← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17132

مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

لا يعبأ إذا خالفه الثقفي، ووهيب، وكان يَفْرَق من إسماعيل ابن علية إذا خالفه. وقال غندر: نشأت في الحديث يوم نشأت، وليس أحد يقدم على إسماعيل ابن علية. وقال ابن مُحْرِز عن يحيى بن معين: كان ثقة مأمونا صدوقا مسلما ورعا تقيا. وقال قتيبة: كانوا يقولون: الحفاظ أربعة: إسماعيل ابن علية، وعبد الوارث، ويزيد بن زريع، ووهيب. وقال الهيثم بن خالد: اجتمع حفاظ أهل البصرة، فقال أهل الكوفة لأهل البصرة: نَحُّوا عنا إسماعيل، وهاتوا من شئتم. وقال زياد بن أيوب: ما رأيت لابن علية كتابا قط، وكان يقال: ابن علية يَعُدُّ الحروف. وقال أبو داود السجستاني: ما أحد من المحدثين إلا قد أخطأ، إلا إسماعيل ابن علية، وبشر بن المفضل. وقال النسائي: ثقة ثبت. وقال ابن سعيد: كان ثقة ثبتا في الحديث حجة، وقد ولي صدقات البصرة، وولي ببغداد المظالم في آخر خلافة هارون، وعلية أمه. وقال الخطيب: زعم علي بن حُجْر أن علية جدته، أم أمه. وكان يقول: من قال: ابن علية فقد اغتابني. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (٣) أو سنة (١٩٤)، وقاله في (٤) أبو موسى العنزي في "تاريخه"، ونقله عنه البخاري في "تاريخه"، وخليفة، وابن أبي عاصم، وإسحاق القراب الحافظ، والكلاباذي، وغيرهم. وقال أحمد، وعمرو بن علي: وُلد سنة عشر ومائة، ومات سنة (٩٣)، وكذا قال زياد بن أيوب، وغير واحد في تاريخ وفاته، وقال يعقوب بن شيبة: إسماعيل ثبت جدا، توفي يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من ذي القعدة. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٣) حديثًا. ٥ - (عبد الوهّاب) بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة تغيّر قبل موته بثلاث سنين [٨] تقدّم في ٢/ ١٧. ٦ - (أيوب) بن أبي تمية كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العبّاد [٥] تقدّم في ٢/ ١٧. ٧ - (عبد الله بن أبي مُليكة) هو: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مُليكة زُهير بن عبد الله بن جُدْعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، أبو بكر، ويقال: أبو

стр. 632

محمد التيمي المكي، كان قاضيا لابن الزبير، ومؤذنا له، ثقة فقيه [٣]. روى عن العبادلة الأربعة، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن السائب المخزومي، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه يحيى، وابن أخته عبد الرحمن بن أبي بكر، وعطاء بن أبي رباح، ونافع بن عمر الجمحي، وغيرهم. قال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. وفي "صحيح البخاري": قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبيّ ﷺ . وقال ابن سعد: ولاه ابن الزبير قضاء الطائف، وكان ثقة، كثير الحديث، وهو عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله ابن أبي ملكية زهير، وكذا نسبه الزبير، وابن الكلبي، وغيرهما. وقال البخاري: يكنى أبا محمد، وله أخ يقال له: أبو بكر. وقال العجلي: مكي تابعيّ ثقة. وقال ابن حبان في "الثقات": رأى ثمانين من الصحابة. وقال البخاري وغير واحد: مات سنة سبع عشرة ومائة. وقيل: سنة (١١٨) وكذا أرخه ابن قانع. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثًا. ٨ - (عائشة) ﵂، تقدّمت، في ٢/ ١٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى أيوب، وابن أبي مليكة مكيّ، وعائشة مدنيّة. ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير شيوخه الثلاثة، فالأولان تفرّد بهما، والثاني تفرد به هو وأبو داود، والنسائيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: أيوب عن ابن أبي مليكة. ٥ - (ومنها): أن فيه كتابةَ (ح) إشارة إلى تحويل السند إلى سند آخر، فللمصنف في هذا الحديث سندان: أحدهما محمد بن خالد، عن ابن عليّة، عن أيوب، والثاني: أحمد ابن ثابت، ويحيى بن حكيم، كلاهما عن عبد الوهّاب الثقفيّ، عن أيوب، فأيوب مُلتقَى

стр. 633

الإسنادين، وإلى هذه الحاء أشار في "ألفية المصطلح" حيث قال: وَكَتَبُوا (ح) عِنْدَ تَكْرِيرِ سَنَدْ ... فَقِيلَ مِنْ "صَحَّ" وَقِيلَ ذَا انْفَرَدْ مِنَ "الحدِيثِ" أَوْ لِتَحْوِيلٍ وَرَدْ ... أَوْ "حَائِلٍ" وَقَوْلهُا لَفْظًا أَسَدْ ٦ - (ومنها): أن عائشة رضي الله تعالى عنها من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، وقد تقدّم بيان المكثرين السبعة في شرح الحديث الأول من الكتاب. ٧ - (ومنها): أن من طُرَف ما يتعلق بـ "إسماعيل ابن علية" ما ذكره الخطيب البغدادي، قال: حَدّث عن إسماعيل ابن علية ابنُ جريج، وموسى بن سهل الْوَشّا، وبين وفاتيهما مائة وتسع وعشرون سنة، وقيل: سبع وعشرون، قال: وحَدّث عن ابن علية إبراهيم بن طهمان، وبين وفاته ووفاة الوشّا مائة وعشر سنين، وقيل: مائة وخمس وعشرون سنة، قال: وحدَّث عن ابن علية شعبة، وبين وفاته ووفاة الوشا مائة وثماني عشر سنة، وحَدَّث عن ابن علية عبدُ الله بن وهب، وبين وفاته ووفاة الوشّا إحدى وثمانون سنة، مات الوَشّا يوم الجمعة، أولي ذى القعدة سنة ثمان وتسعين ومائتين. ذكره النوويّ في "شرحه على صحيح مسلم" (١). والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﵂، أنها (قَالَتْ: تَلَا) أي قرأ (رَسُولُ اللَّه ﷺ هَذ الْآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: يُخبر الله أن في القرآن آيات محكمات، هُنّ أم الكتاب: أي بيناتٌ واضحاتُ الدلالة، لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أُخَر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس، أو بعضهم، فمَن رَدَّ ما اشتبه إلى الواضح منه، وحَكَّمَ مُحْكَمه على متشابهة عنده، فقد اهتدى، ومن عكس انعكس، ولهذا قال تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾

стр. 634

أي أصله الذي يُرْجَع إليه عند الاشتباه. وقال الطيبيّ ﵀: سُمّيت أم الكتاب لأنها بيّنة في نفسها، مبيّنة لما عداها من المتشابهات، فهي كالأصل لهما، كما سُمّيت مكة أم القرى لدحو الأرض منها. انتهى (١) ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ أي تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد تَحتَمِل شيئا آخر من حيث اللفظ والتركيب، لا من حيث المراد. وقد اختَلَفوا في المحكم والمتشابه على أقوال، سيأتي بيانها في المسائل إن شاء الله تعالى. [فائدة]: قوله: إنما تُصرَف "أُخَرُ" لكونها عُدِلت عن الألف واللام؛ لأن أصلها أن تكون صفة بالألف واللام، كالكُبَر والصُّغَر، فلما عُدلت عن مجرى الألف واللام، مُنِعت الصرف. وقال أبو عبيد: لم يَصرفوها؛ لأن واحدها لا يَنصرف في معرفة ولا نكرة. وأنكر ذلك المبرد، وقال: يجب على هذا ألا يَنصرِف غِضَاب وعِطاشٌ. وقال الكسائيّ: لم تنصرف؛ لأنها صفة. وأنكر ذلك المبرد أيضًا، وقال: إن لُبَدًا وحُطَمًا صفتان، وهما منصرفان. وقال سيبويه: لا يجوز أن تكون "أُخَر" معدولة عن الألف واللام؛ لأنها لو كانت معدولة عن الألف واللام لكانت معرفة، ألا ترى أن "سَحَرَ" معرفة في جميع الأقاويل لمَّا كانت معدولةً عن "السَّحَر"، و"أَمْسِ" في قول من قال: ذهب أَمْسِ معدولًا عن "الأمس" فلو كان "أُخَر" معدولا أيضًا عن الألف واللام، لكان معرفةً، وقد وصفه الله تعالى بالنكرة. ذكره القرطبيّ (٢). وقال أبو البقاء: أصل المتشابه أن يكون بين اثنين، فإذا اجتمعت الأشياء المتشابهة، كان كل منها مشابها للآخر، فصح وصفها بأنها متشابهة، وليس المراد أن الآية وحدها متشابهة في نفسها.

