← Книги сунны

Книги сунны · id 171

صحيح الترغيب والترهيب

ناصر الدين الألباني

Полный текст (1 777 стр.). Показаны 1743–1782 · переход к 1748.

стр. 1743

ثُمَّ يُفْسَحُ له في قَبْرِه سَبْعون ذِراعاً، وُينَوَّرُ له فيه، ويُعادُ الجَسدُ لِما بُدِئَ مِنْهُ، فتُجْعَلُ نَسَمتُه في النَّسَم الطيِّبِ، وهي طيرٌ تَعْلُق (١) مِنْ شَجَر الجَنَّةِ، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ " الآية. وإنَّ الكافِرَ إذا أُتِيَ مِنْ قِبَلِ رأْسِه لَمْ يوجَدْ شَيْءٌ، ثُمَّ أُتِيَ عَنْ يَمينِه فلا يُوجَدُ شَيْءٌ، ثُمَّ أُتِيَ عَنْ شِمالِه فلا يُوجَدُ شَيْءٌ، ثُمَّ أُتِيَ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْه فلا يَوجَدُ شَيْءٌ، فيُقالُ لَهُ: اجْلِسْ، فيَجْلِسُ مَرْعوباً خائفاً، فيقالُ: أرأَيْتَك هذا الرجلَ الّذي كانَ فيكُم؛ ماذا تقولُ فيه؟ وماذا تَشْهَدُ عليه؟ فيقولُ: أيُّ رجلٍ؟ ولا يَهْتَدي لاسْمِه، فيقالُ له: مُحَمَّدٌ، فيقول: لا أدْري، سمعتُ الناسَ قالوا قولاً، فقُلْتُ كما قالَ الناسُ! فيقُالُ لَهُ: على ذلك حَيِيْتَ، وعليه مِتَّ، وعليه تُبْعثُ إنْ شاءَ الله، ثُمَّ يُفْتَحُ له بابٌ مِنْ أبوابِ النار فيُقالُ له: هذا مَقْعَدُك مِنَ النار، وما أعَدَّ الله لك فيها، فيَزْدادُ حَسْرةً وثُبوراً، ثُمَّ يُفْتَح لَهُ بابٌ مِنْ أبوابِ الجنَّةِ، فَيُقالُ له: هذا مَقْعَدُك مِنْها، وما أَعَدَّ الله لَك فيها لوْ أطَعْتَهُ، فيَزْدادُ حَسْرةً وثُبوراً، ثُمَّ يُضَيَّق عليه قَبرُه حتى تَخْتَلِفَ فيه أضْلاعُه، فتلك المعيشَةُ الضنكة التي قالَ الله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ ". رواه الطبراني في "الأوسط"، وابن حبان في "صحيحه"، واللفظ له، وزاد الطبراني: "قال أبو عمر يعني الضرير: قلت لحماد بن سلمة: كان هذا من أهل القبلة؟ قال:

стр. 1744

نعم. قال أبو عمر: كان يشهد بهذه الشهادة على غير يقين يرجع إلى قلبه؛ كان يسمع الناس يقولون شيئاً فيقوله". [حسن] وفي رواية للطبراني: "يُؤتَى الرجُلُ في قَبرِه، فإذا أُتِيَ مِنْ قِبلَ رأْسِه دفَعتْهُ تِلاوةُ القُرآنِ، وإذا أُتِيَ مِنْ قِبَلِ يديْهِ دفَعتْهُ الصدَقَةُ، وإذا أُتِيَ مِنْ قِبَلِ رجلَيْهِ دَفعهُ مشْيُه إلى المسَاجِدِ. . ." الحديث. (النَّسَمة) بفتح النون والسين: هي الروح. قوله (تعلُق) بضم اللام؛ أي: تأكل. (قال الحافظ): "وقد أملينا في "الترهيب من إصابة البول الثوب" وفي "النميمة" جملة من الأحاديث في أن عذاب القبر من البول والنميمة، لم نعد من تلك الأحاديث هنا شيئاً، والأحاديث في عذاب القبر وسؤال الملكين كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية. والله الموفق، لا ربَّ غيره". ٣٥٦٢ - (١٧) [حسن لغيره] وقد روي عن ابن عمروٍ (١) ﵄ عن النبي ﷺ قال: "ما مِنْ مسْلمٍ يموتُ يومَ الجُمعَةِ أوْ ليلَةَ الجُمعَةِ إلا وقَاهُ الله فِتْنَة القَبْرِ". رواه الترمذي، وغيره، وقال الترمذي: "حديث غريب، وليس إسناده بمتصل" (٢).

стр. 1745

٢٢ - (الترهيب من الجلوس على القبر، وكسر عظم الميت). ٣٥٦٣ - (١) [صحيح] عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لأَنْ يجلِسَ أحدُكم على جَمرةٍ فتَحْرِقَ ثيابَهُ فتَخْلُصَ إلى جِلْدِه؛ خَيرٌ له مِنْ أنْ يَجْلِسَ على قَبْرٍ". رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. ٣٥٦٤ - (٢) [صحيح] وعن عقبة بن عامرٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لأَنْ أمْشي على جَمْرَةٍ أو سَيْفٍ، أو أخْصِفَ نَعْلي بِرجْلي؛ أحَبُّ إليَّ مِنْ أنْ أمْشِيَ على قَبْرٍ". رواه ابن ماجه بإسناد جيد. ٣٥٦٥ - (٣) [صحيح لغيره] وعن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ قال: "لأَنْ أطأَ على جَمْرَةٍ أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أطأ على قبْرِ مسْلمٍ". رواه الطبراني في "الكبير" بإسناد حسن، وليس في أصلي رفعُه. ٣٥٦٦ - (٤) [صحيح لغيره] وعن عمارة بن حزم ﵁ قال: رآني رسول الله ﷺ : جالساً على قبرٍ فقال: "يا صاحبَ القبرِ! انزلْ مِن على القبرِ، لا تؤذي (١) صاحبَ القبرِ، ولا يؤذيك".

стр. 1746

رواه الطبراني في "الكبير" من رواية ابن لهيعة (١). ٣٥٦٧ - (٥) [صحيح] وروي عن عائشة ﵂ قالَتْ: قال رسولُ الله ﷺ : "كَسْرُ عَظْمِ المِّيتِ ككَسْرِه حَيّاً". رواه أبو داود وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه".

стр. 1747

٢٦ - كتاب البعث وأهوال يوم القيامة. (قال الحافظ): "وهذا الكتاب بجملته ليس صريحاً في "الترغيب والترهيب"، وإنما هو حكاية أمور مهولة تَؤُول بالسعداء إلى النعيم، وبالأشقياء إلى الجحيم، وفي غضونها ما هو صريح فيها أو كالصريح، فلنقتصر على إملاء نُبَذٍ منه يحصل بالوقوف عليها الإحاطة بجميع معاني ما ورد فيه على طرف من الإجمال، ولا يخرج عنها إلا زيادةٌ شاذة في حديث ضعيف أو منكر، إذ لو استوعبنا منه كما استوعبنا من غيره من أبواب هذا الكتاب لكان ذلك قريباً مما مضى، ولخرجنا عن غير المقصود إلى الإطناب الممل. والله المستعان، وجعلناه فصولاً (١) ". ١ - فصل في النفخ في الصور وقيام الساعة ٣٥٦٨ - (١) [صحيح] وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي ﵄ قال: جاءَ أعْرابيٌّ إلى النبيِّ ﷺ فقال: ما الصُّورُ؟ قال: "قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ". رواه أبو داود، والترمذي وحسنه، وابن حبان في "صحيحه". ٣٥٦٩ - (٢) [صحيح لغيره] وعن أبي سعيدٍ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "كيفَ أنْعَمُ وقدِ التَقم صاحِبُ القْرنِ القَرنَ، وحنى جَبْهَتَهُ، وأصْغَى سَمْعَهُ؛ يَنْتَظرُ أنْ يُؤْمَر فَينْفُخَ؟! ". فكأنَّ ذلك ثَقُلَ على أصْحابِه فقالوا: كيفَ نَفْعَلُ يا رسول الله! أوَ نَقولُ؟ قال: "قولوا: حَسْبُنا الله، ونِعْمَ الوكيلُ، على الله توَكَّلْنا -وربَّما قالَ: توكَّلْنا

стр. 1748

على الله-". رواه الترمذي، واللفظ له، وقال: "حديث حسن"، وابن حبان في "صحيحه". ٣٥٧٠ - (٣) [صحيح لغيره] ورواه أحمد، والطبراني من حديث زيد بن أرقم. ٣٥٧١ - (٤) [صحيح لغيره] ومن حديث ابن عباس أيضاً. ٣٥٧٢ - (٥) [صحيح لغيره] وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ". . . فوالذي نفسي بيده إن الرجلين ينشران الثوبَ فلا يطويانه، وإن الرجل لَيمْدُرُ حوضَه فلا يسقي منه شيئاً أبداً، والرجل يحلبُ ناقته فلا يشربه أبداً". رواه الطبراني بإسناد جيد رواته ثقات مشهورون. (١) (مَدَر) الحوض، أي: طيَّنه لئلا يتسرب منه الماء. ٣٥٧٣ - (٦) [صحيح] وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لتَقومُ الساعَةُ وثوبُهما بَيْنَهُما لا يَتبايَعانِه ولا يَطْويانِه، ولَتَقومُ الساعَةُ وقدِ انْصرَف بلَبنِ لَقْحَتِه لا يَطْعَمُه، ولَتقومُ الساعَةُ يلوط حَوْضَهُ لا يَسْقيه، ولَتقومُ الساعَةُ وقد رفَع لُقْمَتَهُ إلى فيه لا يَطْعَمُها". رواه أحمد، وابن حبان في "صحيحه" (٢).

