الغرب، ويتجهز للسفر فيظن من يراه ويسمعه أنه يريد جهة الغرب، وأما أن يُصَرح بإرادته الغرب، وإنما مراده الشرق فلا. والله أعلم.
وقال ابن بطال ﵀: سألت بعض شيوخي عن معنى هذا الحديث، فقال: الكذب المباح في الحرب ما يكون من المعاريض، لا التصريح بالتأمين مثلًا. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الصوابُ أن الكذب في هذه المواضع التي استثناها الشارع لا يدخل في الوعيد المذكور لمن تعمّد الكذب؛ لأن الشارع استثناها، فلا تدخل في مسمّى الكذب الشرعيّ، وإن كانت تسمّى كذبًا من حيث اللغة، فليُفهم الفرقُ بينهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): أخرج الشيخان من حديث أبي أيوب الأنصاريّ ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل لرجل أن يَهجُر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان، فيُعرض هذا، ويُعرِض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام". زاد الطبري من طريق أخرى: "يسبِق إلى الجنة"، ولأبي داود بسند صحيح، من حديث أبي هريرة ﵁: "فإن مَرَّت به ثلاث، فلقيه فليسلم عليه، فإن رَدّ عليه فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم، وخَرَجَ المُسَلِّمُ من الْهِجْرَة". ولأحمد والبخاريّ في "الأدب المفرد"، وصححه ابن حبان من حديث هشام بن عامر: "فإنهما ناكثان عن الحقّ، ما داما على صِرَامهما، وأَوَّلُهُما فيئًا يكون سَبْقُهُ كفارةَ"، فذكر نحو حديث أبي هريرة، وزاد في آخره: "فإن ماتا على صِرَامهما، لم يدخلا الجنة جميعًا".
قال أكثر أهل العلم: تَزُول الهجرة بمجرد السلام ورَدِّه. وقال أحمد: لا يبرأ من
стр. 626
الهجرة إلا بعوده إلى الحال التي كان عليها أَوّلًا. وقاك أيضا: تركُ الكلام إن كان يؤذيه لم تنقطع الهجرة بالسلام، وكذا قال ابن القاسم. وقال عياض: إذا اعتزل كلامه لم تُقبَل شهادته عليه عندنا، ولو سَلَّمَ عليه -يعني وهذا يؤيد قول ابن القاسم-. قال الحافظ: ويمكن الفرق بأن الشهادة يُتَوَّقى فيها، وتركُ المكالمة يُشعر بأن في باطنه عليه شيئًا فلا تقبل شهادته عليه، وأما زوال الهجرة بالسلام عليه بعد تركه ذلك في الثلاث فليس بممتنع.
واستُدِلَّ للجمهور بما رواه الطبراني من طريق زيد بن وهب، عن ابن مسعود ﵁ في أثناء حديث موقوف، وفيه: "ورجوعُهُ أن يأتي فيسلم عليه".
واستُدِلّ بقوله: "أخاه" على أن الحكم يَختَصُّ بالمؤمنين. وقال النووي: لا حجة في قوله: "لا يحل لمسلم" لمن يقول: الكفّار غير مخاطبين بفروع الشريعة؛ لأن التقييد بالمسلم لكونه الذي يَقبَل خطاب الشرع، وينتفع به، وأما التقييد بالأُخُوّة فدال على أن للمسلم أن يهجر الكافر من غير تقييد.
واستدل بهذه الأحاديث على أن من أعرض عن أخيه المسلم، وامتنع من مكالمته، والسلام عليه أثم بذلك؛ لأن نفي الحل يستلزم التحريم، ومرتكب الحرام آثم.
قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه لا يجوز الهجران فوق ثلاث، إلا لمن خاف من مكالمته ما يُفسد عليه دينه، أو يُدخِل منه على نفسه أو دنياه مضرةً، فإن كان كذلك جاز، ورُبَّ هجر جميل خير من مخالطة مؤذية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): أنه استُشكل على حديث "لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال" ما صدر عن عائشة ﵂، أنها هجرت ابن الزبير ﵄ أكثر من ثلاث ليال:
وحاصل قصّتها هو ما أخرجه الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى من طريق الزهريّ، قال: حدثني عوف بن مالك بن الطُّفيل -هو ابن الحارث، وهو ابن أخي عائشة، زوج النبي ﷺ لأمها أن عائشة حُدِّثت أن عبد الله بن الزبير قال في بيع أو عطاء،
стр. 627
أعطته عائشة: والله لتنتهين عائشة أو لأَحْجُرَنّ عليها، فقالت: أهو قال هذا؟ قالوا: نعم، قالت: هو لله علي نذر أن لا أكلم ابن الزبير أبدًا، فاستشفع ابن الزبير إليها، حين طالت الهجرة، فقالت: لا والله لا أُشَفِّعُ فيه أبدًا، ولا أتحنث إلى نَذْري، فلما طال ذلك على ابن الزبير، كَلَّم المسورَ بنَ مَخْرَمة، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وهما من بني زهرة، وقال لهما: أنشُدُكما بالله لمّا أدخلتماني على عائشة، فإنها لا يحل لها أن تنذُر قطيعتي، فأقبل به المسور وعبد الرحمن مشتملين بأرديتهما، حتى استأذنا على عائشة، فقالا: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، أندخل؟ قالت عائشة: ادخلوا، قالوا: كلنا، قالت: نعم ادخلوا كلكم، ولا تعلم أن معهما ابن الزبير، فلما دخلوا دخل ابن الزبير الحجاب، فاعتنق عائشة، وطَفِقَ يناشدها ويبكي، وطفق المسور وعبد الرحمن يناشدانها إلا ما كلمته، وقبلت منه، ويقولان: إن النبي ﷺ نَهَى عما قد علمتِ من الهجرة، فإنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، فلما أكثروا على عائشة من التذكرة والتحريج، طَفِقت تُذَكِّرهما نذرها وتبكي، وتقول: إني نذرت، والنذر شديد، فلم يزالا بها حتى كَلَّمت ابن الزبير، وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة، وكانت تَذكُر نذرها بعد ذلك، فتبكي حتى تَبَلَّ دموعها خمارها.
قال في "الفتح": قد استُشكل على هذا ما صدر من عائشة ﵂ في حق ابن الزبير ﵃.
قال ابن التين إنما ينعقد النذر إذا كان في طاعة، كَلِلَّه عليَّ أن أعتق، أو أن أصلي، وأما إذا كان في حرام أو مكروه أو مباح فلا نذر، وتركُ الكلام يفضي إلى التهاجر، وهو حرام أو مكروه.
وأجاب الطبري بأن المحرَّم إنما هو ترك السلام فقط، وأن الذي صدر من عائشة ﵂ ليس فيه أنها امتنعت من السلام على ابن الزبير، ولا من رَدّ السلام عليه لمّا بدأها بالسلام، وأطال في تقرير ذلك، وجعله نظير من كانا في بلدين لا يجتمعان، ولا يكلم أحدهما الآخر، وليسا مع ذلك متهاجرين، قال: وكانت عائشة لا تأذن لأحد من
стр. 628
الرجال أن يدخل عليها إلا بإذن، ومن دخل كان بينه وبينها حجاب، إلا إن كان ذا محرم منها، ومع ذلك لا يدخل عليها حجابها إلا بإذنها، فكانت في تلك المدة منعت ابن الزبير من الدخول عليها.
