← Фикх малики

Фикх малики · id 1717

الذخيرة للقرافي

القرافي

Полный текст (5 319 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فَالْمَشْهُورُ أَنَّ حَدَثَهُ لَا يَرْتَفِعُ لِأَنَّ الْحَدَثَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَنْعِ الشَّرْعِيِّ وَصِحَّةُ هَذَا الْفِعْلِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى رَفْعِ الْمَنْعِ فَلَا تَسْتَلْزِمُهُ فَيَكُونُ حَدَثُهُ بَاقِيًا وَقِيلَ يَرْتَفِعُ نَظَرًا إِلَى أَصْلِ الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ لِهَذِهِ الْأُمُورِ. الثَّانِي إِذَا نَوَى رَفْعَ بَعْضِ الْأَحْدَاثِ نَاسِيًا لِغَيْرِهَا أَجْزَأَهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ رَفْعُ الْمَنْعِ وَقَدْ حَصَلَ وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ عَلَى التَّحْقِيقِ أَنَّهُ نَوَى رَفْعَ سَبَبِ بَعْضِ الْأَحْدَاثِ لِأَنَّ الْأَسْبَابَ لَا يُمْكِنُ رَفْعُهَا لِاسْتِحَالَةِ رَفْعِ الْوَاقِعِ. الثَّالِثُ قَالَ إِذَا نَوَى اسْتِبَاحَةَ صَلَاةٍ بِعَيْنِهَا وَأَخْرَجَ غَيْرَهَا مِنْ نِيَّتِهِ فَقِيلَ يَسْتَبِيحُ مَا نَوَاهُ وَمَا لَمْ يَنْوِهِ لِأَنَّ حَدَثَهُ قَدِ ارْتَفَعَ بِاعْتِبَارِ مَا نَوَاهُ وَذَلِكَ يَقْتَضِي اسْتِبَاحَةَ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَلَيْسَ لِلْمُكَلَّفِ أَنْ يَقْتَطِعَ مُسَبِّبَاتِ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْهَا فَلَوْ قَالَ أَتَزَوَّجُ وَلَا يَحِلُّ لِيَ الْوَطْءُ أَوْ أَشْتَرِي السِّلْعَةَ وَلَا يَحْصُلُ لِيَ الْمِلْكُ لم يعْتَبر ذَلِك فَكَذَلِك هَهُنَا وَقِيلَ تَبْطُلُ طَهَارَتُهُ لِلتَّضَادِّ وَلَا تَسْتَبِيحُ شَيْئًا وَقِيلَ تَخْتَصُّ الْإِبَاحَةُ بِالْمَنْوِيِّ لِقَوْلِهِ ﵇ (الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) . الرَّابِعُ قَالَ الْمَازِرِيُّ إِذَا نَوَى رَفْعَ بَعْضِ الْأَحْدَاثِ مُخْرِجًا لِغَيْرِهِ مِنْ نِيَّتِهِ فَفِيهِ الثَّلَاثَةُ الْأَقْوَالُ الَّتِي فِي تَخْصِيصِ الصَّلَاةِ بِالْإِبَاحَةِ. الْخَامِسُ قَالَ الْمَازِرِيُّ لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ وَالتَّبَرُّدَ أَجْزَأَهُ لَأَنَّ مَا نَوَاهُ مَعَهُ حَاصِلٌ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ فَلَا تَضَادَّ وَقِيلَ لَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النِّيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْبَاعِثَ على الْعِبَادَة طَاعَة الله تَعَالَى فَقَط وَهَهُنَا الْبَاعِثُ الْأَمْرَانِ. السَّادِسُ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ وَقَالَ لَا أَسْتَبِيحُ أَوْ نَوَى الِاسْتِبَاحَةَ وَقَالَ لَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ أَوْ نَوَى امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ ﵎ وَقَالَ لَا أَسْتَبِيحُ وَلَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ لَمْ يَصِحَّ وُضُوؤُهُ لِلتَّضَادِّ. السَّابِعُ إِذَا فَرَّقَ النِّيَّةَ عَلَى الْأَعْضَاءِ فَنَوَى الْوَجْهَ وَحْدَهُ ثُمَّ كَذَلِكَ الْيَدَيْنِ إِلَى آخِرِ الطَّهَارَةِ فَقَوْلَانِ مَنْشَؤُهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْحَدَثَ هَلْ يَرْتَفِعُ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ وَحْدَهُ أَوْ لَا بُدَّ فِي ارْتِفَاعِهِ مِنْ غسل الْجَمِيع؟

стр. 247

وَيَخْرُجُ عَلَى ذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ وَهِيَ إِذَا مَسَّ ذَكَرَهُ فِي غُسْلِ جَنَابَتِهِ بَعْدَ غَسْلِ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ وَأَعَادَ وُضُوءَهُ فَإِنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ لِأَنَّ حَدَثَ الْجَنَابَةِ قَدِ ارْتَفَعَ عَنِ الْمَغْسُولِ قَبْلَ ذَلِكَ عَنْ أَعْضَائِهِ وَغَيْرُ الْجُنُبِ يَجِبُ عَلَيْهِ نِيَّةُ الْوُضُوءِ وَلَا يُعِيدُ النِّيَّةَ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ لِأَنَّ الْحَدَثَ لَمْ يَرْتَفِعْ عَنِ الْأَعْضَاءِ السَّابِقَةِ فَهُوَ جُنُبٌ وَالْجُنُبُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ الْوُضُوءَ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ يَتَخَرَّجُ عَلَى رَأْيِ أَبِي الْحَسَنِ إِذَا مس ذكره بعد غسله بفور ذَلِك أَن لَا يَنْوِيَ الْوُضُوءَ لِأَنَّ النِّيَّةَ الْحُكْمِيَّةَ كَمَا تُسْتَصْحَبُ فِي آخِرِ الْعِبَادَةِ تُسْتَصْحَبُ بِفَوْرِهَا وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يجرئ الْخلاف هَهُنَا. وَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ أَيْضًا مَنْ غَسَلَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ وَأَدْخَلَهَا فِي الْخُفِّ ثُمَّ غَسَلَ الْأُخْرَى وَأَدْخَلَهَا فِي الْخُفِّ هَلْ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا قَوْلَانِ. الْبَحْثُ التَّاسِعُ فِي مَعْنَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ الْمُتَطَهِّرُ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ. اعْلَمْ أَنَّ الْحَدَثَ لَهُ مَعْنَيَانِ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ أَحَدُهُمَا الْأَسْبَابُ الْمُوجِبَةُ يُقَالُ أَحْدَثَ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ وَثَانِيهِمَا الْمَنْعُ الْمُرَتَّبُ عَلَى هَذِهِ الْأَسْبَابِ فَإِنَّ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ سَبَبٌ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ فَقَدْ مَنَعَهُ اللَّهُ ﵎ مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَى الْعِبَادَةِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ وَلَيْسَ يُعْلَمُ لِلْحَدَثِ مَعْنًى ثَالِثٌ بِالِاسْتِقْرَاءِ. وَالْقَصْدُ إِلَى رَفْعِ الْحَدَثِ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ مُحَالٌ لِاسْتِحَالَةِ رَفْعِ الْوَاقِعِ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْوِيُّ هُوَ رَفْعُ الْمَنْعِ وَإِذَا ارْتَفَعَ الْمَنْعُ ثَبَتَتِ الْإِبَاحَةُ فَيَظْهَرُ بِهَذَا الْبَيَانِ بُطْلَانُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْحَدَثَ يَرْتَفِعُ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ عَلَى حِيَالِهِ لِأَنَّ الْمَنْعَ بَاقٍ بِالْإِجْمَاعِ حَتَّى تَكْمُلَ الطَّهَارَةُ وَبُطْلَانُ الْقَوْلِ بِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثِ فَإِنَّ الْإِبَاحَةَ حَاصِلَةٌ بِهِ فَيَكُونُ الْحَدَثُ مُرْتَفِعًا ضَرُورَةً وَإِلَّا لَاجْتَمَعَ الْمَنْعُ مَعَ الْإِبَاحَةِ وَهُمَا ضِدَّانِ. سُؤَالٌ إِذَا كَانَ الْحَدَثُ مَنْعًا شَرْعِيًّا وَالْمَنْعُ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَحُكْمُهُ قَدِيمٌ وَاجِبُ الْوُجُودِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ رَفْعُ وَاجِبِ الْوُجُودِ؟ جَوَابُهُ هَذَا السُّؤَالُ عَامٌّ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ الْمَحْكُومِ بِتَجَدُّدِهَا عِنْدَ الْأَسْبَابِ

стр. 248

وَالْجَوَابُ فِي الْجَمِيعِ أَنَّ الْحُكْمَ مُرْتَفِعٌ وَمُتَجَدِّدٌ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهِ لَا بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ وَالتَّعَلُّقُ عَدَمِيٌّ مُمْكِنُ الِارْتِفَاعِ وَلَوْ كَانَ قَدِيمًا فَإِنَّ الْقَدِيمَ لَا يَسْتَحِيلُ رَفْعُهُ إِلَّا إِذَا كَانَ وُجُودِيًّا عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ الْفَرْضُ الثَّالِثُ اسْتِيعَابُ غَسْلِ جَمِيعِ الْوَجْهِ وَحَدُّهُ طُولًا مِنْ مَنَابِتِ الشَّعْرِ الْمُعْتَادِ إِلَى مُنْتَهَى الذَّقَنِ لِلْأَمْرَدِ وَاللِّحْيَةِ لِلْمُلْتَحِي وَنُرِيدُ بِقَوْلِنَا الْمُعْتَادِ خُرُوجَ النَّزْعَتَيْنِ وَالصَّلَعِ عَنِ الْغَسْلِ وَدُخُولَ الْغَمَمِ فِيهِ والنزعان هُمَا الْخَالِيَتَانِ مِنَ الشَّعْرِ عَلَى جَنْبَيِ الْجَبِينِ وَالذَّاهِبَتَانِ عَلَى جَنْبَيِ الْيَافُوخِ وَالْغَمَمُ مَا نَزَلَ مِنَ الشَّعْرِ عَلَى الْجَبِينِ وَمِنَ الْعِذَارِ إِلَى الْعِذَارِ عَرْضًا قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَاللَّحْيُ الْأَسْفَلُ مِنَ الْوَجْهِ عِنْدَ سَحْنُونٍ وَلَيْسَ مِنْهُ عِنْدَ التُّونِسِيِّ وَمُقْتَضَى قَوْلِ الْقَاضِي فِي التَّلْقِينِ خُرُوجُ الْبَيَاضِ الَّذِي بَيْنَ الْأُذُنِ وَالْعِذَارِ وَأَطْرَافِ اللَّحْيِ الْأَسْفَلِ لِلْأُذُنَيْنِ عَنِ الْوَجْهِ وَفِي الْبَيَاضِ الَّذِي بَين العذار وَالْأَذَان ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ يَجِبُ غَسْلُهُ فِي الْأَمْرَدِ وَالْمُلْتَحِي لمَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأبي حنيفَة ﵃ لِأَنَّه يُوَاجِهُ مَارِنَ الْأَنْفِ لِأَنَّه لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْوَجْهِ لَأُفْرِدَ بِمَاءٍ غَيْرِ مَاءِ الْوَجْهِ كَسَائِرِ الْمَسْنُونَاتِ وَلَا يَجِبُ فِيهِمَا لِمَالِكٍ أَيْضًا وَلِلْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ لِأَنَّ الْمُوَاجَهَةَ لَا تَقَعُ عَلَيْهِ غَالِبًا وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَلْزَمُهَا فِدْيَةٌ إِذَا غَطَّتْهُ فِي الْإِحْرَامِ وَالْوُجُوبُ فِي الْأَمْرَدِ فَقَطْ لِلْأَبْهَرِيِّ لِأَنَّ الْعِذَارَ يَمْنَعُ الْمُوَاجَهَةَ وَإِذَا قُلْنَا بِعَدَمِ الْوُجُوبِ غُسِلَ سُنَّةً فِي حَقِّ الْأَمْرَدِ وَالْمُلْتَحِي عِنْدَ الْقَاضِي وَيُحْتَمَلُ عَدَمُ الْغَسْلِ فِي الْمُلْتَحِي لِأَنَّه خَرَجَ عَنْ وَصْفِ الْمُوَاجَهَةِ كَالَّذِي تَحْتَ الشَّعْرِ الْكَثِيفِ وَإِذَا قُلْنَا بِالْغَسْلِ فَلَا يُجَدِّدُ مَاءً لِأَنَّه لَا يُمْكِنُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ لِاتِّصَالِهِ فَلَوْ جَدَّدْنَا لَهُ الْمَاءَ لَزِمَ التَّكْرَارُ فِي الْوَجْهِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَسْنُونَاتِ

стр. 249

فَرْعَانِ الْأَوَّلُ قَالَ صَاحِبُ النَّوَادِرِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَغْسِلُ مَا تَحْتَ مَارِنِهِ وَالْمَارِنُ طَرَفُ الْأَنْفِ وَمَا غَارَ مِنْ أَجْفَانِهِ وَأَسَارِيرِ جَبْهَتِهِ بِخِلَافِ الْجِرَاحِ الَّتِي بَرِئَتْ غَائِرَةً أَوْ كَانَتْ خَلْقًا وَبِخِلَافِ مَا تَحْتَ الذَّقَنِ الثَّانِي فِي الْجَوَاهِرِ يَجِبُ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى مَنَابِتِ الشَّعْرِ الْخَفِيفِ الَّذِي تَظْهَرُ الْبَشَرَةُ مِنْهُ بِالتَّخْلِيلِ كَالْحَاجِبَيْنِ وَالْأَهْدَابِ وَالشَّارِبِ وَالْعِذَارِ وَنَحْوِهَا وَلَا يَجِبُ فِي الْكَثِيفِ وَقِيلَ يَجِبُ لِأَنَّ الْخِطَابَ مُتَنَاوِلٌ لَهُ بِالْأَصَالَةِ وَلِغَيْرِهِ بِالرُّخْصَةِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا وَيَجِبُ غَسْلُ مَا طَالَ مِنَ اللِّحْيَةِ وَقِيلَ لَا يَجِبُ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ هَلْ يُنْظَرُ إِلَى مَبَادِيهَا فَيَجِبُ أَوْ مُحَاذِيهَا فَلَا يَجِبُ كَمَا قِيلَ فِيمَا زَادَ مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ قَالَ الْمَازِرِيُّ عَلَى الْأَوَّلِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَالثَّانِي لِلْأَبْهَرِيِّ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ تُحَرَّكُ اللِّحْيَةُ مِنْ غَيْرِ تَخْلِيلٍ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يُخَلِّلُهَا وَهُوَ يَحْتَمِلُ الْإِيجَابَ وَالنَّدْبَ وَجْهُ الْوُجُوب قَوْله تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم﴾ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَمِنَ السُّنَّةِ أَنَّهُ ﵇ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ ثُمَّ خَلَّلَ لِحْيَتَهُ وَقَالَ بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ قَالَ الْبُخَارِيُّ هَذَا أَصَحُّ مَا فِي الْبَابِ وبالقياس على غسل الْجِنَايَة وَقَالَ مَالك ذَلِك مَحْمُول على وضوء الْجِنَايَة لِأَنَّه مُطْلَقٌ فَلَا يَعُمُّ وَأَمَّا الْآيَةُ فَجَوَابُهَا أَنَّ الْوَجْهَ مِنَ الْمُوَاجَهَةِ وَاللِّحْيَةَ مِنَ الْمُوَاجَهَةِ الْآنَ فَلَا جَرَمَ وَجَبَ غَسْلُهَا وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مَرَّةً فَغَسَلَ وَجْهَهُ بِغُرْفَةٍ وَكَانَ ﵇ كَثَّ اللِّحْيَةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْغُرْفَةَ لَا تَعُمُّ الْوَجْهَ وَتَخْلِيلَ اللِّحْيَةِ وَالْبَشَرَةَ الَّتِي تَحْتَهَا

стр. 250

قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَكَمَا وَجَبَ غَسْلُ الْبَاطِنِ إِذَا ظَهَرَ كَمَوْضِعِ الْقَطْعِ مِنَ الشَّفَةِ وَأَثَرِ الْجِرَاحِ الظَّاهِرَةِ يَجِبُ أَنْ يَسْقُطَ غَسْلُ مَا ظَهَرَ إِذَا بَطَنَ فُرُوعٌ أَرْبَعَةٌ مِنَ الطَّرَّازِ الْأَوَّلُ إِذَا سَقَطَ الْوُجُوبُ اسْتَوَى عَلَى ذَلِكَ كَثِيفُ اللِّحْيَةِ وَخَفِيفُهَا عَلَى الْمَذْهَبِ وَقَوْلُ الْقَاضِي يَجِبُ إِيصَالُ الْمَاءِ لِلْخَفِيفِ لَا يُنَاقِضُهُ لِأَنَّه إِذَا أَمَرَّ يَدَهُ عَلَيْهَا وَحَرَّكَهَا وَصَلَ الْمَاءُ إِلَى الْمَحَالِّ الْمَكْشُوفَةِ فَإِنْ لَمْ يَصِلِ الْمَاءُ لِقِلَّتِهِ هُنَا يَقُولُ الْقَاضِي لَا يُجْزِئُهُ خِلَافًا ح الثَّانِي رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ عَلَيْهِ تَخْلِيلُ لِحْيَتِهِ فِي الْجَنَابَةِ كَمَا فِي الْوُضُوءِ وَرَوَى أَشْهَبُ أَنَّ عَلَيْهِ تَخْلِيلَهَا قِيَاسًا عَلَى شَعْرِ الرَّأْسِ الثَّالِثُ إِذَا قُلْنَا لَا يَجِبُ فِي الْجَنَابَةِ فَهُوَ سُنَّةٌ وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْوُجُوبِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجَنَابَةِ وَالْوُضُوءِ أَنَّ الْوَجْهَ مِنَ الْمُوَاجَهَةِ فَانْتَقَلَ الْحُكْمُ لِظَاهِرِ اللِّحْيَةِ وَالْجَنَابَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ الرَّابِعُ إِذَا قُلْنَا لَا يَجِبُ التَّخْلِيلُ فِي الْوُضُوءِ فَلَا بُدَّ مِنْ إِمْرَارِ الْيَدِ عَلَيْهَا بِالْمَاءِ وَتَحْرِيكِ يَدِهِ عَلَيْهَا لِأَنَّ الشَّعْرَ يُدْفَعُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ فَإِنْ حُرِّكَ حَصَلَ الِاسْتِيعَابُ فِي غَسْلِ الظَّاهِرِ خِلَافًا ح فِي اقْتِصَارِهِ عَلَى الْمَسْحِ الْفَرْضُ الرَّابِعُ غَسْلُ الْيَدَيْنِ مَعَ الْمرْفقين وَقِيلَ لَا يَجِبُ غَسْلُ الْمِرْفَقَيْنِ حُجَّةُ الْأَوَّلِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ تَوَضَّأَ وَأَدَارَ الْمَاءَ عَلَيْهِمَا وَقَالَ عِنْدَ كَمَالِ وُضُوئِهِ هَكَذَا تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فَقِيلَ إِلَى بِمَعْنَى مَعَ كَقَوْلِهِ ﵎ حِكَايَة عَن عِيسَى بن مَرْيَمَ ﵇ ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ أَي مَعَ الله وَكَذَلِكَ ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهم إِلَى أَمْوَالكُم﴾ وَقيل هِيَ

