← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17213

البواكير

علي الطنطاوي

Полный текст (321 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

علي الطنطاوي البواكير جمع وترتيب حفيد المؤلف مجاهد مأمون ديرانية دار المنارة للنشر والتوزيع

стр. 2

حقوق الطبع محفوظة يُمنَع نقل أو تخزين أو إعادة إنتاج أي جزء من هذا الكتاب بأي شكل أو بأية وسيلة: تصويرية أو تسجيلية أو إلكترونية أو غير ذلك إلا بإذن خطي مسبق من الناشر الطبعة الأولى ٢٠٠٩ دار المنارة للنشر والتوزيع ص ب ١٢٥٠ جدة ٢١٤٣١ المملكة العربية السعودية هاتف ٦٦٠٣٦٥٢ فاكس ٦٦٠٣٢٣٨ المستودع ٦٦٧٥٨٦٤

стр. 3

المقدمة المقالة الأولى في هذا الكتاب كتبها فتى في العشرين من عمره اسمه علي الطنطاوي، والأخيرة فيه كتبها شاب في السادسة والعشرين يحمل الاسم ذاته، وبين عشرين وست وعشرين كتب علي الطنطاوي ونشر سائرَ مقالات هذا الكتاب. هذه أولى الحقائق التي أرجو أن يذكرها قارئ هذا الكتاب وهو يطوي صفحاته ويتنقّل بين مقالاته، والثانية: أن هذه المقالات قد كُتبت ونُشرت كلها أيامَ الانتداب الفرنسي على الشام، يوم كان الأمر والنهي للفرنسيين وبيد مفوَّضهم السامي الحكم والسلطان. فمن الأولى جاء ما سترونه في مقالات هذا الكتاب من حدّة وشدّة، وهما صفتان غالبتان في سن الشباب، ومن الثانية تولدت تلك الروح الوطنية الوثّابة التي تملأ مادة الكتاب كله. ومن ثالثة سواهما: الشجاعة التي كانت من صفات علي الطنطاوي الظاهرة، شجاعة كثيراً ما وصلت إلى درجة التهور، من هذه الثالثة جاء ما تجدونه من صراحة وجَراءة قد يُعَجِّبُ كثيراً من الناس صدورُهما عن شاب في مثل تلك السن وفي مثل هاتيك الظروف. ومن علة رابعة، من النشأة الأولى التي وفّقه الله إليها حين أنشأه في بيئة علم ودين، جاء ما تحفل به عامة مقالات الكتاب من عاطفة إسلامية فَيّاضة وحماسة دينية فَوّراة. أما ما تفيض به

стр. 4

كثير من المقالات من اعتزاز بالعربية وغَيرة عليها واستماتة في الدفاع عنها فقد نشأ عن علة خامسة غير كل ما ذُكر، عن حادثة جليلة مما لا يمرّ في أعمار الأمم الطويلة إلا مرات معدودات، فأي شيء هذا؟ * * * في يوم الثلاثاء، السابع والعشرين من نيسان (أبريل) سنة ١٩٠٩ (السادس من ربيع الثاني ١٣٢٧)، خلع الاتحاديون السلطان عبد الحميد الثاني، وبذلك انتهت أيام الخلافة العثمانية وبدأ عهد الاتحاديين. وبعد ستة وأربعين يوماً من ذلك اليوم المشؤوم -الذي آذن بنهاية آخر إمبراطورية إسلامية في التاريخ المشهود- وُلد علي الطنطاوي، فقُدِّر له أن يعيش سني طفولته المبكرة تحت سلطة الاتحاديين الذين سعوا إلى «تَتْريك» الممالك الإسلامية غير التركية، من عربية وغيرها، والذين قذفوا الدولة العثمانية المريضة في محرقةِ حربٍ لا ناقة لها فيها ولا بعير، فأجهزوا عليها، وسقطت أراضيها كلها -إلا قليلاً- في أيدي المستعمرين الأوربيين. لقد كانت تلك سنوات عجافاً، عانى فيها الناس في الشام من عسف الاتحاديين ودفعوا من أرواحهم وأقواتهم ثمناً لسياستهم الخرقاء. وحين أرادوا تتريك الولايات العربية التي كانوا يحكمونها أعلنوا الحرب على اللغة العربية، فَثَمَّ نشأ في نفس علي الطنطاوي هذا الحرص الغريب عليها والحميّة الشديدة لها. قال في مقالة له اسمها «عام ١٩٦٠» (وهي منشورة في كتاب «هتاف المجد»): "كنّا ونحن صغار نرى الحكّام كلهم من الترك، لهم السيادة ولهم التكرمة ولهم النعيم، ولغتهم التركية هي اللغة الرسمية،

стр. 5

فمَن كلّمهم بالعربية ازدرَوه واحتقروه، ودروس المدرسة تُلقَى بالتركية، فمن لم يعرفها ويفهم بها عاقبوه وأسقطوه! وكنا نسمع بآذاننا احتقار «ابن العرب» وسبّه وتقديم التركي وتعظيمه! كنا من حكم الاتحاديين المارقين في ظلام، فأصبحنا يوماً فإذا الظلام قد انقشع، وإذا العلم الأحمر الذي كان يرفرف على بناية السُّوَيْقات، حيث كان الشباب يُساقون إلى الموت في سبيل الألمان وكان الأموات من الجوع مرميين في الطرقات، إذا هذا العَلَم قد اختفى وعُلِّق مكانه علمٌ جديد له أربعة ألوان، وإذا الهتاف الذي كنا نُلزَم به كل صباح قد خفت وانقطع وارتفع مكانه هتافٌ جديد ما سمعنا بمثله من قبل: الهتاف بحياة الاستقلال العربي". (١) * * *

стр. 6

وبعد، فهذه هي المرة الأولى التي أُخرج فيها كتاباً لعلي الطنطاوي ﵀ لا جامعة تجمع مقالاته إلا الزمن، ولا رابطة تربط بينها إلا سِنُّه يومَ نشرَها أولَ مرة. ولكنها ليست المرة الأولى التي يقرأ فيها القرّاء مقالات قديمة له؛ فقد نشر في أول حياته كتباً ثلاثة أودع فيها بواكير مقالاته، فأصدر «الهيثميات» سنة ١٩٣٠، ثم أصدر «في بلاد العرب» سنة ١٩٣٩ و «من التاريخ الإسلامي» في السنة التي بعدها. هذه الكتب ضمت عشرات من المقالات التي نشرها في تلك السنوات المبكرة من حياته، ورغم أنها قد نفدت نسخُها واختفت من الأسواق من عهد بعيد ولم يُعِدْ طباعتها قط، إلا أن مادتها لم تَضِعْ، فأكثر ما فيها من مقالات انتقل إلى الكتب التي أخرجها لاحقاً والتي ما زالت تُنشَر ويتداولها الناس؛ ولو أنكم فتحتم كتاب «من حديث النفس» مثلاً وراجعتم مقالاته لوجدتم أن نصفها قد كُتب بين سنتَي ١٩٣١ و١٩٣٩، وقريبٌ من ذلك كتاب «فِكَر ومباحث»، أما كتاب «قصص من التاريخ» فتكاد تكون مادته كلها مما نُشر في تلك الأيام. بل إني قد أحصيت في الكتب المنشورة أكثرَ من مئة وعشرٍ

