Полный текст (5 256 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، ثنا أَبُو مَسْعُودٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ الْيَشْكُرِيِّ، ثنا بَشِيرُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ أَبِيهِ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، ثنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ سَعِيدٍ الْقَزَّازُ، ثنا أَبُو مَسْعُودٍ، أنا الرَّقَاشِيُّ، ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْيَشْكُرِيُّ، ثنا بَشِيرُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ «أَتَى أَصْبَهَانَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَبَوْا، فَدَعَاهُمْ إِلَى الْجِزْيَةِ فَأَقَرُّوا ثُمَّ نَكَثُوا، فَقَاتَلَهُمْ وَهَزَمَهُمْ، فَكَانَ بِهَا، وَكَانَ إِذَا مَطَرَتِ السَّمَاءُ يَقُومُ فِي الْمَطَرِ حَتَّى تُصِيبَهُ السَّمَاءُ» لَفْظُهُمَا سَوَاءٌ رَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ فَقَالَ: سُلَيْمَانُ بْنُ مُسْلِمٍ الْيَشْكُرِيُّ
стр. 72
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ عَلِيٍّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ الطِّهْرَانِيُّ، ثنا أَبُو مَسْعُودٍ أَحْمَدُ بْنُ الْفُرَاتِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ، ثنا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ، عَنْ شُبَيْلِ بْنِ عَزْرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَسَّانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: " لَمَّا افْتَتَحْنَا أَصْبَهَانَ كَانَ بَيْنَ عَسْكَرِنَا وَبَيْنَ الْيَهُودِيَّةِ فَرْسَخٌ، فَكُنَّا نَأْتِيهَا فَنَمْتَارُ مِنْهَا، فَأَتَيْتُهَا يَوْمًا فَإِذَا الْيَهُودُ يَزْفِنُونَ وَيَضْرِبُونَ، فَأَتَيْتُ صَدِيقًا لِي مِنْهُمْ فَقُلْتُ: مَا شَأْنُكُمْ، تُرِيدُونَ أَنْ تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ، فَقَالَ: لَا، وَلَكِنَّ مَلِكَنَا الَّذِي نَسْتَفْتِحُ بِهِ عَلَى الْعَرَبِ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ غَدًا، فَقُلْتُ: الَّذِي تَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلَى الْعَرَبِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَإِنِّي أَبِيتُ عِنْدَكَ اللَّيْلَةَ وَخَشِيتُ أَنْ أَقْتَطِعَ دُونَ الْعَسْكَرِ، قَالَ: فَبِتُّ فَوْقَ سَطْحٍ لَهُ حَتَّى أَصْبَحْتُ، قَالَ: فَصَلَّيْتُ الْغَدَاةَ مَكَانِي، فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ إِذَا الرَّهَجُ مِنْ نَحْوِ عَسْكَرِنَا يَدْنُو حَتَّى دَنَا، فَنَظَرْتُ فَإِذَا رَجُلٌ فِي جَيْشٍ عَلَيْهِ قُبَّةٌ مِنْ رَيْحَانٍ، وَإِذَا الْيَهُودُ يَزْفِنُونَ وَيَضْرِبُونَ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ ابْنُ صَائِدٍ، فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ، لَمْ يُرَ بَعْدُ حَتَّى السَّاعَةَ " رَوَاهُ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حُسَامٍ، عَنْ جَعْفَرٍ، نَحْوَهُ وَلَمَّا أَنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَانْتَشَرَ الْعَجَمُ، وَانْفَضُّوا فِي الْبِلَادِ، وَانْتَهَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ يَزْدَجِرْدَ يَبْعَثُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ عَامٍ حَرْبًا، وَقِيلَ لَهُ: لَا يَزَالُ هَذَا الدَّأَبُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَمْلَكَتِهِ، أَذِنَ لِلنَّاسِ فِي الِانْسِيَاحِ فِي أَرْضِ الْعَجَمِ
стр. 73
حَدَّثَنَا بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّوَيْهِ وَكِيلُ دَعْلَجَ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا حَاضِرٌ ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ إِلَيَّ، وَاللَّفْظُ ⦗٤٤⦘ لَهُ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ جَعْفَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، ثنا سَيْفُ بْنُ عُمَرَ التَّمِيمِيُّ، عَنْ مُحَمَّدٍ، وَالْمُهَلَّبِ، وَطَلْحَةَ يَعْنِي ابْنَ الْأَعْلَمِ، وَعَمْرٍو، وَسَعِيدٍ، قَالُوا: لَمَّا رَأَى أَنَّ يَزْدَجِرْدَ يَبْعَثُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ عَامٍ حَرْبًا وَقِيلَ لَهُ لَا يَزَالُ هَذَا الدَّأَبُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَمْلَكَتِهِ، أَذِنَ لِلنَّاسِ فِي الِانْسِيَاحِ فِي أَرْضِ الْعَجَمِ حَتَّى يَغْلِبُوا يَزْدَجِرْدَ عَلَى مَا كَانَ فِي يَدَيْ كِسْرَى، فَوَجَّهَ الْأُمَرَاءَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ بَعْدَ فَتْحِ نِهَاوَنْدَ وَوَجَّهَ الْأُمَرَاءَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ بَعْدَ فَتْحِ نِهَاوَنْدَ، وَكَانَ بَيْنَ عَمَلِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَبَيْنَ عَمَلِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَمِيرَانِ، أَحَدُهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِتْبَانَ، وَفِي زَمَانِهِ كَانَتْ وَقْعَةُ نِهَاوَنْدَ، وَزِيَادُ بْنُ حَنْظَلَةَ حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ بْنِ قُصَيٍّ، وَفِي زَمَانِهِ أُمِرَ بِالِانْسِيَاحِ، وَعُزِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَبُعِثَ فِي وَجْهٍ آخَرَ مِنَ الْوُجُوهِ، وَوُلِّيَ زِيَادُ بْنُ حَنْظَلَةَ وَكَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَعَمِلَ قَلِيلًا، وَأَلَحَّ فِي الِاسْتِعْفَاءِ فَأُعْفِيَ، وَوُلِّيَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ بَعْدَ زِيَادٍ، فَكَانَ مَكَانَهُ، وَأَمَدَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَمَدَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ بِأَبِي مُوسَى، وَجَعَلَ عُمَرُ ابْنَ سُرَاقَةَ مَكَانَهُ، وَقَدِمَتِ الْوَلَايَةُ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ إِلَى نَفَرٍ بِالْكُوفَةِ زَمَانَ زِيَادِ بْنِ حَنْظَلَةَ، وَبَعَثَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِلِوَاءٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى أَصْبَهَانَ، وَكَانَ شُجَاعًا بَطَلًا مِنْ أَشْرَافِ الصَّحَابَةِ وَمِنْ وُجُوهِ الْأَنْصَارِ وَحَلِيفًا لِبَنِي الْحُبْلَى مِنْ بَنِي أَسَدٍ، وَأَمَدَّهُ بِأَبِي مُوسَى مِنَ الْبَصْرَةِ، وَأَمَّرَ عُمَرُ ابْنَ سُرَاقَةَ عَلَى الْبَصْرَةِ وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ حِينَ أَتَاهُ فَتْحُ نِهَاوَنْدَ بَدَا لَهُ أَنْ يَأْذَنَ فِي الِانْسِيَاحِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَنْ «سِرْ مِنَ الْكُوفَةِ حَتَّى تَنْزِلَ الْمَدَائِنَ فَانْدُبْهُمْ وَلَا تَنْتَخِبْهُمْ، ثُمَّ اكْتُبْ إِلَيَّ بِذَلِكَ» ، وَعُمَرُ يُرِيدُ تَوْجِيهَهُ إِلَى أَصْبَهَانَ، فَانْتَدَبَ لَهُ فِيمَنِ انْتَدَبَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ وَرْقَاءَ الرِّيَاحِيَّ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ وَرْقَاءَ الْأَسَدِيَّ، - وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ يَرَوْنَ أَنَّ أَحَدَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ لِذِكْرِ وَرْقَاءَ، وَظَنُّوا أَنَّهُ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ يَوْمَ قُتِلَ بِصِفِّينَ ابْنَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَهُوَ أَيَّامُ عُمَرَ صَبِيُّ - وَلَمَّا أَتَى عُمَرُ انْبِعَاثَ عَبْدِ اللَّهِ بَعَثَ زِيَادَ بْنَ حَنْظَلَةَ، فَلَمَّا أَتَاهُ انْبِعَاثُ الْجُنُودِ ⦗٤٥⦘ وَانْسِيَاحُهُمْ أَمَّرَ عَمَّارًا بَعْدُ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ، وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً، وَنَجَعْلَهَمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥] وَقَدْ كَانَ زِيَادٌ صُرِفَ فِي وَسَطٍ مِنْ إِمَارَةِ سَعْدٍ إِلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ بَعْدَ إِعْفَاءِ سَلْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنَيْ رَبِيعَةَ لِيَقْضِيَ إِلَى أَنْ يَقْدَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ مِنْ حِمْصٍ، وَقَدْ كَانَ عَمِلَ لِعُمَرَ عَلَى مَا سَقَى الْفُرَاتُ وَدِجْلَةُ النُّعْمَانُ وَسُوَيْدٌ ابْنَا مُقَرِّنٍ، فَاسْتَعْفَيَا وَقَالَا: أَعْفِنَا مِنْ عَمَلٍ يَتَغَوَّلُ عَلَيْنَا، وَيَتَزَيَّنُ لَنَا بِزِينَةِ الْمُومِسَةِ، فَأَعْفَاهُمَا وَجَعَلَ مَكَانَهُمَا حُذَيْفَةَ بْنَ أُسَيْدٍ الْغِفَارِيَّ وَجَابِرَ بْنَ عَمْرٍو الْمُزَنِيَّ، ثُمَّ اسْتَعْفَيَا فَأَعْفَاهُمَا وَجَعَلَ مَكَانَهُمَا حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ وَعُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ، حُذَيْفَةُ عَلَى مَا سَقَتْ دِجْلَةُ، وَعُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ عَلَى مَا سَقَى الْفُرَاتُ مِنَ السَّوَادَيْنِ جَمِيعًا، وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ إِنِّي «بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ أَمِيرًا، وَجَعَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ مُعَلِّمًا وَوَزِيرًا، وَوَلَّيْتُ حُذَيْفَةَ مَا سَقَتْ دِجْلَةُ وَمَا وَرَاءَهَا، وَوَلَّيْتُ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ الْفُرَاتَ وَمَا سَقَى» قَالُوا: وَلَمَّا قَدِمَ عَمَّارٌ عَلَى الْكُوفَةِ أَمِيرًا وَقَدِمَ كِتَابُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ أَنْ «سِرْ إِلَى أَصْبَهَانَ وَزِيَادٌ عَلَى الْكُوفَةِ وَعَلَى مُقَدَّمَتِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَرْقَاءَ الرِّيَاحِيُّ وَعَلَى مُجَنَّبَتَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَرْقَاءَ الْأَسَدِيُّ وَعِصْمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ عِصْمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدَةَ بْنِ سَيْفِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ» ، فَسَارَ عَبْدُ اللَّهِ فِي النَّاسِ حَتَّى قَدِمَ حُذَيْفَةَ، وَرَجَعَ حُذَيْفَةُ إِلَى عَمَلِهِ، وَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ نِهَاوَنْدَ فِيمَنْ كَانَ مَعَهُ وَمَنِ انْصَرَفَ مَعَهُ مِنْ جُنْدِ النُّعْمَانِ نَحْوَ جُنْدٍ قَدِ اجْتَمَعَ لَهُ مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ عَلَيْهِمُ الْأُسْتَنْدَارُ وَعَلَى مُقَدَّمَتِهِ شهربراز جاذويه شَيْخٌ كَبِيرٌ فِي جَمْعٍ، فَالْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَمُقَدَّمَةُ الْمُشْرِكِينَ بِرُسْتَاقٍ مِنْ رَسَاتِيقِ أَصْبَهَانَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَدَعَا الشَّيْخُ إِلَى الْبِرَازِ فَبَرَزَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَرْقَاءَ ⦗٤٦⦘ فَقَتَلَهُ وَانْهَزَمَ أَهْلُ أَصْبَهَانَ وَسَمَّى الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ الرُّسْتَاقَ رُسْتَاقَ الشَّيْخِ، فَهُوَ اسْمُهُ إِلَى الْيَوْمِ، وَدَعَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَنْ يَلِيهِ فَتَسَارَعَ الْأُسْتَنْدَارُ إِلَى الصُّلْحِ، فَصَالَحَهُمْ فَهَذَا أَوَّلُ رُسْتَاقٍ مِنْ أَصْبَهَانَ أُخِذَ وَصَالَحَ ثُمَّ سَارَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ رُسْتَاقِ الشَّيْخِ نَحْوَ جَيٍّ لَا يَجِدُ فِيهَا أَحَدًا حَتَّى انْتَهَى إِلَى جَيِّ وَالْمَلِكُ بِأَصْبَهَانَ يَوْمَئِذٍ الفادوسبان، وَقَدْ أَخَذَ بِهَا فَنَزَلَ بِالنَّاسِ عَلَى جَيَّ فَحَاصَرَهُمْ فَخَرَجُوا إِلَيْهِ بَعْدَ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ زَحْفٍ، فَلَمَّا الْتَقَوْا، قَالَ: الفادوسفان لِعَبْدِ اللَّهِ لَا تُقْتَلْ أَصْحَابِي وَلَا أَقْتُلُ أَصْحَابَكَ، وَلَكِنِ ابْرُزْ، فَإِنْ قَتَلْتُكَ رَجَعَ أَصْحَابُكَ، وَإِنْ قَتَلْتَنِي سَالَمَكَ أَصْحَابِي، وَإِنْ كَانَ أَصْحَابِي لَا يَقَعُ لَهُمْ نُشَّابَةٌ، فَبَرَزَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ وَقَالَ: إِمَّا أَنْ تَحْمِلَ عَلَيَّ، وَإِمَّا أَنْ أَحْمِلَ عَلَيْكَ، قَالَ: أَحْمِلُ عَلَيْكَ، فَوَقَفَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ فَحَمَلَ عَلَيْهِ الفاذوسفان فَطَعَنَهُ وَأَصَابَ قَرَبُوس السَّرْجِ فَكَسَرَهُ وَقَطَعَ اللَّبَبَ وَالْحِزَامَ وَزَالَ اللَّبَدُ وَالسَّرْجُ وَعَبْدُ اللَّهِ عَلَى الْفَرَسِ فَوَقَعَ عَبْدُ اللَّهِ قَائِمًا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْفَرَسِ عُرْيَانًا، وَقَالَ لَهُ: اثْبُتْ، فَحَاجَزَهُ، وَقَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُقَاتِلَكَ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُكَ رَجُلًا كَامِلًا، وَلَكِنْ أَرْجِعُ مَعَكَ إِلَى عَسْكَرِكَ فَأُصَالِحُكَ، وَأَدْفَعُ الْمَدِينَةَ إِلَيْكَ، عَلَى أَنَّ مَنْ شَاءَ أَقَامَ، وَأَدَّى الْجِزْيَةَ، وَقَامَ عَلَى مَالِهِ، وَعَلَى أَنْ نُجْرِيَ مَنْ أَخَذْتُمْ أَرْضَهُ مَجْرَاهُمْ وَيَتَرَاجَعُونَ، وَمَنْ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ فِيمَا دَخَلْنَا فِيهِ ذَهَبَ حَيْثُ شَاءَ، وَلَكُمْ أَرْضُهُ، قَالَ: لَكُمْ ذَلِكَ وَقَدِمَ عَلَيْهِ أَبُو مُوسَى مِنْ نَاحِيَةِ الْأَهْوَازِ وَقَدْ صَالَحَ الفاذوسفان عَبْدُ اللَّهِ فَخَرَجَ الْقَوْمُ مِنْ جَيَّ وَدَخَلُوا فِي الذِّمَّةِ إِلَّا ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ خَالَفُوا قَوْمَهُمْ وَتَجَمَّعُوا بِكَرْمَانَ فِي حَاشِيَتِهِمْ لِجَمْعٍ كَانَ بِهَا، وَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ وَأَبُو مُوسَى جَيَّ، وَجَيُّ مَدِينَةُ أَصْبَهَانَ وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ، وَاغْتَبَطَ مَنْ أَقَامَ، وَنَدِمَ مَنْ شَخَصَ وَقَدِمَ كِتَابُ عُمَرَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ: أَنْ «سِرْ حَتَّى تَقْدَمَ عَلَى سُهَيْلِ بْنِ عَدِيٍّ فَتُجَامِعَهُ عَلَى قِتَالِ مَنْ بِكَرْمَانَ، وَخَلِّفْ فِي جَيَّ مَنْ يَقِي جَيَّ، وَاسْتَخْلِفْ عَلَى أَصْبَهَانَ السَّائِبَ بْنَ الْأَقْرَعِ»
стр. 74
قَالَ: وَحَدَّثَنَا سَيْفٌ، عَنْ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَسَنِ، مِنْهُمْ مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ الْمُتَشَمِّسِ ابْنِ أَخِي الْأَحْنَفِ، قَالَ: «شَهِدْتُ مَعَ أَبِي مُوسَى فَتْحَ أَصْبَهَانَ، وَإِنَّمَا شَهِدُوهَا مَدَدًا» وَهَذَا كِتَابُ صُلْحِ أَصْبَهَانَ
стр. 75
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ قِرَاءَةً وَأَنَا حَاضِرُهُ، وَأَخْبَرَنِي أَيْضًا أَحْمَدُ بْنُ
стр. 76
إِبْرَاهِيمَ بْنِ شَاذَانَ فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ، قَالَا: ثنا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَارِئُ، ثنا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، ثنا شُعَيْبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنا سَيْفُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، وَطَلْحَةَ، وَالْمُهَلَّبِ، وَعَمْرٍو، وَسَعِيدٍ، قَالُوا: كِتَابُ صُلْحِ أَصْبَهَانَ: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ للفاذوسفان وَأَهْلِ أَصْبَهَانَ وَحَوَالَيْهَا: إِنَّكُمْ آمِنُونَ مَا أَدَّيْتُمُ الْجِزْيَةَ، وَعَلَيْكُمْ مِنَ الْجِزْيَةِ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِكُمْ، عَلَى كُلِّ سَنَةٍ تُؤَدُّونَهَا إِلَى الَّذِي يَلِي بِلَادَكُمْ، عَلَى كُلِّ حَالِمٍ، وَدِلَالَةُ الْمُسْلِمِ، وَإِصْلَاحُ طَرِيقِهِ، وَقِرَاهُ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ، وَحُمْلَانُ الرَّاجِلِ إِلَى مَرْحَلَةٍ، وَلَا تَسَلَّطُوا عَلَى مُسْلِمٍ، وَلِلْمُسْلِمِينَ نُصْحُكُمْ، وَأَدَاءُ مَا عَلَيْكُمْ، وَلَكُمُ الْأَمَانُ مَا فَعَلْتُمْ، فَإِذَا غَيَّرْتُمْ شَيْئًا، أَوْ غَيَّرَهُ مُغَيِّرٌ مِنْكُمْ لَمْ تُسْلِمُوهُ فَلَا أَمَانَ لَكُمْ، وَمَنْ سَبَّ مُسْلِمًا بَلَغَ مِنْهُ فَإِنْ ضَرَبَهُ قَتَلْنَاهُ"، وَكَتَبَ وَشَهِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَرْقَاءَ وَعِصْمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَلَمَّا قَدِمَ الْكِتَابُ مِنْ عُمَرَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَأَمَرَهُ فِيهِ بِاللِّحَاقِ بِسُهَيْلِ بْنِ عَدِيٍّ بِكَرْمَانَ خَرَجَ فِي جَرِيدَةِ خَيْلٍ وَاسْتَخْلَفَ السَّائِبَ فَلَحِقَ بِسُهَيْلٍ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى كَرْمَانَ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ:
[البحر الوافر]
أَلَمْ تَسْمَعْ وَقَدْ أَوْدَى ذَمِيمَا … بِمُنْعَرَجِ السَّرَاةِ مِنَ اصْبَهَانِ
عَمِيدُ الْقَوْمِ إِذْ سَارُوا إِلَيْنَا … بِشَيْخٍ غَيْرِ مُسْتَرْخِي الْعَنَانِ
فَسَاجَلَنِي وَكُنْتُ بِهِ كَفِيلًا … فَلَمْ يَثْبُتْ وَخَرَّ عَلَى الْجِرَانِ
