← Книги сунны

Книги сунны · id 171

صحيح الترغيب والترهيب

ناصر الدين الألباني

Полный текст (1 777 стр.). Показаны 98–137 · переход к 103.

стр. 98

[١ - كتاب الإخلاص] (١) ١ - (الترغيب في الإخلاص والصدق والنية الصالحة) ١ - (١) [صحيح] عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "انطلقَ ثلاثةُ نفرٍ ممن كان قبلكم، حتى آواهمُ المبيتُ إلا غارٍ، فدخلوه، فانحدَرَت صخرةٌ من الجبل، فَسَدَّتْ عليهم الغارَ، فقالوا: إنه لا يُنجيكم من هذه الصخرةِ إلا أن تدعُوا الله بصالحِ أعمالِكم. فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوانِ شيخانِ كبيرانِ، وكنت لا أغبُقُ قبلهما أهلاً ولا مالاً، فنأى (٢) بي طلبُ شجرٍ يوماً فلم أُرِحْ (٣) عليهما حتى ناما، فحلبتُ لَهما غَبوقَهما، فوجدتُهما نائمين، فكرهتُ أن أغبُقَ (٤) قبلَهما أهلاً ولا مالاً، فلبثتُ والقَدَحُ على يدي، أنتظر استيقاظهما، حتى بَرَقَ الفجرُ، (زاد بعض الرواةُ: والصبيةُ يتضاغَوْن عند قَدَميَّ)، فاستيقظا، فشربا غَبوقَهما، اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك ففرِّجْ عنا ما نحنُ فيه من هذه الصخرةِ، فانْفَرَجَتْ شيئاً لا يستطيعون الخروجَ، -قال النبي ﷺ .

стр. 99

قالَ الآخرُ: اللهم كانتْ لي ابنةُ عم كانت أحبُّ الناس إلي، فأَرَدْتُها عن نفسها، فامتنعتْ مِني، حتى أَلَمَّتْ بها سَنَةٌ من السنين، فجاءتني، فأَعطيتُها عشرين ومئة دينارٍ، على أن تُخلِّيَ بيني وبين نَفسِها، فَفَعلتْ، حتى إذا قَدَرْتُ عليها قالت: لا أُحِلُّ لك أنْ تَفُضَّ الخاتمَ إلا بحقِّه، فتخرّجْتُ من الوقوع عليها، فانصرفتُ عنها وهي أحبُّ الناسِ إليّ، وتركتُ الذهبَ الذي أعطيتُها، اللهم إنْ كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك فافرُجْ عنَّا ما نحن فيه، فانفرجتِ الصخرةُ، غير أنهم لا يستطيعون الخروجَ منها، -قال النبي ﷺ :- وقال الثالثُ: اللهم إني استأجرتُ أُجَراء، وأعطيتُهم أجرَهم، غيرَ رجلٍ واحدٍ، تَرك الذي له وذَهَبَ، فثمَّرتُ أجرَه، حتى كثُرَتْ منه الأموالُ، فجاءني بعد حين، فقال لي: يا عبدَ الله أدِّ إليَّ أجري. فقلتُ: كلُّ ما ترى من أجرِك؛ من الإبل والبقر والغنم والرقيق! فقال: يا عبدَ الله! لا تَسْتَهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئُ بك، فأخذه كلَّه، فاستاقه، فلم يتركْ منه شيئاً. اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهِكَ فافرُجْ عنا ما نحن فيه، فانفرجتِ الصخرةُ، فخرجوا يمشون. وفي رواية: أن رسول الله ﷺ قال: "بينما ثلاثةُ نفرٍ ممن كان قَبلكم يمشون، فأصابهم مطرٌ، فأوَوْا إلى غارٍ، فانطبقَ عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنه واللهِ يا هؤلاءِ لا يُنجيكم إلا الصدقُ، فليدْعُ كلُّ رجلٍ منكم بما يعلم أنه قد صَدَقَ فيه، فقال أحدُهم: اللهم إنْ كنتَ تعلمُ أنه كان لي أجيزٌ، عمِلَ لي على فَرَقِ من أرزٍّ، فذهب وَتَرَكه، وأني عَمَدْتُ إلى ذلك الفَرَق فَزَرَعْتُه، فصار من أمرهَ إلى أن اشتريتُ منه بقراً، وأنَّه أتاني يطلبُ أجرَه، فقلتُ له: اعمِدْ إلى تلك البقرِ؛ فإنها من ذلك الفَرَقِ،

стр. 100

فساقها، فإنْ كنتَ تَعلمُ أنّي فعلتُ ذلك من خشيتِكَ ففرِّجْ عنا، فانساحَتْ عنهم الصخرةُ"، فذكر الحديث قريباً من الأول. رواه البخاري ومسلم والنسائي. ٢ - (٢) [صحيح] ورواه ابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي هريرة باختصار، ويأتي لفظه في [ج ٢/ ٢٢ - البر/١] "بر الوالدين" إنْ شاء الله تعالى. قوله: "وكنت لا أغبقُ قبلهما أهلاً ولا مالاً". (الغَبوق): بفتح الغين المعجمة هو الذي يشرب بالعشي، ومعناه كنت لا أقدّم عليهما في شرب اللبن أهلاً ولا غيرهم. (يَتضاغون) (١): بالضاد والغين المعجمتين، أي: يصيحون من الجوع. (السَّنَة): العام القحط الذي لم تنبت الأرض فيه شيئاً سواء نزل غيث أم لم ينزل. (تفضّ الخاتم): هو بتشديد الضاد المعجمة، وهو كناية عن الوطء. (الفَرَق): بفتح الفاء والراء مكيال معروف. (فانساحت) (٢): هو بالسين والحاء المهملتين، اْي: تَنَحَّتِ الصخرة وزالت عن فم الغار.

стр. 101

٣ - (٣) [صحيح] وعن أبي فراس -رجلٌ من أسلم- قال: نادى رجل فقال: يا رسول الله! ما الإيمان؟ قال: "الإخلاص". وفي لفظ آخر قال: قال رسول الله ﷺ : "سلوني عما شئتم". فنادى رجل: يا رسول الله! ما الإسلام؟ قال: "إقامُ الصلاةِ، وإيتاء الزكاة". قال: فما الإيمان؟ قال: "الإخلاصُ". قال: فما اليقين؟ قال: "التصديقُ". رواه البيهقي، وهو مرسل. (١) ٤ - (٤) [صحيح لغيره] وعن أبي سعيد الخُدري عن النبي ﷺ ، أنّه قال في حجة الوداع: "نَضَّرَ (٢) اللهُ امرءاً سمع مقالتي فَوَعاها، فَرُبَّ حاملِ فقهٍ ليس بفقيه،