стр. 251

لِلْغَايَةِ وَاخْتُلِفَ فِي الْغَايَةِ هَلْ تَدْخُلُ مَعَ الْمُغَيَّا أَوْ لَا تَدْخُلُ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا هُوَ مِنَ الْجِنْسِ فَيَدْخُلُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يَدْخُلُ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْغَايَةِ الْمُنْفَصِلَةِ بِالْحِسِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فَإِنَّ اللَّيْلَ مُنْفَصِلٌ عَنِ النَّهَارِ بِالْحِسِّ فَلَا تَدْخُلُ وَبَيْنَ مَا لَا يَكُونُ مُنْفَصِلًا بِالْحِسِّ كَالْمَرَافِقِ فَيَدْخُلُ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ هَذَا خِلَافُهُمْ فِي الْغَايَةِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْغَايَةِ الَّتِي فِي الْآيَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا غَايَةً لِلْمَغْسُولِ لِأَنَّه الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ السَّابِقُ لِلْفَهْمِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ الْيَدُ اسْمٌ لِلْعُضْوِ والمغيا لَا بُدَّ أَنْ تَتَقَرَّرَ حَقِيقَتُهُ قَبْلَ الْغَايَةِ ثمَّ ينبسط إِلَى الْغَايَة وَهَهُنَا لَا تَكْمُلُ حَقِيقَةُ الْمُغَيَّا الَّذِي هُوَ غَسْلُ الْيَدِ إِلَّا بَعْدَ الْغَايَةِ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ غَايَةً لَهُ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ غَايَةً لِلْمَتْرُوكِ وَيَكُونُ الْعَامِلُ فِيهَا فِعْلًا مُضْمَرًا حَتَّى يَبْقَى مَعْنَى الْآيَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ وَاتْرُكُوا مِنْ آبَاطِكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَالْغَايَةُ لَا تَدْخُلُ فِي الْمُغَيَّا عَلَى الْخِلَافِ فَتَبْقَى الْغَايَةُ وَهِيَ الْمَرَافِقُ مَعَ الْمَغْسُولِ وَعَلَى هَذَا الْمَأْخَذِ يَتَخَرَّجُ الْخِلَافُ هُنَاكَ فِي الْكَعْبَيْنِ تَنْبِيهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ إِلَى غَايَةٌ لِلْمَغْسُولِ يَقْتَضِي أَنَّ لَفْظَ الْيَدِ اسْتُعْمِلَ مَجَازًا فِي بَعْضِهَا كَآيَةِ السَّرِقَةِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهَا غَايَةُ الْمَتْرُوكِ يَقْتَضِي أَنَّ الْيَدَ اسْتُعْمِلَتْ حَقِيقَةً فِي كُلِّهَا لَكِنْ يَقْتَضِي الْإِضْمَارَ وَإِذَا تَعَارَضَ الْمَجَازُ وَالْإِضْمَارُ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي أَنَّ الْمَجَازَ أَرْجَحُ أَوْ يَسْتَوِيَانِ؟ الثَّانِي الْمِرْفَقُ يُقَالُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَبِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ فُرُوعٌ ثَمَانِيَةٌ الْأَوَّلُ مَنْ قُطِعَ مِنَ السَّاعِدِ أَوْ مِنَ الْمِرْفَقَيْنِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأَنَّ الْقَطْعَ يَأْتِي عَلَيْهَا

стр. 252

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْكِتَابِ وَالتَّيَمُّمُ مِثْلُهُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ يُرِيدُ فِي اسْتِيعَابِ الْمِرْفَقَيْنِ لَا فِي الْوُجُوبِ لِاخْتِصَاصِ التَّيَمُّمِ عِنْدَنَا بِالْكُوعَيْنِ الثَّانِي فِي الطَّرَّازِ لَوْ وَقَعَ الْقَطْعُ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَقَدْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنَ الْمِرْفَقَيْنِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ خِلَافًا لِمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ لِأَنَّ مُوجِبَ الْأَمْرِ قَدْ حَصَلَ قَبْلَ الْقَطْعِ الثَّالِثُ لَوْ بَقِيَتْ جِلْدَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالذِّرَاعِ أَوِ الْمِرْفَقِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ يَجِبُ غَسْلُهَا لِأَنَّ أَصْلَهَا فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ وَإِنْ جَاوَزَتْ إِلَى الْعَضُدِ لَمْ تَجِبِ اعْتِبَارًا بِأَصْلِهَا وَمَوْضِعِ اسْتِمْدَادِ حَيَاتِهَا وَإِنِ انْقَطَعَتْ مِنَ الْعَضُدِ وَتَعَلَّقَتْ بِالْمِرْفَقِ أَوِ الذِّرَاعِ وَجَبَ غَسْلُهَا قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مَا لَا يَجِبُ فِي أَصْلِ خِلْقَتِهِ لَا يَكُونُ وَاجِبًا وَلِهَذَا الْمَعْنَى يُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْفَرْعِ وَبَيْنَ السَّلَعَةِ إِذَا ظَهَرَتْ فِي الذِّرَاعِ الرَّابِعُ إِذَا وَجَدَ الْأَقْطَعُ مَنْ يُوَضِّئُهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ بِأَجْرٍ كَمَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ الْمَاءِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ وَقَدَرَ عَلَى مَسِّ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ تَدُلُّكٍ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَسَقَطَ عَنْهُ الْمَعْجُوزُ عَنْهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْغَسْلِ الْإِمْسَاسُ مَعَ الدَّلْكِ فَإِذَا فَاتَ أَحَدُهُمَا فَلَا غَسْلَ وَيَجِبُ عَلَيْهِ مَسْحُ وَجْهِهِ بِالْأَرْضِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَجُوزُ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى مَسِّ الْمَاءِ وَاعْتِبَارًا بِمَا لَا تَصِلُ الْيَدُ إِلَيْهِ مِنَ الظَّهْرِ الْخَامِسُ مَنْ طَالَتْ أَظْفَارُهُ عَنْ أَصَابِعِهِ كَأَهْلِ السِّجْنِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ وَجَبَ عَلَيْهِمْ غَسْلُ الْخَارِجِ عَنِ الْأَصَابِعِ فَإِنْ تَرَكُوهُ خَرَجَ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا طَالَ مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ الشَّعْرَ زِيَادَةٌ عَلَى الْعُضْوِ وَالظُّفُرُ مِنْهُ لِأَنَّ أَصْلَهُ حَيٌّ بِمَنْزِلَةِ الْعُضْوِ وَإِنَّمَا فَارَقَتْهُ الْحَيَاةُ لَمَّا طَالَ فَأَشْبَهَ الْأُصْبُعَ الشَّلَّاءَ

стр. 253

السَّادِسُ مَنْ لَهُ أُصْبُعٌ زَائِدَةٌ فِي كَفِّهِ قَالَ يَجِبُ غَسْلُهَا لِأَنَّهَا مِنَ الْيَدِ فَيَتَنَاوَلُهَا الْخِطَابُ وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ لَهُ كَفٌّ زَائِدَةٌ فِي ذِرَاعِهِ وَجَبَ غَسْلُهَا تَبَعًا لِمَحَلِّ الْفَرْضِ قَالَ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ يَدٌ زَائِدَةٌ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ فَإِنْ كَانَ أَصْلُهَا فِي الْعَضُدِ أَوِ الْمَنْكِبِ وَلَهَا مِرْفَقٌ وَجَبَ غَسْلُهَا لِمِرْفَقِهَا لِتَنَاوُلِ الْخِطَابِ لَهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِرْفَقٌ لَمْ تَدْخُلْ فِي الْخِطَابِ سَوَاءٌ بَلَغَتْ أَصَابِعُهَا لِلْمِرْفَقِ أَمْ لَا السَّابِعُ قَالَ فِي تَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وُجُوبُهُ فِي الْيَدَيْنِ وَاسْتِحْبَابُهُ فِي الرِّجْلَيْنِ لِمَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَابْنِ حَبِيبٍ وَعَدَمُ الْوُجُوبِ فِيهِمَا لِابْنِ شَعْبَانَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ الرُّجُوعَ إِلَى تخليلها وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ أَمْرَانِ هَلْ خُلَلُ الْأَصَابِعِ مِنَ الْبَاطِنِ فَيَسْقُطُ كَدَاخِلِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ وَالْعَيْنِ أَوْ مِنَ الظَّاهِرِ فَيَجِبُ؟ وَهَلْ مُحَاكَّتُهَا وَتَدَافُعُهَا حَالَةَ الْغسْل تقوم مقَام الْغسْل أَو لَا؟ فَرْعٌ مُرَتَّبٌ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَبْدَأُ بِتَخْلِيلِ الرِّجْلَيْنِ بِخِنْصَرِ الْيُمْنَى لِأَنَّه يُمْنَى أَصَابِعِهَا وَيَخْتِمُ بِإِبْهَامِهَا لِأَنَّه يُسْرَى أَصَابِعِهَا وَيَبْتَدِئُ بِإِبْهَامِ الْيُسْرَى لِأَنَّه يُمْنَى أَصَابِعِهَا وَيَخْتِمُ بِخِنْصَرِهَا الثَّامِنُ قَالَ فِي الْخَاتَمِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ قَالَ مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ يُحَرِّكُهُ إِنْ كَانَ ضَيِّقًا وَإِلَّا فَلَا وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ يُحَرِّكُهُ مُطْلَقًا وَلِمَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا يُحَرِّكُهُ مُطْلَقًا لِأَنَّه يَطُولُ لُبْسُهُ فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ قِيَاسًا عَلَى الْخُفِّ قَالَ وَإِذَا جَوَّزْنَا الْمَسْحَ عَلَيْهِ وَكَانَ ضَيِّقًا فَنَزَعَهُ بَعْدَ وُضُوئِهِ وَلَمْ يَغْسِلْ مَوْضِعَهُ لَمْ يُجْزِهِ إِلَّا أَنْ يَتَيَقَّنَ إِصَابَةَ الْمَاءِ لِمَا تَحْتَهُ وَقَدْ عُلِمَ الِاخْتِلَافُ فِيمَنْ تَوَضَّأَ وَعَلَى يَدِهِ خَيْطٌ مِنْ عَجِينٍ فَإِنْ كَانَ الْخَاتَمُ ذَهَبًا لَمْ يُعْفَ عَنْ غَسْلِ مَا تَحْتَهُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ لِتَحْرِيمِهِ عَلَيْهِمْ وَالْحُرْمَةُ تُنَافِي الرُّخْصَةَ قَالَ سَحْنُونُ لُبْسُهُ فِي الصَّلَاةِ يُوجِبُ الْإِعَادَةَ فِي الْوَقْتِ

стр. 254

الْفَرْضُ الْخَامِسُ مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ فِي الْكِتَابِ يَمْسَحُ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ عَلَى الرَّأْسِ كُلِّهِ وَدَلَالِيِّهِمَا وَلَا يُحَلُّ الْمَعْقُوصُ خِلَافًا ش فِي اقْتِصَارِهِ على أقل مَا يُسمى مسحا وَلأبي ح فِي اقْتِصَارِهِ عَلَى النَّاصِيَةِ وَحَدُّهُ مِنْ مَنْبَتِ الشَّعْرِ الْمُعْتَادِ إِلَى الْقَفَا وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ إِلَى مُنْتَهَى مَنْبَتِ الشَّعْرِ مُحْتَجًّا بِمَا فِي أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ ﵇ مَسَحَ رَأْسَهُ حَتَّى أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ أُذُنَيْهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ لَا حُجَّةَ فِيهِ وَالْأَحَادِيثُ الثَّابِتَةُ أَنَّهُ ﵇ بَلَغَ إِلَى الْقَفَا وَمِنَ الْأُذُنَيْنِ إِلَى الْأُذُنَيْنِ وَجَوَّزَ ابْنُ مَسْلَمَةَ تَرْكَ الثُّلُثَ وَالْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ تَرْكَ الثُّلُثَيْنِ وَأَوْجَبَ أَشْهَبُ النَّاصِيَةَ وَعَنْهُ أَيْضًا بَعْضٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ حُجَّةُ الْمَشْهُورِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْقِيَاسُ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ وَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تُؤَكَّدُ بِمَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِالْعُمُومِ لِقَوْلِهِمُ امْسَحْ بِرَأْسِكَ كُلِّهِ وَالتَّأْكِيدُ تَقْوِيَة لما كَانَ ثَابتا فِي الأَصْل وَثَانِيهمَا أَنَّهَا صِيغَةٌ يَدْخُلُهَا الِاسْتِثْنَاءُ فَيُقَالُ امْسَحْ بِرَأْسِكَ إِلَّا نِصْفَهُ أَوْ إِلَّا ثُلُثَهُ وَالِاسْتِثْنَاءُ عِبَارَةٌ عَمَّا لَوْلَاهُ لَانْدَرَجَ الْمُسْتَثْنَى تَحْتَ الْحُكْمِ وَمَا مِنْ جُزْءٍ إِلَّا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ هَذِهِ الصِّيغَةِ فَوَجَبَ انْدِرَاجُ جُمْلَةِ الْأَجْزَاءِ تَحْتَ وُجُوبِ الْمَسْحِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَثَالِثُهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَفْرَدَهُ بِذِكْرِهِ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ أَقَلَّ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ لَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْوَجْهِ لِأَنَّه لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ مُلَامَسَةِ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعِمَامَتِهِ وَلَوْ كَانَ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ جَائِزًا لَمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالنَّاصِيَةِ

стр. 255

وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَنَقُولُ عُضْوٌ شُرِعَ الْمَسْحُ فِيهِ بِالْمَاءِ فَوَجَبَ أَنْ يَعُمَّهُ حُكْمُهُ قِيَاسًا عَلَى الْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ أَوْ نَقُولُ لَوْ لَمْ يَجِبِ الْكُلُّ لَوَجَبَ الْبَعْضُ وَلَوْ وَجَبَ الْبَعْضُ لَوَجَبَ الْبَعْضُ الْآخَرُ قِيَاسًا عَلَيْهِ وَهَذَا قِيَاسٌ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْفَارِقُ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ إِنَّ الْفِعْلَ فِي الْآيَةِ مُتَعَدٍّ فيستغنى عَن الْبَاء فَتكون للتبغيض صَوْنًا لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ اللَّغْوِ قُلْنَا الْجَواب عَنهُ من وُجُوه أَحدهمَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْبَاءِ وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ فِعْلَ الْمَسْحِ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ أَحَدُهُمَا بِنَفْسِهِ وَالثَّانِي بِالْبَاءِ إِجْمَاعًا كَقَوْلِنَا مَسَحْتُ يَدِي بِالْمِنْدِيلِ فَالْمِنْدِيلُ الْمُزِيلُ عَنِ الْيَدِ وَإِذَا قُلْنَا مَسَحْتُ الْمِنْدِيلَ بِيَدِي فَالْيَدُ الْمُزِيلَةُ وَالْمِنْدِيلُ الْمُزَالُ عَنْهُ وَالرُّطُوبَةُ فِي الْوُضُوءِ إِنَّمَا هِيَ فِي الْيَدِ فَتُزَالُ عَنْهَا بِالرَّأْسِ فَيَكُونُ مَعْنَى الْآيَةِ فامسحوا أَيْدِيكُم برؤوسكم فَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمَحْذُوفُ وَهُوَ الْمُزَالُ عَنْهُ وَالرَّأْسُ الْمَفْعُولُ الثَّانِي الْمُزَالُ بِهِ فَالْبَاءُ عَلَى بَابِهَا لِلتَّعْدِيَةِ الثَّانِي سَلَّمْنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلْمُصَاحَبَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تنْبت بالدهن﴾ بِضَمِّ التَّاءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عُدِّيَ بِالْهَمْزَةِ فَتَتَعَيَّنُ الْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ لِأَنَّه لَا يَجْتَمِعُ عَلَى الْفِعْلِ مُعَدِّيَانِ وَكَقَوْلِنَا جَاءَ زَيْدٌ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَالْبَاءُ فِي هَذَا الْقَوْلِ لِلْمُصَاحَبَةِ دُونَ التَّعْدِيَةِ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلتَّعْدِيَةِ لَحَسُنَ أَنْ تَقُومَ الْهَمْزَةُ مَقَامَهَا فَيُقَالَ أَجَاءَ زَيْدٌ مِائَةَ دِينَارٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الثَّالِثُ سَلَّمْنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ لِلْمُصَاحَبَةِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً لِلتَّأْكِيدِ فَإِنَّ كُلَّ حَرْفٍ يُزَادُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فَهُوَ لِلتَّأْكِيدِ قَائِمٌ مُقَامَ إِعَادَةِ الْجُمْلَةِ مَرَّةً أُخْرَى والتأكيد أرجح مِمَّا ذكر تموه من التبغيض فَإِنَّهُ مجمع عَلَيْهِ والتبغيض مُنْكَرٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ حَتَّى إِنَّ ابْنَ جِنِّي شَنَّعَ عَلَيْهِ وَقَالَ لَا يَعْرِفُ الْعَرَبُ الْبَاء للتبغيض