стр. 7

من المقالات التي نشرها علي الطنطاوي في الجرائد والمجلات قبل نهاية عام ١٩٣٩. لقد وجدَتْ كثيرٌ من بواكير علي الطنطاوي طريقَها إلى الكتب التي نُشرت وقرأها الناس، وبقيت في يدي بقية مما لم يُنشَر في كتاب قط، فلما عزمت على جمعها وإخراجها في هذا الكتاب أردت أن أضمّ إليها ما أستطيع الوصول إليه مما نُشر من قديم ثم ضاع فلم يبق له أصل، فانتدبت مَنْ تكرّم مشكوراً بمراجعة قسم الدوريات القديمة في مكتبة الأسد بدمشق، وأمضى فيها أسابيع طويلة غارقاً في سجلاتها المحفوظة حتى استخرج منها طائفة من المقالات لم تكن في يدي، فاشتغلت فيها وفيما كان معي من قبل، ومن هذه وتلك جاء هذا الكتاب. على أني لم أنشر كل ما وصلت إليه من «البواكير»، بل إن الذي طويته يزيد على ما أنشره منها اليومَ في هذا الكتاب؛ فقد وجدت أن مقالاتٍ كثيرةً منها كانت مرتبطة بحوادث عابرة أو بقضايا يوميّة، وأمثالُ هذه المقالات قصيرة العمر وأكثرها من النوع السياسي الذي يعالج مشكلات وقتيّة، ثم تنقضي الحادثة وتنتهي القضية فلا تبقى للمقالة قيمة، ولا يبقى بعد هذه السنين الطويلة من يذكر الحادثة أو يهتم بها أو يفهم الإشارة إليها. وأخيراً واجهت مشكلة ترتيب مقالات الكتاب، فهممت حيناً بأن أرتبها حسب موضوعاتها، ثم وجدت أن الموضوع لم يكن هو الأساس الذي بُني عليه الكتاب فأعرضت عن هذا الخاطر، وفكرت حيناً آخر بترتيبها اعتماداً على الجريدة التي نُشرت فيها، فأضم مقالات «القبس» بعضها إلى بعض وأجمع

стр. 8

مقالات «فتى العرب» معاً، وهكذا، لكني أعرضت عن هذا الخاطر أيضاً. ثم انتهيت إلى ترتيبها في الكتاب كترتيب نشرها، فما دام الجامع الذي جمع هذه المقالات معاً وأنشأ منها هذا الكتاب هو الزمان الذي نُشرت فيه فليكن أساس ترتيب المقالات هو الزمان، وكذلك كان. وقد بدأت الكتاب بأقدم «البواكير» نشراً، وكلما مضى القارئ في الكتاب قُدُماً سيتقدم في السنوات. ثم اجتهدت فعملت في هذا الكتاب ما لم أعمله في سواه مما نشرته من قبل، وهو أنني حرصت على أن أثبت في أول كل مقالة موضعَ نشرها وتاريخَه، فذكرت اسم الجريدة التي نُشرت فيها وتاريخ نشرها باليوم والشهر والسنة، وإنما حملني على ذلك أنني ما زلت أحس -وأنا أشتغل بهذا الكتاب- أنني أقدم فيه تاريخ علي الطنطاوي نفسه، وليس فقط سجلاً لكتاباته في تلك السنوات المبكرة من حياته! * * * لقد ظن جدي ﵀ أن إنجاز هذا العمل من المستحيلات، لكن الله ذلل الصعب وجعل -بفضله- المستحيلَ ممكناً. قال في أول الحلقة السادسة والثلاثين من «الذكريات»: "في الأشهر الخمسة التي لازمت فيها «فتى العرب» كنت أكتب كل يوم مقالة، منها سلسلة كان عنوانها «أحاديث ومشاهدات» ... هذه المقالات ضاعت مني، ما بقي لديّ منها إلاّ أربع. ولو كان يتحقق في الدنيا المستحيل وخطر على بال أحد يوماً (بعد موتي) أن يطبع كل ما كُتب، واستطاع أن يجد مجموعة أعداد «فتى العرب» لوجدها فيها".

стр. 9

على أنه لم يَتَمَنَّ فقط صدور هذا الكتاب، بل اختار له العنوان أيضاً؛ قال في أول الحلقة الثانية والستين من «الذكريات»: "المقالات التي كتبتها في هذه المدة كثيرة جداً، لكنْ لا تسألوني عن عددها لأني لم أجمعها كلها، فهل يأتي -يوماً- من يكون أحرصَ على جمعها مني أنا صاحبها، فيبحث في مجموعات الصحف الشامية: فتى العرب، والمقتبس، والقبس، وألف باء، والجزيرة، والناقد، فيأخذ ما كتبته فيها فيجعل منه المجموعة الكاملة «لبواكير» كتاباتي؟ ". ثم شاء الله أن يكتب لمقدمة هذا الكتاب كلمةَ الختام! فقد وجدت بخطه كلمات كتبها على حاشية دفتر مخطوط ضم بعض المقالات القديمة، فكأنه ما كتبها إلا لأضعها في هذا الموضع! قال فيها: "هذا شيء قليل جداً من كثير جداً كتبته في تلك الأيام، ولو جمعت كل الذي كتبته لكان لي إلى الآن أكثر من ستين كتاباً. على أني إذا ربحت منه قليلاً من ثواب أو سبّبَ لي دعوة صالحة تنفعني في آخرتي فذاك، وإلا فهو سراب، وكل الذي فوق التراب تراب إذا لم ينفع صاحبَه يومَ الحساب. اللهُمَّ حُسْنَ الخاتمة والمغفرة. علي الطنطاوي: مكة المكرمة، آخر سنة ١٣٨٩". وبعد كتابة هذه الكلمات بأربعين سنة وشهور جئت أنا لأثنّي فأقول: اللهُمَّ آمين، اللهُمَّ اغفر له وارحمه، وارحم معه اللهُمَّ حفيدَه الذي جمع مادة هذا الكتاب، وصهرَه الذي ينشره اليوم على الناس. مجاهد مأمون ديرانية جدة: جمادى الآخرة ١٤٣٠