قال الحافظ: كذا قال، ولا يخفى ضعف المأخذ الذي سلكه من أوجه، لا فائدة للإطالة بها، والصواب ما أجاب به غيره أن عائشة ﵂ رأت أن ابن الزبير ارتكب بما قال أمرًا عظيمًا، وهو قوله: لأحجُرَنَّ عليها فإن فيه تنقيصا لقدرها، ونسبة لها إلى ارتكاب ما لا يجوز، من التبذير الموجب لمنعها من التصرف فيما رزقها الله تعالى، مع ما انضاف إلى ذلك من كونها أم المؤمنين، وخالته أخت أمه، ولم يكن أحد عندها في منزلته، فكأنها رأت أن في ذلك الذي وقع منه نوع عقوق، والشخص يَستَعظِم ممن يَلُوذ به ما لا يستعظمه من الغريب، فرأت أن مجازاته على ذلك بترك مكالمته، كما نهى النبي ﷺ عن كلام كعب بن مالك وصاحبيه عقوبةً لهم، لتخلفهم عن غزوة تبوك بغير عذر، ولم يمنع من كلام من تخلف عنها من المنافقين مؤاخذةً الثلاثة؛ لعظيم منزلتهم، وازدراءً بالمنافقين؛ لحقارتهم، فعلى هذا يُحمَل ما صدر من عائشة ﵂.
وقد ذكر الخطابي أن هجر الوالد ولده، والزوج زوجته، ونحو ذلك لا يتضيق بالثلاث، واستَدَلّ بأنه ﷺ هَجَر نساءه شهرًا، وكذلك ما صدر من كثير من السلف في استجازتهم ترك مكالمة بعضهم بعضًا مع علمهم بالنهي عن المهاجرة.
ولا يخفى أن هنا مقامين أعلى وأدنى فالأعلى اجتناب، الإعراض جملة، فيبذل السلام، والكلام والمواددة بكل طريق، والأدنى الاقتصار على السلام دون غيره، والوعيد الشديد إنما هو لمن يترك المقام الأدنى، وأما الأعلى فمن تركه من الأجانب فلا يلحقه اللوم، بخلاف الأقارب، فإنه يدخل فيه قطيعة الرحم. انتهى المقصود من "الفتح"، وهو تحقيق نفيسٌ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب، وهو
стр. 629
حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجة رحمة الله في أول الكتاب قال:
٤٦ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ، حَدَّثَنَا إِسْماَعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ح وحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ الْجَحْدَرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللَّه ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ إِلَى قَوْلهِ ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيهِ، فَهُمِ الَّذِينَ عَنَاهُمُ الله، فَاحْذَرُوهُمْ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ) بن عجلان المُهَلَّبيّ مولاهم، أبو بكر الضرير البصريّ، نزيل بغداد، صدوقٌ (١)، من صغار [١٠].
رَوَى عن أبيه، وإسماعيل ابن عُلَيّة، وابن مهدي، وعُبيد بن واقد، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وجماعة. ورَوَى عنه ابن ماجه، وإبراهيم الحربي، وابن خزيمة، وابن بُجَير، وإسحاق بن داود الصَّوّاف، والحسن بن محمد بن شعبة، ومحمد بن نُوح بن حرب العسكري، وأبو عروبة الحرّانيّ، وأبو بكر بن أبي داود، وغيرهم. ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أغرب عن أبيه. تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب (٧) أحاديث فقط برقم ٤٧ و٨٣٦ و١٩٣١ و ١٩٧٦ و٢٠٣١ و ٢٢٤٥ و ٤٢٧٨.
٢ - (أَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ الْجَحْدَرِيُّ) أبو بكر البصريّ، صدوقٌ [١٠] تقدم في ٢/ ١٧.
стр. 630
٣ - (يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ) المُقَوِّم، أبو سعيد البصريّ، ثقة حافظ [١٠] تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (إِسْماَعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقسَم الأسديّ أسد خُزيمة، مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، كوفيّ الأصل، المعروف بابن عليّة، وهي أمه (١)، وكان يَكره النسبة إليها، ثقة ثبت حافظ [٨].
رَوَى عن عبد العزيز بن صهيب، وسليمان التيمي، وحميد الطويل، وعاصم الأحول، وأيوب، وابن عون، وغيرهم.
ورَوَى عنه شعبة، وابن جريج، وهما من شيوخه، وبقية، وحماد بن زيد، وهما من أقرانه، وإبراهيم بن طهمان، وهو أكبر منه، وابن وهب، والشافعي، وأحمد، ويحيى، وعليّ، وإسحاق، والفلاس، وأبو معمر الهذلي، وأبو خيثمة، وابنا أبي شيبة، وعلي بن حجر، وابن نمير، وخلق، آخرهم أبو عمران موسى بن سهيل بن كثير الْوَشَّاءُ.
