Полный текст (8 345 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
الْمُؤَذِّنُ وَهُوَ يَخْطُبُ ثُمَّ يُصَلِّي ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ قَالَ وَقَالَ مَالِكٌ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ مِمَّا قَدَّمْنَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَجْلِسُ فَإِذَا فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ قَامَ فَخَطَبَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا أَتَى الْإِمَامُ الْمَسْجِدَ خَطَبَ الْخُطْبَةَ الْأُولَى وَلَمْ يَذْكُرْ جُلُوسًا عِنْدَ الصُّعُودِ فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْأُولَى جَلَسَ جِلْسَةً خَفِيفَةً قَدْرَ (قِرَاءَةِ) قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ خِطْبَةً أُخْرَى وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ (بِعَرَفَةَ) لَا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلَا غَيْرِهَا (وَأَجْمَعُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَذَلِكَ فَعَلَ لَمْ يَجْهَرْ) وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَوْمَ عَرَفَةَ إِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا رَكْعَتَيْنِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ كَانَ يَوْمَئِذٍ مُسَافِرًا وَلَمْ يَنْوِ إِقَامَةً لِأَنَّهُ أَكْمَلَ عَمَلَ حَجِّهِ وَعَجَّلَ الِانْصِرَافَ وَاخْتُلِفَ فِي قَصْرِ الْإِمَامِ إِذَا كَانَ مَكِّيًّا أَوْ مِنْ أَهْلِ مِنًى بِعَرَفَةَ فَقَالَ مَالِكٌ يُصَلِّي أَهْلُ مَكَّةَ وَمِنًى بِعَرَفَةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ مَا أَقَامُوا يَقْصُرُونَ بِالصَّلَاةِ حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ وَأَمِيرُ الْحَاجِّ أَيْضًا كَذَلِكَ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَصَرَ الصَّلَاةَ بِعَرَفَةَ وَأَيَّامِ مِنًى قَالَ وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فَإِنْ كَانَ أَحَدٌ سَاكِنًا بِمِنًى مُقِيمًا أَتَمَّ الصَّلَاةَ إِذَا كَانَ بِمِنًى وَعَرَفَةَ أَيْضًا كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَأَهْلُ مَكَّةَ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ بِمِنًى وَأَهْلُ مِنًى يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ بِعَرَفَةَ وَأَهْلُ عَرَفَةَ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ بِمِنًى وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ سَوَاءً
стр. 3257
وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ ﵃ لَمْ يُصَلُّوا فِي تِلْكَ الْمَشَاهِدِ كُلِّهَا إِلَّا رَكْعَتَيْنِ (وَسَائِرُ الْأُمَرَاءِ هَكَذَا لَا يُصَلُّونَ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ) فَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ سُنَّةُ الْمَوْضِعِ لِأَنَّ مِنَ الْأُمَرَاءِ مَكِّيًّا وَغَيْرَ مَكِّيٍّ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ عِيَاضٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعْمَلَ عَتَّابَ بْنَ أُسَيْدٍ عَلَى مَكَّةَ وَأَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِأَهْلِ مَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ وَهَذَا خَبَرٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ مُنْكَرٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ لِضَعْفِهِ وَنَكَارَتِهِ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُدُ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ صَلَّى بِمِنًى وَعَرَفَةَ أَرْبَعًا لَا يَجُوزُ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ مَنْ كَانَ مُقِيمًا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَفَرُهُ سَفَرًا تُقْصَرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُقِيمِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا أَنَّ السُّنَّةَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهَا الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ مَعَ الإمام (واختلف الفقهاء فيمن فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ يَوْمَ عَرَفَةَ مَعَ الْإِمَامِ) هَلْ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا أَمْ لَا فَقَالَ مَالِكٌ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ (بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ
стр. 3258
إِذَا فَاتَهُ ذَلِكَ مَعَ الْإِمَامِ وَكَذَلِكَ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ يَجْمَعُ) بَيْنَهُمَا بِالْمُزْدَلِفَةِ قَالَ فَإِنِ احْتُبِسَ إِنْسَانٌ دُونَ الْمُزْدَلِفَةِ لِمَوْضِعِ عُذْرٍ جَمَعَ بَيْنَهُمَا أَيْضًا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَلَا يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ صَلِّ مَعَ الْإِمَامِ (بِعَرَفَاتٍ) الصَّلَاتَيْنِ إِنِ اسْتَطَعْتَ وَإِنْ صَلَّيْتَ فِي رَحْلِكَ فَصَلِّ كُلَّ صَلَاةٍ لِوَقْتِهَا وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا إِلَّا مَنْ صَلَّاهُمَا مَعَ الْإِمَامِ وَأَمَّا مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ فَلَا يُصَلِّي كُلَّ صَلَاةٍ مِنْهُمَا إِلَّا لِوَقْتِهَا وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ جَائِزٌ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُسَافِرِينَ مَنْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ وَمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ إِذَا كَانَ مُسَافِرًا وَعِلَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ (جَمَعَ) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنما كَانَ مِنْ أَجْلِ السَّفَرِ وَلِكُلِّ مُسَافِرٍ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِذَلِكَ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَجْهَرُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَلَا الْعَصْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ مَنْ قَالَ لَا جُمُعَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بن الحسن
стр. 3259
واختلف العلماء في الأذان للجمع بين الصلاتين بِعَرَفَةَ فَقَالَ مَالِكٌ يُصَلِّيهِمَا بِأَذَانَيْنِ وَإِقَامَتَيْنِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ قَوْلِهِ فِي صَلَاتَيِ الْمُزْدَلِفَةِ وَالْحُجَّةُ لَهُ قَدْ تَقَدَّمَتْ هُنَاكَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَالطَّبَرِيُّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ إِقَامَةٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَاخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فَرَوَى عَنْهُ الْكَوْسَجُ وَعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ راهويه (أيضا) الجمع بين الصلاتين بِعَرَفَةَ بِإِقَامَةِ إِقَامَةً وَقَالَ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الْإِمَامِ فَإِنْ شَاءَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ وَإِنْ شَاءَ بِإِقَامَةِ إِقَامَةً وَفِي لُبْسِ الْحَجَّاجِ الْمُعَصْفَرَ وَتَرْكِ ابْنِ عُمَرَ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِ مَعَ أَمْرِ عَبْدِ الْمَلِكِ إِيَّاهُ أَنْ لَا يُخَالِفَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي (شَيْءٍ مِنْ) أَمْرِ الْحَجِّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مُبَاحٌ وَإِنْ (كَانَ) أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَهُ وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُ مُبَاحٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ وَإِنَّمَا كَرِهُوهُ لِأَنَّهُ يَنْتَفِضُ وَذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ بُكَيْرٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ إِنَّمَا كُرِهَ لُبْسِ الْمُصَبَّغَاتِ لِأَنَّهَا تَنْتَفِضُ وَلَيْسَ هَذَا عِنْدَ الْقَعْنَبِيِّ وَلَا يَحْيَى وَلَا مُطَرِّفٍ وَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ لُبْسَ الْمُصَبَّغَاتِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ
стр. 3260
أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَكْرَهُ الْمُثْرَدَ بِالْعُصْفُرِ وَمِمَّنْ كَانَ يَكْرَهُ لُبْسَ الْمُصَبَّغَاتِ بِالْعُصْفُرِ فِي الْإِحْرَامِ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَرَخَّصَ فِيهِ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ وَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ أَبْصَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ثَوْبَيْنِ مُضَرَّجَيْنِ يَعْنِي مُعَصْفَرَيْنِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ مَا هَذَا فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مَا أَخَالُ أَحَدًا يعملنا السُّنَّةَ فَسَكَتَ عُمَرُ أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُطَيْسٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُزَيْنٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ عبد الرحمان بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ أَخْرُجُ وَعَلَيَّ ثَوْبَانِ مُضَرَّجَانِ فِي الْحَرَمِ (مَعَ ابْنِ عُمَرَ) فَلَا يُنْكِرُ عَلَيَّ وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ فِيمَا ذَكَرَ عَنْهُ وَهْبٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ يَسْتَحِبُّ إِيجَابَ الْفِدْيَةِ عَلَى مَنْ لَبِسَ الْمُعَصْفَرِ الْمُصَبَّغِ فِي الْإِحْرَامِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الطِّيبَ لِلْمُحْرِمِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لَا يَحِلُّ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (الْمُحْرِمَ) عَنِ الزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ وَمَا صُبِغَ بِهِمَا مِنَ الثِّيَابِ الْمُصَبَّغَاتِ فِي الْإِحْرَامِ
стр. 3261
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ خَوْفًا مِنَ التَّطَرُّقِ إِلَى مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الصَّبْغِ مِثْلَ الزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِمَّا يُعَدُّ طِيبًا وَقَالَ غَيْرُهُ إِنَّمَا كَانَ (ذَلِكَ) مِنْ عُمَرَ إِلَى طَلْحَةَ لِمَوْضِعِهِ مِنَ الْإِمَامَةِ وَلِأَنَّهُ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ تَرْكُ الشُّبْهَةِ لِئَلَّا يَظُنُّ (بِهِ) ظَانٌّ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَظُنَّ بِمِثْلِهِ وَيَتَأَوَّلَ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِ وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ قَلِيلًا لِعَمَلٍ يَكُونُ مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ مِثْلَ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَفِيهِ الْغُسْلُ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لِأَنَّ قَوْلَ الْحَجَّاجِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنْظِرْنِي حَتَّى أُفِيضَ عَلَيَّ مَاءً كَذَلِكَ كَانَ وَهُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّونَهُ ذَكَرَ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَغْتَسِلُ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِدُخُولِهِ مَكَّةَ وَلِوُقُوفِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَفِيهِ إِبَاحَةُ فَتْوَى الصَّغِيرِ بَيْنَ يَدَيِ الْكَبِيرِ أَلَا تَرَى أَنَّ سَالِمًا عَلَّمَ الْحَجَّاجَ السُّنَّةَ فِي قَصْرِ الْخُطْبَةِ وَتَعْجِيلِ الصَّلَاةِ وَابْنُ عُمَرَ أَبُوهُ إِلَى جَانِبِهِ وَقَصْرُ الْخُطْبَةِ فِي ذَلِكَ (وَفِي غَيْرِهِ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ وَتَعْجِيلُ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ) سُنَّةٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهَا فِي
стр. 3262
أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ ثُمَّ تُصَلِّي الْعَصْرَ بِإِثْرِ السَّلَامِ مِنَ الظُّهْرِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ رُوِّينَا عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُنَا بِكَلِمَاتٍ قَلِيلَةٍ طَيِّبَاتٍ وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ بِإِسْنَادِهِ فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ أَنْبَأَنَا الْعَلَاءُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي رَاشِدٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (بِإِقْصَارِ الخطب (١) وأنبأنا عبد الرحمان بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّيْبُلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سعيد بن عبد الرحمان الْمَخْزُومِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن نَقْصُرَ الْخُطْبَةَ وَنُطِيلَ الصَّلَاةَ وَبِهِ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ قَصْرُ الْخُطْبَةِ وَطُولُ الصَّلَاةِ وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ جَمِيعًا عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ صَلَّى بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ بِغَيْرِ خُطْبَةٍ أَنَّ صَلَاتَهُ جَائِزَةٌ وَأَنَّهُ يُقْصِرُ الصَّلَاةَ إِذَا كَانَ مُسَافِرًا وَإِنْ لَمْ يَخْطُبْ وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْخُطْبَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ عَرَفَةَ
стр. 3263
وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِيهَا فَأَسَرَّ الْقِرَاءَةَ إِنَّمَا هِيَ ظُهْرٌ وَلَكِنَّهَا قُصِرَتْ مِنْ أَجْلِ السَّفَرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَعَجِّلِ الصَّلَاةَ فَكَذَلِكَ رَوَاهُ يَحْيَى وَابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَمُطَرِّفٌ وَقَالَ فِيهِ الْقَعْنَبِيُّ وَأَشْهَبُ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْوُقُوفَ وَهُوَ عِنْدِي غَلَطٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ عَلَى خِلَافِهِ وَتَعْجِيلِ الصَّلَاةِ بِعَرَفَةَ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ وَقَدْ يَحْتَمِلُ مَا قَالَهُ الْقَعْنَبِيُّ أَيْضًا لِأَنَّ تَعْجِيلَ الْوُقُوفِ بَعْدَ تَعْجِيلِ الصَّلَاةِ وَالْفَرَاغِ مِنْهَا سُنَّةٌ أَيْضًا وَقَدْ ذَكَرْنَا أَحْكَامَ الصَّلَاةِ بِعَرَفَةَ وَذَكَرْنَا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْهَا وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَأَمَّا الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَبِكُلِّ مِصْرَ فِيمَا عَلِمْتُ أَنَّهُ فَرْضٌ لَا يَنُوبُ عَنْهُ شَيْءٌ وَأَنَّهُ مَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فِي وَقْتِهِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ فَلَا حَجَّ لَهُ وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَحَصْرِهِ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ يَوْمَ عَرَفَةَ فَهُوَ فِي حُكْمِ مَنْ لَمْ يَقِفْ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ اللَّيْلُ هُوَ الْمُفْتَرَضُ وَالْوُقُوفُ بَعْدَ الزَّوَالِ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سُنَّةٌ دَلَّ عَلَى ما أضفنا إليه من ذلك مذهبه جوابه فِي مَسَائِلِهِ فِي ذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ عَنْهُ أَنَّ مَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ ثُمَّ لَمْ يَنْصَرِفْ إِلَيْهَا فِي لَيْلَةِ النَّحْرِ (فَيَقِفُ بِهَا) أَنَّ حَجَّهُ قَدْ فَاتَهُ
стр. 3264
وَعَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ وَالْهَدْيُ يَنْحَرُهُ فِي حَجٍّ قَابِلٍ وَهُوَ كَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَا ذَكَرَهُ أَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْهُ أَنَّ مَنْ دَفَعَ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَقَبْلَ الْإِمَامِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ قَالَ بِقَوْلِ مَالِكٍ إِنَّ مَنْ دَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَلَا حَجَّ لَهُ وَهُوَ قَدْ وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَبَعْدَ الصَّلَاةِ وَلَا رُوِّينَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ كُلُّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ فِي لَيْلَةِ النَّحْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ فَإِنْ دَفَعَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ عَرَفَةَ فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَهُمْ وَحَجُّهُ تَامٌّ قَالَ الْكُوفِيُّونَ فَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ ذَلِكَ الدَّمُ الَّذِي كَانَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ إِنْ عَادَ إِلَى عَرَفَةَ حَتَّى يَدْفَعَ بَعْدَ الْمَغِيبِ فَلَا شيء عليه وإن لم يرجع حتى يطلع الْفَجْرَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ حَجَّتُهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ بَعْدَ الزَّوَالِ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ سَوَاءً إِلَّا مَا ذَكَرْنَا مِنَ الدَّمِ حَدِيثُ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ الَّذِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي بَابِ (حَدِيثِ) الصَّلَاةِ بِالْمُزْدَلِفَةِ قَوْلُهُ ﷺ وَقَدْ أَتَى عَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَقَدْ ذَكَرْنَا هُنَاكَ مِنْ قَوْلِ إِسْمَاعِيلَ مَا فِيهِ بَيَانٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ
стр. 3265
وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْوُقُوفَ لَيْلًا هُوَ الْفَرْضُ دُونَ النَّهَارِ حُكْمُ الْجَمِيعِ لِمَنْ أَدْرَكَ بَعْضَ اللَّيْلِ بِتَمَامِ الْحَجِّ وَإِنَّ إِدْرَاكَ أَوَّلِهِ كَإِدْرَاكِ آخِرِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كُلَّهُ وَقْتٌ لِلْوُقُوفِ ثُمَّ اتَّفَقُوا أَنَّهُ لَا حَجَّ لِمَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَقَبْلَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَوَجَبَ أَنْ يُسَوَّى كَمَا يُسَوَّى بَيْنَ حُكْمِ سَائِرِ اللَّيْلِ لِأَنَّهُ مَا انْتَفَى فِي بَعْضِ الْجِنْسِ فَهُوَ مُنْتَفٍ فِي سَائِرِهِ وَذَكَرُوا كَلَامًا كَثِيرًا لَمْ أَرَ لِذِكْرِهِ وَجْهًا وَمَا قَدَّمْنَا مِنْ قَوْلِ إِسْمَاعِيلَ وَأَبِي الْفَرَجِ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ والله أعلم وأجمعوا أن الوقوف ببطن عرفة (مِنْ عَرَفَةَ لَا يَجُوزُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عرفة وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ وَقَفَ بِهَا وَلَمْ يَقِفْ مِنْ عَرَفَةَ بِغَيْرِهَا فَقَالَ مَالِكٌ يُهَرِيقُ دَمًا وَحَجُّهُ تَامٌّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجْزِيهِ وَحَجُّهُ فَائِتٌ وَبِهِ قَالَ أَبُو الْمَصَبِّ الَّذِي قَالَ عَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ وَالْهَدْيُ كَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ (١) أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ عبد
стр. 3266
الرحمان بْنِ يَعْمُرَ الدَّيْلِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ الْحَجُّ عَرَفَاتٌ فَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فقد أَدْرَكَ وَأَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ قَالَ أَبُو عُمَرَ ذَكَرَ أَهْلُ السِّيَرِ وَالْمَعْرِفَةِ بِأَيَّامِ النَّاسِ مِنْهُمُ الزُّبَيْرُ وَغَيْرُهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ مَاتَ بِعَقِبِ هَذِهِ الْحَجَّةِ بِمَكَّةَ وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَهُ مَوْقِفٌ مَعْرُوفٌ بِعَرَفَةَ كَانَ قَدْ وَقَفَ فِيهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أو رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ وَقَفَ بِهِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَتَبَرَّكُ بِالْمَوْقِفِ فِيهِ وَكَانَ لَا يَدْعُ الْحَجَّ كُلَّ عَامٍ مُنْذُ قَتْلِ عُثْمَانَ إِلَى أَنْ مَاتَ بَعْدَ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَكَانَ يَلْزَمُ ذَلِكَ الْمَوْقِفَ فَانْطَلَقَ مَعَ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ يَوْمَئِذٍ حَتَّى وَقَفَ فِي مَوْقِفِهِ الَّذِي كَانَ يَقِفُ فِيهِ وَكَانَ ذَلِكَ الْمَوْقِفُ بَيْنَ يَدِي الْحَجَّاجِ فَأَمَرَ مَنْ نَخَسَ بِابْنِ عُمَرَ حَتَّى نَفَرَتْ بِهِ نَاقَتُهُ فَسَكَّنَهَا ابْنُ عُمَرَ ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى ذَلِكَ الْمَوْقِفِ فَأَمَرَ الْحَجَّاجُ أَيْضًا بِنَاقَتِهِ فَنُخِسَتْ فَنَظَرَتْ
стр. 3267
فَسَكَّنَهَا ابْنُ عُمَرَ حَتَّى سَكَنَتْ ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى ذَلِكَ الْمَوْقِفِ فَثَقُلَ عَلَى الْحَجَّاجِ أَمْرُهُ فَأَمَرَ رَجُلًا مَعَهُ حَرْبَةً يُقَالُ أَنَّهَا كَانَتْ مَسْمُومَةً فَلَمَّا دَفَعَ النَّاسُ مِنْ عَرَفَةَ لَصِقَ بِهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ وَأَمَرَ الْحَرْبَةَ عَلَى قَدَمِهِ وَنَخَسَهُ بِهَا فَمَرِضَ مِنْهَا أَيَّامًا ثُمَّ مَاتَ بِمَكَّةَ وَصَلَّى عَلَيْهِ الْحَجَّاجُ يَوْمَئِذٍ وَقَدْ ذَكَرْنَا خَبَرَهُ بِأَكْثَرِ مِنْ هَذَا فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُهُ ﷺ الْحَجُّ عَرَفَاتٌ مَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ شُهُودَ عَرَفَةَ بِهِ يَنْعَقِدُ الْحَجُّ وَهُوَ الرُّكْنُ الَّذِي عَلَيْهِ مَدَارُ الْحَجِّ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ وَطِئَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أَنَّهُ يَجْبُرُ فِعْلَهُ ذَلِكَ بِالدَّمِ وَمَنْ أَصَابَ أَهْلَهُ قَبْلَ وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ فَسَدَ حَجُّهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ وَعَلَى هَذَا إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ إِلَّا مَا ذَكَرْنَا عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ وَطِئَ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ عَلَى اختلاف عنه على حسبما أَوْرَدْنَاهُ فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْبَابِ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ مَا فِيهِ شِفَاءٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَدْ ذَكَرْنَا مَسْأَلَةَ مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِهَا حَتَّى انْصَدَعَ الْفَجْرُ فِي بَابِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَأَمَّا الصَّلَاةُ بِعَرَفَةَ فَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا مَعَ الْإِمَامِ وَأَدْرَكَ الوقوف على حسبما تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ أَنَّ حَجَّهُ
стр. 3268
تَامٌّ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَأَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ في الوقت المذكور على حسبما ذَكَرْنَا هُوَ الْمُفْتَرَضُ وَجَمْعُ الصَّلَاتَيْنِ بِهَا سُنَّةٌ مَعَ الْإِمَامِ وَقَدْ جَاءَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ خَالَفَهُ الْإِجْمَاعُ ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ قَلْتُ لِلثَّوْرِيِّ أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنِي عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ عَنْ سُوُيْدِ بْنِ غَفَلَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الْإِمَامِ يَوْمَ عَرَفَةَ فَلَا حَجَّ لَهُ فَقَالَ لِي إِنَّهَا قَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ لَا يُؤْخَذُ بِهَا وَقَدْ تَرَكْتُ هَذَا مِنْهَا وَمَا يَضُرُّهُ أَنْ لَا يَشْهَدُهَا مَعَ الْإِمَامِ (بِعَرَفَةَ) قَالَ الْكِشْوَرِيُّ قُلْتُ لِابْنِ أَبِي عُمَرَ أَتَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ (لِابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ لَا أَعْرِفُهُ قَالَ وَأَمَّا قَوْلُ الْقَعْنَبِيِّ وَأَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ) وَعَجِّلِ الْوُقُوفَ فَإِنَّ السُّنَّةَ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا أَنَّ الْإِمَامَ إذا فرغ من الصلاتين رَكِبَ مُعَجِّلًا وَرَاحَ إِلَى الْمَوْقِفِ وَكَذَلِكَ يَصْنَعُ كل من معه ما يركب لأن الوقف بِعَرَفَةَ رَاكِبًا أَفْضَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَاكِبًا وَمَنْ وَقَفَ رَاجِلًا فَلَا شيء عليه