стр. 1749

(لاطَه) بالطاء المهملة بمعنى: مَدَرَه (١). ٣٥٧٤ - (٧) [صحيح] وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما بينَ النَّفْخَتَيْنِ أربَعون". قيل: أربَعون يوماً؟ قال أبو هريرة: أبَيْتُ، قالوا: أربعونَ شَهْراً؟ قال: أبَيْتُ، قالوا: أربعون سنَةً؟ قال: أبَيْتُ. ثُمَّ ينْزِلُ مِنَ السماءِ ماءٌ فيَنْبُتونَ كما يَنْبُت البَقْلُ، وليسَ مِنَ الإنْسانِ شيْءٌ إلا يَبْلَى إلاَّ عَظْمٌ واحِدٌ، وهو عَجْبُ الذَّنَبِ، منه يُرَكَّبُ الخَلْقُ يومَ القِيامَةِ. رواه البخاري ومسلم. ولمسلم قال: "إنَّ في الإنْسانِ عَظْماً لا تأْكُله الأرْضُ أبداً، فيه يُرَكَّبُ الخَلْقُ يومَ القِيامَةِ". قالوا: أيُّ عظْمٍ هو يا رسولَ الله؟ قال: "عَجْبُ الذَّنَبِ". [صحيح] ورواه مالك وأبو داود، والنسائي باختصار وقال: "كلُّ ابْنِ آدَم تأْكُله الأرْضُ إلا عَجْبُ الذَّنَبِ، منه خُلِقَ، وفيه يَركَّبُ". (عَجْب الذَّنب) بفتح العين وإسكان الجيم بعدها باء أو ميم، وهو العظم الحديد الذي يكون في أسفل الصلب، وأصل الذنب من ذوات الأربع. ٣٥٧٥ - (٨) [صحيح] وعنه [يعني أبا سعيدٍ الخدريِّ ﵁]: أنَّه لمّا حضَره الموتُ دَعا بثِيابٍ جُدُدٍ فلَبِسَها، ثُمَّ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول:

стр. 1750

"الميِّتُ يُبْعَثُ في ثيابِه التي يَموتُ فيها". رواه أبو داود، وابن حبان في "صحيحه"، وفي إسناده يحيى بن أيوب، وهو الغافقي المصري، احتج به البخاري ومسلم وغيرهما، وله مناكير، وقال أبو حاتم: "لا يحتج به". وقال أحمد: "سيئ الحفظ". وقال النسائي: "ليس بالقوي". وقد قال كل من وقفت على كلامه من أهل اللغة: إن المراد بقوله: "يبعث في ثيابه التي قبض فيها"؛ أي: في أعماله. قال الهروي: "وهذا كحديثه الآخر: "يبُعث العبد على ما مات عليه". قال: وليس قول من ذهب إلى الأكفان بشيء، لأن الميت إنما يكفن بعد الموت" انتهى. (قال الحافظ): "وفِعل أبي سعيد راوي الحديث يدل على إجرائه على ظاهره، وأن الميت يبعث في ثيابه التي قبض فيها. وفي "الصحاح" وغيرها أن الناس يبعثون عراة؛ كما سيأتي في الفصل بعده إن شاء الله. فالله سبحانه أعلم" (١).

стр. 1751

٢ - فصل في الحشر وغيره. ٣٥٧٦ - (١) [صحيح] وعنِ ابْنِ عبَّاسٍ ﵄ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يخطُبُ على المِنْبَرِ يقولُ: "إنَّكُمْ ملاقو الله حُفاةً عُراةً غُرْلاً -زاد في رواية: مُشاةً-". [صحيح] وفي رواية قال: قامَ فينا رسولُ الله ﷺ بِمَوْعِظَةٍ فقال: "يا أَيُّها الناسُ! إنَّكم مَحْشورونَ إلى الله حُفاةً عُراةً غُرْلاً ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾، ألا وإنَّ أَوَّلَ الخَلائِقِ يُكْسَى [يوم القيامة] إبْراهيمُ ﵇، ألا وإنَّهُ سيُجَاءُ برِجالٍ مِنْ أُمَّتي فيُؤْخذ بِهمِ ذاتَ الشمالِ، فأقولُ: يا ربِّ! أَصْحابي! فيقولُ: إنَّكَ لا تَدْري ما أحْدَثوا بَعْدَك، فأقولُ كما قال العَبْدُ الصالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾، قال: فيُقال لي: إنَّهم لَمْ يزالوا مُرْتَدِّين على أعْقابِهم مُنْذُ فارَقْتَهُم". (١) ٣٥٧٧ - (٢) [صحيح] زاد في رواية: "فأقول: سُحْقاً سُحْقاً". (٢)

стр. 1752

رواه البخاري ومسلم. ورواه الترمذي والنسائي بنحوه. (الغُرْل) بضم الغين المعجمة وإسكان الراء: جمع أغرل، وهو الأقلف. ٣٥٧٨ - (٣) [صحيح] وعن عائشة ﵂ قالت: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "يُحْشَرُ الناسُ حُفاةً عُراةً غُرْلاً". قالَتْ عائشةُ: فقلتُ: الرجالُ والنساءُ جَميعاً ينظُر بعضُهم إلى بَعْضٍ؟ قال: "الأمْرُ أشَدُّ مِنْ أنْ يَهُمِّهُمْ ذلك". وفي رواية: "مِنْ أنْ يَنْظُرَ بعْضُهم إلى بَعْضٍ". رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه. ٣٥٧٩ - (٤) [حسن لغيره] وعن سودةَ بنتِ زمعةَ ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "يُبعثُ الناسُ حُفاةً عُراةً غُرْلاً، قد ألجمَهم العرقُ، وبلغ شُحوم الآذانِ". فقلت: يُبصِرُ بعضُنا بعضاً؟ فقال: "شُغِلَ الناسُ، ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ". رواه الطبراني، ورواته ثقات. (١) ٣٥٨٠ - (٥) [صحيح] وعن سهل بن سعدٍ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يُحْشَرُ الناسُ يومَ القِيامَةِ على أرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْراءَ كقُرْصَةِ النَّقِيِّ لَيْسَ فيها عَلَمٌ لأَحَدٍ".

стр. 1753

[صحيح] وفي رواية: قال سهل أو غيره: "ليس فيها مَعْلمٌ لأحدٍ". رواه البخاري ومسلم. (١) (العفراء): هي البيضاء، ليس بياضها بالناصع. و (النقي): هو الخبز الأبيض. و (المعلم) بفتح الميم: ما يجعل علماً وعلامة للطريق والحدود. وقيل: (المعلم) الأثر، ومعناه: أنها لم توطأ قبل، فيكون فيها أثر أو علامة لأحد. ٣٥٨١ - (٦) [صحيح] وعن أنسٍ ﵁: أنَّ رجلاً قال: يا رسولَ الله! قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ أيُحْشَرُ الكافِرُ على وَجْهِهِ؟ قال رسولُ الله ﷺ : "ألَيْسَ الَّذي مَشَّاهُ على الرِّجْلَيْنِ في الدنيا قادراً على أنْ يُمَشِّيَهُ على وَجْهِه؟ ". قَال قَتادةُ حين بلَغَهُ: بَلى وعزَّةِ رَبِّنا. رواه البخاري ومسلم. ٣٥٨٢ - (٧) [حسن] وعن بهز بن حكيمٍ عن أبيه عن جده ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنَّكُم تُحْشَرون رِجالاً ورُكْباناً، وتُجَرُّونَ على وُجوهِكُمْ". رواه الترمذي وقال: "حديث حسن". ٣٥٨٣ - (٨) [حسن] وعن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جده؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "يُحْشَرُ المتَكَبِّرونَ يوم القِيامَةِ أمْثالَ الذَّرِّ في صُوَرِ الرجالِ، يَغْشاهُم الذُّلُّ مِنْ كلِّ مَكانٍ، يُساقونَ إلى سِجْنٍ في جَهنَّم يُقالُ له: (بُولَسُ)، تَعْلُوهُمْ نَارُ

стр. 1754

الأَنْيارِ، يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أهْلِ النار: طينَةِ الخَبَالِ". رواه النسائي، والترمذي وقال: "حديث حسن". وتقدم مع غريبه في "الكبر" [٢٣ - الأدب/ ٢٢]. ٣٥٨٤ - (٩) [صحيح] وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يُحْشَرُ الناسُ (١) على ثلاثِ طَرائِقَ. راغِبين وراهبينَ، واثْنانِ على بَعيرٍ، وثلاثَةٌ على بعيرٍ، وأربَعةٌ على بعيرٍ، وعَشَرَةٌ على بعيرٍ، وتَحْشُر بَقِيَّتَهم النارُ، تَقيلُ معَهُمْ حيثُ قالوا، وتَبيْتُ معَهُمْ حيثُ باتوا، وتُصْبِحُ معَهُمْ حيث أصْبَحوا، وتُمْسي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا". رواه البخاري ومسلم. (الطرائق): جمع طريقة: وهي الحالة. ٣٥٨٥ - (١٠) [صحيح] وعنه؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "يَعْرَقُ الناسُ يَوْمَ القِيامَة حتى يَذْهَبَ في الأرْضِ عَرَقُهم سبْعينَ ذِراعاً، وإنَّهُ يُلْجِمُهُم حتى يَبْلُغَ آذانَهُمْ". رواه البخاري ومسلم.