стр. 256

فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مَجَازًا مَرْجُوحًا وَحَمْلُ كِتَابِ اللَّهِ ﵎ عَلَى الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ فَضْلًا عَنِ الْمُنْكَرِ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ تَعْمِيمُ الْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ إِنَّمَا ثَبَتَ بِالسنةِ وَكَانَ مُقْتَضى الْبَاء فِيهِ التبغيض فَنَقُولُ عَلَى مَا ذَكَرْتُمُوهُ تَكُونُ السُّنَّةُ مُعَارِضَةً لِلْكِتَابِ وَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ لَا تَكُونُ مُعَارِضَةً بَلْ مُبَيِّنَةً مُؤَكِّدَةً وَعَدَمُ التَّعَارُضِ أَوْلَى وَأَمَّا وَجْهُ الْقَوْلِ بِالثُّلُثَيْنِ فَلِأَنَّهُ عُضْوٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَالثُّلُثُ فِي حَيِّزِ الْقِلَّةِ بِدَلِيلِ إِبَاحَتِهِ لِلْمَرِيضِ وَالْمَرْأَةِ الْمُتَزَوِّجَةِ مَعَ الْحَجْرِ عَلَيْهِمَا وَوَجْهُ الرُّبُعِ مَسْحُهُ ﵇ بِالنَّاصِيَةِ وَالْعِمَامَةِ وَالنَّاصِيَةُ نَحْوُ الرُّبُعِ وَوَجْهُ الِاقْتِصَارِ عَلَى أَقَلِّ مَا يُسَمَّى مسحا أَن الْبَاء للتبغيض وَلَيْسَ الْبَعْضُ أَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ فَيُقْتَصَرُ عَلَى أَقَلِّ مَا يُسَمَّى مَسْحًا وَقَدْ عَرَفْتَ مَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فُرُوعٌ أَحَدَ عَشَرَ الْأَوَّلُ حُكِي فِي تَعَالِيقِ الْمَذْهَبِ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ لِسَحْنُونَ فَقَالَ تَوَضَّأْتُ لِلصُّبْحِ وَصَلَّيْتُ بِهِ الصُّبْحَ وَالظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ ثُمَّ أَحْدَثْتُ وَتَوَضَّأْتُ فَصَلَّيْتُ الْعِشَاءَ ثُمَّ تَذَكَّرْتُ أَنِّي نَسِيتُ مَسْحَ رَأْسِي مِنْ أَحَدِ الْوُضُوءَيْنِ لَا أَدْرِي أَيُّهُمَا هُوَ؟ فَقَالَ سَحْنُونُ امْسَحْ بِرَأْسِكَ وَأَعِدِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فَذَهَبَ فَأَعَادَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَنَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ فَجَاءَ إِلَيْهِ فَقَالَ أَعَدْتُ الصَّلَوَاتِ وَنَسِيتُ مَسْحَ رَأْسِي فَقَالَ لَهُ امْسَحْ بِرَأْسِكَ وَأَعِدِ الْعِشَاءَ وَحْدَهَا فَفَرَّقَ سَحْنُونُ بَيْنَ الْجَوَابَيْنِ مَعَ أَنَّ السَّائِلَ نَسِيَ فِي الْحَالَتَيْنِ وَوَجْهُ الْفِقْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ أَمَرَهُ أَوَّلًا بِإِعَادَةِ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا لِتَطَرُّقِ الشَّكِّ لِلْجَمِيعِ وَالذِّمَّةُ مُعَمَّرَةٌ بِالصَّلَوَاتِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْمُبَرِّئَ فَلَمَّا أَعَادَهَا بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ صَارَتِ الصَّلَوَاتُ الْأَرْبَعُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا قَدْ صُلِّيَتْ بِوُضُوءَيْنِ الْوُضُوءِ الْأَوَّلِ

стр. 257

وَالثَّانِي وَأَمَّا الْعِشَاءُ فَصُلِّيَتْ بِوُضُوئِهَا أَوَّلًا وَأُعِيدَتْ بِوُضُوئِهَا أَيْضًا فَلَمْ يُوجَدْ فِيهَا إِلَّا وُضُوءٌ وَاحِدٌ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي نَسِيَ مِنْهُ مَسْحَ الرَّأْسِ فَلَمْ تَتَحَقَّقْ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْهَا فَتَجِبُ إِعَادَتُهَا وَأَحَدُ الْوُضُوءَيْنِ فِي الصَّلَوَاتِ الْأَوَّلِ صَحِيحٌ جَزْمًا بِأَنَّهُ مَا نَسِيَ الْمَسْحَ إِلَّا مِنْ أَحَدِهِمَا وَإِذَا وَقَعَتْ بِوُضُوءَيْنِ صَحِيحٍ وَفَاسِدٍ صَحَّتْ بِالْوُضُوءِ الصَّحِيحِ فَلَا تُعَادُ وَلَا فَرْقَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الصَّلَوَاتُ الْأُوَلُ كُلُّ وَاحِدَةٍ بِوُضُوءٍ أَوْ كُلُّهَا بِوُضُوءٍ وَهَذَا فَرْعٌ لَا يَكَادُ تَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِيهِ الثَّانِي مَنْ نَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ وَذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ وَفِي لِحْيَتِهِ بَلَلٌ قَالَ مَالِكٌ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ لَا يُجْزِئُهُ مَسْحُهُ بِذَلِكَ الْبَلَلِ وَيُعِيدُ الصَّلَاةَ بَعْدَ مَسْحِ رَأْسِهِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ الْوُجُوبَ وَالنَّدْبَ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يُجْزِئُهُ إِنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً قَرِيبًا وَكَانَ فِي الْبَلَلِ فَضْلٌ بَيِّنٌ قَالَ الْمَازِرِيُّ الْمَسْأَلَةُ تَتَخَرَّجُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَحُجَّةُ عَبْدِ الْمَلِكِ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْنِفْ لِرَأْسِهِ مَاءً الثَّالِثُ فِي الْجِلَابِ لَا يُسْتَحَبُّ فِيهِ التَّكْرَارُ وَهِيَ إِحْدَى خَمْسِ مَسَائِلَ لَا يُسْتَحَبُّ فِيهَا التَّكْرَارُ هَذِهِ وَالْوَجْهُ وَالْيَدَانِ فِي التَّيَمُّمِ وَالْجَبَائِرُ وَالْخُفَّانِ لِأَنَّ حِكْمَةَ الْمَسْحِ التَّخْفِيفُ إِذْ لَوْلَا ذَلِكَ لَشَرَّعَهُ اللَّهُ غَسْلًا فَلَوْ كُرِّرَ لَخَرَجَ بِتَكْرَارِهِ عَنِ التَّخْفِيفِ فَتَبْطُلُ حِكْمَتُهُ الرَّابِعُ فِي الْجَوَاهِرِ يُجْزِئُ الْغَسْلُ عَنِ الْمَسْحِ فِيهِ عِنْدَ ابْنِ شَعْبَانَ لِأَنَّ الْغَسْلَ إِنَّمَا سَقَطَ لُطْفًا بِالْمُكَلَّفِ فَإِذَا عَدَلَ إِلَيْهِ أَجْزَأَهُ كَالصَّوْمِ فِي السَّفَرِ وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْمَسْحَ وَحَقِيقَتُهُ مُبَايَنَةٌ لِلْغَسْلِ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ وَكَرِهَهُ آخَرُونَ لِتَعَارُضِ الْمَآخِذِ الْخَامِسُ مَا انْسَدَلَ مِنَ الشَّعْرِ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ قَالَ الْمَازِرِيُّ فِيهِ قَوْلَانِ كَالْمُنْسَدِلِ مِنَ اللِّحْيَةِ نَظَرًا إِلَى مَبَادِئِهِ فَيَجِبُ أَوْ مُحَاذِيهِ فَلَا يَجِبُ

стр. 258

قَالَ ابْنُ يُونُسَ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ عَائِشَةَ وَجُوَيْرِيَّةَ زَوْجَتَيِ النَّبِيِّ ﷺ َ - وَصَفِيَّةَ زَوْجَ ابْنِ عُمَرَ كُنَّ إِذَا تَوَضَّأْنَ أدخلن أَيْدِيهنَّ تَحت الْوِقَايَة فيمسحن جَمِيع رؤوسهن وَقَالَ مَالِكٌ تَمْسَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى مَا اسْتَرْخَى مِنْ دَلَالِيهَا وَإِنْ كَانَ شَعْرُهَا مَعْقُوصًا مَسَحَتْ عَلَى ضُفُرِهَا. وَكَذَلِكَ الطَّوِيلُ الشَّعْرِ مِنَ الرِّجَالِ إِذَا ضَفَّرَهُ وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ يُمِرُّ بِيَدَيْهِ عَلَى قَفَاهُ ثُمَّ يُعِيدُهُمَا مِنْ تَحْتِ شِعْرِهِ إِلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إِذَا كَانَ فِي شَعْرِهَا خَيْطٌ أَوْ شَعْرٌ لَمْ يُجَزْ مَسْحُهَا حَتَّى تَنْزِعَهُ إِذَا لَمْ يَصِلِ الْمَاءُ إِلَى شَعْرِهَا بِشَيْءٍ لِلَعْنِهِ ﵇ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ. السَّادِسُ قَالَ فِي الْكِتَابِ إِذَا تَوَضَّأَ وَحَلَقَ رَأْسَهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِعَادَةُ مَسْحِهِ وَكَذَلِكَ قَالَ فِيمَنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِم وَبَلغنِي عَن عبد الْعَزِيز ابْن أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ قَالَ هَذَا مِنْ لَحْنِ الْفِقْهِ. قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ لَا يُعْرَفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُخَالِفٌ إِلَّا ابْنَ جَرِيرٍ الطَّبَرِيَّ لِأَن الْفَرْض قد سقط أَولا فزاول الشَّعْرِ لَا يُوجِبُهُ كَمَا إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ أَوْ تَيَمَّمَ ثُمَّ قُطِعَ أَنْفُهُ وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَانُوا يَحْلِقُونَ بِمِنًى ثُمَّ يَنْزِلُونَ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِعَادَةُ مَسْحِ رَأْسِهِ وَلِأَنَّهُ لَا يُعَادُ الْغُسْلُ لِلْجَنَابَةِ وَهِيَ أَوْلَى لِأَنَّ مَنَابِتَ الشَّعْرِ لَمْ تُغْسَلْ قَبْلَ الْحَلْقِ وَهِيَ مِنَ الْبَشَرَةِ الْمَأْمُورِ بِغَسْلِهَا وَأَمَّا كَلَامُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهَذَا مِنْ لَحْنِ الْفِقْهِ فَكَلَامٌ مُحْتَمَلٌ. قَالَ ابْنُ دُرَيْد اللّحن فطنة وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵇ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضِ أَيْ أَفْطَنَ لَهَا. وَأَصْلُ اللَّحْنِ أَنْ تُرِيدَ الشَّيْءَ فَتُوَرِّيَ عَنْهُ وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الْفَرَزْدَقِ

стр. 259

(وَحَدِيثٌ أَلَذُّهُ وَهْوَ مِمَّا … يَشْتَهِي النَّاعِتُونَ يُوزَنُ وزنا) (منطق صائب وتلحن أَحْيَانًا … وَأَحْلَى الْحَدِيثِ مَا كَانَ لَحْنًا) قَالَ ابْنُ يُونُسَ ذَكَرَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ اللَّحْنَ بِإِسْكَانِ الْحَاءِ الْخَطَأُ وَبِفَتْحِهَا الصَّوَابُ فَمَنْ رَوَاهَا بِالْإِسْكَانِ فَمَعْنَاهُ أَنَّ الْقَوْلَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ خَطَأٌ وَبِالتَّحْرِيكِ مَعْنَاهُ أَنَّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ النَّقْضِ صَوَابٌ وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ عَابَ قَوْلَ مَالِكٍ وَوَافَقَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَقَالَ لَا يتلفت إِلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ أَرَادَ تَخْطِئَةَ غَيْرِنَا. وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي النُّكَتِ يَحْتَمِلُ كَلَامه التصويب والتخطئة فلإن اللَّحْنَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَضْدَادِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخُفَّيْنِ وَمَسْحِ الرَّأْسِ أَنَّ الشَّعْرَ أَصْلٌ وَالْخُفَّ فَرْعٌ فَإِذَا زَالَ رَجَعَ إِلَى الْأَصْلِ وَفَرَّقَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ بِأَنَّ مَاسِحَ الرَّأْسِ مَقْصُودُهُ الرَّأْسُ لَا الشَّعْرُ فَإِنْ كَانَ الرَّأْسُ مِنَ التَّرَاوُسِ فَقَدْ صَادَفَ الْوَاجِبَ وَإِنْ كَانَ الرَّأْسُ الْعُضْوَ فَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالْمَسْحِ وَالشَّعْرُ تَبَعٌ بِخِلَافِ الْخُفِّ فَإِنَّهُ الْمَقْصُودُ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْأَظْفَارِ هِيَ تَبَعٌ أَيْضًا. قَالَ وَقَدْ فَرَّعَ أَصْحَابُنَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّحْنِ الْخَطَأُ إِذَا قُطِعَتْ بَضْعَةٌ مِنْهُ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَنَّهُ يَغْسِلُ مَوْضِعَ الْقَطْعِ أَوْ يَمْسَحُ إِنْ تَعَذَّرَ الْغَسْلُ وَهُوَ تَخْرِيجٌ فَاسِدٌ فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ لِأَحَدٍ فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الصَّحَابَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَانُوا يُجْرَحُونَ وَيُصَلُّونَ بِجِرَاحِهِمْ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةٍ وَفِي الْبُخَارِيِّ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ أَنَّ رَجُلًا رُمِيَ بِسَهْمٍ وَهُوَ يُصَلِّي وَنَزَفَهُ الدَّمُ فَرَكَعَ وَسَجَدَ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ. السَّابِعُ قَالَ فِي الْكِتَابِ الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ وَيَسْتَأْنِفُ لَهُمَا الْمَاءَ فَإِنْ نَسِيَ حَتَّى صَلَّى فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ وَيَمْسَحُهُمَا لِلْمُسْتَقْبَلِ وَكَذَلِكَ إِنْ نَسِيَ دَاخِلَهُمَا. قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ هُمَا فِي الرَّأْسِ قِيلَ فِي وُجُوبِ الْمَسْحِ وَقِيلَ فِي الْمَسْحِ دُونَ الْوُجُوبِ وَاعْتُذِرَ بِهَذَا عَنْ عَدَمِ الْإِعَادَةِ وَالْقَوْلَانِ لِلْأَصْحَابِ.

стр. 260

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ يَغْسِلُ بَاطِنَهُمَا مَعَ الْوَجْهِ وَيَمْسَحُ ظَاهِرَهُمَا مَعَ الرَّأْسِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ يُغْسَلَانِ مَعَ الْوَجْهِ. حُجَّةُ الْأَوَّلِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَالْمِقْدَادَ وَالرَّبِيعَ ﵃ ذَكَرُوا وُضُوءَهُ ﵇ وَكُلُّهُمْ مَسَحَ أُذُنَيْهِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَفِيهِمَا عَنْهُ ﵇ قَالَ الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ إِلَّا أَنَّهُ يَرْوِيهِ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وَقَدْ تكلم فِيهِ. حجَّة الثَّانِي قَالَ المزري إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ مَسْحَهُمَا لَا يُجْزِئُهُ عَنِ الرَّأْسِ مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الرَّأْسِ يُجْزِئُ مَسْحُهُ. حُجَّةُ الثَّالِث قَول ﵇ فِي سُجُودِهِ سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ فَأَضَافَهُمَا لِلْوَجْهِ وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ الْوَجْهَ يُرَادُ بِهِ هُنَا الْجُمْلَةُ لِأَنَّهُ اللَّائِقُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخُضُوعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا الْمَجَازُ جَائِزٌ كَمَا قَالَ ﵎ ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبك﴾ أَيْ ذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ. وَهُوَ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ ﵇ فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ فَأَضَافَهُمَا إِلَى الرَّأْسِ كَمَا أَضَافَ الْعَيْنَيْنِ إِلَى الْوَجْهِ. وَأَمَّا تَجْدِيدُ الْمَاءِ فَقَدِ احْتَجَّ بِهِ بَعْضُ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّ مَسْحَهُمَا سُنَّةٌ وَإِلَّا لَمُسِحَا مَعَ الرَّأْسِ بِمَائِهِ كَالصُّدْغِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَجْزَاءِ الرَّأْسِ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِي إنَّهُمَا سنة ويجدد المَاء لَهما. وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ لَا يُجَدَّدُ مُحْتَجًّا بِأَنَّ كل من وصف وضوء رَسُول الله ﷺ َ - لَمْ يَنْقُلِ التَّجْدِيدَ بَلِ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ لَمْ يَذْكُرِ الْأُذُنَ أَصْلًا لِاعْتِقَادِ أَنَّهُمَا مِنَ الرَّأْس.