стр. 102

ثلاثٌ لا يُغَلُّ (١) عليهن قلبُ امرئٍ مؤمنٍ: إخلاصُ العمل لله، والمناصحةُ لأئمة المسلمين، ولزومُ جماعتِهم، فإنَّ دعاءهم يُحيطُ من ورائهم". رواه البزار بإسناد حسن. ٥ - (٥) [صحيح] ورواه ابن حبان في "صحيحه" من حديث زيد بن ثابت، ويأتي في "سماع الحديث" إنْ شاء الله تعالى. قال الحافظ عبد العظيم: "وقد روي هذا الحديث أيضاً عن ابن مسعود، ومعاذ بن جبل، والنعمان بن بشير، وجبير بن مطعم، وأبي الدرداء، وأبي قرصافة جندرة بن خيشنة، وغيرهم من الصحابة ﵃، وبعض أسانيدهم صحيح (٢) ". ٦ - (٦) [صحيح] وعن مُصعَب بن سعد عن أبيه ﵁: أنّه ظن أنّ له فضلاً على من دونه (٣) من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "إنما يَنصرُ اللهُ هذه الأمةَ بضعيفِها؛ بدعوتِهم وصلاتِهم وإخلاصِهم". رواه النسائي وغيره، وهو في البخاري وغيره دون ذكر الإخلاص. ٧ - (٧) [صحيح لغيره] وعن الضحاك بن قيس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله ﵎ يقول: أنا خيرُ شريكٍ، فمن أشركَ معي شريكاً

стр. 103

فهو لشريكي، يا أيها الناسُ أَخْلِصوا أعمالَكم؛ فإن الله ﵎ لا يقبل من الأعمالِ إلا ما خَلُصَ له، ولا تقولوا: هذه لله وللرحمِ؛ فإنها للرحمِ، وليس لله منها شيءٌ، ولا تقولوا: هذه للهِ ولوجوهكمَ؛ فإنها لوجوهكم، وليس لله منها شيءٌ". رواه البزار بإسناد لا بأس به، والبيهقي (١). قال الحافظ: "لكن الضحاك بن قيس مختلف في صحبته". ٨ - (٨) [حسن] وعن أبي أمامة قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ الله ﷺ فقال: أرأيتَ رجلاً غزا يلتمسُ الأجْرَ والذِّكْرَ؛ ما لَهُ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا شيءَ له"، فأعادها ثلاث مِرارٍ، ويقولُ رسولُ اللهِ ﷺ : "لا شيء له"، ثم قال: "إن الله لا يَقبلُ من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتُغيَ به وجهُهُ". رواه أبو داود والنسائي بإسناد جيد (٢)، وستأتي أحاديث من هذا النوع في "الجهاد" إن شاء الله تعالى.

стр. 104

٩ - (٩) [حسن لغيره] وعن أبي الدرداءِ عن النبي ﷺ قال: "الدنيا ملعونةٌ، ملعونٌ ما فيها إلا ما ابتُغِيَ به وجهُ الله". رواه الطبراني بإسناد لا بأس به. (١) (فصل) ١٠ - (١٠) [صحيح] عن عُمرَ بنِ الخطابِ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنما الأعمال بالنِّيَّة، -وفي رواية: بالنَيَّاتِ-، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسولِهِ، ومن كانتْ هجرته إلى دنيا يُصيبُها، أو امرأةٍ يَنكِحُها، فهجرتُه إلى ما هاجرَ إليه". رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسائي (٢). قال الحافظ: "وزعم بعض المتأخرين أن هذا الحديث بلغ مبلغَ التواتر، وليس كذلك؛ فإنه انفرد به يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التَّممي (٣)، ثم رواه عن الأنصاري خلق كثير، نحو مئتي راوٍ، وقيل: سبعُ مئة راوٍ، وقيل: أكثر من ذلك. وقد روي من طرق كثيرة غير طريق الأنصاري، ولا يصح منها شيء. كذا قاله الحافظ علي بن المديني وغيره من

стр. 105

الأئمة. وقال الخطابي: لا أعلم في ذلك خلافاً بين أهل الحديث. والله أعلم (١) ". ١١ - (١١) [صحيح] وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "يَغْزُو جيشٌ الكعبة، فإذَا كانوا ببيداءَ من الأرضِ، يُخسَفُ بأولِهِم وآخرهم". قالتْ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ! كيفَ يُخسَفُ بأوَّلِهِم وآخرِهِم وفيهم أسواقُهم (٢)، ومَن ليسَ مِنهم؟ قال: "يُخسفُ بأولِهم وآخرِهم، ثم يُبْعَثُونَ على نِيّاتِهم". رواه البخاري ومسلم وغيرهما. ١٢ - (١٢) [صحيح] وعن أنس بن مالك ﵁ قال: رجعنا من غزوة تبوك مع النبي ﷺ فقال: "إن أقواماً خَلْفَنَا (٣) بالمدينة، ما سَلَكْنا شِعْباً (٤) ولا وادياً إلاَّ وهم معنا، حَبَسَهم العُذرُ".

стр. 106

رواه البخاري وأبو داود، ولفظه: أن النبي ﷺ قال: "لقد تركتُم بالمدينةِ أقواماً ما سِرتُم مَسيراً، ولا أنفقتُم مِن نَفَقَةٍ، ولا قَطَعتُم من واد إلاَّ وهم معكم". قالوا: يا رَسولَ الله! وكيف يَكونونَ معنا وهم بالمدينةِ؟ قال: "حَبَسَهُم المرضُ". ١٣ - (١٣) [صحيح لغيره] وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما يُبعث الناسُ على نِيَّاتِهم". رواه ابن ماجه بإسناد حسن. ١٤ - (١٤) [صحيح لغيره] ورواه أيضاً من حديث جابر؛ إلا أنه قال: "يُحْشَرُ الناسُ". ١٥ - (١٥) [صحيح] وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله لا ينظرُ إلى أجسامِكم، ولا إلى صورِكم، ولكنْ ينظرُ إلى قلوبِكم [وأشار بأصابِعه إلى صدره]، [وأعمالكم] (١) ". رواه مسلم. ١٦ - (١٦) [صحيح لغيره] وعن أبي كَبْشَةَ الأنماريّ ﵁؛ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ثلاثٌ أُقسِمُ عليهن، وأُحدِّثُكم حديثاً فاحْفظوه، -قال:- ما نقص مالُ عبدٍ من صدقةٍ، ولا ظُلم عبدٌ مَظلمةً صبرَ عليها إلا زادَه الله

стр. 107

عزًّا، ولا فَتَحَ عبدٌ بابَ مسألةٍ إلا فَتَحَ اللهُ عليه بابَ فقرٍ، أو كلمةٌ نحوها. وَأُجدِّثكم حديثاً فاحْفظوه: إنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ، عَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا، وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ، يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْت بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا، وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا فَهُوَ يَخْبِطُ (١) فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْمَلُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٌ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْت فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ". رواه أحمد والترمذي -واللفظ له- وقال: "حديث حسن صحيح"، [صحيح] ورواه ابن ماجه ولفظه: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَثَلِ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ، رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا، فَهُوَ يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ فِي مَالِهِ؛ يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يُؤْتِهِ مَالًا وَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ هَذَا عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي يَعْمَلُ، -قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :- فَهُمَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يُؤْتِهِ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ، يُنْفِقُهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، وَرَجُلٌ لَمْ يُؤْتِهِ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا، وَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ هَذَا عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي يَعْمَلُ، -قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :- فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ".