стр. 1755

٣٥٨٦ - (١١) [صحيح] وعن ابن عمر ﵄ عن النبيِّ ﷺ ؛ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال: "يقومُ أحَدُهم في رَشْحِهِ إلى أنْصافِ أُذُنَيْهِ". رواه البخاري، ومسلم واللفظ له. ورواه الترمذي مرفوعاً وموقوفاً (١)، وصحح المرفوع. ٣٥٨٧ - (١٢) [صحيح] وعن المقداد ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "تدنو الشمسُ يومَ القِيامَةِ مِنَ الخَلْقِ، حتّى تكونَ مِنْهُم كمقدْارِ ميلِ. -قال سُلَيمِ (٢) بن عامر: فوالله ما أدْري ما يَعني بالمِيل؟ مسافةَ الَأَرْضِ أوَ المَيلَ التي تُكْحَلُ به العينُ؟ قال:- فَيكونُ الناسُ على قدرِ أعْمالِهِم في العَرقِ، فمنْهُم مَنْ يكونُ إلى كَعْبَيْه، ومنهُمْ مَنْ يكونُ إلى رُكْبَتَيْهِ، ومنْهُمْ مَنْ يكونُ إلى حَقْوَيهِ، ومنهم مَنْ يُلْجِمُهَ العَرقُ إلْجاماً"، وأشارَ رسولُ الله ﷺ بيده إلى فِيْهِ. رواه مسلم. ٣٥٨٨ - (١٣) [صحيح] وعن عقبة بن عامرٍ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله يقول: "تَدْنو الشمسُ مِنَ الأرْضِ فيعْرَقُ الناسُ، فمِنَ الناسِ مَنْ يبلُغ عَرَقُه عَقِبَيْهِ، ومنهم مَنْ يبلُغُ [إلى] نصْفِ السَّاقِ، ومنهم مَنْ يبلُغُ إلى رُكْبتَيْه، ومنهم مَنْ يبلُغ العَجُزَ، ومنهم مَنْ يبلُغُ الخاصِرَةَ، ومنهم مَنْ يبلُغ منْكِبيْهِ، ومنهم مَنْ يبلغٌ عُنُقَهُ، ومنهم مَنْ يبلُغُ وسطَ فيهِ (٣)، -وأشار بيده فألْجَمها فاهُ،

стр. 1756

رأيْتُ رسولَ الله ﷺ يُشيرُ هكذا-، ومنهم مَنْ يغَطِّيه عَرقُه"، وضرَب بيده إشارةً فأمَرَّ يدَه فَوقْ رأْسِه مِنْ غَيْرِ أنْ يصيبَ الرأْسَ، دَوَّرَ راحَتَه يَميناً وشِمَالاً. رواه أحمد والطبراني، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم وقال: "صحيح الإسناد". (١) ٣٥٨٩ - (١٤) [صحيح] وعن أبي هريرة ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ قال: " ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ مقدارَ نِصْفِ (٢) يومٍ مِنْ خَمْسينَ ألْفِ سنَةٍ، فيهون ذلك على المؤمن كَتَدَلِّي الشمس للغروبِ إلى أَن تغربَ". رواه أبو يعلى بإسناد صحيح، وابن حبان في "صحيحه". ٣٥٩٠ - (١٥) [حسن] وعن عبد الله بن عمروٍ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: "تَجْتَمِعونَ يومَ القيامَةِ فيُقالُ: أيْنَ فُقراءُ هذه الأُمَّةِ ومسَاكينها؟ فيقُومون، فيقالُ لَهُم: ماذا عمِلْتُم؟ فيقولون: ربَّنا ابْتَلَيْتَنا فصَبرْنا، وولَّيْتَ الأمْوال والسُّلْطانَ غَيْرَنا، فيقولُ الله جلَّ وعَلا: صدقْتُم، قال: فيدْخلُون الجَنَّةَ قبلَ الناسِ، وتَبقَى شِدَّة الحِسَابِ، على ذَوي الأمْوال والسلْطانِ. قالوا: فأيْنَ المؤْمنِونَ يومَئذٍ؟ قال: تُوضَعُ لَهُم كراسِيُّ مِنْ نورٍ، ويظَللُ عليهم الغَمائم، يكونُ ذلك اليومُ أقصرَ على المؤْمِنين مِنْ ساعَةٍ مِنْ نَهارٍ". رواه الطبراني، وابن حبان في "صحيحه". [مضى ٢٤ - التوبة/ ٥].

стр. 1757

(قال الحافظ): "وقد صح أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمئة عام. وتقدم ذلك في (الفقر) [هناك] ". ٣٥٩١ - (١٦) [صحيح] وعن عبد الله بْنِ مسعودٍ ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ : "يجمعُ الله الأوَّلينَ والآخِرين لِميقَاتِ يومٍ مَعْلومٍ، قياماً أرْبعينَ سنةً، شاخِصَةً أبْصارُهم [إلى السماء]، يَنْتَظِرونَ فَصْل القَضاءِ. -قال-: ويَنْزِلُ الله في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ مِنَ العَرْشِ إلى الكُرْسيَّ، ثُمَّ يُنادي منادٍ: أيُّها الناسُ! ألَمْ تَرْضَوْا مِنْ ربِّكُم الَّذي خَلَقَكُمْ ورزَقَكُمْ وأمَرَكُمْ أنْ تَعْبُدوه ولا تُشْرِكوا به شَيْئاً أنْ يوليَ كلَّ أناسٍ منكم ما كانوا [يتولون و] يَعْبُدونَ في الدنيا، ألَيْسَ ذلك عَدْلاً مِنْ ربِّكم؟ قالوا: بَلى، فيَنْطَلِقُ كلُّ قومٍ إلى ما كانوا يَعْبُدونَ ويتَولَّونَ في الدنيا، -قال:- فيَنْطَلِقونَ، ويُمَثَّلُ لهم أشْباهُ ما كانوا يَعْبدونَ، فمنهُمْ مَنْ يَنْطَلِقُ إلى الشمْسِ، ومنهم مَنْ يَنْطَلِقُ إلى القَمرِ، والأوثانِ مِنَ الحِجارَةِ، وأشْباهِ ما كانوا يَعْبدُونَ، -قال:- وُيمثَّلُ لِمنْ كانَ يعْبدُ عيسى شَيْطانُ عيسى، ويُمَثَّلُ لِمَنْ كانَ يعبدُ عُزَيراً شيطانُ عُزَيْرٍ، ويبقَى مُحمَّدٌ ﷺ وأُمَّتُه، قال: فيتَمثَّلُ الربُّ ﵎، فيأْتِيهِمْ فيقولُ: ما لَكُم لا تَنْطَلِقونَ كما انْطلَق الناسُ؟ قال: فيقولون: إنَّ لَنا إلهاً ما رَأيناهُ [بعد]. فيقولُ: هَلْ تَعْرِفُونَهُ إنْ رأيْتُموه؟ فيقولون: إنَّ بيْنَنا وبينَهُ علامَةٌ إذا رأْيْناها، عَرْفناه، قال: فيقولُ: ما هِي؟ فيقولون: يكْشِفُ عنْ ساقِهِ، [قال:] فعندَ ذلك يَكْشِفُ عنْ

стр. 1758

ساقِه (١)، فيَخِرُّ كلُّ مَنْ كان لظهره طبقٌ ساجداً (٢)، ويَبْقَى قومٌ ظُهوُرهم كصَياصي البَقَرِ، يُريدونَ السجود فلا يَسْتَطيعون، ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾. ثم يقولُ: ارْفَعوا رؤوسَكُم، فَيرفَعونَ رؤوسَهُم، فيُعْطيهِمْ نورَهُم على قدْرِ أعْمالِهْمِ، فمنهُمْ مَنْ يُعْطى نورَه مثلَ الجَبلِ العظيمِ؛ يَسْعى بَيْنَ أيْديهِمْ، ومنهم مَنْ يُعْطى نورَه أصْغَرَ مِنْ ذلك، ومنهم مَنْ يُعْطى مثلَ النخْلَةِ بيمينه، ومنهم مَنْ يُعطَى أصْغَرَ منْ ذلك حتى يكونَ آخِرُهُم رجلاً يُعْطى نورَه على إبْهامٍ قدَمِه، يضيءُ مرَّةً، ويُطْفَأُ مرَّةً، فإذا أضاءَ قدمُه قدِمَ [ومشى]، وإذا طفِئ قامَ، قال: والربُّ ﵎ أمامَهُمْ حتى يُمَرَّ بهِمْ إلى النار فيَبْقَى أثَرُه (٣) كَحَدِّ السَيْفِ [دَحْض مَزَلة] قال: فيقولُ: مُرُّوا، فيَمُرُّونَ على قدرِ نورِهِمْ، منهم مَنْ يَمُرُّ كَطَرْفَةِ العَيْنِ، ومنهم مَنْ يَمُرُّ كالبَرْقِ، ومنهم مَنْ يَمُرُّ كالسحابِ، ومنهمْ مَنْ يمُرُّ كانْقِضاضِ الكَوْكَبِ، ومنهم مَنْ يَمُر كالريحِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَمُر كشَدِّ الفَرَسِ، ومِنْهُم مَنْ يَمُرُّ كشَدِّ الرَّجُل، حتى يمرَّ الذي يُعْطى نورَه

