Полный текст (5 319 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وَجْهِ الصِّحَّةِ وَقَالَ بَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ لِخُرُوجِهِ عَنِ الْعَادَةِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَالْمَدَارُ عِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ فِي هَذَا عَلَى وجود الذة فَإِنْ وُجِدَتْ وَجَبَ الْوُضُوءُ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا يَشْهَدُ لَهُ الْمَنِيُّ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ لِطُولِ الْعزبَة بِغَيْر لذ لَا يُوجِبُ غُسْلًا قَالَ وَقَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ وَالتُّونِسِيُّ إِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى النِّكَاحِ أَوِ التَّسَرِّي وَجَبَ وَلَمْ يُفَصِّلَا وَالْأَشْبَهُ التَّفْصِيلُ وَيُلْزِمُ ابْنُ الْجَلَّابِ أَنْ يُرَاعِيَ فِي سَلَسِ الْبَوْلِ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّدَاوِي الثَّانِي فِي الْجَوَاهِرِ إِذَا لَمْ يَجِبِ الْوُضُوءُ بِالسَّلَسِ هَلْ يَسْقُطُ حُكْمُهُ بِاعْتِبَارِ غَيْرِهِ حَتَّى يَؤُمَّ بِهِ؟ قَوْلَانِ مَنْشَؤُهُمَا أَنَّ الشَّرْعَ أَسْقَطَ اعْتِبَارَهُ فَتَجُوزُ الْإِمَامَةُ بِهِ وَالْقِيَاس على إِمَامَة الْمُتَيَمم وَهُوَ مُحدث بالمتوضيء وَيُنْظَرُ إِلَى اخْتِصَاصِ السَّبَبِ الْمُسْقِطِ لِاعْتِبَارِهِ بِصَاحِبِهِ وَهُوَ الضَّرُورَةُ فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْعِلَّةِ بِدُونِهَا الثَّالِثُ قَالَ إِذَا خَرَجَ الْمُعْتَادُ الْمُوجِبُ عَلَى الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ الْمَخْرَجِ فَلِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ بِهِ قَوْلَانِ نَظَرًا لِجِنْسِهِ أَوْ لِكَوْنِ مَحَلِّهِ غَيْرَ مُعْتَادٍ وَاللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا خَاطَبَ عِبَادَهُ بِالْمُعْتَادِ الرَّابِعُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ إِذَا كَانَ النَّاسُورُ يَطْلُعُ فِي كُلِّ حِينٍ وَيَرُدُّهُ بِيَدِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا غَسْلُ يَدِهِ فَإِنْ كَثُرَ ذَلِكَ سَقَطَ غَسْلُ الْيَدِ وَيُرْوَى بِالنُّونِ وَهُوَ عَرَبِيٌّ وَبِالْبَاءِ وَهُوَ عَجَمِيٌّ حَكَاهُ الزُّبَيْدِيُّ وَبِالْبَاءِ وَجَعُ الْمَقْعَدَةِ وَتَوَرُّمُهَا مِنْ دَاخِلٍ وَخُرُوجُ الثَّآلِيلِ وَبِالنُّونِ انْتِفَاخُ عُرُوقِهَا وَجَرَيَانُ الدَّمِ وَمَادَّتِهَا وَقِيلَ بِالْبَاءِ لِلْمَقْعَدَةِ وَبِالنُّونِ لِلْأَنْفِ الْأَعْلَى لِلْأَعْلَى وَالْأَسْفَلُ لِلْأَسْفَلِ فَإِنَّ النُّونَ يُنَقَّطُ أَعْلَاهَا وَالْبَاءَ أَسْفَلهَا قَالَ صَاحب الطّراز فَعِنْدَ الشَّافِعِي ﵀ يجب الْوضُوء لمسه دبره هَا هُنَا وَعِنْدَ حَمْدِيسٍ مِنْ أَصْحَابِنَا يُفَرِّقُ بَيْنَ أَنْ يَتَكَرَّرَ فَلَا يَنْقُضُ أَوْ لَا فَيَنْقُضُ وَإِذَا قُلْنَا بِعَدَمِ النَّقْضِ فَتَنْجَسُ الْيَدُ لِأَنَّ بِلَّةَ الْفَرْجِ نَجِسَةٌ وَعِنْدَ مَنْ يَقُولُ
стр. 212
بِطَهَارَتِهَا إِلْحَاقًا لَهَا بِالْعَرَقِ لِخُرُوجِهَا مِنْ مَسَامِّ الْجِلْدِ تَكُونُ الْيَدُ طَاهِرَةً الْعَاشِرُ فِي التَّلْقِينِ الرِّدَّةُ خِلَافًا ش لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ ليحبطن عَمَلك﴾ وَنَحْوِهِ بَعْدَ الرُّجُوعِ إِلَى الْإِسْلَامِ لِبُطْلَانِ الْوُضُوءِ السَّابِقِ فَيَصِيرُ مُحْدِثًا قَالَ الْمَازِرِيُّ لَا يَبْطُلُ الْوضُوء ومستند هَذَا القَوْل وَهُوَ قَول الشَّافِعِي ﵀ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يرْتَد مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ تَحْقِيقٌ الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ أَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَتُحْمَلُ الْآيَةُ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فَلَا يَحْصُلُ الْحُبُوطُ بِمُجَرَّدِ الرِّدَّةِ حَتَّى يَتَّصِلَ بِهَا الْمَوْتُ وَالْجَوَابُ لِمَالِكٍ ﵀ أَنَّ الْآيَةَ رُتِّبَ فِيهَا أَمْرَانِ وَهُمَا حُبُوطُ الْعَمَلِ وَالْخُلُودُ فِي النَّارِ عَلَى أَمْرَيْنِ وَهُمَا الرِّدَّةُ وَالْوَفَاةُ عَلَيْهَا فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ لِلْأَوَّلِ وَالثَّانِي لِلثَّانِي فَلَمْ يَتَعَيَّنْ صَرْفُ الْآيَةِ الْأُولَى لِلثَّانِيَةِ لِعَدَمِ التَّعَارُضِ وَلَا يَكُونَانِ مِنْ بَابِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ كَمَا لَوْ قِيلَ
فَمَنْ جَاهَدَ مِنْكُمْ فَيَمُتْ فَلَهُ الْغَنِيمَةُ وَالشَّهَادَةُ
فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ حَقٌّ وَلَيْسَ الْمَوْتُ شَرْطًا فِي الْغَنِيمَةِ إِجْمَاعًا الْحَادِي عَشَرَ فِي الْجَوَاهِرِ الشَّكُّ فِي الْحَدَثِ بعد الطَّهَارَة فِي حق غير الموسوس يوجوب الْوضُوء خلافًا ش وح وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْكِتَابِ وَرُوِيَ عَنهُ فِي غَيره الِاسْتِصْحَاب فَأَجْرَى الْقَاضِيَانِ أَبُو الْفَرَجِ وَأَبُو الْحَسَنِ وَالْأَبْهَرِيُّ رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى ظَاهِرِهَا وَحَمَلَهَا أَبُو يَعْقُوبَ الرَّازِيُّ عَلَى النَّدْبِ وَكَذَلِكَ إِذَا شَكَّ فِي الطَّهَارَةِ وَالْحَدَثِ جَمِيعًا أَوْ تَيَقُّنِهِمَا جَمِيعًا وَشَكَّ فِي الْمُتَقَدِّمِ أَوْ
стр. 213
تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ أَوْ بَعْضِهَا وَعَلِمَ تَأَخُّرَهَا أَوْ شَكَّ فِيهِ أَوْ عَلِمَ تَقَدُّمَهَا وَشَكَّ فِي طُرُوِّ الْحَدَثِ وَأَمَّا الْمُوَسْوَسُ فَأَطْلَقَ ابْنُ شَاسٍ ﵀ الْقَوْلَ بِاعْتِبَارِ أَوَّلِ خَوَاطِرِهِ لِأَنَّه حِينَئِذٍ فِي حَيِّزِ الْعُقَلَاءِ وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ وَالتُّونِسِيُّ وَاللَّخْمِيُّ إِذَا تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ تَوَضَّأَ وَإِنْ كَانَ مُوَسْوَسًا وَعَكْسُهُ يُعْفَى عَنِ الْمُوَسْوَسِ وَالْفَرْقُ اسْتِصْحَابُ الْأَصْلِ السَّابِقِ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ إِذَا تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ وَهُوَ غَيْرُ مُوَسْوَسٍ فَفِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ الْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي صَلَاةٍ أَمْ لَا وَالثَّلَاثَةُ لِمَالِكٍ ﵀ وَعِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ الشَّكُّ فِي الرِّيحِ مُلْغًى وَفِي الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ مُعْتَبَرٌ وَفَرَّقَ أَيْضًا بَيْنَ الشَّكِّ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي وَبَيْنَ الشَّكِّ فِي الْحَالِ فِي الرِّيحِ فَقَالَ فِي الْمَاضِي يَجِبُ وَفِي الْحَاضِرِ لَا يَجِبُ إِذَا كَانَ مُجْتَمِعَ الْحِسِّ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَهَذِهِ التَّفْرِقَةُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لِمَا فِي التِّرْمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ
إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَوَجَدَ ريحًا بَين ألييه فَلَا يَخْرُجْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا
قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ صَحِيحٌ فُرُوعٌ مُتَنَاقِضَةٌ قَالَ مَالِكٌ ﵀ فِيمَنْ شَكَّ فِي الطَّهَارَةِ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ فَاعْتَبَرَ الشَّكَّ وَقَالَ فِيمَنْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَأَلْغَى الشَّكَّ وَفِيمَنْ شَكَّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا يَبْنِي عَلَى ثَلَاثٍ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ فَاعْتَبَرَ الشَّكَّ وَقَالَ فِيمَنْ شَكَّ هَلْ سَهَا أَمْ لَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَأَلْغَى الشَّكَّ وَقَالَ فِيمَنْ شَكَّ هَلْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ لَا يَصُومُ فَأَلْغَاهُ وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ فِي الْمَذْهَبِ وَالشَّرِيعَةِ فَعَلَى الْفَقِيهِ أَنْ يَعْلَمَ السِّرَّ فِي ذَلِكَ قَاعِدَةٌ الْأَصْلُ أَلَّا يُعْتَبَرَ فِي الشَّرْعِ إِلَّا الْعِلْمُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ لِعَدَمِ الْخَطَأِ فِيهِ قَطْعًا لَكِنْ تَعَذَّرَ الْعِلْمُ فِي أَكْثَرِ الصُّوَرِ فَجَوَّزَ
стр. 214
الشَّرْعُ اتِّبَاعَ الظُّنُونِ لِنُدْرَةِ خَطَئِهَا وَغَلَبَةِ إِصَابَتِهَا وَبَقِيَ الشَّكُّ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ فَكُلُّ مَشْكُوكٍ فِيهِ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ وَيَجِبُ اعْتِبَارُ الْأَصْلِ السَّابِقِ عَلَى الشَّكِّ فَإِنْ شَكَكْنَا فِي السَّبَبِ لَمْ نُرَتِّبِ الْمُسَبَّبَ أَوْ فِي الشَّرْطِ لَمْ نُرَتِّبِ الْمَشْرُوطَ أَوْ فِي الْمَانِعِ لَمْ نَنْفِ الْحُكْمَ فَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا لَا تَنْتَقِضُ وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي وَجْهِ اسْتِعْمَالِهَا فالشافعي ﵀ يَقُولُ الطَّهَارَةُ مُتَيَقَّنَةٌ وَالْمَشْكُوكُ فِيهِ مُلْغًى فَنَسْتَصْحِبُهَا مَالك ﵀ يَقُولُ شُغْلُ الذِّمَّةِ بِالصَّلَاةِ مُتَيَقَّنٌ يحْتَاج إِلَى سَبَب مبرىء وَالشَّكُّ فِي الشَّرْطِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي الْمَشْرُوطِ فَيَقَعُ الشَّكُّ فِي الصَّلَاةِ الْوَاقِعَةِ بِالطَّهَارَةِ الْمَشْكُوكِ فِيهَا وَهِي السَّبَب المبرىء وَالْمَشْكُوكُ فِيهِ مُلْغًى فَيَسْتَصْحِبُ شُغْلَ الذِّمَّةِ وَكَذَلِكَ إِذَا شَكَّ فِي عَدَدِ صَلَوَاتِهِ فَقَدْ شَكَّ فِي السَّبَب المبرىء فَيَسْتَصْحِبُ شُغْلَ الذِّمَّةِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُكَلَّفُ بِسَبَبٍ مبرىء وَكَذَلِكَ الْعِصْمَةُ مُتَيَقَّنَةٌ وَالشَّكُّ فِي السَّبَبِ الْوَاقِعِ فَيَسْتَصْحِبُهَا وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْفَقِيهِ تَخْرِيجُ فُرُوعِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ تَتْمِيمٌ قَدْ يَكُونُ الشَّكُّ نَفْسُهُ سَبَبًا كَمَا يَجِبُ السُّجُودُ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى الشَّك فالسبب هَهُنَا مَعْلُومٌ وَهُوَ الشَّكُّ فَإِنَّ الشَّاكَّ يَقْطَعُ بِأَنَّهُ شَاكٌّ وَالَّذِي انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى إِلْغَائِهِ هُوَ الْمَشْكُوكُ فِيهِ لَا الشَّكُّ فَلَا يَلْتَبِسْ عَلَيْكَ ذَلِكَ فَرْعٌ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ إِذَا صَلَّى شَاكًّا فِي الطَّهَارَةِ ثُمَّ تَذَكَّرَهَا قَالَ مَالِكٌ صَلَاتُهُ تَامَّةٌ لِأَنَّ الشَّرْطَ الطَّهَارَةُ وَهِيَ حَاصِلَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ سَوَاءٌ عُلِمَتْ أَمْ لَا وَقَالَ الْأَشْهَبُ وَسَحْنُونُ هِيَ بَاطِلَةٌ لِأَنَّه غَيْرُ عَامِلٍ عَلَى قَصْدِ الصِّحَّةِ الثَّانِي عَشَرَ الْمَنِيُّ يَخْرُجُ بَعْدَ الْغَسْلِ قَالَ مَالِكٌ ﵀ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا الْوُضُوءُ وَقَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ أَوْجَبَ سُحْنُونُ مَرَّةً بِهِ الْغَسْلَ وَمَرَّةً الْوُضُوءَ وَقَالَ فِي الْجَوَاهِرِ فِي وُجُوبِهِ يَعْنِي الْوُضُوءَ قَوْلَانِ الْوُجُوبُ لِلْبَغْدَادِيِّينَ وَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ الْجَلَّابِ وَهُوَ مُلْحَقٌ بِدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ الَّذِي وَرَدَ الْحَدِيثُ فِيهِ
стр. 215
بِجَامِعِ إِيجَابِ حَيْضِهَا لِلْغُسْلِ فَكَمَا أَوْجَبَ أَحَدُهُمَا الْوُضُوءَ حَالَةَ قُصُورِهِ عَنِ الْغُسْلِ يُوجِبُ الْآخَرُ الثَّالِثَ عَشَرَ دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ يُسْتَحَبُّ مِنْهُ الْوُضُوءُ عِنْد مَالك ﵀ خلافًا ش وح وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي الرِّسَالَةِ يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ وَفِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَهْرَاقُ الدِّمَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - فَقَالَ ﵇ لِتَنْظُرْ إِلَى عَدَدِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنِّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ وَلْتَسْتَتِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ لِتُصَلِّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ زَادَ عُرْوَةُ ثُمَّ تَتَوَضَّأْ لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ اتِّفَاقُ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّهُ خَرَجَ فِي الصَّلَاةِ أَكْمَلَتْهَا وَأَجْزَأَتْ عَنْهَا قَالَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَنِيِّ الْخَارِجِ بَعْدَ الْغَسْلِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لُزُومُ الْخُرُوجِ بِخِلَافِ الْمَنِيِّ وَإِنَّمَا بَابُهُ سَلَسُ الْبَوْلِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَرَضِ وَلَوْ خَرَجَتْ فَضْلَةُ الْمَنِيِّ فِي الصَّلَاةِ أَبْطَلَتْهَا اتِّفَاقًا بِخِلَافِ سَلَسِهِ وَدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ. الرَّابِعَ عَشَرَ رَفْضُ النِّيَّةِ كَمَا إِذَا عَزَمَ عَلَى النَّوْمِ فَلَمْ يَنَمْ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ ظَاهِرُ الْكِتَابِ يَقْتَضِي عَدَمَ الْوُجُوبِ لِقَوْلِهِ فِيمَنْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ بَيْنَ فَخِذَيْهَا لَا غُسْلَ عَلَيْهِمَا إِلَّا أَنْ يُنْزِلَا وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ شَعْبَانَ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ. وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النِّيَّةِ تَخْصِيصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ تَعَالَى وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ وَالثَّانِي مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ كَجُزْءِ الطَّهَارَةِ وَذَهَابُ الْجُزْءِ يَقْتَضِي ذَهَابَ الْحَقِيقَةِ الْمُرَكَّبَةِ وَلِأَنَّ الْعَزْمَ على منافي الطَّهَارَة بنافي النِّيَّةَ الْفِعْلِيَّةَ فَأَوْلَى أَنْ يُنَافِيَ الْحُكْمِيَّةَ. الْخَامِسَ عَشَرَ رُؤْيَةُ الْمَاءِ بَعْدَ التَّيَمُّمِ وَقَبْلَ الصَّلَاةِ يُوجِبُ اسْتِعْمَالَهُ وَبُطْلَانَ الْإِبَاحَةِ السَّابِقَةِ لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ مَشْرُوطٌ بِدَوَامِ عَدَمِ الْمَاءِ إِلَى الشُّرُوعِ فِيهَا عَلَى مَا يَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 216
الْقِسْمُ الثَّانِي مَظِنَّاتُ الْأَسْبَابِ: وَالْمَظِنَّةُ فِي اللُّغَةِ وَاصْطِلَاحِ الْعُلَمَاءِ الَّتِي يُوجَدُ عِنْدَهَا الظَّنُّ مِنْ بَابِ مَقْتَلٍ وَمَضْرَبٍ الَّذِي هُوَ الْقَتْلُ وَالضَّرْبُ فَجعله مَكَان الظَّن مجَاز وَهِي ثَمَان: الْمَظِنَّةُ الْأُولَى مَسُّ الذَّكَرِ بِبَاطِنِ الْكَفِّ عِنْدَ مَالِكٍ وَبِبَاطِنِ الْأَصَابِعِ أَيْضًا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ كَمَا حَكَاهُ فِي الْكِتَابِ يُوجِبُ الْوُضُوءَ خِلَافًا ح لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ
إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ
وَقَالَ أَشْهَبُ بَاطِنُ الْأَصَابِعِ لَا يُوجِبُ وُضُوءًا وَوَجْهُ تَخْصِيصِ بَاطِنِ الْكَفِّ وَالْأَصَابِعِ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ اللَّمْسَ يَكُونُ بِهِمَا وَلِأَنَّ فِيهِمَا مِنَ اللُّطْفِ وَالْحَرَارَةِ الْمُحَرِّكَيْنِ لِلْمَذْيِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهِمَا وَلِأَنَّ الْأَصَابِعَ أَصْلُ الْيَدِ بِدَلِيلِ تَكْمِيلِ الْعَقْلِ فِيهِمَا وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ الْأَصَابِعَ أَقَلُّ حَرَارَةً وَلُطْفًا مِنْ بَاطِنِ الْكَفِّ فَلَا تلْحق بِهِ. وَلَا يشْتَرط اللَّذَّة عِنْد المغاربة وَبَعض البغدادين وَتُشْتَرَطُ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ قِيَاسًا عَلَى لَمْسِ النِّسَاءِ وَلِحَدِيث طلق قَالَ قدمنَا على سَوَّلَ الله ﷺ َ - فَجَاءَ رَجُلٌ كَأَنَّهُ بَدَوِيٌّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَرَى فِي مَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ بَعْدَ مَا يَتَوَضَّأُ فَقَالَ
(هَلْ هُوَ إِلَّا بِضْعَةٌ مِنْكَ)
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِوُجُودِ اللَّذَّةِ وَعَدَمِهَا وَعِنْدَ جَمِيع الْمَغَارِبَةِ بِتَعْيِينِ الْكَفِّ وَالْأَصَابِعِ لِلْوُجُوبِ وَقَالُوا طَلْقٌ مِنَ الْمُرْجِئَةِ فَيَسْقُطُ حَدِيثُهُ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْجمع وَقَالَ مَالك فِي العتيبة لَا يَجِبُ مِنْ مَسِّهِ وُضُوءٌ كَمَا قَالَهُ أَبُو حنيفَة وَأَوْرَدَ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى حَدِيثِ بُسْرَةَ عَشَرَةَ أَسْئِلَةٍ: أَحدهَا أَن رِوَايَة عَنْهَا مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ وَهُوَ كَانَ يُحَدِّثُ فِي زَمَانه مَنَاكِير وَلذَلِك لم يقبل طَلْحَة مِنْهُ الرِّوَايَة وَقَالَ لَا أَعْرِفُهُ. وَثَانِيهَا أَنَّهُ أَرْسَلَ رَجُلًا مِنَ الشُّرَطِ لِيَنْقُلَ لَهُ مَا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ طَلْحَة وَالرجل مَجْهُول.
стр. 217
وَثَالِثُهَا أَنَّ رَبِيعَةَ شَيْخَ مَالِكٍ ﵀ قَالَ لَوْ شَهِدَتْ بُسْرَةُ فِي بَقْلَةٍ مَا قَبِلْتُهَا. وَرَابِعُهَا رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ ﵀ أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ سُنَّةٌ فَكَيْفَ يَصِحُّ عِنْدَهُ هَذَا الْحَدِيثُ ثُمَّ يَسْتَجِيزُ هَذَا الْقَوْلَ. وَخَامِسُهَا قَوْلُ ابْنِ مَعِينٍ لَمْ يَصِحَّ فِي مَسِّ الذَّكَرِ حَدِيثٌ. وَسَادِسُهَا أَنَّ الرَّجُلَ أَوْلَى بِنَقْلِهِ مِنْ بُسْرَةَ. وَسَابِعُهَا أَنَّهُ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فَيَنْبَغِي أَنْ يُنْقَلَ مُسْتَفِيضًا وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ دَلَّ عَلَى ضَعْفِهِ. وَثَامِنُهَا إِنْكَارُ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ ﵃ لحكمه كعلي وَابْن مسعودفيقول عَليّ مَا أُبَالِي مسته أَوْ مَسِسْتُ طَرْفَ أَنْفِي وَيَقُولُ ابْنُ مَسْعُودٍ إِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْكَ نَجِسًا فَاقْطَعْهُ. وَتَاسِعُهَا سَلَّمْنَا صِحَّتَهُ لَكِنْ نَحْمِلُهُ عَلَى غَسْلِ الْيَدِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَجْمِرُونَ ثُمَّ يَعْرَقُونَ ثُمَّ يُؤْمَرُ مَنْ مَسَّ مَوْضِعَ الْحَدَثِ بِالْوُضُوءِ الَّذِي هُوَ النَّظَافَةُ. وَعَاشِرُهَا أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِحَدِيثِ طَلْقٍ وَالْقِيَاسِ عَلَى سَائِرِ الْأَعْضَاءِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ مَرْوَانَ كَانَ عَدْلًا وَلِذَلِكَ كَانَتِ الصَّحَابَةُ تَأْتَمُّ بِهِ وَتَغْشَى طَعَامَهُ وَمَا فَعَلَ شَيْئًا إِلَّا عَنِ اجْتِهَادٍ وَإِنْكَارُ عُرْوَةَ لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِ، وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ الرَّجُلَ مَعْلُومٌ عِنْدَ عُرْوَةَ وَإِلَّا لَمَا حَسُنَتْ إِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ بِهِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُرْوَةَ سَمِعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهَا. وَعَنِ الثَّالِثِ أَنَّ عَدَمَ اسْتِقْلَالِ الْمَرْأَةِ فِي الشَّهَادَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ قَبُولِ رِوَايَتِهَا وَإِلَّا لَمَا قُبِلَتْ رِوَايَةُ عَائِشَةَ ﵂. وَعَنِ الرَّابِعِ أَنَّهُ لَمْ يَطْعَنْ فِي الصِّحَّةِ وَإِنَّمَا تَرَدَّدَ فِي دَلَالَةِ اللَّفْظِ هَلْ هِيَ لِلْوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ؟
стр. 218
وَعَنِ الْخَامِسِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ فَقَدْ صَحَّ عِنْدَ غَيْرِهِ. وَعَنِ السَّادِسِ وَالسَّابِعِ أَنَّ الْخَبَرَ رَوَاهُ نَحْوُ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. وَعَنِ الثَّامِنِ أَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُمْ وَثَبَتَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ وَلَا يَجِبُ فِي الصَّحَابِيِّ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى سَائِرِ الْأَحَادِيثِ. وَعَنِ التَّاسِعِ أَنَّ لَفْظَ الشَّارِعِ إِذَا وَرَدَ حُمِلَ عَلَى عُرْفِهِ حَتَّى يَرِدَ خِلَافُهُ. وَعَنِ الْعَاشِرِ أَنَّ حَدِيثَ طَلْقٍ لَا يَصِحُّ وَالْقِيَاسُ قُبَالَةَ النَّصِّ فَاسِدٌ قَالَ صَاحِبُ الِاسْتِذْكَارِ الَّذِي تَقَرَّرَ عِنْدَ الْمَغَارِبَةِ أَنَّ مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ أُمِرَ بِالْوُضُوءِ مَا لَمْ يُصَلِّ فَإِنْ صَلَّى أُمِرَ بِالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ وَكَذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ نَافِعٍ وَأَشْهَبُ وَقَالَ سَحْنُونُ وَالْعُتْبِيُّ لَا يُعِيدُ مُطْلَقًا قَالَ اللَّخْمِيُّ الْإِعَادَةُ مُطْلَقًا رِوَايَةُ الْمَدَنِيِّينَ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْعَامِدُ يُعِيدُ مُطْلَقًا وَالنَّاسِي فِي الْوَقْتِ وَقَالَ سَحْنُونُ أَيْضًا يُعِيدُ فِي الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثِ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَسِّهِ نَاسِيًا أَوْ عَلَى ثَوْبٍ خَفِيفٍ أَوْ بِذِرَاعِهِ أَوْ بِظَاهِرِ كَفِّهِ أَوْ قَصَدَ إِلَى مَسِّهِ بِشَيْءٍ مِنْ أَعْضَائِهِ سِوَى يَدِهِ. وَتَحْصِيلُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمَغَارِبَةِ أَنَّ مَسَّهُ بِبَاطِنِ الْكَفِّ وَالْأَصَابِعِ دُونَ حَائِلٍ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَغَيْرُ ذَلِكَ لَا يَنْقُضُهُ. فِي الْجَوَاهِرِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ الْعَمَلُ مِنَ الرِّوَايَاتِ عَلَى وُجُوبِ الْوُضُوءِ مِنْهُ مِنْ فَوْقِ ثَوْبٍ أَوْ مِنْ تَحْتِهِ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ﵀ الْوُجُوبُ مِنْ فَوْقِ الْغِلَالَةِ الْخَفِيفَةِ.
стр. 219
فُرُوعٌ ثَمَانِيَةٌ: الْأَوَّلُ مِنَ الطَّرَّازِ إِذَا مَسَّهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ أَوْ بِحَرْفِ كَفِّهِ أَوْ بِأُصْبُعٍ زَائِدَةٍ انْتَقَضَ عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَفِي الْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ خِلَافٌ وَالْقِيَاسُ عَلَى سَائِرِ الْأَحْدَاثِ يَقْتَضِي أَنَّ الْقَصْدَ لَا يُشْتَرَطُ وَكَذَلِكَ عُمُومُ الْحَدِيثِ. الثَّانِي فِي الْجَوَاهِرِ لَوْ مَسَّ ذكره بعد قطعه لم ينْتَقض وضوؤه لِأَنَّه صَارَ لَيْسَ بِذَكَرٍ لَهُ وَالْحَدِيثُ إِنَّمَا وَرَدَ فِي ذَكَرِهِ وَلِذَهَابِ اللَّذَّةِ مِنْهُ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَوِ اسْتَدْخَلَتْهُ لَمْ يَجِبْ عَلَى صَاحِبِهِ غُسْلٌ. الثَّالِثُ قَالَ لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ الْخِتَانِ بِذَكَرِ الْمَخْتُونِ وَلَا بِذَكَرِ الْغَيْرِ خِلَافًا ش لِأَنَّه لَيْسَ ذَكَرًا لَهُ. الرَّابِعُ قَالَ لَا وُضُوءَ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ مَسِّ فَرْجِهَا قَالَهُ فِي الْكِتَابِ لِأَنَّ فَرْجَهَا لَيْسَ بِذَكَرٍ فَيَتَنَاوَلَهُ الْحَدِيثُ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ عَلَيْهَا الْوُضُوءَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁
(مَنْ أَفْضَى بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ)
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ قَالَ ﵇
(وَيْلٌ لِلَّذِينِ يَمَسُّونَ فُرُوجَهُمْ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ فَقُلْتُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لِلرِّجَالِ فَمَا بَالُ النِّسَاءِ فَقَالَ ﵇ إِذَا مَسَّتْ إِحْدَاكُنَّ فَرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ)
وَرُوِيَ عَنْهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ أَنْ تُلَطِّفَ وَبَيْنَ أَلَّا تُلَطِّفَ فَيَجِبُ الْوُضُوءُ مِنَ الْأَوَّلِ لِوُجُودِ اللَّذَّةِ وَسَأَلَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ مَالِكًا عَنِ الْإِلْطَافِ فَقَالَ أَنْ تُدْخِلَ يَدَهَا بَيْنَ شَفْرَيْهَا. وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي بَقَاءِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ عَلَى ظَاهِرِهَا أَوْ جَعْلِ التَّفْصِيلِ تَفْسِيرًا لِلْإِطْلَاقَيْنِ أَوْ جَعْلِ الْمَذْهَبِ عَلَى قَوْلَيْنِ النَّقْضُ مُطْلَقًا أَوِ التَّفْصِيلُ ثَلَاثَ طُرُقٍ. الْخَامِسُ قَالَ لَا يَنْتَقِضُ الْوضُوء بِمَسّ الدبر وَانْفَرَدَ حمد يس بِإِيجَاب مس
стр. 220
حَلْقَةِ الدُّبُرِ لِلْوُضُوءِ تَخْرِيجًا عَلَى إِيجَابِ مَسِّ الْمَرْأَةِ لِفَرْجِهَا وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ لَا يُوجِبُهُ. السَّادِسُ قَالَ مَسُّ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ فَرْجَهُ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَتَخَرَّجُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَن أيقين الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ عَلَى مَذْهَبِ الْمَغَارِبَةِ وَعَلَى مَذْهَبِ الْبَغْدَادِيِّينَ فِي مُرَاعَاةِ اللَّذَّةِ فَفِي أَيِّ فَرْجٍ اعْتَادَ وُجُودَهَا أَوْجَبَ الْوُضُوءَ. السَّابِعُ لَا ينتفض وُضُوءُ مَنْ مَسَّ ذَكَرَ غَيْرِهِ وَقَالَ الْأَيْلِيُّ الْبَصْرِيّ من أَصْحَابنَا ينتفض. الثَّامِنُ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِهِ قَالَ أَشْهَبُ مَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ لَا يَرَى الْوُضُوءَ مِنَ الْمُلَامَسَةِ أَعَادَ أَبَدًا وَمَنْ صَلَّى خلف من لَا يرى الْوضُوء من مس الذَّكَرِ لَمْ يُعِدْ لِأَنَّ الْوُضُوءَ مِنَ الْمُلَامَسَةِ ثَابِتٌ بِالْقُرْآنِ الْمُتَوَاتِرِ وَمِنْ مَسِّ الذَّكَرِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ وَقَالَ سَحْنُونُ يُعِيدَانِ جَمِيعًا فِي الْوَقْتِ. الْمَظِنَّةُ الثَّانِيَةُ الْمُلَامَسَةُ قَالَ فِي الْكِتَابِ مَسُّ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ لِلَذَّةٍ مِنْ فَوْقِ ثَوْبٍ أَوْ مِنْ تَحْتِهِ أَوْ قُبْلَةٌ فِي غَيْرِ الْفَمِ يُوجِبُ الْوُضُوءَ خِلَافًا ح فِي اشْتِرَاطِهِ التَّجَرُّدَ وَالتَّعَانُقَ وَالْتِقَاءَ الْفَرْجَيْنِ مَعَ الِانْتِشَارِ وَلِمَنْعِ مُحَمَّد ابْن الْحَسَنِ إِيجَابَ الْمُلَامَسَةِ مُطْلَقًا وَخِلَافًا ش فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ اللَّذَّةِ مَعَ نَقْضِهِ أَصْلَهُ بِذَوَاتِ الْمَحَارِمِ لَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وَفِي اشْتِرَاطِ اللَّذَّةِ مَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلِي وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ. وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ كُنْتُ نَائِمَةً إِلَى جَنْبِ النَّبِيِّ
стр. 221
- ﷺ َ - ففقدت رَسُول الله ﷺ َ - مِنَ اللَّيْلِ فَلَمَسْتُهُ بِيَدِي فَوَقَعْتُ عَلَى أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ الْحَدِيثَ. تَمَسَّكَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ مَنْ لَمَسَ زَوْجَتَهُ انْتَقَضَ وضوؤه بَلْ نُقِلَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُ بَعْضَ زَوْجَاتِهِ وَلَا يَتَوَضَّأُ نَقَلَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْإِفْضَاءُ وَالتَّغَشِّي وَالرَّفَثُ وَالْمُلَامَسَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى كِنَايَاتٌ عَنِ الْوَطْءِ وَلِأَنَّ السَّبَبَ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا هُوَ الْمَذْيُ وَيُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى اعْتِبَارِ مَظِنَّةٍ لَهُ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ تَمَسُّكَهُمْ بِعُمُومِ الْبَلْوَى هُنَا وَفِي مَسْأَلَةِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى يَجِبُ اشْتِهَارُهُ وَإِلَّا فَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ لِأَنَّ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبلوى يكثر السؤوال فِيهِ فَيَكْثُرُ الْجَوَابُ عَنْهُ فَيَشْتَهِرُ وَهُمْ نَقَضُوا هَذِهِ الْقَاعِدَةَ بِإِيجَابِ الْوُضُوءِ مِنَ الْحِجَامَةِ وَالدَّمِ السَّائِلِ مِنَ الْجَسَدِ وَغَيْرِهِمَا وَقَدْ كَانَ ﵇ يَتْلُو طُولَ عُمُرِهِ ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وَهُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ مُتَوَاتِرٌ. وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ الْحَدِيثَ غَيْرُ صَحِيحٍ طَعَنَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَا تُحْفَظُ وَإِنَّمَا الْمَحْفُوظُ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ. وَعَنِ الثَّالِثِ أَنَّ قَوْلَهُ مَدْفُوعٌ بِقَوْلِ عَائِشَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵃ إِنَّ الْقُبْلَةَ تُوجِبُ الْوُضُوءَ. وَعَنِ الرَّابِعِ أَنَّ مَظِنَّةَ الشَّيْءِ تُعْطِي حُكْمَ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَإِنْ أَمْكَنَ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ كَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ مَظِنَّةَ الْإِنْزَالِ أُعْطِيَ حُكْمَهُ وَالنَّوْمُ مَظِنَّةُ الْحَدَثِ وَأُعْطِيَ حُكْمَهُ مَعَ إِمْكَانِ الْوُقُوفِ عَلَيْهِ وَعَلَى رَأْيِهِمُ الْمُبَاشَرَةُ مَعَ التَّجَرُّدِ وَمَا مَعَهُ مَظِنَّةٌ أَيْضًا.