стр. 10

كلمات (١) (١) الحياة المادية أمر تافه يشاركنا فيه أدنى الحيوان، ولكن الحياة المعنوية والتطلع إلى الخلود هما ما امتاز به الإنسان. (٢) الأمة ليست بما عندها من مال ولا بما في أرضها من جمال، ولكن بما فيها من رجال. (٣) إذا أرادت الأمة شيئاً فلا قوة في العالم تضطرها إلى تركه، لأنها إنْ أعجَزَها النضال فلن يعجزها الموت. (٤) لا حياة للأمم الضعيفة بغير القوة، لأن الحياة حق للأقوى بحكم الواقع. (٥) المُحِق الضعيف مجرم، لأنه يضيع حقه بضعفه! (٦) من فرَّ من الموت فرَّت منه الحياة.

стр. 11

(٧) التربية الشرقية لا تنجب رجالاً أكفاء! (٨) الرجال كثيرون، ولكن الرجل هو الذي يعيش لدينه وأمته. (٩) الشاب الذي لا يعرف في الحياة إلا الغزل ليس إلا جرثومة سل في جسم الأمة، أما الشاب المتعلم القوي الإيمان الحديدي الإرادة الثابت على المبدأ فهو الذي يبني أمة. (١٠) الحرية أحلى ما في الكون، فهل نحن أحرار؟ هل نستطيع أن نأكل ما نشاء ونلبس ما نشاء ونقول ما نشاء؟ مسكين الإنسان، يعلل نفسه بأنه حر ويغالطها فيزعم أن القيد لا ينافي الحرية، فهو يقول: قيدوني وكبلوني بالأغلال ثم قولوا إنّي حر! * * *

стр. 12

خواطر غريب كُتبت في مصر سنة ١٩٢٩ [بعثت بهذا الفصل من القاهرة إلى «القبس» الغراء، فنشرته بعد أن أرسلتُ لها فصلاً قبله مزقه أحد محرريها لأنه رآه -حفظه الله- لا يشبه إنشاء الصحفيين، وإذن لا يصلح! فبقي هذا، وليس فيه من الخيال أو المبالغة ذرة واحدة، ولم أغير فيه حرفاً واحداً. (١)] كانت لي آمال وكنت أسعد بها، فأصبحت وليس لي إلا أمل واحد: وقفة على قاسيون أو رشفة من بردى! آه، لقد ضاقت بي مصر على رحبها وسعتها، وصغرت في عينيّ حتى لقد رأيت غرفتي الصغيرة في دمشق أوسع منها وأكبر، واسودَّت في بصري حتى ما أرى فيها إلا الظلام، ولو كان في نور الشمس الذي يملؤها نوراً، بل لقد انصرفت نفسي عن العلم

стр. 13

ورغبت عن ورود مناهله، ولم أعد أؤمل إلا أن أرى مرة ثانية هذه الصخورَ الخالدة من رَبْوَة دمشق. ما لي ولآثار أيدي البشر؟ ما لي وللحضارة والعمران؟ إنني أبيع هذا كله بشَعَفة من تلك الشُّعوف (١)، أجلس عليها فأرى الجمال الذي خطته يد الله على صحائف الكون، وإنها لسعادة لا تُشترى بملء الأرض ذهباً ولا بملء الصحف علماً. أما الآن فقد تغير عليّ كل شيء. لقد انتقلت إلى عالم آخر أقيم فيه وحيداً، بعيداً عن ذلك البلد الذي نشأت به فعشقت أرضه وسماءه، وهِمْتُ بجباله ورُباه، بعيداً عن تلك الغرفة الصغيرة الخالية من كل شيء إلا من رفوف الكتب ومقاعد الدرس، والتي كنت أغلق بابها عليّ وعلى إخوان لي يفهمون الحياة كما أفهمها، نقطع فيها هذه المراحل من عمرنا على مطيّة الكتب تارة والحديث أخرى، نحيا في عالم أسمى من عالم الناس، ذلك هو عالم الخيال ... في تلك البقاع خلّفت نفسي وسعادتي، وحييت هنا شقياً مسلوبَ الفؤاد. * * * هبطت مصر لأدرس وأعمل، والأفق واسع والمكان رحب،

стр. 14

ولكني أضعت قلبي فأضعت كل شيء. كنت أجد في دمشق صدراً أودِعه كل آلامي (١)، فأصبحت وآلامي تنوء بفؤادي الملتاع لا يجد من يبثّه إياه. ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة ... يواسيك أو يُسليك أو يتوجّعُ منظر واحد لا يفارقني في جيئتي وذُهوبي وقَومتي وقَعدتي، ذلك هو منظر وطني، يتمثل لي في كل طريق ويتراءى لي في كل مذهب، أقضي نهاري مُطْرقاً مفكراً، حتى إذا جَنَّ الليل وأويت إلى فراشي انصبَّتْ عليّ الذكريات المؤلمة صبّاً، فما أزال بها أدفعها فتزداد إقداماً وأطردها فتزداد ثباتاً، حتى أُغلب على أمري، فألقي الوسادة وأثور من الفراش أفزع إلى النور، وأنتصب

