-٥ -
كأني بك وقد قرأت هذا -وليكن خيالاً، فهو والله عين الحقيقة- فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، إنّا لله ... إلى آخر ما تعوّدتَ أن تقوله. ثم قمت إلى بطنك فملأته من أطايب الطعام، وهم لا يجدون ما يتبلّغون به، وإلى إخوانك فحدثتهم مُسِرّ الأحاديث، وأولئك لا أصحاب لهم، وإلى فراشك الوثير فتمددت فيه، وأولئك لا يجدون إلا المَدَر فراشاً، ثم أصبحت فقلت: الحمد لله على دين الإسلام.
وأي إسلام هذا لعمري؟!
* * *
стр. 37
رسائل في سبيل الإصلاح (٣)
دمشق بعد تسعين عاماً (١)
ماذا يكون يومئذ إذا لم نبادر إلى الإصلاح اليوم؟
أخرج هذا «الطنطاوي» أولى رسائله فأغضبت وأرضت، ثم قفّى على إثرها بالثانية فلم تدع راضياً عنه أحداً، ولم يدع الناسُ لفظةً في دواوين اللغة تدل على الانتقاص والشتيمة إلا رموه بها غيبة وحضوراً، حتى ضاق بخصومتهم ذرعاً، فحدّث عن نفسه فقال: لفظتني النوادي وجانبني الرفاق، وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، حتى لا أرى فيها إلا وجوهاً تعلوها سيما الغضب وأصواتاً تملؤها كلمات الشتم.
стр. 38
ذهبت إلى منزلي فراراً من الناس، فلم يستقرّ بي المقام فيه حتى خرجت منه مَوْهناً، وكانت ليلة ظلماء لا نور فيها إلا هذه النجوم المتلألئة في سمائها الصافية، ولا صوت إلا صوت قدمي على بلاط شارع بغداد الذي أسير فيه مغرّباً، لا أعرف لي قصداً ولا غاية، وقد تاه بصري في دجى الليل وفكري فيما وراء المادة.
كدت أسير إلى الصباح ما دمت لا أفكر في شيء وأفكر في كل شيء، لولا أن استوقفني شعور برهبة اعتراني، فعادت إليّ نفسي، فبصرت ما حولي فإذا أنا بين الأموات! وإذا أنا قد قطعت هذه الأسلاك الشائكة التي تفصل شارع بغداد عن مقبرة الدَّحْداح ودخلت المقبرة، فتمثلت لي شواهدها الماثلة أشباحاً مخيفة، فمُلئتُ رعباً وفزعاً، وخانتني رجلاي فسقطت مكاني، وأحسست بشيء سقط عليه رأسي فكان له كالوسادة، وإذا هو قبر!
وأُحسّ حركة، فألتفتُ فأرى القبر ينشقّ فيخرج منه ميت قد تقطع كفنه، ويقترب مني فأجمد في مكاني ولا يبقى حياً مني إلا
стр. 39
سمعي، فأسمعه يقول: أيها الولد الخبيث! ما أنت ونقد الشيوخ وإصلاحهم، وهلا أصلحت إخوانك وأترابك من الشبّان؟ أيها الشرير، ألا تبصر أخلاقهم؟ ألا ترى تقليدهم الغربيين؟ أعَميتَ عن كل هذا ولم يبقَ محتاجاً إلى الإصلاح إلا الشيوخ؟ ويلك! ألست تزعم أنك من صالحي الشبان، وأنت لا تزيد على فرضك، وربما تهاونت به أحياناً؟ فهلا عمدت إلى نفسك فبدأت بإصلاحها؟ الويل لك الليلة من انتقامي وبطشي!
ويُعقَد لساني فلا أرد عليه حرفاً، ويقترب مني، حتى إذا لم يبقَ بيني وبينه إلا ذراع أحسّ بحركة، وأرى سحابة كبيرة تمر من فوقنا، فيلامسه ريحها فيسقط ميتاً وأغوص في الأرض عشرة أذرع.
* * *
مرَّت مدة الله أعلم بمداها، ثم صحوت، فرأيت البلاد تغيَّرَت ومَن عليها، فلم يعد هناك مقبرة ولا بساتين، بل شارع ضخم على جانبيه القصور الفخمة ذات العشرين طبقة، وأهله كلهم يلبسون القبعات واللباس الأوربي، فعرفت في الحال أنني في باريس!