стр. 222
وَلَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَلْمُوسُ عُضْوًا أَوْ شَعْرًا مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أَجْنَبِيَّةٍ أَو محرم وَبَيْنَ قَلِيلِ الْمُبَاشَرَةِ وَغَيْرِهَا وَبَيْنَ الْيَدِ وَالْفَمِ وَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ إِذَا وُجِدَتِ اللَّذَّةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. فُرُوعٌ ثَمَانِيَةٌ: الْأَوَّلُ فِي الْجَوَاهِرِ الْقُبْلَةُ فِي الْفَمِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا اللَّذَّةُ لِأَنَّهَا لَا تَنْفَكُّ عَنْهَا غَالِبًا فَأُقِيمَتِ الْمَظِنَّةُ مَقَامَهَا وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ وُجُودُهَا كَالْمَشَقَّةِ فِي السَّفَرِ لَا نَعْتَبِرُهَا مَعَ وُجُودِ مَظِنَّتِهَا وَهِيَ الْمَسَافَةُ الْمَحْدُودَةُ لَهَا وَرُوِيَ عَنْهُ اعْتِبَارُهَا قَالَ الْبَاجِيُّ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ الْكِتَابِ. الثَّانِي إِذا وجد الملامس اللَّذَّةَ وَلَمْ يَقْصِدْهَا أَوْ قَصَدَهَا وَلَمْ يَجِدْهَا فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ عَلَى الْمَنْصُوصِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِوُجُودِ اللَّذَّةِ وَهِيَ السَّبَبُ وَأَمَّا الثَّانِي قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لِأَنَّ الْقَلْبَ الْتَذَّ لِأَجْلِ قَصْدِهِ لِذَلِكَ وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ اللَّذَّةُ لَا إِرَادَةُ اللَّذَّةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ إِذَا قَصَدَ مَسَّهَا مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ كَثِيفٍ قَالَ اللَّخْمِيُّ هَذَا يَتَخَرَّجُ عَلَى رَفْضِ الطَّهَارَةِ. وَاسْتَقْرَأَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَدَمَ النَّقْضِ هُنَا فِي مَسْأَلَةِ الرَّفْضِ وتعب بِالْفَرْقِ بِمُقَارَنَةِ الْفِعْلِ. الثَّالِثُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ إِذَا كَانَ اللَّمْسُ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ خَفِيفٍ يَصِلُ بَشَرَتَهَا إِلَى بَشَرَتِهِ وَجَبَ الْوُضُوءُ خِلَافًا ش لِوُجُودِ اللَّذَّةِ وَإِنْ كَانَ كَثِيفًا قَالَ مَالِكٌ ﵀ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونُ وَابْنُ حَبِيبٍ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ عَلَى هَذَا دَفْعًا لِلتَّنَاقُضِ قَالَ اللَّخْمِيُّ أَمَّا إِذَا ضَمَّهَا اسْتَوَى الْخَفِيفُ وَالْكَثِيفُ. الرَّابِعُ فِي الْجَوَاهِرِ الْمَلْمُوسُ إِذَا وَجَدَ اللَّذَّةَ تَوَضَّأَ خِلَافًا ش فِي أحد قوليه
стр. 223
لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا خَاطَبَ اللَّامِسَ بِقَوْلِهِ ﴿أَو لَا مستم النِّسَاء﴾ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي اللَّذَّةِ فَيَشْتَرِكَانِ فِي مُوجِبِهَا كَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَلْمُوسُ لَذَّةً فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَقْصِدَ فَيَكُونُ لَامِسًا فِي الْحُكْمِ. الْخَامِسُ قَالَ لَوْ نَظَرَ فالتذ بمداومة النّظر وَلم ينتشر ذَلِكَ مِنْهُ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ السَّبَبِ الَّذِي هُوَ الْمُلَامَسَةُ وَقَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ يُؤَثِّرُ. السَّادِسُ الْإِنْعَاظُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ قَالَ مَالِكٌ ﵀ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْعَادَةَ فِيهِ غَيْرُ مُنْضَبِطَةٍ فَيُهْمَلُ بِخِلَافِ اللَّمْسِ فَإِنَّ غَالِبَهُ الْمَذْيُ قَالَ اللَّخْمِيُّ قِيلَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ لِأَنَّ غَالِبَهُ الْمَذْيُ وَأَرَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عَادَتِهِ فَإِنِ اخْتَلَفَتْ عَادَتُهُ تَوَضَّأَ أَيْضًا وَإِنْ أَنَعَظَ فِي الصَّلَاةِ وَعَادَتُهُ عَدَمُ الْمَذْيِ مَضَى عَلَيْهَا وَإِلَّا قَطَعَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْإِنْعَاظُ لَيْسَ بِالْبَيِّنِ فَإِنْ كَانَ شَأْنُهُ الْمَذْيَ بَعْدَ زَوَالِ الْإِنْعَاظِ وَأَمِنَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ أَتَمَّهَا فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلُ قَضَى الصَّلَاةَ وَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ جَرَى عَلَى الْخِلَافِ. السَّابِعُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ يَجِبُ الْوُضُوءُ مِنْ مَسِّ ظُفُرِ الزَّوْجِ وَالسِّنِّ وَالشَّعْرِ إِذَا الْتَذَّ خِلَافًا ش وَلَمْ يَرَهُ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّة فِي الشّعْر. وَالْعجب من الشَّافِعِي ﵀ أَنَّهُ نَقَضَ الْوُضُوءَ بِمَسِّ أُذُنِ الْمَيِّتَةِ وَلَمْ يَنْقُضْهُ بِمَسِّ أَظْفَارِ أَنَامِلِ الْحَيَّةِ مَعَ قَوْلِهِ إِنَّ شَعْرَ الْمَيِّتَةِ نَجِسٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا لِأَنَّ كُلَّ مُتَّصِلٍ بِالْحَيَّةِ فَهُوَ عَلَى حُكْمِهَا فَمَا بَالُهُ هُنَا لَا يَكُونُ عَلَى حُكْمِهَا لَا سِيَّمَا وَهُوَ لَا يُرَاعِي اللَّذَّةَ وَقَدِ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّهُ إِذَا قَالَ إِنْ مَسِسْتُ امْرَأَتِي فَهِيَ طَالِقٌ أَوْ عَبْدِي فَهُوَ حُرٌّ فَمَسَّ ظَفُرَهُمَا طُلِّقَتْ وَعُتِقَ الْعَبْدُ. قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ يَتَخَرَّجُ عَلَيْهَا فُرُوعُ هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ. وَهِيَ أَنَّ الشَّرْعَ إِذَا نَصَبَ سَبَبًا لِحُكْمٍ لِأَجْلِ حِكْمَةٍ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا ذَلِكَ السَّبَبُ هَلْ يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِتِلْكَ الْحِكْمَةِ لِأَنَّهَا سَبَبُ جَعْلِ السَّبَبِ سَبَبًا وَالْأَصْلُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْفَرْع أَولا يَجُوزُ ذَلِكَ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّ حِكْمَةَ جَعْلِ السَّرِقَةِ سَبَبَ الْقَطْعِ صَوْنُ الْأَمْوَالِ وَحِكْمَةَ جَعْلِ الْإِحْصَانِ مَعَ الزِّنَا سَبَبَ الرَّجْمِ
стр. 224
صَوْنُ الْأَنْسَابِ وَحِكْمَةَ جَعْلِ الْمَسَافَةِ الْمُعَيَّنَةِ فِي السَّفَرِ سَبَبَ الْقَصْرِ الْمَشَقَّةُ وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا مَعَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَنْعِ تَرْتِيبِ أَحْكَامِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ بِدُونِهَا وَإِنْ وُجِدَتِ الْحِكَمُ فَكَذَلِكَ هُنَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى اللَّمْسَ سَبَبًا لِلْوُضُوءِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى اللَّذَّةِ فَهَلْ يَجُوزُ اتِّبَاعُ اللَّذَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ كَمَا فِي التَّذَكُّرِ وَالْإِنْعَاظِ أَولا يُرَاعَى ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ حَتَّى لَا يُوجِبَ الْوُضُوءَ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ وَإِنْ رَقَّ أَوْ يَتَوَسَّطَ بَيْنَ الرُّتْبَتَيْنِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. تَمْهِيدٌ يَظْهَرُ مِنْهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ. أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَطَفَ الْمُلَامَسَةَ عَلَى الْمَجِيءِ مِنَ الْغَائِطِ وَالَّذِي يُفْعَلُ فِي الْغَائِطِ لَا يُوجِبُ غَسْلًا فَتُحْمَلُ عَلَى مَا لَا يُوجِبُ غَسْلًا تَسْوِيَةً بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَإِن كُنْتُم جنبا فاطهروا﴾ فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْمُلَامَسَةِ الْجِمَاعَ لَزِمَ التَّكْرَارُ وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الصِّحَاحِ إِنَّ اللَّمْسَ اللَّمْسُ بِالْيَدِ يُقَالُ لَمَسَهُ يَلْمِسُهُ بِضَمِّ الْمِيمِ فِي الْمُضَارِعِ وَبِكَسْرِهَا. وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَلِأَنَّ أَئِمَّةَ اللُّغَةِ قَالُوا اللَّمْسُ الطَّلَبُ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇
(الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ)
وقَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الْجَانِّ ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ أَي طلبناها. وَلَمَّا كَانَتِ النِّسَاءُ تُلْمَسُ طَلَبًا لِلَّذَّةِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَو لامستم النِّسَاء﴾ وَالْأَصْلُ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ فَيَكُونُ هَذَا نَصًّا عَلَى إِبْطَالِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَعَلَى اشْتِرَاطِ اللَّذَّةِ وَالطَّلَبِ. الْمَظِنَّةُ الثَّالِثَةُ النَّوْمُ وَلَيْسَ حَدَثًا فِي نَفْسِهِ وَنَقَلَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَوْلًا إِنَّهُ حَدَثٌ وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْمَذْهَبِ فَهُوَ يُوجِبُ الْوُضُوءَ لِكَوْنِهِ مَظِنَّةَ
стр. 225
الرِّيحِ لِقَوْلِهِ ﵇
(الْعَيْنَانِ وِكَاءُ السَّهِ فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ انْفَتَحَ الْوِكَاءُ)
عَلَى أَنَّ أَبَا عُمَرَ قَالَ فِي التَّمْهِيدِ هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ إِلَّا أَنَّ مَعْنَاهُ مَعْلُومٌ بِالْعَادَةِ وَجَرَتْ عَادَةُ الْفُقَهَاءِ بِذِكْرِهِ فَذَكَرْتُهُ. وَالْوِكَاءُ الْخَيْطُ الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ الشَّيْءُ وَالسَّهُ أَصله الْعَجز وَيَقُولُونَ رجل سِتَّة وَامْرَأَةٌ سَتْهَاءُ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ أَوِ الْمَرْأَةُ كَبِيرَةَ الْعَجُزِ ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ مَجَازًا فِي حَلْقَةِ الدبر وَهُوَ المُرَاد هَهُنَا وَأَصْلُ اللَّفْظَةِ سَتَهٍ مِثْلَ قَلَمٍ فَحُذِفَتِ التَّاءُ الَّتِي هِيَ عَيْنُ الْكَلِمَةِ فَبَقِيَ سَهُ وَيُرْوَى بِحَذْفِ لَامِ الْكَلِمَةِ الَّتِي هِيَ الْهَاءُ وَإِثْبَاتِ الْعَيْنِ الَّتِي هِيَ التَّاءُ. فَشَبَّهَ ﵇ الْإِنْسَانَ بِزِقٍّ مَفْتُوحٍ لَا يَمْنَعُ خُرُوجَ الرِّيحَ مِنْهُ إِلَّا الْحَوَاسُّ وَذَهَابُهَا بِمَنْزِلَةِ ذَهَابِ الْخَيْطِ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الزِّقُّ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي النَّوْمِ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةٌ فَضَبَطَهُ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ بِالزَّمَانِ وَكَيْفِيَّةِ النَّوْمِ فَقَالَ طَوِيلٌ ثَقِيلٌ نَاقِضٌ بِلَا خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ وَقَصِيرٌ خَفِيفٌ غَيْرُ نَاقِضٍ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْهُ وَخَفِيفٌ طَوِيلٌ يُسْتَحَبُّ مِنْهُ الْوُضُوءُ وَثَقِيلٌ قَصِيرٌ فِيهِ قَوْلَانِ: وَضَبَطَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَمِيدِ بِهَيْئَةِ النَّائِمِ فَإِن كَانَ يُتَهَيَّأُ مِنْهُ الْخُرُوجُ مَعَ الطُّولِ نَقَضَ كَالرَّاقِدِ وَعَكْسُهُ كَالْقَائِمِ وَالْمُحْتَبِي لَا يَنْقُضُ وَإِنْ كَانَ الطُّولُ فَقَطْ كَالْحَالَتَيْنِ مُسْتَنِدًا وَعَكْسُهُ كَالرَّاكِعِ فَفِيهِمَا قَوْلَانِ وَهَذَا الضَّبْطُ أَشْبَهُ بِرِوَايَاتِ الْكِتَابِ وَمَقْصُودُ الْجَمِيعِ مَظِنَّةُ الْخُرُوجِ فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ خَرَجَ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ انْتَقَضَ وَعَكْسُهُ لَا يَنْتَقِضُ وَإِنِ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فَهُوَ كَالشَّاكِّ فِي انْتِقَاضِ وُضُوئِهِ. وَهَذَا الْكَلَامُ عَلَى النَّوْمِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ فَلْنَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ التَّفْصِيلِ فَنَقُولُ: لِلنَّائِمِ إِحْدَى عَشْرَةَ حَالَةً: الْأُولَى السَّاجِدُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ إِذَا اسْتَثْقَلَ خِلَافًا
стр. 226
ح لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم﴾ الْآيَةَ قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ مَعْنَاهُ قُمْتُمْ مِنَ الْمَضَاجِعِ فَجَعَلَ النَّوْمَ سَبَبًا وَاخْتَارَ هَذَا التَّفْسِيرَ مَالِكٌ ﵀ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرِ النَّوْمَ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ فَوَجَبَ حَمْلُ هَذَا عَلَيْهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ إِذَا أَرَدْتُمُ الْقِيَامَ لِلصَّلَاةِ مُحْدِثِينَ عَلَى أَيِّ حَالَةٍ كُنْتُمْ لِمَا فِي أَبِي دَاوُدَ لِمَا قِيلَ لَهُ ﵇ صَلَّيْتَ وَقَدْ نِمْتَ فَقَالَ ﵇
(تَنَامُ عَيْنِي وَلَا يَنَامُ قَلْبِي)
فَلَوْ كَانَ نَوْمُ الْقَلْبِ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْوُضُوءِ لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْكَلَامِ مَعْنًى الثَّانِيَةُ الرَّاكِعُ إِذَا اسْتَثْقَلَ نوماُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ خِلَافًا ح لِمَا سَبَقَ الثَّالِثَةُ الْمُضْطَجِعُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ رَاعَى مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ الِاسْتِثْقَالَ فِي الِاضْطِجَاعِ وَلَمْ يَرَهُ الْقَاضِي فِي التَّلْقِين هَهُنَا وَلَا فِي السُّجُودِ الرَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ الرَّاكِبُ وَالْجَالِسُ قَالَ فِي الْكِتَابِ إِذَا اسْتَثْقَلَ وَطَالَ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ وَإِلَّا فَلَا قَالَ وَبَيْنَ الْعِشَائَيْنِ طَوِيلٌ خلافًا ش وح قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا وُضُوءَ عَلَى الرَّاكِبِ وَالرَّاكِعِ وَالْجَالِسِ إِنْ كَانَ غَيْرَ مُسْتَنِدٍ وَمُرَاعَاةُ الشَّافِعِيَّةِ انْضِمَامَ الْمَخْرَجِ مِنَ الْجَالِسِ فِي عَدَمِ الْإِيجَابِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّه إِذَا ضَعُفَتِ الْقُوَّةُ الْمَاسِكَةُ وَانْصَبَّ الرِّيحُ إِلَى الْمَخْرَجِ لَمْ يَمْنَعْهُ الِانْضِمَامُ فَإِنَّ الرِّيحَ أَلْطَفُ مِنَ الْمَاءِ وَالْمَاءُ لَا يَنْضَبِطُ بِسَبَبِ الضَّمِّ فَالرِّيحُ أَوْلَى بِذَلِكَ. السَّادِسَةُ الْمُحْتَبِي قَالَ فِي الْكِتَابِ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ لِأَنَّه لَا يَثْبُتُ لَوِ اسْتَثْقَلَ بِخِلَافِ الْجَالِسِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ فَرَّقَ مَالِكٌ ﵀ فِي الْعُتْبِيَّةِ بَيْنَ مَنْ نَامَ قَاعِدًا وَطَالَ فِي انْتِظَارِ الصَّلَاةِ وَبَين من لَا ينتظرها وَقيل لَهُ وَبِمَا رَأَى الرُّؤْيَا قَالَ ذَلِكَ أَحْلَامٌ لِأَنَّ مُنْتَظِرَ الصَّلَاةِ لَا يُمَكِّنُ نَفْسَهُ مِنْ كَمَالِ النَّوْمِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَهُوَ ضَرُورَةٌ تَحْصُلُ لِلنَّاسِ فِي انْتِظَارِ الصَّلَاةِ وَالْحُلْمُ قَدْ يَكُونُ