стр. 635

وحاصله أنه ليس من شرط صحة الوصف في الجمع، صحة انبساط مفردات الأوصاف على مفردات الوصوفات، وإن كان الأصل ذلك. ذكره في "الفتح" (١). وقال البخاريّ في "صحيحه": ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] قال مجاهد: ما فيه من الحلال والحرام ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] يُصدق بعضه بعضًا، هو مثل قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] إلى آخر ما ذكره. وقوله: ﴿زَيْغٌ﴾ شك ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: ٧] المشتبهات هو تفسير مجاهد أيضًا وصله عبد بن حميد، ولفظه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ قال: شك ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ المشتبهات: الباب الذي ضلوا منه، وبه هلكوا. قاله في "الفتح". وقال أيضًا: قوله: ﴿الرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ﴾ [النساء: ١٦٢] يعلمون، و ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] وصله عبد بن حميد أيضًا عن مجاهد في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ﴾ يعلمون تأويله ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ وعن قتادة قال الراسخون كما يسمعون: آمنا به، كل من عند ربنا، المتشابه والمحكم، فآمنوا بمتشابهه، وعملوا بمحكمه فأصابوا". قال الحافظ: وهذا الذي ذهب إليه مجاهد من تفسير الآية، يقتضي أن تكون الواو في ﴿الرَّاسِخُونَ﴾ عاطفة على معمول الاستثناء. وقد رَوَى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه كان يقرأ: "وما يعلم تأويله إلا الله، ويقول الراسخون في العلم آمنا به"، فهذا يدل على أن الواو للاستئناف؛ لأن هذه الرواية، وإن لم تثبت بها القراءة، لكن أقل درجاتها أن تكون خبرا بإسناد صحيح إلى ترجمان القرآن، فيقدم كلامه في ذلك على من دونه، ويؤيد ذلك أن الآية دلت على ذم متبعي المتشابه؛ لوصفهم بالزيغ، وابتغاء الفتنة، وصرَّح بوفق ذلك حديثُ الباب، ودلت الآية على مدح الذين فَوّضوا العلم إلى الله،

стр. 636

وسَلّموا إليه، كما مدح الله المؤمنين بالغيب. وحَكَى الفراء أن في قراءة أبي بن كعب مثل ذلك، أعني "ويقول الراسخون في العلم آمنا به" (١). (إِلَى قَوْلهِ) متعلّق بـ "تلا": أي قرأ الآية، وأتمّها بقراءة قوله ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧])، وتمام الآية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]. تفسير تمام الآية: قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أي ضلال، وخروج عن الحق إلى الباطل. وقال القرطبيّ: ﴿الَّذِينَ﴾ رفع بالابتداء، والخبر ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ والزيغ الميل، ومنه زاغت الشمس، وزاغت الأبصار، ويقال: زاغ يزيغ: إذا ترك القصد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وهذه الآية تَعُمُّ كل طائفة من كافر، وزنديق، وجاهل، وصاحب بدعة، وإن كانت الإشارة بها في ذلك الوقت إلى نصارى نجران. وقال قتادة في تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ إن لم يكونوا الحرورية، وأنواع الخوارج فلا أدري من هم؟. انتهى (٢). (﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ أي إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يُمكنُهم أن يُحرِّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، ويُنْزِلوه عليها؛ لاحتمال لفظه لِمَا يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه؛ لأنه دافع لهم، وحجة عليهم، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي الإضلال لأتباعهم إيهاما لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهو حجة عليهم لا لهم، كما لو احتجّ النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته، ألقاها إلى

стр. 637

مريم، وتركوا الاحتجاج بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩]، وبقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله، وعبد، ورسول من رُسُل الله. قال الطبريّ: قيل: إن هذه الآية نزلت في الذين جادلوا رسول الله ﷺ في أمر عيسى. وقيل: في أمر مدة هذه الأمة، والثاني أولى؛ لأن أمر عيسى ﵇ قد بينه الله لنبيه ﷺ ، فهو معلوم لأمته، بخلاف أمر هذه الأمة، فإن علمه خفي عن العباد. ذكره في "الفتح" (١). وقوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] أي تحريفه على ما يريدون، وقال مقاتل بن حيان والسديّ: يبتغون أن يعلموا ما يكون، وما عواقب الأشياء من القرآن (٢). وقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ جملة في محل نصب على الحال: أي والحال أنه لا يعلم تأويل: أي ما هو الحقّ، أو حقيقته إلا الله . وقد اختلف القرّاء في الوقف هاهنا، وسيأتي البحث عنه مستوفى في المسائل، إن شاء الله تعالى. وقوله: (﴿وَالرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ﴾ مبتدأ: أي الثابتون في علم الدين الكاملون فيه. قال القرطبيّ: "الرسوخ": الثبوت في شيء، وكلُّ ثابت راسخ، وأصله في الأَجرام أن يَرسَخ الجبل والشجر في الأرض، قال الشاعر [من الطويل]: لَقَدْ رَسَخَتْ في الصَّدْرِ مِنِّي مَوَدةٌ ... لِلَيْلَى أَبَتْ آيَاتُهَا أَنْ تَغَيَّرَا ورَسَخ الإيمانُ في قلب فلان يَرْسَخ رُسوخًا. وحَكَى بعضهم رَسَخَ الغَديرُ:

стр. 638

نَضَبَ ماؤه. حكاه ابن فارس، فهو من الأضداد، ورَسَخَ، ورَضَخَ، ورَصُنَ، ورَسَبَ كُلُّه ثَبَتَ فيه. وسئل النبي ﷺ عن الراسخين في العلم، فقال: "هو مَن بَرَّت يمينه، وصَدَق لسانُه، واستقام قلبه". [فإن قيل]: كيف كان في القرآن متشابه؟، والله يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]؟، فكيف لم يجعله كله واضحا؟. [قيل له]: الحكمة في ذلك -والله أعلم- أن يَظهَر فضلُ العلماء؛ لأنه لو كان كله واضحًا لم يظهر فضل بعضهم على البعض، وهكذا يفعل من يُصَنِّف تصنيفًا، يجعل بعضه واضحًا، وبعضه مشكلًا، ويترك لِلْجُثْوَة (١) موضعًا؛ لأنّ ما هان وجودُه، قَلَّ بهاؤه. انتهى كلام القرطبيّ (٢). وقال في "المرعاة": وحكمة وقوع المتشابه فيه إعلام للعقول بقصورها؛ لتستسلم لبارئها، وتعترف بعجزها، وتَسلَم من العجب والغرور والتكبر والتعزّز. انتهى. وقوله: (﴿يَقُولُونَ﴾ خبر المبتدأ ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ أي بالمتشابه، ووكلنا علمه إلى عالمه (كلّ) من المتشابه والمحكم ﴿مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ أي نزل من عنده، وهو حقّ وصواب. وقال القرطبيّ: فيه ضمير عائد على كتاب الله محكمه ومتشابهه، والتقدير كله من عند ربنا، وحذف الضمير لدلالة "كلّ" عليه، إذ هي لفظة تقتضي الإضافة. قاله القرطبيّ (٣).

стр. 639

﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي ذوو العقول الخالصة، وهم الراسخون في العلم، الواقفون عند متشابهه، العاملون بمحكمه بما أرشدهم الله تعالى إليه في هذه الآية الكريمة. وقال القرطبيّ: أي ما يقول هذا، ويؤمن، ويقف حيث وقف، ويدَع اتّباع المتشابه إلا ذو لُبّ، وهو العقل، ولبّ كل شيء خالِصُهُ، فلذلك قيل للعقل: لبّ، و"أولو" جمع "ذو" من غير لفظه. انتهى. وقال الإمام ابن كثير ﵀: قوله إخبارا عنهم: إنهم ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ أي المتشابه، ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ أي الجميع من المحكم والمتشابه حقّ وصدق، وكل واحد منهما يُصَدِّق الآخرَ، ويشهد له؛ لأن الجميع من عند الله، وليس شيء من عند الله بمختلف، ولا متضاد، كقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: أي إنما يَفْهَم، ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولو العقول السليمة، والفُهوم المستقيمة. انتهى (١). (فَقَالَ) ﷺ (يَا عَائِشَةُ) نادى عائشة لحضورها في ذلك الوقت (إِذَا رَأَيْتُمُ) بضمير المخاطبين، وإنما عدل إلى الجمع للتنبيه على أن معرفة هذا لا يخُصّ عائشة ﵂، بل يعمّها وغيرها، وخاطب الغائبين، وذكّر الضمير للتغليب، ففيه تغليبان متعاكسان، فليُتَأَمّل. قاله السنديّ. وفي رواية البخاريّ: "فإذا رأيتِ" بتاء المخاطب، والخطاب لكل من يَتَأتّى له الخطاب، ولذا أتى بضمير الجمع في قوله: "فاحذروهم"، ويحتمل أن يكون بتاء المخاطبة، والخطاب لعائشة رضي الله تعالى عنها، ويكون قوله: "فاحذروهم" على أسلوب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية [الطلاق: ١]. لأنها أم المؤمنين؛ بيانًا لشرفها، وغزارة علمها، كما يقال لرئيس القوم

стр. 640

وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت؛ إظهارًا لتقدّمه، واعتبارًا لترؤسه. قاله الطيبيّ. (١). (الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيهِ) أي في المتشابه، وفي رواية البخاريّ: "فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه" (فَهُم الَّذِينَ عَنَاهُمُ الله) أي أرادهم بقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، وفي رواية الشيخين: "فأولئك الذين سماهم الله" (فَاحْذَرُوهُمْ) أي لا تجالسوهم، ولا تكالموهم أيها المسلمون، فإنهم أهل البدعة، فيحقّ لهم الإهانة. وقيل: أمر بالحذر منهم احترازًا عن الوقوع في عقيدتهم، فالمقصود التحذير من الإصغاء إليهم. وقال في "الفتح": قوله: "فاحذروهم" في رواية الكشميهني: "فاحذرهم" بالإفراد، والأولى أولى، والمراد التحذير من الإصغاء إلى الذين يتبعون المتشابه من القرآن، وأول ما ظهر ذلك من اليهود -كما ذكره ابن إسحاق- في تأويلهم الحروف المقطعة، وأنّ عَدَدَها بالْجُمَّل مقدار مدة هذه الأمة، ثم أول ما ظهر في الإسلام من الخوارج، حتى جاء عن ابن عباس ﵄ أنه فسّر بهم الآية، وقصة عمر في إنكاره على صَبِيغ (٢) لمّا بلغه أنه يتبع المتشابه، فضربه على رأسه حتى أدماه. أخرجها الدارمي وغيره. وقال الخطابيّ: المتشابه على ضربين: أحدهما: ما إذا رُدَّ إلى الْمُحْكَم، واعتُبِر به عُرِف معناه، والآخر: ما لا سبيل إلى الوقوف على حقيقته، وهو الذي يتبعه أهل الزيغ، فيطلبون تأويله، ولا يبلغون كنهه، فيرتابون فيه، فيُفْتَنون. انتهى (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 641