стр. 3269
حَدِيثٌ سَادِسٌ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ مُسْنَدٌ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ (بْنَ مُحَمَّدِ) بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَلَمْ تَرَيْ إِلَى قَوْمِكِ حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَرَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ إِلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يَتِمَّ عَلَى قَوَاعِدِ إبراهيم
стр. 3270
فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْعِلْمِ أَنَّ قُرَيْشًا بَنَتِ الْكَعْبَةَ وَلَمْ تُتِمَّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْلُهُ ﷺ لِعَائِشَةَ أَلَمْ تَرَيْ إِلَى قَوْمِكِ وَلَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ إِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ قُرَيْشًا لِبُنْيَانِهِمُ الْكَعْبَةَ قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَقَالَ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ يَعْنِي قُرَيْشًا وَالْقَوَاعِدُ أَسَاسُ الْبَيْتِ قَالَ اللَّهُ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْوَاحِدَةُ مِنْهَا قَاعِدَةٌ قَالُوا وَالْوَاحِدُ مِنَ النِّسَاءِ قَاعِدٌ وَفِيهِ حَدِيثُ الرَّجُلِ مَعَ أَهْلِهِ فِي بَابِ الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَيَّامِ النَّاسِ وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسْتَلِمِ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَذَلِكَ فِيمَا نَرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّهُمَا كَسَائِرِ الْبَيْتِ الَّذِي لَا يُسْتَلَمُ وَلِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِرُكْنَيْنِ عَلَى حَقِيقَةٍ لِمَا لَمْ يَكُونَا تَامَّيْنِ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ وَسَنَذْكُرُ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَقَاوِيلِ بَعْدَ ذِكْرِ جُمْلَةٍ كَافِيَةٍ مِنْ خَبَرِ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ يَشْفِي النَّاظِرَ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
стр. 3271
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَشْعَثُ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْجَدْرِ أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَلِمَ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ قَالَ إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ قُلْتُ فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا قَالَ فَعَلَ ذَلِكَ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا ويمنعوا من شاءوا ولولا أن قومك حديث عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ لَنَظَرْتُ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ وَأُلْصِقَ بَابَهُ بِالْأَرْضِ قَالَ أَبُو عُمَرَ الْجَدْرُ لُغَةً فِي الْجِدَارِ وَالْجَدْرُ أَيْضًا وَالْجَدِيرُ مَكَانٌ بُنِيَ حَوْلَهُ جِدَارٌ قَالَهُ الْخَلِيلُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ كَانَ بَيْنَ الْفِجَارِ وَبُنْيَانِ الْكَعْبَةِ خَمْسَةَ عَشْرَةَ سَنَةً قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَكَانَ بَيْنَ الفيل
стр. 3272
وَالْفِجَارِ أَرْبَعُونَ سَنَةً قَالَ ابْنُ شِهَابٍ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا عَلَى رَأْسِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ فَكَانَ بَيْنَ مَبْعَثِهِ وَبَيْنَ الْفِيلِ سَبْعُونَ سَنَةً قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا وَهْمٌ لَا يَشُكُّ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَائِنَا وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وُلِدَ عَامَ الْفِيلِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ وَنُبِّئَ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنَ الْفِيلِ ﷺ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ محمد بن عبد الرحمان قَالَ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى رَأْسِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ وَكَانَ بَيْنَ غَزْوَةِ (أَصْحَابِ) الْفِيلِ وَبَيْنَ الْفِجَارِ أَرْبَعُونَ سَنَةً أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ النَّوْفَلِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ بُنِيَ الْبَيْتُ عَلَى خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً مِنَ الْفِيلِ كَذَا قَالَ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فَقَالَ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مجاهد قال
стр. 3273
كَانَ يَعْنِي الْبَيْتَ عَرِيشًا تَقْتَحِمُهُ الْعِتَرُ حَتَّى إِذَا كَانَ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً بَنَتْهُ قُرَيْشٌ قَالَ أَبُو عُمَرَ الْآثَارُ فِي بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ وَابْتِدَاءِ أَمْرِهَا كَثِيرَةٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا وَأَنَا أَذْكُرُ مِنْهَا مَا يَكْتَفِي بِهِ النَّاظِرُ فِي كِتَابِنَا هَذَا بِحَوَلِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ سُنَيْدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ (وَذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ) فِي قَوْلِهِ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا قَالَ أَوَّلُ بَيْتٍ وَضَعَهُ (اللَّهُ) فِي الْأَرْضِ فَطَافَ بِهِ آدَمُ فَمَنْ بَعْدَهُ وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ وَابْنِ الْمُسَيَّبِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى آدَمَ إِذْ أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ ابْنِ لِي بَيْتًا ثُمَّ احْفُفْ بِهِ كَمَا رَأَيْتَ الْمَلَائِكَةَ تَحُفُّ بِبَيْتِي الَّذِي فِي السَّمَاءِ قَالَ عَطَاءٌ فَزَعَمَ النَّاسُ أَنَّهُ بَنَاهُ مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ مِنْ
стр. 3274
حِرَاءٍ وَمِنْ طُورِ سَيْنَاءَ وَمِنْ لُبْنَانَ وَمِنَ الجودي ومن طور زيت وَكَانَ رَبَضُهُ مِنْ حِرَاءٍ فَكَانَ (هَذَا) بِنَاءُ آدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ثُمَّ بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ ﵇ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَقَالَ نَاسٌ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ سَحَابَةً فِيهَا رَأْسٌ فَقَالَ الرَّأْسُ يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْخُذَ بِقَدْرِ هَذِهِ السَّحَابَةِ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَيَخُطُّ قَدْرَهَا ثُمَّ قَالَ الرَّأْسُ أَقَدْ فَعَلْتَ قَالَ نَعَمْ فَارْتَفَعَتْ فَحَفَرَ فَأَبْرَزَ عَنْ أَسَاسٍ ثَابِتٍ فِي الْأَرْضِ وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ بُنِيَتِ الْكَعْبَةُ مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ لُبْنَانَ وَطُورَ زَيْتَا وَطُورَ سَيْنَاءَ وَحِرَاءٍ وَمِنَ الْجُودِيِّ وَكَانَ رَبَضُهُ مِنْ حِرَاءٍ
стр. 3275
قال أبو عمر الربض ههنا الْأَسَاسُ الْمُسْتَدِيرُ بِالْبَيْتِ مِنَ الصَّخْرِ وَمِنْهُ يُقَالُ لِمَا حَوْلَ الْمَدِينَةِ رَبَضٌ هَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ الْخَلِيلُ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ وَالْخَبَرِ مِنْهُمْ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وَغَيْرُهُ إن شئت ابن آدَمَ هُوَ الَّذِي بَنَى الْكَعْبَةَ وَزَعَمَ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ وَكَانَ شِئْتُ وَصِيَّ أَبِيهِ آدَمَ وَهُوَ الَّذِي وَلَدَ الْبَشَرَ كُلَّهُمْ وَهُوَ الَّذِي بَنَى الْكَعْبَةَ بِالطِّينِ وَالْحِجَارَةِ وَكَانَتْ هُنَاكَ خَيْمَةً لِآدَمَ ﵇ وَضَعَهَا اللَّهُ عَزَّ وجل٠ له من الجنة أخبرنا عبد الرحمان بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بِمَكَّةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ بِشْرِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ اللَّهِ أَقْبَلَ مِنْ أَرْمِينْيَا وَمَعَهُ السَّكِينَةُ تَدُلُّهُ عَلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ فَجَاءَتْ حَتَّى تَبَوَّأَتِ الْبَيْتَ كَمَا تَبَوَّأَ الْعَنْكَبُوتُ قَالَ فَرَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَنْ أَحْجَارٍ يُطِيقُهَا ثَلَاثُونَ رَجُلًا أَوْ قَالَ لَا يُطِيقُهَا