стр. 227
حَدِيثَ النَّفْسِ وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا يَحْصُلُ مَعَ خِفَّةِ النَّوْمِ وَلِذَلِكَ تَكْثُرُ الرُّؤْيَا آخِرَ اللَّيْلِ بَعْدَ أَخْذِ النَّهْمَةِ مِنَ النَّوْمِ. فَرْعٌ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ إِذَا سَقَطَ الْمُحْتَبِي قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ من أَصْحَاب الشَّافِعِي إِذَا زَالَتْ أَلْيَتَاهُ أَوْ إِحْدَاهُمَا قَبْلَ انْتِبَاهِهِ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهُ وَإِنِ انْتَبَهَ لِزَوَالِهِمَا لَمْ تَنْتَقِضْ قَالَ وَهَذَا حَسَنٌ. قَالَ صَاحِبُ التَّنْبِيهَاتِ الْمُحْتَبِي هُوَ الْجَالِسُ قَائِمَ الرُّكْبَتَيْنِ جَامِعًا يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ بِالتَّشْبِيكِ وَالْمَسْكِ. السَّابِعَةُ الْمُسْتَنِدُ قَالَ الْقَاضِي فِي الْإِشْرَافِ هُوَ عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ كَالْجَالِسِ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ وَلَا يُعَرُّونَ عَنِ النَّوْمِ وَالِاسْتِنَادُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ هُوَ كَالْمُضْطَجِعِ لِأَنَّه بِاسْتِنَادِهِ خَرَجَ عَنْ هَيْئَةِ الْجُلُوسِ مُعْتَمِدَ الْأَعْضَاءِ مُنَحِّلَهَا قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَهَذَا أَحْسَنُ. الثَّامِنَةُ الْقَائِمُ. التَّاسِعَةُ الْمَاشِي. الْعَاشِرَةُ الْمُسْتَنِدُ الْقَائِمُ قَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ مَا اسْتَثْقَلَ نَوْمًا فِي هَذِهِ الْحَالَاتِ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَإِلَّا فَلَا. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ إِذَا اسْتَثْفَرَ وَارْتَبَطَ ثُمَّ نَامَ قَالَ الطَّرْطُوشِيُّ الَّذِي يَأْتِي عَلَى الْمَذْهَبِ أَنْ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ. فَائِدَةٌ الْفَرْقُ بَيْنَ السِّنَةِ وَالْغَفْوَةِ وَالنَّوْمِ أَنَّ الْأَبْخِرَةَ مُتَصَاعِدَةٌ عَلَى الدَّوَامِ فِي الْجَسَدِ إِلَى الدِّمَاغِ فَمَتَى صَادَفَتْ مِنْهُ فُتُورًا أَوْ إِعْيَاءً اسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ مَعْدِنُ الْحِسِّ وَالْحَرَكَةِ فَيَحْصُلُ فِيهِ فُتُورٌ وَهُوَ السِّنَةُ فَإِنْ عَمَّ الِاسْتِيلَاءُ حَاسَّةَ الْبَصَرِ فَهُوَ غَفْوَةٌ وَإِنْ عَمَّ جَمِيعَ الْجَسَدِ فَهُوَ نَوْمٌ مُسْتَثْقَلٌ. وَالْأَوَّلَانِ لَا وُضُوءَ فِيهِمَا لِمَا فِي مُسْلِمٍ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ َ - ينامون ثمَّ يصلونَ وَلَا يتوضؤن وَمِنْهُ أَيْضًا أَعْتَمَّ النَّبِيُّ ﵇ ذَاتَ لَيْلَةٍ بِالْعِشَاءِ حَتَّى
стр. 228
رَقَدَ النَّاسُ وَاسْتَيْقَظُوا وَرَقَدُوا وَاسْتَيْقَظُوا فَقَامَ عُمَرُ ﵁ وَقَالَ الصَّلَاةَ وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي هَذَا كَثِيرَة وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ مَنْ نَامَ عَلَى هَيْئَةٍ مِنْ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ اخْتِيَارًا مِثْلَ الرَّاكِعِ وَالْقَائِمِ وَالسَّاجِدِ وَالْجَالِسِ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى الْمُضْطَجِعِ وَالْمَائِلِ وَالْمُسْتَنِدِ مُحْتَجًّا بِمَا يُرْوَى فِي التِّرْمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ نَامَ وَهُوَ سَاجِدٌ حَتَّى غَطَّ وَنَفَخَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ قَدْ نِمْتَ فَقَالَ إِنَّ الْوُضُوءَ لَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا فَإِنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ وَضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَنْكَرَهُ. الْمَظِنَّةُ الرَّابِعَةُ الْخَنْقُ مِنَ الْجِنِّ قَالَ فِي الْكِتَابِ يُوجِبُ الْوُضُوءَ دُونَ الْغَسْلِ سَوَاءٌ كَانَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا لِشِدَّةِ اسْتِيلَائِهِ عَلَى الْحَوَاسِّ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ حَالَاتِهِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُوجِبُ الْغَسْلَ إِنْ دَامَ يَوْمًا أَو أَيَّامًا قَالَ الشَّافِعِي ﵀ قِيلَ مَا جُنَّ إِنْسَانٌ إِلَّا أَنْزَلَ. الْمَظِنَّةُ الْخَامِسَةُ الْإِغْمَاءُ يُوجِبُ الْوُضُوءَ لِمَا سَلَفَ قَالَهُ فِي الْكِتَابِ. الْمَظِنَّةُ السَّادِسَةُ ذَهَابُ الْعَقْلِ بِالْجُنُونِ لَا بِالْجِنِّ قَالَ فِي الْكِتَابِ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ. الْمَظِنَّةُ السَّابِعَةُ السُّكْرُ قَالَ فِي الْكِتَابِ يُوجِبُ الْوُضُوءَ فَإِنَّ النُّصُوصَ الْمُوجِبَةَ لِلْوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ تُوجِبُهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَوْ رُدُّوا لِإِحْسَاسِهِمْ لَمْ يَرْجِعُوا بِخِلَافِ النَّائِمِ. الْمَظِنَّةُ الثَّامِنَةُ الْهَمُّ الْمُذْهِبُ لِلْعَقْلِ بِغَلَبَتِهِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ قِيلَ لَهُ هُوَ قَاعِدٌ قَالَ أُحِبُّ أَنْ يَتَوَضَّأَ قَالَ يَحْتَمِلُ الِاسْتِحْبَابُ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِالْقَاعِدِ بِخِلَافِ الْمُضْطَجِعِ لِتَمَكُّنِهِ مِنَ الْأَرْضِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا فِيهِمَا فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ مُوجبا للْوُضُوء عندنَا. تزييل وَقَعَ بَيْنِي وَبَيْنَ بَعْضِ فُضَلَاءِ الشَّافِعِيَّةِ خِلَافٌ هَلْ هَذِهِ الْأُمُورُ نَوَاقِضُ لِلطَّهَارَةِ أَوْ مُوجِبَاتٌ لِلْوُضُوءِ وَالْتَزَمْتُ أَنَّهَا مُوجِبَاتٌ.
стр. 229
وَيَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ قَطُّ ثُمَّ أَرَادَ الصَّلَاةَ فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْوُضُوءِ إِجْمَاعًا وَيَبْقَى الْخِلَافُ فِي مُدْرِكِ هَذَا الْوُجُوبِ فَإِنَّا قُلْنَا إِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مُوجِبَةٌ فَسَبَبُ هَذَا الْأَمْرِ مَا تَقَدَّمَ مِنْهُ مِنَ الْإِحْدَاثِ وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهَا لَيْسَتْ مُوجِبَةً بَلْ نَاقِضَةٌ لِلطَّهَارَةِ فَلَا عِبْرَةَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ إِحْدَاثِهِ لِأَنَّهَا لَمْ تَرِدْ عَلَى طَهَارَةٍ فَتَنْقُضَهَا وَيَجِبُ الْوُضُوءُ لِكَوْنِهِ شَرْطًا فِي الصَّلَاةِ كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ. وَأَكْثَرُ عِبَارَاتِ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا مُوجِبَةٌ لِلْوُضُوءِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إِنَّهَا نَاقِضَةٌ لِلطَّهَارَةِ وَجَمَعَ الْقَاضِي فِي التَّلْقِينِ بَيْنَهُمَا فَقَالَ بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ وَيَنْقُضُهُ بَعْدَ صِحَّتِهِ وَالْخِلَافُ يَرْجِعُ إِلَى مُدْرِكِ الْحُكْمِ لَا الْحُكْمِ. فَصْلٌ فِي مُوجِبَاتٍ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَهِيَ نَحْوُ عَشْرَةٍ: الْأَوَّلُ مَسُّ الدُّبُرِ وَيُسَمَّى الشَّرَجَ بِفَتْحِ الشِّينِ وَفَتْحِ الرَّاءِ تَشْبِيهًا لَهُ بِشَرَجِ السُّفْرَةِ الَّتِي يُؤْكَلُ عَلَيْهَا وَهُوَ مُجْتَمَعُهَا وَكَذَلِكَ تُسَمَّى الْمَجَرَّةُ شَرَجَ السَّمَاءِ عَلَى أَنَّهَا بَابُهَا وَمُجْتَمَعُهَا وَمَسُّهُ لَا يُوجب الْوضُوء خلافًا ش وَحمد يس مِنْ أَصْحَابِنَا. الثَّانِي الْأُنْثَيَانِ لَا يُوجِبُ مَسُّهُمَا وضُوءًا خلافًا لعروة بن الزبير لاندارجهما فِي مَعْنَى الْفَرْجِ عِنْدَهُ. الثَّالِثُ الْأَرْفَاغُ وَاحِدُهَا رُفْغٌ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ طَيُّ أَصْلَيِ الْعَجُزِ مِمَّا يَلِي الْجَوْفَ وَيُقَالُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَقِيلَ هُوَ الْعَصَبُ الَّذِي بَيْنَ الشَّرَجِ وَالذَّكَرِ قَالَ الْقَاضِيَ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَمَسُّهَا لَيْسَ بِشَيْءٍ فَلَا يُوجِبُ وُضُوءًا خِلَافًا لِعُمَرَ ﵁ لِقَوْلِهِ ﵇
(مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ)
خَصَّهُ دُونَ سَائِرِ الْجَسَدِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ غَيْرِهِ مِنَ الْجَسَدِ فَإِنْ عَارَضُوا الْمَفْهُومَ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ فَرَّقْنَا بِأَنَّهُ سَبَبُ الْمَذْيِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
стр. 230
الرَّابِعُ مَسُّ ذَكَرِ الصَّبِيِّ وَفَرْجِ الصَّبِيَّةِ لَا يُوجِبُ وُضُوءًا خِلَافًا ش لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مَظِنَّةَ اللَّذَّةِ. الْخَامِسُ فَرْجُ الْبَهِيمَةِ لَا يُوجِبُ وُضُوءًا خِلَافًا لِلَّيْثِ لِأَنَّه لَيْسَ مَظِنَّةَ اللَّذَّةِ. السَّادِسُ الدَّمُ يَخْرُجُ مِنَ الدُّبُرِ أَوِ الْحَصَا أَوِ الدُّود لَا يُوجب وضُوءًا خلافًا ش وح لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُم من الْغَائِط﴾ وَخِطَابُ الشَّارِعِ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ الْمُعْتَادِ وَهَذِهِ لَيْسَتْ مُعْتَادَةً قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يُخَالِطْهُ أَذًى قَالَ التُّونِسِيُّ وَلَوْ خَالَطَهُ الْأَذَى لَكَانَ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّه غَيْرُ مُعْتَادٍ. وَحَصَى الْإِحْلِيلِ إِنْ خَرَجَ عُقَيْبَهُ بَوْلٌ تَوَضَّأَ وَإِلَّا فَلَا وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مَنْ خَرَجَ مِنْ دُبُرِهِ دَمٌ صَافٍ أَوْ دُودٌ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ. السَّابِعُ أَكْلُ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ أَوْ شُرْبُهُ لَا يُوجِبُ وُضُوءًا خِلَافًا لِأَحْمَدَ فِي لُحُومِ الْإِبِلِ وَلِعَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَجَمَاعَةٍ مَعَهُمَا ﵃ أَجْمَعِينَ لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ ﵇ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي الْوُضُوءِ فَمَحْمُولَةٌ عَلَى الْوُضُوءِ اللُّغَوِيِّ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ. الثَّامِنُ الْقَهْقَهَةُ لَا تُوجِبُ الْوُضُوءَ خِلَافًا ح لِأَنَّهَا لَا تُوجِبُهُ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَلَا تُوجِبُهُ دَاخِلَهَا قِيَاسًا عَلَى الْعُطَاسِ وَالسُّعَالِ أَوْ نَقُولُ لَوْ أَوْجَبَتْهُ دَاخِلَ الصَّلَاةِ لَأَوْجَبَتْهُ خَارِجَ الصَّلَاةِ قِيَاسًا عَلَى الرِّيحِ وَأَمَّا مَا يُرْوَى عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ فَدَخَلَ رَجُلٌ فِي بَصَرِهِ ضُرٌّ فَتَرَدَّى فِي حُفَيْرَةٍ كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ فَضَحِكَ طَوَائِفُ مِنْهُمْ فَلَمَّا قَضَى ﵇ أَمَرَ كُلَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ ضَحِكَ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ فَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ لَا يَصِحُّ مِنْ أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ
стр. 231
وَلَوْ سَلَّمْنَا صِحَّتَهُ فَهِيَ قَضِيَّةُ عَيْنٍ يُحْتَمَلُ أَنَّ بَعْضَهُمْ خَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ فَأَرَادَ ﵇ سَتْرَهُ بِذَلِكَ. التَّاسِعُ الْقَيْءُ وَالْقَلْسُ وَالْحِجَامَةُ وَالْفَصَادَةُ وَالْخَارِجُ مِنَ الْجَسَدِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ لَا تُوجِبُ وُضُوءًا خِلَافًا ح لِأَنَّ مَا يُرْوَى عَنْهُ ﵇
(الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمٍ سَائِلٍ)
وَمِنْ قَوْلِهِ
(إِذَا رَعَفَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَغْسِلْ عَنْهُ الدَّمَ ثُمَّ لْيُعِدْ وُضُوءَهُ وَلْيَسْتَقْبِلْ صَلَاتَهُ)
وَمِنْ قَوْلِهِ ﵇
(إِذَا قَاءَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ)
أَوْ قَلَسَ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ لَا يَثْبُتُ مِنْهَا شَيْءٌ. وَالْقِيَاسُ عَلَى الْإِحْدَاثِ بِجَامِعِ النَّجَاسَةِ مَمْنُوعٌ فَإِنَّهُ تَعَبُّدٌ لِإِيجَابِ الْغَسْلِ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ لِغَيْرِ الْمُتَنَجِّسِ وَالْقِيَاسُ فِي التَّعَبُّدِ مُتَعَذِّرٌ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ. الْعَاشِرُ ذَبْحُ الْبَهَائِمِ وَمَسُّ الصُّلْبِ وَالْأَوْتَانِ وَالْكَلِمَةُ الْقَبِيحَةُ وَالنَّظَرُ لِلشَّهْوَةِ وَقَلْعُ الضِّرْسِ وَإِنْشَادُ الشِّعْرِ وَالتَّقْطِيرُ فِي الْمَخْرَجَيْنِ أَوْ إِدْخَالُ شَيْءٍ فِيهِمَا أَوْ أَذَى مُسْلِمٍ أَوْ حَمْلُ مَيِّتٍ أَوْ وَطْءُ نَجَاسَةٍ رَطْبَةٍ لَا تُوجِبُ وُضُوءًا خِلَافًا لِقَوْمٍ عَمَلًا بِالْأَصْلِ حَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي مَرَاتِبِ الْإِجْمَاعِ. تَنْقِيحٌ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْوُضُوءِ مِمَّا يَحْصُلُ فِي الْغَائِطِ بِقَوْلِهِ ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِط﴾ قَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ هُوَ الْخَارِجُ النَّجِسُ الْمُوجِبُ لِاسْتِخْبَاثِ جُمْلَةِ الْجَسَدِ كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ كَانَ بِهِ بَرَصٌ أَوْ جُذَامٌ بِبَعْضِ أَعْضَائِهِ كُرِهَتْ جُمْلَتُهُ عُرْفًا فَكَذَلِكَ يُسْتَخْبَثُ شَرْعًا فَيَلْحَقُ بِهِ كُلُّ خَارِجٍ نَجِسٍ كَالْحِجَامَةِ وَنَحْوهَا. وَقَالَ الشَّافِعِي رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ الْمُعْتَبَرُ الْمَخْرَجُ لِأَنَّه هُوَ الْمَفْهُومُ الْمُطَّرِدُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُم من الْغَائِط﴾ أَيْ مَا خَرَجَ مِنْ هَذَيْنِ الْمَخْرَجَيْنِ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ كَانَ طَاهِرًا أَوْ نَجِسًا مُعْتَادًا أَوْ نَادرا.