اقتربت من أحد الناس فقلت له بالفرنسية التي أعرف منها شيئاً: بونجور. فصعّدَ فيّ نظره وصوّب، وتأملني باسماً متهكماً، ثم سار ولم يردّ علي شيئاً. فرجعت إلى نفسي فوجدتني غريباً في زيي، وكيف لا يكون غريباً من يلبس الطربوش ومن لم يقص شاربيه؟ فأسرعت إلى حلاق فحلقت، واشتريت قبعة، وخرجت
стр. 40
أنظر متعجباً، لا أجرؤ على السؤال عن اسم المدينة وعن تاريخ اليوم لما لاقيت من الرجل الأول.
وأرى شيخاً هِمّاً فأتخيل أني أعرفه، وأتقرب منه فأجده صديقي فلان، وقد كانت سنه حينما فارقته عشر سنوات، فأتعجب من شيخوخته وشيبه وأنا أكبر منه ولا أزال شاباً! ولا أعرف بأي لغة أخاطبه فأقول له: السلام عليكم بونجور غودمورنينغ!
فيرد عليّ قائلاً: وعليكم السلام ورحمة الله. ويعجب من سلامي، فأنتسب له فيعرفني ويهشّ لي ويقول: كيف عدت إلينا وقد حسبناك متّ منذ تسعين سنة؟
- إن لي لخبراً طويلاً، ولكن أخبرني قبلُ: في أي سنة نحن الآن؟
- في السنة ٢٠١٩ ميلادية.
- وما هذه المدينة؟
- عجيب منك، ألا تعرفها؟ هذه دمشق.
- دمشق؟ ماذا تقول؟ أرجوك أن لا تهزأ بي.
- جِدّاً أقول إنها دمشق.
- ومتى كان لدمشق مثل هذا الغنى وهذه العظمة والرقي؟
- لا تغترّ، فما لدمشق منه شيء، ولكنه شارع الأجانب، والأجانب -تجاراً وصنّاعاً- هم سادة المدينة وعظماء أهلها ومالكو زمام أمورها.
стр. 41
- وماذا فعل أهلها؟ فلقد تركتهم على أبواب نهضة اقتصادية كبرى، ولقد أسسوا معامل للدباغة والنسيج و ...
- آه، لقد أذكرتني عهداً كنت له ناسياً، ولا يعرفه ممن ترى غيري. إن ما تقوله صحيح، ولكن ... آه! عمَّ أحدثك؟ هلمَّ، هلمَّ إلى أحد المقاهي فإنني لا أطيق الوقوف.
* * *
وندخل المقهى فتأتينا فتاة كأنها فلقة البدر تسألنا طلبنا، ويجيبها رفيقي بلغة لا أدري ألاتينية هي أم هي لغة الصين، فتنحني قليلاً وتنصرف. فأقول له: ما هذه الفتاة؟ وبأي اللغات تكلمها؟
- إنك قد قطعت عليّ حديثي الأول، ولكني مخبرك عن سؤالك. ليس من كلمت بفتاة ولكنه شاب.
- شاب؟ شاب؟! وما هذا الشعر الطويل؟ وما هذه الثياب القصيرة؟ وما هذه الأصبغة؟ وما هذا الكحل في العينين؟
- نعم يا سيدي، إنه شاب، وهكذا كل الشبان اليوم، لا يعرفون إلا التجمل والرقة، أما الأعمال الكبرى والمشروعات العظيمة فكلها بيد المرأة!
- ماذا تقول؟ أبُدِّلَت الأرضُ غيرَ الأرض؟ أم قامت الساعة؟ أم طلعت الشمس من مغربها؟ أم ماذا؟
- إن شيئاً من ذلك لم يكن، ولكن هذه «الموضة» التي بدأت في زمانكم بحلق شاربَي الرجل وشعر المرأة، وحضورها
стр. 42
في الكليات وعقدها المجامع، واشتغاله بالزينة وعكوفه عليها، قد جرّنا إلى ما ترى، وما خفي عنك أعظم. وأما هذه اللغة فما هي إلا خليط من اللغة العامية واللغات الأجنبية، وأما الفصحى فلم يعد يعرفها إلا المنقطعون لدراستها، وقليل ما هم! ودعني أتمّ لك حديثي الأول: إن هذه النهضة الاقتصادية التي بدأت في زمنك، والتي سارت سيراً حسناً حينما أقبل الطلاب على مساعدتها، لم تلبث أن ركد ريحها وتقاربت خطاها لانقطاع الناس عن مساعدتها ومثابرتهم على شراء البضائع الأجنبية، فضعفت، ثم اضمحلّت فلم يبقَ لها أثر. وخلا الجو لقُبَّرة أوربا، ولكن لا صائد لها!