стр. 108

١٧ - (١٧) [صحيح] وَعَنِ ابْنِ عباسٍ؛ أنَّ رسول اللهِ ﷺ قَالَ فيما يروي عن ربه : "إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسيئَاتِ، ثم بَيَّنَ ذَلِكَ في كتابه؛ فمن هَمَّ بِحسنةٍ فلم يَعْمَلْهَا؛ كتبها اللهُ عِنْدَهُ حسنةً كاملةً، فَإِنْ هَمَّ بِها فَعَمِلَهَا؛ كتبها اللهُ عنده عشرَ حسناتٍ، إلى سبع مِئةِ ضِعفٍ، إلى أضعافٍ كثيرَةٍ، ومن هَمَّ بسيئةٍ فلم يَعمَلْها، كتبها اللهُ عنده حسنةً كاملةً، وإن هو هَمَّ بها فَعمِلَهَا؛ كتبها اللهُ سيئةً واحدَةً" -زاد في رواية (١):- "أو محاها، ولا يَهلِكُ [على] الله إِلا هَالِكٌ". رواه البخاري ومسلم. ١٨ - (١٨) [صحيح] وعن أبي هريرة؟ أن رسول الله ﷺ قال: "يقولُ اللهُ : إِذا أراد عبدي أن يعمل سيئةً فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بِمثلها، وإن تَركَهَا من أجلي، فاكتبوها له حسنةً، وإن أراد أن يعمَلَ حَسنةً فلم يَعمَلْها، فاكتبوها له حسنةً، فإن عمِلَها فاكتبوها له بعشرِ أمثالِها، إلى سبع مِئة". رواه البخاري -واللفظ له- ومسلم. وفي رواية لمسلم: قال رسول الله ﷺ : "من همَّ بحسنةٍ فلم يعملها كُتِبَتْ له حسنةً، ومن هَمَّ بحسنةٍ فَعَمِلَها كُتِبَتْ له عشرُ حسناتَ، إلى سبع مِائة ضِعفٍ، ومن هَمَّ بسيئةٍ فلم يعَملْهَا لم تُكتَبْ عليه، وإن عَملَها كُتِبَتْ". وفي أخرى له قال:

стр. 109

عن محمد رسول الله ﷺ قال: "قال اللهُ : إذَا تَحَدَّثَ عبْدي بأن يعملَ حسنةً، فأنا أَكْتُبُها له حسنةً ما لم يَعْمَلَها، فإذا عَمِلَها فإني أكتُبُها له بعشرِ أمثالها، وإذا تحدَّثَ عبدي بأن يعملَ سيئةً، فأنا أغفرُها له ما لم يعملْها، فإذا عملها، فأنا أكتبها له بِمثلها، وإنْ تَرَكها فاكتبوها له حسنةً، إنما تَرَكهَا من جَرّاي". قوله: (من جرّاي) بفتح الجيم وتشديد الراء، أي: من أجلي. ١٩ - (١٩) [صحيح] وعن مَعن بن يزيد ﵄ قال: كان أبي يزيدُ أخرجَ دنانير يَتَصَّدقُ بها، فوضَعها عندَ رجلٍ في المسجد، فجئتُ فأخذتُها فأتيتُه بها، فقال: واللهِ ما إيَّاك أردتُ، فخاصمتُه إِلى رسولِ اللهِ ﷺ فقال: "لَكَ ما نويتَ يا يَزيدُ! ولك ما أخذت يا مَعْنُ! ". رواه البخاري. ٢٠ - (٢٠) [صحيح] وعن أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "قال رجل لأتَصَدَّقَنَّ بصدقةٍ، فخرج بِصدقَتِه فوضعها في يَدِ سارق (١). فأصبحوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ (٢) اللَّيلة على سارقِ! فقال: اللهم لك الحمْدُ على سارق (٣)! لأتصدقَنَّ بصدقةٍ، فخرج بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ! فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ! لأتَصَدَّقَنَّ بصدَقَة، فخرجَ بِصدقَتِه فوضعها في يَدِ غَنِىٍّ، فأصبحوا

стр. 110

يَتَحَدَّثُون: تُصُدِّقَ اللَّيلَةَ عَلَى غَنِيٍّ! فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ وَزَانِيَةٍ وَغَنِىٍّ! فَأُتِىَ، فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الْغَنِىُّ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ". رواه البخاري -واللفظ له-، ومسلم والنسائي، وقالا فيه: "فقيل له أمّا صدقتك فقد تُقُبِّلَتْ" ثم ذكر الحديث. ٢١ - (٢١) [حسن صحيح] وعن أبي الدرداء يبلغُ به النبي ﷺ قال: "من أتى فراشهُ وهو يَنوي أنّ يقومَ يُصلي من الليل، فغلَبَتْه عينُه حتى أصبحَ؛ كُتِب له ما نوى، وكان نومُه صدقةً عليه من رَبِّه". رواه النسائي وابن ماجه بإسناد جيّد، ورواه ابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي ذرّ أو أبي الدرداء على الشك. قال الحافظ عبد العظيم ﵀: "وسيأتي أحاديث من هذا النوع متفرقة في أبواب متعددة من هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى".

стр. 111

٢ - (الترهيب من الرياء وما يقوله من خاف شيئاً منه). ٢٢ - (١) [صحيح] عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: مَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: فُلانٌ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ، هُوَ قارئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ". رواه مسلم والنسائي. ورواه الترمذي وحسنه، وابن حبان في "صحيحه"؛ كلاهما بلفظ واحد عن (١) الوليد ابن الوليد أبي عثمان المديني؛ أن عُقبةَ بنَ مسلم حدَّثه، أن شُفَيّاً الأصبحيّ حدثه:

стр. 112

أنه دخل المدينةَ فإذا هو برجلٍ قد اجْتمَعَ عليه الناسُ، فقال: من هذا؟ قالوا: أبو هريرةَ، قال: فَدَنَوْتُ منه، حتى قَعدتُ بين يديه؛ وهو يحدِّث الناسَ، فلمَّا سَكَتَ وخلا، قلت له: أسألك بحقِّ وبحقِّ، لمّا حَدَّثْتَني حديثاً سمعتَه من رسول الله ﷺ وعَقِلْتَه وعَلِمتَه، فقال أبو هريرة. أفعلُ، لأحدِّثنَّك حديثاً حَدَّثنيه رسولُ الله ﷺ عَقِلْتهُ وعلمتُه، ثم نَشَغَ أبو هريرة نَشغةً فمكثنا قليلاً ثم أفاق، فقال: لأحدِّثنَّك حديثاً حدَّثنيه رسول الله ﷺ أنا وهو في هذا البيت، ما معنا أحدٌ غيري وغيرُه، ثم نَشَغَ أبو هريرة نَشغةً أخرى، ثم أفاق ومسح عن وجهه، فقال: أفعلُ، لأُحَدِّثَنَّك حديثاً حدثنيه رسول الله ﷺ أنا وهو في هذا البيت، ما معنا أحدٌ غيري وغيره، ثم نَشَغَ أبو هريرة نشغةً شديدةً، ثم مال خارّاً (١) على وجهه، فأسندتُه طويلاً، ثم أفاق، فقال: حدثني رسول الله ﷺ : "إن الله ﵎ إذا كان يومُ القيامةِ، يَنزلُ إلى العبادِ (٢)، لِيَقضِيَ بينهم، وكلُّ أمّةٍ جاثيةٌ، فأولُ من يُدعى به رجلٌ جمع القرآنَ، ورجلٌ قُتلَ في سبيلِ اللهِ، ورجلٌ كثيرُ المال، فيقولُ اللهُ للقارئِ: ألم أعلِّمْكَ ما أنزلتُ على رسولي؟ قال: بلى يا ربِّ، قال: فما عَمِلتَ فيما عَلِمتَ؟ قال: كنت أقومُ به آناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ، فيقول الله له: كَذَبْتَ، وتقول له الملائكةُ: كَذَبْتَ، ويقول الله ﵎: بل أردت أن يقالَ: فلان قارئٌ، وقد قيل ذلك.