стр. 15

قائماً مدة لا أدري مداها، ولكني أرى النوم لا يغلب عليّ حتى يغلب الموت على الليل ويقوم الفجر لِيَنْعيَه، هنالك أنام بضع ساعات نوماً مضطرباً ممزوجاً بأفظع الأحلام. أنا لا أشكو إلا هذه الذكرى، فلقد أقضَّت مضجعي ونغَّصَت عليّ حياتي، وإنني وإياها كصاحب الحمّى تعاوده حُمّاه، فإذا جاءتني خفق لها قلبي ووَنَتْ أعصابي، ودارت بي الأرض حتى أجهل مكاني منها، وأستغرق في سبات عميق من التأمل المُمِضّ والتفكير المؤلم. رباه، أخلقتني رزمة من عواطف لسعادتي أم لشقائي؟ وهل بنيتني من شعور وإحساس لأعيش متألماً أو لأعيش جاهلاً؟ ماذا أصنع؟ إن عاطفتي استأثرت بنفسي حتى ما يملك عقلي من أمرها شيئاً، وكأني أسمعها تتفلسف قائلة: أيها الرجل، لماذا تعيش؟ إن كنت تعيش لنفسك فاطلب لها السعادة، وإن كنت تعيش للناس فهيهات أن تفيدهم ولك من شواغل نفسك وآلامها ما يصرفك عنهم، ومهما يكن فدعك من هذه الغربة وعد إلى بلدك! أما أنا فلا أفهم مما تقول شيئاً، وكأن هذه الآلام التي تنتابني تستقطر ماء حياتي قطرة قطرة، وستأتي ساعةٌ يجف فيها فأغمض عيني إلى الأبد شاخصاً إلى السماء، أرى صورة وطني في مرآتها الخالدة فأودعه الوداع الأخير، ثم أرقد! ليس لي هنا من عمل إلا الدأب على المطالعة، أطالع كتباً وروايات أروي صفحاتها بدمعي وأغذيها بسواد قلبي وثمرة فؤادي، حتى تجنح الشمس للمغيب، فأخرج فأقف على «كوبري الزمالك»،

стр. 16

أنظر إلى النيل تارة وإلى ذلك الأفق البعيد أخرى، فأبصر فيه خيال وطني يلقي النور والحياة على تلك الخمائل الخضراء التي لا حدَّ لها، فأقف أمامه كأنني أمام محرابي، ولا أنتبه حتى تتوارى هذه الصورة في طيّات الظلمات فأعود إلى الدار أسيّاً حزيناً. ولا إخال الأمد يطول بي على هذه الحال، وما هي إلا واحدة من اثنتين: إما الشام وإما الحِمام! اذكرونا مثلَ ذِكْرانا لكم ... رُبَّ ذِكْرى قَرَّبَتْ مَن نَزَحا واذكروا صَبَّاً (١) إذا غنّى بكم ... شَرِبَ الدّمعَ وعافَ القَدَحا * * *

стр. 17

طلاب دمشق نشرت سنة ١٩٢٩ (١) انقضى العام المدرسي، وطُويت صفحته في الواقع لتُفتَح صفحته في التاريخ. انقضى العام وغربت شمسه، ولكنها غربت في دمشق على طلاب قد قاموا بالواجب وعملوا في سبيل الله والوطن والأمة. نظر الطلاب في دمشق، فإذا يدٌ غريبة تلعب بمعارف بلادهم (٢)، وإذا هي أشبه بالسفينة العظيمة يراها الرائي فيحسب أن لها عقلاً يسوقها وإرادة تسيّرها، ولكنه يقترب منها فيرى شيئاً صغيراً ليس منها في شيء يسوقها ويصرّفها كما يشاء، وهو ربانها! نظر الطلاب، فإذا جهود عظيمة ومَساعٍ كبيرة تُبذَل لتفرّق

стр. 18

جمعهم وتلقي الشقاق بينهم، فعاجلوها بيقظة سريعة وحَّدَت صفوفهم، فإذا هي كالبنيان المرصوص. علّمتهم العمل لنهضة الأمة، فاتفقوا على مساعدتها أدبياً بتحذيرها من الخطر الداهم، وتعليمها الاتحاد والتعاون بذلك المثل الذي ضربوه لها من أنفسهم، وعلى مساعدتها اقتصادياً بعهد قطعوه على أنفسهم أن لا يشتروا إلاّ بضائعها ولا يُقبلوا على غير مصنوعاتها. قد استيقظوا، ولكنهم لم يَعْدلوا بالعروبة والإسلام شيئاً، ولم تخدعهم عنهما فرعونية خدعت بعضاً من طلاب مصر، ولا فنيقية خدعت بعضاً من سخفاء لبنان! * * * فيا إخواني طلابَ دمشق: سيروا إلى غايتكم قُدُماً بهمّة عظيمة وإيمان قوي، وثابروا على عملكم، وأفهموا العالم كله أنكم طلاّبٌ بَرَرة بماضيكم وأمتكم، وأنكم لا تنقضون لها عهداً ولا تبخلون عليها بشيء، والله ناصركم ومؤيدكم. * * *

стр. 19

في ذكرى مولد فخر الكائنات نشرت سنة ١٩٢٩ (١) ما الثورة الفرنسية؟ ما سقوط الدولة الرومانية؟ ما حوادث التاريخ؟ إنه حادث أعظم من التاريخ وأكبر من البشرية؛ إنه ميلاد محمد رسول الله ﷺ . قف أيها الفلك ساعة من زمان إجلالاً لهذه الذكرى وإعظاماً لهذا اليوم، وتخشّعي أيتها البشرية، فهذا يومك الذي خُلِّصتِ فيه من ظلمات الجهل وأُطلقتِ فيه من قيود الاستبداد، وليهتف أبناؤك بصوت واحد ترتجّ منه جوانب الأبدية ويردده الدهر في فضاء النهاية: صلى الله على محمد، رسول الله ومخلّص العالم، والله أكبر. ما كان محمد نبي المسلمين وحدهم، وما كانت هدايته

стр. 20

مقصورة عليهم دون غيرهم، بل هو رحمة للعالمين وهادٍ للناس أجمعين. بُعث وفي قلبه نور الله، ففاض على الحياة فكان منه نعيمها وسعادتها، وفاض على الصحابة فكان منه هذا الإيمان الذي ملأ قلوبهم. بهذا الإيمان جاهدوا، بهذا الإيمان انتصروا، بهذا الإيمان دكّوا صرح كسرى وعرش قيصر، وبه ملكوا ما بين قلب فرنسا وقلب الصين وعليه شادوا مدنيّة بغداد وحضارة الأندلس. وإن يوماً تُطوى فيه هذه البشرية طَيّ السجلّ للكتب ولا يبقى إلا نور الله، هنالك وقد خشعت الأصوات للحي القيوم، هنالك وقد عُرضوا على ربك صفاً، هنالك وقد ذهب كل شيء ولم يبقَ إلا سعادة الأبد أو شقاء الأبد ... هنالك يعرف الناس قيمة ما جاء به محمد ﷺ ؛ فيحمد المؤمن ربَّه ويشكر، ويندم الكافر ويقول: ﴿يَا لَيْتَني كُنْتُ تُرَاباً﴾، وهنالك ينادي منادي الله: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ؟ للهِ الوَاحِدِ القَهّار﴾. هنالك الدليل الراجح والحجة البالغة على أن ما جاء به محمد ﷺ لم يقتصر على سعادة الحياة الدنيا، ولو اقتصر لاقتصر مجدُ محمد على أنه رجل عظيم -كما يراه مَن قَصُرَ بصره وضرب الله على قلبه- بل تعداها، وهي شكل من أشكال الفناء، إلى أمر أبعد، إلى غاية أسمى هي سعادة الحياة الأخرى، حياة الخلود، فكان رسولَ الله ورحمةً للعالمين. * * * هذا اليوم عيد البشرية الأكبر، لأنه ليس في أبنائها مَنْ لم يَهْتَدِ بنور الإسلام ويستمدَّ مِن معانيه، ولو كان يدين بغير