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا متّفقٌ عليه. [تنبيه]: قد اختُلف في إسناد هذا الحديث، قال فأخرجه المصنّف من طريق أيوب السختيانيّ، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة ﵂، وأخرجه الشيخان من طريق يزيد بن إبراهيم التستريّ، عن ابن أبي مليكة عن القاسم بن محمد، عنها. قال في "الفتح": قد سمع ابن أبي مليكة من عائشة كثيرًا وكثيرًا أيضا ما يُدخل بينها وبينه واسطة، وقد اختُلف عليه في هذا الحديث، فأخرجه الترمذي من طريق أبي عامر الجزّار عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، ومن طريق يزيد بن إبراهيم، كما في الباب -يعني رواية البخاريّ- بزيادة القاسم، ثم قال: روى غير واحد هذا الحديث عن ابن أبي مليكة عن عائشة، ولم يذكروا القاسم، وإنما ذكره يزيد بن إبراهيم. انتهى. وقد أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي الوليد الطيالسي، عن يزيد بن إبراهيم، وحماد بن سلمة جميعًا، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم، فلم ينفرد يزيد بزيادة القاسم، وممن رواه عن ابن أبي مليكة بغير ذكر القاسم أيوبُ أخرجه ابن ماجه من طريقه، ونافعُ بن عمر، وابن جريج، وغيرهما. انتهى (١). والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٧/ ٤٧) فقط، و (البخاريّ) في "التفسير" (٦/ ٤٢) (٤٥٤٧) و (مسلم) في "العلم" (٢٦٦٥) و (أبو داود) (٤٥٩٨) و (الترمذيّ) (٢٩٩٣) و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٨) و (البخاريّ) في "خلق أفعال العباد" (٣٠) و (الدارميّ) في "سننه" (١٤٧) و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٣) و (٧٦) و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" ٢٥١٥ و ٢٥١٦ و ٢٥١٧ و ٢٥١٨ و (البيهقيّ) في

стр. 642

"دلائل النبوة" (٦/ ٥٥٤٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو وجوب اجتناب الْجَدَل. ٢ - (ومنها): بيان النبيّ ﷺ لمعنى هذه الآية الكريمة؟ لأن الله وكَلَ إليه بيان معاني القرآن لأمته، حيث قال : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية. ٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: في الحديث التحذير من مخالطة أهل الزيغ، وأهل البِدَع، ومن يتبع المشكلات للفتنة، فأما من سأل عما أشكل عليه للاسترشاد، وتلطّف في ذلك، فلا بأس به، وجوابه واجب، وأما الأول فلا يُجاب، بل يُزجرُ، ويُعزّر كما عزّر عمر بن الخطّاب ﵁ صَبِيغَ بن عِسْل حين كان يتبع التشابه. انتهى. ٤ - (ومنها): أن في ختم الآية بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ تعريض بالزائغين، ومدح للراسخين -يعني من لم يتذكّر، ويَتّعِظ، ويتبع هواه، ليس من أولى الألباب، ومن ثَمَّ قال الراسخون: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨] خَضَعوا لباريهم؛ لاستنزال العلم اللدني، واستعاذوا به من الزيغ النفساني. قاله الطيبيّ (١). ٥ - (ومنها): ما قال بعضهم: دلت الآية على أن بعض القرآن محكم، وبعضه متشابه، ولا يعارض ذلك قوله : ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]، ولا قوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢] حتى زعم بعضهم أن كله محكم، وعكس آخرون؛ لأنّ المراد بالإحكام في قوله: ﴿أُحْكِمَتْ﴾ الإتقان في النظم، وأن كلها حقٌّ من عند الله، والمراد بالتشابه كونه يُشبه بعضه بعضًا في حسن السياق والنظم أيضًا، وليس المراد اشتباه معناه على سامعه.

стр. 643

وحاصل الجواب أن المحكم وَرَدَ بإزاء معنيين، والمتشابه ورد بإزاء معنيين. انتهى (١). ٦ - (ومنها): ما قال بعضهم: العقل مُبْتَلىً باعتقاد حقيقة المتشابه، كابتلاء البدن بأداء العبادة، فالحكيم إذا صَنّف كتابًا أجمل فيه أحيانًا، ليكون موضع خضوع المتعلم لأُستاذه، وكالملك يتخذ علامة يمتاز بها من يُطلِعه على سر. وقيل: لو لم يُبْتَلَ العقلُ الذي هو أشرف البدن لاستمر العَالِم في أُبَّهَة العلم على التمرد، فبذلك يَستأنس إلى التذلل بعز العبودية، والمتشابه هو موضع خضوع العقول لباريها؛ استسلامًا واعترافًا بقصورها. ذكره في "الفتح" (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في المراد بالمحكم والمتشابه: قال العلامة أبو عبد الله القرطبيّ: اختَلَف العلماء في المحكمات والمتشابهات على أقوال عديدة، فقال جابر بن عبد الله -وهو مقتضى قول الشعبي وسفيان الثورى وغيرهم-: المحكمات من آي القرآن ما عُرِف تأويله، وفُهِم معناه وتفسيره، والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل، مما استاثر الله تعالى بعلمه دون خلقه. قال بعضهم: ذلك مثلُ وقت قيام الساعة، وخروج يأجوج ومأجوج، والدجال، ونحو الحروف المقطعة في أوائل السور. قال القرطبيّ: هذا أحسن ما قيل في المتشابه. وقال الربيع بن خُثَيم: إن الله تعالى أنزل هذا القرآن فاستأثر منه بعلم ما شاء. وقال أبو عثمان: المحكم فاتحة الكتاب التي لا تجزيء الصلاة إلا بها. وقال محمد ابن الفضل: سورة الإخلاص؛ لأنه ليس فيها إلا التوحيد فقط. وقد قيل: القرآن كله محكم؛ لقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾. وقيل: كلّه متشابه؛ لقوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾

стр. 644

وهذا -كما قال القرطبيّ- وليس في معنى الآية في شيء، فإن قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾: أي في النظم والرَّصف، وأنه حقّ من عند الله. ومعنى ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾: أي يُشبه بعضه بعضًا، ويُصَدِّق بعضه بعضًا، وليس المراد بقوله: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ هذا المعنى، وإنما المتشابه في هذه الآية من باب الاحتمال والاشتباه، من قوله: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠] أي التبس علينا، أي يحتمل أنواعا كثيرة من البقر. والمراد بالمحكم ما في مقابلة هذا، وهو ما لا التباس فيه، ولا مجتمل إلا وجهًا واحدًا. وقيل: إن المتشابه ما يحتمل وجوهًا، ثُمّ إذا ردت الوجوه إلى وجه واحد، وأُبطل الباقي صار المتشابه محكمًا، فالمحكم أبدًا أصلٌ تُرَدُّ إليه الفروع، والمتشابه هو الفرع. وقال ابن عباس ﵄: المحكمات هو قوله في "سورة الأنعام": ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى ثلاث، آيات وقوله في "بني إسرائيل": ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، قال ابنُ عطية: وهذا عندي مثال أَعطاه في المحكمات. وقال ابن عباس أيضًا: المحكمات ناسخه وحرامه وفرائضه وما يُؤمَن به ويعمل به، والمتشابه: المنسوخات ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه، وما يؤمن به، ولا يعمل به. وقال ابن مسعود وغيره: المحكمات الناسخات، والمتشابهات المنسوخات، وقاله قتادة والربيع والضحاك. وقال محمد بن جعفر بن الزبير: المحكمات هي التي فيها حُجّة الرب، وعِصْمَةُ العباد، ودفع الْخُصُوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وُضِعْنَ عليه، والمتشابهات لهنّ تصريف وتحريف وتأويل، ابْتَلَى اللهُ فيهن العباد. وقاله مجاهد، وابنُ إسحاق. قال ابن عطية: وهذا أحسن الأقوال في هذه الآية. قال النحاس: أحسنُ ما قيل في المحكمات والمتشابهات: أن المحكمات ما كان قائمًا بنفسه، لا يَحتاج أن يُرجَع فيه إلى

стр. 645

غيره، نحوُ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [طه: ٨٢] والمتشابهات نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] يُرجَع فيه إلى قوله جل وعلا: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾، وإلى قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ﴾ [النساء: ٤٨]. قال القرطبيّ: ما قاله النحاس يُبَيِّن ما اختاره ابن عطية، وهو الجاري على وضع اللسان، وذلك أن المحكم اسم مفعول من أُحكِم، والإحكامُ: الإتقانُ، ولا شك في أنّ ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردد، إنما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته، وإتقان تركيبه، ومتى اختل أحد الأمرين جاء التشابه والإشكال. والله أعلم. وقال ابن خويزِ مَنْدَاد: للمتشابه وجوه، والذي يه يتعلق به الحكم ما اختَلَفَ فيه العلماء أيُّ الآيتين نسخت الأخرى، كقول علي وابن عباس ﵃ في الحامل المتوفى عنها زوجها: تَعْتَدُّ أقصى الأجلين، فكان عمر وزيد بن ثابت وابن مسعود وغيرهم ﵃ يقولون: وضع الحمل، ويقولون: سورة النساء القُصْرَى نَسَخت أربعةَ أشهُر وعشرًا، وكان علي وابن عباس يقولان: لم تُنسخ. وكاختلافهم في الوصية للوارث، هل نُسخت أم لم تنسخ. وكتعارض الآيتين أيُّهما أولى أن تُقَدَّم إذا لم يُعرَف النسخ، ولم توجد شرائطه، كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] يَقتضِي الجمع بين الأقارب من ملك اليمين، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] يمنع ذلك. ومنه أيضًا تعارض الأخبار عن النبي ﷺ ، وتعارض الأقيسة، فذلك المتشابه، وليس من المتشابه أن تقرأ الآية بقراءتين، ويكون الاسم مُحْتَمِلًا أو مُجملًا يَحتاج إلى تفسير؛ لأن الواجب منه قدر ما يتناوله الاسم أو جميعه، والقراءتان كالآيتين يجب العمل بموجبهما جميعًا، كما قريء: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] بالفتح والكسر. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (١).