стр. 113

ويؤتى بصاحب المال، فيقولُ اللهُ : ألم أُوْسع (١) عليك حتّى لم أدَعْكَ تحتاجُ إلى أحدِ؟ قال: بلى يا ربِّ؛ قال: فماذا عملتَ فيما آتيتُكَ؟ قال: كُنتُ أَصِلُ الرَّحِمُ، وأتصدَّقُ. فيقولُ الله له: كذَبْتَ، وتقولُ الملائكةُ: كَذَبْتَ، ويقول الله ﵎: بل أردتَ أن يقالَ: فلانٌ جوادٌ، وقد قيل ذلك. ويؤتى بالذي قُتِلَ في سبيلِ الله، فيقولُ اللهُ له: في ماذا قُتِلتَ؟ فيقول: أيْ ربِّ! أَمَرْتَ بالجهاد في سبيلكَ، فقاتلتُ حتى قُتلتُ، فيقول الله له: كَذَبْتَ، وتقولُ الملائكةُ: كَذَبْتَ، ويقول الله: بل أردتَ أن يقالَ: فلانٌ جريءٌ، فقد قيل ذلك". ثم ضرب رسول الله ﷺ على ركبتي، فقال: "يا أبا هريرة! أولئك الثلاثةُ أولُ خلقِ الله تُسعَر بهم النارُ يومَ القيامةِ". قال الوليدُ أبو عثمان المديني: وأخبرني عُقبةُ أن شُفَيّاً هو الذي دخل على معاوية فأخبره بهذا، قال أبو عثمان: وحدّثني العلاء بن أبي حكيم أنه كان سيّافاً لمعاويةَ قال: فدخل عليه رجلٌ فأخبره بهذا عن أبي هريرة. فقال معاوية: قد فُعل بهؤلاء هذا، فكيف بمن بَقِيَ مِنَ الناسِ؟ ثم بكى معاوية بكاءً شديداً، حتى ظَنَنَّا أنه هالكٌ، وقلنا: قد جاءنا هذا الرجل بِشَرٍّ. ثم أفاق معاويةُ، ومسح عن وجهه، وقال: صدق اللهُ ورسولُه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" نحو هذا لم يختلف إلا في حرف أو في حرفين. قوله: (جريء) هو بفتح الجيم وكسر الراء وبالمد، أي: شجاع.

стр. 114

(نَشَغ) بفتح النون والشين المعجمة وبعدها غين معجمة، أي: شهق حتى كاد يغشى عليه أسفاً أو خوفاً. ٢٣ - (٢) [صحيح] وعن أبي بنِ كعبٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "بَشِّرْ هذه الأمّةَ بالسَّناءِ والدِّين والرِّفعةِ، والتمكين في الأرضِ، فَمَنْ عَمِل منهم عَملَ الآخرةِ للدنيا؛ لم يَكُنْ له في الآخرةِ من نَصيبٍ". رواه أحمد، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم والبيهقي، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". وفي رواية للبيهقي: قال رسول الله ﷺ : "بَشِّرْ هذه الأمّةَ بالتيسيرِ، والسَّناءِ والرِّفعةِ (١) بالدين، والتمكينِ في البلاد، والنصر، فمن عملَ منهم بعملِ الآخرةِ للدنيا؛ فليس له في الآخرةِ من نَصيبٍ". ٢٤ - (٣) [صحيح] وعن أبي هند الدارِيَّ؛ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "من قامَ مقامَ رياءٍ وسُمعةٍ؛ راءى اللهُ به يومَ القيامةِ وسَمَّعَ". رواه أحمد بإسناد جيد، والبيهقي. ٢٥ - (٤) [صحيح] عن عبد الله بن عَمروٍ ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَن سمَّع الناسَ بعملِه؛ سَمَّعَ الله به مَسامعَ خَلقِه، وصغَّرَه وحقَّرَه". رواه الطبراني في "الكبير" بأسانيد أحدها صحيح، والبيهقي (٢).

стр. 115

٢٦ - (٥) [صحيح] وعن جُندُبِ بنِ عبدِ اللهِ قال: قال النبي ﷺ : "من سَمَّع؛ سَمَّعَ اللهُ به، ومن يُراءِ؛ يراءِ اللهُ بهِ". رواه البخاري ومسلم. (سمَّع) بتشديد الميم، ومعناه: من أظهر عمله للناس رياء؛ أظهر الله نيته الفاسدة في عمله يوم القيامة، وفضحه على رؤوس الأشهاد. ٢٧ - (٦) [صحيح لغيره] وعن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قامَ مقامَ رياءٍ راءى اللهُ به، ومن قام مقامَ سُمعةٍ سَمَّع اللهُ به". رواه الطبراني بإسناد حسن. ٢٨ - (٧) [صحيح لغيره] وعن معاذ بن جبل عن رسول الله ﷺ قال: "ما من عبدٍ يقومُ في الدنيا مقامَ سُمعَةٍ ورياءٍ إلا سمَّع اللهُ به على روس الخلائقِ يومَ القيامة". رواه الطبراني بإسناد حسن. ٢٩ - (٨) [صحيح موقوف] وعن ابن عباس ﵄ قال: مَنْ راءى بشيءٍ في الدنيا من عملِه؛ وكَلَه اللهُ إليه يومَ القيامةِ، وقال: انظُرْ هل يُغْني عنك شيئاً؟! رواه البيهقي موقوفاً (١).

стр. 116

٣٠ - (٩) [حسن] وعن رُبَيْحِ بنِ عبدِ الرحمن بن أبي سعيدٍ الخدري عن أبيه عن جده قال: خرج علينا رسولُ اللهِ ﷺ ونحن نتذاكَر المسيحَ الدَّجال، فقال: "ألا أخبِرُكم بما هو أخوفُ عليكم عندي من المسيحِ الدجالِ؟ ". فقلنا: بلى يا رسولَ اللهِ! فقال: "الشركُ الخفيُّ؛ أن يقومَ الرجلُ فيصلِّي، فَيُزَيِّنُ صلاتَه لما يرى من نظرِ رجلٍ". رواه ابن ماجه والبيهقي. (رُبَيْح) بضم الراء وفتح الباء الموحدةِ بعدها ياء آخر الحروف وحاء مهملة. ويأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. ٣١ - (١٠) [حسن] وعن محمود بن لبيد قال: خرج (١) النبي ﷺ فقال: "يا أيها الناسُ! إياكم وشِرْكَ السرائرِ". قالوا: يا رسول الله! وما شِرْكُ السرائرِ؟ قال: "يَقومُ الرجل فيصلِّي، فَيُزَيِّنُ صلاتَه جاهداً لما يرى من نظرِ الناسِ إليه، فذلك شركُ السرائرِ". رواه ابن خزيمة في "صحيحه".