стр. 3276
ثَلَاثُونَ رَجُلًا قَالَ بِشْرُ بْنُ عَاصِمٍ فَقُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ قَالَ إِنَّمَا كَانَ هَذَا بَعْدُ قَالَ وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ قَالَ قَالَ عَلِيٌّ ﵁ السَّكِينَةُ لَهَا وَجْهٌ كَوَجْهِ الْإِنْسَانِ ثُمَّ هِيَ بَعْدُ رِيحٌ هَفَّافَةٌ قَالَ أَبُو عُمَرَ كَانَ عَلِيٌّ ﵁ يَذْهَبُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِلَى أَنَّ آدَمَ لَمْ يَبْنِ الْكَعْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ قَالَ حَدَّثَنِي شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا عَلِيٌّ فَقَامَ إِلَيْهِ ابْنُ الْكَوَّاءِ فَقَالَ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ أَهْوَ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ قَالَ فَأَيْنَ كَانَ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٍ وَلَكِنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ مُبَارَكًا فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ وَحَدَّثَنَا (مُوسَى) بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ عَنْ عَلِيٍّ
стр. 3277
مِثْلَهُ قَالَ إِنَّهُ لَيْسَ أَوَّلُ بَيْتٍ كَانَ نُوحٌ قَبْلَهُ فَكَانَ فِي الْبُيُوتِ وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ قَبْلَهُ فَكَانَ فِي الْبُيُوتِ وَلَكِنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا (قَالَ أَبُو عُمَرَ) يَحْتَجُّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلًا قَالَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى قُلْتُ كَمْ بَيْنَهُمَا قَالَ أَرْبَعُونَ سَنَةً فَفِي هذا الحديث أنه ليس بين المسجد والحرام وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى إِلَّا أَرْبَعُونَ سَنَةً حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ مَا يُخَالِفُ قَوْلَ عَلِيٍّ هَذَا وَيُوَافِقُ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ وَذَلِكَ أَنَّهُمَا قَالَا إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ أَنْ يَبْنِيَ هُوَ وَإِسْمَاعِيلُ الْبَيْتَ فَقَامَا ﵉ وَأَخَذَا الْمَعَاوِلَ لَا يَدْرِيَانِ أَيْنَ الْبَيْتُ فَبَعَثَ اللَّهِ رِيحًا يُقَالُ لَهُ الْخَجُوجُ لَهَا جَنَاحَانِ وَرَأْسٌ فِي صُورَةِ
стр. 3278
حَيَّةٍ فَكَشَفَتْ لِإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَنْ أَسَاسِ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَهَذَا يُوَافِقُ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ عَلِيٍّ وَهُوَ أَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا بُنْيَانُ قُرَيْشٍ الْبَيْتَ فَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ كَانَتِ الْكَعْبَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَبْنِيَّةٌ بِالرَّضْمِ لَيْسَ فِيهَا مَدَرٌ وَكَانَتْ قدر ما تقتحمها العناق وكانت! تُوضَعُ عَلَيْهَا تُسْدَلُ سَدْلًا عَلَيْهَا وَكَانَ الرُّكْنُ الْأَسْوَدُ مَوْضُوعًا عَلَى سُورِهَا بَادِيًا وَكَانَتْ ذَاتَ رُكْنَيْنِ هَيْئَةَ هَذِهِ الْحَلْقَةِ فَأَقْبَلَتْ سَفِينَةٌ مِنَ الرُّومِ حَتَّى إِذَا كَانُوا قَرِيبًا مِنْ جُدَّةَ انْكَسَرَتِ السَّفِينَةُ فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ لِيَأْخُذُوا خَشَبَهَا فَوَجَدُوا رُومِيًّا عِنْدَهَا فَأَخَذُوا الْخَشَبَ فَأَعْطَاهُمْ إِيَّاهَا وَكَانَتِ السَّفِينَةُ تُرِيدُ الْحَبَشَةَ كَانَ الرُّومِيُّ الَّذِي فِي السَّفِينَةِ نَجَّارًا فَقَدِمُوا بِالْخَشَبِ وَقَدِمُوا بِالرُّومِيِّ وَقَالَتْ قُرَيْشٌ نَبْنِي بِهَذَا الْخَشَبِ بَيْتَ رَبِّنَا فَلَمَّا أَرَادُوا هَدْمَهُ إِذَا هُمْ بِحَيَّةٍ عَلَى سُورِ الْبَيْتِ مِثْلَ قِطْعَةِ الْجَائِزِ سَوْدَاءَ الظَّهْرِ بَيْضَاءَ الْبَطْنِ فَجَعَلَتْ كُلَّمَا أَتَى أَحَدٌ إِلَى الْبَيْتِ لِيَهْدِمَهُ أَوْ يَأْخُذَ مِنْ أَحْجَارِهِ سَعَتْ إِلَيْهِ فاتحة فاها فاجتمعت قريش عند المقام فعجوا إلى الله فقالوا ربنا لم ترع أَرَدْنَا تَشْرِيفَ بَيْتِكَ وَتَزْيِينِهِ فَإِنْ كُنْتَ
стр. 3279
تَرْضَى بِذَلِكَ وَإِلَّا فَمَا بَدَا لَكَ فَافْعَلْ فَسَمِعُوا خَوَاتًا فِي السَّمَاءِ فَإِذَا هُمْ بِطَائِرٍ أَعْظَمُ مِنَ النِّسْرِ أَسُودُ الظَّهْرِ أَبْيَضَ الْبَطْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فَغَرَزَ مَخَالِبَهُ فِي قَفَا الْحَيَّةِ ثُمَّ انْطَلَقَ بِهَا تَجُرُّ ذَنَبَهَا (أَعْظَمُ) مِنْ كَذَا وَكَذَا حَتَّى انْطَلَقَ بِهَا نَحْوَ أَجْيَادٍ فَهَدَمَتْهَا قُرَيْشٌ وَجَعَلُوا يَبْنُونَهَا بِحِجَارَةِ الْوَادِي تَحْمِلُهَا قُرَيْشٌ عَلَى رِقَابِهَا فَرَفَعُوهَا فِي السَّمَاءِ عِشْرِينَ ذِرَاعًا فَبَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَحْمِلُ حِجَارَةً مِنْ أَجْيَادٍ وَعَلَيْهِ نَمِرَةٌ فَضَاقَتْ عَلَيْهِ النَّمِرَةُ فَذَهَبَ يَضَعُ النَّمِرَةَ عَلَى عَاتِقِهِ فَتُرَى عَوْرَتُهُ مِنْ صِغَرِ النَّمِرَةِ فَنُودِيَ يَا مُحَمَّدُ خَمِّرْ عَوْرَتَكَ فَلَمْ يُرَ عُرْيَانَا بَعْدَ ذَلِكَ وَكَانَ بَيْنَ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ وَبَيْنَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ خَمْسُ سِنِينَ وَبَيْنَ مُخْرِجِهِ وَبُنْيَانِهَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمَّا كَانَ جَيْشُ الْحُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ فَذَكَرَ حَرِيقَهَا فِي زَمَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْنِي أن رسول الله ﷺ قَالَ لَوْلَا حَدَاثَةُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ فَإِنَّهُمْ تَرَكُوا مِنْهَا سَبْعَةَ أَذْرُعٍ (فِي الْحِجْرِ) ضَاقَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ وَالْخَشَبُ قَالَ ابْنُ خُثَيْمٍ فَأَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سَمِعْتَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَقَالَ
стр. 3280
النَّبِيُّ ﷺ وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ شَرْقِيًّا وَغَرْبِيًّا يَدْخُلُونَ مِنْ هَذَا وَيَخْرُجُونَ مِنْ هَذَا فَفَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ جَعَلَتْ لَهَا دُرْجًا يَرْقَى الَّذِي يَأْتِيهَا عَلَيْهَا فَجَعَلَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ لَاصِقَةً بِالْأَرْضِ قَالَ ابْنُ خُثَيْمٍ وَأَخْبَرَنِي ابْنُ سَابِطٍ أَنَّ زَيْدًا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمَّا بَنَاهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ كَشَفُوا عَنِ الْقَوَاعِدِ فَإِذِ الْحَجَرُ مِثْلَ الْخِلْفَةِ فَرَأَى الْحِجَارَةَ مُشْتَبِكَةً بَعْضُهَا بِبَعْضٍ إِذَا حُرِّكَتْ بِالْعَتَلَةِ تَحَرَّكَ الَّذِي مِنَ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى قَالَ ابْنُ سَابِطٍ فَأَرَانِيهِ زَيْدٌ لَيْلًا بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ فَرَأَيْتُهَا أَمْثَالَ الْخِلْفِ مُشْتَبِكًا أَطْرَافُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ قَالَ مَعْمَرٌ وَأَنْبَأَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ لَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحُلَمَ أَجْمَرَتِ امْرَأَةٌ الْكَعْبَةَ (فَطَارَتْ شَرَارَةٌ مِنْ مِجْمَرِهَا فِي ثِيَابِ الْكَعْبَةِ) فَاحْتَرَقَتْ فَتَشَاوَرَتْ قُرَيْشٌ فِي هَدْمِهَا وَهَابُوا هَدْمَهَا فَقَالَ لَهُمُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ مَا تُرِيدُونَ بِهَذَا الْإِصْلَاحُ (تُرِيدُونَ) أَمِ الْفَسَادُ فَقَالُوا بَلْ نُرِيدُ الْإِصْلَاحَ قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُهْلِكُ الْمُصْلِحَ قَالُوا فَمَنِ الَّذِي يَعْلُوهَا قَالَ