стр. 232
وَقَالَ مَالِكٌ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ الْمُعْتَبَرُ الْخَارِجُ وَالْمَخْرَجُ الْمُعْتَادَانِ اللَّذَانِ يُفْهَمَانِ مِنَ الْآيَةِ وَهُمَا تَعَبُّدَانِ لَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِمَا بَلْ يُقْتَصَرُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ أَخْذِ مَحَلِّ الْحُكْمِ قَيْدًا فِي الْعِلَّةِ الَّذِي هُوَ مُنْكَرٌ بَلْ هَذَا مِنْ بَابِ الِاقْتِصَارِ عَلَى مَحَلِّ الْحُكْمِ لِتَعَذُّرِ التَّصَرُّفِ فِيهِ وَالنَّقْلِ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ. تَفْرِيعٌ فِي الْجَوَاهِرِ كُلُّ سَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُعْتَبَرَةِ يَمْنَعُ مِنَ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَسُجُودِ السَّهْوِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ أَوْ جِلْدِهِ أَوْ حَوَاشِيهِ أَوْ بِقَضِيبٍ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ اللَّمْسِ عُرْفًا لِلِاتِّصَالِ وَكَذَلِكَ حَمْلُهُ فِي خَرِيطَةٍ أَوْ بِعَلَاقَةٍ أَوْ صُنْدُوقٍ مَقْصُودٍ لَهُ. وَلَا بَأْسَ بِحَمْلِهِ فِي وِعَاءٍ مَقْصُودٍ لِغَيْرِهِ أَوْ مَسِّ كُتُبِ التَّفْسِيرِ أَوِ الْفِقْهِ الْمُتَضَمِّنَةِ لَهُ لِأَنَّهَا الْمَقْصُودُ دُونَهُ وَكَذَلِكَ الدِّرْهَمُ عَلَيْهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ مَنَعَهُ بَعْضُهُمْ تَعْظِيمًا لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا مُعَلِّمُ الصِّبْيَانِ فَلَا يُكَلَّفُ الطَّهَارَةَ لِمَسِّ الْأَلْوَاحِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ وَلَمْ يَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَاسْتَحَبَّ أَيْضًا لِلصِّبْيَانِ مَسَّ الْأَجْزَاءِ أَوِ اللَّوْحِ عَلَى وُضُوءٍ وَكَرِهَ لَهُمْ مَسَّ جُمْلَةِ الْمُصْحَفِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ. وَلِمَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ يُعَلَّقُ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ وَالصَّبِيِّ فِي الْعُنُقِ إِذَا احْتُرِزَ عَلَيْهِ أَوْ جُعِلَ فِي شَيْءٍ يُكِنُّهُ وَلَا يُعَلَّقُ بِغَيْرِ مَا يُكِنُّهُ. وَكَذَلِكَ يُكْتَبُ لِلْحُمَّى قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ لِأَنَّه خَرَجَ عَنْ هَيْئَةِ الْمُصْحَفِ وَصَارَ كَكُتُبِ التَّفْسِيرِ يَحْمِلُهَا الْمُحْدِثُ. وَالْأَصْلُ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ أَمَّا الْكتاب فَقَوله تَعَالَى ﴿إِنَّه
стр. 233
لقرآن كريم فِي كتاب مَكْنُون لَا يمسهُ إِلَّا الْمُطهرُونَ﴾ وَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ أَنَّهُ تَعَالَى نَهَى عَنْ مُلَامَسَةِ الْقُرْآنِ وَمَسِّهِ لِغَيْرِ الطَّاهِرَيْنِ إِجْلَالًا وَالْمُحْدِثُ لَيْسَ بِطَاهِرٍ فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ مَسِّهِ وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهَا صِيغَةُ حَصْرٍ تَقْتَضِي حَصْرَ الْجَوَازِ فِي الْمُتَطَهِّرِينَ وَعُمُومَ سَلْبِهِ فِي غَيْرِهِمْ وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّخْصِيصِ فَيَحْصُلُ الْمَطْلُوبُ. فَإِنْ قِيلَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ نَهْيٌ وَإِلَّا لَكَانَتْ مَجْزُومَةَ الْأَجْزَاءِ وَمُؤَكَّدَةً بِنُونِ التَّأْكِيدِ. سَلَّمْنَا لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُطَهَّرِينَ أَهْلُ الْأَرْضِ بَلْ أَهْلُ السَّمَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي عبس ﴿بأيدي سفرة كرام بررة﴾ سُورَة عِيسَى ١٥ ١٦. سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ أَهْلُ الْأَرْضِ لَكِنِ الْمُطَهَّرُونَ عَامٌّ فِي الْمُطَهَّرِ مُطْلَقٌ فِي التَّطْهِيرِ فَلِمَ لَا تَكْفِي الطَّهَارَةُ الْكُبْرَى وَلَا تَنْدَرِجُ الصُّغْرَى لِخِفَّتِهَا؟ وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ الصِّيغَةَ لَوْ كَانَتْ خَبَرًا لَلَزِمَ الْخُلْفُ فِيهِ لِأَنَّا نَجِدُ كَثِيرًا مِنْ غَيْرِ الطَّاهِرَيْنِ يَمَسُّهُ وَالْخُلْفُ فِي خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ نَهْيًا وَقَدْ حَكَى النُّحَاةُ فِي الْفِعْلِ الْمُشَدَّدِ الْآخِرِ أَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَحْكِيهِ حَالَةَ النَّهْيِ عَلَى الرَّفْعِ الثَّانِي سلمنَا أَنه خبر لفظا وَنهي مَعْنًى كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلين﴾ ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء﴾ وَالْمرَاد الْأَمر كَذَلِك هَهُنَا يَكُونُ الْمُرَادُ النَّهْيَ وَعَنِ الثَّانِي مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا لَوْ كَانَ الْمُرَادُ أَهْلَ السَّمَاءِ لَكَانَ يَقْضِي أَنَّ فِي السَّمَاءِ مَنْ لَيْسَ بِمُتَطَهِّرٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى أهل الأَرْض.
стр. 234
وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلْعُمُومِ فَيَشْمَلُ أَهْلَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّخْصِيصِ فَيَحْصُلُ الْمَطْلُوبُ. وَعَنِ الثَّالِثِ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ الْمُتَطَهِّرُ عَلَى أَعْلَى مَرَاتِبِهِ تَعْظِيمًا لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ ﵇ كَتَبَ كِتَابًا إِلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ بِالْيَمِينِ (أَلَّا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ) وَهَذَا الْحَدِيثُ يُؤَكِّدُ التَّمَسُّكَ بِالْآيَةِ لِأَنَّه عَلَى صِيغَتِهَا. تَحْقِيقٌ قَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ هَذِهِ النُّصُوصَ لَا تَتَنَاوَلُ الصِّبْيَانَ كَسَائِرِ التَّكَالِيفِ فَكَمَا لَا يكون تَركهم لتِلْك التكاليف رخصَة فَكَذَلِك هَهُنَا وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْ مُلَامَسَةِ الْقُرْآنِ لِغَيْرِ الْمُتَطَهِّرِ كَالنَّهْيِ عَنْ مُلَامَسَتِهِ لِغَيْرِ الطَّاهِرِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَشْعُرُ بِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْ مُلَامَسَتِهِ مَوْصُوفٌ بِالتَّكْلِيفِ أَوْ غَيْرُ مَوْصُوفٍ فَيَكُونُ الْجَوَازُ فِي الصّبيان رخصَة.
стр. 235
(الْبَابُ الثَّانِي فِي الْوُضُوءِ)
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي فَرَائِضه وَهِي سَبْعَة
وَالْوَضُوءُ بِفَتْحِ الْوَاوِ الْمَاءُ وَبِضَمِّهَا الْفِعْلُ وَحُكِيَ عَنِ الْخَلِيلِ الْفَتْحُ فِيهِمَا وَالْأَوَّلُ الْأَشْهَرُ وَكَذَلِكَ الْغُسْلُ وَالْغَسْلُ وَالطُّهُورُ وَالطَّهُورُ وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْوَضَاءَةِ وَهِيَ النَّظَافَةُ وَالْحُسْنُ وَيُقَالُ وَجْهٌ وَضِيءٌ أَيْ سَالِمٌ مِمَّا يَشِينُهُ وَلَمَّا كَانَ الْوُضُوءُ يُزِيلُ الْحَدَثَ الَّذِي هُوَ مَانِعٌ لِلصَّلَاةِ سُمِّيَ وُضُوءًا وَفِيه ثَلَاثَة فُصُول الْأَوَّلُ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَحْرِيرُهُ الثَّانِي النِّيَّةُ وَفِيهَا تِسْعَةُ أَبْحَاثٍ الْبَحْثُ الْأَوَّلُ فِي حَقِيقَتِهَا وَهِيَ قَصْدُ الْإِنْسَانِ بِقَلْبِهِ مَا يُرِيدُهُ بِفِعْلِهِ فَهِيَ مِنْ بَابِ الْعُزُومِ وَالْإِرَادَاتِ لَا مِنْ بَابِ الْعُلُومِ وَالِاعْتِقَادَاتِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْإِرَادَةِ الْمُطْلَقَةِ أَنَّ الْإِرَادَةَ قَدْ تَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الْغَيْرِ بِخِلَافِهَا كَمَا نُرِيدُ مَغْفِرَةَ اللَّهِ ﷻ وَتُسَمَّى شَهْوَةً وَلَا تُسَمَّى نِيَّةً وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَزْمِ أَنَّ الْعَزْمَ تَصْمِيمٌ عَلَى إِيقَاعِ الْفِعْلِ وَالنِّيَّةُ تَمْيِيزٌ لَهُ فَهِيَ أَخْفَضُ مِنْهُ رُتْبَةً وَسَابِقَةٌ عَلَيْهِ. الْبَحْثُ الثَّانِي فِي مَحَلِّهَا وَهُوَ الْقَلْبُ لِأَنَّه مَحَلُّ الْعَقْلِ وَالْعِلْمُ وَالْإِرَادَةُ وَالْمَيْلُ وَالنَّفْرَةُ وَالِاعْتِقَادُ. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ أَنَّ الْعَقْلَ فِي الدِّمَاغِ لَا فِي الْقَلْبِ فَيَلْزَمُ عَلَى مَذْهَبِهِ أَنَّ النِّيَّةَ فِي الدِّمَاغِ لَا فِي الْقَلْبِ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْرَاضَ كُلَّهَا أَعْرَاضُ النَّفْسِ وَالْعَقْلِ فَحَيْثُ وُجِدَتِ النَّفْسُ وُجِدَ الْجَمِيعُ قَائِمًا بِهَا فَالْعَقْلُ سَجِيَّتُهَا وَالْعُلُومُ وَالْإِرَادَاتُ صِفَاتُهَا.
стр. 236
وَيَدُلُّ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُم قُلُوب يعْقلُونَ بهَا﴾ ﴿مَا كذب الْفُؤَاد مَا رأى﴾ ﴿أُولَئِكَ كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان﴾ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قلب﴾ ﴿وَختم الله على قُلُوبهم﴾ وَلَمْ يَصِفِ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ بِالدِّمَاغِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَحَلَّهَا الْقَلْبُ وَلِذَلِكَ قَالَ الْمَازِرِيُّ أَكْثَرُ الْمُتَشَرِّعِينَ وَأَقَلُّ أَهْلِ الْفَلْسَفَةِ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ فِي الْقَلْبِ وَأَقَلُّ الْمُتَشَرِّعِينَ وَأَكْثَرُ الْفَلَاسِفَةِ عَلَى أَنَّهَا فِي الدِّمَاغِ. الْبَحْثُ الثَّالِثُ فِي دَلِيلِ وُجُوبِهَا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّين﴾ لأي يُخْلِصُونَهُ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ فَوَجَبَ أَلَّا يُبَرِّئَ الذِّمَّةَ مِنَ الْمَأْمُورِ بِهِ. وَقَوْلُهُ ﵇ فِي مُسْلِمٍ
(إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)
. وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَعْمَالَ مُعْتَبَرَةٌ بِالنِّيَّاتِ فَإِنَّ خَبَرَ الْمُبْتَدَأِ مَحْذُوفٌ وَهَذَا أَحْسَنُ مَا قُرِّرَ بِهِ فَوَجَبَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مَا لَا نِيَّةَ فِيهِ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ يَتَنَاوَلُ سَائِرَ الْأَعْمَالِ لِعُمُومِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ. وَأَمَّا آخِرُ الْحَدِيثِ فَمُشْكِلٌ لِأَجْلِ أَنَّ الشَّرْطَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ الْمَشْرُوطِ وَهُنَا اتَّحَدَ الشَّرْطُ وَالْمَشْرُوطُ لِأَنَّه إِعَادَةُ اللَّفْظ بِعَيْنِه.
стр. 237
وَتَحْقِيقُهُ أَنْ يَقُولَ مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ مُضَافَةً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي الْقَصْدِ فَهِجْرَتُهُ مَوْكُولَةٌ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي الثَّوَابِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ مُضَافَةً إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ مَوْكُولَةٌ إِلَيْهَا وَمَنْ وُكِلَ عَمَلُهُ إِلَى مَا لَا يَصْلُحُ لِلْجَزَاءِ عَلَيْهِ فَقَدْ خَابَ سَعْيُهُ نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ مِنْ كُلِّ مُوبِقَةٍ. وَإِنَّمَا قُدِّرَ مَوْكُولَةٌ لِأَنَّ خَبَرَ الْمُبْتَدَأِ إِذَا كَانَ مَجْرُورًا لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ عَامِلٍ فِيهِ وَهَذَا أَحْسَنُ مَا قُدِّرَ فَبَايَنَ الشَّرْطُ الْمَشْرُوطَ. إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي الْوُضُوءِ وَنَقَلَ الْمَازِرِيُّ عَدَمَ وُجُوبِهَا عَنْ مَالِكٍ ﵀ وَخَرَّجَ عَلَى ذَلِكَ الْغُسْلَ. الْبَحْثُ الرَّابِعُ فِي حِكْمَةِ إِيجَابِهَا وَهِيَ تَمْيِيزُ الْعِبَادَات عَن الْعَادَات ليتميز مَا لله عَن مَا لَيْسَ لَهُ أَوْ تَمْيِيزُ مَرَاتِبِ الْعِبَادَاتِ فِي أَنْفُسِهَا لِتَتَمَيَّزَ مُكَافَأَةُ الْعَبْدِ عَلَى فِعْلِهِ وَيَظْهَرُ قَدْرُ تَعْظِيمِهِ لِرَبِّهِ. فَمِثَالُ الْأَوَّلِ الْغُسْلُ يَكُونُ تَبَرُّدًا وَعِبَادَةً وَدَفْعُ الْأَمْوَالِ يَكُونُ صَدَقَةً شَرْعِيَّةً وَمُوَاصَلَةً عُرْفِيَّةً وَالْإِمْسَاكُ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ يَكُونُ عِبَادَةً وَحَاجَةً وَحُضُورُ الْمَسَاجِدِ يَكُونُ مَقْصُودًا لِلصَّلَاةِ وَتَفَرُّجًا يَجْرِي مَجْرَى اللَّذَّاتِ. وَمِثَالُ الْقِسْمِ الثَّانِي الصَّلَاةُ تَنْقَسِم إِلَى فرص وَمَنْدُوبٍ وَالْفَرْضُ يَنْقَسِمُ إِلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ قَضَاءً أَوْ أَدَاءً وَالْمَنْدُوبُ يَنْقَسِمُ إِلَى رَاتِبٍ كَالْعِيدَيْنِ وَالْوِتْرِ وَغَيْرِ رَاتِبٍ كَالنَّوَافِلِ. وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي قُرُبَاتِ الْمَالِ وَالصَّوْمِ وَالنُّسُكِ فَشُرِعَتِ النِّيَّةُ لِتَمْيِيزِ هَذِهِ الرُّتَبِ وَلِأَجْلِ هَذِهِ الْحِكْمَةِ تُضَافُ صَلَاةُ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالْعِيدَيْنِ إِلَى أَسْبَابِهَا لِتَمْيِيزِ رُتْبَتِهَا وَكَذَلِكَ تَتَعَيَّنُ إِضَافَةُ الْفَرَائِضِ إِلَى أَسْبَابِهَا لِتَتَمَيَّزَ لِأَنَّ تِلْكَ الْأَسْبَابَ قُرَبٌ فِي نَفْسِهَا بِخِلَافِ أَسْبَابِ الْكَفَّارَاتِ لَا تُضَافُ إِلَيْهَا لِأَنَّهَا مُسْتَوِيَةٌ.