стр. 117

٣٢ - (١١) [صحيح] وعن محمود بن لبيد؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إنّ أخوفَ ما أخافُ عليكم الشركُ الأصغرُ". قالوا: وما الشركُ الأصغرُ يا رسولُ اللهِ؟ قال: "الرياءُ، يَقولُ اللهُ إذا جزى الناسَ بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً". رواه أحمد بإسناد جيد، وابن أبي الدنيا والبيهقي في "الزهد" وغيره. قال الحافظ ﵀: "ومحمود بن لبيد رأى النبي ﷺ ، ولم يصح له منه سماع فيما أرى، وقد خَرَّجَ أبو بكر بنُ خزيمة حديث محمود المتقدم في "صحيحه"، مع أنّه لا يُخرج فيه شيئاً من المراسيل، وذكر ابن أبي حاتم أنّ البخاري قال: "له صحبة"، قال: وقال أبي: "لا يُعرَف له صحبة"، ورجح ابن عبد البَر أنَّ له صحبة. وقد رواه الطبراني بإسناد جيد عن محمود بن لبيد عن رافع بن خُديج وقيل: إنَّ حديث محمود هو الصواب؛ دون ذكر رافع بن خُديج فيه. والله أعلم". ٣٣ - (١٢) [حسن] وعن أبي سعيد بن أبي فَضالة -وكان من الصحابة- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا جمعَ اللهُ الأوّلين والآخِرينَ ليومِ القيامةِ، ليومٍ لا ريبَ فيه، نادى منادٍ: من كان أشركَ في عملِه لله أحداً فليطلبْ ثوابَه من عندِه، فإنّ الله أغنى الشركاء عن الشرك". رواه الترمذي في التفسير من "جامعه" (١)، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، والبيهقي.

стр. 118

٣٤ - (١٣) [صحيح] وعن أبي هريرة؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "قال الله : أنا أغنى الشركاء عن الشركِ، فَمَنْ عمِلَ لي عملاً أشركَ فيه غيري فأنا منه بريءٌ، وهو للذي أشركَ (١) ". رواه ابن ماجه -واللفظ له-، وابن خزيمة في "صحيحه"، والبيهقي، ورواة ابن ماجه ثقات. ٣٥ - (١٤) [صحيح] وروى البيهقي عن يعلى بن شدادٍ عن أبيه قال: كنا نَعُدُّ الرياءَ في زَمَنِ النبي ﷺ الشركَ الأصغرَ (٢). (فصل) ٣٦ - (١٥) [حسن لغيره] وعن أبي علي -رجلٍ من بني كاهلٍ- قال: خطبَنا أبو موسى الأشعريُّ فقال: يا أيها الناسُ! اتَّقوا هذا الشركَ، فإنه أخفى من دبيبِ النملِ. فقام إليه عبدُ الله بن حَزَن وقيسُ بن المُضارِب فقالا: والله لَتخْرُجَنَّ مما قلتَ، أو لنأتينَّ عُمَرَ مأذوناً لنا أو غيرَ مأذونٍ، فقال: بل أخرجُ مما قُلتُ، خطبنا رسولُ الله ﷺ ذات يومٍ، فقال:

стр. 119

"يا أيها الناسُ! اتّقُوا هذا الشركَ؛ فإنه أخفى من دبيبِ النَّملِ". فقال له من شاءَ اللهُ أن يقولَ: وكيف نَتَّقيه وهو أخفى من دبيبِ النملِ يا رسول الله! قال: "قولوا: اللهمَّ إنّا نَعوذُ بك من أنْ نُشركَ بك شيئاً نَعلمُه، ونستغفرُكَ لما لا نعلمُه". رواه أحمد والطبراني. ورواته إلى أبي علي محتج بهم في "الصحيح"، وأبو علي وثقه ابن حبان، ولم أرَ أحداً جرحه. (١)

стр. 120

[٢ - كتاب السُّنَّةِ] (١) ١ - (الترغيب في اتباع الكتاب والسنة) ٣٧ - (١) [صحيح] عن العِرباض بنِ ساريةَ ﵁ قال: وعَظنا (٢) رسولُ الله ﷺ موعظةً وَجِلتْ (٣) منها القلوبُ، وذَرَفَتْ (٤) منها العيونُ، فقلنا: يا رسولَ الله! كأنها موعظةُ مودِّعٍ، فأوصنا. قال: "أوصيكم بتقوى اللهِ، والسمع والطاعةِ، وإنْ تَأمَّر عليكم عبدٌ، وإنَّه من يعِشْ منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي، وسنةِ الخلفاء الراشدين المَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عليها بالنواجذِ، وإيَّاكم ومحدَثات الأمور، فإن كلَّ بدعة ضلالةٌ". رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح". قوله: "عضوا عليها بالنواجذ" أي: اجتهدوا على السنة والزموها، واحرِصوا عليها كما يلزم العاضُّ على الشيء بنواجذه، خوفاً من ذهابه وتفلته. و (النواجذ) بالنون والجيم والذال المعجمة: هي الأنياب، وقيل: الأضراس.

стр. 121

٣٨ - (٢) [صحيح] وعن أبي شُرَيح الخزاعيّ قال: خرج علينا رسولُ الله ﷺ فقال: " [أبشروا] (١)، أليسَ تَشهدون أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنِّي رسولُ الله؟ ". قالوا: بلى. قال: "إنَّ هذا القرآن [سبب] (٢) طَرَفُهُ بيدِ الله، وطرفهُ بأيديكم، فتمسَّكوا به؛ فإنَّكم لن تَضلُّوا ولن تَهلِكوا بعده أبداً". رواه الطبراني في "الكبير" بإسناد جيد (٣). ٣٩ - (٣) [صحيح لغيره] وروي عن جبير بن مطعم قال: كنا عند النبي ﷺ بـ (الجُحْفَة) فقال: "أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله، وأن القرآن جاء من عند الله؟! ". قلنا: بلى. قال: "فأبْشِروا، فإنّ هذا القرآنَ طرفُه بيدِ الله، وطرفُه بأيديكم، فتمسّكوا به، فإنكم لنْ تهلِكوا، ولن تضلّوا بعده أبداً". رواه البزار، والطبراني في "الكبير" و"الصغير". ٤٠ - (٤) [صحيح] وعنه أيضاً [يعني ابن عباس]: أن رسول الله ﷺ خطب الناس في حَجَة الوَداع فقال: "إنّ الشيطانَ قد يَئسَ أن يُعبدَ بأرضِكم، ولكنْ رَضِيَ أنْ يطاعَ فيما سوى