стр. 1759

على ظهر [إبهام] قدمِه يَحْبو على وجْهِهِ وَيديْهِ ورجْلَيْه، تَخِرُّيَدٌ وتَعَلَّقُ يَدٌ، وتَخِرُّ رِجْل، وتَعَلَّقُ رِجْلٌ، وتُصيبُ جوانِبَهُ النارُ، فلا يزالُ كذلك حتى يَخلُصَ، فإذا خلَصَ وقفَ عليها فقالَ: الحمدُ لله الذي أْعطاني ما لَمْ يُعْطِ أحَداً؛ إذْ أنْجاني منْها بعد إذ رأَيْتها. قال: فيَنْطلقُ به إلى غديرٍ عند بابِ الجنَّةِ فيغْتَسِلُ، فيعودُ إليه ريحُ أهْلِ الجنَّةِ وألْوانُهم، فيرى ما في الجنَّة مِنْ خِلال البابِ، فيقولُ: ربِّ أَدْخلني الجنَّةَ. فيقولُ الله [له]: أتَسْأَلُ الجنَّةَ وقد نَجَّيْتُكَ مِنَ النارِ؟ فيقولُ: رَبِّ اجْعَلْ بَيْني وبيْنَها حِجاباً حتى لا أسْمعَ حَسيسَها. قال: فيدْخُلُ الجنَّةَ، ويرى أوْ يُرفَعُ له مَنْزِلٌ أمامَ ذلك كأنَّ ما هو فيه بالنسبَةِ إلَيْهِ حُلُمٌ، فيقولُ: ربِّ! أعْطِيْ ذلك المنْزِلَ. فيقولُ [له]: لعَلَّكَ إنْ أَعطَيتُكَهُ تَسْأَلُ غيرَه؟ فيقول: لا وعِزَّتِكَ لا أسْألُك غَيرَهُ، وأنِّي مَنزِلٌ أحْسن منه؟ فيُعْطاه، فينزلُه، ويرى أمامَ ذلك منزلاً، كأنَّ ما هو فيه بالنسبةِ إليْهِ حُلُمٌ. قال: ربِّ أعْطِني ذلك المنْزِلَ، فيقولُ الله ﵎ له. لعلَّكَ إنْ أعطيتُكَهُ تَسْأَلُ غيرَه؟ فيقولُ: لا وعزَّتِك [لا أسألك]، وأنِّي مَنزِلٌ أحْسَن منه؟ فيُعْطاه فينزله، ثُمَّ يسْكتُ. فيقولُ الله جلَّ ذِكْرُه: ما لَك لا تَسْأَلُ؟ فيقولُ: ربِّ! قد سأَلْتُكَ حتى استَتْحيَيْتُكَ، [وأقسمت لك حتى استحييتك] فيقول الله جلَّ ذِكْرُه: ألَمْ ترضَ أنْ أعْطيَكَ مثلَ الدنيا منذُ خَلْقتُها إلى يومِ أفْنَيْتُها وعَشَرةَ أضْعافِه؟ فيقولُ: أتَهْزَأُ بي وأنْتَ ربُّ العِزَّة؟ [فيضْحَكُ الرَّبُّ من قوله". قال: فرأيتُ عبد الله بنَ مسعودٍ إذا بَلَغَ هذا المكانَ مِنْ هذا الحديثِ ضَحِكَ، فقالَ لهُ رجلٌ. يا أبا عبدِ الرحمنِ! قَدْ سمعتُكَ تُحدّثُ هذا الحديثَ مراراً، كلّما بَلَغْتَ هذا المكانَ ضَحِكْتَ؟ فقالَ: إني سمعتُ رسولَ الله ﷺ -

стр. 1760

يحدّث هذا الحديثَ مراراً كلّما بَلَغَ هذا المكانَ مِنْ هذا الحديثِ ضَحِكَ حتى تبدوَ أضراسُه]، (١) قالَ: فيقولُ الربُّ جلَّ ذِكْرُه: لا، ولكنِّي على ذلك قادِرٌ، فيقولُ: ألحِقْني بالناسِ، فيقولُ: الْحَقْ بالناسِ. فيَنْطَلِقُ يرْمُل في الجنَّةِ، حتى إذا دَنا مِنَ الناسِ رُفِعَ له قَصْرٌ مِنْ دُرَّةٍ، فيَخِرُّ ساجِداً، فيقولُ له: ارْفَعْ رأْسَك، مالَك؟ فيقولُ: رأيتُ ربِّي أو تَراءى لي ربِّي، فيقالُ: إنَّما هو منزِلٌ مِنْ منازِلكَ. قال: ثُمَّ يلقى رجُلاً فيتَهيَّأُ لِلسُّجودِ له، فيقالُ لَه: مَهْ! فيقولُ: رأيتُ أنَّك مَلَكٌ مِنَ الملائِكَةِ، فيقولُ: إنَّما أنا خازِنٌ مِنْ خُزَّانِكَ، وعبدٌ مِنْ عَبيدِك، تحت يدي ألفُ قَهْرمانٍ على [مثل] ما أنا عليهِ. قال: فيَنْطَلِقُ أمامَهُ حتى يَفتَحَ له بابَ القَصْرِ، قال: وهو مِنْ دُرَّةٍ مُجَوَّفَةٍ، سقائِفُها وأبْوابُها وأغْلاقُها ومفاتيحُها منها، تَسْتَقْبِلُه جوْهَرةٌ خَضْراءُ، مُبَطَّنَةٌ بحمراء، (فيها سبْعون باباً، كلُّ بابٍ يُفْضي إلى جَوْهَرةٍ خَضْراءَ، مُبَطَّنةٍ،) (٢) كلُّ جَوْهرةٍ تُفْضي إلى جَوْهَرةِ على غيرِ لَوْنِ الأُخْرى، في كلِّ جوهَرةٍ سرُرٌ وأزْواجٌ ووَصائفُ، أدْناهُنَّ حوْراءُ عَيْناءُ، عليها سبْعونَ حُلَّةً، يُرى مُخَّ ساقِها منْ وراءِ حُلَلِها، كَبِدُها مِرْآتُه، وكَبِدُه مِرْآتُها، إذا أَعْرضَ عنها إعراضَةً ازْدادَتْ في عَيْنِه سبْعينَ ضِعْفاً عمّا كانَتْ قبلَ ذلك، فيقولُ لها: والله لقد ازْدَدْتِ في عيني سَبْعين ضِعْفاً، وتقولُ له: وأنتَ [والله] لَقدِ ازْدَدْتَ في عيْني سَبْعين

стр. 1761

ضِعْفاً، فيقالُ له: أشرِفْ، أَشرِفْ. فيُشْرِفَ، فيُقالُ له: مُلْكُكَ مسيرةُ مئَةِ عامِ، يَنْفذُه بَصَرُكَ". قال: فقال له عمر: ألا تَسْمَعُ ما يُحدِّثُنا ابْنُ أمِّ عبدٍ يا كعْبُ عن أدْنَى أهْلِ الجنَّةِ مَنزِلاً، فكيفَ أعْلاهُم؟ قال: يا أميرَ المؤْمِنينَ ما لا عَيْنٌ رأَتْ ولا أُذُنٌ سمِعَتْ، فذكر الحديث. رواه ابن أبي الدنيا، والطبراني من طرق أحدها صحيح، واللفظ له، والحاكم وقال: "صحيح الإسناد". (١)

стр. 1762

٣ - فصل في ذكر الحساب وغيره. ٣٥٩٢ - (١) [حسن صحيح] وعن أبي برزة ﵁؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا تزولُ قدما عبدٍ يومَ القيامَة حتى يُسْأَلَ عن أربَعٍ: عن عُمُرهِ فيمَ أفْناه؟ وعن عِلْمِه ماذا عَمِلَ بِه؟ (١) وعَنْ مالِه مِنْ أيْنَ اكْتَسَبَهُ، وفيمَ أنْفقَهُ؟ وعنْ جِسْمِه فيمَ أبْلاهُ؟ ". رواه الترمذي وقال: "حديث حسن صحيح". [مضى ٣ - العلم/ ٩]. ٣٥٩٣ - (٢) [صحيح لغيره] وعن معاذ بن جبلٍ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لَنْ تزولَ قدما عبدٍ يومَ القيامَةِ حتى يُسْأَلَ عن أربِع خِصالٍ: عَنْ عمُرهِ فيمَ أَفْنَاهُ؟ وعَنْ شَبابِه فيمَ أَبْلاهُ؟ وعنْ مَالِه مِنْ أيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيمَ أَنفَقَهُ؟ وعَنْ علْمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ". رواه البزار، والطبراني بإسناد صحيح، واللفظ له. [مضى هناك]. ٣٥٩٤ - (٣) [صحيح] وعن عائشةَ ﵂؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّب". فقلتُ: أليسَ يقولُ الله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾؟ فقال: "إنَّما ذلك العَرْضُ، وليْسَ أحَدٌ يُحاسَبُ يوَم القِيامَةِ إلا هَلَك". رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي.

стр. 1763

٣٥٩٥ - (٤) [صحيح لغيره] وعن ابنِ الزبير ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ نوقِشَ الحِساب هَلكَ". رواه البزار، والطبراني في "الكبير" بإسناد صحيح. ٣٥٩٦ - (٥) [صحيح لغيره] وعن عُتْبَة بن عبد ﵁؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لو أنَّ رجلاً يَخِرُّ على وجْهِهِ مِنْ يومِ وُلدَ إلى يومِ يمَوتُ هَرَماً في مَرْضاةِ الله لَحَقَرَهُ يومَ القِيامَةِ". رواه الطراني، ورواته ثقات؛ إلا بقية. (١) ٣٥٩٧ - (٦) [صحيح] وعن محمد بن أبي عَميرة -وكان مِنْ أصْحابِ النبيِّ ﷺ ، أحسبه رفعه إلى النبي ﷺ - (٢) قال: "لوْ أنَّ رجلاً خَرّ على وجْهِه مِنْ يومِ وُلِدَ إلى يومِ يَموتُ هَرَماً في طاعَةِ الله لَحقَرهُ ذلك اليومَ، ولَوَدَّ أنَّهُ رُدَّ إلى الدنْيا كَيْما يَزْدادَ مِنَ الأجْرِ والثوابِ". رواه أحمد، ورواته رواة "الصحيح". ٣٥٩٨ - (٧) [صحيح] وعن عائشة زوج النبي ﷺ ؛ أنَّها كانَتْ تقول: قال رسولُ الله ﷺ : "سدِّدوا وقارِبوا وأبْشِروا، فإنَّه لَنْ يُدخِلَ أحداً الجنةَ عَملُه".

стр. 1764

قالوا: ولا أنْتَ يا رسولَ الله؟ قال: "ولا أنا؛ إلا أَنْ يَتَغمَّدني الله برَحْمَتِه". رواه البخاري ومسلم وغيرهما. ٣٥٩٩ - (٨) [صحيح لغيره] وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لَنْ يَدخُل الجنَّةَ أحَدٌ إلا برحْمَةِ الله". قالوا: ولا أَنْتَ يا رسولَ الله؟ قال: "ولا أنا؛ إلا أنْ يَتغمَّدنيَ الله برحمَتهِ. وقال بيده فوق رأْسِه". رواه أحمد بإسناد حسن. (١) ٣٦٠٠ - (٩) [صحيح لغيره] ورواه البزار والطبراني من حديث أبي موسى. ٣٦٠١ - (١٠) [صحيح لغيره] والطبراني أيضاً من حديث أسامة بن شريك. ٣٦٠٢ - (١١) [صحيح لغيره] والبزار أيضاً من حديث شريك بن طارق بإسناد جيد. (٢) ٣٦٠٣ - (١٢) [صحيح] وعن أبي هريرة ﵁؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لَتُؤدِّنَّ الحقوقُ إلى أهْلِها يومَ القِيامَةِ، حتى يُقادَ لِلشَّاةِ الجَلْحاءِ مِنَ الشاةِ القَرْنَاءِ". رواه مسلم والترمذي.