بِرُسْتَاقٍ لَهُ يُدْعَى إِلَيْهِ … طِوَالَ الدَّهْرِ فِي عَقِبِ الزَّمَانِ
نَزَلْتُ بِهِ وَقَدْ شَرِقَتْ ذُيُولِي … بِمُعْضِلَةٍ مِنَ الْحَرْبِ الْعَوَانِ
وَكُنْتُ زَعِيمَهَا حَتَّى تَرَاخَتْ … وَلَمْ يُعْنَى بِهَا أَحَدَ مَكَانِي
وَقَالَ أَيْضًا فِي يَوْمِ جَيٍّ:
[البحر الطويل]
مَنْ مُبْلِغُ الْأَحْيَاءِ عَنِّي فَإِنَّنِي … نَزَلْتُ عَلَى جَيٍّ وَفِيهَا تَفَاقُمُ
حَصَرْنَاهُمْ حَتَّى سَرَوْا ثُمَّتَ انْتَزَوْا … فَصَدَّهُمْ عَنَّا الْقَنَا وَالْقَوَاصِمُ
وَجَادَ لَهَا الفاذُوسَفانُ بِنَفْسِهِ … وَقَدْ دُهْدِهَتْ بَيْنَ الصُّفُوفِ الْجَمَاجِمُ
فَبَارَزْتُهُ حَتَّى إِذَا مَا عَلَوْتُهُ … تَفَادَى وَقَدْ صَارَتْ إِلَيْنَا الْخَزَائِمُ
وَعَادَتْ لَقُوحَا أَصْبَهَانَ بِأَسْرِهَا … تُدَرُّ لَنَا مِنْهَا الْقُرَى وَالدَّرَاهِمُ
وَإِنِّي عَلَى عَمْدٍ قَبِلْتُ جَزَاءَهُمْ … غَدَاةَ تَفَادَوْا وَالْفِجَاجُ قَوَاتِمُ
لِيَزْكُو لَنَا عِنْدَ الْحُرُوبِ جِهَادُنَا … إِذَا انْتَطَحَتْ فِي النَّخْلَتَيْنِ الْهَمَاهِمُ
إِلَى هُنَا سِيَاقُ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ عَنْ سَيْفٍ وَذَكَرَ الْمَدَائِنِيُّ أَنَّ أَبَا مُسْلِمٍ صَاحِبَ الدَّوْلَةِ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ فِي مُسَافَرَتِهِ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي الْعَبَّاسِ، وَذَكَرَ لَهُ فُتُوحَ الْبُلْدَانِ: خَبِّرْنِي عَنِ الَّذِي تَوَلَّى فَتْحَ بَلَدِنَا أَصْبَهَانَ، فَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْنَا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ: تَوَلَّى فَتْحَ بَلَدِكُمُ الْعَبَادِلَةُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِتْبَانَ الْأَنْصَارِيَّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ وَرْقَاءَ الْأَسَدِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَرْقَاءَ الرِّيَاحِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ كَرِيزٍ الْقُرَشِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ، كُلُّ هَؤُلَاءِ قَدْ حَضَرُوا فَتْحَهَا وَفَتْحَ أَطْرَافِهَا، مِنْهُمْ مَنْ كَانَ أَمِيرَ الْجَيْشِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ رَئِيسَ سَرِيَّةٍ أَوْ صَاحِبَ مُقَدَّمَةٍ وَذَكَرَ غَيْرُ الْمَدَائِنِيِّ فِي وُلَاةِ فَتْحِهَا عَمْرَو بْنَ مَرْحُومٍ الْغَاضِرِيَّ، وَالْأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ التَّمِيمِيَّ، وَمُجَاشِعَ بْنَ مَسْعُودٍ السُّلَمِيَّ، وَالسَّائِبَ بْنَ الْأَقْرَعِ الثَّقَفِيَّ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ مُخْتَلِفُونَ فِي فَتْحِهَا، فَادَّعَى الْكُوفِيُّونَ فَتْحَهَا عِنْدَ الْكُوفَةِ وَادَّعَى الْبَصْرِيُّونَ فَتْحَهَا عِنْدَ الْبَصْرَةِ، وَرَوَى كُلُّ وَاحِدٍ رِوَايَةً يُصَحِّحُ بِهَا دَعْوَاهُمْ فَادَّعَى الْبَصْرِيُّونَ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُمْ
стр. 77
مَا رَوَاهُ الْحَسَنُ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ الْمُتَشَمِّسِ، أَنَّهُ شَهِدَ فَتْحَ أَصْبَهَانَ مَعَ أَبِي مُوسَى وَرَوَاهُ أَيْضًا، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ نَهْشَلٍ الْإِيَادِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ إِلَى أَصْبَهَانَ بَعْدَ فَرَاغِنَا مِنْ فَتْحِ تُسْتَرَ، فَنَزَلْنَا بِالْقُرْبِ مِنْ مَدِينَتِهَا الْأُولَى الَّتِي تُسَمَّى جَيَّ، عَلَى مُقَدَّمَتِنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهُذَلِيُّ، وَعَلَى سَاقَتِنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَنْدَلِ بْنِ أَصْرَمَ الْهِلَالِيُّ، فَبَثَّ أَبُو مُوسَى سَرَايَاهُ فِي الرَّسَاتِيقِ وَالْأَطْرَافِ سَرِيَّةً عَلَيْهَا مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ إِلَى قَاسَانَ فَفَتَحَهَا وَسَبَى أَهْلَهَا، وَكَانَ فِيمَنْ سُبِيَ يَزْدَوَيْهِ بْنِ مَاهَوَيْهِ فَتًى مِنْ أَبْنَاءِ أَشْرَافِهَا فَصَارَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَسَمَّاهُ وَثَّابًا وَهُوَ وَالِدُ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ إِمَامُ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي الْقُرْآنِ وَأَسْرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الْهِلَالِيَّ بِسَرِيَّةٍ إِلَى قَرْيَةٍ كَبِيرَةٍ يُقَالُ لَهَا دَارْكَ، فِيهَا بَيْتُ نَارٍ عَظِيمٌ، وَافْتَتَحَهَا وَسَبَى مِنْهَا وَبَعَثَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ جَنْدَلِ بْنِ أَصْرَمَ عَلَى سَرِيَّةٍ أُخْرَى إِلَى قَرْيَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ مَدِينَتِهَا يُقَالُ لَهَا الفابزان دَلَّهُ عَلَيْهَا الْيَهُودُ، وَفِيهَا ثَلَاثُونَ حِصْنًا، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْحُصُونِ فَقَاتَلُوهُ قِتَالًا شَدِيدًا، وَقَتَلُوا جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، وَانْصَرَفَ إِلَى عَسْكَرِهِ مُخْفِقًا وَجَعَلَ ابْنَهُ أَبَا رُهْمِ بْنَ أَبِي مُوسَى عَلَى سَرِيَّةٍ أَنْفَذَهَا إِلَى الْمَدِينَةِ الثَّانِيَةِ مَدِينَةِ قه، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مِنْهَا زُهَاءَ سِتَّةِ آلَافِ رَجُلٍ
стр. 78
شَاكِي السِّلَاحِ، وَعَلَيْهِمْ إِخْوَةٌ ثَلَاثَةٌ مُتَعَاضِدُونَ آذرجشنس وَمهرابان وَجلويه بَنُو جوانبه، أَكْبَرُهُمْ آذرجشنس وَهُوَ فِي الْقَلْبِ، وَأَخَوَاهُ فِي الْمَيْمَنَةِ وَالْمَيْسَرَةِ، فَحَمَلُوا عَلَى الْجَيْشِ، وَقَتَلُوا أَبَا رُهْمِ بْنِ أَبِي مُوسَى وَهَزَمُوهُمْ حَتَّى رَجَعُوا إِلَى فَنَاءِ الْمَدِينَةِ الْأُولَى، وَاسْتَمَدُّوا، فَأَمَدَّهُمْ أَبُو مُوسَى بِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَنْدَلِ بْنِ أَصْرَمَ، فَقَاتَلُوا أَشَدَّ الْقِتَالِ، وَصَابَرَا إِلَى آخِرِ النَّهَارِ، ثُمَّ أَظْفَرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِهِمْ وَبِمَدِينَتِهِمْ، فَقَتَلُوا طُولَ لَيْلَتِهِمْ مَنْ وَجَدُوا مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، وَصَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، وَشَيْخٍ زَمَنٍ، حَتَّى لَمْ يُتْرَكْ فِيهَا إِلَّا مَنْ تَخَلَّصَ بِرُوحِهِ مِنْ تَحْتِ السَّيْفِ، ثُمَّ قَفَوْا آثَارَهُمْ عِنْدَ الصُّبْحِ، فَاصْطَفَوْا مِنَ السَّبْيِ نَحْوَ أَلْفِ رَأْسٍ، حتَّى قَالَ شَاعِرُهُمْ فِي ذَلِكَ:
[البحر الوافر]
عُبَيْدُ اللَّهِ أَكْرَمُ مَنْ تَوَلَّى … جُنُودَ التَّابِعِينَ إِلَى الْحُرُوبِ
فَسَاقَ التَّابِعِينَ وَكُلُّ قَرْمٍ … مِنَ الْأَنْصَارِ فِي يَوْمٍ عَصِيبِ
إِلَى حِصْنِ أَصْبَهَانَ بِبَطْنِ جَيٍّ … وَجَاوَرْسَانَ ذِي الْمَرْعَى الخَصِيبِ
فَرَجَعُوا بِسَبْيِهِمْ إِلَى بَابِ الْمَدِينَةِ الْأُولَى فَدَخَلُوهَا صُلْحًا، وَأَسَّسُوا بِهَا مَسْجِدَهَا، ثُمَّ انْدَفَعُوا خَوْفًا مِنَ الثَّلْجِ مُنْصَرِفِينَ مَعَ أَبِي مُوسَى إِلَى الْبَصْرَةِ وَاسْتُخْلِفَ عَلَى مَدِينَةِ جَيٍّ السَّائِبُ بْنُ الْأَقْرَعِ الثَّقَفِيُّ"
стр. 79
وَرُوِي عَنْ عَتَّابِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيِّ: «أَنْ سِرْ فِي أَلْفَيْ فَارِسٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ إِلَى أَصْبَهَانَ» وَقَالَ غَيْرُ الشَّعْبِيِّ: إِنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَلَّى الْكُوفَةَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، فَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُدَيْلٍ وَالسَّائِبَ بْنَ الْأَقْرَعِ فَصَالَحَهُمُ الفادوسفان عَلَى الْبَلَدِ، فَدَخَلَا الْمَدِينَةَ، وَبَنَيَا مَسْجِدَهَا، وَطَرَحَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلُّ رَجُلٍ لَبِنَةً فِي بِنَائِهَا تَبَرُّكًا بِهَا وَلَمَّا انْصَرَفَ أَبُو مُوسَى إِلَى الْبَصْرَةِ وَأَتَاهُمْ مَوْتُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ نَقَضَ أَهْلُ مَدِينَةِ جَيٍّ الْعَهْدَ، وَقَتَلُوا مَنْ كَانَ بِهَا مِنَ الْعَرَبِ، وَكَانُوا مُقِيمِينَ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ بَعَثَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيَّ فَفَتَحَهَا ثَانِيَةً فَلَمْ يَزَلْ أَمْرُ أَصْبَهَانَ فِي جُمْلَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ إِلَى سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ، وَصَارَتِ الْجَمَاعَةُ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بَعْدَ قَتْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَعَمِدَ مُعَاوِيَةُ فَأَخَذَ أَصْبَهَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَدَفَعَهَا إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَخَذَ الْبَحْرَيْنِ وَعَمَّانَ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ فَأَعْطَاهَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ مَكَانَ أَصْبَهَانَ وَقِيلَ إِنَّ أَوَّلَ عَرَبِيٍّ دَخَلَ أَصْبَهَانَ عَمْرُو بْنُ مَرْحُومٍ الْغَاضِرِيُّ، بَعَثَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ لَمَّا وَلِيَ الْبَصْرَةَ مِنْ قِبَلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَى بَعْضِ نَاحِيَةِ فَارِسَ مُجَاوِرَةً لِرُسْتَاقِ قِهِسْتَانَ مِنْ أَصْبَهَانَ فَدَخَلَ