قال علي بن الجعد، عن شعبة: إسماعيل ابن علية ريحانة الفقهاء. وقال يونس بن بكير عنه: ابن علية سيد المحدثين. وقال ابن مهدي: ابن علية أثبت من هشيم. وقال القطان: ابن علية أثبت من وُهيب. وقال حماد بن سلمة: كنا نشبهه بيونس بن عبيد. وقال عفان: كنا عند حماد بن سلمة، فأخطأ في حديث، وكان لا يرجع إلى قول أحد، فقيل له: قد خولفت فيه، فقال: من؟ قالوا: حماد بن زيد، فلم يلتفت، فقال له إنسان: إن ابن عليّة يخالفك، فقام، فدخل، ثم خرج، فقال: القول ما قال إسماعيل. وقال أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وقال أيضا: فاتني مالك، فأخلف الله علي سفيان، وفاتني حماد بن زيد، فأخلف الله علي إسماعيل ابن علية، وقال أيضا: كان حماد بن زيد
стр. 631
لا يعبأ إذا خالفه الثقفي، ووهيب، وكان يَفْرَق من إسماعيل ابن علية إذا خالفه. وقال غندر: نشأت في الحديث يوم نشأت، وليس أحد يقدم على إسماعيل ابن علية. وقال ابن مُحْرِز عن يحيى بن معين: كان ثقة مأمونا صدوقا مسلما ورعا تقيا. وقال قتيبة: كانوا يقولون: الحفاظ أربعة: إسماعيل ابن علية، وعبد الوارث، ويزيد بن زريع، ووهيب. وقال الهيثم بن خالد: اجتمع حفاظ أهل البصرة، فقال أهل الكوفة لأهل البصرة: نَحُّوا عنا إسماعيل، وهاتوا من شئتم. وقال زياد بن أيوب: ما رأيت لابن علية كتابا قط، وكان يقال: ابن علية يَعُدُّ الحروف. وقال أبو داود السجستاني: ما أحد من المحدثين إلا قد أخطأ، إلا إسماعيل ابن علية، وبشر بن المفضل. وقال النسائي: ثقة ثبت. وقال ابن سعيد: كان ثقة ثبتا في الحديث حجة، وقد ولي صدقات البصرة، وولي ببغداد المظالم في آخر خلافة هارون، وعلية أمه. وقال الخطيب: زعم علي بن حُجْر أن علية جدته، أم أمه. وكان يقول: من قال: ابن علية فقد اغتابني.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (٣) أو سنة (١٩٤)، وقاله في (٤) أبو موسى العنزي في "تاريخه"، ونقله عنه البخاري في "تاريخه"، وخليفة، وابن أبي عاصم، وإسحاق القراب الحافظ، والكلاباذي، وغيرهم. وقال أحمد، وعمرو بن علي: وُلد سنة عشر ومائة، ومات سنة (٩٣)، وكذا قال زياد بن أيوب، وغير واحد في تاريخ وفاته، وقال يعقوب بن شيبة: إسماعيل ثبت جدا، توفي يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من ذي القعدة. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٣) حديثًا.
٥ - (عبد الوهّاب) بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة تغيّر قبل موته بثلاث سنين [٨] تقدّم في ٢/ ١٧.
٦ - (أيوب) بن أبي تمية كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العبّاد [٥] تقدّم في ٢/ ١٧.
٧ - (عبد الله بن أبي مُليكة) هو: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مُليكة زُهير بن عبد الله بن جُدْعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، أبو بكر، ويقال: أبو
стр. 632
محمد التيمي المكي، كان قاضيا لابن الزبير، ومؤذنا له، ثقة فقيه [٣].
روى عن العبادلة الأربعة، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن السائب المخزومي، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه يحيى، وابن أخته عبد الرحمن بن أبي بكر، وعطاء بن أبي رباح، ونافع بن عمر الجمحي، وغيرهم.