стр. 1765

[صحيح] ورواه أحمد، ولفظه: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "يُقْتَصُّ لِلْخَلْقِ بَعْضِهِمْ مِنْ بعْضٍ، حتى للْجماءِ (١) مِنَ القَرْناءِ، وحتى للذَّرَّةِ مِنَ الذَّرَّةِ". ورواته رواة "الصحيح". (الجلحاء): التي لا قرن لها. ٣٦٠٤ - (١٣) [صحيح لغيره] وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ليَخْتَصمَنَّ كلُّ شيءٍ يومَ القيامَةِ، حتى الشاتانِ فيما انْتَطحَتا". رواه أحمد بإسناد حسن. ٣٦٠٥ - (١٤) [صحيح لغيره] ورواه أحمد أيضاً وأبو يعلى من حديث أبي سعيد. ٣٦٠٦ - (١٥) [صحيح] وعن عائشة ﵂: أنَّ رجلاً مِنْ أصْحابِ رسولهِ الله ﷺ جلسَ بينَ يديْهِ، فقال: [يا] رسولَ الله! إنَّ لي مَمْلوكين يكذِّبونَني وَيخونونني وَيعْصونَني، وأضْرِبُهم وأشْتُمهمْ، فكيفَ أنا منهم؟ فقالَ له رسولُ الله ﷺ : "يُحسَبُ ما خَانوك وعَصوْك وكذَّبوكَ وعِقابُك إيَّاهُم، فإنْ كان عقابُكَ إيَّاهُمْ دونَ ذُنوِبهم؛ كان فَضْلاً لَك [عليهم]، وإنْ كان عِقابُك إيَّاهُم بقدْرِ ذنوبهم؛ كانَ كفافاً، لا لَك ولا عَليْكَ، وإنْ كان عِقابُكَ إيَّاهُمْ فوقَ ذُنوبِهِم؛ اقْتصَّ لَهم منكَ الفضْلُ الذي بَقِيَ قِبَلَكَ". فجعل الرجلُ يَبْكي بينَ يدَيْ رسولِ الله ﷺ ويهْتِفُ. فقالَ رسولُ الله ﷺ :

стр. 1766

"ما لَك؟ ما تَقْرأُ (١) كِتابَ الله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾؟ ". فقال الرجلُ: يا رسولَ الله! ما أجِدُ شيْئاً خيراً مِنْ فِراقِ هؤلاء -يعني عبيدَهُ-[إني] أشْهِدُك أنَّهم كلَّهم أحْرارٌ. رواه أحمد والترمذي، وقال الترمذي: "حديث غريب لا نعرفه الا من حديث عبد الرحمن بن غزوان، وقد روى أحمد بن حنبل هذا الحديث عن عبد الرحمن بن غزوان" انتهى. (قال الحافظ): "وإسناد أحمد والترمذي متصلان، ورواتهما ثقات؛ عبد الرحمن هذا يكنى أبا نوح؛ ثقة احتج به البخاري، وبقية رجال أحمد ثقات احتج بهم البخاري ومسلم". [مضى ٢٠ - القضاء/ ١٠]. ٣٦٠٧ - (١٦) [حسن صحيح] وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "من ضرب مملوكه سوطاً ظلماً اقتُصَّ منه يوم القيامة". رواه البزار؛ والطبراني بإسناد حسن. [مضى هناك]. ٣٦٠٨ - (١٧) [حسن لغيره] وعن عبد الله بن أنيسٍ ﵁؛ أنَّه سمعَ النبيَّ ﷺ يقول: "يَحْشُر الله العِبادَ يومَ القيامَةِ -أو قال: الناسَ- عُراةً غُرلاً بُهْماً". قال: قلنا: وما (بُهْماً)؟ قال: "ليسَ معَهُمْ شَيْءٌ، ثُمَّ ينادِيهمْ بصوتٍ يسْمَعُه مَنْ بَعدَ كما يسمَعُه مَنْ

стр. 1767

قَرُبَ: أنا الديَّان، أنا المَلِكُ، لا يَنْبَغي لأحَدٍ مِنْ أهْلِ النارِ أنْ يدخُلَ النارَ ولهُ عندَ أحدٍ مِنْ أهْلِ الجنَّةَ حقٌّ؛ حتى أَقُصَّهُ منْه، ولا يَنْبغي لأحَدٍ مِنْ أهْلِ الجنَّة أنْ يَدْخُلَ الجنَّةَ ولأَحَدٍ مِنْ أهْلِ النارِ عندَه حَقٌّ حتى أقُصَّهُ منه، حتى اللَّطْمَةَ". قال: قلنا: كيفَ، وإنَّما نأْتي عراةً غُرْلاً بُهْماً؟! قال: "الحسَناتُ والسَّيِّئَاتُ". رواه أحمد بإسناد حسن. [صحيح] وتقدم في "الغيبة" [٢٣ - الأدب/ ١٩] حديث عن أبي هريرة عن رسولِ الله ﷺ قال: "المفْلِسُ مِنْ أُمَّتي مَنْ يأتي يومَ القِيامَة بصَلاةٍ وصِيامٍ وزَكاةٍ، ويأْتي قد شَتَم هذا، وقذَفَ هذا، وأكلَ مالَ هذا، وسفَك دَم هذا، وضرَب هذا، فيُعطى هذا مِنْ حسَناتِه، وهذا منْ حسَناتِه، فإنْ فَنِيَتْ حَسناتُه قَبْلَ أنْ يَقْضِيَ ما عليه؛ أُخِذَ مِنْ خطاياهُم فطُرِحَتْ عليه، ثُمَّ طُرِحَ في النارِ". رواه مسلم وغيره. ٣٦٠٩ - (١٨) [صحيح] وعن أبي هريرة ﵁ قال: قالوا: يا رسولَ الله! هَلْ نرى ربَّنَا يومَ القِيامَةِ؟ فقال: "هَلْ تُضارُّونَ في رُويَة الشمْسِ في الظهيرَة ليسَتْ في سحَابَة؟ ". قالوا: لا. قال: "فهل تُضارُّونَ في رُوْيَةِ القَمرِ ليلةَ البَدْرِ ليسَ في سحَابَةٍ؟ ". قالوا: لا. قال:

стр. 1768

"فوَالَّذي نَفْسي بيَدِه! لا تُضارُّون في رُؤْيَةِ ربِّكم إلا كما تُضارُّون في رُؤية أحَدِهما، فيَلْقَى العبدُ ربَّه فيقولُ: أيْ (فُلْ)! ألَمْ أُكْرِمْكَ وأسَوِّدْكَ وأزوِّجْكَ وأسخِّرْ لكَ الخيلَ والإبِلَ، وأذَرْكَ ترأسُ وتربَع؟ فيقولُ: بَلى يا ربِّ، فيقولُ: أظنَنْتَ أنَّك ملاقيّ؟ فيقول: لا. فيقولُ: فإنِّي أنْساكَ كما نَسيتَني. ثم يَلْقى الثاني فيقولُ: أيْ (فُلٌ!) ألَمْ أُكْرِمْكَ وأسوِّدك وأُزوِّجْكَ وأسخِّرْ لكَ الخيلَ والإبِلَ، وأذَرْكَ ترأَسُ وتَرْبَع؟ فيقولُ: بلَى يا ربّ، فيقولُ: أظنَنْتَ أنَّك ملاقيَّ؟ فيقول: لا. فيقول: إني أنساكَ كما نسيتني. ثُم يَلقى الثالث فيقول له مثل ذلك، فيقول: يا ربِّ! آمنتُ بِكَ وبِكتابِكَ وبرسُلِك، وصلَّيْتُ، وصُمْتُ، وتصدَّقْتُ، ويثْني بخيرِ ما اسْتَطاعَ. فيقول: ههُنا إذاً. ثمَّ يقولُ: الآن نَبْعَثُ شاهدنا (١) عليك. فيتفَكَّرُ في نَفْسه: مَنْ ذا الَّذي يَشْهَد عليَّ؟ فيُخْتَمُ على فيهِ، ويقالُ لِفَخذِه [ولحمه، وعظامه]: انْطِقي. فيَنْطِقُ فخِذُه ولَحْمُه وعِظامُه بعَملِه. وذلك ليُعْذِرَ مِنْ نَفْسِه، وذلك المُنافِقُ، وذلك الذي يَسْخَطُ الله عليه". رواه مسلم. (تَرْأَس) بمثناة فوق ثم راء ساكنة ثم همزة مفتوحة؛ أي: تصير رئيساً. (وتَرْبَع) بموحدة بعد الراء مفتوحة: معناه يأخذ ما يأخذه رئيس الجيش لنفسه، وهو ربع المغانم، ويقال له: المرباع.