стр. 80
رُسْتَاقَ قِهِسْتَانَ ثُمَّ عَدَلَ عَنْهُ إِلَى أَرَّجَانَ، وَسَلَكَ بِهِ الدَّلِيلَ عَلَى الْعَقَبَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِمَارت وَكَانَ يُقَالُ لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ دوربشن، فَاسْتَعْظَمَ سُلُوكَهَا، فَجَعَلَ يَقُولُ لِلدَّلِيلِ: مَا أَرَدْتَ بِهَذَا، فَسُمِّيَتِ الْعَقَبَةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَارِتَ فَلَمَّا كَانَ أَوَّلُ سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَانْهَزَمَتِ الْفُرْسُ وَرَجَعَ فَلُّهَا إِلَى عِنْدَ يَزْدَجِرْدَ بِقَاسَانَ مَعَ إِشْعَارٍ مِنْ أَهْلِ قَرْيَةِ وَاذِنَانَ مِنْ رُسْتَاِقِ بَرَاءَانَ فَرَحَلَ عَنْهَا بِمَنْ مَعَهُ مِنْ عِيَالِهِ وَحَشَمِهِ إِلَى مَدِينَةِ جَيٍّ وَنَزَلَ بِهَا فِي دَارِ وَراز بْنُ وَراز وَهِيَ الَّتِي صَارَتْ بَعْدُ رُقْعَةً لِلْمَسْجِدِ الْجَامِعِ وَلِدَارِ الْخَرَاجِ، فَلِذَلِكَ يُقَالُ لِدَارِ الْخَرَاجِ بِالْمَدِينَةِ سراورازان
стр. 81
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْفَضْلِ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْمُقْرِئُ، ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ سَيْفٍ، ثنا الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ، ثنا غِيَاثٌ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ الْمُرِّيُّ، عَنْ أَشْيَاخِهِمْ، قَالَ: «شِقُّ التَّيْمَرَةِ مِنْ أَصْبَهَانَ عَنْوَةً افْتَتَحَهَا الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ، وَرُسْتَاقُ الشَّيْخِ عَنْوَةً، وَرُسْتَاقُ برخوار، وَمِنْهَا سُبِيَ أَبُو سُلَيْمَانَ أَبُو حَمَّادِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ الْفَقِيهُ، وَرُسْتَاقُ جَرَمَ قَاسَانَ عَنْوَةً، وَمِنْهَا سُبِيَ وَثَّابٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَقِبُهُ الْيَوْمَ بِأَصْبَهَانَ وَمَدِينَةِ جَيٍّ وَشِقُّهَا صُلْحٌ»
стр. 82
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْأَخْرَمُ، ثنا حَفْصٌ الرَّبَالِيُّ، ثنا عَرْعَرَةُ بْنُ الْبِرِنْدِ السَّامِيُّ، ثنا زِيَادٌ الْجَصَّاصُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ كَثِيرٍ، قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَصْبَهَانَ وَهَمَذَانَ فَفَتَحَهُمَا اللَّهُ »
стр. 83
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْفَضْلِ الْخَطِيبُ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرٍو الْأَبْهَرِيُّ، ثنا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ رُسْتَةُ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَسَأَلْتُهُ عَنْ أَصْبَهَانَ، مَا هِيَ؟ قَالَ: «عَنْوَةً» ، فَقُلْتُ: إِنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُونَ ⦗٥١⦘ إِنَّ بَعْضَهَا صُلْحٌ، فَقَالَ: «قَدْ وُجِّهَ إِلَيْهَا الْجَيْشُ»
стр. 84
حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، وَأَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَا: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مَنْدَهْ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي بُكَيْرٍ، عَنْ هَيَّاجِ بْنِ بِسْطَامٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: وَأَمَّا أَصْبَهَانُ فِيمَا حَدَّثَنَا أَشْيَاخُنَا أَنَّ «برخوارَ عَنْوَةً، وَمِنْهُ سُبِيَ أَبُو سُلَيْمَانَ أَبُو حَمَّادِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ فَقِيهُ الْكُوفَةِ، وَالتَّيْمَرَةُ وَجَرْمُ قَاسَانَ، افْتَتَحَهُمَا الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ عَنْوَةً مِنْهُ سُبِيَ وَثَّابٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ»
стр. 85
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ بُنْدَارٍ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْفَابَزَانِيُّ الْعُقَيْلِيُّ، سَمِعْتُ عَمِّيَ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ أَصْبَهَانَ، فَقَالَ: «هِيَ صُلْحٌ»
стр. 86
حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَزِيدَ، ثنا عَامِرُ بْنُ عَامِرٍ أَبُو يَحْيَى، قَالَ: سَأَلْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ حَرْبٍ عَنْ أَصْبَهَانَ، فَقَالَ: «لَا يُبَاعُ فِيهَا وَلَا يُشْتَرَى» وَإِذْ قَدْ ذَكَرْنَا أَمْرَ بِنَائِهَا وَفَتْحِهَا وَاخْتِلَافِ الْقَائِلِينَ فِي صُلْحِهَا وَعَنْوَتِهَا، أَحْبَبْنَا أَنْ نُضِيفَ إِلَيْهِ:
стр. 87
ذِكْرُ بَعْضِ خَصَائِصِ أَصْبَهَانَ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْعِبَرِ الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا أَهْلُهَا، مِمَّا ذَكَرَهَا مُتَقَدِّمُوهَا الْمُصَنِّفُونَ فِي ذِكْرِ أَصْبَهَانَ وَأَسْبَابِهَا لِوَادِي أَصْبَهَانَ الْمُسَمَّى زَرِنْرُو مَغِيضٌ يُسَمَّى هَنَّامًا مَا فِي الْأَرْضِ مَغِيضٌ أَعْجَبُ مِنْهُ، لِأَنَّ الْأَوْدِيَةَ الْكِبَارَ انْصِبَابُهَا إِلَى الْبِحَارِ فِي سَائِرِ الْمُدُنِ، وَمَصَبُّ هَذَا الْوَادِي فِي هَذَا الْمَغِيضِ، وَمِسَاحَتُهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فَرْسَخًا فِي فَرْسَخَيْنِ، لَا يَعْلُو الْمَاءُ فِي حَافَاتِهِ عَنِ الْمَعْهُودِ، وَلَا يَنْقُصُ فِي سَرَفِ الْمَدِّ وَقَصْدِهِ، لِلطُّيُورِ فِيهِ مَفْرَخٌ، وَغَيْرُ الطُّيُورِ يَعْجِزُ عَنْ مُقَارَبَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَغُوصُ فِيهِ حَتَّى لَا يُرَى مِنْهُ شَيْءٌ، وَمُقَدَّمُ هَذَا الْمَغِيضِ مَيْدَانٌ مُمْتَدٌّ إِلَى نَاحِيَةِ كَرْمَانَ كَخَطٍّ مَمْدُودٍ لَا يَزِيدُ عَرْضُهُ عَلَى عَرْضِ الْمَيْدَانِ، نَبَاتُهُ الطَّرْفَاه وَالقُلَّامُ، وَفِي جَانِبٍ مِنْهُ جَبَلٌ مِنْ طِينٍ مَمْدُودٌ، وَزِيَادَةُ مِيَاهِ كَرْمَانَ فِي أَيَّامِ الرَّبِيعِ تَكُونُ مِنْ وَادِي أَصْبَهَانَ وَبِرُسْتَاقِ رويدشت قَرْيَةٌ تُسَمَّى دزيه، بِهَا رِمَالٌ كَالْجِبَالِ، لَوْ دَامَتْ عَلَيْهَا الرِّيَاحُ الْعَاصِفَةُ أَيَّامًا لَا يَتَحَرَّكُ أَصْلًا، وَلَا يَدْخُلُ الزُّرُوعَ مِنْهَا شَيْءٌ وَبِقَرْيَةِ هراسكان مِنْ أبرون عَلَى نِصْفِ فَرْسَخٍ فِي شِقِّ درام مِنْ رُسْتَاقِ قاسان حِصْنٌ مُخَنْدَقٌ، يَحُوطُ هَذَا الْخَنْدَقَ رِمَالٌ كَالْجِبَالِ سَائِلَةٌ، يَنْتَقِلُ حَوْلَ الْخَنْدَقِ مِنْ جَانِبٍ إِلَى جَانِبٍ، لَا يَسْقُطُ فِي الْخَنْدَقِ مِنْهُ شَيْءٌ، لَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَلَا حَبَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ أَخَذَ إِنْسَانٌ مِنْهُ قَبْضَةً فَرَمَى بِهَا فِي الْخَنْدَقِ هَبَّتْ مِنْ سَاعَتِهَا رِيحٌ، فَرَفَعَتْ ذَلِكَ فِي الْهَوَاءِ
стр. 88