قال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. وفي "صحيح البخاري": قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبيّ ﷺ . وقال ابن سعد: ولاه ابن الزبير قضاء الطائف، وكان ثقة، كثير الحديث، وهو عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله ابن أبي ملكية زهير، وكذا نسبه الزبير، وابن الكلبي، وغيرهما. وقال البخاري: يكنى أبا محمد، وله أخ يقال له: أبو بكر. وقال العجلي: مكي تابعيّ ثقة. وقال ابن حبان في "الثقات": رأى ثمانين من الصحابة. وقال البخاري وغير واحد: مات سنة سبع عشرة ومائة. وقيل: سنة (١١٨) وكذا أرخه ابن قانع. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثًا.
٨ - (عائشة) ﵂، تقدّمت، في ٢/ ١٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى أيوب، وابن أبي مليكة مكيّ، وعائشة مدنيّة.
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير شيوخه الثلاثة، فالأولان تفرّد بهما، والثاني تفرد به هو وأبو داود، والنسائيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: أيوب عن ابن أبي مليكة.
٥ - (ومنها): أن فيه كتابةَ (ح) إشارة إلى تحويل السند إلى سند آخر، فللمصنف في هذا الحديث سندان: أحدهما محمد بن خالد، عن ابن عليّة، عن أيوب، والثاني: أحمد ابن ثابت، ويحيى بن حكيم، كلاهما عن عبد الوهّاب الثقفيّ، عن أيوب، فأيوب مُلتقَى
стр. 633
الإسنادين، وإلى هذه الحاء أشار في "ألفية المصطلح" حيث قال:
وَكَتَبُوا (ح) عِنْدَ تَكْرِيرِ سَنَدْ ... فَقِيلَ مِنْ "صَحَّ" وَقِيلَ ذَا انْفَرَدْ
مِنَ "الحدِيثِ" أَوْ لِتَحْوِيلٍ وَرَدْ ... أَوْ "حَائِلٍ" وَقَوْلهُا لَفْظًا أَسَدْ
٦ - (ومنها): أن عائشة رضي الله تعالى عنها من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، وقد تقدّم بيان المكثرين السبعة في شرح الحديث الأول من الكتاب.
٧ - (ومنها): أن من طُرَف ما يتعلق بـ "إسماعيل ابن علية" ما ذكره الخطيب البغدادي، قال: حَدّث عن إسماعيل ابن علية ابنُ جريج، وموسى بن سهل الْوَشّا، وبين وفاتيهما مائة وتسع وعشرون سنة، وقيل: سبع وعشرون، قال: وحَدّث عن ابن علية إبراهيم بن طهمان، وبين وفاته ووفاة الوشّا مائة وعشر سنين، وقيل: مائة وخمس وعشرون سنة، قال: وحدَّث عن ابن علية شعبة، وبين وفاته ووفاة الوشا مائة وثماني عشر سنة، وحَدَّث عن ابن علية عبدُ الله بن وهب، وبين وفاته ووفاة الوشّا إحدى وثمانون سنة، مات الوَشّا يوم الجمعة، أولي ذى القعدة سنة ثمان وتسعين ومائتين. ذكره النوويّ في "شرحه على صحيح مسلم" (١). والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﵂، أنها (قَالَتْ: تَلَا) أي قرأ (رَسُولُ اللَّه ﷺ هَذ الْآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: يُخبر الله أن في القرآن آيات محكمات، هُنّ أم الكتاب: أي بيناتٌ واضحاتُ الدلالة، لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أُخَر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس، أو بعضهم، فمَن رَدَّ ما اشتبه إلى الواضح منه، وحَكَّمَ مُحْكَمه على متشابهة عنده، فقد اهتدى، ومن عكس انعكس، ولهذا قال تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾
стр. 634
أي أصله الذي يُرْجَع إليه عند الاشتباه. وقال الطيبيّ ﵀: سُمّيت أم الكتاب لأنها بيّنة في نفسها، مبيّنة لما عداها من المتشابهات، فهي كالأصل لهما، كما سُمّيت مكة أم القرى لدحو الأرض منها. انتهى (١) ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ أي تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد تَحتَمِل شيئا آخر من حيث اللفظ والتركيب، لا من حيث المراد.