стр. 21

الإسلام. فمَن وافَقَنا منهم اليوم على عيدنا فقد أدّى الواجب، ومَن غفل عنه فقد غفل عن أدائه. وأمّا من ران التعصب على قلبه فجحد هذا الفضل الأعظم فهو الخائن الجاحد النعمة، المُنكِرُ الشّمسَ في الضحى وشعاعُها يملأ الأرض والسماء ويملأ عينيه، ولكنه يفتحهما له زاعماً أنه لا شعاع، فيُغشى على بصره فيصبح أعمى! وعمى الجهل أشد وأنكى، ولو كان الجاهل من أوربا. أوربا؟ ومتى كانت لأوربا حضارة؟ الحضارة لاح فجرها في الشرق وبرزت شمسها تحت سمائه، فهي من الشرق وإلى الشرق، فإن غَرَّبت فإنما ذلك سحابة صيف عمّا قريب تقشع. قامت الحضارة في أوربا للمرة الأولى بقيام اليونان والرومان، ولكنها فروع والأصل راسٍ في الشرق يُسقى من نيل وفرات. ثم قامت حضارة أوربا الثانية، ولكنها وإن طالت وأورقت فهي فرع، والأصل ثابت في الشرق، يغذيه الإسلام ويُسقى بتعاليمه وهدايته. وكيف؟ أوَلم ندخل الأندلس، والأندلس خير بلاد أوربا إذ ذاك، فلا نرى فيها إلا جهلاً وظلاماً؟ ألم نعامل أهلها، ونحن الظافرون المنتصرون، خير معاملة؟ ألم يكونوا في ظلال سلطاننا أحراراً في دينهم؟ ألم نثقّفهم ونعلمهم؟ فكيف عاملونا بعد أن دخلوها؟ أعطونا العهود والمواثيق على حفظ أرواحنا وتركنا وشأننا في عباداتنا، فكان قسمهم حنثاً، ووعدهم خُلفاً، وأمانتهم خيانة! عرضوا المسلمين على السيف والنار يقتلونهم ويحرقونهم أو يكفروا بما أنزل الله. كذلك فعلوا في الأمس بأفرادنا، وكذلك يفعلون اليوم بشعوبنا. هؤلاء

стр. 22

هم المتمدنون المتحضرون! فقلدوهم -أيها المفتونون بالتجديد الكاذب- وسيروا في أذنابهم، بارك الله لكم فيهم، فاتخذوهم إماماً! أما نحن، نحن الشبان المسلمين، فنتبع محمداً ﷺ ، وسنتعاهد من هذا اليوم الأكبر على التمسك بشريعته واتخاذه إماماً. ثم نلتقي يوم الحساب فنرى أيُّنا أقْوَم سبيلاً وأقرب رشداً. * * *

стр. 23

ألا ليشهد العالم كله ! نشرت سنة ١٩٢٩ (١) ألا لتعلم حكومتا لندن وفلسطين (٢): أن المسجد الأقصى حق صريح من حقوق المسلمين، وأنهم لا يتنازلون عن شبر منه لمخلوق، لأن في ذلك تنازلهم عن دينهم وعربيتهم، عن آبائهم وشرفهم، وهذا ما لا يكون قط، أو تُبدَّلَ (٣) الأرضُ غيرَ الأرض والسماوات!

стр. 24

ليس في العالم كله مسلم واحد يستطيع أن يمر بهذه الحوادث: حوادث الزِّراية على الإسلام في ثالث مساجده، حوادث الاعتداء على المسلمين في عقر دارهم، ولا تثور في رأسه الحميّة الإسلامية وفي نفسه النخوة العربية، فيغضب لله ويغضب لدينه، وإذن لا يتأخر لحظة واحدة عن أن يبيع نفسه وماله من الله بأنّ له الجنة. لا والله، ما كان الإسلام أبداً دين ذِلّة وخضوع، وما كان أبداً دين ضعف وعجز، فلا يَغُرَّنّ هذه السنانير من هذا السبع نَومَتُه، فهو والله إن نهض لهم ما أبقى منهم باقية! ثم ما لهؤلاء اليهود والإسلام، وما لهم وللتهلكة يلقون بأيديهم إليها؟ أم يريدون أن يأذنوا بحرب إذا قامت سُوقها كانوا أولَّ ما يَنْفَق فيها؟ وأنّى لهم بالحرب، وما عرفناهم قطّ أبطالها، وما عرفهم التاريخ إلا ضعافاً خاضعين، راضين بالدنيّة مستسلمين إلى الذلة؟ فليُبقوا على أنفسهم، وليُقلعوا عن غيّهم، وإلا وإنْ لم تَردَعْهم الحكومةُ وتغلّ أيديهم عن الاعتداء علينا، وضعنا أفواهَنا في بوق العالم فصحنا بمُسلميه: "النفيرَ النفير" ... وعندها يعلم الناس أين هي مقبرة العنصر الصهيوني ومتى كان انقراضه! * * * هذه كلمة صغيرة، ولكن فيها قوة الحق لا نقصد بها إلاّ إحقاقه، وقوة الإسلام لا نرمي بها إلاّ إلى نصرته. وما على مُحِقٍّ للحق من سبيل. * * *

стр. 25

اسمعوا يا عباد الله قطعةٌ من حديث (١) نشرت سنة ١٩٢٩ (١) [هذه قطعة من حديث سمعتها بين اثنين، أنقلها كما سمعتها:] - ... وإن مَثَلهم في ذلك كمثل الإخوة والعمليق. قال: وكيف كان ذلك؟ قال: زعموا أن إخوة سبعة ورثوا عن أبيهم قصراً عظيماً وأموالاً طائلة، فأطلقوا لأنفسهم فيها العنان تبذيراً وإسرافاً. وكان بجوارهم عمليق قوي العضل مفتول الساعد، رأى ما هم فيه فاتصل بهم وخالطهم، فعرف دخيلة أمرهم وعَجْز حيلتهم، فبيّتهم في نفر من أصحابه، فما استطاعوا لهم دفعاً، ثم تقاسموا أموالهم، وحبسوا كلاً منهم في غرفة وضمّوا إليه أحدهم ليكون وصياً عليه؛ يبتز أمواله ويتصرف به كما يشاء!