стр. 261

حجتنا أَنَّهُمَا مباينان للرأس حَقِيقَة وَحكما أم الْحَقِيقَة فبالمشاهدة فإنهماغضاريف مُنْفَرِدَةٌ عَنِ الرَّأْسِ بِحَاجِزٍ خَالٍ مِنَ الشَّعْرِ وَأَمَّا حُكْمُهُمَا فَلَا خِلَافَ أَنَّ مَسْحَهُمَا بَعْدَ مَسْحِ الرَّأْسِ وَالْمُحْرِمُ لَا يُؤْمَرُ بِحَلْقِ شَعْرِهِمَا وَجِنَايَتُهُمَا مُنْفَرِدَةٌ بِأَرْشِهَا وَإِذَا تَحَقَّقَ التَّبَايُنُ وَجَبَ تَجْدِيدُ الْمَاءِ لَهُمَا. وَفِي الْمُوَطَّأِ كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُجَدِّدُ لَهُمَا الْمَاءَ وَهُوَ شَدِيدُ الِاتِّبَاعِ جِدًّا وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃. فُرُوعٌ مُرَتَّبَةٌ: الْأَوَّلُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ إِذَا قُلْنَا مَسْحُهُمَا سُنَّةٌ فَلَا يَمْسَحُهُمَا بِمَاءِ الرَّأْسِ قَالَ مَالِكٌ فَإِنْ فَعَلَ أَعَادَ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ إِنْ شَاءَ جَدَّدَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُجَدِّدْ وَيَمْسَحُ بِمَاءِ الرَّأْسِ وَإِنْ قُلْنَا إِنَّ مَسَحَهُمَا وَاجِبٌ فَتَرَكَهُمَا سَهْوًا وَصَلَّى فَلَا يُخْتَلَفُ فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ وَالَّذِي صَرَفَ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنِ الْإِعَادَةِ إِجْمَاعُ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى الصِّحَّةِ. وَاخْتُلِفَ فِي التَّعْلِيلِ فَقِيلَ هُوَ اسْتِحْسَانٌ وَلَيْسَ بِقِيَاسٍ وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ السَّبَبُ اجْتِمَاعُ خِلَافَيْنِ فِي كَوْنِهِمَا مِنَ الرَّأْسِ وَوُجُوبِ مَسْحِهِمَا. فَإِنْ تَرَكَهُمَا عَمْدًا اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْوُجُوبِ فَتَعْلِيلُ الْأَبْهَرِيِّ يَقْتَضِي صِحَّةَ الصَّلَاةِ وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا يُعِيد الْوضُوء وَحمل قَول مَالك على السَّهْو اسْتِحْسَان. الثَّانِي فِي كَيْفِيَّةِ مَسْحِهِمَا قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ قَالَ عِيسَى بن دِينَار يَقْبِضُ أَصَابِعَ يَدِهِ إِلَّا السَّبَّابَتَيْنِ يَبُلُّهُمَا وَيَمْسَحُ بِهِمَا أُذُنَيْهِ مِنْ دَاخِلٍ وَخَارِجٍ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالْأَمْكَنُ أَنْ يَبُلَّ إِبْهَامَيْهِ وَسَبَّابَتَيْهِ فَيَمْسَحُ بِإِبْهَامَيْهِ ظُهُورَهُمَا وَبِسَبَّابَتَيْهِ بُطُونَهُمَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصر وَيدخل أصبعيه

стр. 262

لِأَنَّهُ ﵇ كَانَ يُدْخِلُ أُصْبُعَيْهِ فِي صِمَاخَيْهِ لِأَنَّهُ ﵇ كَانَ يُدْخِلُ أُصْبُعَيْهِ فِي جُحْرَيْ أُذُنَيْهِ خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَتَبَّعَ غُضُونَهُمَا اعْتِبَارًا بِغُضُونِ الْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ وَالْخُفَّيْنِ. الثَّالِثُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ إِذَا قُلْنَا إِنَّ مَسْحَهُمَا سُنَّةٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ فَيُفَارِقُ الْغَسْلَ وَالْوُضُوءَ عَلَى ظَاهِرِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي تَارِكِهِمَا فِي الْوُضُوءِ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ وَتَارِكِ دَاخِلِهِمَا فِي الْغُسْلِ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ ظَاهِرُهُمَا وَبَاطِنُهُمَا مُسْتَوِيَيْنِ فِي الْوُضُوءِ وَدَاخِلُهُمَا فِي الْجَنَابَةِ مَسْنُونٌ فَقَطْ وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ يَكُونُ ظَاهِرُهُمَا فِي الْوُضُوءِ وَاجِبًا وَدَاخِلُهُمَا سُنَّةً فَيَسْتَوِي الْمَسْنُونُ مِنْهُمَا فِي الطَّهَارَتَيْنِ. الثَّامِنُ قَالَ فِي الْكِتَابِ لَا يَمْسَحُ عَلَى الْحِنَّاءِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ إِنْ كَانَ لِلضَّرُورَةِ جَازَ مِنْ حَرٍّ وَشِبْهِهِ أَوْ يَكُونُ فِي بَاطِنِ الشَّعْرِ لِتَغْيِيرِهِ وَقَتْلِ دَوَابِّهِ فَالْأَوَّلُ لَا يَمْنَعُ كَالْقِرْطَاسِ عَلَى الصُّدْغِ وَكَمَا مَسَحَ ﵇ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَعِمَامَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ مُنِعَ الْمَسْحُ خِلَافًا لِابْنِ حَنْبَلٍ وَجَمَاعَةٍ مَعَهُ فَإِنَّ الْمَاسِحَ عَلَيْهِ لَيْسَ مَاسِحًا. فَرْعَانِ مُرَتَّبَانِ: الْأَوَّلُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ إِنْ كَانَتِ الْحِنَّاءُ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِ الشَّعْرِ مِنْهَا شَيْءٌ لَا يَمْنَعُ لِأَنَّ مَسْحَ الْبَاطِنِ لَا يَجِبُ وَقَدْ أَجَازَ الشَّرْعُ التَّلْبِيدَ فِي الْحَجِّ وَفِي أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ ﵇ لَبَّدَ رَأْسَهُ لِئَلَّا يَدْخُلَهُ الْغُبَارُ وَالشَّعَثُ وَالتَّلْبِيدُ يَكُونُ بِالصَّمْغِ وَغَيْرِهِ. الثَّانِي قَالَ إِذَا خَرَجَ الْحِنَّاءُ مِنْ بَعْضِ تَعَارِيجِ الشَّعْرِ يُخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ مِنَ الرَّأْسِ. التَّاسِعُ قَالَ فِي الْكِتَابِ لَا تَمْسَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى خِمَارِهَا وَلَا غَيْرِهِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ يُرِيدُ إِذَا أَمْكَنَهَا الْمَسْحُ على رَأسهَا وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة.

стр. 263

وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخِمَارِ وَالْعِمَامَةِ كَالْخُفَّيْنِ وَاشْتُرِطَ اللُّبْسُ عَلَى طَهَارَةٍ لِمَا فِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ ﵇ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ وَفِي أَبِي دَاوُدَ مَسَحَ عَلَى عمَامَته ومفرقه. ومستندنا قَوْله تَعَالَى ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ قَالَ سِيبَوَيْهٍ بِالْبَاء للتَّأْكِيد مَعْنَاهُ رؤوسكم أَنْفُسِهَا وَقَوْلُهُ ﵇ بَعْدَ الْوُضُوءِ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ وَكَانَ قَدْ مَسَحَ رَأْسَهُ فِيهِ وَلِأَنَّهُ لَوْ مَسَحَ عَلَى غَيْرِهِ لَكَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ شَرْطًا وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. وَلَنَا أَيْضًا الْقِيَاسُ عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ. الْعَاشِرُ قَالَ فِي الْكِتَابِ تَمْسَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى شَعْرِهَا الْمَعْقُوصِ وَالضَّفَائِرِ مِنْ غَيْرِ نَقْضٍ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ فَلَوْ رَفَعَتِ الضَّفَائِرَ مِنْ أَجْنَابِ الرَّأْسِ وَعَقَصَتِ الشَّعْرَ فِي وَسَطِ الرَّأْسِ فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ لِأَنَّهُ حَائِلٌ كَالْعِمَامَةِ. الْحَادِي عَشَرَ مَسْحُ الرَّقَبَةِ وَالْعُنُقِ لَا يُسْتَحَبُّ خِلَافًا ش لِعَدَمِ ذِكْرِهِ فِي وُضُوئِهِ ﵇. إِيضَاحُ قَوْله تَعَالَى ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ إِنْ رَاعَيْنَا الِاشْتِقَاقَ مِنَ التَّرَاوُسِ وَهُوَ كُلُّ مَا عَلَا فَيَتَنَاوَلُ اللَّفْظُ الشَّعْرَ لِعُلُوِّهِ وَالْبَشَرَةَ عِنْدَ عَدَمِهِ لِعُلُوِّهَا مِنْ غَيْرِ تَوَسُّعٍ وَلَا رخصَة وَإِن قُلْنَا إِن الرَّأْس الْعُضْوُ فَيَكُونُ ثَمَّ مُضَافٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ امْسَحُوا شعر رؤوسكم فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَسْحُ عَلَى الْبَشَرَةِ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ النَّصُّ فَيَكُونُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا عِنْدَ عَدَمِ الشَّعْرِ بِالْإِجْمَاعِ لَا بِالنَّصِّ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ يَكُونُ الشَّعْرُ أَصْلًا فِي الرَّأْسِ فَرْعًا فِي اللِّحْيَةِ وَالْأَصْلُ الْوَجْهُ. الْفَرْضُ السَّادِسُ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَعَ الْكَعْبَيْنِ، وَقِيلَ إِلَيْهِمَا دُونَهُمَا وَهُمَا النَّاتِئَانِ فِي السَّاقَيْنِ لِقَوْلِهِ ﵇ وَيْلٌ

стр. 264

لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ فَلَوْ كَانَ مَعْقِدَ الشِّرَاكِ لَمَا عُوقِبَ عَلَى تَرْكِ الْعَقِبِ وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ إِشَارَةٌ إِلَيْهِمَا لِأَنَّ الْيَدَ لَهَا مِرْفَقٌ وَاحِدٌ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ النَّاتِئَ فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ لَكَانَ لِلرَّجُلِ كَعْبٌ وَاحِدٌ فَكَانَ يَقُولُ إِلَى الْكِعَابِ كَمَا قَالَ إِلَى الْمَرَافِقِ لِتَقَابُلِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ فَلَمَّا عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إِلَى التَّثْنِيَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ الْكَعْبَانِ اللَّذَانِ فِي طَرَفِ السَّاقِ فَيَصِيرُ مَعْنَى الْآيَةِ اغْسِلُوا كُلَّ رِجْلٍ إِلَى كَعْبَيْهَا. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا أَنَّهُمَا اللَّذَانِ عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ فَيَكُونُ غَايَةَ الْغَسْلِ وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ الْكِتَابِ وَالثَّانِي فِي غَيْرِهِ. وَالْكَعْبَانِ يَدْخُلَانِ فِي الْغَسْلِ عَلَى الْمَذْهَبِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْمِرْفَقَيْنِ. فَرْعَانِ: الْأَوَّلُ تَخْلِيلُ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ مُسْتَحَبٌّ عَلَى الْمَذْهَبِ وَقِيلَ وَاجِبٌ وَقِيلَ مَكْرُوهٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ شِدَّةُ الِالْتِصَاقِ وَصِغَرُ الْحَجْمِ الْمُوجِبَانِ لِلتَّحَاكِّ وَالتَّدَلُّكِ. الثَّانِي أَقْطَعُ الرِّجْلَيْنِ يَغْسِلُ الْكَعْبَيْنِ بِخِلَافِ أَقْطَعِ الْيَدَيْنِ لِتَقَارُبِهِمَا فِي الرِّجْلَيْنِ بَعْدَ الْقَطْعِ. تَمْهِيدٌ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ قُرِئَ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْخَفْضِ أَمَّا الرَّفْعُ فَتَقْدِيرُهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ اغْسِلُوهَا وَالنَّصْبُ عطف على اليدن وَالْخَفْضُ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ فَحَمَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَدَاوُدُ عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ جَمْعًا بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ وَحَمَلَهُ الشِّيعَةُ عَلَى تَعَيُّنِ الْمَسْحِ وَتَأَوَّلُوا قِرَاءَةَ النَّصْبِ بِأَنَّ الرِّجْلَ مَعْطُوفٌ عَلَى الرَّأْسِ قَبْلَ دُخُولِ حَرْفِ الْجَرِّ عَلَيْهِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: (مُعَاوِيَ إِنَّنَا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ … فَلَسْنَا بِالْجِبَالِ وَلَا الْحَدِيدَا)

стр. 265

وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ لَيْسَ تَتَعَدَّى بِنَفْسِهَا لِنَصْبِ خَبَرِهَا بِخِلَافِ الْمَسْحِ لَا يَتَعَدَّى لِمَفْعُولَيْنِ بِنَفْسِهِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَحَدَ مَفْعُولَيْهِ الْمَنْصُوبَ مُضْمَرٌ فَيَكُونُ الرَّأْسُ الْمَفْعُولَ الثَّانِيَ فَيَتَعَيَّنُ لَهُ حَرْفُ الْجَرِّ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الْخَفْضُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ وَالنَّصْبُ عَلَى حَالَةِ عَدَمِهِمَا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْأَصْلُ النَّصْبُ وَإِنَّمَا الْخَفْضُ عَلَى الْجِوَارِ كَقَوْلِ الْعَرَب هَذَا حجر ضَبٍّ خَرِبٍ وَوَرَدَ عَلَيْهِمْ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمِثَالَ لَا لَبْسَ فِيهِ بِخِلَافِ الْآيَةِ فَإِنَّ الْمَسْحَ فِي الرِّجْلَيْنِ مُمْكِنٌ وَلَيْسَ يُمْكِنُ أَنْ يُوصَفَ الضَّبُّ بِالْخَرَابِ. وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْعَطْفَ فِي الْآيَةِ يَأْبَى ذَلِكَ لِاقْتِضَائِهِ التَّشْرِيكَ بِخِلَافِ الْمِثَالِ. تَذْيِيلٌ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَنْبَغِي فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ أَنْ يَخْتِمَ الْمُتَطَهِّرُ أَبَدًا بِالْمَرَافِقِ وَالْكَعْبَيْنِ مُرَاعَاةً لِظَاهِرِ الْغَايَةِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ وَإِنْ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ أَجْزَأَ لَكِنَّ الْأَدَبَ أولى. الْفَرْض السَّابِع الْمُوَالَاة. وَهِيَ حَقِيقَةٌ فِي الْمُجَاوَرَةِ فِي الْأَعْيَانِ وَهُنَا الْمُجَاوَرَةُ فِي الْأَفْعَالِ وَمِنْهُ الْأَوْلِيَاءُ وَالْوَلَاءُ وَالتَّوَالِي. وَفِي الْجَوَاهِرِ فِي حُكْمِهَا خَمْسَةُ أَقْوَالٍ الْوُجُوبُ مَعَ الذِّكْرِ وَالْوُجُوبُ مُطْلَقًا وَعَدَمُهُ مُطْلَقًا وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَمْسُوحِ فَلَا يَجِبُ وَبَيْنَ الْمَغْسُولِ فَيَجِبُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَمْسُوحِ الْبَدَلِيِّ كَالْجَبِيرَةِ وَالْخُفَّيْنِ فَيَجِبُ وَالْمَمْسُوحُ الْأَصْلِيُّ فَلَا يَجِبُ وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ تَدُورُ عَلَى مَدَارِكَ أَحَدُهَا آيَةُ الْوُضُوءِ وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَا لِلْوُجُوبِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ فَإِنَّهُ شَرْطٌ لُغَوِيٌّ وَالشُّرُوطُ

стр. 266

اللُّغَوِيَّةُ أَسْبَابٌ وَالْأَصْلُ تَرْتِيبُ جُمْلَةِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا﴾ الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ فَيَجِبُ تَعْقِيبُ الْمَجْمُوعِ لِلشَّرْطِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ الثَّالِثُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا﴾ صِيغَةُ أَمْرٍ وَالْأَمْرُ لِلْفَوْرِ عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ فَيَتَخَرَّجُ الْخِلَافُ فِي الْفَرْعِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْأَصْلِ. الْمُسْتَنَدُ الثَّانِي أَنَّهُ ﵇ تَوَضَّأَ مَرَّةً فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ وَقَالَ هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ فَنَفَى الْقَبُولَ عِنْدَ انْتِفَائِهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُجُوبه ثمَّ هَهُنَا نَظَرٌ وَهُوَ أَنَّهُ ﵇ هَلْ أَشَارَ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَرَّةً مَرَّةً وَهُوَ الصَّحِيحُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنَ الْقُيُودِ فَتَجِبُ الْمُوَالَاةُ وَيَرُدُّ هَذَا الِاحْتِمَالَ أَنَّهُ لَوْ كَانَتِ الْإِشَارَةُ لِقُيُودِهِ لَانْدَرَجَ فِي ذَلِكَ الْمَاءُ الْمَخْصُوصُ وَالْفَاعِلُ وَالْمَكَانُ وَالزَّمَانُ وَغَيْرُهُ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَلَكَ أَنْ تَقُولَ الْإِشَارَةُ إِلَى الْمَجْمُوعِ فَإِنْ خَرَجَ شَيْءٌ بِالْإِجْمَاعِ بَقِيَ الْحَدِيثُ مُتَنَاوِلًا لِصُورَةِ النِّزَاعِ وَأَمَّا إِسْقَاطُ الْوُجُوبِ مَعَ النِّسْيَانِ فَلِضَعْفِ مُدْرِكِ الْوُجُوبِ الْمُتَأَكِّدِ بِالنِّسْيَانِ وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَمْسُوحِ وَغَيْرِهِ فَلِخِفَّةِ الْمَمْسُوحِ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ وَأَمَّا الْمَمْسُوحُ الْبَدَلُ فَنَظَرًا لِأَصْلِهِ. فُرُوعٌ سِتَّةٌ: الْأَوَّلُ التَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ لَا يَضُرُّ قَالَ الْقَاضِي لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ لِقُوَّةِ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَلِأَنَّهُ ﵇ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ شَرَعَ فِي وُضُوءٍ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الْكُمِّ فَتَرَكَ ﵇ وُضُوءَهُ وَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ كُمِّهِ مِنْ تَحْتِ ذَيْلِهِ حَتَّى غَسَلَهَا وَهَذَا تَفْرِيقٌ يَسِيرٌ وَلِمَا فِي مُسْلِمٍ قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَجَعْنَا مَعَهُ ﵇ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَاءٍ فِي الطَّرِيقِ فَعَمَدَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْرِ فَتَوَضَّئُوا وَهُمْ عِجَالٌ فَانْتَهَى إِلَيْهِمْ وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ فَقَالَ ﵇ وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ فَإِنَّ هَذَا التَّفْرِيقَ يَسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَلُوحُ أَعْقَابُهُمْ وَمَا يُرَى ذَلِكَ إِلَّا إِذَا كَانَ الْبَلَلُ مَوْجُودًا. الثَّانِي قَالَ فِي الْكِتَابِ إِذَا عَجَزَ الْمَاءُ فِي الْوُضُوءِ فَقَامَ لِأَخْذِهِ إِنْ كَانَ قَرِيبًا بَنَى وَإِنْ تَبَاعَدَ وَجَفَّ وُضُوؤُهُ ابْتَدَأَ لِأَنَّ الْقَرِيبَ فِي حُكْمِ الْمُتَّصِلِ وَلِأَنَّهُ عَلَيْهِ