حَتَّى تَكْسَحَ أَرْضَ الْخَنْدَقِ وَبِهَذِهِ الْقَرْيَةِ صَحْرَاءُ تُسَمَّى فَاسَ، مِسَاحَتُهَا فَرْسَخٍ في فَرْسَخٍ، فِيهَا أُعْجُوبَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ مَوَاشِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ تَرْعَى فِيهَا، فَتَخْتَلِطُ السِّبَاعُ بِهَا مُقْبِلَةً مِنَ الْبَثْرِ فَلَا تَتَعَرَّضُ لِشَيْءٍ مِنْهَا، وَهَذِهِ هِيَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّمَالِ وَمُزْدَرَعِ الْقَرْيَةِ فِيهَا، وَيَدَّعِي أَهْلُ الْقَرْيَةِ وَيَشْهَدُ لَهُمْ بِصِدْقِ دَعْوَاهُمْ أَهْلُ الْقُرَى الْمُجَاوَرَةِ لَهَا أَنَّ دِيكًا اسْتَوْحَشَ فِي قَرْيَتِهِمْ مُذْ سُنَّيَاتٍ فَبَقِيَ بِهَذِهِ الصَّحْرَاءِ أَرْبَعَ سِنِينَ، لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الثَّعَالِبِ وَالسِّبَاعِ، وَيَدَّعِي أَهْلُهَا أَنَّ هَذِهِ الصَّحْرَاءَ مُطْلَسَمَةٌ وَذَكَرَ أَيْضًا صَاحِبُ كِتَابِ أَصْبَهَانَ أَنَّ بِقَاسَانَ مِنْ نَاحِيَةِ أردهار عَلَى عَشَرَةِ فَرَاسِخَ مِنْ أبرون قَرْيَةٌ تُسَمَّى قالهر فِيهَا جَبَلٌ جَانِبٌ مِنْهُ يَرْشَحُ الْمَاءَ رَشْحًا كَرَشْحِ الْبَدَنِ لِلْعَرَقِ لَا يَسِيلُ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَا يَسْقُطُ إِلَى الْقَرَارِ وَيَجْتَمِعُ كُلَّ سَنَةٍ أَهْلُ الرَّسَاتِيقِ مِنْ تِلْكَ النَّوَاحِي فِي ماه تير روزتير مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ آنِيَةٌ فَيَدْنُو الْوَاحِدُ بَعْدَ الْوَاحِدِ مِنْ ذَلِكَ الْجَبَلِ النَّدِيِّ وَيَقْرَعُهُ بِفِهْرٍ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ بِالْفَارِسِيَّةِ يَا بِيدُ دُخْتُ اسْقِنِي مِنْ مَائِكَ فَإِنِّي أُرِيدُهُ لِمُعَالَجَةِ عِلَّةِ كَيْتَ وَكَيْتَ، فَيَجْتَمِعُ الرَّشْحُ مِنَ الْمَوَاضِعِ الْمُتَفَرِّقَةِ إِلَى مَكَانٍ وَاحِدٍ، فَيَسِيلُ قَطْرًا فِي آنِيَةِ الْمُسْتَسْقِي، وَكَذَلِكَ الَّذِي إِلَى جَنْبِهِ، وَمَنْ هُوَ بِالْبَعِيدِ مِنْهُ، فَتَمْتَلِئُ تِلْكَ الْأَوَانِي، فَيَسْتَشْفُونَ بِذَلِكَ الْمَاءِ لِطُولِ سَنَتِهِمْ فَيُشْفَوْنَ وَبِقَرْيَةِ أبرون مِنْ قَاسَانَ قَنَاةٌ تُسَمَّى إِسفذاب مِنْهَا شُرْبُ أَهْلِ أبرون وَصَحَارِيهَا وَالْقُرَى الَّتِي حَوْلَهَا وَمَغِيضُهَا بِقَرْيَةِ فين، فَمِنْ خَوَاصِّ هَذِهِ الْقَنَاةِ أَنَّ الْمُتْلَقِي فِيهَا لِمَائِهَا يُمْكِنُهُ الْمَسِيرُ فِيهَا إِلَى أَنْ يَبْلُغَ مِنْهَا إِلَى مَكَانٍ مَعْرُوفٍ عِنْدَ أَهْلِ النَّاحِيَةِ، فَإِنْ رَامَ تَجَاوُزَ ذَلِكَ الْمَكَانَ عَجَزَ عَنْهَا لِانْبِهَارٍ وَنَفَسٍ يَعْتَرِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَرْجِعِ الْقَهْقَرَى خَرَّ صَرِيعًا، وَلَمْ يُنْفَقْ عَلَيْهَا فِي عِمَارَتِهَا قَطُّ دِرْهَمٌ وَلَا دَخَلَهَا مُنْذُ كَانَتْ قَنَّاءٌ، فَإِنِ انْهَارَ فِيهَا مِنْ جَوَانِبِهَا شَيْءٌ قَلَّ أَمْ كَثُرَ زَادَ مَاؤُهَا، وَأَمَرَ عَمْرُو بْنُ اللَّيْثِ مَوْرِدَهُ أَصْبَهَانَ بِطَمِّهَا وَجَمَعَ عَلَيْهَا أَهْلَ الرَّسَاتِيقِ لِكَبْسِهَا أَيَّامًا، فَكَانَ الْمَاءُ يَزْدَادُ وَيَعْلُو عَلَى الْكَبْسِ حَتَّى رَجَعُوا عَاجِزِينَ عَنْهَا وَبِقَرْيَةِ قهروذ مِنْ رُسْتَاقِ قَاسَانَ نَبْتٌ يَنْبَسِطُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَيَصِيرُ زُجَاجًا
стр. 89
أَبْيَضَ صَافِيًا بَرَّاقًا، وَأَهْلُ النَّاحِيَةِ يَسْتَعْمِلُونَ ذَلِكَ النَّبَاتَ فِي أَلْوَانٍ مِنَ الْأَدْوِيَةِ، قَدْ حُمِلَ ذَلِكَ الزُّجَاجُ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَقْطَاعٌ مُتَشَكِّلَةٌ عَلَى هَيْئَاتِ خَرُّوبٍ مِنَ النَّبَاتِ وَمِنْ خَوَاصِّ أَصْبَهَانَ خَرَزَاتٌ فِي قُرًى مُعَيَّنَةٍ بِقَاسَانَ وَرُوَيْدَشْت، إِذَا غَشِيَتْهُمْ سَحَابَةٌ بِبَرْدٍ أَخْرَجُوا تِلْكَ الْخرزِ وَعَلَّقُوهَا مِنْ أَطْرَافِ حُصُونِهَا فَتَنْقَشِعُ السَّحَابَةُ عَنْهَا وَعَنْ صَحْرَائِهَا مِنْ سَاعَتِهَا، وَتُسَمَّى هَذِهِ الْخَزَرَةُ بِلُغَتِهِمْ مُهْرَة تذرك وَمِنْ خَوَاصِّهَا أَيْضًا مَرْجٌ بِقَرْيَتَيْ جكاده وَجورجرد مِنْ رُسْتَاقِ قِهِسْتَانَ فِيهِ حَيَّاتٌ مُنْتَشِرَةٌ فِي حَافَّاتِ الْمَرْجِ وَعَلَى طُرُقِهِ، طُولُ كُلِّ حَيَّةٍ مَا بَيْنَ ذِرَاعٍ إِلَى خَمْسَةِ أَذْرُعٍ، فَيَتَلَاعَبُ الصِّبْيَانُ بِهَا، يَلْوُونَهَا عَلَى أَيْدِيهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ فَلَا تَلْدَغُهُمْ وَمِنْ خَوَاصِّهَا برُسْتَاقٍ قِهِسْتَانَ مَعْدِنُ فِضَّةٍ وَمَعْدِنُ صُفْرٍ، وَالْفِضَّةُ تَخْرُجُ فِيهَا ثَمَانِيَةُ مَثَاقِيلَ، وَبِرُسْتَاقِ التَّيْمَرَةِ الصُّغْرَى مَعْدِنُ فِضَّةٍ وَبِالتَّيْمَرَةِ الْكُبْرَى مَعْدِنُ ذَهَبٍ، وَآثَارُ هَذِهِ الْمَعَادِنِ بَاقِيَةٌ بَادِيَةٌ لِلْعُيُونِ وَبِرُسْتَاقِ الرار بِطَسُّوجَ جانان فِي جِبَالِ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا ماثةُ دُوَيْبَّةٌ خِلْقَتُهَا كَالْخُنْفُسَاءَةِ صَغِيرَةٌ فِي جِرْمٍ أَقَلَّ مِنْ ذُبَابَةٍ تَدِبُّ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ فَيَتَّقِدُ مِنْ ظَهْرِهَا مِثْلُ السَّرَّاجِ، فَإِذَا أَخَذُوا وَاحِدَةً مِنْهَا لَيْلًا فَرُئِيَتْ نَهَارًا يُرَى لَوْنُ ظَهْرِهَا مُضِيءٌ كَلَوْنِ الطَّاوُسِ خَضِرَةً فِي صُفْرَةٍ فِي حُمْرَةٍ، تُسَمَّى هَذِهِ الدُّوَيْبَّةُ بُرْاهْ وَفِي هَذِهِ النَّاحِيَةِ حِجَارَةٌ شَبِيهٌ بِالسُّكَّرِ مُحَبَّبُ الْوَجْهِ، إِذَا ضُرِبَ مِنْهَا قِطْعَةٌ بِأُخْرَى أَوْرَتِ النَّارُ مِنْ بَيْنِهِمَا كَمَا يُخْرِجُ وَيُورِي الْحَجَرُ وَالْحَدِيدُ النَّارُ وَبِرُسْتَاقِ قَاسَانَ قَرْيَةٌ تُسَمَّى كرمند فِيهَا مَعِينٌ يَخْرُجُ مِنْهُ مَاءٌ غَزِيرٌ وَيُسْقَى مِنْهُ زَرْعُ قَرْيَتِهِ، وَشَرَابُ أَهْلِهَا وَمَوَاشِيهِمْ مِنْهُ، وَمَا يَفْضُلُ مِنْهُ يَنْصَبُّ إِلَى جَدْوَلٍ فَيَتَحَوَّلُ حِجَارَةً وَكَذَلِكَ بِقَرْيَةِ فازه مِنْ رُسْتَاقِ قِهِسْتَانَ كَهْفٌ يَقْطُرُ مِنْ قُلَّتِهِ مَاءٌ فَإِذَا اسْتَقَرَّ فِي الْأَرْضِ تَحَوَّلَ حَجَرًا وَبِرُسْتَاقِ قِهِسْتَانَ عَيْنٌ فِي مَوْضِعٍ يُسَمَّى بوذم يَنْبُعُ مِنْهَا مَاءٌ صَافٍ مَرِيءٌ لَا يَشْرَبُهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ قَدْ عَلِقَ الْعَلَقُ بِحَلْقِهِ إِلَّا سَقَطَ مِنْ حَلْقِهِ وَمَاتَ مَكَانَهُ وَمِنْ خَوَاصِّهَا شَجَرَةُ الجترسايه تَفْتَرِشُ أَغْصَانَهَا فِي الْهَوَاءِ أَكْثَرَ مِنْ مِقْدَارِ جَرِيبِ أَرْضٍ مُسْتَدِيرَةٍ مُجْتَمِعَةِ الْأَغْصَانِ كَثِيرَةِ الْأَوْرَاقِ، ظِلُّهَا أَكْثَرُ مِنْ ظِلِّ الْجَبَلِ، وَتَحْمِلُ كُلَّ سَنَةٍ خَرَائِطَ مُدَوَّرَةً مَمْلُوءَةً بَقًّا
стр. 90
وَبِرُسْتَاقِ القهرار قَرْيَةٌ تُسَمَّى قزائن فِيهَا عَيْنٌ فِي صَحْرَائِهَا اسْتِدَارَتُهَا ثَلَاثَةُ أَرْمَاحٍ تَنِشُّ بِالْمَاءِ كُلَّ سَنَةٍ فِي أَيَّامِ الرَّبِيعِ سَبْعِينَ يَوْمًا مُحْصَاةً، فَيَخْرُجُ مِنْهَا فِي مُدَّةِ هَذِهِ الْأَيَّامِ السَّمَكُ الَّذِي بِظَهْرِهِ عَقْرٌ، فَإِذَا أَتَمَّتْ مُدَّةَ هَذِهِ الْأَيَّامِ خَرَجَتْ مِنْ نُقْرَةِ الْعَيْنِ حَيَّةٌ سَوْدَاءُ، فَكَمَا تَخْرُجُ تَعُودُ فِي مَكَانِهَا، وَيَنْقَطِعُ ذَلِكَ الْمَاءُ فَلَا تَرَاهُ الْعُيُونُ إِلَى الْقَابِلِ، وَمِمَّا لَا يَكُونُ إِلَّا بأَصْبَهَانَ السَّكْبِينَجُ وَالْجَاوْشِيرُ وَبِرُسْتَاقِ القمدار قَرْيَةٌ يُقَالُ لَهَا هَنَاءُ وَقَلْعَةُ ابْنِ بَهَانِ زَاذَ إِلَى جَانِبِهَا تَلٌّ كَبِيرٌ كَأَنَّهُ صَبِيبُ الدَّرَاهِمِ، يُوجَدُ إِذَا جُمِعَ فِي كِيسٍ صَلْصَلَةٌ كَصَلِيلِ الدَّرَاهِمِ، عَلَى وَجْهِ كُلِّ حَجَرٍ دَائِرَتَانِ مُتَجَاوِرَتَانِ، وَلَوْ أَرَادَ سُلْطَانٌ نَقْلَهَا كُلَّهَا إِلَى مَكَانٍ يَقْرُبُ مِنْهُ بِمِائَةِ جَمَلٍ تَنْقُلُ فِي كُلِّ يَوْمٍ دَفْعَاتٍ لَبَقَوْا فِي نَقْلِهَا أَشْهُرًا، فَهَذَا مِمَّا لَا خِفَاءَ بِهِ وَمَنْ سَكَنَ فِي قَلْعَةِ ابْنِ بَهَانِ زَاذَ فِي أَيَّامِ الرَّبِيعِ يَرَى طُولَ لَيْلَتِهِ اشْتِعَالَ نَارٍ مِنْ ذِرْوَةِ حِيطَانِ الْقَلْعَةِ، فَإِذَا قَرُبَ مِنْهَا لَمْ يَجِدْ مِنْهَا شَيْئًا، وَكَذَلِكَ إِذَا نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى رُءُوسِ بَعْضٍ، وَكُلَّمَا كَانَ الرَّبِيعُ أَكْثَرَ مَطَرًا كَانَتْ تِلْكَ النَّارُ أَشَدَّ اشْتِعَالًا وَكَانَتْ مُلُوكُ الْفُرْسِ لَا تُؤْثِرُ شَيْئًا مِنْ بُلْدَانِ مَمْلَكَتِهِمْ عَلَى أَصْبَهَانَ لِطِيبِ هَوَائِهَا، وَتُمَيُّزِ مَائِهَا، وَنَسِيمِ تُرْبَتِهَا، وَالشَّاهِدُ عَلَى ذَلِكَ مَا هُوَ مُودَعٌ فِي كُتُبِهِمُ الَّتِي يَأْثِرُهَا أَهْلُ بَيْتِ النُّوشَجَانِ وَإِسْحَاقُ ابْنَيْ عَبْدِ الْمَسِيحِ عَنْ جَدِّهِمُ الْمُنْتَقِلِ مِنَ الرُّومِ إِلَى أَصْبَهَانَ فَاسْتَوْطَنَهَا وَتَنَاسَلَ بِهَا
стр. 91