стр. 238
وَسوى أَبُو حنيفَة ﵀ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ فِي عَدَمِ الْإِضَافَةِ إِلَى الْأَسْبَابِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَا ذَكَرْنَاهُ لَا سِيَّمَا وَمُعْظَمُ أَسْبَابِ الْكَفَّارَاتِ جِنَايَاتٌ لَا قُرُبَاتٌ وَاسْتِحْضَارُهَا حَالَةَ التَّقَرُّبِ لَيْسَ بِحَسَنٍ وَأَمَّا الصَّلَوَاتُ فَكُلُّهَا مُخْتَلِفَةٌ حَتَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ بِقَصْرِ الْقِرَاءَةِ فِي الْعَصْرِ وَطُولِهَا فِي الظُّهْرِ. وَهَذِهِ الْحِكْمَةُ قَدِ اعْتُبِرَتْ فِي سِتِّ قَوَاعِدَ فِي الشَّرِيعَةِ فَنَذْكُرُهَا لِيَتَّضِحَ لِلْفَقِيهِ سِرُّ الشَّرِيعَةِ فِي ذَلِكَ. وَهِيَ الْقُرُبَاتُ وَالْأَلْفَاظُ وَالْمَقَاصِدُ وَالنُّقُودُ وَالْحُقُوقُ وَالتَّصَرُّفَاتُ. الْقَاعِدَةُ الْأُولَى الْقُرُبَاتُ فَالَّتِي لَا لَبْسَ فِيهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ كَالْإِيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى وَتَعْظِيمِهِ وَإِجْلَالِهِ وَالْخَوْفِ مِنْ نِقَمِهِ وَالرَّجَاءِ لِنِعَمِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى كَرَمِهِ وَالْحَيَاءِ مِنْ جَلَالِهِ وَالْمَحَبَّةِ لِجَمَالِهِ وَالْمَهَابَةِ مِنْ سُلْطَانِهِ. وَكَذَلِكَ التَّسْبِيحُ وَالتَّهْلِيلُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَسَائِرُ الْأَذْكَارِ فَإِنَّهَا مُتَمَيِّزَةٌ لِجَنَابِهِ وَكَذَلِكَ النِّيَّةُ مُنْصَرِفَةٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِصُورَتِهَا فَلَا جَرَمَ لَمْ تَفْتَقِرْ إِلَى نِيَّةٍ أُخْرَى وَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّعْلِيلِ بِأَنَّهَا لَوِ افْتَقَرَتْ إِلَى نِيَّةٍ لَلَزِمَ التَّسَلْسُلُ وَلِذَلِكَ يُثَابُ الْإِنْسَانُ عَلَى نِيَّةٍ مُفْرَدَةٍ وَلَا يُثَابُ عَلَى الْفِعْلِ مُفْرَدًا لِانْصِرَافِهَا بِصُورَتِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْفِعْلُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ مَا لِلَّهِ وَمَا لِغَيْرِهِ وَأَمَّا كَوْنُ الْإِنْسَانِ يُثَابُ عَلَى نِيَّةٍ حَسَنَةٍ وَاحِدَةٍ وَعَلَى الْفِعْلِ عَشْرًا إِذَا نَوَى فَإِنَّ الْأَفْعَالَ مَقَاصِدُ وَالنِّيَّاتِ وَسَائِلُ وَالْوَسَائِلَ أَخْفَضُ رُتْبَةً مِنَ الْمَقَاصِدِ. الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ الْأَلْفَاظُ إِذَا كَانَتْ نُصُوصًا فِي شَيْءٍ غَيْرِ مُتَرَدِّدَةٍ لَمْ تَحْتَجْ إِلَى نِيَّةٍ لِانْصِرَافِهَا بِصَرَاحَتِهَا لِمَدْلُولَاتِهَا فَإِنْ كَانَتْ كِنَايَةً أَوْ مُشْتَرِكَةً مُتَرَدِّدَةً افْتَقَرَتْ إِلَى النِّيَّةِ. الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ الْمَقَاصِدُ مِنَ الْأَعْيَانِ فِي الْعُقُودِ إِنْ كَانَتْ مُتَعَيِّنَةً اسْتَغْنَتْ عَمَّا يُعَيِّنُهَا كَمَنِ اسْتَأْجَرَ بِسَاطًا أَوْ قَدُومًا أَوْ ثَوْبًا أَوْ عِمَامَةً لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَعْيِينِ الْمَنْفَعَةِ فِي الْعَقْدِ لِانْصِرَافِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِصُوَرِهَا إِلَى مَقَاصِدِهَا عَادَةً.
стр. 239
وَإِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ مُتَرَدِّدَةً كَالدَّابَّةِ لِلْحَمْلِ وَالرُّكُوبِ وَالْأَرْضِ لِلزَّرْعِ وَالْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ افْتَقَرَتْ إِلَى التَّعْيِينِ. الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ النُّقُودُ إِذَا كَانَ بَعْضُهَا غَالِبًا لَمْ يُحْتَجْ إِلَى تَعْيِينِهِ فِي الْعَقْدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ احْتَاجَ إِلَى التَّعْيِينِ. الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ الْحُقُوقُ إِذَا تَعَيَّنَتْ لِمُسْتَحِقِّهَا كَالدَّيْنِ الْمَنْقُولِ فَإِنَّهُ مُعَيَّنٌ لِرَبِّهِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ مِثْلَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا تَعَيَّنَتْ لَهُ كَالْإِيمَانِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ. وَإِنْ تَرَدَّدَ الْحَقُّ بَيْنَ دَيْنَيْنِ أَحَدُهُمَا بِرَهْنٍ وَالْآخَرُ بِغَيْرِ رَهْنٍ فَإِنَّ الدَّفْعَ يَفْتَقِرُ فِي تَعْيِينِ الْمَدْفُوعِ لِأَحَدِهِمَا إِلَى النِّيَّةِ. الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ التَّصَرُّفَاتُ إِذَا كَانَتْ دَائِرَةً بَيْنَ جِهَاتٍ شَتَّى لَا تَنْصَرِفُ لِجِهَةٍ إِلَّا بِنِيَّةٍ كَمَنْ أَوْصَى عَلَى أَيْتَامٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَاشْتَرَى سِلْعَةً لَا تَتَعَيَّنُ لِأَحَدِهِمْ إِلَّا بِالنِّيَّةِ وَمَتَى كَانَ التَّصَرُّفُ مُتَّحِدًا انْصَرَفَ لِجِهَتِهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ فَإِنَّ مُبَاشَرَةَ الْعَقْدِ كَافِيَةٌ فِي حُصُولِ مُلْكِهِ فِي السِّلْعَةِ وَمَنْ مَلَكَ التَّصَرُّفَ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ بِالْوَكَالَةِ لَا يَنْصَرِفُ التَّصَرُّفُ لِلْغَيْرِ إِلَّا بِالنِّيَّةِ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ أَغْلَبُ فَانْصَرَفَ التَّصَرُّفُ إِلَيْهِ وَالنِّيَّةُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ مَقْصُودُهَا التَّمْيِيزُ وَمَقْصُودُهَا فِي الْعِبَادَاتِ التَّمْيِيزُ وَالتَّقَرُّبُ مَعًا. سُؤَالٌ هَذَا التَّقْرِير يُشْكِلُ بِالتَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ مُتَمَيِّزٌ بِصُورَتِهِ لِلَّهِ ﵎ فَلِمَ افْتَقَرَ إِلَى النِّيَّةِ؟ جَوَابُهُ أَنَّ التَّيَمُّمَ خَارِجٌ عَنْ نَمَطِ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّهَا كُلَّهَا تَعْظِيمٌ وَإِجْلَالٌ وَلَيْسَ فِي مَسِّ التُّرَابِ وَمَسْحِهِ عَلَى الْوَجْهِ صُورَةُ تَعْظِيمٍ بَلْ هُوَ شِبْهُ الْعَبَثِ وَاللَّعِبِ فَاحْتَاجَ إِلَى النِّيَّةِ لِيُخْرِجَهُ مِنْ حَيِّزِ اللَّعِبِ إِلَى حَيِّزِ التَّقَرُّبِ. تَنْبِيهٌ إِذَا ظَهَرَتْ حِكْمَةُ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فَلْيُعْلَمْ أَنَّ مُلَاحَظَتَهَا سَبَبُ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي اشْتِرَاطِهَا فِي صِيَامِ رَمَضَان وَالْوُضُوء فزفر يَقُول فِي الأول وَأَبُو حنيفَة ﵀ يَقُولُ فِي الثَّانِي هُمَا مُتَعَيِّنَانِ بِصُوَرِهِمَا وَلَيْسَ لَهُمَا رُتَبٌ فَلَا حَاجَةَ إِلَى النِّيَّةِ
стр. 240
وَمَالك وَالشَّافِعِيّ ﵄ يَقُولَانِ الْإِمْسَاكُ فِي رَمَضَانَ قَدْ يَكُونُ لِعَدَمِ الْمُفْطِرَاتِ وَالْوُضُوءُ قَدْ يَكُونُ لِلتَّعْلِيمِ فَيَحْتَاجَانِ إِلَى مَا يُمَيِّزُ كَوْنَهُمَا عِبَادَةً عَنْ غَيْرِهِمَا. الْبَحْثُ الْخَامِسُ فِيمَا يَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الْأَعْمَالُ كُلُّهَا إِمَّا مَطْلُوبٌ أَوْ مُبَاحٌ وَالْمُبَاحُ لَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَا مَعْنَى لِلنِّيَّةِ فِيهِ وَالْمَطْلُوبُ نَوَاهٍ وَأَوَامِرٌ. فَالنَّوَاهِي كُلُّهَا يُخْرِجُ الْإِنْسَانَ عَنْ عُهْدَتِهَا وَإِنْ لَمْ يَشْعُرْ بِهَا فَضْلًا عَنِ الْقَصْدِ إِلَيْهَا مِثَالُهُ زَيْدٌ الْمَجْهُولُ لَنَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْنَا دَمَهُ وَمَالَهُ وَعِرْضَهُ وَقَدْ خَرَجْنَا عَنْ عُهْدَةِ ذَلِكَ النَّهْيِ وَإِنْ لَمْ نَشْعُرْ بِهِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَجْهُولَاتِ. نَعَمْ إِنْ شَعَرْنَا بِالْمُحَرَّمِ وَنَوَيْنَا تَرْكَهُ لِلَّهِ ﵎ حَصَلَ لَنَا مَعَ الْخُرُوجِ عَنِ الْعُهْدَةِ الثَّوَابُ لِأَجْلِ النِّيَّةِ فَهِيَ شَرْطٌ فِي الثَّوَابِ لَا فِي الْخُرُوجِ عَنِ الْعُهْدَةِ. وَالْأَوَامِرُ عَلَى قِسْمَيْنِ الْأَوَّلُ مِنْهَا مَا يَكُونُ صُورَةُ فِعْلِهِ كَافِيَةً فِي تَحْصِيلِ مَصْلَحَتِهِ كَأَدَاءِ الدُّيُونِ وَالْوَدَائِعِ وَالْغُصُوبِ وَنَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ وَالْأَقَارِبِ فَإِنَّ الْمَصْلَحَةَ الْمَقْصُودَةَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ انْتِفَاعُ أَرْبَابِهَا وَذَلِكَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَصْدِ الْفَاعِلِ لَهَا فَيُخْرِجُ الْإِنْسَانَ عَنْ عُهْدَتِهَا وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا. وَالْقِسْمُ الثَّانِي مِنَ الْأَوَامِرِ مَا تَكُونُ صُورَةُ فِعْلِهِ لَيْسَتْ كَافِيَةً فِي تَحْصِيلِ مَصْلَحَتِهِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهُ كَالصَّلَوَاتِ وَالطَّهَارَاتِ وَالصِّيَامِ وَالنُّسُكِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا تَعْظِيمُهُ تَعَالَى بِفِعْلِهَا وَالْخُضُوعُ لَهُ فِي إِتْيَانِهَا وَذَلِكَ إِنَّمَا يَحْصُلُ إِذَا قُصِدَتْ مِنْ أَجْلِهِ فَإِنَّ التَّعْظِيمَ بِالْفِعْلِ بِدُونِ قَصْدِ الْمُعَظَّمِ مُحَالٌ كَمَنْ صَنَعَ ضِيَافَةً لِإِنْسَانٍ انْتَفَعَ بِهَا غَيْرُهُ فَإِنَّا نَجْزِمُ بِأَنَّ الْمُعَظَّمُ الَّذِي قُصِدَ إِكْرَامُهُ هُوَ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي فَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الَّذِي أَمَرَ فِيهِ الشَّرْعُ بِالنِّيَّاتِ وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ يَتَخَرَّجُ خِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي إِيجَابِ النِّيَّةِ فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَى عِبَادِهِ مُجَانَبَةَ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ حَالَةَ الْمُثُولِ بَيْنَ يَدَيْهِ تَعْظِيمًا لَهُ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْمَأْمُورَاتِ الَّتِي لَا تَكْفِي صُورَتُهَا فِي تَحْصِيلِ مَصْلَحَتِهَا فَتَجِبُ فِيهَا النِّيَّةُ
стр. 241
وَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَى عِبَادِهِ مُلَابَسَةَ الْخَبَثِ فَيَكُونُ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ الْمَنْهِيَّاتِ فَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ. الْبَحْثُ السَّادِسُ فِي شُرُوطِ النِّيَّةِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمُكْتَسَبِ النَّاوِي فَإِنَّهَا مُخَصِّصَةٌ وَتَخْصِيصُ غَيْرِ الْمَفْعُولِ لِلْمُخَصَّصِ مُحَالٌ. وَأَشْكَلَ هَذَا الشَّرْطُ بِنِيَّةِ الْإِمَامِ الْإِمَامَةَ فَإِنَّ صَلَاتَهُ حَالَةَ الْإِمَامَةِ مُسَاوِيَةٌ لِصَلَاتِهِ حَالَةَ الِانْفِرَادِ فَهَذِهِ النِّيَّةُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُكْتَسَبٍ وَلَا مُكْتَسَبٌ فَيُشْكِلُ. وَأَجَابَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بِأَنَّ النِّيَّةَ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ تَتَعَلَّقَ بِمُكْتَسَبٍ اسْتِقْلَالًا وَيَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِتَوَابِعِ ذَلِكَ الْمُكْتَسَبِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُكْتَسَبَةً كَمَا تَتَعَلَّقُ بِالْوُجُوبِ فِي الصُّبْح وَالنَّدْب فِي صَلَاة الضُّحَى وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَيْسَ الْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ مُكْتَسَبًا لِلْعَبْدِ فَإِنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ وَاجِبَةُ الْوُجُودِ قَدِيمَةٌ صِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى سُبْحَانَهُ فَحَسُنَ الْقَصْدُ إِلَيْهَا تَبَعًا لِقَصْدِ الْمُكْتَسِبِ وَكَذَلِكَ الْإِمَامَةُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِعْلًا زَائِدَةً عَلَى الصَّلَاةِ مُكْتَسَبًا فَإِنَّ الْقَصْدَ إِلَيْهَا تَبَعًا لِقَصْدِ الْمُكْتَسِبِ. الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَنْوِيُّ مَعْلُومًا أَوْ مَظْنُونًا فَإِنَّ الْمَشْكُوكَ تَكُونُ فِيهِ النِّيَّةُ مُتَرَدِّدَةً فَلَا تَنْعَقِدُ وَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ وُضُوءُ الْكَافِرِ وَلَا غُسْلُهُ قَبْلَ انْعِقَادِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُمَا عِنْدَهُ غَيْرُ مَعْلُومَيْنِ وَلَا مَظْنُونَيْنِ. فُرُوعٌ: الْأَوَّلُ لَوْ شَكَّ فِي طَهَارَتِهِ وَقُلْنَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ أَوْ كَانَ شَكُّهُ غَيْرَ مُسْتَنِدٍ إِلَى سَبَبٍ فَتَوَضَّأَ فِي الْحَالَتَيْنِ احْتِيَاطًا ثُمَّ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ فَفِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ قَوْلَانِ أَمَّا لَوْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الْوُضُوءِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ فَلَا تَرَدُّدَ.