стр. 267

السَّلَامُ فِي الْحَدِيثِ أَمَرَ تَارِكِي الْأَعْقَابِ بِالْإِسْبَاغِ لَا بِالْإِعَادَةِ وَأَمَّا إِذَا كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ لَا يَكْفِيهِ فَإِنَّهُ يُخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ فَرَّقَ بِغَيْرِ سَبَبٍ. وَالتَّقْيِيدُ بِالْجُفُوفِ لِأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَابْنِ حَنْبَلٍ وَجَمَاعَةٍ فَكَانَ قِيَامُ الْبَلَلِ عِنْدَهُمْ بَقَاء أثر الْوضُوء فيتصل الْأَخير بأثر السغل السَّابِقِ وَقِيلَ الْمُعْتَبَرُ الطُّولُ فِي الْعَادَةِ حَكَاهُ الْقَابِسِيُّ لِاخْتِلَافِ الْجَفَافِ بِاخْتِلَافِ الْأَبْدَانِ وَالْأَزْمَانِ. الثَّالِثُ فِي الطَّرَّازِ إِذَا قُلْنَا إِنَّهَا وَاجِبَةٌ مَعَ الذِّكْرِ هَلْ يُشْتَرَطُ مَعَ الذِّكْرِ التَّمَكُّنُ أَمْ لَا وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ إِذَا نَسِيَ عُضْوًا وَذَكَرَهُ فِي مَوْضِعٍ لَا مَاءَ فِيهِ وَلَمْ يَجِدْهُ حَتَّى طَالَ هَلْ يَبْتَدِئُ أَوْ يَبْنِي وَكَذَلِكَ إِذَا نَسِيَ النَّجَاسَةَ ثُمَّ ذَكَرَهَا فِي الصَّلَاةِ هَلْ تَبْطُلُ عِنْدَ الذِّكْرِ أَوْ يَنْزِعُهَا وَيَتَمَادَى فِي ذَلِكَ خِلَافٌ حَكَاهُ صَاحِبُ الطَّرَّازِ قَالَ إِنْ أَخَّرَ الشَّيْءَ الْيَسِيرَ بَنَى. وَإِنْ طَالَ وَلَمْ يَتَوَانَ فِي الطَّلَبِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْإِبْيَانِيُّ هُوَ كَالْحَائِضِ تُبَادِرُ لِلطُّهْرِ لَا تُرَاعِي وَقْتَ ابْتِدَائِهَا وَقَالَ صَاحِبُ النُّكَتِ حُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ عَجَزَ مَاؤُهُ فِي ابْتِدَاءِ الطَّهَارَةِ حَكَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ. الرَّابِعُ قَالَ إِذَا نَسِيَ لُمْعَةً لَا يُعْفَى عَنْهَا وَحَكَى الْبَاجِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ دِينَارٍ فِيمَنْ لَصِقَ بِذِرَاعَيْهِ قَدْرُ الْخَيْطِ مِنَ الْعَجِينِ أَوْ غَيْرِهِ لَا يَصِلُ الْمَاءُ إِلَى مَا تَحْتَهُ يُصَلِّي بِذَلِكَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ غَاسِلًا وَلِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّهُ ﵇ صَلَّى الصُّبْحَ وَقَدِ اغْتَسَلَ لِجَنَابَةٍ فَكَانَ بِكَفَّيْهِ مِثْلُ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا مَوْضِعٌ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ فَسَلَتَ مِنْ شَعْرِهِ الْمَاءَ وَمَسَحَ وَلَمْ يُعِدِ الصَّلَاةَ إِلَّا أَنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ ضَعَّفَهُ وَقِيَاسًا عَلَى ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنَ الرَّأْسِ وَمِنْ بَيْنِ الْأَصَابِعِ وَالْخَاتَمِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُعِيدُ الصَّلَاةَ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ لَمْ يُنْقَلْ حُكْمُ الْفَرْضِ إِلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فِيمَنْ تَوَضَّأَ وَعَلَى يَدَيْهِ مِدَادٌ فَرَآهُ بعد

стр. 268

الصَّلَاةِ لَمْ يُغَيِّرْهُ الْمَاءُ إِذَا أَمَرَّ الْمَاءَ عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ كَاتِبًا فَإِنَّهُ رَأَى الْكَاتِبَ مَعْذُورًا بِخِلَافِ غَيْرِهِ الْخَامِسُ الْمُوَالَاةُ فَرْضٌ فِي الْوُضُوءِ وَالْغَسْلِ خِلَافًا لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَفُرِّقَ بِأَنَّ الْمُوَالَاةَ إِنَّمَا تَكُونُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وَالْوُضُوءُ أَعْضَاءٌ مُتَعَدِّدَةٌ وَالْغَسْلُ وَاحِدٌ وَهُوَ الْبَدَنُ السَّادِسُ إِذَا نَسِيَ شَيْئًا مِنْ فُرُوضِ طَهَارَتِهِ إِنْ كَانَ فِي الْقُرْبِ فَعَلَهُ وَمَا بَعْدَهُ وَإِنْ طَالَ فَعَلَهُ وَحْدَهُ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إِنْ كَانَ مَغْسُولًا وَطَالَ ابْتَدَأَ وَإِنْ كَانَ مَمْسُوحًا مَسَحَهُ فَقَطْ وَرَوَاهُ مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ أَمَّا إِنْ كَانَ الْمَنْسِيُّ مَسْنُونًا وَذَكَرَهُ بِالْقُرْبِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ يُعِيدُ مَا بَعْدَهَا بِخِلَافِ نِسْيَانِ الْمَفْرُوضِ وَقَالَ فِي الْوَاضِحَةِ خلاف ذَلِك (الْفَصْلُ الثَّانِي) فِي مَسْنُونَاتِهِ وَالسُّنَّةُ فِي اللُّغَةِ الطَّرِيقَةُ لَكِنَّ عُرْفَ الشَّرْعِ خَصَّصَهُ بِبَعْضِ طَرَائِقِهِ. قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْفَضِيلَةِ وَالْفَرِيضَةِ أَنَّ الْأَوَّلَ يُؤْمَرُ بِفِعْلِهِ إِذَا تَرَكَهُ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةِ الصَّلَاةِ وَالثَّانِيَ لَا يُؤْمَرُ بِفِعْلِهَا إِذَا تَرَكَهَا وَلَا بِالْإِعَادَةِ وَالثَّالِثَ تُعَادُ لِتَرْكِهِ الصَّلَاةَ. وَالْفَرْضُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْفُرْضَةِ الْحِسِّيَّةِ وَهِيَ الْمُحَدَّدَةُ وَالْفُرُوضُ الشَّرْعِيَّةُ كَذَلِكَ فَسُمِّيَتْ فُرُوضًا. وَالْفَضِيلَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْفَضْلِ وَهُوَ الزَّائِدُ لِأَنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى الْوَاجِبِ. وَمَسْنُونَاتُ الْوُضُوءِ سَبْعَةٌ : السُّنَّةُ الْأُولَى فِي الْجِلَابِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ لِكُلِّ مُرِيدِ

стр. 269

الْوُضُوءِ مُحْدِثًا أَوْ مُجَدِّدًا أَوْ يَدَاهُ طَاهِرَتَانِ خلافًا بن حَنْبَلٍ فِي إِيجَابِهِ لِذَلِكَ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ دُونَ غَيْرِهِ لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ ﵇ قَالَ إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وُضُوئِهِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ مِنْهُ وَالْبَيَاتُ إِنَّمَا يَكُونُ بِاللَّيْلِ مَعَ نَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ وَأَلْحَقْنَا بِهِ نَوْمَ النَّهَارِ وَالْمُسْتَيْقِظَ بِجَامِعِ الِاحْتِيَاطِ لِلْمَاءِ وَقَوْلُهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي إِنَائِهِ أَلْحَقْنَا بِهِ الْوُضُوءَ مِنَ الْإِبْرِيقِ لِأَنَّ الْمُتَوَقَّعَ مِنْ وَضْعِ الْيَدِ فِي الْمَاءِ مُتَوَقَّعٌ مِنْ وَضْعِ الْمَاءِ فِي الْيَدِ لَا سِيَّمَا وَالْمَوْضُوعُ فِي الْيَدِ أَقَلُّ فَيَكُونُ أَقْرَبَ لِلْفَسَادِ. وَفِي الْجَوَاهِرِ قِيلَ غَسْلُهُمَا تَعَبُّدٌ وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ الْقَوْلُ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ مُفْتَرِقَتَيْنِ لِأَنَّ شَأْنَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ التَّعَبُّدِيَّةِ لَا يُغْسَلُ عُضْوٌ حَتَّى يُفْرَغَ مِنَ الْآخَرِ وَلَا يُجْمَعَانِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي النَّظَافَةِ قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُفْرِغَ عَلَى الْيُمْنَى فَيَغْسِلَهَا ثُمَّ يُدْخِلَهَا فِي إِنَائِهِ ثُمَّ يَصُبَّ عَلَى الْيُسْرَى وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُفْرِغُ عَلَى يَدَيْهِ فَيَغْسِلُهُمَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَإِذَا كَانَتْ يَدَاهُ نَظِيفَتَيْنِ غَسَلَهُمَا عِنْدَ مَالِكٍ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاخْتِيَارُهُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ. السُّنَّةُ الثَّانِيَةُ الْمَضْمَضَةُ فِي الْجَوَاهِرِ الْمَضْمَضَةُ مُعْجَمَةٌ وَهِيَ تَطْهِيرُ بَاطِنِ الْفَمِ فِي الْغَسْلِ وَالْوُضُوءِ وَأَصْلُهَا تَحْرِيكُ الْمَاءِ فِي الْإِنَاءِ وَكَذَلِكَ تَحْرِيكُ الْمَاءِ فِي الْفَمِ وَالِاسْتِنْشَاقُ جَذْبُ الْمَاءِ بِالْخَيَاشِيمِ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ تَقُولُ اسْتَنْشَقْتُ الشَّيْءَ إِذَا شَمَمْتُهُ وَالِاسْتِنْثَارُ اسْتِفْعَالٌ مِنَ النَّثْرَةِ وَهِيَ الْأنف وَمن النثر وَهُوَ الْجَذْبُ. وَأَمَّا ظَاهِرُ الشَّفَتَيْنِ فَغَسْلُهُمَا وَاجِبٌ وَأَوْجَبَهُمَا أَو حنيفَة وَابْنُ حَنْبَلٍ فِي الْجَنَابَةِ لِقَوْلِهِ ﵇ خَلِّلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ فَإِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً وَفِي الْأَنْفِ شَعْرٌ وَفِي الْفَمِ بَشَرٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى هُمَا وَاجَبَتَانِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغَسْلِ لِأَنَّهُ ﵇ وَاظَبَ عَلَيْهِمَا فِي وُضُوئِهِ وَغَسْلِهِ وَهُوَ الْمُبَيِّنُ عَنِ الله تَعَالَى.

стр. 270

وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ الِاسْتِنْشَاقَ وَحْدَهُ لِأَنَّهُ ﵇ أَمَرَ بِهِ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَإِنَّمَا فَعَلَ الْمَضْمَضَةَ وَفِعْلُهُ عَلَى النَّدْبِ. السُّنَّةُ الثَّالِثَةُ الِاسْتِنْشَاقُ وَهُوَ غَسْلُ دَاخِلِ الْأَنْفِ فَأَمَّا مَا يَبْدُو مِنْهُ فَهُوَ مِنَ الْوَجْهِ فَيَجْذِبُ الْمَاءَ بِرِيحِ الْأَنْفِ وَأَنْكَرَ مَالِكٌ ﵀ فِي الْمَجْمُوعَةِ الِاسْتِنْشَاق من غير وضع إبهامه وسباته عَلَى أَنْفِهِ وَقَالَ هَكَذَا يَفْعَلُ الْحِمَارُ. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ ﵇ قَالَ إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لْيَنْثُرْ وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ وَلَا تَجِبُ هِيَ وَلَا الْمَضْمَضَةُ فِي الطَّهَارَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا مِنْ بَاطِنِ الْجَسَدِ كَدَاخِلِ الْأُذُنَيْنِ وَمَوْضِعِ الثُّيُوبَةِ مِنَ الْمَرْأَةِ وَدَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ وَهَذِهِ الْمَوَاضِعُ لَا يَجِبُ غَسْلُهَا وَلَا مَسْحُهَا فَكَذَلِكَ هَاتَانِ لَا يتناولهما مَنْ يَغْتَسِلُ لِلْجَنَابَةِ وَلَا لِلْوُضُوءِ وَتُحْمَلُ السُّنَّةُ الْوَارِدَةُ فِيهِمَا عَلَى النَّدْبِ قِيَاسًا عَلَى نَظَائِرِهِمَا فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ وَلِقَوْلِهِ ﵇ لِلْأَعْرَابِيِّ الْمُسِيءِ لِصَلَاتِهِ إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ خَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ ذِكْرُهُمَا. وَفِي أَبِي دَاوُدَ لَا تَتِمُّ صَلَاة أحدكُم حَتَّى يتَوَضَّأ كَمَا أمره الله تَعَالَى. قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ الْفَمَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ بِدَلِيلِ وُجُوبِ تَطْهِيره من النَّجَاسَة وَإِذا وصل القئ إِلَيْهِ أَفْطَرَ فَمَدْفُوعٌ بِعَدَمِ وُجُوبِ تَطْهِيرِ دَاخِلِ الْأُذُنَيْنِ وَدَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ إِذَا اكْتَحَلَ بِمُرَاةِ خِنْزِيرٍ وَنَحْوه وبالقئ إِذَا اسْتَدْعَاهُ وَوَصَلَ إِلَى خَيَاشِيمِهِ وَلَمْ يَنْزِلْ إِلَى أَنْفِهِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ أَوْ وَصَلَ إِلَى فَمِهِ فَلَمْ يَمْتَلِئْ فَإِنَّهُ لَا يُنْقَضُ الْوُضُوءُ عِنْدَهُمْ إِلَّا بِالِامْتِلَاءِ حَتَّى يَسِيلَ بِنَفْسِهِ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ طَاهِرٍ لَنَقَضَ يَسِيرُهُ وَكَثِيرُهُ. أَصْلُهُ الدَّمُ فِي غَيْرِ الْفَمِ عِنْدَهُمْ وَبِبَلْعِ الرِّيقِ أَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يُفْطِرُ وَهُوَ لَوْ بلعه

стр. 271

مِنَ الظَّاهِرِ أَفْطَرَ وَعِنْدَهُمْ لَوْ جُرِحَ فِي خَدِّهِ فَنَفَذَتْ إِلَى فَمِهِ كَانَتْ جَائِفَةً وَالْجَائِفَةُ لَا تَكُونُ فِي ظَاهِرِ الْجَسَدِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇ فَإِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً فَالْمُرَادُ بِهِ الشُّعُورُ الْكَثِيرَةُ وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْغَسْلِ بِدَلِيلِ شَعْرِ دَاخِلِ الْأُذُنَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ. فُرُوعٌ أَرْبَعَةٌ: الْأَوَّلُ قَالَ يُسْتَحَبُّ الْمُبَالَغَةُ فِيهِمَا مَا لَمْ يَكُنْ صَائِمًا. الثَّانِي قَالَ حَكَى ابْنُ سَابِقٍ فِي كَيْفِيَّةِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا يَتَمَضْمَضُ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غُرُفَاتٍ وَيَسْتَنْشِقُ ثَلَاثًا كَذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَالثَّانِي لِأَصْحَابِهِ غُرْفَةٌ وَاحِدَةٌ لَهُمَا. وَجْهُ الْأَوَّلِ مَا فِي أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ ﵇ كَانَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا وَالْقِيَاسُ عَلَى سَائِرِ الْأَعْضَاءِ. وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ ﵇ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ غُرْفَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِثَلَاثِ غُرُفَاتٍ فَجَعَلَهُمَا كَعُضْوٍ وَاحِدٍ. الثَّالِثُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ لَوْ تَرَكَهُمَا عَامِدًا حَتَّى صَلَّى فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَلِغَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ يُعِيدُ بَعْدَ الْوَقْتِ إِمَّا لِكَوْنِهِمَا عِنْدَهُ وَاجِبَتَيْنِ وَإِمَّا لِأَنَّ تَرْكَ السُّنَنِ لَعِبٌ وَعَبَثٌ. وَقَالَ صَاحب الْجَوَاهِر إِن تَركهَا نَاسِيًا حَتَّى صَلَّى لَمْ يُعِدِ الصَّلَاةَ وَيُؤْمَرُ بِإِعَادَةِ مَا تَرَكَ مُطْلَقًا عَلَى الْمَذْهَبِ وَقَالَ الْقَاضِي لَا يُعِيدُهُمَا بَعْدَ الصَّلَاةِ لِأَنَّ السُّنَنَ لَا تُعَادُ بَعْدَ الْوَقْتِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ إِنْ أَرَادَ بِعَدَمِ الْإِعَادَةِ إِذَا لَمْ يُرِدْ صَلَاةً فَهُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأ يفعلهما لما يستقيل إِنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ

стр. 272

وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ عَدَمَ فِعْلِهِمَا مُطْلَقًا فَلَا يَسْتَقِيمُ لِأَنَّ تَرْكَهُمَا نَقْصٌ فِي الطَّهَارَةِ كَتَرْكِ الِاسْتِنْجَاءِ فَتَكْمُلُ الطَّهَارَةُ لِلصَّلَاةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ. الرَّابِعُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ يَفْعَلُهُمَا بِالْيَمِينِ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَيَسْتَنْثِرُ بِالْيَسَارِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْهُ ﵇ وَفِي النَّسَائِيِّ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ تَمَضْمَضَ فَاسْتَنْشَقَ وَفَعَلَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى ذَلِكَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ هَذَا طَهُورُ النَّبِيِّ ﵇. تَنْبِيهٌ قُدِّمَتِ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ وَهُمَا مِنَ الْمَسْنُونَاتِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا لِيَطَّلِعَ بِهِمَا عَلَى حَالِ الْمَاءِ فِي رِيحِهِ وَطَعْمِهِ فَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِطَهُورٍ اسْتَعْمَلَ غَيْرَهُ وَتَرَكَهُ لِمَنَافِعِهِ لِئَلَّا يُفْسِدَهُ فَيَضِيعَ الْمَاءُ وَيَكْثُرَ التَّعَبُ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ. الثَّانِي أَنَّهُمَا أَكْثَرُ أَقْذَارًا وَأَوْضَارًا مِنْ غَيْرِهِمَا فَكَانَتِ الْعِنَايَةُ بِتَقْدِيمِهِمَا أَوْلَى. السُّنَّةُ الرَّابِعَةُ فِي الْجَوَاهِرِ مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ لَهُمَا ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا خِلَافًا ش فِي غَسْلِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ فَأَمَّا مَا قَرُبَ مِنَ الصِّمَاخَيْنِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ وَلَا صَبُّ الْمَاءِ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَضَرَّةِ فَلَيْسَ بِمَشْرُوعٍ وَلَعَلَّ هَذَا الْقَوْلَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْجلاب وَيدخل أصبعيه فِي صماخيه. من ظَاهِرُ الْأُذُنَيْنِ مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ قَالَ ابْنُ شَاسٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَقِيلَ مِمَّا يَلِي الْوَجْهَ وَيُقَالُ إِنَّ الْأُذُنَ فِي ابْتِدَاءِ خَلْقِهَا تَكُونُ مُغْلَقَةً كَزِرِّ الْوَرْدِ فَإِذَا كَمُلَ خَلْقُهَا انْفَتَحَتْ عَلَى الرَّأْسِ فَالظَّاهِرُ لِلْحِسِّ الْآنَ كَانَ بَاطِنًا أَوَّلًا وَالْبَاطِنُ كَانَ ظَاهِرًا فَيَبْقَى النَّظَرُ هَلْ يُعْتَبَرُ حَالُ الِانْتِهَاءِ لِأَنَّهُ الْوَاقِعُ حَالَ وُرُودِ الْخِطَابِ أَوْ يُعْتَبَرُ الِابْتِدَاءُ عَمَلًا بِالِاسْتِصْحَابِ. السُّنَّةُ الْخَامِسَةُ قَالَ رَدُّ الْيَدَيْنِ مِنْ مُؤَخَّرِ الرَّأْسِ إِلَى مُقَدَّمِهِ وَأَنْ يَبْدَأَ بِهِ وَفِي الْمُوَطَّأِ عَن عمر بن يحي الْمَازِرِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاة

стр. 273

وَالسَّلَامُ يَتَوَضَّأُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ نَعَمْ فَدَعَا بِوَضُوئِهِ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدِهِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِهِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ فَقِيلَ الْوَاوُ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ إِذِ الْوَاقِعُ أَنَّهُ أَدْبَرَ بِهِمَا وَأَقْبَلَ وَقِيلَ أَقْبَلَ بِهِمَا عَلَى قَفَاهُ وَأَدْبَرَ بِهِمَا عَنْ قَفَاهُ فَإِنَّ الْإِقْبَالَ وَالْإِدْبَارَ مِنَ الْأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ وَقِيلَ بَدَأَ مِنْ وَسَطِ الرَّأْسِ وَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أَدْبَرَ بِهِمَا عَلَى قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى مَوْضِعِ ابْتِدَائِهِ وَيَمْنَعُ هَذَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ مِنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ وَأَنَّ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ كُلَّهَا تُبْتَدَأُ مِنْ أَطْرَافِهَا لَا مِنْ أَوْسَاطِهَا. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْجَلَّابِ يَبْدَأُ مِنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ إِلَى قَفَاهُ وَاضِعا أَصَابِعه عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ رَافِعًا رَاحَتَيْهِ عَنْ فَوْدَيْهِ ثُمَّ يُقْبِلُ بِهِمَا لَاصِقًا رَاحَتَيْهِ بِفَوْدَيْهِ مُفَرِّقًا أَصَابِعَ يَدَيْهِ فَهَذِهِ الصِّفَةُ لَمْ تُعْلَمْ لِغَيْرِهِ قَصَدَ بِهَا عَلَى زَعْمِهِ عَدَمَ التَّكْرَارِ وَخَالَفَ السُّنَّةَ إِذِ التَّكْرَارُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ مَا قَالَهُ لِأَنَّ التَّكْرَارَ إِنَّمَا يَكُونُ بِتَجْدِيدِ الْمَاءِ بِدَلِيلِ أَنَّ دَلْكَ الْيَدِ مِرَارًا بِمَاءٍ وَاحِدٍ لَا يُعَدُّ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فَكَذَلِكَ هَهُنَا. السُّنَّةُ السَّادِسَةُ فِي الْجَوَاهِرِ التَّرْتِيبُ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ بِوُجُوبِهِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ بِاسْتِحْبَابِهِ. وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ اللَّهَ ﵎ عَدَلَ عَنْ حُرُوفِ التَّرْتِيبِ وَهِيَ الْفَاءُ وَثُمَّ إِلَى الْوَاوِ الَّتِي لَا تَقْتَضِي إِلَّا مُطْلَقَ الْجَمْعِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ وَقَوْلُ عَلِيٍّ ﵁ مَا أُبَالِي إِذَا أَتْمَمْتُ وُضُوئِي بِأَيِّ أَعْضَائِي بَدَأْتُ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ لَا بَأْسَ بِالْبِدَايَةِ بِالرِّجْلَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ خَرَّجَ الْأَثَرَيْنِ الدَّارَقُطْنِيُّ مَعَ

стр. 274

صُحْبَةِ عَلِيٍّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - طُولَ عُمُرِهِ فَلَوْلَا اطِّلَاعُهُ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ لَمَا قَالَ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَالْقِيَاسُ عَلَى الْعُضْوِ الْوَاحِدِ بِجَامِعِ أَنَّ الْآيَةَ إِذَا دَلَّتْ عَلَى حُصُولِ الطَّهَارَةِ فِي الْعُضْوِ الْوَاحِدِ فِي الْجُمْلَةِ فَعَدَمُ وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي الْأَعْضَاءِ أَوْلَى لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي الْأَعْضَاءِ بِصِيغَةِ إِلَى الدَّالَّةِ عَلَى الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَجِبْ ذَلِكَ فَأَوْلَى أَلَّا يَجِبَ مَا لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ. وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ الْأَصْحَابِ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَا نُبَالِي بَدَأْنَا بِأَيْمَانِنَا أَوْ بِأَيْسَارِنَا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ على الشَّافِعِي لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ بِوُجُوبِهِ بَيْنَ الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ. حُجَّةُ الْوُجُوبِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَنَاسِبَاتِ فِي الْغَسْلِ وَهِيَ الرِّجْلَانِ وَمَا قَبْلَ الرَّأْسِ بِالرَّأْسِ وَالْأَصْلُ ضَمُّ الشَّيْءِ إِلَى مُنَاسِبِهِ وَمَا خُولِفَ الْأَصْلُ إِلَّا لِغَرَضِ التَّرْتِيبِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ غَيْرِهِ. وَقَوْلُهُ ﵊ هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ وَكَانَ مُرَتَّبًا وَإِلَّا كَانَ التَّنْكِيسُ وَاجِبًا وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. وَالْقِيَاسُ عَلَى الصَّلَاةِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُشْتَمِلٌ عَلَى قُرُبَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. فَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ الرِّجْلَيْنِ أَيْضًا مَمْسُوحَتَانِ بِدَلِيلِ قِرَاءَةِ الْخَفْضِ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ حَالَةَ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ فَإِنَّ الْمَاسِحَ عَلَى خُفَّيْهِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَاسِحُ رِجْلَيْهِ كَمَا يَصْدُقُ عَلَى الْمَسْحِ بِالذِّرَاعِ إِنْ كَانَ مِنْ فَوْقِ الثَّوْبِ فَلَا يَحْصُلُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمُتَنَاسِبَاتِ بَلِ الْجَمْعُ بَيْنَهَا. وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ الْإِشَارَةَ فِي الْحَدِيثِ إِلَى غَسْلِ الْمَرَّةِ لَا إِلَى الْجَمِيعِ وَإِلَّا يَلْزَمُ التَّخْصِيصُ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَهُوَ خِلَافُ الأَصْل أم تَجِبُ هَذِهِ الْقُيُودُ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. وَعَنِ الثَّالِثِ بِالْفَرْقِ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّ الصَّلَاةَ مَقْصِدٌ وَالطَّهَارَةَ وَسِيلَةٌ وَالْمَقَاصِدُ أَعْلَى رُتْبَةً مِنَ الْوَسَائِلِ فَلَا يَلْزَمُ الْإِلْحَاقُ. وَثَانِيهَا أَنَّ الْمُصَلِّيَ يُنَاجِي رَبَّهُ فَيُشَبَّهُ بِقَارِعِ بَابٍ عَلَى رَبِّهِ لمناجاته فَكَانَ

стр. 275

الْوَاجِبُ أَنْ يَقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا يَسْتَفْتِحَ أَمْرَهُ بِالْجُلُوسِ وَيُثَنِّيَ بِالرُّكُوعِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى حَالَةِ الْقِيَامِ ثُمَّ إِذَا تَقَرَّبَ إِلَى رَبِّهِ بِالثَّنَاءِ عَلَى جَلَالِهِ وَالتَّذَلُّلِ بِرُكُوعِهِ لِعَظِيمِ عَلَائِهِ حَسُنَ مِنْهُ حِينَئِذٍ هَيْئَةُ الْجُلُوسِ. وَأَمَّا الْوُضُوءُ فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ طَرَفٌ وَاحِدٌ وَهُوَ رَفْعُ الْحَدَثِ وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِي الْأَعْضَاءِ. وَثَالِثُهَا أَنَّ الصَّلَاةَ لَوْ لَمْ تَكُنْ مُرَتَّبَةً لَبَطَلَتِ الْإِمَامَةُ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لِلْإِمَامِ عِنْدَ الْمَأْمُومِ ضَابِطٌ يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى أَيِّ رُكْنٍ شَرَعَ فِيهِ الْإِمَامُ فَتَبْطُلُ مَصَالِحُ الْإِمَامَةِ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ. فَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى الْوُجُوبِ فَأَخَلَّ بِهِ ابْتَدَأَ عبد ابْن زِيَادٍ وَقِيلَ لَا يُعِيدُ لِأَنَّا إِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِهِ فَلَيْسَ شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ. وَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ فَتَرْكُهُ عَمْدًا فَهُوَ كَالنِّسْيَانِ وَقِيلَ يُعِيدُ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَعَمُّدِ تَرْكِ السُّنَنِ هَلْ يُبْطِلُ أَمْ لَا وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ فَضِيلَةٌ وَاسْتِحْبَابٌ فَلَا إِعَادَةَ وَحَيْثُ قُلْنَا يَبْدَأُ فَإِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْمَاءِ ابْتَدَأَ لِلْيَسَارَةِ وَإِنْ بَعُدَ وَجَفَّ وُضُوؤُهُ فَقَوْلَانِ بِالْبِنَاءِ وَالِابْتِدَاءِ. تَفْرِيعٌ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ إِذَا بَدَأَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ بِوَجْهِهِ ثُمَّ بِرَأْسِهِ ثُمَّ بِرِجْلَيْهِ أَعَادَ وُضُوءَهُ إِنْ كَانَ عَامِدًا أَوْ جَاهِلًا وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا قَالَ مَالِكٌ أَخَّرَ مَا قَدَّمَ مِنْ غَسْلِ ذِرَاعَيْهِ وَلَا يُعِيدُ مَا بَعْدَهُ كَمَا لَوْ تَرَكَ غَسْلَهُمَا حَتَّى طَالَ أَعَادَهُمَا فَقَطْ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُؤَخِّرُ مَا قَدَّمَ ثُمَّ يَغْسِلُ مَا يَلِيهِ طَالَ أَوْ لَمْ يَطُلْ لِتَحْصِيلِ حَقِيقَةِ التَّرْتِيبِ فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يُعِدْ غَسْلَ رِجْلَيْهِ وَقَعَ غَسْلُ ذِرَاعَيْهِ آخِرًا فَلَوْ بَدَأَ بِوَجْهِهِ ثُمَّ رَأْسِهِ ثُمَّ ذِرَاعَيْهِ ثُمَّ رِجْلَيْهِ أَعَادَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ رَأْسَهُ فَقَطْ فَيَرْتَفِعُ الْخَلَلُ حَيْثُ قَدَّمَهُ عَلَى مَحَلِّهِ وَعِنْدَ غَيْرِهِ يَمْسَحُ رَأْسَهُ ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُعِدْ مَسْحَ رَأْسَهُ فَكَأَنَّهُ أَسْقَطَهُ فَوَقَعَ غَسْلُ يَدَيْهِ بَعْدَ وَجْهِهِ وَلَوْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ قَبْلَ ذِرَاعَيْهِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ يُعِيدُ مَسْحَ رَأْسِهِ لِأَنَّهُ مَا وَقَعَ بَعْدَ يَدَيْهِ وَيُعِيدُ غَسْلَ رِجْلَيْهِ لهَذِهِ الْعلَّة ويتفق ابْن الْقَاسِم وَغَيره هَهُنَا وَإِذَا قُلْنَا يُعِيدُ مَسْحَ رَأْسِهِ