стр. 122

ذلك مما تَحاقَرون من أعمالِكم، فاحذَروا، إني قد تركتُ فيكم ما إنْ اعتصمتُم به فلن تضلّوا أبداً، كتابَ الله، وسنةَ نبيه" الحديث. رواه الحاكم وقال: "صحيح الإسناد، احتجَّ البخاري بعكرمة، واحتج مسلم بأبي أُوَيْس، وله أصل في (الصحيح) ". ٤١ - (٥) [صحيح موقوف] وعن ابن مسعود ﵁ قال: الاقتصادُ فى السنّة أحسنُ من الاجتهاد في البدعة. رواه الحاكم موقوفاً وقال: "إسناه صحيح على شرطيهما". ٤٢ - (٦) [صحيح] وعن أبي أيوبَ الأنصاريِّ [عن عوف بن مالك] قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وهو مرعوب فقال: "أطيعوني ما كنتُ بين أظهركم، وعليكم بكتابِ اللهِ، أحِلُّوا حلالَه، وحَرِّموا حرامَه". رواه الطبراني في "الكبير"، ورواته ثقات (١).

стр. 123

٤٣ - (٧) [صحيح] رواه [يعني حديث ابن مسعود الموقوف الذي في "الضعيف"] موفوعاً من حديث جابر، وإسناده (١) جيد. ٤٤ - (٨) [صحيح] وعن عابس بن ربيعة قال: رأيت عُمَرَ بنَ الخطاب ﵁ يُقبِّلُ الحجرَ (يعني الأسودَ)، ويقول: إني لأعلمُ أنّك حَجرٌ لا تضرُّ ولا تَنفعُ، ولولا أنّي رأيتُ رسولَ الله ﷺ يقبِّلك ما قبَّلتك. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. ٤٥ - (٩) [صحيح] وعن عروة بن عبد الله بن قُشَيرٍ قال: حدثني معاوية بن قرة عن أبيه قال: أتيتُ رسولَ الله ﷺ في رَهْطٍ من مُزَينةَ، فبايعناه وإنه لَمُطْلَقُ الأزرارِ، فأدخلتُ يدي في جَيبِ قميصِه، فمَسَسْتُ الخاتمَ، قال عروة: فما رأيتُ معاويةَ ولا ابنَه قط في شتاءٍ ولا صيف إلا مُطْلَقَيِ الأزرارِ. رواه ابن ماجه (٢) وابن حبان في "صحيحه"، واللفظ له، وقال ابن ماجه: "إلا مُطْلَقَةً أزرارُهما". ٤٦ - (١٠) [صحيح] وعن مجاهد قال: كنا مع ابن عُمر ﵀ في سفرٍ، فمرَّ بمكان، فحادَ عنه، فسئل: لمَ فعلتَ ذلك؟ قال: رأيتُ رسول الله ﷺ فعل هذا؛ ففعلتُ. رواه أحمد والبزار بإسناد جيد.

стр. 124

قوله: (حاد) بالحاء والدال المهملتين؛ أي: تنحّى عنه، وأخذ يميناً أو شمالاً. ٤٧ - (١١) [حسن] وعن ابن عمر ﵄: "أنّه كان يأتي شجرةً بين مكة والمدينة فَيَقِيلُ تحتها، ويُخبِر أنّ رسولَ الله ﷺ كان يفعلُ ذلك". رواه البزار بإسناد لا بأس به. (١) ٤٨ - (١٢) [صحيح] وعن [أنس] (٢) بن سيرين قال: كنتُ مع ابنِ عمرَ ﵀ بـ (عرفات)، فلما كان حين راحَ، رُحْتُ معه، حتى أتى الإِمامُ فصلّى معه الأولى والعصرَ، ثم وقفَ وأنا وأصحابٌ لي، حتى أفاضَ الإمامُ، فَأَفَضْنا معه، حتى انتهى إلى المضيقِ دون المأْزِمَين، فأَناخَ وأنخْنا، ونحن نَحسِب أنه يريد أن يصلّي، فقال غلامُه الذي يُمسك راحلته: إنَّه ليس يريد الصلاة، ولكنه ذكر أنّ النبي ﷺ لما انتهى إلى هذا المكان قضى حاجتَه، فهو يحبّ أن يقضيَ حاجَتَه. رواه أحمد، ورواته محتج بهم في "الصحيح". قال الحافظ ﵀: "والآثار عن الصحابة ﵃ في اتباعهم له، واقتفائهم سنّته كثيرة جداً، والله الموفق، لا ربَّ غيره".

стр. 125

٢ - (الترهيب من ترك السنة وارتكاب البدع والأهواء) ٤٩ - (١) [صحيح] عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أحْدَثَ في أمرِنا هذا ما ليس منه؛ فهو ردٌّ". رواه البخاري ومسلم، وأبو داود، ولفظه: "مَن صنع أمراً على غير أمرِنا؛ فهو ردٌّ". وابن ماجه. وفي رواية لمسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرُنا؛ فهو ردٌّ". ٥٠ - (٢) [صحيح] وعن جابر ﵁ قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا خطب احمرَّتْ عيناه، وعلا صوتُه، واشتدَّ غضبُه، كأنَّهُ منذرُ جيشٍ، يقول: صَبَّحكم ومَسَّاكم. -ويقول:- (١) "بُعِثْتُ أنا والساعةُ كهاتين". -وَيَقرنُ بين إصبَعَيْه السبابّةِ والوُسطى ويقول:- "أمّا بعد، فإنّ خيرَ الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهَدْي هَدْيُ محمدٍ، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكل بدعة ضلالة (٢) ". ثم يقول:

стр. 126

"أنا أولى بكل مؤمن من نفسِه، من ترك مالاً فلأهلِه، ومن تَرَكَ دَيناً أو ضياعاً (١) فإليَّ، وعليَّ". رواه مسلم وابن ماجه وغيرهما. ٥١ - (٣) [حسن صحيح] وعن معاويَة ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: "ألا إنَّ مَن كان قبلكم من أهلِ الكتابِ افترَقُوا على ثِنْتَيْنِ وسبعين مِلَّة، وإنَّ هذه الأمَّة ستفترق على ثلاثٍ وسبعين، ثِنْتَانِ وسبعون في النار، وواحدةٌ في الجنّة، وهي الجماعةُ" (٢). [حسن] رواه أحمد وأبو داود، وزاد في رواية (٣): "وإنه سيخرجُ في أُمتي أقوامٌ تَتَجارى بهم الأهواءُ، كما يتجارى الكَلَب بصاحبه، ولا يَبقى منه عِرق ولا مفصلٌ إلا دَخله". قوله: (الكَلَب) بفتح الكاف واللام، قال الخطابي: "هو داء يعرض للإنسان من عضّة الكلْب الكَلِب، قال: وعلامة ذلك في الكلْب أن تحمرّ عيناه، ولا يزال يُدخل ذنبه بين رجليه، فإذا رأى إنساناً ساوَرَه (٤) ".