стр. 1769

٣٦١٠ - (١٩) [صحيح] وعنه أيضاً: أن الناس قالوا: يا رسولَ الله! هلْ نرى ربَّنا يومَ القيامَةِ؟ قال: "هل تُمارُون في القمرِ ليلةَ البدْرَ ليسَ دونَهُ سحَابٌ؟ ". قالوا: لا يا رسولَ الله. قال: "هل تُمارونَ في الشمسِ ليسَ دونَها سَحاب؟ ". قالوا: لا. قال: "فإنَّكم تَروْنَه كذلك. يُحشَرُ الناسُ يومَ القيامَةِ، فيقول: مَنْ كان يعبدُ شيْئاً فلْيتَّبعْ، فمنهم مَنْ يَتّبعُ الشمْسَ ومنهم مَنْ يَتَّبع القَمرَ، ومنهم مَنْ يتَّبعُ الطواغِيتَ، وتَبْقَى هذه الأمَّة فيها مُنافِقوها، فيَأْتيهمُ الله فيقولُ: أنا ربُّكم، فيقولون: هذا مكانُنا حتى يأتينا ربُّنا، فإذا جاءَ ربُّنا عَرفْناه، فيأتيهمُ الله فيقول: أنا ربُّكم. فيقولون: أنْتَ ربُّنا، فيدْعوهُم. ويضربُ الصراط بينَ ظهرانَيْ جهَنَّم، فأكونُ أوَّلَ مَنْ يَجوزُ مِنَ الرسُل بأُمَّتِه، ولا يَتكَلَّمُ يومَئذٍ أحَدٌ إلا الرسُلُ، وكلامُ الرسُلِ يومَئذِ: اللهُمَّ سلِّم سَلِّم، وفي جَهنم كلاليبُ مثلُ شَوْكِ السَّعْدانِ، هل رأيْتُم شوكَ السَّعْدانِ؟ ". قالوا: نعم. قال: "فإنَّها مثلُ شوْكِ السَّعْدانِ غير أنَّه لا يعلَم قدْرَ عِظَمِها إلا الله، تخطَفُ الناسَ بأعْمالِهم، فمنهم مَنْ يوبَقُ بعَمله (١)، ومنهم مَنْ يُخَرْدَلُ (٢) ثُمَّ يَنْجو، حتى إذا أرادَ الله رحمةَ مَنْ أراد مِنْ أَهْلِ النارِ؛ أمر الله الملائكةَ أنْ يُخْرِجوا مَنْ كان يعبدُ الله، فيخرجونَهُم، [ويعرفونهم] بآثارِ السجودِ، وحرَّمَ الله على النارِ أنْ تأْكُلَ أثَر السجودِ، فيَخْرجونَ مِنَ النارِ، [فكلُّ ابنِ آدمَ تأكُلُه النارُ إلا

стр. 1770

أثرَ السجودِ، فيخرجون من النارِ] وقد امتُحِشوا، فيُصَبُّ عليهم مَاءُ الحَياةِ، فيَنْبِتونَ كما تنبُتُ الحِبَّةُ في حَميلِ السَّيْلِ. ثم يَفرغ الله مِنَ القَضاءِ بينَ العِبَادِ، وَيبْقَى رجلٌ بينَ الجَنَّةِ والنَّارِ، -وهو آخِرُ أهْلِ النارِ دخولاً الجَنّة- مُقْبِلٌ بوَجْهِه قِبَلَ النارِ، فيقولُ: يا ربِّ! اصْرِفْ وَجْهي عنِ النارِ فقَدْ قَشَبني ريحُها، وأحْرَقني ذَكاها (١). فيقولُ: هَلْ عَسَيْتَ إنْ فعِلَ ذلك بك أنْ تَسْأَلَ غير ذلك؟ فيقولُ: لا وعِزَّتِكَ. فيُعطي الله ما يشاءُ مِنْ عهدٍ وميثاقٍ، فيصرِفُ الله وجهَهُ عنِ النارِ. فإذا أقْبلَ به على الجنَّةِ رأى بَهْجَتها، سكتَ ما شاءَ الله أنْ يَسْكُتَ، ثمَّ قالَ: يا ربِّ! قدِّمْني عند باب الجنَّة! فيقولُ الله: أليسَ قد أعْطَيْتَ العهدَ والميثاقَ أنْ لا تسأَلَ غيرَ الذي كنتَ سأَلْتَ؟ فيقولُ: يا ربِّ! لا أكونُ أشْقَى خلقِك. فيقولُ: فما عَسَيْتَ إنْ أعطَيتُكَ ذلك أنْ تسأَل غَيرَهُ؟ فيقولُ: لا وعِزَّتِكَ لا أسْأَلُكَ غير هذا، فيُعْطي ربَّه ما شاءَ مِنْ عهْدٍ وميثاقٍ، فيُقَدِّمُه إلى بابِ الجنَّة، فإذا بلَغ بابَها رأى زَهْرَتها وما فيها مِنَ النَّضْرَةِ والسرورِ، فسكتَ ما شاءَ الله أَنْ يسْكتَ، فيقول: يا ربِّ أدْخِلْني الجنَّةَ! فيقول الله: ويْحكَ يا ابْنَ آدَم ما أغْدَرك! ألَيْس قد أعْطَيْتَني العهودَ [والميثاق] أن لا تَسْأَلَ غيرَ الذي أعطيتَ؟ فيقولُ: يا ربِّ! لا تَجْعَلْني أشْقَى خَلْقِك، فيَضْحَكُ الله منه، ثمَّ يأْذَنُ له في دُخول الجَنَّةِ، فيقولُ: تمنَّ، فيَتَمنّى، حتى إذا انْقطَعَتْ أُمنِيَّتُه، قال: تَمنَّ مِنْ كذا وكذا، يذَكِّرُه ربُّه حتى إذا انْتَهتْ به الأماني، قال الله: لكَ ذلك ومِثلُهُ معَهُ". قال أبو سعيد الخدري لأبي هريرة: إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "قال الله: لكَ ذلك وعَشَرةُ أمْثالِه". قال أبو هريرة: لَمْ أحْفَظْ مِنْ رسول الله ﷺ إلاَّ قولَه:

стр. 1771

"لكَ ذلك ومثْلُهُ معَهُ". قال أبو سعيد: أشْهَد أنِّي سمعتُه مِنْ رسولِ الله يقول: "لكَ ذلك وعَشَرةُ أمْثالِه". قال أبو هريرة: "وذلك الرجلُ آخِرُ أهْلِ الجنَّة دُخولاً الجنَّةَ". رواه البخاري (١). (أي فُل) أي: يا فلان، حذفت منه الألف والنون لغير ترخيم، إذ لو كان ترخيماً لما حذفت الألف. قال الأزهري: "ليست ترخيم (فلان)، ولكنها كلمة على حدة تُوقعها بنو أسْد على الواحد والاثنين والجمع بلفظ واحد، وأما غيرهم فيثني ويجمع ويؤنث". (أسوِّدك) بتشديد الواو وكسرها؛ أي: أجعلك سيداً في قومك. (السَّعدان): نبت ذو شوك معقف. (المخردل): المرمي المصروع. وقيل: المقطع، يقال: لحم خراديل؛ إذا كان قطعاً. والمعنى: أنه تقطعه كلاليب الصراط حتى يهوي في النار. (امتُحِش) بضم التاء وكسر الحاء المهملة بعدها شين معجمة أي: احترق. وقال الهيثم: "هو أن تُذهب النار الجِلدَ، وتُبدي العظم". (الحِبَّة) بكسر الحاء: هي البقول والرياحين. وقيل: بزر العشب. وقيل: نبت

стр. 1772

[ينبت] (١) في الحشيش صغير. وقيل: جميع بزور النبات. وقيل: بزر ما نبت من غير بذر، وما بُذر تفتح حاؤه. (حَميلُ السيل) بفتح الحاء المهملة وكسر الميم: هو الزَّبَد، وما يلقيه على شاطئه. (قَشَبني ريحها) أي: آذاني. (ذكاها) بذال معجمة مفتوحة مقصور: هو إشعالها ولهبها. ٣٦١١ - (٢٠) [صحيح لغيره] وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قال: قلنا: يا رسولَ الله! هَلْ نَرى ربَّنا يومَ القيامَةِ؟ قال رسولُ الله ﷺ : "نَعم، فهلْ تُضارُّونَ في رُؤيَةِ الشمْسِ بالظهيرَة صَحْواً ليسَ مَعها سحاب؟ وهَلْ تُضارُّون في رُؤْيَةِ القَمرِ ليلَة البدْرِ صَحْواً ليسَ فيها سحَابٌ؟ ". قالوا: لا يا رسولَ الله. قال: "فما تُضارُّون في رُؤْيَةِ الله تعالى يومَ القيامَةِ إلا كما تُضارُّون في رُؤْيَةِ أحَدِهما، إذا كانَ يومُ القيامَة أذَّن مؤَذِّنٌ: لتَتَّبعْ كلُّ أُمَّةٍ ما كانَتْ تعبُد، فلا يَبْقَى أحدٌ كان يعبدُ غيرَ الله مِنَ الأصْنامِ والأنْصاب إلا يتَساقَطون في النارِ، حتى إذا لَمْ يَبْقَ إلا مَنْ كان يعبدُ الله مِنْ بَرٍّ وفاجِرٍ وغُبَّرِ (٢) أهْلِ الكِتابِ. فيُدعَى اليهودُ، فيُقالُ لهم: ما كنتُمْ تعبُدونَ؟ قالوا: كنَّا نعبدُ عُزَيراً ابنَ الله! فيُقالُ: كذَبْتُم ما اتَّخَذ الله مِنْ صاحِبَةٍ ولا ولَدٍ، فماذا تَبْغونَ؟ قالوا: عَطِشْنا يا ربَّنا فاسْقِنا، فيُشارُ إليهِم ألا تَرِدون؟ فيُحْشَرون إلى النارِ كأنَّها سرابٌ يحطِمُ بعضُها بعضاً، فيتَساقطونَ في النارِ.