стр. 276

وَغَسْلَ رِجْلَيْهِ فَبَدَأَ بِرِجْلَيْهِ فَيَحْتَمِلُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ الْإِجْزَاءَ لِأَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ يُعْتَدُّ بِهِ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ وَوَقَعَ غَسْلُ رِجْلَيْهِ بَعْدَ مَسْحِ رَأْسِهِ فَلَا خَلَلَ فِيهِ فَإِذَا أَعَادَ غَسْلَ رِجْلَيْهِ فَقَطْ وَقَعَ بَعْدَ ذِرَاعَيْهِ وَبَعْدَ الرَّأْسِ أَعْنِي فِي الطَّهَارَةِ الْأُولَى فَيَحْصُلُ التَّرْتِيبُ بِمَجْمُوعِهِمَا وَأَعَادَ رَأْسَهُ لِيَقَعَ بَعْدَ الْيَدَيْنِ وَعِنْدَ غَيْرِهِ إِذَا مَسَحَ رَأْسَهُ أَعَادَ رِجْلَيْهِ لِيَكُونَ آخِرَ فِعْلِهِ. فَإِنْ غَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ رِجْلَيْهِ ثُمَّ رَأْسِهِ ثُمَّ ذِرَاعَيْهِ فَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ يُعِيدُ رَأْسَهُ ثُمَّ رِجْلَيْهِ لِأَنَّهُ قَدَّمَهُمَا وَرَأْسَهُ عَلَى يَدَيْهِ فَيُؤَخِّرُ مَا قُدِّمَ فَيَمْسَحُ رَأْسَهُ لِيَقَعَ ذَلِكَ بَعْدَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ. فَلَوْ أَنَّهُ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا بَدَأَ بِرِجْلَيْهِ ثُمَّ بِرَأْسِهِ فَيَحْتَمِلُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ يُجْزِئَهُ لِأَنَّ مَسْحَهُ رَأْسَهُ الْأَوَّلَ قَدْ وَقَعَ بَعْدَ الرِّجْلَيْنِ أَوَّلًا وَإِنَّمَا مَسَحَ رَأْسَهُ الْآنَ لِيَقَعَ بَعْدَ ذِرَاعَيْهِ وَعِنْدَ غَيْرِهِ يُعِيدُ رِجْلَيْهِ بَعْدَ رَأسه ليَكُون آخر فعله. فول بَدَأَ بِوَجْهِهِ ثُمَّ رِجْلَيْهِ ثُمَّ ذِرَاعَيْهِ ثُمَّ رَأْسِهِ أَعَادَ رِجْلَيْهِ فَقَطِ اتِّفَاقًا لِأَنَّ يَدَيْهِ غُسِلَتْ بَعْدَ وَجْهِهِ وَمَسَحَ رَأْسَهُ بَعْدَ يَدَيْهِ فَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ بَعْدَ رَأْسِهِ وَقَدْ ذَهَبَ الْخَلَلُ. وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ عِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ وَعِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ الْمُقَدَّمَ عَلَى الْوَجْهِ يُلْغَى وَالْمُقَدَّمَ عَلَى الْيَدَيْنِ بَعْدَ الْوَجْهِ يُلْغَى وَالْمُؤَخَّرَ بَعْدَ الْيَدَيْنِ مِنْ قَبْلِ الرَّأْسِ يُلْغَى وَالْمُؤَخَّرَ بَعْدَ الرَّأْسِ قَبْلَ الرِّجْلَيْنِ يُلْغَى. وَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمُقَدَّمُ فِي حُكْمِ الْمُلْغَى عَلَى مَا قَدَّمَهُ عَلَيْهِ وَمَا وَقَعَ بَعْدَ الْمُقَدَّمِ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهُ فَهُوَ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ فَيَكُونُ الْمُقَدَّمُ مُلْغًى فِي حَقِّ مَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ ثَابِتًا فِي حَقِّ مَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ فَالَّذِي بَدَأَ بِذِرَاعَيْهِ ثُمَّ وَجْهِهِ ثُمَّ رَأْسِهِ ثُمَّ رِجْلَيْهِ عِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ لَمَّا بَدَأَ بِذِرَاعَيْهِ قَبْلَ وَجْهِهِ كَانَ غَسْلُ ذِرَاعَيْهِ مُلْغًى وَيُعِيدُ وَجْهَهُ لِأَنَّهُ لَوِ اسْتَفْتَى حِينَئِذٍ عَالِمًا لَقَالَ لَهُ اغْسِلْ وَجْهَكَ وَيَكُونُ غَسْلُ وَجْهِهِ أَوَّلًا غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ ثُمَّ كَانَ شَأْنُهُ بَعْدَ وَجْهِهِ أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ فَمَسْحُهُ رَأسه بعد وَجهه ملغى للوقوعه قَبْلَ مَوْقِعِهِ وَلَوِ اسْتَفْتَى حِينَئِذٍ لَقِيلَ لَهُ اغْسِلْ ذِرَاعَيْكَ وَإِذَا أُلْغِيَ مَسْحُ رَأْسِهِ كَانَ الصَّوَابُ أَنْ يَغْسِلَ ذِرَاعَيْهِ فَغَسْلُ رِجْلَيْهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ مُلْغًى لِوُقُوعِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْوَجْهُ فَيُعِيدُ مِنْ ذَلِكَ إِلَى آخِرِ وُضُوئِهِ وَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لَمَّا قَدَّمَ يَدَيْهِ عَلَى الْوَجْهِ كَانَ ذَلِكَ مُلْغًى فِي حَقِّ الْوَجْهِ فَيَقَعُ مَسْحُ رَأْسِهِ بَعْدَ الْيَدَيْنِ وَالْوَجْهِ وَذَلِكَ مَوْضِعُهُ فَرَتَّبَ الرَّأْسَ عَلَى سَبْقِ الْيَدَيْنِ لَهُ وَالرِّجْلَيْنِ عَلَى الرَّأْسِ وَيَبْقَى الْخَلَلُ بَيْنَ الْيَدَيْنِ وَالْوَجْهِ فَقَطْ فَإِذَا أَعَادَ غَسْلَ يَدَيْهِ انْجَبَرَ الْخَلَلُ. وَإِذَا بَدَأَ بِذِرَاعَيْهِ ثُمَّ رَأْسِهِ ثُمَّ وَجْهِهِ ثُمَّ رِجْلَيْهِ فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَعَ الْيَدَانِ مُقَدَّمَتَيْنِ عَلَى الْوَجْهِ وَكَذَلِكَ الرَّأْس وَالرجلَانِ مُؤَخَّرَتَيْنِ عَنِ الْجَمِيعِ وَهُوَ الصَّوَابُ فَيُعِيدُ يَدَيْهِ وَرَأْسَهُ فَقَطْ وَعِنْدَ الْغَيْرِ يُعِيدُ يَدَيْهِ وَرَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ. فَإِنْ بَدَأَ بِالرَّأْسِ ثُمَّ الْوَجْهِ ثُمَّ الْيَدَيْنِ ثُمَّ الرِّجْلَيْنِ فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ يُعِيدُ رَأْسَهُ لِيَتَأَخَّرَ عَنْ يَدَيْهِ وَلَا يُعِيدُ رِجْلَيْهِ لِيُوقِعَهُ بَعْدَ رَأْسِهِ وَعِنْدَ الْغَيْرِ يَمْسَحُ رَأْسَهُ ثُمَّ وَجْهَهُ فَإِنْ بَدَأَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ رِجْلَيْهِ ثُمَّ وَجْهِهِ ثُمَّ يَدَيْهِ أَعَادَ رَأْسَهُ ثُمَّ رِجْلَيْهِ اتِّفَاقًا. وَلَوْ بَدَأَ بِرِجْلَيْهِ ثُمَّ وَجْهِهِ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ رَأْسِهِ أَعَادَ رِجْلَيْهِ وِفَاقًا. وَلَوْ بَدَأَ بِرِجْلَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ وَجْهِهِ ثُمَّ رَأْسِهِ فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ يُعِيدُ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَقَطْ لِأَنَّ رِجْلَيْهِ مُقَدَّمَتَانِ عَلَى مَا حَقُّهُمَا أَنْ تَتَأَخَّرَا عَنْهُ وَكَذَلِكَ يَدَاهُ تَقَدَّمَتْ عَلَى الْوَجْهِ وَحُكْمُهُمَا التَّأْخِيرُ وَمَسْحُ الرَّأْسِ لَمْ يَقَعْ مُقَدَّمًا عَلَى مَا يَتَقَدَّمُهُ وَعِنْدَ الْغَيْرِ يُعِيدُ يَدَيْهِ ثُمَّ رَأْسَهُ لِيَقَعَ بَعْدَ الْيَدَيْنِ ثُمَّ رِجْلَيْهِ وَلَوْ بَدَأَ بِرِجْلَيْهِ ثُمَّ رَأْسِهِ ثُمَّ وَجْهِهِ ثُمَّ يَدَيْهِ لَأَعَادَ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ وفَاقا وَلَو قلت هَهُنَا بِيَدَيْهِ ثُمَّ بِالْوَجْهِ أَعَادَ يَدَيْهِ إِلَى آخِرِ وُضُوئِهِ وِفَاقًا. فُرُوعٌ خَمْسَةٌ: الْأَوَّلُ فِي الْجَوَاهِرِ يُسْتَحَبُّ الِابْتِدَاءُ بِالْيَمِينِ مِنَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِقَوْلِهِ

стр. 277

عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِمَيَامِنِهِ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَأَدْخَلَهُ سَحْنُونُ فِي الْكِتَابِ وَلِأَنَّهُ // (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) //. الثَّانِي قَالَ الْمَازِرِيُّ إِذَا أَمَرَ الْمُتَوَضِّئُ أَرْبَعَةَ رِجَالٍ أَنْ يُطَهِّرُوا أَعْضَاءَهُ مَعًا فَقَالَ بَعْضُ مَنْ أَوْجَبَ التَّرْتِيبَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُنَكِّسِ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَدِّمْ مَا وَجَبَ تَقْدِيمُهُ. الثَّالِثُ فِي الطَّرَّازِ الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ مُخْتَصٌّ بِالْوَاجِبِ دون الْمسنون وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ مَا لَا يَجِبُ أَصْلُهُ كَيْفَ يَجِبُ وَصْفُهُ. الرَّابِعُ لَوْ تَرَكَ التَّرْتِيبَ حَتَّى صَلَّى قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ يُعِيدُ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِهِ قَالَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ إِعَادَةِ الْوُضُوءِ لِأَجْلِهِ وَإِعَادَةِ الصَّلَاةِ أَنَّ إِعَادَةَ الْوُضُوءِ مُرَغَّبٌ فِيهِ بِدَلِيلِ الْأَمْرِ بِالتَّجْدِيدِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ ﵇ لَا تُصَلُّوا فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ. الْخَامِسُ إِذَا نَكَّسَ مَسْنُونُ وُضُوئِهِ فَبَدَأَ بِالْوَجْهِ قَبْلَهُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ إِنْ كَانَ سَاهِيًا لم يعد وَجهه قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ عَامِدًا فَظَاهِرُ الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَبْتَدِئُ الْوُضُوءَ وَسَوَّى بَيْنَ الْمَفْرُوضِ وَالْمَسْنُونِ. سُؤَالٌ نَدَبَ الشَّرْعُ لِتَقْدِيمِ الْيُمْنَى مِنَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَالْجَنْبَيْنِ فِي الْغَسْلِ وَالْوُضُوءِ وَلَمْ يَنْدُبْ لِتَقْدِيمِ الْيُمْنَى مِنَ الْأُذُنَيْنِ أَوِ الْفَوْدَيْنِ أَوِ الْخَدَّيْنِ أَوِ الصُّدْغَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَمَا الْفَرْقُ؟ جَوَابُهُ أَنَّ أُولَئِكَ الْأَعْضَاءَ الْمُقَدَّمَةَ اشْتَمَلَتْ عَلَى مَنَافِعَ تَقْتَضِي شَرَفَهَا فَقَدَّمَهَا الشَّرْعُ لِذَلِكَ. بَيَانُهُ الْيَدُ الْيُمْنَى فِيهَا مِنَ الْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيَّةِ وَالْقُوَّةِ وَوُفُورِ الْخَلْقِ وَالصَّلَاحِيَّةِ لِلْأَعْمَالِ مَا لَيْسَ فِي الْيَسَارِ وَذَلِكَ أَنَّ الْخَاتَمَ يَضِيقُ فِي الْيُمْنَى

стр. 278

وَيَتَّسِعُ فِي الْيَسَارِ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الرِّجْلَيْنِ وَمَنِ اعْتَبَرَ ذَلِكَ وَجَدَهُ مُقْتَضَى الْخِلْقَةِ الْأُولَى مَا لَمْ تُعَارِضْهُ عَادَةٌ فَاسِدَةٌ عَنِ الْخَلْقِ الْأَصْلِيِّ. وَأَمَّا الْأُذُنَانِ وَنَحْوُهُمَا فَمُسْتَوِيَانِ فِي الْمَنَافِعِ وَصِفَاتِ الشَّرَفِ فَلَمْ يُقَدِّمِ الشَّرْعُ يَمِينَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى يَسَارِهِ وَقَدَّمَ الْجَنْبَ الْأَيْمَنَ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْأَعْضَاءِ الشَّرِيفَةِ الْمَذْكُورَةِ. تَذْيِيلٌ يَبْدَأُ بِالْأَعَالِي فِي الطَّهَارَةِ لِشَرَفِهَا لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْوَجْهُ مِنَ الْحَوَاسِّ وَالنُّطْقِ وَيُثَنِّي بِالْيَدَيْنِ لِكَثْرَةِ دُخُولِهِمَا فِي الطَّاعَةِ وَغَيْرِهَا وَيُقَدِّمُ الرَّأْسَ عَلَى الرِّجْلَيْنِ لِشَرَفِهِ لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْقُوَى الْمُدْرِكَةِ وَالْحِكْمَةِ وَقُدِّمَ الْفَمُ عَلَى الْأَنْفِ لِشَرَفِهِ بِالذَّوْقِ وَالنُّطْقِ وَقُدِّمَ الْفَرْجَانِ مُحَافَظَةً عَلَى الطَّهَارَةِ مِنَ النَّقْضِ. السُّنَّةُ السَّابِعَةُ غَسْلُ الْبَيَاضِ الَّذِي بَيْنَ الصُّدْغَيْنِ وَالْأُذُنَيْنِ قَالَ الْمَازِرِيُّ انْتَقَدَ هَذِهِ السُّنَّةَ عَلَى الْقَاضِي أَصْحَابُنَا وَقَالُوا إِنْ كَانَ مِنَ الْوَجْهِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَإِلَّا فَهُوَ كَالْقَفَا سَاقِطٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ قَالَ وَلَعَلَّهُ ظَفِرَ بِحَدِيثٍ يُوجِبُ كَوْنَهُ سُنَّةً أَوْ يَكُونُ سُنَّةً مُرَاعَاةً للْخلاف على سَبِيل التَّوَسُّع. الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي فَضَائِلِهِ وَهِيَ سَبْعَةٌ الْفَضِيلَةُ الْأُولَى التَّسْمِيَةُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ اسْتَحْسَنَهَا مَالِكٌ ﵀ مَرَّةً وَأَنْكَرَهَا مَرَّةً وَقَالَ أَهُوَ يَذْبَحُ مَا عَلِمْتُ أَحَدًا يَفْعَلُ ذَلِكَ وَنَقَلَ ابْنُ شَاسٍ عَنْهُ التَّخْيِيرَ وَعَنِ ابْنِ زِيَادٍ الْكَرَاهَةَ. وَأَفْعَالُ الْعَبْدِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مِنْهَا مَا شُرِّعَتْ فِيهِ التَّسْمِيَةُ وَمِنْهَا مَا لَمْ تُشَرَّعْ فِيهِ وَمِنْهَا مَا تُكْرَهُ فِيهِ. الْأَوَّلُ كَالْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ عَلَى الْخِلَافِ وَذَبْحِ النُّسُكِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَمِنْهُ مُبَاحَاتٌ لَيْسَتْ بِعِبَادَاتٍ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ. وَالثَّانِي كَالصَّلَوَاتِ وَالْأَذَانِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ والأذكار وَالدُّعَاء.

стр. 279

وَالثَّالِثُ الْمُحَرَّمَاتُ إِذِ الْغَرَضُ مِنَ التَّسْمِيَةِ حُصُولُ الْبَرَكَةِ فِي الْفِعْلِ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهَا وَالْحَرَامُ لَا يُرَادُ كَثْرَتُهُ وَكَذَلِكَ الْمَكْرُوهُ. وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ تَتَحَصَّلُ مِنْ تَفَارِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ فِي الْمَذْهَبِ فَمَا ضَابِطُ مَا شُرِعَ فِيهِ التَّسْمِيَةُ مِنَ الْقُرُبَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ مِمَّا لَمْ يُشْرَعْ فِيهِ؟ قُلْتُ وَقَعَ الْبَحْثُ فِي هَذَا الْفَصْلِ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْفُضَلَاءِ وَعَسُرَ الْفَرْقُ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ قَدْ قَالَ إِنَّهَا لَمْ تُشْرَعْ مَعَ الْأَذْكَارِ وَمَا ذكر مَعهَا لِأَنَّهَا بركَة فِي نَفسهَا. وَورد عَلَيْهِ أَنَّ الْقُرْآنَ مِنْ أَعْظَمِ الْبَرَكَاتِ مَعَ أَنَّهَا شُرِعَتْ فِيهِ. وَالْأَصْلُ فِي شَرْعِيَّتِهَا فِي الْوُضُوءِ قَوْلُهُ ﵊ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ إِلَّا أَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ بِوُجُوبِهَا مَعَ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ قَالَ عَنْهُ لَا أَعْرِفُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا // (جَيِّدَ الْإِسْنَادِ) //. الْفَضِيلَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْجَوَاهِرِ السِّوَاكُ لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ ﵇ قَالَ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَفِي أَبِي دَاوُدَ كَانَ يُوضَعُ لَهُ ﷺ َ - وُضُوؤُهُ وَسِوَاكُهُ وَالْكَلَامُ فِي وَقْتِهِ وَآلَتِهِ وَكَيْفِيَّتِهِ. أَمَّا وَقْتُهُ فَقَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ يَسْتَاكُ قَبْلَ الْوُضُوءِ وَيَتَمَضْمَضُ بَعْدَهُ لِيَخْرُجَ الْمَاءُ بِمَا يَنْثُرُهُ السِّوَاكُ وَلَا يَخْتَصُّ السِّوَاكُ بِهَذِهِ الْحَالَةِ بَلْ فِي الْحَالَاتِ الَّتِي يَتَغَيَّرُ فِيهَا الْفَمُ كَالْقِيَامِ مِنَ النَّوْمِ أَوْ بِتَغْيِيرِ الْفَمِ لِمَرَضٍ أَوْ وَجَعٍ أَوْ صَمْتٍ كَثِيرٍ أَوْ مَأْكُولٍ مُتَغَيِّرٍ. وَأَمَّا الْآلَةُ فَهِيَ عِيدَانُ الْأَشْجَارِ لِأَنَّهُ سُنَّةُ النَّبِي ﷺ َ - وَسُنَّةُ السَّلَفِ أَوْ بِأُصْبُعِهِ إِنْ لَمْ يَجِدْ وَيَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ الْمَاءِ فِي الْمَضْمَضَةِ لِأَنَّهُ يُخَفف القلح

стр. 280

وَالْقَلَحُ صُفْرَةُ الْأَسْنَانِ فَإِنِ اسْتَاكَ بِأُصْبُعٍ فَجَعَلَهَا سِوَاكًا لِلسِّنِّ أَوْلَى مِنْ جَعْلِ السِّنِّ سِوَاكًا لِلْأُصْبُعِ وَيَتَجَنَّبُ مِنَ السِّوَاكِ مَا فِيهِ أَذًى لِلْفَمِ كَالْقَصَبِ فَإِنَّهُ يَجْرَحُ اللِّثَةَ وَيُفْسِدُهَا وَكَالرَّيْحَانِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَقُولُ الْأَطِبَّاءُ فِيهِ فَسَادٌ وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ. وَأَمَّا كَيْفِيَّتُهُ فَيُرْوَى عَنْهُ ﵊ اسْتَاكُوا عَرْضًا وَادَّهِنُوا غِبًّا أَيْ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ وَاكْتَحِلُوا وِتْرًا فَالسِّوَاكُ عَرْضًا أَسْلَمُ لِلَّثَةٍ مِنَ التَّقَطُّعِ وَالْأَدْهَانُ إِنْ كَثُرَتْ تُفْسِدُ الشَّعْرَ وَتَنْثُرُهُ. وَالسِّوَاكُ وَإِنْ كَانَ مَعْقُولَ الْمَعْنَى فَعِنْدِي أَنَّهُ مَا عَرِيَ مِنْ شَائِبَةِ تَعَبُّدٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَوِ اسْتَعْمَلَ الْغَسُولَاتِ الْجَلَّاءَةَ عِوَضًا مِنَ الْعِيدَانِ لَمْ يَأْتِ بِالسُّنَّةِ. الْفَضِيلَةُ الثَّالِثَةُ فِي التَّلْقِينِ تَكْرَارُ الْمَغْسُولِ وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ لَمْ يُوَقِّتْ مَالِكٌ ﵀ فِي التَّكْرَارِ إِلَّا مَا أَسْبَغَ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَغَيْرُهُ يُرِيدُ بِهِ نَفْيَ الْوُجُوبِ لَا نَفْيَ الْفَضِيلَةِ وَكَذَلِكَ قَالَ وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْآثَارُ فِي التَّوْقِيتِ قَالَ صَاحِبُ التَّنْبِيهَاتِ التَّوْقِيتُ التَّقْدِيرُ مِنَ الْوَقْتِ وَهُوَ الْمِقْدَارُ مِنَ الزَّمَانِ فَمَعْنَاهُ لَمْ يُقَدِّرْ عَدَدًا قَالَ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ مَعْنَاهُ لَمْ يُوجِبْ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ أَيْ فَرْضًا لَازِمًا وَلَيْسَ بِصَوَابٍ وَرُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ فَأَثْبَتَ الْقَبُولَ عِنْدَ ثُبُوتِهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ غَيْرِهِ وَيُرْوَى عَنْهُ ﵇ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا ثَلَاثًا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قَالَ اللَّخْمِيُّ فَالْأُولَى وَاجِبَةٌ وَالثَّانِيَةُ سُنَّةٌ وَالثَّالِثَةُ فَضِيلَةٌ وَالرَّابِعَةُ مُخْتَرَعَةٌ إِذَا أَتَى بِهَا عُقَيْبَ الثَّالِثَةِ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَبْلَ الصَّلَاةِ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ فَإِنْ صَلَّى بِهِ كَانَ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ فَضِيلَةً لِقَوْلِهِ ﵇ الْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ نُورٌ عَلَى نُورٍ وَقَوْلِهِ فِي الرَّابِعَةِ