ذِكْرُ النُّوشَجَانُ، عَنْ عَمِّهِ يَعْقُوبَ النَّصْرَانِيِّ كَاتِبِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ فَيْرُوزَ بْنَ يَزْدَجِرْدَ كَتَبَ إِلَى بَعْضِ مُلُوكِ الرُّومِ يَسْتَهْدِيهِ كَبِيرًا مِنْ حُكَمَائِهِمْ وَحَاذِقًا مِنْ أَطِبَّائِهِمْ، فَاخْتَارَ مِنْ بُلْدَانِ مَمْلَكَتِهِ رَجُلًا، فَلَمَّا وَفَدَ عَلَى فَيْرُوزَ، قَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْحَكِيمُ، أَنْهَضْنَاكَ إِلَى أَرْضِنَا لِتَخْتَارَ مِنْ بُلْدَانِ مَمْلَكَتِنَا لَنَا بَلَدًا تَصِحُّ بِهِ هَذِهِ الْأَرْكَانُ الْأَرْبَعَةُ الْكِبَارُ الَّتِي بِسَلَامَتِهَا يَطُولُ بَقَاءُ الْحَيَوَانِ، وَبِاعْتِدَالِهَا تَصْحَبُ الْأَجْسَامَ الصِّحَّةُ وَتُزَايِلُهَا الْعِلَّةُ، يَعْنِي بِالْأَرْكَانِ الْأَرْضَ، وَالْمَاءَ، وَالْهَوَاءَ، وَالنَّارَ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، وَكَيْفَ أُدْرِكُ ذَلِكَ، قَالَ: اسْتَقْرِ بُلْدَانَ مَمْلَكَتِنَا، فَمَا وَقَعَ اخْتِيَارُكَ عَلَيْهِ فَاكْتُبْ إِلَيَّ مِنْهُ لِأَتَقَدَّمَ بِالزِّيَادَةِ فِيهِ، وَأَتَّخِذَهُ دَارَ مَمْلَكَتِي، وَأَتَحَوَّلُ إِلَيْهِ، فَانْتَدَبَ الرُّومِيُّ طَائِفًا فِي بُلْدَانِ مَمْلَكَتِهِ وَوَقَعَ اخْتِيَارُهُ عَلَى أَصْبَهَانَ، فَأَقَامَ بِهَا، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنِّي طُفْتُ فِي مَمْلَكَتِكَ فَانْتَهَيْتُ إِلَى بَلَدٍ لَا يَشُوبُ شَيْئًا مِنْ أَرْكَانِهِ فَسَادٌ، وَقَدْ نَزَلْتُ أَنَا مِنْهُ فِيمَا بَيْنَ حِصْنَيْ قَرْيَةِ يوان، فَإِنْ رَأَى الْمَلِكُ أَنْ يُقْطِعَنِي مَا بَيْنَ الْحِصْنَيْنِ مِنْ أَرْضِ يوان وَيُطْلِقَ لِي بِنَاءَ كَنِيسَةٍ وَدَارٍ، فَأَطْلَقَ لَهُ مَسْأَلَتَهُ، فَبَنَى دَارَهُ بِإِزَاءِ الْحِصْنَيْنِ، وَوَقَعَتْ رُقْعَتُهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ دَارُ النُّوشَجَانِ وَإِسْحَاقَ مِنْ يوان إِلَى السَّاعَةِ وَبَنَى الْبِيعَةَ بِإِزَاءِ الْحِصْنِ الْآخَرِ وَعَنَى بِالْحِصْنِ الْآخَرِ مَوْضِعَ رُقْعَةِ مَسْجِدِ الْجَامِعِ الْيَوْمَ، إِذْ كَانَ حِينَئِذٍ حِصْنَانٍ مِنْ حُصُونِ قَرْيَةِ يوان، وَوَقَعَتْ رُقْعَةُ الْبَيْعَةِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الَّذِي عَلَى طَرَفِ مَيْدَانِ سُلَيْمَانَ وَبِنَاؤُهُ بَاقٍ إِلَى السَّاعَةِ وَتَقَدَّمَ الْمَلِكُ فَيْرُوزُ إِلَى أَرْدَسَابُورَ بْنِ آذَرْمَانَانَ الْأَصْبَهَانِيِّ مِنْ فَوْرِهِ ذَلِكَ بِإِتْمَامِ بِنَاءِ سُورَةِ مَدِينَةِ جَيٍّ وَتَعْلِيقِ أَبْوَابِهَا، فَعَزَمَ فَيْرُوزُ عَلَى التَّحَوُّلِ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى أَصْبَهَانَ ثُمَّ انْتَقَضَ عَزْمُهُ بِخُرُوجِهِ إِلَى أَرْضِ الْهَياطِلَةِ وَهَلَاكُهُ هُنَاكَ ثُمَّ وَلِيَ الْأَمْرَ قَبَاذُ بْنُ فَيْرُوزَ فَلَمَّا
стр. 92
اسْتَقَرَّ فِي الْمُمَلَّكَةِ تَقَدَّمَ إِلَى الرُّومِيِّ أَنْ يَخْتَارَ لَهُ بَلَدًا مُعْتَدِلَ الْهَوَاءِ فِي الْأَزْمِنَةِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَوَسِّطِ فِي حَالِ اللُّدُونَةِ، وَالرُّطُوبَةِ، وَالْيُبُوسَةِ، نَسِيمُهُ خَفِيفٌ رَقِيقٌ مُضِيءٌ يَسْتَرْوِحُ إِلَيْهِ الْقُلُوبَ، وَيَنْفَسِحُ لَهُ الْأَبْصَارُ وَيَخْتَارُ لَهُ مِنَ الْأَحْطَابِ أَطَنَّهَا صَوْتًا، وَأَطْيَبَهَا رَائِحَةً، الَّتِي الْتِهَابُهَا صَافٍ، وَحَرُّهَا مُتَوَسِّطٌ وَدُخَانُهَا مَعَ قِلَّتِهِ عَذِيُّ، وَيَخْتَارُ لَهُ مِنَ الْمِيَاهِ الْفُرَاتِ الزُّلَالَ الصَّافِيَ الْعَذْبَ، الْخَفِيفَ الْوَزْنِ، السَّرِيعَ الِامْتِزَاجِ بِالْحَرِّ وَالْبَرْدِ، الْبَعِيدَ الْيَنْبُوعِ، الْمُنْحَرِفَ مِنَ الْغَرْبِ إِلَى الشَّرْقِ، الشَّدِيدَ الْجِرْيَةِ، الدَّائِمَ الِاقْتِبَالِ لِلْمَطَالِعِ، فَلَا يَشُوبُهُ طَعْمٌ كَرِيهٌ، وَلَا رَائِحَةٌ مُنْكَرَةٌ، وَلَا غَالِبُ الْبَيَاضِ، وَلَا نَاصِعُ الْخُضْرَةِ، وَلَا أَوْرَقُ الْقَتَمَةِ لِطِيبَةِ التُّرْبَةِ وَأَنْ يَخْتَارَ لَهُ مِنَ الْبُلْدَانِ أَطْيَبَهَا تُرْبَةً، وَأَسْطَعَهَا رَائِحَةً، وَأَصْفَاهَا هَوَاءً، وَأَنْقَاهَا جَوًّا، وَأَزْهَرَهَا كَوَاكِبَ، وَأَوْضَحَهَا ضِيَاءً، الَّتِي لَا عُيُونُ الْكِبْرِيتِ بِقُرْبِهَا، وَإِذَا احْتُفِرَ فِيهَا آبَارٌ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى طَمِّهَا، الْقَرِيبَةَ اللِّينَةَ، الْمُعْتَدِلَةَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ فِي الْأَزْمِنَةِ الْأَرْبَعَةِ، لَا قَرِيبَةٌ مِنَ الْفَلَكِ وَلَا بَعِيدَةٌ مِنْهُ، لَا مُرْتَفِعَةٌ صُعُودًا، وَلَا مُنْخَفِضَةٌ هُبُوطًا، وَلَا مُتَدَانِيَةٌ، وَلَا مُتَبَايِنَةٌ مِنَ الْبِحَارِ، مُوَازِيَةٌ لِوَسَطِ الْأَرْضِ، وَحَيْثُ يَقِلُّ فِيهَا هُبُوبُ الرِّيَاحِ الْعَوَاصِفِ جَازَهَا نَهْرٌ عَظِيمٌ، فَقَالَ الرُّومِيُّ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، وَجَدْتُ أَكْثَرَ هَذِهِ الْأَوْصَافِ الَّتِي يَفُوتُهَا الْقَلِيلُ مِنْهَا فِي إِيرَانَ شَهْرَ وَهُوَ أَصْبَهَانُ وَلَمَّا مَاتَ بِلَاشُ أَخُو قَبَّاذَ وَكَانَ لِلْعُلُومِ مُحِبًّا، وَإِلَى الْآدَابِ مُشْتَاقًا، نَظَرَ قَبَّاذٌ فِي كُتُبِهِ فَاسْتَحْسَنَ تَذْكِرَةَ الرُّومِيِّ الْمُسْتَوْطِنِ أَصْبَهَانَ فَفَرَّقَ الْمُهَنْدِسِينَ فِي بُلْدَانِ مَمْلَكَتِهِ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ فِي نَفْضِ الْبِقَاعِ، وَوَزْنِ الْمِيَاهِ، وَسَوْفِ التُّرَابِ، وَالْفَحْصِ عَنْ أَخْلَاقِ سُكَّانِ الْبُلْدَانِ، وَأَعْرَاقِهِمْ، فَانْتَدَبُوا لِمَا أَمَرَهُمْ وَكَتَبُوا إِلَيْهِ وَأَعْلَمُوهُ، وَجَدْنَا أَخْصَبَ بِقَاعِ مَمْلَكَةِ الْكَرِيمِ السَّعِيدِ الرَّءُوفِ عَشَرَةَ مَوَاضِعَ: أَرْمِينِيَةُ وَأَذَرْبِيجَانُ، وَدسنين، وَمَاهْ دِينَارَ
стр. 93
، وَمَاهْ نِهَاوَنْدَ، وَماه كران، وَكَرْمَانَ، وَأَصْبَهَانُ، وَقُومِسُ، وَطَبَرِسْتَانُ، وَوَجَدْنَا أَخَفَّ بِقَاعِ مَمْلَكَتِهِ مَاءً عَشَرَةَ مَوَاضِعَ: دِجْلَةَ، وَالْفُرَاتِ، وَزَرْنَرْوَذَ أَصْبَهَانَ، وَمَاءُ سُورَانَ، وَمَاءُ ذَاتِ الْمَطَامِيِر مِنْ قُرَى حُلْوَانَ، وَمَاءُ هفنجاني، وَمَاءُ جُنْدِيَسَابُورَ، وَمَاءُ بَلْخٍ، وَمَاءُ سَمَرْقَنْدَ قَالَ صَاحِبُ كِتَابِ أَصْبَهَانَ: وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِ الرُّومِيِّ مِنْ خِفَّةِ الْمِيَاهِ أَنَّ الْمُوَفَّقَ كَانَ يُنْقَلُ إِلَيْهِ الْمَاءُ مَطْبُوخًا مِنْ زرنروذِ أَصْبَهَانَ لَمَّا عُزِلَ عَنْ أَصْبَهَانَ إِلَى بَغْدَادَ إِلَى أَنْ مَاتَ وَعَادَ الْحَدِيثُ إِلَى قَوْلِ الرُّومِيِّ، قَالَ: وَوَجَدْنَا أَسْرَى بِقَاعِ مَمْلَكَتِهِ فَوَاكِهَ سَبْعَةِ مَوَاضِعَ: طرسفون وَهُوَ الْمَدَائِنُ، وَبلاشون وَهُوَ حُلْوَانُ، وَماسبذان، وَنَهَاوَنْدُ، وَأَصْبَهَانُ، وَالرَّيُّ، وَنَيْسَابُورُ وَوَجَدْنَا أَقْحَطَ مَوَاضِعِ مَمْلَكَتِهِ ثَمَانِيَةَ
стр. 94
مَوَاضِعَ: مِيسَانَ، ودست ميسان وَلكلتانيةَ، وَبادريا، وَباكسيا، وَماسبذان وَوَجَدْنَا أَعْقَلَ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ: أَصْبَهَانَ، وَالْحِيرَةَ، وَالْمَدَائِنَ، وَمَاءَ دِينَارٍ، وَنَيْسَابُورَ، وَإِصْطَخْرَ، وَالرَّيَّ، وَطَبَرِسْتَانَ، وَنَشْوَى وَوَجَدْنَا أَوْبَأَ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ: النوبندجان، وَسَابُورُ خُوَاسْتَ، وَجُرْجَانَ، وَحُلْوَانَ، وَبَرْذَعَةَ، وَإِصْطَخْرَ، وَزنجان وَوَجَدْنَا أَمْكَرَ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ: ماسبذان، وَمِهْرِجَانَ، وَخُوزِسْتَانَ، وَالرَّيَّ، وَالرُّويانَ، وَأَذَرْبِيجَانَ، وَأَرْمِينِيَّةَ
стр. 95
، وَالْمَوْصِلَ، وَشَهْرَزُورَ، وَالصَّامَغَانَ وَوَجَدْنَا أَبْصَرَ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ بِالْخَرَاجِ: أَصْبَهَانَ، وَكَسْكَرَ، وَعَبَرْتَا، وَحُلْوَانَ، وَماسبذان، وَهُرْمُشِيرَ وَوَجَدْنَا أَبْخَلَ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ: مَرْوَ، وَإِصْطَخْرَ، وَدَارَابْجِرْدَ، وَخُوزَ، وَخُوزِسْتَانَ، وَمَاهْ سبذان، وَدبيل، وَمَاهَ دِينَارس، وَحُلْوَان
стр. 96
، وَماسبذان وَوَجَدْنَا أَسْفَلَ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ: الْبَنْدِيجَانَ، وَبادرايا، وَباكسيا، وَبهندف، وَقهور، وَخُوزِسْتَانَ وَوَجَدْنَا أَقَلَّ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ نَظَرًا فِي الْعَوَاقِبِ: طَبَرِسْتَانَ، وَأَرْمِينِيَّةَ، وَقُومِسَ، وَكوستان، وَهراةَ، وَكَرْمَانَ، وَماه كران، وَشَهْرَزُورَ فَلَمَّا نَظَرَ قَبَّاذٌ فِيمَا ذُكِرَ لَهُ مِنَ الْبُلْدَانِ مَيَّزَ مَا بَيْنَ الْمَدَائِنِ إِلَى نَهْرِ بَلْخٍ، فَلَمْ يَجِدْ بُقْعَةً أَنْزَهَ وَلَا أَعْذَبَ مَاءً وَلَا أَلَذَّ نَسِيمًا مِمَّا بَيْنَ قرماسين إِلَى عَقَبَةِ هَمَذَانَ، فَأَنْشَأَ قرماسين وَبَنَى فِيهَا لِنَفْسِهِ بِنَاءً مُعَمَّدًا عَلَى أَلْفِ كَرْمٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْبِنَاءِ، قَالَ: كردمان شَاهَانْ فَسُمِّيَ كردمان شَاهَانْ، ثُمَّ عُرِّبَ فَقِيلَ قرماسين وَمَعْنَاهُ قَدْ بَنَيْتَ مَسْكَنَ الْمُلُوكِ فَلَمَّا مَيَّزَ قَبَّاذٌ مَمْلَكَتَهُ وَعَرَفَ الْبِقَاعَ وَمَسَحَ الْبِلَادَ وَعَدَّ الْفَرَاسِخَ نَقَلَ الْأَشْرَافَ مِنْ فَارِسَ وَخُرَاسَانَ وَبِلَادِ الفهلويين وَهِيَ أَصْبَهَانُ، وَالرَّيُّ، وَهَمَذَانُ، وَمَاءُ نِهَاوَنْدَ، وَمَاءُ دِينَارٍ، فَأَسْكَنَهُمْ حَافَتَيْ دِجْلَةَ، ثُمَّ أَنْزَلَ أَهْلَ الصِّنَاعَاتِ بَطْنَ جوخي، ثُمَّ أَنْزَلَ التُّجَّارَ هُرْمُشِيرَ، وَالْأَطِبَّاءَ جُنْدِيَسَابُورَ، وَالْحَاكَةَ السُّوسَ وَتُسْتَرَ، وَالْحَجَّامِينَ بادرايا وَباكسايا "