стр. 646

[تنبيه]: قد اقتصر في "الفتح" على ذكر قولين من هذه، فقال: المحكم من القرآن ما وَضَح معناه، والمتشابة نقيضه، وسُمّي المحكم بذلك؛ لوضوح مفردات كلامه، وإتقان تركيبه، بخلاف المتشابه. وهذا هو معنى القول الذي رجحه ابن عطيّة. قال: وقيل: المحكم ما عُرِف المراد منه، إما بالظهور، وإما بالتأويل، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه، كقيام الساعة، وخروج الدجال، والحروفِ المقطعة في أوائل السور. وهذا هو القول الأول الذي استحسنه القرطبيّ. قال: وقيل في تفسير المحكم والمتشابه أقوال غير هذه نحوُ العشرة، ليس هذا موضع بسطها، وما ذكرته أشهرها، وأقربها إلى الصواب. وذكر الأستاذ أبو منصور البغدادي: أن الأخير هو الصَّحيح عندنا، وابن السمعاني أنه أحسن الأقوال، والمختار على طريقة أهل السنة، وعلى القول الأول جرى المتأخرون. انتهى ما في "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قال أبو منصور، وابن السمعاني هو الأرجح. وهو الذي استحسنه العلامة القرطبيّ، والحافظ ابن كثير (٢)، والله تعالى أعلم. وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى في "شرح المشكاة": قد افتقرنا في بيان هذا الحديث إلى الكشف عن المراد بالمحكم والمتشابه، فيتّضح المحِقُّ من المبطِل من أبواب التأويل، فنقول -وبالله التوفيق-: المراد بالمحكم ما اتضح معناه، والمتشابه بخلافه؛ لأن اللفظ الذي يفيد معنًى، إما أن يحتمل غيره أو لا، الثاني: النص، والأول إما أن تكون دلالته على ذلك المعنى راجحة أو لا، والأول هو الظاهر، والثاني إما أن يكون مساويه أو لا، والأول هو المجمل، والثاني المؤول، فالمشترك بين النص والظاهر هو المحكم، والمشترك بين المجمل والمؤول هو

стр. 647

المتشابه، هكذا ينبغي أن يقسّم؛ لأنه أوقع المحكم مقابلا للمتشابه في قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، وهو ما لم يتّضح معناه، فالواجب أن يُفَسَّر المحكم بما يقابله مما يتّضح معناه. ويعضِد ما ذكرنا أسلوبُ الآية، وهو الجمع بين التفريق والتقسيم، وذلك أنه تعالى لمّا فَرّق ما جَمَع في معنى الكتاب بأن قال: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] أراد أن يُضِيف إلى كُلٍّ منهما ما يناسبهما من الحكم، فقال أوّلًا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧]، وثانيًا قال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] وكان يُمكن أن يقال: وأما الذين في قلوبهم استقامة فيتبعون المحكم، لكنه وضع موضع ذلك ﴿وَالرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا﴾، وإنما وضع ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا﴾ موضع "يتبعون المحكم" لإيثار لفظ الرسوخ في الابتداء؛ لأن الرسوخ في العلم لا يحصل إلا بعد التتبع التام، والاجتهاد البليغ، فإذا استقام القلب على طريق الرشاد، ورَسَخَ القدمُ في العلم، أفصح صاحبه النطق بالقول الحق؛ إرشادًا للخلق، وكفى بدعاء الراسخين في العلم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨] شاهدًا على أن ﴿وَالرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ﴾ مقابِلٌ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، وفيه إشارة إلى أنّ الوقف على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، والابتداءُ بقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ وقفٌ تامّ، وإلى أن علم بعض المتشابه مختص بالله تعالى، وأنّ من حاول معرفته، هو الذي أشار إليه في الحديث بقوله: "فاحذروهم". انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: ذكر الإمام البخاري في "صحيحه" عن سعيد بن جبير قال رجل (٢)

стр. 648

لابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ، قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ في الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] وقال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧]، ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، فقد كتموا في هذه الآية، وقال: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧] إلى قوله: ﴿دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]، فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ في يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩]، إلى ﴿طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] فذكر في هذا خلق الأرض قبل خلق السماء، قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا - عَزِيزًا حَكِيمًا - سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، فكأنه كان ثم مضى. فقال -يعني ابن عباس-: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠١] في النفخة الأولى، ثم ينفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فلا أنساب بينهم عند ذلك، ولا يتساءلون، ثم في النفخة الآخرة: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ [الصافات: ٢٧]، وأما قوله: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، وقال المشركون: تعالَوا نقول: لم نكن مشركين، فخُتِم على أفواههم، فتنطق جوارحهم بأعمالهم، فعند ذلك عُرِفَ أن الله لا يُكتَم حديثًا، وعنده ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية. وخلق الله الأرض في يومين، ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين، ثم دحا الأرض -أي بسطها- ودَحْوُها أن أخرج منها الماء والمرعى، وخلق فيها الجبال والأشجار والآكام وما بينها في يومين آخرين، فذلك قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠] فجُعِلت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخُلِقت السماء في يومين. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ سَمَّى نفسه ذلك، أي لم يزل ولا يزال كذلك، فإن الله لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي أراد، فلا يختلف عليك القرآن، فإن كلا من عند الله. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 649

(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في قوله : ﴿وَالرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ﴾: قال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى: اختَلَف العلماء في ﴿وَالرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ﴾ هل هو كلام مقطوع مما قبله، أو هو معطوف على ما قبله، فتكون الواو للجمع، فالذي عليه الأكثر أنه مقطوع مما قبله، وأن الكلام تم عند قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ هذا قول ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وعروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم، وهو مذهب الكسائيّ، والأخفش، والفراء، وأبي عبيد، وغيرهم. قال أبو نَهِيك الأسدي: إنكم تَصِلُون هذه الآية، وإنها مقطوعة، وما انتهى علم الراسخين إلا إلى قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، وقال مثل هذا عمر بن عبد العزيز، وحكى الطبري نحوه عن يونس، عن أشهب، عن مالك بن أنس. و ﴿يَقُولُونَ﴾ على هذا خبرُ ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾. قال الخطابيّ: وقد جعل الله تعالى آيات كتابه الذي أَمَرنا بالإيمان به، والتصديق بما فيه قسمين: محكمًا ومتشابهًا، فقال عز من قائل: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] إلى قوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]، فأَعلَمَ أن المتشابه من الكتاب قد استأثر الله بعلمه، فلا يَعلَم تأويله أحد غيره، ثم أثنى الله على الراسخين في العلم بأنهم ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، ولولا صحة الإيمان منهم لم يستحقوا الثناء عليه، ومذهب أكثر العلماء أن الوقف التام في هذه الآية إنما هو عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، وأن ما بعده استئناف كلام آخر، وهو قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾. ورُوي ذلك عن ابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن عباس، وعائشة ﵃. وإنما رُوي عن مجاهد أنه نَسَقَ ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ على ما قبله، وزَعَم أنهم يعلمونه، واحتج له بعض أهل اللغة، فقال: معناه: ﴿وَالرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ﴾ يعلمونه قائلين آمنا، وزعم أن موضع ﴿يَقُولُونَ﴾ نَصْبٌ على الحال، وعامة أهل اللغة ينكرونه، ويستبعدونه؛ لأن العرب لا تُضمِر الفعل والمفعول معًا، ولا تَذكُر حالا إلا مع ظهور الفعل، فإذا لم يظهر

стр. 650

فعل فلا يكون حالٌ، ولو جاز ذلك لجاز أن يقال: عبد الله راكبا، بمعنى أقبل عبد الله راكبا، وإنما يجوز ذلك مع ذكر الفعل، كقوله: عبد الله يتكلم، يصلح بين الناس، فكان يصلح حالًا، كقول الشاعر -أنشدنيه أبو عمر قال: أنشدنا أبو عباس ثعلب-: أَرْسَلْتُ فِيهَا قَطِمًا (١) لُكَالِكَا ... يَقْصُرُ يَمْشِي وَيَطُولُ بَارِكَا أي يقصر ماشيًا. فكان قولُ عامة العلماء، مع مساعدة مذاهب النحويين له أولى من قول مجاهد وحده. وأيضًا فإنه لا يجوز أن ينفي الله سبحانه شيئًا عن الخلق، ويُثبِته لنفسه، ثم يكون له في ذلك شريك، ألا ترى قوله : ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقوله: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، فكان هذا كله مما استأثر الله سبحانه بعلمه (٢)، لا يَشركه فيه غيره، كذلك قوله ﵎: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، ولو كانت الواو في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ للنَّسَقِ لم يكن لقوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] فائدة. والله أعلم. قال القرطبيّ: ما حكاه الخطابي من أنه لم يقل بقول مجاهد غيره، فقد رُوي عن ابن عباس أن الراسخين معطوف على اسم الله ، وأنهم داخلون في علم المتشابه، وأنهم مع علمهم به يقولون: آمنا به. وقاله الربيع، ومحمد بن جعفر بن الزبير، والقاسم بن محمد، وغيرهم. و ﴿يَقُولُونَ﴾ على هذا التأويل نَصْبٌ على الحال من الراسخين، كما قال: الرِّيحُ تَبْكِي شَجْوَهَا ... وَالْبَرْقُ يَلْمَعُ في الْغَمَامَه وهذ البيت يحتمل المعنيين، فيجوز أن يكون "البرق" مبتدأ، والخبر "يلمع" على