стр. 26

ثم عرض لأصغر الإخوة عدو يريد أن ينتزع غرفته زاعماً أنها كانت معبداً لأسلافه قبل أن يمتلك أبوهم القصر فهو يريد أن تعود إليه، فأبى ذلك عليه الأخ، وأصر هذا على غرضه، فتخاصما ... وكان مع العدو سلاح وعُدّة وليس عند ذاك إلا هراوته. فدافعه بها ما استطاع واستصرخ إخوته، فهاجوا وصاحوا بالعمالقة: إننا نحتج وننكر هذا الاغتصاب ونعلم أننا محقون، وإن لم تردعوا هذا العدو فعلنا وفعلنا ... وما زالوا يصيحون حتى بُحَّتْ أصواتهم وانشقّت حناجرهم، ثم أوَوا إلى غرفهم فناموا هادئين يحسبون أنهم صنعوا شيئاً، وملأ أهل العدو وشيعته الدنيا شكاة وعويلاً. قال: فماذا كان بعدُ، وَيْحَك؟ قال: وماذا يكون بعدُ إلا ما كان قبلُ؟ سيصبحون فيجدون الأخَ مقتولاً، والعدوَّ الدخيل مالكاً، والعمليقَ باديةً نواجذُه من الضحك عليهم والأمل في القضاء على ما بقي من عزهم! * * * هذا ما سمعته من حديثهما، والفَطِن من فَهِم. * * *

стр. 27

اسمعوا يا عباد الله قطعةٌ من حديث (٢) نشرت سنة ١٩٢٩ (١) - ... كالذي زعموا أن رجلاً برع في فن «الميكانيكيات» وتسيير القاطرات، وذاع خبره وانتشر صيته. وكان له ولد فأراده على تعلم هذا الفن حتى تبقى لهذه الأسرة شهرتها بإتقانه ولا تتبدد بموت هذا الشيخ، فاعتذر الولد بأنه صغير وأنه سيَجِدّ فيه بعدُ. فتركه حيناً ثم عاد إلى دعوته، فعاد الولد إلى اعتذاره ... وبين «دعا» و «اعتذَرَ» تصرَّمت حياة الأب فمات. وطلب صاحب العمل من يقوم مقامه، فقام إليه الولد، فقال صاحب العمل: الولد أحق بمكان أبيه، ولكنّ سَوق القاطرة شاق لا يقوم به إلا خبير، وفي الطريق عقبة لا يجتازها إلا حاذق. فما بلغ من معرفتك أيها الفتى؟ فقال: إنني كأبي، وأفوقه بقوة الشباب.

стр. 28

فسُرَّ صاحب العمل وذهب به إلى القاطرة ليسوقها، فدُهش وارتبك وقال: أما هذه فلا أعرفها، ولكني كأبي ... وأفوقه بقوة الشباب، وأنت حليم! فقال: إذن أنت تحذق تصليحها؛ فهَلُمَّ إلى المصنع. ولم يكن رآه قبلُ فهالَهُ وأعظم ما فيه فقال: أما هذه فلا أعرفها، ولكني كأبي ... وأفوقه بقوة الشباب، وأنت حليم! فقال: إذن أنت تبصر أمر الاختراع وترقيه، فهناك ... فقطع عليه كلامه قائلاً: أما هذه فلا أعرفها، ولكني كأبي ... وأفوقه بقوة الشباب، وأنت حليم! وما زال يعرض عليه كل عمل فيجيبه بالجواب نفسه، حتى برم به فقال له: أيها الغرّ الأحمق! لا السَّوق تعرفه، ولا التصليح تحذقه، ولا الاختراع تعلمه، فبماذا كنت كأبيك؟! وطرده. * * * قال المحدَّث: إنه ولد أبله رقيع! فمَثَلُ منْ هذا؟ قال: مَثَلُ المسلم؛ لا الصلاة يقيمها، ولا الأحكام يعرفها، ولا السنّة يَتبعها، ولكنه يقول: "إني مسلم كأبي وأفوقه بمعرفة الفنون والعلوم ... وفضل الله واسع! ". ولله المثل الأعلى. ثم ذهبا فانقطع عني حديثهما. * * *

стр. 29

اسمعوا يا عباد الله قطعةٌ من حديث (٣) نشرت سنة ١٩٢٩ (١) - ... الوَيْل لكَ يا هذا، ما تنفكّ تحدثني وتعمى عن هذا الرجل يقتطع من أحاديثنا قِطَعاً، ولا أدري والله ما يصنع، غير أني خائف أن ينالنا بِشَرّ، وإني أراه يتربص بنا الدوائر. وليس بالرجل الحكيم من وثق بعدوّه وركن إليه، وقد قالت الحكماء: ثلاثٌ من ارتجاهنّ من ثلاث فهو أحمق: الماء من النار، والرزق من المخلوق، والنفع من العدوّ ... وإن مثلك -في هذا- كمثل المعارف والغراب، حين وثقن به فأهلكهن. قال: وكيف كان ذلك؟ قال: زعموا أنه كان بمدينة كذا جماعة من المعارف (٢)، وكان عليهنّ وزير منهنّ، وكنّ قد شَدَدْنَ وَكْرَهُنّ إلى شريعة

стр. 30

ولغة (١) قائمتين على ضفّة نهر جارٍ، فَعِشْنَ فيه دهراً على خير عيشة، حتى نزل بهن -ذات يوم- غرابٌ جائع اسمه «رَوْجَة»، فشفقن عليه ورأفنَ به، فأطعمنه وسقينه، فلما شبع وروي رأى ما عندهن من الحب؛ فطمع بهن، فقام فيهن خطيباً فقال: إنكنّ قد أحسنتُنّ إليّ وإني مكافئكنّ على إحسانكنّ، اعلمْنَ أني آتٍ من بلد أرقى من بلدكن، وعندي من العلم ما ليس عندكن، فاتّبِعْنَني واتخِذْنَني مستشاراً لوزيرتكنّ أنهضْ بكنّ فتصِرن أمة من الإوز. فقلن له: أنظرنا حتى نرى رأينا. وانتحين ناحية يتشاوَرْنَ، فقالت حكيمتُهنّ: إن هذا الغراب يُفسد عليكنّ أمركنّ، وهو عامل على إهلاككنّ بقطعِكُنّ عن أصلكنّ، فقُمْنَ إليه فافقَانَ عينيه، واعلمْنَ أنّ مَن صادق ما ليس من طبعه أصابه ما أصاب البيت من النار. قُلنَ: وكيف كان ذلك؟ قالت: إنه كان في روضة غَنّاء بيت جميل أمام نهر جارٍ، وإنه لبث ما شاء الله أن يلبث، ثم بدا له فقال: "ما أشَقَّ الحياة بلا رفيق ولا أنيس، وما أشقى من يقيم وحده لا يجد من يشاطره سرّاءه وضرّاءه! وإني منطلقٌ فمبتغٍ لي صديقاً". ولكنه لم يجد إلا النار فخاللها، وباتا متعانقين، فلم يصبحا حتى أصبح رماداً. وإني خائفة عليكنّ صُحبةَ هذا الغراب، فأطعنَني اليوم واعصينَني آخر الدهر.