стр. 281

فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ وَالتَّجْدِيدُ زِيَادَةٌ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ وَدَلِيلُ تَحْرِيمِ الرَّابِعَةِ قَوْلُهُ ﵇ لَمَّا تَوَضَّأَ ثَلَاثًا هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي وَوُضُوءُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ قَالَ الْأَصِيلِيُّ لَيْسَ هَذَا بِثَابِتٍ. وَالْوُضُوءُ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إِنْ صَحَّ الْحَدِيثُ فَيَكُونُ مَعْنَى مَا رُوِيَ فِي الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ وَيَكُونُ الِاخْتِصَاصُ بِالْغُرَّةِ لَا بِالْوُضُوءِ وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇ فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَيَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا التَّأْكِيدُ وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِمَا وَاحِدًا وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ اسْتَزَادَ مِنْ بَابِ الِاسْتِفْعَالِ وَهُوَ طَلَبُ الْفِعْلِ وَالْإِنْسَانُ لَهُ حَالَتَانِ تَارَةً يَتَوَضَّأُ بِنَفْسِهِ فَيُقَالُ إِنَّهُ زَادَ الرَّابِعَةَ وَتَارَةً يَسْتَعِينُ بِغَيْرِهِ فِي سَكْبِ الْمَاءِ وَغَيْرِهِ فَيَطْلُبُ مِنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ زِيَادَةَ الرَّابِعَةِ فَيُقَالُ لَهُ اسْتَزَادَ. وَجَوَّزَ مَالِكٌ ﵀ فِي الْمُدَوَّنَةِ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْوَاحِدَةِ وَقَالَ أَيْضًا لَا أُحِبُّهَا إِلَّا مِنْ عَالِمٍ يَعْنِي لِأَنَّ مِنْ شَرط الِاقْتِصَار عَلَيْهَا الإسباغ وَذَلِكَ لَا بضبطه إِلَّا الْعُلَمَاءُ وَإِذَا لَمْ يُسْبِغْ وَأَسْبَغَ فِي الثَّانِيَةِ كَانَ بَعْضُ الثَّانِيَةِ فَرْضًا وَهُوَ مَا حَصَلَ بِهِ الْإِسْبَاغُ فِي بَقِيَّةِ الْأُولَى وَبَقِيَّتُهَا فَضِيلَةٌ وَهُوَ مَا عَدَا ذَلِكَ وَإِلَى أَنْ يَأْتِيَ بِرَابِعَةٍ تَخْتَصُّ بِهَا الْمَوَاضِعُ الْمَتْرُوكَةُ أَوَّلًا وَلَا تَعُمُّ لِئَلَّا يَقَعَ فِي النَّهْيِ. فَرْعٌ فِي الْجَوَاهِرِ إِذَا شَكَّ فِي أَصْلِ الْغَسْلِ ابْتَدَأَهُ لِأَنَّهُ فِي عُهْدَةِ الْوَاجِبِ حَتَّى يَفْعَلَهُ وَإِنْ شَكَّ هَلْ هِيَ ثَالِثَةٌ أَوْ رَابِعَةٌ قَالَ الْمَازِرِيُّ تَنَازَعَ الْأَشْيَاخُ فِي فِعْلِهَا هَلْ تُكْرَهُ مَخَافَةَ أَنْ تَكُونَ مُحَرَّمَةً أَوْ لَا تُكْرَهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنَ الطَّهَارَةِ مُتَوَجِّهًا عَلَى الْإِنْسَانِ وَالْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ فِي الطَّهَارَة وركعات الصلات مِنَ الْعَدَدِ فَيُصَلِّي الرَّكْعَةَ وَإِنْ شَكَّ هَلْ هِيَ رَابِعَةٌ وَاجِبَةٌ أَوْ خَامِسَةٌ مُحَرَّمَةٌ وَيَلْحَقُ بِهَذَا صَوْمُ التَّاسِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ إِذَا شَكَّ فِيهِ فَإِنَّهُ دَائِرٌ بَيْنَ الْمَنْدُوبِ وَالْمُحَرَّمِ

стр. 282

قَاعِدَةٌ إِذَا تَعَارَضَ الْمُحَرَّمُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَحْكَامِ الْأَرْبَعَةِ قُدِّمَ الْمُحَرَّمُ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُحَرَّمَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِمَفْسَدَةٍ وَعِنَايَةُ الشَّرْعِ وَالْعُقَلَاءِ بِدَرْءِ الْمَفَاسِدِ أَشَدُّ مِنْ عِنَايَتِهِمْ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَلِأَنَّ تَقْدِيمَ الْمُحَرَّمِ يُفْضِي إِلَى مُوَافَقَةِ الْأَصْلِ وَهُوَ التَّرْكُ فَمَنْ لَاحَظَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ قَالَ بالتراك وَمَنْ قَالَ يَغْسِلُ يَقُولُ الْمُحَرَّمُ رَابِعَةٌ بَعْدَ ثَالِثَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ وَلَمْ يَتَيَقَّنْ ثَالِثَةً فَلَا يَحْرُمُ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الصَّوْمِ وَمَا أَظُنُّ فِي الصَّلَاةِ خِلَافًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ الْفَضِيلَةُ الرَّابِعَةُ الِاقْتِصَادُ وَالرِّفْقُ بِالْمَاءِ مَعَ الْإِسْبَاغِ وَالْإِسْبَاغُ التَّعْمِيمُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ أَيْ عَمَّمَهَا وَأَنْكَرَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَوْلَ مَنْ قَالَ حَدُّ الْوُضُوءِ أَنْ يَقْطُرَ أَوْ يَسِيلَ قَالَ ابْنُ يُونُسَ أَيْ أَنْكَرَ التَّحْدِيدَ قَالَ مَالِكٌ رَأَيْتُ عَبَّاسًا قَالَ صَاحِبُ التَّنْبِيهَاتِ عَبَّاسٌ بِبَاءٍ وَاحِدَةٍ مِنْ تَحْتِهَا وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ وَمِنَ الشُّيُوخِ مَنْ يَقُولُ عَيَّاشًا بِالْيَاءِ وَالشِّينِ وَهُوَ خَطَأٌ يَتَوَضَّأُ بِثُلُثِ مُدِّ هِشَامٍ وَيَفْضُلُ لَهُ مِنْهُ وَيُصَلِّي بِالنَّاسِ وَأَعْجَبَنِي ذَلِكَ وَفِي الْبُخَارِيِّ كَانَ ﵇ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِذَا كَانَ الْمُغْتَسِلُ مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ كَاعْتِدَالِ خَلْقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - فَلَا يَزِيدُ فِي الْمَاءِ عَلَى الْمُدِّ فِي الْوُضُوءِ وَالصَّاعِ فِي الْغُسْلِ وَإِنْ كَانَ ضَئِيلًا فَلْيَسْتَعْمِلْ مِنَ الْمَاءِ مَا يَكُونُ نِسْبَتُهُ إِلَى جَسَدِهِ كَنِسْبَةِ الْمُدِّ وَالصَّاعِ إِلَى جَسَدِهِ ﵊ فَإِنْ تَفَاحَشَ الْخَلْقُ فَلَا يَنْقُصُ عَنْ مِقْدَارِ أَنْ يَكُونَ نِسْبَتُهُ إِلَى جَسَدِهِ كَنِسْبَةِ الْمُدِّ وَالصَّاعِ إِلَى جَسَدِهِ ﷺ َ - الْفَضِيلَةُ الْخَامِسَةُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ أَنْ يَجْتَنِبَ الْخَلَاءَ لِنَهْيِهِ ﵇ عَنْ ذَلِكَ مَخَافَةَ الْوَسْوَاسِ الْفَضِيلَةُ السَّادِسَةُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ يَجْعَلُ الْإِنَاءَ عَنِ الْيَمِينِ لِفِعْلِهِ عَلَيْهِ

стр. 283

السَّلَامُ لِذَلِكَ وَلِأَنَّهُ أَمْكَنُ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمُكْنَةَ إِنَّمَا تُتَصَوَّرُ فِي الْأَقْدَاحِ وَمَا تَدْخُلُ الْأَيْدِي إِلَيْهِ أَمَّا الْأَبَارِيقُ فَالتَّمَكُّنُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِجَعْلِهِ عَلَى الْيَسَارِ لِيَسْكُبَ الْمَاءَ بِيَسَارِهِ فِي يَمِينِهِ الْفَضِيلَةُ السَّابِعَةُ قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي الرِّسَالَةِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ بِأَثَرِ الْوُضُوءِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ وَقَالَ ﵊ مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ خَاتِمَةٌ قَالَ فِي الْكِتَابِ لَا بَأْسَ بِالْمَسْحِ بِالْمِنْدِيلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ خِلَافًا لِأَصْحَابِ الشَّافِعِي مُحْتَجِّينَ بِمَا فِي مُسْلِمٍ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ لَمَّا وَصَفَتْ غُسْلَهُ ﵇ قَالَتْ ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ وَقَالَ إِنَّهُ يذهب بِنور الْوَجْه حجتناما رُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ مَسَحَ وَجْهَهُ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ وَفِي التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ ﵇ كَانَتْ لَهُ خِرْقَةٌ يُنَشِّفُ فِيهَا بَعْدَ الْوُضُوءِ وَضَعَّفَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ وَلِأَنَّ الْمَسْحَ يُؤَدِّي إِلَى النَّظَافَةِ فَإِنَّ الْمَاءَ إِذَا بَقِيَ فِي شَعْرِهِ قَطَرَ مِنَ اللِّحْيَةِ عَلَى الثَّوْبِ فَعَلِقَ بِهِ الْغُبَارُ فَيَنْطَمِسُ لَوْنُهُ وَكَذَلِكَ يَعْلَقُ مَاءُ رِجْلَيْهِ بِذُيُولِ ثَوْبِهِ وَحَدِيثُ مُسْلِمٍ لَا يُنَافِي مَا قُلْنَا لِأَنَّا نَقُولُ بِإِبَاحَةِ تَرْكِهِ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَالْقِيَاسُ مَعَنَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَيُؤَكِّدُهُ أَنَّ غُسَالَةَ الْمَاءِ نَجِسَةٌ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَيَجِبُ إِزَالَتُهَا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَرْعٌ وَإِذَا أُبِيحَ التَّنْشِيفُ فَهَلْ يُبَاحُ قَبْلَ الْفَرَاغِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ عَلَى رَأْيِ ابْنِ الْجَلَّابِ لَا يَجُوزُ لِقَوْلِهِ وَلَا يَجُوزُ تَفْرِيقُ الطَّهَارَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَعَلَى الْمَشْهُورِ يَجُوزُ لِيَسَارَتِهِ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ قُلْتُ لِمَالِكٍ أَيَفْعَلُ ذَلِكَ قَبْلَ غَسْلِ رِجْلَيْهِ قَالَ نَعَمْ وَإِنِّي لأفعله

стр. 284

(الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الْغُسْلِ وَفِيهِ فَصْلَانِ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي أَسْبَابِهِ وَهِيَ سَبْعَةَ عَشَرَ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ وَإِنْزَالُ الْمَاءِ الدَّافِقِ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالشَّكُّ فِي أَحَدِهِمَا مَا لَمْ يُسْتَنْكَحْ ذَلِكَ وَتَجْدِيدُ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْوِلَادَةُ وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ جَافًّا وَانْقِطَاعُ دَمِ الْحَيْضِ وَانْقِطَاعُ دَمِ النِّفَاسِ وَالْمَوْتُ فِي غَيْرِ الشُّهَدَاءِ فَهَذِهِ أَسْبَابُ الْوُجُوبِ وَتَلِيهَا أَسْبَابُ النَّدْبِ وَهِيَ شُهُودُ الْجُمُعَةِ وَشُهُودُ صَلَاةِ عِيدِ الْأَضْحَى وَشُهُودُ صَلَاةِ عِيدِ الْفِطْرِ وَإِحْرَامُ الْحَجِّ وَدُخُولُ مَكَّةَ وَالرَّوَاحُ لِعَرَفَةَ لِلْوُقُوفِ وَمُبَاشَرَةُ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَانْقِطَاعُ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ وَانْقِطَاعُ دَمِ الْمَرْأَةِ الَّتِي شَأْنُهَا أَلَّا تَحِيضَ فَإِنَّهَا لَا تَتْرُكُ الصَّلَاةَ بِسَبَبِهِ وَتَغْتَسِلُ لِانْقِطَاعِهِ وَالْمَقْصُود بالْكلَام هَهُنَا الْخَمْسَةُ الْأُوَلُ فَغَيْرُهَا نَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهَذِهِ الْخَمْسَةُ هِيَ أَسْبَابُ الْجَنَابَةِ وَالْجَنَابَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ التَّجَنُّبِ وَهُوَ الْبُعْدُ وَمِنْهُ الرَّجُلُ الْأَجْنَبِيُّ مِنْكَ أَيِ الْبَعِيدُ عَنْ قَرَابَتِكَ وَصُحْبَتِكَ وَمِنْهُ الْمَجَانَبَةُ لِلْقَبَائِحِ وَلَمَّا كَانَ الْمُتَّصِفُ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ بَعِيدًا مِنَ الْعِبَادَاتِ سُمِّيَ جُنُبًا وَقِيلَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْجَنْبِ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي حُصُولِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ مُبَاشَرَةُ النِّسَاءِ فَيَحْصُلُ اجْتِمَاعُ الْجَنْبِ مَعَ الْجَنْبِ حِسًّا لِذَلِكَ السَّبَبُ الْأَوَّلُ فِي الْجَوَاهِرِ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ يُوجِبُ الْغُسْلَ أَوْ مِقْدَارُ

стр. 285

الْحَشَفَةِ مِنْ مَقْطُوعِهَا لِمَا فِي مُسْلِمٍ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَجَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ وَفِي مُسْلِمٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ ﵇ عَنْ ذَلِكَ وَعَائِشَةُ ﵂ جَالِسَةٌ فَقَالَ ﵇ إِنِّي لَأَفْعَلُ ذَلِكَ ثُمَّ أَغْتَسِلُ فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ قَالَ الْعُلَمَاءُ هِيَ نَاسِخَةٌ لِمَا تَقَدَّمَهَا مِنْ قَوْلِهِ ﵇ فِي مُسْلِمٍ لِلْأَنْصَارِيِّ الَّذِي مَرَّ عَلَيْهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ بِالْمَاءِ فَقَالَ لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاكَ؟ قَالَ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ ﵇ إِذَا أُعْجِلْتَ أَوْ قَحَطْتَ فَلَا غُسْلَ وَمِنْ قَوْلِهِ ﵇ فِي مُسْلِمٍ إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ أَيْ إِنَّمَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي الطُّهْرِ مِنْ إِنْزَالِ الْمَاءِ الدَّافِقِ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ كَانَتْ هَذِهِ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَتْ وَقَالَ صَاحِبُ الِاسْتِذْكَارِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﵇ إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ مَحْمُولٌ عَلَى النَّوْمِ فَإِنَّ الْوَطْءَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ إِنْزَالٍ لَا يُوجِبُ شَيْئًا إِجْمَاعًا وَهَذَا أَوْلَى مِنَ النَّسْخِ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ عَامًّا فِي الْمَاءَيْنِ فَهُوَ مُطْلَقٌ فِي الْحَالَيْنِ النَّوْمِ وَالْيَقَظَةِ فَحَمْلُهُ عَلَى النَّوْمِ تَقْيِيدٌ لِلْمُطْلَقِ وَالتَّقْيِيدُ أَوْلَى مِنَ النَّسْخِ لِمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ يُوجِبُ الْغُسْلَ أَنَّهَا طَهَارَةُ حَدَثٍ فَتَتَعَلَّقُ بِنَوْعٍ مِنَ اللَّمْسِ كَالْوُضُوءِ وَلِأَنَّ الْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ سَبَبٌ قَوِيٌّ لِخُرُوجِ الْمَنِيِّ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُهُ كَاللَّمْسِ لَمَّا كَانَ سَبَبًا قَوِيًّا لِلْمَذْيِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُهُ قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ اللَّفْظُ إِذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لَا يَكُونُ لَهُ مَفْهُومٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يُقْدِمُونَ عَلَى ذَلِكَ الْخَوْف غَزْوٍ أَوْ فَضِيحَةٍ فَلَا يَدُلُّ مَفْهُومُهُ عَلَى جَوَازِ قَتْلِ الْأَوْلَادِ إِذَا أُمِنَ ذَلِكَ إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَنَقُولُ لَمَّا كَانَ الْغَالِبُ عَلَى النَّاسِ الْخِتَانُ لَمْ يَدُلَّ مَفْهُومُ اللَّفْظِ
следующие страницы →