стр. 3281
الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ أَنَا أَعْلُوهَا وَأَهْدِمُهَا فَارْتَقَى الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَلَى ظَهْرِ الْبَيْتِ وَمَعَهُ الْفَأْسُ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ ثُمَّ هَدَمَ فَلَمَّا رَأَتْهُ قُرَيْشٌ قَدْ هَدَمَ مِنْهَا وَلَمْ يَأْتِهِمْ مَا خَافُوا مِنَ الْعَذَابِ هَدَمُوا مَعَهُ حَتَّى إِذَا بَنَوْهَا فَبَلَغُوا مَوْضِعَ الرُّكْنِ اخْتَصَمَتْ قُرَيْشٌ فِي الرُّكْنِ أَيُّ الْقَبَائِلِ تَلِي رَفْعَهُ حَتَّى كَادَ يَشْجُرُ بَيْنَهُمْ فَقَالُوا تَعَالَوْا نُحَكِّمُ أَوَّلَ مَنْ يَطْلُعُ عَلَيْنَا مِنْ هَذِهِ السِّكَّةِ فَاصْطَلَحُوا عَلَى ذَلِكَ فَاطَّلَعَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ غُلَامٌ عَلَيْهِ وِشَاحًا نَمِرَةً فَحَكَّمُوهُ فَأَمَرَ بِالرُّكْنِ فَوُضِعَ فِي ثَوْبٍ ثُمَّ أَمَرَ سَيِّدَ كُلِّ قَبِيلَةٍ فَأَعْطَاهُ نَاحِيَةً مِنَ الثَّوْبِ ثُمَّ ارْتَقَى هُوَ فَرَفَعُوا إِلَيْهِ الرُّكْنَ فَكَانَ هُوَ يَضَعُهُ وَذَكَرَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ وَمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ هَذَا وَحَدِيثُهُمَا أَكْمَلُ وَأَتَمُّ وَفِي هَذَا الباب حديث تفرد بن إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَهْدِمَ الْكَعْبَةَ وَأَبْنِيَهَا عَلَى قَوَاعِدَ إِبْرَاهِيمَ وَأَجْعَلَ لَهَا بَابَيْنِ وَأُسَوِّيَهَا بِالْأَرْضِ فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا رَفَعُوهَا أَنْ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا مَنْ أَحَبُّوا
стр. 3282
أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا سعيد بن عبد الرحمان أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ اسْمُ الَّذِي بنى الكعبة لقريش يا قوم وَكَانَ رُومِيًّا وَكَانَ فِي سَفِينَةٍ فَحَمَتْهَا الرِّيحُ يَقُولُ حَبَسَتْهَا فَخَرَجَتْ إِلَيْهَا قُرَيْشٌ فَأَخَذُوا خَشَبَهَا وَقَالُوا لَهُ ابْنِهَا عَلَى بُنْيَانِ الْكَنَائِسِ قَالَ سُفْيَانُ قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ لَمَّا أَرَادَتْ قُرَيْشٌ أَنْ يَبْنُوا الْكَعْبَةَ خَرَجَتْ مِنْهَا حَيَّةٌ فَحَالَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا وَكَانَتْ تَشْرُفُ عَلَى الْجِدَارِ قَالَ عَمْرٌو وَسَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ فَجَاءَ طَائِرٌ أَبْيَضُ فَأَخَذَ بِأَنْيَابِهَا فَذَهَبَ بِهَا نَحْوَ أَجْيَادٍ فِيمَا أَحْسَبُ وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِيمَا كَانَ مِنْ شَأْنِ الْحَيَّةِ الَّتِي كَانَتْ قُرَيْشٌ تَهَابُ بُنْيَانَ الْكَعْبَةِ لَهَا ... عَجِبْتُ لَمَّا تَصَوَّبَتِ الْعِقَابُ ... إِلَى الثُّعْبَانِ وَهِيَ لَهَا اضْطِرَابُ ... ... وَقَدْ كَانَتْ يَكُونُ لَهَا كَشِيشٌ ... وَأَحْيَانًا يَكُونُ لَهَا وِثَابُ ... ... إِذَا قُمْنَا إِلَى التَّأْسِيسِ شَدَّتْ ... تُهَيِّبْنَا الْبِنَّاءَ وَقَدْ تُهَابُ
стр. 3283
فَلَمَّا أَنْ خَشِينَا الرِّجْزَ جَاءَتْ ... عِقَابٌ تَتْلَئِبُّ لَهَا انْصِبَابُ ... ... فَضَمَّتْهَا إِلَيْهَا ثُمَّ خَلَّتْ ... لَنَا الْبُنْيَانَ لَيْسَ لَهُ حِجَابُ ... ... فَقُمْنَا حَاشِدِينَ إِلَى بِنَاءٍ ... لَنَا مِنْهُ الْقَوَاعِدُ وَالتُّرَابُ ... ... غَدَاةَ نَرْفَعُ التَّأْسِيسَ مِنْهُ ... وَلَيْسَ عَلَى مُسَوِّينَا ثِيَابُ ... ... أَعَزَّ بِهِ الْمَلِيكُ بَنِي لُؤَيٍّ ... فَلَيْسَ لِأَصْلِهِ مِنْهُمْ ذَهَابُ ... ... وَقَدْ حَشَدَتْ هُنَاكَ بَنُو عَدِيٍّ ... وَمَرَّةً قَدْ تَعَمَّدَهَا كِلَابُ ... ... فَبَوَّأَنَا الْمَلِيكُ بِذَاكَ عِزًّا ... وَعِنْدَ اللَّهِ يُلْتَمَسُ الثَّوَابُ ... قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَذَلِكَ بَعْدَ الْفِجَارِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ لِبُنْيَانِ الْكَعْبَةِ وَكَانُوا يَهُمُّونَ بِذَلِكَ لِيَسْقُفُوهَا وَيَهَابُونَ هَدْمَهَا وَأَنَّهَا (كَانَتْ) رَضْمًا فَوْقَ الْقَامَةِ فَأَرَادُوا رَفْعَهَا وَتَسْقِيفَهَا وَذَلِكَ أَنَّ نَفَرًا سَرَقُوا كَنْزَ الْكَعْبَةِ وَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ فِي بِئْرٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ وَكَانَ الَّذِي وُجِدَ عِنْدَهُ الْكَنْزُ دُوَيْكٌ مَوْلًى لِبَنِي مَلِيحِ بْنِ عَمْرِو بْنِ خُزَاعَةَ فَقَطَعَتْ
стр. 3284
قُرَيْشٌ يَدَهُ وَتَزْعُمُ قُرَيْشٌ أَنَّ الَّذِينَ سَرَقُوهُ وَضَعُوهُ عِنْدَ دُوَيْكٍ وَكَانَ الْبَحْرُ قَدْ رَمَى سَفِينَةً إِلَى جُدَّةَ لِرَجُلٍ مِنْ تُجَّارِ الرُّومِ فتحطمت فأخدوا خَشَبَهَا وَأَعَدُّوهُ لِتَسْقِيفِهَا وَكَانَ بِمَكَّةَ رَجُلٌ قِبْطِيٌّ نَجَّارٌ فَتَهَيَّأَ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ بَعْضَ مَا يُصْلِحُهَا وَكَانَتْ حَيَّةٌ تَخْرُجُ مِنْ بِئْرِ الْكَعْبَةِ الَّتِي كَانَ يُطْرَحُ فِيهَا مَا يُهْدَى لَهَا (فَتَتَشَرَّفُ) كُلَّ يَوْمٍ عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ وَكَانَتْ مِمَّا يَهَابُونَ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَدْنُو مِنْهَا أَحَدٌ إِلَّا احْزَأَلَّتْ وَكَشَّتْ وَفَتَحَتْ فَاهَا فَكَانُوا يَهَابُونَهَا فَبَيْنَمَا هِيَ يَوْمًا تَشْرُفُ عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ كَمَا كَانَتْ تَصْنَعُ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا طَائِرًا فَاخْتَطَفَهَا فَذَهَبَ بِهَا فَقَالَتْ قُرَيْشٌ إِنَّا لَنَرْجُوَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ رَضِيَ مَا أَرَدْنَا عِنْدَنَا عَامِلٌ رَفِيقٌ وَعِنْدَنَا خَشَبٌ وَقَدْ كَفَانَا اللَّهُ الْحَيَّةَ فَلَمَّا أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ فِي هَدْمِهَا وَبُنْيَانِهَا قَامَ أَبُو وَهْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ فَتَنَاوَلَ مِنَ الْكَعْبَةِ حَجَرًا فَوَثَبَ مِنْ يَدِهِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى مَوْضِعِهِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَا تُدْخِلُوا فِي بُنْيَانِهَا مِنْ كَسْبِكُمْ إِلَّا طَيِّبًا لَا يَدْخُلُ فِيهَا مَهْرُ بَغِيٍّ وَلَا بَيْعُ رِبَا وَلَا
стр. 3285
مَظْلَمَةُ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ وَالنَّاسُ يَنْحَلُونَ هَذَا الْكَلَامَ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وحدثي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ (أَنَّهُ حَدَّثَ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ أَنَّهُ قَالَ حين نظر إلىابن الْجَعْدِ بْنِ هُبَيْرَةَ بْنِ أَبِي وَهْبٍ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ جَدُّ هَذَا يَعْنِي أَبَا وَهْبٍ هُوَ الَّذِي أَخَذَ حَجَرًا مِنَ الْكَعْبَةِ فَذَكَرَ الْخَبَرَ سَوَاءً٠ إِلَى قَوْلِهِ مَظْلَمَةُ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ ثُمَّ إِنَّ قُرَيْشًا تَجَزَّأَتِ الْكَعْبَةَ فَكَانَ شَقُّ الْبَابِ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَبَنِي زُهْرَةَ وَكَانَ مِنَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ لَبَنِي مَخْزُومٍ وَقَبَائِلُ قُرَيْشٍ انْضَمُّوا إِلَيْهِمْ وَكَانَ ظَهْرُ الْكَعْبَةِ لِبَنِي جُمَعٍ وَبَنِي سَهْمٍ ابْنَيْ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ وَكَانَ شَقُّ الْحَجَرِ لِبَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ وَلِبَنِي أَسَدِ بْنِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ وَلِبَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ وَهُوَ الْحَطِيمُ قَالَ ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ هَابُوا هَدْمَهَا وَفَرَقُوا مِنْهُ فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ أَنَا أَبْدَؤُكُمْ فِي هَدْمِهَا فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ ثُمَّ قام