стр. 31

فأَبَيْنَ ذلك عليها وأعرضْنَ عنها، وذهبن إلى رَوجَة فاتخذْنَه مستشاراً (١). فقال لهن: المُستشار مؤتمَن؛ وأنا واضع لكنّ برنامجاً إذا أنتنّ عملتُنّ به صيَّرَكنّ أمة راقية من الإوز. فقُمْنَ إلى هذه الأسباب التي تربطكنّ بهذه اللغة وهذه الشريعة فاصرمْنَها، واتركن وكركنّ يسبح بالماء، فإنه لا ينتهي النهر إلى مصبّه حتى ينتهي أمركن إلى ما أردتنّ. فأطعنَه وفعلن ما أراد لهن، فما شَعَرن إلا وهنّ يتخبطنَ في الماء، والغرابُ ناجٍ بما اختزنَّ من الحب. * * * هذا ما سمعته من حديثهما، وإن فيه لعظة لقومي لو كانوا يفقهون. * * *

стр. 32

أنا ونفسي نشرت سنة ١٩٢٩ (١) الآن وقد هجعت المدينة وسكن الجو، وترك الإنسان حلبة هذا النضال، وأوى إلى مضجعه يستريح من عنائه، الآن وقد خَفَتَ صوت الإنسان، ارتفع صوتٌ من نفسي يُؤذنني بالوداع، ونظرت إليها وهي تَسْبح بحلّتها البيضاء في هذا الفضاء الواسع، فضاء الكواكب والنيِّرات، تستطرق منه إلى عالم أوسع: عالم اللانهاية، لتأنس ساعة بلقاء أشباهها ونظائرها، وتبتعد قليلاً عن عالم ليست منه وليس منها في شيء، فوقفت ذاهلاً شاخصاً ببصري إلى السماء ... وفي السماء قبل الفجر مُستَقَرُّ العواطف، وسرُّ الأمل، وباب الأبدية. ولبثت على هذا ساعة، لا أعلم من أمرها إلا ما يبقى في نفسي بعد أن أصحو، وما هو إلا ما يبقى في نفس الحالم بعد تبدُّدِ حلمه. أصحو وأعود إلى هذا العالَم، لا حباً به، بل لأن الإنسان أفاق فَسَدَّ بشروره بابَ التأمل أمام نفسي، فعادت أدراجها،

стр. 33

عادت إليّ متمرّدة عَصِيَّة، ساخطة على الإنسان، وطامحة إلى الخروج من هذا السجن الذي وُضعت فيه. عادت إليّ تسألني غَضْبَى: من أتى بي إلى هنا؟ من أسكنني في جوارك أيها الإنسان الشرير؟ لولاك ما سُجنت، أنت سبب شقائي! ويحك! لماذا تعيش في هذا العالم الفاسد؟ إنني لا أحبه ولا أطيق أهله. دعني أرحل! تسألني فأصمت، وتلحّ في السؤال فأزيد في الصمت، فتحنق وتمسك بخناقي فتَسْوَدّ الدنيا في عيني وأكاد أفارقها. ثم أرى الفرج في أشد ساعات الخطر؛ لقد فُتحت أمامها كوّة إلى عالم الخلود، فأفرَجَت عني وتمتعت بالهناء. وما ذلك إلا لأنها سمعت صوت المؤذّن يرنّ في سكون الليل: «الله أكبر، الله أكبر»، فأصغت إليه، ثم حملتُها فوقفت بها في الصلاة فاتصلت بعالم التأمل. وبقيت سعيدة خاشعة حتى سمعت قولة: «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله» فعادت لإشقائي، فأنا لا أسعد إلا في الصلاة! * * *

стр. 34

في القدس على قارعة الطريق نشرت سنة ١٩٢٩ (١) -١ - - إليّ، إليّ يا بُنَيّ. ما لك؟ - أين أبي؟ أين أمي؟ هذا جواب ذلك الطفل الصغير الضالّ، أفصحت عنه عيناه الباكيتان ومنظره المُشْجي إذ قد عَيَّ به لسانه المتلعثم الذي ما يكاد يُبِين. ناديته، فأقبل إليّ وحدّق إلى وجهي، فلمّا لم يَرَني أباه ولّى وله منظر تدمى له أقسى القلوب وآهات تتقطّع لها نياطها، إلا قلوب بني صهيون فإنها لا تحركها رحمة ... أو يحرّكَ (٢) النسيمُ الرقيقُ الصخرةَ الجلمود.

стр. 35

مضى على وجهه وقد توردت عيناه من البكاء وتورمت قدماه من السير، يصيح: بابا، ماما، ماما، بابا ... حتى انقطع عن عيني مرآه وعن أذني مسمعه. -٢ - - هل رأيت طفلاً صغيراً أضلّ أبويه وأضلّه أبواه؟ ... لا، لا، بل أضلّته أمُّه وأضلّت أباه. أباه ... آه، أين أبوه، هل ذبحوه؟ ربّاه، انتقم لنا من هؤلاء الوحوش. إنهم أخرجونا من دارنا وقتلوا رجالنا و ... امرأة شاحبة اللون، مخطوفة البصر كأن بها مسّاً، ألقت عليّ هذا السؤال ثم ذهبت لا تلوي على شيء ولا تسمع مني جواباً. -٣ - - جنازة من هذه؟ فوالله ما رأيت باكياً ولا باكية كاليوم! - فلان، ذبحه اليهود في داره. -٤ - - الجامعة العربية ... أخبار محلية ... - هات عدداً. "فاجعة: تسوَّرَ اليهود على فلان دارَه فأحرقوها عليه، وفرَّت زوجته وطفله لا يجدون مأوى يؤويهم ولا طعاماً يقيم صلبهم ... "