стр. 127

٥٢ - (٤) [صحيح] وعن أبي بَرْزَة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنّما أخشى عليكم شهواتِ الغَيّ في بطونكم وفروجكم، ومُضِلاَّتِ الهوى". رواه أحمد والبزّار والطبراني في "معاجمه الثلاثة"، وبعض أسانيدهم رواته ثقات. ٥٣ - (٥) [حسن لغيره] وعن أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "وأمّا المهلكاتُ؛ فَشُحٌّ مطاعٌ، وهوىً مُتَّبعٌ، وإعجابُ المرءِ بنفسِهِ". رواه البزار والبيهقي وغيرهما، ويأتي بتمامه في "انتظار الصلاة" إن شاء الله تعالى (١). ٥٤ - (٦) [صحيح] وعن أنسِ بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ الله حَجَبَ التوبةَ عن كلِّ صاحبِ بدعة حتى يَدعَ بِدعَتَهُ". رواه الطبراني وإسناده حسن (٢). (*) ٥٥ - (٧) [صحيح] وعن العِرباض بن سارية ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إيّاكم والمحدَثاتِ، فإن كل محدثةٍ ضلالة". رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح". وتقدم بتمامه بنحوه [١ - باب].

стр. 128

٥٦ - (٨) [صحيح] وعن عبد الله بن عمروٍ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل عملٍ شِرَّةٌ، ولكل شِرةٍ فَترةٌ، فمن كانت فترتُه إلى سنّتي فقد اهتدى، ومن كانت فترتُه إلى غير ذلك فقد هلَكَ". رواه ابن أبي عاصم وابن حبان في "صحيحه" (١). ٥٧ - (٩) [صحيح] ورواه ابن حبان في "صحيحه" (٢) أيضاً من حديث أبي هريرة؛ أن النبي ﷺ قال: "لكل عمل شِرَّةٌ، ولكل شِرَّة فترةٌ، فإن كان صاحبُها سددَّ أو قاربَ فأرجوه، وإن أشير إليه بالأصابع فلا تَعُدُّوه". (الشِّرَّة) بكسر الشين المعجمة وتشديد الراء، وبعدها تاء تأنيث: هي النشاط والهمة، وشرة الشباب: أوله وحدّته. ٥٨ - (١٠) [صحيح] وعن أنس ﵁ قَال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ رَغِبَ عن سنتي فليسَ مِني". رواه مسلم (٣).

стр. 129

٥٩ - (١١) [صحيح] وعن العِرباض بن سارية ﵁؛ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لقد تركتُكم على مِثْلِ البيضاء (١)، ليلُها كنهارِها، لا يَزيغُ عنها إلا هالكٌ". رواه ابن أبي عاصم في "كتاب السّنة" بإسناد حسن (٢). ٦٠ - (١٢) [صحيح لغيره موقوف] وعن عَمرو بن زرارة قال: وقف عليَّ عبد الله -يعني ابن مسعود- وأنا أقُصُّ، فقال: يا عَمرو! لقد ابتدعتَ بدعةً ضلالةً، أو إنَّك لأهدى من محمدٍ وأصحابه! فلقد رأيتُهم تفرّقوا عنّي حتى رأيتُ مكاني ما فيه أحدٌ. رواه الطبراني في "الكبير" بإسنادين أحدهما صحيح (٣). قال الحافظ عبد العظيم: "وتأتي أحاديث متفرّقة من هذا النوع في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى".

стр. 130

٣ - (الترغيب في البداءة بالخير ليُستن به، والترهيب من البداءة بالشر خوف أن يستن به) ٦١ - (١) [صحيح] عن جَريرٍ ﵁ قال: كنا في صدر النهار عند رسولِ الله ﷺ ، فجاءه قومٌ غراةٌ مُجتابي النِّمار والعَباء، مُتقلِّدي السيوفِ، عامَّتهم من مُضر، بل كلهم من مُضر، فَتَمَعَّر وجهُ رسولِ الله ﷺ لَمّا رأى ما بهم من الفاقة، فدخل، ثم خرج، فأمر بلالاً فأذَّن وأقام، فصلى (١)، ثم خطب فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، إلى آخر الآية. . . (٢) ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، والآية التي في (الحشر): ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (٣) تَصَدَّقَ رجلٌ من دينارِه، من درهمِه، من ثوبِه، من صاعِ بُرِّه، من صاعِ تَمره، -حتى قال:- ولو بِشِقِّ تمرة. قال: فجاء رجل من الأنصار بِصُرَّةِ كادَتْ كَفُّه تَعجِزُ عَنها، بل قد عَجَزَتْ. -قال:- ثم تتابعَ الناسُ حتى رأيتُ كَومَيْنِ من طعامِ وثيابٍ، حتّى رأيت وجهَ رسول الله ﷺ يَتَهلَّلُ كأنه مُذْهبةٌ، فقال رسول الله ﷺ : "من سنَّ في الإسلام سنةً حسنةً، فلَه أجرُها وأجرُ من عمل بها من بعده، من غير أن يَنقصَ من أجورِهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنةً سيئةً كان عليهِ وِززها وزرُ من عملَ بها من غير أن ينقصَ من أوزارهم شيء". رواه مسلم والنسائي وابن ماجه والترمذي باختصار القصة. قوله: (مجتابي) هو بالجيم الساكنة ثم تاء مثناة وبعد الألف باء موحدة.

стр. 131

و (النمار) جمع نمرة وهي كساء من صوف مخطط، أي: لابسي النمار، قد خرقوها في رؤوسهم. و (الجوب): القطع. وقوله: (تَمَعَّرَ) هو بالعين المهملة المشددة؛ أي: تغيّر. وقوله: (كأنه مُذهبة) ضبطه بعض الحفاظ بدال مهملة وهاء مضمومة ونون، وضبطه بعضهم بذال معجمة وبفتح الهاء وبعدها باء موحدة، وهو الصحيح المشهور. ومعناه على كلا التقديرين: ظهور البِشْر في وجهه ﷺ حتى استنار وأشرق من السرور. و (المذهبة): صفيحة منقشة بالذهب، أو ورقة من القرطاس مطلية بالذهب، يصف حسنه وتلألؤه. ٦٢ - (٢) [حسن صحيح] وعن حذيفةَ ﵁ قال: سأل رجلٌ على عهدِ رسولِ الله ﷺ ، فأمسكَ القومُ، ثم إنّ رجلاً أعطاه؛ فأعطى القومُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "من سَنَّ خيراً فاستُنَّ به، كان له أجرُهُ، ومثلُ أجور من تَبِعَهُ، غير مُنْتَقَصٍ من أجورهم شيئاً، ومن سَنَّ شراً فاستُنَّ به، كان عليه وزرُه، ومثلُ أوزار من تبعه، غير مُنتقصٍ من أوزارهم شيئاً". رواه أحمد، والحاكم وقال: "صحيح الإسناد". ٦٣ - (٣) [صحيح] ورواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة (١). ٦٤ - (٤) [صحيح] وعن ابن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: "ليس مِن نفسٍ تُقتَلُ ظلماً إلا كان على ابنِ آدمَ الأولِ كِفلٌ (٢) من دمِها،