стр. 97
وَرَوَى صَاحِبُ كِتَابِ أَصْبَهَانَ، وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، وَلَمْ يَذْكُرْ إِسْنَادَهُ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ السِّيَرِ: أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ وَلَّى عَلَى أَصْبَهَانَ وَهْزَاذَ بْنَ يَزْدَادَ الْأَنْبَارِيَّ، وَكَانَ ابْنَ عَمٍّ لِكَاتِبِهِ زَاذَانَ فَرُّوخَ الْمَجُوسِيِّ، فَكَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ فِي بَعْضِ أَوْقَاتِهِ فِي مُقَامِهِ بِأَصْبَهَانَ يَسْأَلُهُ نَظَرًا لِأَهْلِهَا بِبَعْضِ خَرَاجِهِمْ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ كِتَابًا، هَذِهِ نُسْخَةُ بَعْضِهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَأَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي اسْتَعْمَلْتُكَ يَا وَهْزَاذُ عَلَى أَصْبَهَانَ أَوْسَعِ الْمَمْلَكَةِ رُقْعَةً وَعَمَلًا، وَأَكْثَرِهَا خَرَاجًا بَعْدَ فَارِسَ وَالْأَهْوَازِ، وَأَزْكَاهَا أَرْضًا حشِيشُهَا الزَّعْفَرَانُ وَالْوَرْدُ، وَجَبَلُهَا الْفِضَّةُ وَالْإِثْمِدُ، وَأَشْجَارُهَا الْجَوْزُ، وَاللَوْزُ، وَالْكُرُومُ الْكَرِيمَةُ وَالْجِلَوْزُ، وَالفواكهُ الْعَذْبَةُ، طَيْرُهَا عَوَامِلُ الْعَسَلِ، وَمَاؤُهَا فُرَاتٌ، وَخَيْلِهَا الْمَاذِيَانَاتُ الْجِيَادُ، أَنْظَفُ بِلَادِ اللَّهِ طَعَامًا، وَأَلْطَفِهَا شَرَابًا، وَأَصَحِّهَا تُرَابًا، وَأَوْفَقِهَا هَوَاءً، وَأَرْخَصِهَا لَحْمًا، وَأَطْوَعِهَا أَهْلًا، وَأَكْثَرِهَا صَيْدًا، فَأَنَخْتَ عَلَيْهَا يَا وَهْزَاذُ بِكَلْكَلٍ اضْطُرَّ أَهْلُهَا إِلَى مَسْأَلَتِكَ مَا سَأَلْتَ لَهُمْ لِتَفُوزَ بِمَا يُوضَعُ عَنْهُمْ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا وَإِلَّا أُبْعِدُكَ عَنْ ظَنِّ السُّوءِ فَسَتُرَدُّ فَتَعْلَمُ، وَإِنْ صَدَقْتَ فِي بَعْضِهِ وَقَدْ أَخْرَبْتَ الْبَلَدَ، أَتَظُنُّ يَا وَهْزَاذُ أَنْ أُنَفِّذَ لَكَ مَا مَوَّهْتَ وَسَحَرْتَ مِنَ الْقَوْلِ وَقَعَدْتَ تُشِيرَ عَلَيْنَا بِهِ، فَعَضَّ يَا وَهْزَاذَ عَلَى غُرْلَةِ أَيْرِ أَبِيكَ، وَمُصَّ بَظْرَ أُمِّكَ، وَايْمُ اللَّهِ، لَتَبْعَثَنَّ إِلَيَّ بِخَرَاجِ أَصْبَهَانَ كُلِّهِ، أَوْ لَأَجْعَلَنَّكَ طَوَابِيقَ عَلَى أَبْوَابِ مَدِينَتِهَا، فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ أَوْفَقَ الْأَمْرَيْنِ لَهَا أَوْ ذَرْ، وَالسَّلَامُ " وَحكى أَبُو مَعْشَرٍ أَنَّ الْمُلُوكَ طَلَبُوا لِمُسْتَوْدَعِ الْعُلُومِ مِنَ الظُّرُوفِ أَصْبَرَهَا عَلَى الْأَحْدَاثِ وَأَبْقَاهَا عَلَى الدَّهْرِ وَأَبْعَدَهَا مِنَ التَّعَفُّنِ وَالدُّرُوسِ فَاخْتَارُوا لَهَا لِحَاءَ شَجَرِ التُّوزِ، وَاقْتَدَى بِهِمْ أَهْلُ الْهِنْدِ وَالصِّينِ فَاخْتَارُوهَا أَيْضًا لِقِسِيِّهِمُ الَّتِي يَرْمُونَ عَنْهَا؛ لِصَلَابَتِهَا وَبَقَائِهَا عَلَى الْقَسِّيِّ غَابِرَ الدَّهْرِ، فَلَمَّا كَتَبُوا مُسْتَوْدَعَ عُلُومِهِمْ فِي أَجْوَدِ مَا وَجَدُوهُ مِنَ الظُّرُوفِ طَلَبُوا لَهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْأَرْضِ وَبُلْدَانِ الْأَقَالِيمِ أَصَحَّهَا تُرْبَةً، وَأَقَلَّهَا عُفُونَةً، وَأَبْعَدَهَا مِنَ الزَّلَازِلِ وَالْخُسُوفِ، وَأَعْلَكَهَا طِينًا، وَأَبْقَاهَا عَلَى الدَّهْرِ بِنَاءً فَانْتَفَضُوا بِلَادَ الْمَمْلَكَةِ وَبِقَاعِهَا فَلَمْ يَجِدُوا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ أَجْمَعَ لِهَذِهِ الْأَوْصَافِ مِنْ أَصْبَهَانَ، ثُمَّ فَتَّشُوا عَنْ بِقَاعِ هَذَا الْبَلَدِ فَلَمْ يَجِدُوا فِيهَا أَفْضَلَ مِنْ رُسْتَاقِ جَيِّ، وَلَا وَجَدُوا فِي
стр. 98
رُسْتَاقِ جَيٍّ أَجْمَعَ لِمَا رَامُوهُ مِنْ مَدِينَةِ جَيٍّ فَجَاءُوا إِلَى قهندز هُوَ فِي دَاخِلِ الْمَدِينَةِ حَتَّى بُنِيَ بِنَاءٌ عَجِيبٌ مُحْكَمٌ وَثِيقٌ فَأَوْدَعُوهُ عُلُومَهُمْ وَقَدْ بَقِيَ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا وَهُوَ يُسَمَّى سارويه وَلَقَدْ تَهَدَّمَتْ مِنْ هَذِهِ الْمَصْنَعَةِ قَبْلَ زَمَانِنَا بِسِنِينَ كَثِيرَةٍ نَاحِيَةٌ فَوَجَدُوا فِي أَزَجٍ مَعْقُودٍ مِنْ طِينِ الشيفتق كُتُبًا كَثِيرَةً مِنْ كُتُبِ الْأَوَائِلِ كُلُّهَا فِي لِحَاءِ التُّوزِ مُودَعَةً أَصْنَافَ الْعُلُومِ مِنْ عُلُومِ الْأَوَائِلِ بِالْكِتَابَةِ الْفَارِسِيَّةِ
стр. 99
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ الْمُذَكِّرَ، يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الدَّقَّاقَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ بَعْضَ الْمُحَدِّثِينِ، يَقُولُ: دَخَلَ أَيُّوبُ بْنُ زِيَادٍ الْأَصْبَهَانِيُّ عَلَى الْمَأْمُونِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: " يَا أَيُّوبُ، صِفْ لِي أَصْبَهَانَ وَأَوْجِزْ، فَقَالَ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَوَاؤُهَا طَيِّبٌ، وَمَاؤُهَا عَذْبٌ، وَحَشِيشُهَا الزَّعْفَرَانُ، وَجِبَالُهَا الْعَسَلُ، غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَخْلُوَ مِنْ خِلَالٍ أَرْبَعٍ: جَوْرُ السُّلْطَانِ، وَغَلَاءُ الْأَسْعَارِ، وَقِلَّةُ الْأَمْطَارِ، وَفَقْدُ مِيَاهٍ "، فَأَطْرَقَ الْمَأْمُونُ سَاعَةً وَبِيَدِهِ قَضِيبٌ يَنْكُتُ بِهِ فِي الْأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: يَا أَيُّوبُ، لَعَلَّ قُرَّاءَهَا مُنَافِقُونَ، وَتُجَّارَهَا مُرْبِئُونَ، وَتُنَّاءَهَا شَرَبَةُ خُمُورٍ، وَفِي أَطْرَافِهَا لَا يُصَلُّونَ كَذَا رُوِيَ: دَخَلَ أَيُّوبُ عَلَى الْمَأْمُونِ، وَوَهِمَ الْمُذَكِّرُ أَوْ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ فِيهِ، فَإِنَّ أَيُّوبَ بْنَ زِيَادٍ الَّذِي كَانَ عَامِلًا عَلَى أَصْبَهَانَ الَّذِي بَنَى الْمَسْجِدَ وَالسُّوقَ كَانَ يَلِي عَلَى أَصْبَهَانَ مِنْ قِبَلِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ، وَلَمْ يَعِشْ إِلَى خِلَافَةِ الْمَأْمُونِ
стр. 100
سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ يَقُولُ غَيْرَ مَرَّةٍ: سَمِعْتُ مَنْ يَحْكِي: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ صَاحِبَ مَيْدَانِ سُلَيْمَانَ الْأَصْبَهَانِيِّ دَخَلَ عَلَى الْمَأْمُونِ، فَقَالَ لَهُ: صِفْ لِي أَصْبَهَانَ وَأَوْجِزْ، فَقَالَ: " هَوَاؤُهَا طَيِّبٌ، وَمَاؤُهَا عَذْبٌ، وَحَشِيشُهَا الزَّعْفَرَانُ، وَجِبَالُهَا الْعَسَلُ، غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَخْلُوَ مِنْ خِلَالٍ أَرْبَعٍ: جَوْرُ سُلْطَانٍ، وَغَلَاءُ الْأَسْعَارِ، وَقِلَّةُ أَمْطَارٍ، وَقِلَّةُ مِيَاهٍ "، فَأَطْرَقَ الْمَأْمُونُ سَاعَةً، وَبِيَدِهِ قَضِيبٌ يَنْكُتُ بِهِ الْأَرْضَ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، لَعَلَّ قُرَّاءَهَا مُنَافِقُونَ، وَتُجَّارَهَا مُرْبِئُونَ، وَتُنَّاءَهَا شَرَبَةُ خُمُورٍ، وَفِي أَطْرَافِهَا لَا يُصَلُّونَ "
стр. 101
سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ حَيَّانَ فِي آخَرِينَ يَقُولُونَ: سَمِعْنَا مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدوسٍ الطَّحَّانَ الْفَقِيهَ، يَقُولُ: قَالَ لِي ابْنُ زُغْبَةَ بِمِصْرَ: " بَلَغَنِي يَا أَهْلَ أَصْبَهَانَ: أَنَّ سَهْلَكُمْ زَعْفَرَانُ، وَجَبَلَكُمْ عَسَلٌ، وَلَكُمْ فِي كُلِّ ذَرَا عَيْنُ مَاءٍ عَذْبٍ "، فَقُلْتُ: كَذَلِكَ بَلَدُنَا، فَقَالَ: «لَا أُصَدِّقُ هَذَا، هَذِهِ الْجَنَّةُ بِعَيْنِهَا»
стр. 102
سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ الْعُكْبُرِيَّ ⦗٦٤⦘ بِمَكَّةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ابْنَ بِنْتِ مَنِيعٍ، يَقُولُ: ثنا بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ، ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: «لَوْلَا أَنِّي مِنْ قُرَيْشٍ لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ فَارِسَ ثُمَّ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ»