стр. 651

التأويل الأول، فيكون مقطوعا مما قبله، ويجوز أن يكون معطوفا على "الريح"، و"يلمع" في موضع الحال على التأويل الثاني، أي لامعًا. واحتج قائلوا هذه المقالة أيضًا بأن الله سبحانه مدحهم بالرسوخ في العلم، فكيف يَمدحهم، وهم جُهّال، وقد قال ابن عباس: أنا ممن يَعلَم تأويله. وقرأ مجاهد هذه الآية، وقال: أنا ممن يعلم تأويله، حكاه عنه إمام الحرمين أبو المعالي. قال القرطبيّ: وقد رَدّ بعضُ العلماء هذا القول إلى القول الأول، فقال: وتقدير تمام الكلام عند (الله) أن معناه: وما يعلم تأويله إلا الله -يعني تأويل المتشابهات، والراسخوان في العلم يعلمون بعضه، قائلين: آمنا به، كلٌّ من عند ربنا بما نُصِبَ من الدلائل في المحكم، ومكّن من رَدِّه إليه، فإذا علموا تأويل بعضه، ولم يعلموا البعض قالوا: آمنا بالجميع، كلٌّ من عند ربنا، وما لم يُحط به علمنا من الخفايا، مما في شرعه الصالح، فعلمه عند ربنا. [فإن قال قائل]: قد أشكل على الراسخين بعضُ تفسيره، حتى قال ابن عباس: لا أدري ما الأوّاه، ولا ما غِسْلِين؟. [قيل له]: هذا لا يلزم؛ لأن ابن عباس قد عَلِم بعد ذلك، ففسر ما وقف عليه. وجواب أقطع من هذا، وهو أنه سبحانه لم يقل: وكل راسخ، فيجبَ هذا، فإذا لم يعلمه أحد علمه الآخر. ورجح ابن فُورَك أن الراسخين يعلمون التأويل، وأطنب في ذلك، وفى قوله ﷺ لابن عباس: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل" ما يبين لك ذلك: أي علمه معانيَ كتابك، والوقف على هذا يكون عند قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ﴾، قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر (١): وهو الصحيح، فإن تسميتهم راسخين يقتضي أنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوى في علمه جميع من يَفهَم كلام العرب، وفي أيّ شيء هو رسوخهم

стр. 652

إذا لم يعلموا إلا ما يَعلم الجميع، لكن المتشابه يتنوع، فمنه ما لا يُعلَم البتة، كأمر الروح والساعة، مما استأثر الله بغيبه، وهذا لا يتعاطى علمه أحد، لا ابن عباس ولا غيره. فمن قال من العلماء الْحُذّاق بأن الراسخين لا يعلمون علم التشابه، فإنما أراد هذا النوع، وأما ما يمكن حمله على وجوه في اللغة، ومَنَاحٍ في كلام العرب فيُتَأوّل، ويُعلَم تأويله المسقيم، ويُزال ما فيه مما عسى أن يتعلق من تأويل غير مستقيم، كقوله في عيسى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] إلى غير ذلك، فلا يُسمّى أحدٌ راسخًا إلا بأن يعلم من هذا النوع كثيرًا بحسب ما قدر له، وأما من يقول: إن التشابه هو المنسوخ، فيستقيم على قوله إدخال الراسخين في علم التأويل، لكن تخصيصه المتشابهات بهذا غير صحيح. انتهى (١). وذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى بعد ذكر القولين المتقدّمين: ما نصّه: من العلماء من فَصّلَ هذا المقام، قال التأويل يُطلَق، ويراد به في القرآن معنيان: أحدهما: التأويل بمعنى حقيقة الشيء، وما يؤول أمره إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠]، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أي حقيقة ما أُخبِروا به من أمر المعاد، فإن أريد بالتأويل هذا، فالوقف على الجلالة؛ لأن حقائق الأمور، وكنهها لا يعلمه على الجلية إلا الله ، ويكون قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] مبتدأ، و ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] خبره. وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر، وهو التفسير والبيان، والتعبير عن الشيء، كقوله: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦] أي بتفسيره، فإن أريد به هذا المعنى، فالوقف على ﴿وَالرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]، لأنهم يعلمون، ويَفهَمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علمًا بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، وعلى

стр. 653

هذا فيكون قوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] حالًا منهم، وساغ هذا، وإن كان من المعطوف دون المعطوف عليه، كقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] إلى قوله: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا﴾ الآية [الحشر: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] أي وجاء الملائكة صفوفًا صفوفًا. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما تقدّم عن أبي العباس القرطبيّ ترجيحه هو الأرجح، فتأمّله بتأنٍّ وإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال أبو عبد الله القرطبيّ: قال شيخنا أبو العبّاس -يعني القرطبيّ، صاحب المفهم"-: متبعوا المتشابه لا يخلو أن يتبعوه، ويجمعوه طلبًا للتشكيك في القرآن، وإضلال العوام، كما فعلته الزنادقة، والقرامطة (٢) الطاعنون في القرآن، أو طلبًا لاعتقاد ظواهر المتشابه، كما فعلته المجسمة، الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة، مما ظاهره الجسمية، حتى اعتقدوا أن البارىء تعالى جسم مُجَسم، وصورة مصورة، ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وإصبع، تعالى الله عن ذلك، أو يَتَّبِعوه على جهة إبداء تأويلاتها، وإيضاح معانيها، أو كما فعل صَبِيغ حين أكثر على عمر فيه السؤال، فهذه أربعة اقسام: (الأول): لا شك في كفرهم، وأن حكم الله فيهم القتل، من غير استتابة. (الثاني): الصحيح القول بتكفيرهم؛ إذ لا فرق بينهم وبين عُبّاد الأصنام والصور، ويستتابون، فإن تابوا، وإلا قتلوا، كما يُفعل بمن ارتد.

стр. 654

(الثالث): اختلفوا في جواز ذلك؛ بناءً على الخلاف في جواز تأويلها، وقد عُرِف أن مذهب السلف ترك التعرض لتأويلها، مع قطعهم باستحالة ظواهرها، فيقولون: أَمِرُّوها كما جاءت. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إن أراد أن السلف يقولون باستحالة ظواهر الصفات، وأنه لا يجوز إثباتها لله تعالى، فهذا غلطٌ عليهم؛ لأن مذهبهم إثباتها لله تعالى على ظواهرها كما يليق بجلاله، وإن أراد أنهم يقولون باستحالة ثبوتها على الكيفية التي ثبتت بها للمخلوق، فهذا مسلمٌ، ولكن ظاهر عبارته فيها إيهام، فليُتنبّه. والله تعالى أعلم. قال: وذهب بعضهم إلى إبداء تأويلاتها، وحملها على ما يصح حمله في اللسان عليها من غير قطع بتعيين مجمل منها. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذهب هو الذهب الذي سلكه الخلف، وخالفوا فيه السلف، وهو مذهب فاسد، وقد بينّا ذلك في غير هذا الموضع، فتبصّر. والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. قال: (الرابع): الحكم فيه الأدبُ البليغ، كما فعله عمر بصَبِيغ. وقال أبو بكر الأنباريّ: وقد كان الأئمة من السلف، يُعاقبون من يَسأل عن تفسير الحروف المشكلات في القرآن؛ لأن السائل إن كان يَبْغِي بسؤاله تخليد البدعة، وإثارة الفتنة، فهو حقيق بالنكير، وأعظم التعزير، وإن لم يكن ذلك مقصده، فقد استحق العَتْبَ بما اجترم من الذنب؛ إذ أوجد للمنافقين الملحدين في ذلك الوقت سبيلًا إلى أن يَقصِدوا ضَعَفَة المسلمين بالتشكيك والتضليل، في تحريف القرآن عن مناهج التنزيل، وحقائق التأويل، فمن ذلك: ما حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، أنبأنا سليمان بن حماد بن زيد، عن يزيد بن حازم، عن سليمان بن يسار، أن صَبِيغ بن عِسْل (١) قَدِم المدينه، فجعل يسأل

стр. 655

عن متشابه القرآن، وعن أشياء، فبلغ ذلك عمرَ ﵁، فبعث إليه عمر فأحضره، وقد أَعَدَّ له عَرِاجين من عراجين النخل، فلما حَضَر قال له عمر: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صَبِيغ، فقال عمر ﵁: وأنا عبد الله عمر، ثم قام إليه فضرب رأسه بعرجون فشجه، ثم تابع ضربه حتى سال دمه على وجهه، فقال: حسبك يا أمير المؤمنين، فقد والله ذهب ما كنت أجد في رأسي. ثم إن الله تعالى ألهمه التوبة، وقذفها في قلبه، فتاب وحسنت توبته. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال: ٤٨ - (حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ح وحَدَّثَنَا حَوْثَرَةُ (٢) بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ (٣)، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ، إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ"، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ الْآيَةَ [الزخرف: ٥٨]). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَليُّ بْنُ الْمُنْذِرِ) الطَّرِيقيّ الكوفيّ، صدوقٌ يتشيّع [١٠] ٢/ ٢١. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بن غَزْوان الضّبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوق، رُمي بالتشيّع [٩] ٢/ ٢١. ٣ - (حَوْثَرَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ) -بفتح الحاء المهملة، وسكون الواو، بعدها مُثَلّثةٌ مفتوحة- ابن قديد الْمِنْقَريّ، أبو الأزهر البصريّ الورّاق، صدوقٌ من صغار [١٠].