стр. 3286
عليها وهو يقول اللهم لم ترع قَالَ ابْنُ هِشَامْ وَيُقَالُ لَمْ نَزَغْ (٢ اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نُرِيدُ إِلَّا الْخَيْرَ ثُمَّ هَدَمَ مِنْ نَاحِيَةِ الرُّكْنِ فَتَرَبَّصَ النَّاسُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَقَالُوا نَنْظُرُ فَإِنْ أُصِيبَ لَمْ نَهْدِمْ مِنْهَا شَيْئًا وَرَدَدْنَاهَا كَمَا كَانَتْ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ فَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ مَا صَنَعْنَا بِهَدْمِهَا فَأَصْبَحَ الْوَلِيدُ مِنْ لَيْلَتِهِ غَادِيًا عَلَى عَمَلِهِ فَهَدَمَ وَهَدَمَ النَّاسُ (مَعَهُ) حَتَّى إِذَا انْتَهَى الْهَدْمُ بِهِمْ إِلَى الْأَسَاسِ أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ أَفْضَوْا إِلَى حِجَارَةٍ خُضْرٍ كَالْأَسِنَّةِ أَخَذَ بَعْضُهَا بَعْضًا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فَحَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ رَوَى (هَذَا) الْحَدِيثَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ مِمَّنْ كَانَ يَهْدِمُهَا أَدْخَلَ عَتَلَةً بَيْنَ حَجَرَيْنِ لِيَقْلَعَ بِهَا أَحَدَهُمَا فَلَمَّا تَحَرَّكَ الْحَجَرُ تَنَقَّضَتْ مَكَّةُ بِأَسْرِهَا فَانْتَهَوْا عَنْ ذَلِكَ الْأَسَاسِ
стр. 3287
قَالَ وَحُدِّثْتُ أَنَّ قُرَيْشًا وَجَدُوا فِي الرُّكْنِ كِتَابًا بِالسُّرْيَانِيَّةِ فَلَمْ يَدْرُوا مَا هُوَ حَتَّى قَرَأَهُ لَهُمْ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ فَإِذَا هُوَ أَنَا اللَّهُ ذُو بَكَّةَ خَلَقْتُهَا يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَصَوَّرْتُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَحَفَفْتُهَا بِسَبْعَةِ أَمْلَاكٍ حُنَفَاءَ لَا تَزُولُ حَتَّى يَزُولَ أَخْشَبَاهَا مُبَارَكٌ لِأَهْلِهَا فِي الْمَاءِ وَاللَّبَنِ قَالَ وَحُدِّثْتُ أَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي الْمَقَامِ كِتَابًا فِيهِ مَكَّةُ بَيْتُ اللَّهِ الْحَرَامُ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ ثَلَاثَةِ سُبُلٍ لَا يَحِلُّهَا أَوَّلُ مَنْ أَهَلَّهَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ ثُمَّ إِنَّ الْقَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ جَمَعَتِ الْحِجَارَةَ لِبِنَائِهَا كُلُّ قَبِيلَةٍ تَجْمَعُ عَلَى حِدَةٍ ثُمَّ بَنَوْهَا حَتَّى بَلَغَ الْبُنْيَانُ مَوْضِعَ الرُّكْنِ فَاخْتَصَمُوا فِيهِ كُلُّ قَبِيلَةٍ تُرِيدُ أَنْ تَرْفَعَهُ إِلَى مَوْضِعِهِ دُونَ الْأُخْرَى حَتَّى تَحَاوَرُوا وَتَخَالَفُوا وَاعْتَدُّوا لِلْقِتَالِ فَقَرَّبَتْ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ جَفْنَةً مَمْلُوءَةً دَمًا ثُمَّ تَعَاهَدُوا هُمْ وَبَنُو عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ
стр. 3288
لُؤَيٍّ عَلَى الْمَوْتِ وَأَدْخَلُوا أَيْدِيَهُمْ فِي ذَلِكَ الدَّمِ فِي تِلْكَ الْجَفْنَةِ فَسُمُّوا لَعَقَةُ الدَّمِ فَمَكَثَتْ قُرَيْشٌ عَلَى ذَلِكَ أَرْبَعَ لَيَالٍ أَوْ خَمْسًا ثُمَّ إِنَّهُمُ اجْتَمَعُوا فِي الْمَسْجِدِ فَتَشَاوَرُوا وَتَنَاصَفُوا فَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الرِّوَايَةِ أَنَّ أَبَا أُمَيْنَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ وَكَانَ يَوْمَئِذٍ أَسَنَّ قُرَيْشٍ كُلِّهَا فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ فِيمَا تَخْتَلِفُونَ فِيهِ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَابِ هَذَا الْمَسْجِدِ يَقْضِي بَيْنَكُمْ فِيهِ فَفَعَلُوا فَكَانَ أَوَّلُ دَاخِلٍ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا هَذَا الْأَمِينُ رَضِينَا هَذَا مُحَمَّدٌ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِمْ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَلُمَّ إِلَيَّ ثَوْبًا فَأُتِيَ بِهِ فَأَخَذَ الرُّكْنَ فَوَضَعَهُ فِيهِ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لِتَأْخُذْ كُلُّ قَبِيلَةٍ بِنَاحِيَةٍ مِنَ الثَّوْبِ ثُمَّ ارْفَعُوهُ جَمِيعًا فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا بَلَغُوا بِهِ مَوْضِعَهُ وَضَعَهُ هُوَ بِيَدِهِ ثُمَّ بُنِيَ عَلَيْهِ قَالَ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُسَمِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ الْأَمِينُ قَالَ وَكَانَتِ الْكَعْبَةُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا كَانَتْ تُكْسَى الْقَبَاطِيَّ ثُمَّ كُسِيَتِ الْبُرُودَ وأول من كساها الديباج الحجاج (ابن يوسف)
стр. 3289
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ أَبُو زَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ خَبَّابٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ مَوْلَاهُ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ فِيمَنْ بَنَى الْكَعْبَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ وَلِي حَجَرٌ أَنَا نَحَتُّهُ بِيَدِي أَعْبُدُهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَجِيءُ بِاللَّبَنِ الْخَاثِرِ الَّذِي أُنَفِّسُهُ عَلَى نَفْسِي وَعَلَى وَلَدِي فَأَصُبُّهُ عَلَيْهِ فَيَجِيءُ الْكَلْبُ حَتَّى يَلْحَسَهُ ثُمَّ يَشْغَرُ فَيَبُولُ عَلَيْهِ قَالَ فَبَنَيْنَا حَتَّى بَلَغْنَا مَوْضِعَ الْحَجَرِ وَمَا يَرَى الْحَجَرَ أَحَدٌ فَإِذَا هُوَ وَسْطُ حِجَارَةٍ تَكَادُ أَنْ تَتَرَايَا فِيهَا وُجُوهُنَا فَقَالَ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ نَحْنُ نَضَعُهُ وَقَالَ آخَرُونَ نَحْنُ فَقَالُوا اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ حَكَمًا قَالُوا أَوَّلُ مَنْ يَجِيءُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالُوا أَتَاكُمُ الْأَمِينُ فَقَالُوا لَهُ فَوَضَعَهُ فِي ثَوْبٍ ثُمَّ دَعَا بُطُونَهُمْ فَأَخَذُوا بِنَوَاحِيهِ فَمَشَى مَعَهُمْ حَتَّى وَضَعَهُ هُوَ وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي سَبْرَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ شِبْلٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ كَانَ بَابُ الْكَعْبَةِ
стр. 3290
عَلَى عَهْدِ الْعَمَالِيقِ وَجُرْهُمَ وَإِبْرَاهِيمَ ﵇ بِالْأَرْضِ حَتَّى بَنَتْهُ قُرَيْشٌ وَرَدَمُوا الرَّدْمَ الْأَعْلَى وَصَرَفُوا السَّيْلَ عَنِ الْكَعْبَةِ وَكَسَوْا يَوْمَئِذٍ الْبَيْتَ الْوَصَائِلَ قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَحَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن سَبِّ أَسْعَدَ الْحِمْيَرِيِّ وَهُوَ تَبَعٌ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَسَا الْبَيْتَ وَهُوَ تَبَعُ الْآخَرِ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّيْبُلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سعيد بن عبد الرحمان قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَدِمَ مَكَّةَ فَأَرْسَلَ إِلَى شَيْخٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ قَالَ أَبِي فَذَهَبْتُ مَعَهُ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ جَالِسٌ فِي الْحِجْرِ فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ إن قريشا تقربت لبناء الكعبة فعجزت واستقصرت فَتَرَكُوا بَعْضَ الْبَيْتِ فِي الْحِجْرِ فَقَالَ عُمَرُ صَدَقْتَ وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ شَابُورَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ لَمَّا أَرَادَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَنْ يَهْدِمَ الْبَيْتَ وَيَبْنِيَهُ قَالَ
стр. 3291