стр. 103
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَأَبُو أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيُّ قَالَا: ثنا أَبُو خَلِيفَةَ، ثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: «لَوْ لَمْ أَكُنْ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ»
стр. 104
وَقَالَ حُجَيْن بْن الْمُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، يَقُولُ: «لَوْ تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ بَلَدٍ، لَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ»
стр. 105
حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رُسْتَةَ، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَامِرٍ الْمُؤَذِّنُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي عَلِيٍّ الْمَكِّيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ، ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ، سَمِعْتُ عَمِّي إِدْرِيسَ يَقُولُ، سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ، يَقُولُ: " كَتَبَ نُمْرُوذُ بْنُ كَنْعَانَ يَسْتَمِدُّ الرِّجَالَ وَالْأَمْوَالَ وَالْأَنْفُسَ أَنْ يُحَارِبُوا رَبَّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: فَكَتَبُوا إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ الْبُلْدَانِ: نَعَمْ نَعَمْ، مَا خَلَا أَصْبَهَانَ، وَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَا طَاقَةَ لَنَا بِإِلَهِ السَّمَاءِ، وَنُحَارِبُ مَنْ شِئْتَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، قَالَ: فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ، فَعَذُبَ مَاؤُهُمْ، وَطَابَ هَوَاؤُهُمْ، وَكَثُرَ فَاكِهَتُهُمْ، وَصَحَّ تُرْبَتُهُمْ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ " قَالَ وَهْبٌ: «وَبَلَغَنِي أَنَّ الْمَيِّتَ يُدْفَنُ بِأَصْبَهَانَ فَبَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ تَرَاهُ جَافًّا فِي قَبْرِهِ» رَوَاهُ الْخَصِيبُ بْنُ جَحْدَرِ، عَنْ وَهْبٍ، نَحْوَهُ
стр. 106
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَارِسِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الضَّرَّابَ الْأَصْبَهَانِيُّ، ثنا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ رَجُلٍ ذَكَرَهُ، عَنْ خَصِيبِ بْنِ جَحْدَرٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: " لَمَّا تَأْبَى نُمْرُوذُ، وَجَحَدَ قُدْرَةَ الرَّبِّ تَعَالَى بَعَثَ إِلَى أَهْلِ النَّوَاحِي يَحْشُرُهُمْ لِمُحَارَبَةِ رَبِّ الْعِزَّةِ، فَتَفَرَّقُوا وَصَارُوا فِي جِبَالِ أَصْبَهَانَ، وَقَالُوا: كَلَّا، لَا نَجْحَدُ قُدْرَةَ الرَّبِّ رَبِّ السَّمَاءِ، فَأَنْبَتَ اللَّهُ فِي تُرْبَتِهَا الزَّعْفَرَانَ، وَأَلْقَى فِي جِبَالِهَا الشَّهْدَ، فَبِهَا سُمِّيَ أَصْبَهَانَ أَي أصبه كافربد " قَالَ إِسْحَاقُ: " وَبَنَى ماربين يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ يُقَالُ: كَانَ يَجُولُ فِي الدُّنْيَا فَدَخَلَ أَصْبَهَانَ فَنَزَلَ الْمَوْضِعَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ ماربين وَإِنَّمَا سُمِّيَ ماربين لِأَنَّهُمْ بَصُرُوا بِحَيَّةٍ ارْتَفَعَتْ مِنَ الْأَرْضِ فَقِيلَ لِيُوشَعَ ماربين أَيِ انْظُرْ إِلَى الْحَيَّةِ فَسُمِّيَ ماربين بِهَا "
стр. 107
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ⦗٦٥⦘ مُحَمَّدٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ فُورَكٍ، ثنا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، ثنا شَاذَةُ بْنُ الْمِسْوَرِ، ثنا نُصَيْرُ بْنُ الْأَزْهَرِ، ثنا أَبُو عُبَيْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّاجِيُّ، قَالَ: وَجَدْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: " زَعَمَ أَنَّ نُمْرُوذَ بْنَ كَنْعَانَ كَتَبَ فِي الْبِلَادِ يَسْتَمِدُّهُمْ لِمُحَارَبَةِ رَبِّهِ تَعَالَى، فَأَجَابُوهُ كُلُّهُمْ إِلَّا أَهْلَ أَصْبَهَانَ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: نَحْنُ لَا طَاقَةَ لَنَا بِمُحَارَبَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ "، أَوْ قَالَ: " رَبِّ السَّمَاءِ، قَالَ: فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُمْ، فَطَيَّبَ مَاءَهُمْ، وَطَيَّبَ فَوَاكِهَهُمْ، وَطَيَّبَ هَوَاءَهُمْ "
стр. 108
سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ حَيَّانَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ مَنْ يَحْكِي، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّحْوِيِّ، قَالَ: " خَرَجَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ إِلَى ذِي الرِّئَاسَتَيْنِ فِي حَوَائِجَ لَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ ذُو الرِّئَاسَتَيْنِ: مِنْ أَيْنَ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ، قَالَ: أَنْتُمْ مِنَ الَّذِينَ لَا يَزَالُ فِيهِمْ ثَلَاثُونَ رَجُلًا مُسْتَجَابِي الدَّعْوَةِ؟ " قَالُوا: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: إِنَّ نُمْرُوذَ بْنَ كَنْعَانَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَصْعَدَ إِلَى السَّمَاءِ كَتَبَ فِي الْبُلْدَانِ يَدْعُوهُمْ إِلَى مُحَارَبَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأَجَابُوهُ كُلُّهُمْ إِلَّا أَهْلَ أَصْبَهَانَ، فَحَمَلَ مِنْهُمْ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مُقَيَّدِينَ، فَلَمَّا أَنْ نَظَرُوا إِلَى وَجْهِ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ آمَنُوا بِهِ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ أَبَدًا بِأَصْبَهَانَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا يُسْتَجَابُ دُعَاؤُهُمْ، فَلَا يَزَالُ بِأَصْبَهَانَ ثَلَاثُونَ رَجُلًا يُسْتَجَابُ دُعَاؤُهُمْ " وَكَانَ نُمْرُوذُ أَوَّلَ مَلِكٍ مِنَ الْمُلُوكِ الَّذِينَ مَلَكُوا الدُّنْيَا شَرْقًا وَغَرْبًا، وَهُوَ نُمْرُوذُ بْنُ كُوشَ بْنِ كَنْعَانَ بْنِ حَامٍ، وَقَالَ بَعْضُ النَّسَّابَةِ ابْنُ سَنْحَارِيبَ بْنِ كَنْعَانَ بْنِ كُوشَ بْنِ حَامٍ وَهُوَ صَاحِبُ النُّسُورِ، وَهُوَ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ، بَقِيَ فِي مُلْكِهِ سَبْعِينَ سَنَةً لَا يَمَسُّهُ أَحَدٌ، وَلَا يَمَسُّ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ لَبِسَ التَّاجَ، وَبَنَى الصَّرْحَ لِمُحَارَبَةِ رَبِّ السَّمَاءِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ النَّاسَ لِذَلِكَ
стр. 109
فِيمَا حَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ السِّنْدِيِّ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلَوْيْهِ الْقَطَّانُ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، ثنا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ سَمْعَانَ، أَخْبَرَنِي بَعْضُ مَنْ قَدْ قَرَأَ الْكُتُبَ: " أَنَّ نُمْرُوذَ كَتَبَ إِلَى الْقَبَائِلِ، وَالْعَشَائِرِ، وَالْبِلَادِ، وَكُلِّ مَلِكٍ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ ذَلَّتْ لَهُ مُلُوكُ الْأَرْضِ، وَكَانَ يَنْزِلُ أَرْضَ السَّوَادِ، قَالَ: فَجَمَعَهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا، وَكَانَ لَا يَظْهَرُ لِلنَّاسِ، قَالَ: فَجَلَسَ لَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: أَتَعْلَمُونَ لِمَ دَعَوْتُكُمْ وَجَمَعْتُكُمْ، قَالُوا: لَا، قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ قَبْلَكُمْ أُمَمٌ وَقُرُونٌ، وَأَنَّ فِي السَّمَاءِ مَلِكًا أَهْلَكَهُمْ أَرْسَلَ عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ، وَإِنِّي أَرَى مِنَ الرَّأْيِ أَنْ أَبْنِيَ صَرْحًا فَأَرْتَفِعَ إِلَى السَّمَاءِ فَيَكُونَ الْمُلْكُ لِي أَوْ لَهُ، فَإِنْ كَانَ لِي أَمِنْتُمْ مِنْ بَأْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِي أَمِنْتُمْ، قَالُوا: رَأْيُنَا لِرَأْيِ الْمَلِكِ، قَالَ: فَخَرَجُوا يَأْتَمِرُونَ فِي مَوْضِعِ الصَّرْحِ، فَأَصْبَحُوا وَقَدْ تَبَلْبَلَتْ أَلْسِنَتُهُمْ، لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ لُغَةَ صَاحِبِهِ فَلَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ " وَقَالَ مُجَاهِدٌ: «إِنَّمَا تَبَلْبَلَتِ الْأَلْسُنُ يَوْمَ جَعَلَ اللَّهُ
стр. 110
النَّارَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بَرْدًا وَسَلَامًا»
следующие страницы →