стр. 242
الثَّانِي لَوْ تَوَضَّأَ مُجَدَّدًا ثُمَّ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ فَفِي كِتَابِ سَحْنُونَ لَا يُجْزِئُهُ وَعِنْدَ أَشْهَبَ يُجْزِئُهُ. الثَّالِثُ لَوْ أَغْفَلَ لُمْعَةً مِنَ الْغَسْلَةِ الْأُولَى وَغَسَلَ الثَّانِيَةَ بِنِيَّةِ الْفَضِيلَةِ فَفِي الْإِجْزَاءِ قَوْلَانِ وَخَرَّجَ أَصْحَابُنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَنَحْوَهَا عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ إِلَى الْفَضَائِلِ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ اعْتِقَادِ حُصُولِ الْفَرَائِضِ فَقَدِ انْدَرَجَتْ نِيَّةُ الْفَرْضِ فِي نِيَّةِ الْفَضِيلَةِ وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ النِّيَّةَ مِنَ الْقُصُودِ وَالْإِرَادَاتِ لَا مِنْ بَابِ الْعُلُومِ وَالِاعْتِقَادَاتِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ النَّاسِيَ لِفَرْضِهِ الْفَاعِلَ لِلنَّفْلِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى اعْتِقَادِ حُصُولِ الْفَرْضِ وَالِاعْتِقَادُ لَيْسَ بِنِيَّةٍ كَمَا تَقَدَّمَ. نَظَائِرُ ثَمَانِيَةٌ فِي الْمَذْهَبِ وَقَعَ فِيهَا إِجْزَاءُ غَيْرِ الْوَاجِبِ: أَرْبَعَةٌ فِي الطَّهَارَةِ وَهِيَ مَنْ جَدَّدَ ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدَثَ وَمَنْ غَسَلَ الثَّانِيَةَ بِنِيَّةِ الْفَضِيلَةِ وَقَدْ بَقِيَتْ لُمْعَةٌ مِنَ الْأُولَى وَمَنِ اغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ نَاسِيًا لِلْجَنَابَةِ وَمَنْ تَوَضَّأَ احْتِيَاطًا ثُمَّ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ. وَثَلَاثَةٌ فِي الصَّلَاةِ وَهِيَ مَنْ سَلَّمَ مِنَ اثْنَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ عُقَيْبَ ذَلِكَ بِنِيَّةِ النَّافِلَةِ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ سَلَّمَ وَفَعَلَ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ سَلَّمَ أَوْ أَعَادَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا فِي صَلَاتِهِ الْأُولَى. وَالثَّامِنَةُ فِي الْحَجِّ وَهِيَ مَنْ نَسِيَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَقَدْ طَافَ طَوَافَ الْوَدَاعِ وَبَعُدَ عَنْ مَكَّةَ. وَالْمَشْهُورُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ يَخْتَلِفُ. وَلَا يُشْكِلُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ خَمْسٍ فَإِنَّهُ يُصَلِّي خَمْسًا مَعَ شَكِّهِ فِي وُجُوبِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ لِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ شَكَّهُ سَبَبًا لِإِيجَابِ الْجَمِيعِ فَالْجَمِيعُ مَعْلُومُ الْوُجُوب.
стр. 243
وَلَا يُشْكِلُ أَيْضًا مَنْ شَكَّ أَصَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا فَإِنَّهُ يَنْوِي صَلَاةَ رَكْعَةٍ رَابِعَةٍ لِيُتِمَّ صَلَاتَهُ مَعَ شَكِّهِ فِي وُجُوبِهَا لِأَنَّا نَمْنَعُ الشَّكَّ فِيهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّا نَقْطَعُ بِشَغْلِ ذِمَّتِهِ بِالصَّلَاةِ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ عِنْد الْحَنَفِيّ أَو يقطع عِنْد الْمَالِكِي وَالشَّافِعِيّ بِإِيقَاعِ الْأَرْبَعِ وَمَا حَصَلَ ذَلِكَ فَالْقَطْعُ الْأَوَّلُ مُسْتَصْحَبٌ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُقَارِنَةً لِلْمَنَوِيِّ لِأَنَّ أَوَّلَ الْعِبَادَةِ لَوْ عَرَا عَنِ النِّيَّةِ لَكَانَ أَوَّلُهَا مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْقُرْبَةِ وَغَيْرِهَا وَآخِرُ الصَّلَاةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَوَّلِهَا وَتَبَعٌ لَهُ بِدَلِيلِ أَنَّ أَوَّلَهَا إِنْ نَوَى نَفْلًا أَوْ وَاجِبًا أَوْ قَضَاءً أَوْ أَدَاءً كَانَ آخِرُهَا كَذَلِكَ فَلَا تَصِحُّ. وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ الصَّوْمُ لِلْمَشَقَّةِ وَالزَّكَاةُ فِي الْوِكَالَةِ عَلَى إِخْرَاجِهَا عَوْنًا عَلَى الْإِخْلَاصِ وَدَفْعًا لِحَاجَةِ الْفَقِيرِ مِنْ بَاذِلِهَا فَتَتَقَدَّمُ النِّيَّةُ عِنْدَ الْوَكَالَةِ وَلَا تَتَأَخَّرُ لِإِخْرَاجِ الْمَنْوِيِّ. فَرْعٌ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ جَوَّزَ ابْنُ الْقَاسِمِ تَقَدُّمَ النِّيَّةِ عِنْدَمَا يَأْخُذُ فِي أَسْبَابِ الطَّهَارَةِ بِذَهَابِهِ إِلَى الْحَمَّامِ أَوِ النَّهْرِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَخَالَفَهُ سَحْنُونُ فِي الْحَمَّامِ وَوَافَقَهُ فِي النَّهْرِ وَفَرَّقَ بِأَنَّ النَّهْرَ لَا يُؤْتَى غَالِبًا إِلَّا لِذَلِكَ فَتَمَيَّزَتِ الْعِبَادَةُ فِيهِ بِخِلَافِ الْحَمَّامِ فَإِنَّهُ يُؤْتَى لِذَلِكَ وَلِإِزَالَةِ الدَّرَنِ وَالرَّفَاهِيَةُ غَالِبَةٌ فِيهِ فَلَمْ تَتَمَيَّزِ الْعِبَادَةُ وَافْتَقَرَتْ إِلَى النِّيَّةِ وَقِيلَ لَا تُجْزِئُ النِّيَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ حَتَّى تَتَّصِلَ بِفِعْلِ الْوَاجِبِ وَقِيلَ إِذَا نَوَى عِنْدَ أَوَّلِ الْوُضُوءِ وَهُوَ أَوَّلُ السُّنَنِ أَجْزَأَهُ لِأَنَّ الثَّوَابَ عَلَى السُّنَنِ وَالتَّقَرُّبُ بِهَا إِنَّمَا يَحْصُلُ عِنْدَ النِّيَّةِ وَقِيلَ إِنْ عَزَبَتْ نِيَّتُهُ قَبْلَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَبَعْدَ الْيَدَيْنِ لَا يُجْزِئُهُ وَإِنِ اتَّصَلَتْ بِهِمَا وَعَزَبَتْ قَبْلَ الْوَجْهِ أَجْزَأَهُ لِأَنَّ الْمَضْمَضَةَ مِنَ الْوَجْهِ وَبِهَا غَسْلُ طَاهِرِ الْفَمِ وَهِيَ الشَّفَةُ مِنَ الْوَجْهِ. الْبَحْثُ السَّابِعُ النِّيَّة على الْقسمَيْنِ فِعْلِيَّةٌ مَوْجُودَةٌ وَحُكْمِيَّةٌ مَعْدُومَةٌ وَكَذَلِكَ الْإِخْلَاصُ وَالْإِيمَانُ.
стр. 244
فَيَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يَعْزِمَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ مَا دَامَ حَيًّا مُسْتَطِيعًا قَبْلَ حُضُورِهَا وَحُضُورِ أَسْبَابِهَا فَإِذَا حَضَرَتْ وَجَبَ عَلَيْهِ النِّيَّةُ وَالْإِخْلَاص الفعليات فِي أَوَّلِهَا وَيَكْفِي الْحُكْمِيَّانِ فِي بَقِيَّتِهَا لِلْمَشَقَّةِ فِي اسْتِمْرَارِهَا بِالْفِعْلِ وَكَذَلِكَ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ لَوْ وَزَنَ زَكَاتَهُ وَعَزَلَهَا لِلْمَسَاكِينِ ثُمَّ دَفَعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ اكْتَفَى بِالْحُكْمِيَّةِ وَأَجْزَأَتْ وَلَمْ يُشْتَرَطِ الْإِيمَانُ الْفِعْلِيُّ فِي ابْتِدَائِهَا لِصُعُوبَةِ الْجَمْعِ وَأَفْرَدَتِ النِّيَّةَ دُونَهُ لِأَنَّهَا مُسْتَلْزَمَةٌ لَهُ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ. فُرُوعٌ ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ تَكْفِي الْحكمِيَّة بشرك عَدَمِ الْمُنَافِي قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إِذَا تَوَضَّأَ وَبَقِيَتْ رِجْلَاهُ فَخَاضَ بِهَا نَهْرًا وَمَسَحَ بِيَدَيْهِ رِجْلَيْهِ فِي الْمَاءِ وَلَمْ يَنْوِ بِذَلِكَ غَسْلَ رِجْلَيْهِ لَا يُجْزِئُهُ غَسْلُ رِجْلَيْهِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ يُرِيدُ إِذَا قَصَدَ بِذَلِكَ غَيْرَ الْوُضُوءِ بَلْ إِزَالَةَ الْقَشْبِ وَقَالَ صَاحِبُ النكت مَعْنَاهُ أَنه ظن كَمَال وضوءه فَرَفَضَ نِيَّتَهُ أَمَّا لَوْ بَقِيَ عَلَى نِيَّتِهِ وَالنَّهْرُ قَرِيبٌ أَجْزَأَهُ. قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ النِّيَّةُ الْحُكْمِيَّةُ تَتَنَاوَلُ الْفِعْلَ مَا لَمْ تَتَنَاوَلْهُ النِّيَّةُ الْفِعْلِيَّةُ بِخُصُوصِهِ فَإِنَّ النِّيَّةَ الْخَاصَّةَ بِهِ أَقْوَى كَمَا لَوْ قَامَ لِرَكْعَةٍ وَقَصَدَ أَنَّهَا خَامِسَةٌ وَهِيَ رَابِعَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَسَدَتِ الصَّلَاةُ أَوْ صَامَ يَوْمًا فِي الصَّوْمِ الْمُتَتَابِعِ يَنْوِي بِهِ النَّذْرَ بَطَلَ التَّتَابُعُ وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْخِلَافُ الَّذِي فِي صَلَاةِ مَنْ قَامَ إِلَى اثْنَيْنِ وَصَلَّى بَقِيَّةَ صَلَاتِهِ بِنِيَّةِ النَّافِلَةِ ثُمَّ ذَكَرَ فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُجْزِئُهُ وَعِنْدَ ابْنِ الْمَوَّازِ يُجْزِئُهُ سَلَّمَ أَوْ لَمْ يُسَلِّمْ لِأَنَّ النِّيَّةَ الْحُكْمِيَّةَ مُتَحَقِّقَةٌ فَلَا تَبْطُلُ إِلَّا بِرَفْضٍ الثَّانِي إِذَا رَفَضَ النِّيَّةَ الْحُكْمِيَّةَ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ﵀ أَنَّهَا لَا تَفْسُدُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهَا وَهُوَ التَّمْيِيزُ حَالَةَ الْفِعْلِ وَرُوِيَ عَنْهُ فَسَادُهَا لِأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ الطَّهَارَةِ وَذَهَابُ جُزْءِ الطَّهَارَةِ يُفْسِدُهَا قَالَ صَاحِبُ
стр. 245
النُّكَتِ إِذَا رَفَضَ النِّيَّةَ فِي الطَّهَارَةِ أَوِ الْحَجِّ لَا يَضُرُّ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّيَّةِ التَّمْيِيزُ وَهُمَا مُتَمَيِّزَانِ بِمَكَانِهِمَا وَهُوَ الْأَعْضَاءُ فِي الْوُضُوءِ وَالْأَمَاكِنُ الْمَخْصُوصَةُ فِي الْحَج فَكَانَ استغناؤها عَنِ النِّيَّةِ أَكْثَرَ وَلَمْ يُؤَثِّرِ الرَّفْضُ فِيهِمَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ الثَّالِثُ قَالَ الْمَازِرِيُّ ﵀ تَكْفِي النِّيَّةُ الْحُكْمِيَّةُ فِي الْعَمَلِ الْمُتَّصِلِ فَلَوْ نَسِيَ عُضْوًا وَطَالَ ذَلِكَ افْتَقَرَ إِلَى تَجْدِيدِ النِّيَّةِ فَإِنَّ الِاكْتِفَاءَ بِالْحُكْمِيَّةِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَيَقْتَصِرُ فِيهَا الْعَمَلُ الْمُتَّصِلُ وَكَذَلِكَ مَنْ خَلَعَ خُفَّيْهِ وَشَرَعَ فِي غَسْلِ رِجْلَيْهِ الْبَحْثُ الثَّامِنُ فِي أَقْسَامِ الْمَنْوِيِّ وَأَحْوَالِهِ الْمَنْوِيُّ مِنَ الْعِبَادَاتِ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ كَالصَّلَاةِ وَالثَّانِي مَقْصُودٌ لِغَيْرِهِ وَهُوَ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا مَعَ كَوْنِهِ مَقْصُودًا لِغَيْرِهِ فَهُوَ أَيْضًا مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ كَالْوُضُوءِ وَالثَّانِي مَقْصُودٌ لِغَيْرِهِ فَقَطْ كَالتَّيَمُّمِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الشَّرْعَ أَمَرَ بِتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ دُونَ التَّيَمُّمِ وَالْمَقْصُودُ بِالنِّيَّةِ إِنَّمَا هُوَ تَمْيِيزُ الْمَقْصُودِ لِنَفْسِهِ لِأَنَّه الْمُهِمُّ فَلَا جَرَمَ إِذَا نَوَى التَّيَمُّمَ دُونَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ فَقَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ أَحَدُهُمَا لَا يُجْزِئُ لِكَوْنِهِ مِمَّا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ وَالثَّانِي يُجْزِئُهُ لِكَوْنِهِ عِبَادَةً وَالَّذِي هُوَ مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ يَتَخَيَّرُ الْمُكَلَّفُ بَيْنَ قَصْدِهِ لَهُ لِكَوْنِهِ مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ وَبَيْنَ قَصْدِهِ لِلْمَقْصُودِ مِنْهُ دُونَهُ فَالْأَوَّلُ كَقَصْدِهِ الْوُضُوءَ وَالثَّانِي كَقَصْدِهِ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ فَإِنْ نَوَى الصَّلَاةَ أَوْ شَيْئًا لَا يُقْدَمُ عَلَيْهِ إِلَّا بِارْتِفَاعِ الْحَدَثِ الَّذِي هُوَ الِاسْتِبَاحَةُ صَحَّ لِاسْتِلْزَامِ هَذِهِ الْأُمُورِ رَفْعَ الْحَدَثِ فُرُوعٌ سَبْعَةٌ الْأَوَّلُ فِي الْجَوَاهِرِ إِذَا نَوَى مَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْوُضُوءُ كَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَحْدَهُ
стр. 246
فَالْمَشْهُورُ أَنَّ حَدَثَهُ لَا يَرْتَفِعُ لِأَنَّ الْحَدَثَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَنْعِ الشَّرْعِيِّ وَصِحَّةُ هَذَا الْفِعْلِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى رَفْعِ الْمَنْعِ فَلَا تَسْتَلْزِمُهُ فَيَكُونُ حَدَثُهُ بَاقِيًا وَقِيلَ يَرْتَفِعُ نَظَرًا إِلَى أَصْلِ الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ لِهَذِهِ الْأُمُورِ. الثَّانِي إِذَا نَوَى رَفْعَ بَعْضِ الْأَحْدَاثِ نَاسِيًا لِغَيْرِهَا أَجْزَأَهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ رَفْعُ الْمَنْعِ وَقَدْ حَصَلَ وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ عَلَى التَّحْقِيقِ أَنَّهُ نَوَى رَفْعَ سَبَبِ بَعْضِ الْأَحْدَاثِ لِأَنَّ الْأَسْبَابَ لَا يُمْكِنُ رَفْعُهَا لِاسْتِحَالَةِ رَفْعِ الْوَاقِعِ. الثَّالِثُ قَالَ إِذَا نَوَى اسْتِبَاحَةَ صَلَاةٍ بِعَيْنِهَا وَأَخْرَجَ غَيْرَهَا مِنْ نِيَّتِهِ فَقِيلَ يَسْتَبِيحُ مَا نَوَاهُ وَمَا لَمْ يَنْوِهِ لِأَنَّ حَدَثَهُ قَدِ ارْتَفَعَ بِاعْتِبَارِ مَا نَوَاهُ وَذَلِكَ يَقْتَضِي اسْتِبَاحَةَ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَلَيْسَ لِلْمُكَلَّفِ أَنْ يَقْتَطِعَ مُسَبِّبَاتِ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْهَا فَلَوْ قَالَ أَتَزَوَّجُ وَلَا يَحِلُّ لِيَ الْوَطْءُ أَوْ أَشْتَرِي السِّلْعَةَ وَلَا يَحْصُلُ لِيَ الْمِلْكُ لم يعْتَبر ذَلِك فَكَذَلِك هَهُنَا وَقِيلَ تَبْطُلُ طَهَارَتُهُ لِلتَّضَادِّ وَلَا تَسْتَبِيحُ شَيْئًا وَقِيلَ تَخْتَصُّ الْإِبَاحَةُ بِالْمَنْوِيِّ لِقَوْلِهِ ﵇
(الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى)
. الرَّابِعُ قَالَ الْمَازِرِيُّ إِذَا نَوَى رَفْعَ بَعْضِ الْأَحْدَاثِ مُخْرِجًا لِغَيْرِهِ مِنْ نِيَّتِهِ فَفِيهِ الثَّلَاثَةُ الْأَقْوَالُ الَّتِي فِي تَخْصِيصِ الصَّلَاةِ بِالْإِبَاحَةِ. الْخَامِسُ قَالَ الْمَازِرِيُّ لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ وَالتَّبَرُّدَ أَجْزَأَهُ لَأَنَّ مَا نَوَاهُ مَعَهُ حَاصِلٌ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ فَلَا تَضَادَّ وَقِيلَ لَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النِّيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْبَاعِثَ على الْعِبَادَة طَاعَة الله تَعَالَى فَقَط وَهَهُنَا الْبَاعِثُ الْأَمْرَانِ. السَّادِسُ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ وَقَالَ لَا أَسْتَبِيحُ أَوْ نَوَى الِاسْتِبَاحَةَ وَقَالَ لَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ أَوْ نَوَى امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ ﵎ وَقَالَ لَا أَسْتَبِيحُ وَلَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ لَمْ يَصِحَّ وُضُوؤُهُ لِلتَّضَادِّ. السَّابِعُ إِذَا فَرَّقَ النِّيَّةَ عَلَى الْأَعْضَاءِ فَنَوَى الْوَجْهَ وَحْدَهُ ثُمَّ كَذَلِكَ الْيَدَيْنِ إِلَى آخِرِ الطَّهَارَةِ فَقَوْلَانِ مَنْشَؤُهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْحَدَثَ هَلْ يَرْتَفِعُ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ وَحْدَهُ أَوْ لَا بُدَّ فِي ارْتِفَاعِهِ مِنْ غسل الْجَمِيع؟
стр. 247
وَيَخْرُجُ عَلَى ذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ وَهِيَ إِذَا مَسَّ ذَكَرَهُ فِي غُسْلِ جَنَابَتِهِ بَعْدَ غَسْلِ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ وَأَعَادَ وُضُوءَهُ فَإِنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ لِأَنَّ حَدَثَ الْجَنَابَةِ قَدِ ارْتَفَعَ عَنِ الْمَغْسُولِ قَبْلَ ذَلِكَ عَنْ أَعْضَائِهِ وَغَيْرُ الْجُنُبِ يَجِبُ عَلَيْهِ نِيَّةُ الْوُضُوءِ وَلَا يُعِيدُ النِّيَّةَ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ لِأَنَّ الْحَدَثَ لَمْ يَرْتَفِعْ عَنِ الْأَعْضَاءِ السَّابِقَةِ فَهُوَ جُنُبٌ وَالْجُنُبُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ الْوُضُوءَ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ يَتَخَرَّجُ عَلَى رَأْيِ أَبِي الْحَسَنِ إِذَا مس ذكره بعد غسله بفور ذَلِك أَن لَا يَنْوِيَ الْوُضُوءَ لِأَنَّ النِّيَّةَ الْحُكْمِيَّةَ كَمَا تُسْتَصْحَبُ فِي آخِرِ الْعِبَادَةِ تُسْتَصْحَبُ بِفَوْرِهَا وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يجرئ الْخلاف هَهُنَا. وَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ أَيْضًا مَنْ غَسَلَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ وَأَدْخَلَهَا فِي الْخُفِّ ثُمَّ غَسَلَ الْأُخْرَى وَأَدْخَلَهَا فِي الْخُفِّ هَلْ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا قَوْلَانِ. الْبَحْثُ التَّاسِعُ فِي مَعْنَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ الْمُتَطَهِّرُ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ. اعْلَمْ أَنَّ الْحَدَثَ لَهُ مَعْنَيَانِ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ أَحَدُهُمَا الْأَسْبَابُ الْمُوجِبَةُ يُقَالُ أَحْدَثَ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ وَثَانِيهِمَا الْمَنْعُ الْمُرَتَّبُ عَلَى هَذِهِ الْأَسْبَابِ فَإِنَّ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ سَبَبٌ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ فَقَدْ مَنَعَهُ اللَّهُ ﵎ مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَى الْعِبَادَةِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ وَلَيْسَ يُعْلَمُ لِلْحَدَثِ مَعْنًى ثَالِثٌ بِالِاسْتِقْرَاءِ. وَالْقَصْدُ إِلَى رَفْعِ الْحَدَثِ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ مُحَالٌ لِاسْتِحَالَةِ رَفْعِ الْوَاقِعِ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْوِيُّ هُوَ رَفْعُ الْمَنْعِ وَإِذَا ارْتَفَعَ الْمَنْعُ ثَبَتَتِ الْإِبَاحَةُ فَيَظْهَرُ بِهَذَا الْبَيَانِ بُطْلَانُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْحَدَثَ يَرْتَفِعُ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ عَلَى حِيَالِهِ لِأَنَّ الْمَنْعَ بَاقٍ بِالْإِجْمَاعِ حَتَّى تَكْمُلَ الطَّهَارَةُ وَبُطْلَانُ الْقَوْلِ بِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثِ فَإِنَّ الْإِبَاحَةَ حَاصِلَةٌ بِهِ فَيَكُونُ الْحَدَثُ مُرْتَفِعًا ضَرُورَةً وَإِلَّا لَاجْتَمَعَ الْمَنْعُ مَعَ الْإِبَاحَةِ وَهُمَا ضِدَّانِ. سُؤَالٌ إِذَا كَانَ الْحَدَثُ مَنْعًا شَرْعِيًّا وَالْمَنْعُ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَحُكْمُهُ قَدِيمٌ وَاجِبُ الْوُجُودِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ رَفْعُ وَاجِبِ الْوُجُودِ؟ جَوَابُهُ هَذَا السُّؤَالُ عَامٌّ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ الْمَحْكُومِ بِتَجَدُّدِهَا عِنْدَ الْأَسْبَابِ
стр. 248
وَالْجَوَابُ فِي الْجَمِيعِ أَنَّ الْحُكْمَ مُرْتَفِعٌ وَمُتَجَدِّدٌ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهِ لَا بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ وَالتَّعَلُّقُ عَدَمِيٌّ مُمْكِنُ الِارْتِفَاعِ وَلَوْ كَانَ قَدِيمًا فَإِنَّ الْقَدِيمَ لَا يَسْتَحِيلُ رَفْعُهُ إِلَّا إِذَا كَانَ وُجُودِيًّا عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ الْفَرْضُ الثَّالِثُ اسْتِيعَابُ غَسْلِ جَمِيعِ الْوَجْهِ وَحَدُّهُ طُولًا مِنْ مَنَابِتِ الشَّعْرِ الْمُعْتَادِ إِلَى مُنْتَهَى الذَّقَنِ لِلْأَمْرَدِ وَاللِّحْيَةِ لِلْمُلْتَحِي وَنُرِيدُ بِقَوْلِنَا الْمُعْتَادِ خُرُوجَ النَّزْعَتَيْنِ وَالصَّلَعِ عَنِ الْغَسْلِ وَدُخُولَ الْغَمَمِ فِيهِ والنزعان هُمَا الْخَالِيَتَانِ مِنَ الشَّعْرِ عَلَى جَنْبَيِ الْجَبِينِ وَالذَّاهِبَتَانِ عَلَى جَنْبَيِ الْيَافُوخِ وَالْغَمَمُ مَا نَزَلَ مِنَ الشَّعْرِ عَلَى الْجَبِينِ وَمِنَ الْعِذَارِ إِلَى الْعِذَارِ عَرْضًا قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَاللَّحْيُ الْأَسْفَلُ مِنَ الْوَجْهِ عِنْدَ سَحْنُونٍ وَلَيْسَ مِنْهُ عِنْدَ التُّونِسِيِّ وَمُقْتَضَى قَوْلِ الْقَاضِي فِي التَّلْقِينِ خُرُوجُ الْبَيَاضِ الَّذِي بَيْنَ الْأُذُنِ وَالْعِذَارِ وَأَطْرَافِ اللَّحْيِ الْأَسْفَلِ لِلْأُذُنَيْنِ عَنِ الْوَجْهِ وَفِي الْبَيَاضِ الَّذِي بَين العذار وَالْأَذَان ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ يَجِبُ غَسْلُهُ فِي الْأَمْرَدِ وَالْمُلْتَحِي لمَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأبي حنيفَة ﵃ لِأَنَّه يُوَاجِهُ مَارِنَ الْأَنْفِ لِأَنَّه لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْوَجْهِ لَأُفْرِدَ بِمَاءٍ غَيْرِ مَاءِ الْوَجْهِ كَسَائِرِ الْمَسْنُونَاتِ وَلَا يَجِبُ فِيهِمَا لِمَالِكٍ أَيْضًا وَلِلْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ لِأَنَّ الْمُوَاجَهَةَ لَا تَقَعُ عَلَيْهِ غَالِبًا وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَلْزَمُهَا فِدْيَةٌ إِذَا غَطَّتْهُ فِي الْإِحْرَامِ وَالْوُجُوبُ فِي الْأَمْرَدِ فَقَطْ لِلْأَبْهَرِيِّ لِأَنَّ الْعِذَارَ يَمْنَعُ الْمُوَاجَهَةَ وَإِذَا قُلْنَا بِعَدَمِ الْوُجُوبِ غُسِلَ سُنَّةً فِي حَقِّ الْأَمْرَدِ وَالْمُلْتَحِي عِنْدَ الْقَاضِي وَيُحْتَمَلُ عَدَمُ الْغَسْلِ فِي الْمُلْتَحِي لِأَنَّه خَرَجَ عَنْ وَصْفِ الْمُوَاجَهَةِ كَالَّذِي تَحْتَ الشَّعْرِ الْكَثِيفِ وَإِذَا قُلْنَا بِالْغَسْلِ فَلَا يُجَدِّدُ مَاءً لِأَنَّه لَا يُمْكِنُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ لِاتِّصَالِهِ فَلَوْ جَدَّدْنَا لَهُ الْمَاءَ لَزِمَ التَّكْرَارُ فِي الْوَجْهِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَسْنُونَاتِ
стр. 249
فَرْعَانِ الْأَوَّلُ قَالَ صَاحِبُ النَّوَادِرِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَغْسِلُ مَا تَحْتَ مَارِنِهِ وَالْمَارِنُ طَرَفُ الْأَنْفِ وَمَا غَارَ مِنْ أَجْفَانِهِ وَأَسَارِيرِ جَبْهَتِهِ بِخِلَافِ الْجِرَاحِ الَّتِي بَرِئَتْ غَائِرَةً أَوْ كَانَتْ خَلْقًا وَبِخِلَافِ مَا تَحْتَ الذَّقَنِ الثَّانِي فِي الْجَوَاهِرِ يَجِبُ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى مَنَابِتِ الشَّعْرِ الْخَفِيفِ الَّذِي تَظْهَرُ الْبَشَرَةُ مِنْهُ بِالتَّخْلِيلِ كَالْحَاجِبَيْنِ وَالْأَهْدَابِ وَالشَّارِبِ وَالْعِذَارِ وَنَحْوِهَا وَلَا يَجِبُ فِي الْكَثِيفِ وَقِيلَ يَجِبُ لِأَنَّ الْخِطَابَ مُتَنَاوِلٌ لَهُ بِالْأَصَالَةِ وَلِغَيْرِهِ بِالرُّخْصَةِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا وَيَجِبُ غَسْلُ مَا طَالَ مِنَ اللِّحْيَةِ وَقِيلَ لَا يَجِبُ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ هَلْ يُنْظَرُ إِلَى مَبَادِيهَا فَيَجِبُ أَوْ مُحَاذِيهَا فَلَا يَجِبُ كَمَا قِيلَ فِيمَا زَادَ مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ قَالَ الْمَازِرِيُّ عَلَى الْأَوَّلِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَالثَّانِي لِلْأَبْهَرِيِّ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ تُحَرَّكُ اللِّحْيَةُ مِنْ غَيْرِ تَخْلِيلٍ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يُخَلِّلُهَا وَهُوَ يَحْتَمِلُ الْإِيجَابَ وَالنَّدْبَ وَجْهُ الْوُجُوب قَوْله تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم﴾ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَمِنَ السُّنَّةِ أَنَّهُ ﵇ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ ثُمَّ خَلَّلَ لِحْيَتَهُ وَقَالَ بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ قَالَ الْبُخَارِيُّ هَذَا أَصَحُّ مَا فِي الْبَابِ وبالقياس على غسل الْجِنَايَة وَقَالَ مَالك ذَلِك مَحْمُول على وضوء الْجِنَايَة لِأَنَّه مُطْلَقٌ فَلَا يَعُمُّ وَأَمَّا الْآيَةُ فَجَوَابُهَا أَنَّ الْوَجْهَ مِنَ الْمُوَاجَهَةِ وَاللِّحْيَةَ مِنَ الْمُوَاجَهَةِ الْآنَ فَلَا جَرَمَ وَجَبَ غَسْلُهَا وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مَرَّةً فَغَسَلَ وَجْهَهُ بِغُرْفَةٍ وَكَانَ ﵇ كَثَّ اللِّحْيَةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْغُرْفَةَ لَا تَعُمُّ الْوَجْهَ وَتَخْلِيلَ اللِّحْيَةِ وَالْبَشَرَةَ الَّتِي تَحْتَهَا
стр. 250
قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَكَمَا وَجَبَ غَسْلُ الْبَاطِنِ إِذَا ظَهَرَ كَمَوْضِعِ الْقَطْعِ مِنَ الشَّفَةِ وَأَثَرِ الْجِرَاحِ الظَّاهِرَةِ يَجِبُ أَنْ يَسْقُطَ غَسْلُ مَا ظَهَرَ إِذَا بَطَنَ فُرُوعٌ أَرْبَعَةٌ مِنَ الطَّرَّازِ الْأَوَّلُ إِذَا سَقَطَ الْوُجُوبُ اسْتَوَى عَلَى ذَلِكَ كَثِيفُ اللِّحْيَةِ وَخَفِيفُهَا عَلَى الْمَذْهَبِ وَقَوْلُ الْقَاضِي يَجِبُ إِيصَالُ الْمَاءِ لِلْخَفِيفِ لَا يُنَاقِضُهُ لِأَنَّه إِذَا أَمَرَّ يَدَهُ عَلَيْهَا وَحَرَّكَهَا وَصَلَ الْمَاءُ إِلَى الْمَحَالِّ الْمَكْشُوفَةِ فَإِنْ لَمْ يَصِلِ الْمَاءُ لِقِلَّتِهِ هُنَا يَقُولُ الْقَاضِي لَا يُجْزِئُهُ خِلَافًا ح الثَّانِي رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ عَلَيْهِ تَخْلِيلُ لِحْيَتِهِ فِي الْجَنَابَةِ كَمَا فِي الْوُضُوءِ وَرَوَى أَشْهَبُ أَنَّ عَلَيْهِ تَخْلِيلَهَا قِيَاسًا عَلَى شَعْرِ الرَّأْسِ الثَّالِثُ إِذَا قُلْنَا لَا يَجِبُ فِي الْجَنَابَةِ فَهُوَ سُنَّةٌ وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْوُجُوبِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجَنَابَةِ وَالْوُضُوءِ أَنَّ الْوَجْهَ مِنَ الْمُوَاجَهَةِ فَانْتَقَلَ الْحُكْمُ لِظَاهِرِ اللِّحْيَةِ وَالْجَنَابَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ الرَّابِعُ إِذَا قُلْنَا لَا يَجِبُ التَّخْلِيلُ فِي الْوُضُوءِ فَلَا بُدَّ مِنْ إِمْرَارِ الْيَدِ عَلَيْهَا بِالْمَاءِ وَتَحْرِيكِ يَدِهِ عَلَيْهَا لِأَنَّ الشَّعْرَ يُدْفَعُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ فَإِنْ حُرِّكَ حَصَلَ الِاسْتِيعَابُ فِي غَسْلِ الظَّاهِرِ خِلَافًا ح فِي اقْتِصَارِهِ عَلَى الْمَسْحِ الْفَرْضُ الرَّابِعُ غَسْلُ الْيَدَيْنِ مَعَ الْمرْفقين وَقِيلَ لَا يَجِبُ غَسْلُ الْمِرْفَقَيْنِ حُجَّةُ الْأَوَّلِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ تَوَضَّأَ وَأَدَارَ الْمَاءَ عَلَيْهِمَا وَقَالَ عِنْدَ كَمَالِ وُضُوئِهِ هَكَذَا تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فَقِيلَ إِلَى بِمَعْنَى مَعَ كَقَوْلِهِ ﵎ حِكَايَة عَن عِيسَى بن مَرْيَمَ ﵇ ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ أَي مَعَ الله وَكَذَلِكَ ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهم إِلَى أَمْوَالكُم﴾ وَقيل هِيَ
следующие страницы →