لِلنَّاسِ اهْدِمُوا فَأَبَوْا أَنْ يَهْدِمُوا وَخَافُوا أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ قَالَ مُجَاهِدٌ فَخَرَجْنَا إِلَى مِنًى فَأَقَمْنَا بِهَا ثَلَاثًا نَنْتَظِرُ الْعَذَابَ قَالَ وَارْتَقَى ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ هُوَ بِنَفْسِهِ فَهَدَمَ فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ اجْتَرَءُوا عَلَى ذَلِكَ قَالَ فَهَدَمُوا قَالَ فَلَمَّا بَنَاهَا جَعَلَ لَهَا بَابَيْنِ وَأَوْطَأَهُمَا بِالْأَرْضِ بَابًا يَدْخُلُونَ مِنْهُ وَبَابًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ وَزَادَ فِيهَا مِمَّا يَلِي الْحِجْرَ سِتَّةَ أَذْرُعٍ وَزَادَ فِي طُولِهَا تِسْعَةَ أَذْرُعٍ قَالَ فَلَمَّا ظَهَرَ الْحَجَّاجُ رَدَّ الَّذِي كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَدْخَلَ مِنَ الْحِجْرِ فِيهَا فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ وَدِدْنَا أَنَّا كُنَّا تَرَكْنَا أَبَا خُبَيْبٍ وَمَا تَوَلَّى مِنْ ذَلِكَ (يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ) وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبِي قَالَ سَمِعْتُ مَرْثَدَ بْنَ شَرَاحِيلَ يُحَدِّثُ أَنَّهُ حَضَرَ ذَلِكَ قَالَ أَدْخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى عَائِشَةَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ خِيَارِ قُرَيْشٍ فَأَخْبَرَتْهُمْ أَنَّ رسول الله ﷺ قال لَهَا لَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالشِّرْكِ لَبَنَيْتُ الْبَيْتَ عَلَى قَوَاعِدِ إِسْمَاعِيلَ وَإِبْرَاهِيمَ وَتَدْرِي لِمَ قَصَّرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ قَالَتْ قُلْتُ لَا قَالَ قَصَّرَتْ بِهِمْ
стр. 3292
النَّفَقَةُ قَالَ وَكَانَتِ الْكَعْبَةُ قَدْ وَهَتْ مِنْ حَرِيقِ أَهْلِ الشَّامِ قَالَ فَهَدَمَهَا وَأَنَا يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ فَكَشَفَ عَنْ رَبَضِ الْحَجَرِ أَخَذَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ فَتَرَكَهُ مَكْشُوفًا ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ يَتَشَهَّدُ عَلَيْهِ قَالَ فَرَأَيْتُ رَبَضَهُ ذَلِكَ كَخَلْفِ الْإِبِلِ خَمْسَ حُجَارَاتٍ وَجْهٌ حَجَرٌ وَوَجْهٌ حَجَرٌ وَوَجْهٌ حَجَرَانِ قَالَ وَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَأْخُذُ الْعَتَلَةَ فَيَهُزُّهَا مِنْ نَاحِيَةِ الرُّكْنِ الْآخَرِ فَيَهْتَزُّ الرُّكْنُ الْآخَرُ قَالَ ثُمَّ بَنَاهُ عَلَى ذَلِكَ الرَّبَضِ وَصَنَعَ لَهُ بَابَيْنِ لَاصِقَيْنِ بِالْأَرْضِ شَرْقِيًّا وَغَرْبِيًّا فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ هَدَمَهُ الْحَجَّاجُ مِنْ نَاحِيَةِ الْحِجْرِ ثُمَّ أَعَادَهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَالَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ وَدِدْتُ أَنَّكَ تَرَكْتَ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَمَا تَحْمِلُ قَالَ مَرْثَدٌ وَسَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ لَوْ وُلِّيتُ مِنْهُ مَا كَانَ وَلِيَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لَأَدْخَلْتُ الْحِجْرَ كُلَّهُ فِي الْبَيْتِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَلِمَ يُطَافُ بِالْحِجْرِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْبَيْتِ وَرُوِّينَا أَنَّ الرَّشِيدَ هَارُونَ ذَكَرَ لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ يُرِيدُ هَدْمَ مَا بَنَى الْحَجَّاجُ مِنَ الْكَعْبَةِ وَأَنْ يَرُدَّهُ إِلَى بُنْيَانِ ابْنِ الزُّبَيْرِ لِمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَامْتَثَلَهُ ابْنُ
стр. 3293
الزُّبَيْرِ فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ نَاشَدْتُكَ اللَّهَ يَا أمير المؤمنين أن تَجْعَلَ هَذَا الْبَيْتَ مَلْعَبَةً لِلْمُلُوكِ لَا يَشَاءُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا نَقَضَ الْبَيْتَ وَبَنَاهُ فَتَذْهَبُ هَيْبَتُهُ مِنْ صُدُورِ النَّاسِ قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحِجْرَ مِنَ الْبَيْتِ وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْآثَارِ وَإِذَا صَحَّ أَنَّ الْحِجْرَ مِنَ الْبَيْتِ فَوَاجِبٌ إِدْخَالُهُ فِي الطَّوَافِ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ كُلَّ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ لَزِمَهُ أَنْ يُدْخِلَ الْحِجْرَ فِي طَوَافِهِ وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى ذَلِكَ مَا يَكْفِي وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ لَمْ يَطُفْ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ وَلَمْ يُدْخِلِ الْحِجْرَ فِي طَوَافِهِ فَالَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُجْزِئُ وَأَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ مَنْ لَمْ يَطُفْ فَمَنْ لَمْ يَطُفِ الطَّوَافَ الْوَاجِبَ كَامِلًا رَجَعَ مِنْ بِلَادِهِ حَتَّى يَطُوفَ وَيُكْمِلَهُ فَهُوَ فَرْضٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ وَمِمَّنْ قَالَ مَا ذَكَرْنَا فِي الطَّوَافِ وَرَاءَ الْحِجْرِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْحِجْرُ مِنَ الْبَيْتِ وَيَتْلُو قَوْلَ اللَّهِ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ وَيَقُولُ
стр. 3294
طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ مَنْ لَمْ يُدْخِلِ الْحِجْرَ فِي طَوَافِهِ وَلَمْ يَطُفْ مِنْ وَرَائِهِ فِي شَوْطٍ أَوْ شَوْطَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ أَلْغَى ذَلِكَ وَبَنَى عَلَى مَا كَانَ طَافَ طَوَافًا كَامِلًا قَبْلَ أَنْ يَسَلُكَ فِي الْحِجْرِ وَلَا يَعْتَدُّ بِمَا سَلَكَ فِي الْحِجْرِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ مَنْ سَلَكَ فِي الْحِجْرِ وَلَمْ يَطُفْ مِنْ وَرَائِهِ وَذَكَرَ ذَلِكَ وَهُوَ بِمَكَّةَ أَعَادَ الطَّوَافَ وَإِنْ كَانَ شَوْطًا قَضَاهُ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ قَضَى مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ خَرَجَ عَنْ مَكَّةَ وَانْصَرَفَ إِلَى الْكُوفَةِ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَحَجُّهُ تَامٌّ وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ نَحْوَ ذَلِكَ قَالَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ فَإِنْ حَلَّ أَهْرَاقَ دَمًا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسْتَلِمْ مِنَ الْأَرْكَانِ إِلَّا رُكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّ وَالْأَسْوَدَ وَعَلَى هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَفُقَهَاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْحَدِيثِ وَلَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا إِلَّا فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَلِمُونَ الْأَرْكَانَ (كُلَّهَا) وَرُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ وَأَبِي الشَّعْثَاءِ مِثْلَ ذَلِكَ وَرُوِيَ عَنْهُمَا خلافه
стр. 3295
وَاخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ فِي ذَلِكَ فَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ قَدِمَ مُعَاوِيَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ فَطَافَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَاسْتَلَمَ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا فَقَالَ مُعَاوِيَةُ إِنَّمَا اسْتَلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ أَرْكَانِهِ مَهْجُورًا وَرَوَى هَذَا الْخَبَرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ عَنْ أبي الطُّفَيْلِ فَقَلَّبَ الْقِصَّةَ فِيهِ وَجَعَلَ مَكَانَ ابْنِ عَبَّاسٍ مُعَاوِيَةَ وَمَكَانَ مُعَاوِيَةَ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَرِيكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ عن أبي الطفيل قَالَ طَافَ مُعَاوِيَةُ بِالْبَيْتِ وَمَعَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا فَإِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي الْحِجْرِ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْتَلِمُ هَذَيْنِ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْبَيْتِ شَيْءٌ مَهْجُورٌ (وَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَتَخَافَتُهَا كُلَّمَا اسْتَلَمَ وَيَقُولُ
следующие страницы →