стр. 1773

ثُمَّ تُدعى النَّصارَى فيقالُ لَهُمْ: ما كنْتمْ تعبُدون؟ قالوا: كنَّا نَعبُد المسيحَ ابْنَ الله! فيقالُ لهم: كذَبْتُم ما اتَّخذ الله مِنْ صاحبَة ولا وَلدٍ، فماذا تَبْغونَ؟ فيقولون: عطِشْنا يا ربَّنا فاسْقِنا، فيُشارُ إليْهِم: أَلا تَرِدون؟ فيُحْشَرون إلى جَهنَّم كأنَّها سرابٌ يَحطِمُ بعضُها بعضاً، فيتَساقطونَ في النارِ. حتّى إذا لَم يَبْق إلا مَنْ كانَ يعبدُ الله مِنْ بَرٍّ وفاجِر أتاهُم الله في أدْنى صورَةٍ مِنَ التي رأوْهُ فيها، قال: فما تَنْتَظِرون؟ تَتْبَعُ كلُّ أمَّةٍ ما كانَتْ تعبدُ، قالوا: يا ربَّنا! فارَقْنا الناسَ في الدنيا أفْقَرَ ما كنّا إلَيْهِم، ولَمْ نُصاحِبْهُم، فيقول: أنا ربُّكم، فيقولون: نَعوذُ بالله مِنْكَ، لا نُشْرِكُ بالله شيئاً -مرتين أو ثلاثاً-، حتّى إنَّ بعضَهُم ليَكادُ أنْ يَنْقَلِبَ (١). فنقولُ: هَلْ بينَكم وبَيْنَهُ آيَةٌ فتَعْرِفونَهُ بها؟ فيقولون: نعم، فيُكْشَفُ عَنْ ساقٍ (٢)، فلا يَبْقَى مَنْ كان يَسْجُد لله مِنْ تِلْقاءِ نَفْسه إلا أَذِنَ الله له بالسُّجودِ، ولا يَبْقى مَنْ كان يَسْجُد اتِّقاءً ورِياءً إلا جعَل الله ظَهْرَه طبقَةً واحِدةً، كُلَّما أرادَ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ على قَفاه. ثم يَرفَعون رؤُوسَهُمْ وقد تحوَّلَ في صورَتِه التي رأَوْهُ فيها أوَّلَ مرَّة، فقال: أنا ربُّكم، فيقولون، أنْتَ ربُّنا، ثُمَّ يُضرَبُ الجِسْرُ على جَهنَّم، وتَحِلُّ (٣) الشفاعَةُ، ويقولون: اللهُمَّ سلِّم سلِّم". قيلَ: يا رسولَ الله! وما الجِسْرُ؟ قال: "دَحْضٌ مَزَلَّةٌ، فيه خطاطيفُ، وكَلاليبُ، وحَسَكٌ تكون بنَجْدٍ، فيها شُوَيْكَةٌ يقال لها: السَّعْدانُ، فيمرُّ المؤمِنونَ كطَرْفِ العَيْنِ، وكالبَرْقِ، وكالريحِ، وكالطيْرِ، وكأجاويدِ الخَيْلِ، والرِّكابِ، فناجٍ مُسَلَّم، ومَخدُوشٌ مرسَلٌ،

стр. 1774

ومكدوشٌ في نارِ جَهنَّم (١). حتى إذا خلَص المؤْمنون مِنَ النارِ، فوالَّذي نَفْسي بيَدِهِ ما مِنْ أحدٍ منكم بأشدَّ [لي] مُناشَدَة لله في اسْتِقْصاءِ (٢) الحقِّ مِنْ المؤْمِنينَ لله يومَ القيامَةِ لإخْوانِهمُ الذينَ في النارِ -وفي رواية: فَما أْنتُم بأشَدَّ [لي] مُناشَدَةَ لله في الحَقِّ قد تَبيَّن لَكُمْ مِنَ المؤْمِنينَ يومَئذٍ لِلْجَبَّارِ إذا رَأَوْا أنَّهم قد نَجوا في إِخْوانِهم- (٣) يَقولون: ربَّنا كانوا يَصومون مَعنا، ويُصَلُّون، وَيَحُجُّون، فيُقالُ لَهُمْ: أخْرِجوا مَنْ عَرفْتُم، فتُحَرّمُ صوَرُهُم على النارِ، فَيُخْرِجونَ خَلْقاً كثيراً قد أخَذتِ النارُ إلى نِصْفِ ساقَيْه، وإلِى ركْبَتيهِ، ثُمَّ يقولون: ربّنا ما بَقِيَ فيها أحَدٌ مِمَّنْ أمَرْتَنا به، فيُقال: ارْجِعوا، فَمَنْ وجَدْتُم في قَلْبِه مثقالَ دينارٍ مِنْ خيرٍ فأخْرِجوه. فيُخْرِجُون خَلْقاً كثيراً، ثم يقولون: ربّنا لَم نَذَرْ فيها أحداً مِمَّنْ أمَرْتَنا، ثُمَّ يقولُ: ارْجِعوا، فمَنْ وجدْتُم في قلْبِه مثقْالَ نصفِ دينارٍ مِنْ خيرٍ فأخْرِجوه، فيُخْرِجونَ خلْقاً كَثيراً، ثم يقولون: ربَّنا لَمْ نَذَرْ فيها مِمَّنْ أمَرْتَنا أحداً، ثم يقول: ارْجِعوا، فَمْن وَجدْتُم في قلْبهِ مثقالَ ذَرَّةٍ مِنْ خيرٍ فأخْرِجُوه. فيُخْرِجونَ خَلْقاً كثيراً، ثُمَّ يقولون: ربَّنا لَمْ نَذرْ فيها خيراً". -وكان أبو سعيد يقول: إنْ لَمْ تُصدِّقوني بهذا الحديثِ فاقْرؤا إنْ شِئْتُم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا

стр. 1775

عَظِيمًا﴾ -، فيقولُ الله : شَفَعَتِ الملائكةُ، وشَفَعَ النبيُّون، [وشفع المؤمنون]، ولَمْ يَبقْ إلا أَرْحَمُ الراحِمين، فيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النار، فيُخْرِجُ منها قوْماً مِنَ النارِ لَمْ يَعْملوا خَيْراً قَطُّ قدْ عادوا حُمَماً فيُلْقيهِمْ في نهرٍ في أفْواهِ الجنَّةِ يقال له: (نَهْرُ الحَياةِ)، فيخرجُون كما تخرجُ الحِبَّة في حَميلِ السَّيْلِ، ألا تروْنَها تكونُ إلى الحَجرِ أوْ إلى الشَّجرِ، ما يكونُ إلى الشَّمْسِ أصيْفَرُ وأُخَيْضَرُ، وما يكون منها إلى الظلِّ يكونُ أبيضَ". فقالوا: يا رسولَ الله! كأنك كنتَ تَرعى بالبادِيَةِ!! قال: "فيَخْرجُون كاللُّؤْلُؤِ في رِقابِهمُ الخَواتيمُ، يَعرفهم أهل الجنة (١): هؤلاءِ عُتقَاءُ الله الذين أدْخَلهُم الله الجنَّةَ بغيرِ عَمَلٍ عَملوهُ ولا خيرٍ قدَّموه. ثم يقولُ: ادْخُلوا الجنَّةَ فما رأيْتُموه فهو لكم. (٢) فيقولون: ربَّنا أعْطَيْتَنا ما لمْ تُعْطِ أحداً مِنَ العالَمين؟ فيقول: لَكُم عنِدْي أفْضَلَ مِنْ هذا! فيقولون: يا ربَّنا! أيُّ شَيْءٍ أفْضَل مِنْ هذا؟ فيقولُ: رِضايَ، فلا أسْخَطُ عليكم أبَداً". رواه البخاري، ومسلم واللفظ له (٣). (الغُبَّر) بغين معجمة مضمومة ثم باء موحدة مشددة مفتوحة: جمع (غابر): وهو الباقي. وقوله: (دَحْضٌ مَزَلَّة): (الدحْض) بإسكان الحاء: هو الزلق. و (المزلة): هو المكان الذي لا يثبت عليه القدم إلا زلت.

стр. 1776

(المكدوش) بشين معجمة: هو المدفوع في نار جهنم دفعا عنيفاً. (الحُمَم) بضم الحاء المهملة وفتح الميم: جمع (حممة)، وهي الفحمة. وبقية غريبه تقدم. [في آخر حديث أبي هريرة الذي قبله]. ٣٦١٢ - (٢١) [صحيح] وعن أنسٍ ﵁ قال: كنا عند رسولِ الله ﷺ فضَحِكَ، فقال: "هل تدرونِ ممَّ أضْحَكُ؟ ". قلنا: الله ورسولُه أعلمُ. قال: "منْ مخاطَبةِ العبد ربَّه؛ يقولُ: يا ربِّ! ألَمْ تُجِرْني مِنَ الظُّلْمِ؟ يقول: بلَى. فيقولُ: إنِّي لا أجيَزُ (١) على نفْسي شاهِداً إلا مني. فيقولُ: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾، وبالكرامِ الكاتِبين شُهوداً. -قال:- فيُخْتَم على فيهِ، ويقالُ لأَرْكانِه: انْطِقي. فتَنْطِقُ بأعْمالِه، ثُمَّ يُخَلَّى بينَهُ وبينَ الكَلامِ، فيقولُ: بُعْداً لكُنَّ وسُحْقاً؛ فعَنْكُنَّ كنتُ أناضِلُ". رواه مسلم. (أناضل) بالضاد المعجمة: أجادل وأخاصم وأدافع.

стр. 1777

٤ - فصل في الحوض والميزان والصراط (١). ٣٦١٣ - (١) [صحيح] عن عبد الله بنِ عَمْرِو بن العاصي ﵄ قال: قال رسولُ ﷺ : "حوضي مسيرةُ شهرٍ، ماؤهُ أبيضُ من اللبنِ، وريحهُ أطيبُ من المسكِ، وكيزانهُ كنجومِ السماءِ، من شربَ منه لا يظمأُ أبداً". وفي رواية: "حَوْضي مسيرَة شهرٍ، وزواياه سَواءٌ، وماؤُه أبيض مِنَ الوَرِقِ". رواه البخاري ومسلم. (٢) ٣٦١٤ - (٢) [صحيح] وعن أبي أُمامةَ ﵁؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الله وعَدني أنْ يُدخِلَ الجنَّةَ مِنْ أُمَّتي سبْعين ألفاً بغير حِساب". فقال يزيدُ بْن الأخْنَس: والله ما أولئك في أمَّتِك إلا كالذُّبابِ الأصْهَبِ في الذُّبابِ. فقال رسولُ الله ﷺ : "قد وعَدني سَبْعين ألفاً، مع كلِّ ألْفٍ سَبْعونَ ألفاً، وزادَني ثلاث حَثَياتٍ". قال: فما سَعَةُ حوضِكَ يا نبيَّ الله؟ قال: "كما بينَ (عَدَنٍ) إلى (عَمَّانَ)، وأوسَعُ، وأوْسَعُ". يشيرُ بيده. قال: "فيه مَثْعبَانِ مِنْ ذهبٍ وفِضَّةٍ".