стр. 656

رَوَى عن ابن عيينة، والقطان، وابن مهدي، ومحمد بن بشر العبدي، وأبي أسامة، وغيرهم. وروى عنه ابن ماجه، وابن خزيمة، وزكرياء الساجي، وابن جرير الطبري، وأبو حامد الحضرمي، وابن صاعد، وغيرهم. ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال هو وإبراهيم بن محمد سنان: مات سنة (٢٥٦). تفرّد به المصنّف (١)، وله في هذا الكتاب (٤) أحاديث فقط برقم ٤٨ و ٥١٨ و ١٠٨٧ و ١٢٦٦. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) الْعَبْديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة حافظٌ [٩] ٤/ ٣٤. ٥ - (حَجَّاجُ بْنُ دِينَارٍ) الأشجعيّ، وقيل: السَّلَمِيّ، مولاهم الواسطيّ، صدوقٌ (٢) [٧]. رَوَى عن الحكم بن عتيبة، ومنصور، وأبي بشر، ومعاوية بن قرة، وأبي جعفر الباقر، وأبي غالب صاحب أبي أمامة، وغيرهم. وروى عنه إسرائيل، وشعبة، وإسماعيل بن زكريا، وعيسى بن يونس، ومحمد بن بشر العبدي، ويعلى بن عبيد، وغيرهم. قال ابن المبارك: ثقة. وقال أحمد: ليس به بأس. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: صدوق ليس به بأس. وقال زهير بن حرب، ويعقوب بن شيبة، والعجلي: ثقة. وقال أبو زرعة: صالح صدوق مستقيم الحديث لا بأس به. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال الترمذي: ثقة، مقارب الحديث. وذكره مسلم في "مقدمة كتابه" (٣). وقال ابن خزيمة: في القلب منه. وقال

стр. 657

الدارقطني: ليس بالقوي. وقال أبو داود، وابن عمار: ثقة. وكذا قال ابن المديني. وقال عبدة بن سليمان: ثنا حجاج بن دينار، وكان ثَبْتًا. وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب (٤) أحاديث فقط برقم ٤٨ و١٧٨٥ و ٢٧٨٤ و ٣٠٢٤. ٦ - (أَبُو غَالِبٍ) -بالغين المعجمة- صاحب أبي إمامة البصريّ، نزيل أصبهان، قيل: اسمه الحَزَوَّر، وقيل: سعيد بن الحْزَوَّر، وقيل: نافع مولى خالد بن عبد الله الْقَسْريُّ، وقيل: الأمويّ، وقيل: مولى بني أسيد، وقيل: مولى عبد الرحمن الْحَضْرَميّ، وقيل: مولى بني راسب، وقيل: مولى بني ضُبيعة، وقيل: مولى باهلة، صدوقٌ يُخطىء [٥]. رَوَى عن أبي إمامة الباهلي، وأنس بن مالك، وأم الدرداء. وروى عنه الأعمش، وحسين بن واقد المروزي، وحسين بن المنذر الخراسانيّ، وأبو خَلْدة خالد بن دينار، وحجاج بن دينار، والربيع بن صَبِيح، وعبد العزيز بن صُهيب، وصفوان بن سليم، ومالك بن دينار، وأبو مرزوق، ومبارك بن فَضَالة، وحماد بن سلمة، وسفيان بن عيينة، وآخرون. قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: صالح الحديث. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي. وقال النسائيّ: ضعيف. وقال الدارقطنيّ: ثقة. وقال ابن عديّ: قد رُوي عن أبي غالب حديثُ الخوارج بطوله، وهو معروف به، ولم أر في أحاديثه حديثًا منكرًا، وأرجو أنه لا بأس به. وحسن الترمذي بعض أحاديثه، وصحّح بعضها. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به، إلا فيما وافق الثقات. وقال ابن سعد: كان ضعيفًا. وقال الْبَرْقانيّ عن الدارقطنيّ: أبو غالب حَزَوَّر بصري يُعتَبر به. ووثقه موسى بن هارون. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه. وله في هذا الكتاب (٤) أحاديث فقط برقم ٤٨ و١٧٢ و ١٤٨٣ و ٤٠٠٢. ٧ - (أَبُو أُمَامَةَ) صُدَيّ -بالتصغير- ابن عَجْلان بن الحارث، ويقال: ابن وهب،

стр. 658

ويقال: ابن عمرو بن وهب بن عريب بن وهب بن رِياح بن الحارث بن معن بن مالك ابن أَعْصُر الباهليّ الصحابيّ مشهور بكنيته، رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن عمر، وعثمان، وعلي، وأبي عبيدة بن الجراح، وعبادة بن الصامت، وعمرو بن عَبَسَة، وغيرهم. ورَوَى عنه سليمان ابن حبيب المحاربي، ومحمد بن زياد الألهانيّ، وأبو سَلّام الأسود، ومكحول الشامي، وشهر بن حوشب، والقاسم بن عبد الرحمن ورجاء بن حَيْوة، وسالم بن أبي الجعد، وخالد بن معدان، وأبو غالب الراسبي، وسليم بن عامر، وجماعة. قال ابن سعد: سكن الشام. وروى أبو يعلى من طريق أبي غالب، عن أبي أمامة، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى قوم فانتهيت إليهم، وأنا طَاوٍ، وهم يأكلون الدم، فقالوا: هَلُمّ، قلت: إنما جئتُ أنهاكم عن هذا، فنمت وأنا مغلوب، فأتاني آت بإناء فيه شراب، فأخذته وشربته، فكَظَّني بطني (١)، فشَبِعتُ ورَوِيتُ، ثم قال لهم رجل منهم: أتاكم رجل من سَرَاة قومكم، فلم تُتحفوه، فأتوني بلبن، فقلت: لا حاجة لي به، وأريتهم بطني فأسلموا عن آخرهم. ورواه البيهقي في "الدلائل"، وزاد فيه: أنه أرسله إلى قومه باهلة. وقال ابن حبان كان مع علي بصفين، مات أبو أمامة الباهلي سنة ست وثمانين. قال ابن الْبَرقيّ بغير خلاف، وأثبت غيره الخلاف، فقيل: سنة إحدى، قاله محمد بن سعد. وقال عبد الصمد بن سعيد: ولما مات خَلَف ابنا يقال له: المغلس، وله -يعني صاحب الترجمة- مائة وست سنين، فقد صح عنه أن النبي ﷺ مات، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وأخرج البخاري في "تاريخه" من طريق حُميد بن ربيعة: رأيت أبا أمامة خرج من عند الوليد بن عبد الملك في ولايته سنة ست وثمانين، ومات ابنه الوليد سنة ست وتسعين، قال: وقال الحسن -يعني ابن رافع عن ضمرة في "فضائل الصحابة" لخيثمة من طريق وهب بن صدقة، سمعت جدي يوسف بن حزن الباهلي، سمعت أبا أمامة

стр. 659

الباهلي يقول: لما نزلت: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية [الفتح: ١٨] قلت: يا رسول الله أنا ممن بايعك تحت الشجرة، قال: "أنت مني وأنا منك". وأخرج أبو يعلى من طريق رجاء بن حيوة، عن أبي أمامة: أنشأ رسول الله ﷺ غَزْوًا، فأتيته، فقلت: ادع الله لي بالشهادة، فقال: "اللهم سَلِّمْهم، وغنمهم ... " الحديث (١). وأخرج البيهقيّ من طريق سُلَيم بن عامر: جاء رجل إلى أبي أمامة، فقال: إني رأيت في منامي الملائكة تصلّي عليك كلما دخلت، وكلما خرجت، وكلما قمت، وكلما جلست. الحديث سنده صحيح. ذكره في "الإصابة" (٢). وقال في "تهذيب التهذيب": وقال سليم بن عامر: قلت له: مثلُ مَن أنت يومئذ -يعني يوم حجة الوداع-؟ قال: أنا يومئذ ابن ثلاثين سنة. قال ابن عيينة: هو آخر من مات من الصحابة بالشام. وقال إسماعيل بن عياش، وأبو اليمان، وأحمد بن محمد بن عيسى، صاحب "تاريخ حمص": مات سنة إحدى وثمانين بحمص. وقال عمرو بن عليّ، وخليفة، وأبو عبيد، وغير واحد: مات سنة (٨٦)، زاد بعضهم: وهو ابن (٩١) سنة. قال الحافظ: لا يستقيم هذا القدر من سِنِّه مع قوله: إنه كان يوم حجة الوداع ابن ثلاثين، بل مقتضاه أن يكون جاوز المائة بست سنين، أو أكثر. وقال ابن حبان: كان مع عليّ بصِفِّين. وقال البخاري: قال خالد بن خَلِيّ عن محمد بن حرب، عن حميد بن ربيعة: رأيت أبا أُمامة خارجا من عند الوليد في ولايته. وقال ضمرة: مات عبد الملك سنة (٨٦) وهذا يُقَوّي قول مَن قال: إن أبا إمامة مات سنة (٦). وفي الطبراني من طريق راشد بن سعد وغيره، عن أبي أُمامة ما يدل على أنه شَهِدَ أُحُدًا، لكن إسناده ضعيف (٣).

стр. 660

أخرج له الجماعة، وله (٢٥٠) حديثًا، أخرج البخاريّ منها خمسة، ومسلم ثلاثة، وله في هذا الكتاب (٤٤) حديثًا. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله موثّقون. ٣ - (ومنها): أن صحابيّه آخر من مات من الصحابة ﵃ بالشام. ٤ - (ومنها): أن جملة ما رواه المصنّف لأبي أمامة ﵁ (٤٤) حديثًا، ولكلٍّ من حَوْثَرة، وحجاج بن دينار أربعة أحاديث، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) صُدَيّ بن عجلان الباهليّ ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ، إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ) أي أُعطوه، فجملة "أوتوا" حال، وقد مقدّرة على رأي، والمستثنى منه أعمّ الأحوال، وصاحبها الضمير المستتر في خبر "كان". هكذا قال الطيبيّ، وتعقّبه السنديّ، وعبارته: وذو الحال فاعل "ما ضلّ"، لا الضمير المستتر في خبر "كان" كما توهّمه الطيبيّ، فإنه معنى فاسد، وإن كان الضمير المذكور راجعًا إلى فاعل "ما ضلّ"، فليُفهم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن دعوى السنديّ فساد المعنى على ما قاله الطيبيّ مما لا وجه له، كما يدلّ عليه آخر كلامه، فافهم. والله تعالى أعلم. والمعنى: ما ضلّ قوم مَهديّون كائنين على حال من الأحوال إلا على إيتاء الجدل، يعني أن من ترك سبيل الهدى، وركب متن الضلال عارفًا بذلك لا بُدّ أن يسلُك طريق العناد واللَّجَاج، ولا يتمشّى له ذلك إلا بالجدل. قاله الطيبيّ. وقال في "المرعاة": والمعنى: ما كان وقوعهم في الضلالة إلا بسبب الجدال، وهو الخصام بالباطل، وضرب الحقّ به، وضرب الحقّ بعضه ببعض بإبداء التعارض والتدافع والتنافي بينهما، لا المناظرة لطلب الصواب، مع التفويض إلى الله عند العجز