стр. 36

-٥ - كأني بك وقد قرأت هذا -وليكن خيالاً، فهو والله عين الحقيقة- فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، إنّا لله ... إلى آخر ما تعوّدتَ أن تقوله. ثم قمت إلى بطنك فملأته من أطايب الطعام، وهم لا يجدون ما يتبلّغون به، وإلى إخوانك فحدثتهم مُسِرّ الأحاديث، وأولئك لا أصحاب لهم، وإلى فراشك الوثير فتمددت فيه، وأولئك لا يجدون إلا المَدَر فراشاً، ثم أصبحت فقلت: الحمد لله على دين الإسلام. وأي إسلام هذا لعمري؟! * * *

стр. 37

رسائل في سبيل الإصلاح (٣) دمشق بعد تسعين عاماً (١) ماذا يكون يومئذ إذا لم نبادر إلى الإصلاح اليوم؟ أخرج هذا «الطنطاوي» أولى رسائله فأغضبت وأرضت، ثم قفّى على إثرها بالثانية فلم تدع راضياً عنه أحداً، ولم يدع الناسُ لفظةً في دواوين اللغة تدل على الانتقاص والشتيمة إلا رموه بها غيبة وحضوراً، حتى ضاق بخصومتهم ذرعاً، فحدّث عن نفسه فقال: لفظتني النوادي وجانبني الرفاق، وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، حتى لا أرى فيها إلا وجوهاً تعلوها سيما الغضب وأصواتاً تملؤها كلمات الشتم.

стр. 38

ذهبت إلى منزلي فراراً من الناس، فلم يستقرّ بي المقام فيه حتى خرجت منه مَوْهناً، وكانت ليلة ظلماء لا نور فيها إلا هذه النجوم المتلألئة في سمائها الصافية، ولا صوت إلا صوت قدمي على بلاط شارع بغداد الذي أسير فيه مغرّباً، لا أعرف لي قصداً ولا غاية، وقد تاه بصري في دجى الليل وفكري فيما وراء المادة. كدت أسير إلى الصباح ما دمت لا أفكر في شيء وأفكر في كل شيء، لولا أن استوقفني شعور برهبة اعتراني، فعادت إليّ نفسي، فبصرت ما حولي فإذا أنا بين الأموات! وإذا أنا قد قطعت هذه الأسلاك الشائكة التي تفصل شارع بغداد عن مقبرة الدَّحْداح ودخلت المقبرة، فتمثلت لي شواهدها الماثلة أشباحاً مخيفة، فمُلئتُ رعباً وفزعاً، وخانتني رجلاي فسقطت مكاني، وأحسست بشيء سقط عليه رأسي فكان له كالوسادة، وإذا هو قبر! وأُحسّ حركة، فألتفتُ فأرى القبر ينشقّ فيخرج منه ميت قد تقطع كفنه، ويقترب مني فأجمد في مكاني ولا يبقى حياً مني إلا

стр. 39

سمعي، فأسمعه يقول: أيها الولد الخبيث! ما أنت ونقد الشيوخ وإصلاحهم، وهلا أصلحت إخوانك وأترابك من الشبّان؟ أيها الشرير، ألا تبصر أخلاقهم؟ ألا ترى تقليدهم الغربيين؟ أعَميتَ عن كل هذا ولم يبقَ محتاجاً إلى الإصلاح إلا الشيوخ؟ ويلك! ألست تزعم أنك من صالحي الشبان، وأنت لا تزيد على فرضك، وربما تهاونت به أحياناً؟ فهلا عمدت إلى نفسك فبدأت بإصلاحها؟ الويل لك الليلة من انتقامي وبطشي! ويُعقَد لساني فلا أرد عليه حرفاً، ويقترب مني، حتى إذا لم يبقَ بيني وبينه إلا ذراع أحسّ بحركة، وأرى سحابة كبيرة تمر من فوقنا، فيلامسه ريحها فيسقط ميتاً وأغوص في الأرض عشرة أذرع. * * * مرَّت مدة الله أعلم بمداها، ثم صحوت، فرأيت البلاد تغيَّرَت ومَن عليها، فلم يعد هناك مقبرة ولا بساتين، بل شارع ضخم على جانبيه القصور الفخمة ذات العشرين طبقة، وأهله كلهم يلبسون القبعات واللباس الأوربي، فعرفت في الحال أنني في باريس! اقتربت من أحد الناس فقلت له بالفرنسية التي أعرف منها شيئاً: بونجور. فصعّدَ فيّ نظره وصوّب، وتأملني باسماً متهكماً، ثم سار ولم يردّ علي شيئاً. فرجعت إلى نفسي فوجدتني غريباً في زيي، وكيف لا يكون غريباً من يلبس الطربوش ومن لم يقص شاربيه؟ فأسرعت إلى حلاق فحلقت، واشتريت قبعة، وخرجت

стр. 40

أنظر متعجباً، لا أجرؤ على السؤال عن اسم المدينة وعن تاريخ اليوم لما لاقيت من الرجل الأول. وأرى شيخاً هِمّاً فأتخيل أني أعرفه، وأتقرب منه فأجده صديقي فلان، وقد كانت سنه حينما فارقته عشر سنوات، فأتعجب من شيخوخته وشيبه وأنا أكبر منه ولا أزال شاباً! ولا أعرف بأي لغة أخاطبه فأقول له: السلام عليكم بونجور غودمورنينغ! فيرد عليّ قائلاً: وعليكم السلام ورحمة الله. ويعجب من سلامي، فأنتسب له فيعرفني ويهشّ لي ويقول: كيف عدت إلينا وقد حسبناك متّ منذ تسعين سنة؟ - إن لي لخبراً طويلاً، ولكن أخبرني قبلُ: في أي سنة نحن الآن؟ - في السنة ٢٠١٩ ميلادية. - وما هذه المدينة؟ - عجيب منك، ألا تعرفها؟ هذه دمشق. - دمشق؟ ماذا تقول؟ أرجوك أن لا تهزأ بي. - جِدّاً أقول إنها دمشق. - ومتى كان لدمشق مثل هذا الغنى وهذه العظمة والرقي؟ - لا تغترّ، فما لدمشق منه شيء، ولكنه شارع الأجانب، والأجانب -تجاراً وصنّاعاً- هم سادة المدينة وعظماء أهلها ومالكو زمام أمورها.
следующие страницы →