стр. 1778

قال: فما ماءُ حوضِك يا نبيَّ الله؟ قال: "أشدُّ بياضاً مِنَ اللَّبَنِ، وأحْلى [مذاقةً] مِنَ العَسلِ، وأطيبُ رائحةً مِنَ المِسْكِ، مَن شربَ منه شَربَةً لَمْ يظْمَأْ بعدها أبداً، ولمْ يَسوَدَّ وجْهُه أَبداً". [صحيح] رواه أحمد، ورواته محتج بهم في "الصحيح"، وابن حبان في "صحيحه"، ولفظه: قال: عن أبي أمامة؛ أن يزيد بن الأخنس قال: يا رسولَ الله! ما سعَةُ حوْضِكَ؟ قال: "ما بين (عَدَنٍ) إلى (عمَّانَ)، وإنَّ فيه مثْعَبَيْن مِنْ ذهبٍ وفِضةٍ". قال: فما ماء حوضِكَ يا نبي الله؟ قال: "أشدُّ بيَاضاً مِنَ اللَّبَنِ، وأحْلى مَذاقةً مِنَ العَسلِ، وأطيبُ رائحةً مِنَ المِسْكِ، مَنْ شرِبَ منه لمْ يظمأْ أبداً، ولمْ يسْوَدَّ وجْهُه أبداً". (المَثْعَب) بفتح الميم والعين المهملة جميعاً بينهما ثاء مثلثة وآخره موحدة: وهو مسيل الماء. ٣٦١٥ - (٣) [صحيح] وعن ثوبان ﵁؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنِّي لَبِعُقْرِ حَوْضي أذودُ الناسَ لأَهْلِ اليَمَن، أضْرِب بِعصايَ حتى يَرْفَضَّ (١) عَليْهِم". فسُئل عَنْ عَرْضِه؟ فقال: "مِن مقامي إلى (عَمَّانَ) ". وسُئل عن شَرابه؟ فقال:

стр. 1779

"أشدُّ بياضاً مِنَ اللَّبنِ، وأحْلى مِنَ العَسلِ، يَغُتُّ فيه مِيزابان يَمُدَّانِه مِنَ الجَنَّةِ، أحدُهما مِنْ ذَهبٍ والآخَرُ مِن وَرِقٍ". رواه مسلم. [صحيح] وروى الترمذي وابن ماجه، والحاكم -وصححه- عن أبي سلام الحبشي قال: بعَث إليَّ عُمَرُ بْنُ عبدِ العَزيز، فحُمِلْتُ على البَريدِ، فلمَّا دخْلتُ إليه قلتُ: يا أميرَ المؤْمِنينَ لقد شقَّ على مرْكبي البريدَ، فقال: يا أبا سلامٍ! ما أردْتُ أنْ أشُقَّ عليكَ، ولكنِّي بلَغني عنكَ حديثٌ تُحدِّثُه عن ثَوْبانَ عن رسولِ الله ﷺ في الحَوْضِ، فأحْبَبْتُ أنْ تُشافِهَني به. فقلْتُ: حدَّثني ثَوْبانُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "حَوْضي مثلُ ما بينَ (عَدَنٍ) إلى (عَمَّانَ البَلْقاءِ)، ماؤُه أشَدُّ بَياضاً مِنَ الثلْجِ، وأحْلى مِنَ العسَلِ، وأكْوابُه عددُ نُجوم السماءِ، مَنْ شرِبَ منه شَرْبةً لَمْ يظمأْ بعدَها أبداً، أوَّلُ الناسِ وُروداً عليه فُقراءُ المهاجرِينَ؛ الشُّعْثُ رُؤوساً، الدُّنَّسُ ثِياباً، الذين لا يَنْكِحونَ المنعَّماتِ، ولا يُفْتَح لهم أبْوابُ السُّدَدِ". فقال عُمَرُ: قد أُنْكِحْتُ المنعَّماتِ: فاطمةَ بنتِ عَبدِ المَلِكِ، وفُتِحتْ لي أبْوابُ السُّدَدِ، لا جَرَم لا أغْسِلُ رأْسي حتى يَشْعَثَ، ولا ثَوْبيَ الذي يَلي جَسَدي حتى يتَّسِخَ". (عُقْر الحوض) بضم العين وإسكان القاف: هو مؤخره. (أذود الناس لأهل اليمن) أي: أطردهم وأدفعهم لِيَرِدَ أهل اليمن. (يرفضّ) بتشديد الضاد المعجمة؛ أي: يسيل ويترشش. (يغُتُّ فيه ميزابان) هو بغين معجمة مضمومة ثم تاء مثناة فوق؛ أي: يجريان فيه

стр. 1780

جرياً له صوت، وقيل: يدفقان فيه الماء دفقاً متتابعاً دائماً، من قولك: غت الشارب الماء جرعاً بعد جرع. (الشُّعث) بضم الشين المعجمة: جمع (أشعث)، وهو البعيد العهد بدَهن رأسه، وغسل وتسريح شعره. (الدُّنُس) بضم الدال والنون: جمع (دنس): وهو الوَسخ. ٣٦١٦ - (٤) [صحيح لغيره] وعن ابن عمر ﵄؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "حَوْضي كما بينَ (عَدَنٍ) و (عَمّانَ)، أبردُ مِنَ الثلْجِ، وأحلىِ مِنَ العَسلِ، وأطيبُ ريحاً مِنَ المسْكِ، أكْوابُه مثلَ نجومِ السماءِ، مَنْ شرِب منه شَربةً لَمْ يظمأْ بعدَها أبداً، أوَّلُ الناسِ عليه ورُوداً صَعاليكُ المُهاجِرين". قال قائِلٌ: مَنْ هُم يا رسولَ الله؟ قال: "الشَّعِثَةُ رُؤوسُهم، الشَّحِبَةُ وجُوهُهمْ، الدَّنِسَة ثِيابُهم، لا تُفْتَحُ لهم السُّدَدُ، ولا يَنْكِحونَ المَنعَّماتِ، الذين يُعطُون كلَّ الَّذي علَيْهِمْ، ولا يَأْخُذون كلَّ الَّذي لَهُمْ". رواه أحمد بإسناد حسن. قوله: (الشَّحِبَةُ وجوههم) بفتح الشين المعجمة وكسر الحاء المهملة بعدها باء موحدة: هو من الشحوب، وهو تغير الوجه من جوع أو هزال أو تعب. وقوله: (لا تفتح لهم السدد) أي: لا تفتح لهم الأبواب. ٣٦١٧ - (٥) [صحيح لغيره] وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: "حَوْضي كما بينَ (عَدَنٍ) و (عَمَّانَ)، فيه أكاويبُ عددُ نجومِ السماءِ، مَنْ شَرِب منهُ لَمْ يظْمَأْ بعدَه أَبَداً، وإنَّ مِمَّنْ يرِدُهُ عليَّ مِنْ أُمَّتي: الشَّعِثَةُ

стр. 1781

رؤُوسُهم، الدَّنِسَةُ ثِيابُهم، لا يَنْكِحونَ المنعَّماتِ، ولا يَحْضُرونَ السُّدَدَ -يعني أبوابَ السُلْطان-[الذين يُعطون كل الذي عليهم، ولا يُعْطَون كل الذي لهم] (١) ". رواه الطبراني، وإسناده حسن في المتابعات. (الأكاويب): جمع كوب، وهو كوب لا عروة له، وقيل: لا خرطوم له، فإذا كان له خرطوم فهو إبريق. ٣٦١٨ - (٦) [صحيح] وعن أنسٍ ﵁؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "ما بينَ ناحِيتَيْ حَوْضي كما بينَ (صَنْعاءَ) و (المدينَةِ) ". [صحيح] وفي رواية: "مثلَ ما بين (المدينَةِ) و (عَمَّانَ) ". [صحيح] وفي رواية: "تُرى فيه أباريقُ الذهبِ والفِضَّةِ كعددِ نجومِ السماءِ". [صحيح] زاد في رواية: "أوْ أكثرَ مِنْ عَددِ نُجومِ السماءِ". رواه البخاري ومسلم وغيرهما (٢). ٣٦١٩ - (٧) [صحيح] وعن أنسٍ ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "أعطيتُ الكَوْثرَ، فضرْبتُ بيدي فإذا هِيَ مِسْكَةٌ ذَفِرَةٌ (٣)، وإذا حَصْباؤُها

стр. 1782

اللُّؤْلُؤُ، وإذا حافَّتاه -أظُنُّه قال:- قِبابٌ، يجري (١) على الأرْضِ جَرْياً ليس بِمَشْقوقٍ". رواه البزار، وإسناده حسن في المتابعات. ويأتي أحاديث الكوثر في "صفة الجنة" إن شاء الله تعالى. ٣٦٢٠ - (٨) [صحيح لغيره] وعن عتبة بن عبدٍ السلمي ﵁ قال: جاءَ أعْرابيٌّ إلى رسولِ الله ﷺ فقال: ما حَوْضُك الذي تُحدِّثُ عنه؟ فقال: "هو كما بينَ (صَنْعاءَ) إلى (بُصْرى)، ثُمَّ يمدُّني الله فيه بكُراعٍ، لا يَدْري بَشَرٌ مِمَّنْ خُلِق أيُّ طرفَيْه". قال: فكبَّر عُمَرُ رضْوانُ الله عليه. فقال ﷺ : "أمَّا الحوْضُ فيزْدَحِمُ عليه فُقراءُ المُهاجِرينَ الَّذين يُقْتَلون في سبيلِ الله، ويموتون في سبيلِ الله، وأرْجو أنْ يورِدَني الله الكُراعَ فأشْربَ منه". رواه ابن حبان في "صحيحه". (الكُراع) بضم الكاف: هو الأنف الممدد من الحرة؛ استعير هنا (٢). والله أعلم. ٣٦٢١ - (٩) [حسن صحيح] وعن أبي برزة ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ما بينَ ناحِيَتيْ حَوْضي كما بَيْنَ (أيْلَةَ) إلى (صَنْعاءَ) مسيرةَ شَهْرٍ،