стр. 661

عن معرفة الكنه. انتهى (١). (ثُمَّ تَلَا) أي قرأ النبيّ ﷺ توضيحًا لا ذكره بذكر مثال له، لا للاستدلال به على الخصم المذكور، فإنه لا يدلّ عليه. (هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨]) هكذا في رواية المصنّف، وفي رواية أحمد، والترمذيّ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨]. وقوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ﴾ أي هذا المثل ﴿لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ أي إلا لمخاصمتك، وإيذائك بالباطل، لا لطلب الحقّ. [فإن قلت]: قريشٌ ما كانوا على الهدى، فلا يصلح ذكرهم مثالًا. [قلت]: نُزّل تمكّنهم منه بواسطة البراهين الساطعة منزلة كونهم عليه، فحيث دفعوا بعد ذلك الحقّ بالباطل، وقرّروا الباطل بقولهم: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ يريدون أنهم يعبدون الملائكة، وهم خير من عيسى، وقد عبده النصارى، فحيث صحّ لهم عبادته صحّ لنا عبادتهم بالأولى، فصاروا مثالًا لما فيه الكلام. وقيل: الأصحّ في معنى الآية أن عبد الله بن الزِّبَعرى قبل إسلامه جادل رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ الآية [الأنبياء: ٩٨]، آالهتنا أي الأصنام خير عندك أم عيسى؟، فإن كان في النار، فلتكن آلهتنا معه. والجواب عن هذه الشبهة بوجهين: الأول: أن "ما" لغير ذوي العقول، فالإشكال نشأ عن الجهل باللغة العربية. والثاني: أن عيسى والملائكة خُصّوا عن هؤلاء بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]. [تنبيه]: قال الحافظ ابن كثير ﵀: وكأن السبب في ذلك ما ذكره محمد بن

стр. 662

إسحاق في "السيرة" -١٤٤٠ - حيث قال: وجلس رسول الله ﷺ فيما بلغني يومًا مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله ﷺ ، فعرض له النضر بن الحارث، فكلمه رسول الله ﷺ حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ الآية [الأنبياء: ٩٨] ثم قام رسول الله ﷺ ، وأقبل عبد الله بن الزِّبَعْري التميمي حتى جلس، فقال الوليد بن الغيرة له: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب وما قعد، وقد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال عبد الله بن الزبعري: أما والله لو وجدته لخصمته، سلوا محمدًا أكلُّ ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرًا، والنصارى تعبد المسيح عيسى ابن مريم، فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعري، ورأوا أنه قد احتج وخاصم، فذُكِر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "كلُّ من أحب أن يُعبَد من دون الله فهو مع عبده"، فإنهم إنما يعبدون الشيطان، ومن أمرهم بعبادته، فأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]: أي عيسى وعزير ومن عُبد معهما من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله ، فاتخذهم من بعدهم من أهل الضلالة أربابًا من دون الله، ونزل فيما يُذكر من أنهم يعبدون الملائكة، وأنهم بنات الله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ الآيات [الأنبياء: ٢٦]، ونزل فيما يُذكر من أمر عيسى ﵊، وأنه يُعبد من دون الله، وعَجِب الوليد ومن حضره من حجته وخصومته: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧]: أي يصدون عن أمرك بذلك من قوله، ثم ذُكر عيسى ﵊، فقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً في الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٥٩، ٦١] أي ما وضع على يديه من الآيات من إحياء

стр. 663

الموتى، وإبراء الأسقام، فكفى به دليلًا على علم الساعة، يقول: ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦١] انتهى (١). وقوله: ﴿بَلْ هُمْ﴾ أي الكفار ﴿قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ أي كثيرو الخصومة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي أمامة الباهليّ ﵁ هذا حسنٌ (٢). [فإن قلت]: ضعفه بعضهم؛ لأجل الكلام في أبي غالب. [قلت]: أبو غالب هذا رجل معروف، رَوَى عن جماعة، وروى عنه جماعة، ووثّقه موسى بن هارون، والدارقطنيّ، وقال ابن معين: صالح الحديث، وقال ابن عديّ: لا بأس به، وتكلم فيه غيرهم كما سبق في ترجمته، وصحح الترمذيّ حديثه هذا، وكذا صححه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٤٤٨)، ووافقه الذهبيّ، فمن كان بهذه الحالة، فأقلّ أحواله أن يكون حسن الحديث، فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّر بالاعتساف. والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٧/ ٤٨) بهذا السند فقط، وأخرجه (الترمذيّ) في "التفسير" (٣٢٧٣) و (أحمد) في "مسنده" ٥/ ٢٥٢ و ٢٥٦. و (الحاكم) في "المستدرك" ٢/ ٤٤٨ وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبيّ، والله تعالى أعلم.

стр. 664

(المسألة الثالثة): في البحث عما يتعلّق بالجدل: قد تكلّمتُ فيما سبق في نبذة من معنى الجدل، ووعدت أن أتمّم البحث فيه هنا، فوفاءً بما وعدت أقول: قال الحافظ أبو بكر الخطيب ﵀: أما الجدل، فهو تردّد الكلام بين الخصمين إذا قصد كل واحد منهما إحكام قوله، ليدفع به قول خصمه، وهو مأخوذ من الإحكام، يقال: دِرْعٌ مجدولةٌ، إذا كانت محكمةَ النسج، وحبلٌ مجدُولٌ: إذا كان محُكم الْفَتْل، والجدالة: وجه الأرض إذا كان صلبًا، ولا يصحّ الجدل إلا من اثنين، ويصحّ النظر من واحد، والجدَل كلّه سؤال وجواب، فالسؤال هو الاستخبار، والجواب هو الإخبار. قال: احتجّ من ذهب إلى إبطال الجدال بقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ في آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [الشورى: ٣٥]، وبقوله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ الآية [آل عمران: ٢٠]. ومن السنّة بحديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما ضلّ قوم ... " الحديث (١). وعن الخليل بن أحمد قال: "ما كان جدَلٌ قطّ إلا أتى بعده جدَلٌ يُبطله" (٢). وعن إسحاق بن عيسى الطبّاع قال: رأيت مالك بن أنس يَعيب الجدال والمراء في الدين، قال: أفكلما كان رجلٌ أجدل من رجل أردنا أن يردّ ما جاء به جبريل إلى النبيّ ﷺ (٣). وعن إسحاق بن عيسى بن الطباع قال: رأيت رجلًا من أهل المغرب جاء مالكًا، فقال: إن هذه الأهواء كثُرت قِبَلنا، فجعلت على نفسي إن أنا رأيتك أن آخذ بما تأمرني، فوصف له مالك شرائع الإسلام: الزكاة، والصلاة، والصوم، والحجّ، ثم قال: خذ

стр. 665

بهذا، ولا تُخاصم أحدًا في شيء. وعن عبد الله الأزديّ قال: حدّثني عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون بهذه الرسالة، وقرأها عليّ: "أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتّباع سنّة رسول الله ﷺ ، وتركِ ما أحدث المُحدِثون في دينهم مما قد كُفُوا مؤونته، وجَرَت فيهم سنته، ثم اعلم أنه لم تكن بدعة قطّ إلا وقد مضى قبلها دليلٌ عليها، فعليك بتقوى الله، ولزوم السنّة، فإنها لك -بإذن الله- عِصمةٌ، وإنما جُعلت السنّة يُستنّ بها، ويُعتمد عليها، وإنما سنّها من علم ما في خلافها من الزلل والخلاف والتعمّق، فارض لنفسك ما رَضُوا لأنفسهم، فإنهم بعلم وقَفُوا، وببصرٍ ما كفّوا، ولهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضلٍ لو كان فيها أحرى، وإنهم لهم السابقون، فإن كان الهدى ما أحدثتم، وما أنتم عليه لقد سبقتموهم، ولئن قلتم: حَدَثَ حَدَثٌ بعدهم فما أحدثه إلا من اتّبع غير سبيلهم، ورَغِب بنفسه عنهم، وقد وضعوا ما يَكفِي، وتكلّموا بما يَشفِي، فما دونهم مُقَصِّر، ولا فوقهم محسنٌ، وإنهم من ذلك لعلى هدى مستقيم، فارجعوا إلى معالم الهدى، وقولوا كما قالوا، ولا تُفرّقوا بين ما جَمَعوا، ولا تَجمعوا بين ما فرّقوا، فإنهم جُعلوا لكم أئمة وقادة، هم حَمَلُوا إليكم كتاب الله، وسنّة نبيّه ﷺ ، فهم على ما حَمَلوا إليكم من ذلك أُمناءُ، وعليكم فيه شُهداء، واحذروا الجدل، فإنه يُقرّبكم إلى كلّ موبقة، ولا يُسْلِمكم إلى ثقة. فنظرنا في كتاب الله تعالى، وإذا فيه ما يدلّ على الجدال والحِجَاج، فمن ذلك قوله ﵎: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ الآية [النحل: ١٢٥]، فأمر الله رسوله ﷺ في هذه الآية بالجدال، وعلّمه فيها جميع آدابه، من الرفق والبيان والتزام الحقّ والرجوع إلى ما أوجبته الحجة. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ الآية [العنكبوت: ٤٦]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ في رَبِّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٨]. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣]، وكتاب الله تعالى لا