وهنا جاءت (أو جاء) الكارسون بقدحين من الخمر، فقلت: خمر؟ أأنا أشرب الخمر؟!
- مهلاً يا أخي، فما في المدينة شراب سواه، وإن هذه الحانات التي كانت في زقاق رامي (الذي يُرى اليوم في مخططات دمشق الأثرية) وإهمال الحكومة أمر إغلاقها وتحريم تعاطي ما فيها قد سبّبَ لنا هذا البلاء العام والشر المستطير.
- ولكني لا أشربه.
- ولماذا؟
- عجيب! أليس بحرام؟
- حرام؟ هاهاها! ما بقي من يقول حرام وحلال.
- ماذا؟ وهل ذهب الدين؟
стр. 43
- أليس لك بذهابه علم؟ هاك المسجد الأموي، لا يدخل إليه إلا المتفرجون، لا المصلون. ولا تعجب من هذا، فإنك تعرف أن شبان زمانك كانوا يتهاونون بأمور الدين ويتغافلون عنها، وسار أولادهم في طريقهم، فنشأ هذا النشء الذي لا يعرف من الدين إلا الاسم.
* * *
وطلب إليّ صديقي أن أقوم معه لندور في المدينة، فامتطينا سيارة، فرأيت ميداناً عظيماً فيه تمثال، فقلت له: تمثال من هذا؟
- ليس تمثالاً لبشر، ولكنه تمثال الحرية.
- وما تمثال الحرية؟
- هو ...
وهنا صدمتنا سيارة أخرى، فصحت: وارأساه!
ففُتح عليّ الباب، وأفقت فإذا أنا في الفراش. وإذا هي دمشق لا باريس، وسنة ١٩٢٩ لا سنة ٢٠١٩، لا بنايات ولا تماثيل، ولا تهتك ولا إلحاد، وإذا كل ما رأيت رؤيا منام وأضغاث أحلام!
* * *
стр. 44
رسائل في سبيل الإصلاح (٤)
الحركة الفكرية في الشام
نشرت في مطلع عام ١٩٣٠
(غرة شعبان ١٣٤٨)
نحن والماضي
إن التاريخ -ولا سيما التاريخ المحزن- سبب أكيد من أسباب تكوين الأمة، ونحن لنا رؤية واحدة ونظرة عامة تتجلى بأجلى مظاهرها عندما تتجه نحو الماضي وتتغلغل في أعماق التاريخ، حتى إنه ليصحّ قولنا: إنّ نظرنا إلى الماضي واحدٌ مهما اختلفت بيئاتنا وثقافاتنا. كيف لا؟ ومَن منا لا يفخر بوقعة القادسية وفتح الشام؟ ومن لا يحزن لمعركة بلاط الشهداء وسقوط الأندلس؟
إن الآلام تجمع، والذكريات المحزنة وسيلة عظمى من وسائل الاتحاد.
ولكن اتجاهنا إلى الماضي قد شغَلَنا عن كل ما عداه حتى ما نكاد نلتفت إلى المستقبل، وحتى صَحَّتْ فينا كلمة صاحب كتاب «حضارات تونس» الفرنسي: العرب ينظرون دوماً إلى الوراء
стр. 45
فيقولون «كنا» و «كانت دولتنا» و «هذا تاريخنا» ولا يصنعون شيئاً، وأما اليهود فلا ينظرون إلا إلى الأمام فيقولون «يجب أن نكون» ويسعون ليكونوا كما يريدون. وما حالتنا إلا كما قال من قال:
ألهَى بَني تَغْلبٍ عن كل مَكْرُمَة ... قصيدةٌ قالها عمرو بنُ كلثومِ
إن تاريخنا -مهما كان زاهراً باهراً- لا يغني عنا من الآتي شيئاً، وإن الفخر بالرِّمَم البالية والأيام الخالية لا يردّ عزاً ولا يرجع مجداً، فحسبنا نظراً إلى الماضي، ولننظر إلى المستقبل، إلى الأمام.
يا قوم: ماذا يردّ عليكم عزَّ أوّلكم ... إنْ ضاع آخِرُه، أو ذَلَّ واتّضَعا؟
نحن والمستقبل
ما هو المثل الأعلى العام لمستقبل سوريا في نفوس أبنائها؟ إنك لا تجد جواباً على هذا السؤال إلا قولك: ليس لسوريا مثل أعلى عام تلتقي فيه آمال أبنائها. وأعني بالمثل الأعلى الأدبي والاجتماعي، لا السياسي الذي نكاد نكون متفقين فيه.