وقد اختَلَفوا في المحكم والمتشابه على أقوال، سيأتي بيانها في المسائل إن شاء الله تعالى.
[فائدة]: قوله: إنما تُصرَف "أُخَرُ" لكونها عُدِلت عن الألف واللام؛ لأن أصلها أن تكون صفة بالألف واللام، كالكُبَر والصُّغَر، فلما عُدلت عن مجرى الألف واللام، مُنِعت الصرف. وقال أبو عبيد: لم يَصرفوها؛ لأن واحدها لا يَنصرف في معرفة ولا نكرة. وأنكر ذلك المبرد، وقال: يجب على هذا ألا يَنصرِف غِضَاب وعِطاشٌ. وقال الكسائيّ: لم تنصرف؛ لأنها صفة. وأنكر ذلك المبرد أيضًا، وقال: إن لُبَدًا وحُطَمًا صفتان، وهما منصرفان. وقال سيبويه: لا يجوز أن تكون "أُخَر" معدولة عن الألف واللام؛ لأنها لو كانت معدولة عن الألف واللام لكانت معرفة، ألا ترى أن "سَحَرَ" معرفة في جميع الأقاويل لمَّا كانت معدولةً عن "السَّحَر"، و"أَمْسِ" في قول من قال: ذهب أَمْسِ معدولًا عن "الأمس" فلو كان "أُخَر" معدولا أيضًا عن الألف واللام، لكان معرفةً، وقد وصفه الله تعالى بالنكرة. ذكره القرطبيّ (٢).
وقال أبو البقاء: أصل المتشابه أن يكون بين اثنين، فإذا اجتمعت الأشياء المتشابهة، كان كل منها مشابها للآخر، فصح وصفها بأنها متشابهة، وليس المراد أن الآية وحدها متشابهة في نفسها.
стр. 635
وحاصله أنه ليس من شرط صحة الوصف في الجمع، صحة انبساط مفردات الأوصاف على مفردات الوصوفات، وإن كان الأصل ذلك. ذكره في "الفتح" (١).
وقال البخاريّ في "صحيحه": ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] قال مجاهد: ما فيه من الحلال والحرام ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] يُصدق بعضه بعضًا، هو مثل قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] إلى آخر ما ذكره.
وقوله: ﴿زَيْغٌ﴾ شك ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: ٧] المشتبهات هو تفسير مجاهد أيضًا وصله عبد بن حميد، ولفظه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ قال: شك ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ المشتبهات: الباب الذي ضلوا منه، وبه هلكوا. قاله في "الفتح".
وقال أيضًا: قوله: ﴿الرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ﴾ [النساء: ١٦٢] يعلمون، و ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] وصله عبد بن حميد أيضًا عن مجاهد في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ﴾ يعلمون تأويله ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ وعن قتادة قال الراسخون كما يسمعون: آمنا به، كل من عند ربنا، المتشابه والمحكم، فآمنوا بمتشابهه، وعملوا بمحكمه فأصابوا".
قال الحافظ: وهذا الذي ذهب إليه مجاهد من تفسير الآية، يقتضي أن تكون الواو في ﴿الرَّاسِخُونَ﴾ عاطفة على معمول الاستثناء. وقد رَوَى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه كان يقرأ: "وما يعلم تأويله إلا الله، ويقول الراسخون في العلم آمنا به"، فهذا يدل على أن الواو للاستئناف؛ لأن هذه الرواية، وإن لم تثبت بها القراءة، لكن أقل درجاتها أن تكون خبرا بإسناد صحيح إلى ترجمان القرآن، فيقدم كلامه في ذلك على من دونه، ويؤيد ذلك أن الآية دلت على ذم متبعي المتشابه؛ لوصفهم بالزيغ، وابتغاء الفتنة، وصرَّح بوفق ذلك حديثُ الباب، ودلت الآية على مدح الذين فَوّضوا العلم إلى الله،