стр. 666

يتعارض، ولا يَختلف، فتضمّن الكتاب ذمّ الجدال، والأمرَ به، فعلمنا علمًا يقينًا أن الذي ذمّه غير الذي أمر به، وأن من الجدال ما هو محمود مأمورٌ به، ومنه مذمومٌ منهيّ عنه، فطلبنا البيان لكلّ واحد من الأمرين، فوجدناه تعالى قد قال: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر: ٥]، وقال: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ في آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٣٥]، فبيّن الله في هاتين الآيتين الجدال المذموم، وأعلمنا أنه الجدال بغير حجة، والجدال في الباطل. فالجدال المذموم وجهان: أحدهما: الجدال بغير علم. والثاني: الجدال بالشَّغَب والتمويه؛ نُصرةً للباطل بعد ظهور الحقّ وبيانه، قال الله تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: ٥]. وأما الجدال المحقّ، فمن النصيحة في الدين، ألا ترى إلى قوم نوح ﵇ حيث قالوا: ﴿يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: ٣٢]، وجوابه لهم: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]، وعلى هذا جرت سُننٌ رسول الله ﷺ ، فأخرج بسنده عن أنس ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" (١). فأوجب المناظرة للمشركين، كما أوجب النفقة والجهاد في سبيل الله، وعلّمنا رسول الله ﷺ وَضَع السؤال موضعه، وكيفيّةَ المحاجّة في الحديث الذي ذَكَر فيه محاجّة آدم موسى ﵉. ثم أخرج بسنده عن طاوس، قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يُحدّث عن النبيّ ﷺ : "احتجّ آدم وموسى، فقال موسى يا آدم أنت أبونا خَيّبتنا، وأخرجتنا من الجنّة، فقال له آدم: يا موسى اصطفاك الله برسالته، وكتب لك التوراة بيده، لم تلومني على أمر قدّره الله عليّ قبل أن يخلقني

стр. 667

بأربعين سنة؟ قال رسول الله ﷺ ، فحجّ آدم موسى" (١). يعني آدم هو حجّ موسى. قال الخطيب: وَضَع موسى الملامة في غير موضعها، فصار محجوجًا، وذلك أنه لام آدم على أمر لم يفعله، وهو خروج الناس من الجنّة، وإنما هو فعل الله تعالى، ولو أن موسى لام آدم على خطيئته الوجبة لذلك لكان واضعًا للملامة موضعها، ولكان آدم محجوجًا، وليس أحدٌ ملومًا إلا على ما يفعله، لا على ما تولّد من فعله مما فعله غير، والكافر إنما يُلام على فعل الكفر، لا على دخول النار، والقاتل إنما يُلام على فعله لا على موت مقتوله، ولا على أخذ القصاص منه. فعلّمنا رسول الله ﷺ في هذا الحديث كيف نسأل عند المحاجّة، وبين لنا أن المحاجة جائزة، وأن من أخطأ موضع السؤال كان محجوجًا، وظهر بذلك قول الله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١]. وليس هذا الحديث الذي ذكرناه من باب إثبات القَدَر في شيء، وإنما هو وارد فيما وصفْنَاه من محاجّة آدم وموسى، وإثبات القدر إنما صحّ في آيات وأحاديث أُخَر. وعن الشعبيّ، قال: قال عمر لزياد بن حُدير: أتدري ما يَهدِم الإسلام؟. فلا أدري ما أجابه، قال: فقال عمر: زَلّة عالمٍ، وجدالُ منافقٍ، وأئمة مُضلّون". وقد تَحاجّ المهاجرون والأنصار، وحاجّ عبد الله بن عبّاس الخوارج بأمر عليّ بن أبي طالب، وما أَنكَر أحدٌ من الصحابة قطّ الجدال في طلب الحقّ. وأما التابعون ومن بعدهم، فتوسّعوا في ذلك، فثبت أن الجدال المحمود هو طلب الحقّ ونصره، وإظهار الباطل، وبيان فساده، وأن الخصام بالباطل هو اللدد الذي قال النبيّ ﷺ : "أبعض الرجال إلى الله الألدّ الخصم (٢).

стр. 668

وعن عائشة ﵂ أن النبيّ ﷺ قال: "أبغض الرجال إلى الله الألدّ الخَصْم" (١). قال: وجميع ما حكينا أنه تعلّق به من أنكر المجادلة، محمولٌ على أنه أريد به الجدال المذموم الذي وصفناه، على أن مالك بن أنس قد بيّنه، وأنه الجدَلُ الذي يُقصد به ردّ ما جاء جبريل إلى النبيّ ﷺ ، وكذلك قولُ الخليل: "ما كان جدَلٌ قطّ إلا أتى بعده جدَلٌ يُبطله"، أراد به الجدال الذي ينصر به الباطل؛ لأن ما تقدّم وكان حقّا لا يأتي بعده شيء يُبطله، وهو في معنى قولِ عمر بن عبد العزيز: "من جَعَل دينه غَرَضًا للخصومات أكثر التنقّل" (٢). انتهى كلام الحافظ الخطيب رحمه الله تعالى (٣)، وهو كلام نفيس، وبحثٌ أنيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجة ﵀ في أول الكتاب قال: ٤٨ - (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِليٍّ، أَبُو هَاشِمِ بْنِ أَبِي خِدَاشٍ الْمُوْصِليُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِحْصَنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "لَا يَقْبَلُ اللَّهُ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ صَوْمًا، وَلَا صَلَاةً، وَلَا صَدَقَةً، وَلَا حَجًّا، وَلَا عُمْرَةً، وَلَا جِهَادًا، وَلَا صَرْفًا، وَلَا عَدْلًا، يَخْرُجُ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا تَخْرُجُ الشَّعَرَةُ مِنَ الْعَجِينِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بن حفص الْعَسْكَرِيُّ، أبو سهل الدّقّاقُ السَّامَرِيّ، مولى بني هاشم، لقبه بُنَان، صدوقٌ [١٠]. رَوَى عن أبي معاوية الضرير، وحسين بن علي الجعفي، وكثير بن هشام، ومحمد

стр. 669

ابن خِداش، ومحمد الدولابي، وغيرهم. وروى عنه النسائي، وابن ماجه، وابن أبي داود، وعلي بن سعيد العسكري، والخرائطي، ومحمد بن العباس الأخرم، وغيرهم. قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي، وهو صدوق. وقال الخطيب: كان ثقة. وذكره النسائي في "أسماء شيوخه"، وقال: شويخ كتبنا عنه بالثغر صدوق. تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط برقم ٤٩ و٣٣٤٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عِليٍّ، أَبُو هَاشِمِ بْنِ أَبِي خِدَاشٍ) -بكسر المعجمة، وتخفيف الدال- الْمُوْصِليُّ، ثقة عابد [١٠]. رَوَى عن الْمُعَافَى بن عمران، وعيسى بن يونس، وابن عيينة، وعفيف بن سالم، والقاسم بن يزيد الجرمي، ومحمد بن محصن الْعُكَاشي، وغيرهم. ورَوَى عنه ابن أخيه عبد الله بن عبد الصمد بن أبي خداش، ومحمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، وداود بن سليمان العسكري، وعلي بن حرب، ومحمد بن مسلم بن وَارَة، وغيرهم. قال العجلي: ثقة رجل صالح. وقال تمتام: قلت لابن معين: كتبتُ "جامع الثوري" عن أبي هاشم، عن المعافى، فقال: إن هذا الرجل نظير المعافى، أو أفضل منه. وعن بشر بن الحارث أنه كان يقول: وددت أني ألقى الله تعالى بمثل عمل أبي هاشم. وقال أحمد بن دباس الأزدي: كنا عند المعافى، فأقبل أبو هاشم، فقال: من القوم -يعني الأبدال-. وقال العجلي: كلُّ شيء رُوي عن أبي هاشم حديثان. وقال إدريس بن سُليم: كنا عند غسان ابن الرَّبيع، أو يعلى بن مهدي، فجاء نَعْيُ أبي هاشم، وقال قائل: مات شيخ الموصل، فقال: نعم، وشيخ الجزيرة ومصر والشام. قال أبو زكريا في "تاريخ المُوْصِل": من أهل الصلاح والفضل والجهاد، قُتل في سبيل الله تعالى بشِمْشَاط مُقبلًا غير مُدْبر سنة اثنتين وعشرين ومائتين. تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط (١).

стр. 670

٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِحْصَنٍ) نُسِبَ إلى جدّه الأعلى، هو: محمد بن إسحاق بن إبراهيم ابن محمد بن عُكاشَة بن مِحْصَن الأسديّ الْعُكَاشيّ، كذّبوه [٨]. رَوَى عن إبراهيم بن أبي عَبْلة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والأعمش، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو هاشم محمد بن خِداش الوصلي، ومُصعَب بن سعيد، وسليمان ابن سلمة الخبائري، وغيرهم. قال البخاري عن يحيى بن معين: كذّاب. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: كذاب، وقال في موضع آخر: مجهول. وقال ابن حبان: شيخ يضع الحديث على الثقات، لا يحل ذكره إلا على سبيل القدح فيه. وقال الدارقطنيّ: متروك يَضَعُ. ورَوَى له أبو أحمد أحاديث، ثم قال: وهذه الأحاديث مع غيرها لمحمد بن إسحاق كلها مناكير، موضوعة. وقال ابن حبان أيضا: يروي المقلوبات عن الثقات، لا يكتب حديثه إلا للاعتبار، وقال ابن أبي حاتم: رأى أبي معي أحاديث من حديثه، فقال: هذه الأحاديث كذب موضوعة. وقال العقيليّ: الغالب على حديثه الوهم والنكارة، وأورد له بسند صحيح إلى أبي بكر الصديق حديث: "من أكرم مؤمنا فكأنما أكرم الله تعالى"، وقال: حديث باطل لا أصل له. وقال الأزدي: منكر الحديث. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. ٤ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ) -بسكون الموحّدة- واسمه شِمْر -بكسر المعجمة- ابن يقظان بن عبد الله الْمُرْتحل، أبو إسماعيل، ويقال: أبو سعيد الرمليّ، وقيل: الدمشقيّ، ثقة [٥]. أرسل عن عتبة بن غَزْوان، ورَوَى عن أَبِي أُبَيّ بن أم حَرَام امرأة عبادة، وأنس بن مالك، وأم الدرداء الصغرى، وبلال بن أبي الدرداء، وعقبة بن وَسّاج، وعبد الله
следующие страницы →