стр. 132

لأنّه أولُ من سَنَّ القتلَ". رواه البخاري ومسلم والترمذي. ٦٥ - (٥) [حسن صحيح] وعن واثلة بن الأسقع ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من سَنَّ سنةً حسنةً فله أجرُها ما عُمِلَ بها في حياتِه، وبعد مماته حتّى تُتركَ، ومن سَنَّ سنةً سيئةً فعليه إِثْمُها حتى تُتركَ، ومن مات مُرابِطاً جَرى عليه عملُ المرابطِ حتى يُبعثَ يومَ القيامةِ". رواه الطبراني في "الكبير" بإسناد لا بأس به. ٦٦ - (٦) [حسن لغيره] عن سهل بن سعد ﵄؛ أنّ النبي ﷺ قال: "إن هذا الخيرَ خزائنُ، ولتلك الخزائن مفاتيحُ، فطوبى لعبدٍ جَعَلَهُ الله مفتاحاً للخيرِ، مغلاقاً للشرِّ، وويلٌ لِعبدٍ جَعَلَهُ الله مفتاحاً للشرِّ، مغلاقاً للخير". (١) رواه ابن ماجه -واللفظ له-، وابن أبي عاصم، وفي سنده لين، وهو في "الترمذي" بقصةٍ (٢).

стр. 133

٣ - كتاب العِلم ١ - (الترغيب في العلم وطلبه وتعلمه وتعليمه، وما جاء في فضل العلماء والمتعلمين). ٦٧ - (١) [صحيح] عن معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من يُرِد الله به خيراً يفقِّهْهُ في الدين" (١). رواه البخاري ومسلم وابن ماجه. (٢) [حسن لغيره] ورواه الطبراني في "الكبير"، ولفظه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يا أيها الناسُ! إنما العلم بالتعلّمِ، والفقهُ بالتفقه، ومن يُرِدِ الله به خيراً يفقهه في الدين، و ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ". وفي إسناده راوٍ لم يسم. (٣)

стр. 134

٦٨ - (٢) [صحيح لغيره] وعن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "فَضْلُ العلمِ خيرٌ من فضلِ العبادة، وخيرُ دينِكم الوَرَعُ". رواه الطبراني في "الأوسط" والبزار بإسناد حسن. (فصل) ٦٩ - (٣) [صحيح] عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من نفّس (١) عن مؤمنٍ كُربةً من كُربِ (٢) الدنيا نفَّس الله عنه كُرْبةً من كُرَبِ يومِ القيامةِ، ومن ستر مسلماً (٣) سَتَره الله في الدنيا والآخرةِ، ومن يسّر على مُعسرٍ (٤) يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عونِ العبدِ (٥) ما كان العبدُ في عونِ أخيه، ومن سَلَك طريقاً يلتمسُ (٦) فيه علماً سهّل الله له به

стр. 135

طريقاً إلى الجنَّةِ، وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله، يتلُونَ كتابَ الله ويتدارسونهُ (١) بينهم إلا حفّتهم الملائكةُ، ونزلت عليهم السّكينةُ (٢)، وغشيتْهم الرحمةُ، وذكرَهُم الله فيمَن عنده، ومن بطّأ (٣) به عملُهُ، لم يُسرِعْ به نَسبُه". رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم، وقال: "صحيح على شرطهما" (٤). ٧٠ - (٤) [حسن لغيره] وعن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من سلك طريقاً يلتمِسُ فيه علماً سهّلَ الله له طريقاً إلى الجنّةِ، وإن الملائكةَ لتضَعُ أجنحتها لِطالبِ العلم رِضاً بما يصنع، وإن العالِمَ ليَسْتَغْفِرُ له من في السمواتِ ومَن في الأرضِ، حتى الحيتانُ (٥) في الماءِ، وفضلُ العالم على العابد كفضل القمرِ على سائر الكواكب، وإنّ العلماء ورثة الأنبياء، إنّ الأنبياء لم يُورِّثُوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورَّثُوا العلمَ، فمن أخذه أخذ بحظٍ وافرٍ (٦) ".

стр. 136

رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، والبيهقي، وقال الترمذي: "لا يُعرَف إلا من حديث عاصم بن رجاء بن حَيْوة، وليس إسناده عندي بمتّصل، وإنما يُروى عن عاصم بن رجاء بن حيوة عن داود بن جميل عن كثير بن قيس عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ . وهذا أصح". قال المملي ﵀: "ومن هذه الطريق رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان في "صحيحه"، والبيهقي في "الشُّعب" وغيرها. وقد رُوي عن الأوزاعي عن كثير بن قيس عن يزيد بن سمُرة عنه، وعن الأوزاعي عن عبد السلام بن سليم عن يزيد بن سمُرة عن كثير بن قيسٍ عنه. قال البخاري: "وهذا أصح". ورُوي غيرُ ذلك، وقد اخْتُلفَ في هذا الحديث اختلافاً كثيراً، ذكرت بعضه في "مختصر السنن" (١)، وبسطته في غيره. والله أعلم". ٧١ - (٥) [حسن] وعن صفوان بن عسالٍ المُرادي ﵁ قال: أتيت النبيّ ﷺ وهو في المسجد مُتكئٌ على بُردٍ له أحمرَ، فقلتُ له: يا رسولَ الله! إني جئتُ أطلبُ العلمَ. فقال: "مرحباً بطالبِ العلمِ، إنَّ طالبَ العلمِ تَحُفُّه الملائكةُ [وتظله] (٢) بأجنحتِها، ثم يركبُ بعضُهم بعضاً حتى يبلغوا السماءَ الدنيا من محبتهم لما يطلُبُ".

стр. 137

رواه أحمد والطبراني بإسناد جيد، واللفظ له، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم، وقال: "صحيح الإسناد"، وروى ابن ماجه نحوه باختصار، ويأتي لفظه إن شاء الله تعالى. [٢ - باب/ الحديث الثاني]. ٧٢ - (٦) [صحيح] ورُوي عن أنسِ بن مالكٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "طلب العلمِ فريضةٌ على كل مسلمٍ. . . . . " (١). رواه ابن ماجه وغيره. ٧٣ - (٧) [حسن لغيره] وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "سبعٌ يَجْري للعبد أجرُهن وهو في قبره بعد موته: من عَلَّم عِلْماً، أو كَرى (٢) نهراً، أو حفر بئراً، أو غرس نخلاً، أو بنى مسجداً، أو ورّث مصحفاً، أو ترك ولداً يستغفر له بعد موته". رواه البزار، وأبو نعيم في "الحلية"، وقال: "هذا حديث غريب من حديث قتادة، تفرد به أبو نعيم عن العرزمي. ورواه البيهقي ثم قال: "محمد بن عُبيد الله العرزمي ضعيف، غير أنه قد تقدمه ما يشهد لبعضه وهما -يعني هذا الحديث، والحديث الذي ذكره قبله (٣) - لا يخالفان الحديث الصحيح، فقد قال فيه: "إلاّ من صدقة جارية"، وهو يجمع ما جاء به من الزيادة (٤) " انتهى.
следующие страницы →