إن منا من يرى المثل الأعلى التحاقنا بأوربا واصطناعنا عاداتها وأخذنا بعوائدها، حتى نكون منها ونتبرأ من شرقيتنا وديننا ولغتنا، وهؤلاء هم المجددون المتطرفون. ومنا من يرى المثل الأعلى العودة إلى ما كنا عليه قبل عشرات السنين، ومحاربة كل غربي ولو كان علماً صحيحاً أو رُقيّاً نافعاً، وينتظر «المهدي»
стр. 46
ليساعده على ذلك! وهؤلاء هم المحافظون المتطرفون.
وإذن فإذا أردنا أن يكون لنا مثل أعلى عام فلنقضِ على هذين الرأيين على السواء، ولنجنح لرأي المعتدلين الذين لا يزهدون بكل غربي لأنه غربي ولا يتمسكون بكل شرقي لأنه شرقي، بل يأخذون النافع شرقياً كان أو غربياً، وهذا هو الحزب الضعيف اليوم. إنه لا غُنْية لنا عن أوربا نأخذ الحسن من عاداتها والصحيح من علومها، ولا بقاء لنا بالانصراف عن ديننا الصحيح ولغتنا الشريفة، لأن هذه حياتنا، فإن ذهبت ذهبت حياتنا.
والمثل الأعلى للمستقبل هو التوفيق بين هذين الرأيين المتطرفين وإيجاد الرأي المعتدل من بينهما، ولكن دون هذا خَرْط القَتاد (١)، بل ما هو أشد من ذلك: سخط الجمهور من المتطرفين ومعارضتهم. هذا هو الأساس في الإصلاح المنشود، ولكن هذا ما لا يؤمن به إلا نفر قليل وسائر الناس منكر له.
وإن لهذا الاضطراب أسباباً نرى أن من أهمها ما يأتي:
(١) نقص أدوات الثقافة
الثقافة شيء غير الحضارة ومستقلة عنها تماماً، وإن كان الكثير من الناس عندنا لا يفرقون بينهما، فيحسبون كل متحضر
стр. 47
في عاداته ولباسه وطرق معيشته مثقفاً، وكل مثقف مطّلع على نتائج العقول وآخذ من العلم بأوفر نصيب متحضراً.
الثقافة هي الحجر الأول من بناء الحركة الفكرية والخطوة الأولى في طريق تطورها، ونقص أدواتها ووسائلها في قوم إنما هو ضعفها، فإذا أردنا أن نبحث عن السبب الأول لاضطراب الحركة الفكرية في سوريا فإنا لا نجده إلا في نقص التثقيف. ووسائل التثقيف هي المدارس والصحف، فأما مدارسنا فهي ناقصة، أو هي -بعبارات أخرى- لا تُعنى إلا بالثقافة العملية، وأما الثقافة الأدبية (الفكرية) فهي خلو منها. وأما صحفنا فإنها لا تعنى إلا بالسياسة والأخبار. وإن المثقفين من رجالنا لا يعدو واحدهم أن يكون طبيباً أو محامياً أو مدرّساً أو صحفياً، على أنّ واحداً من هؤلاء لا يستطيع أن ينصرف إلى الأدب فينشئ منه أدباً سورياً يعين سوريا على نهضتها وتقدمها.
(٢) فساد التربية
التربية السورية لا تنجب رجالاً، لأنها تربية فاسدة مَبنيّة على القهر والقوة وملقاة على عواتق الجهلاء من الآباء والأمهات، وهي -فوق هذا- تربية اتّكالية، المثل الأعلى للابن فيها أن يكون آلة يصرّفها الأب حسب ميوله وأهوائه! وكثيراً ما رأينا أبناء ضاعت مواهبهم السامية لأن آباءهم صرفوهم عن إتمام التحصيل وعن متابعة الفن الذي يميلون إليه وفيهم الاستعداد الفطري له. هذا في التربية القديمة، وأما التربية الحديثة فهي على العكس، وهي ليست أقل شراً من هذه لأنها تجعل الابن حاكماً على أبيه وأرفع منه منزلة.
стр. 48
على أن الحقيقة التي يجب أن نقولها أن هذه التربية لا يصحّ أن تسمى تربية إلا مجازاً، لأنها على الحقيقة إهمال من الآباء واستسلام للظروف وخضوع للأقدار، دونَما غاية معينة وطريقة مختارة.
والتربية عندنا تختلف باختلاف الأسر وطبقتها في الهيئة الاجتماعية، فتكون تارة بيد الأب وأخرى بيد الأم، وهي في كل أحوالها بيد جاهلين! ولقد خبرت التعليم قليلاً فعرفت كم يقاسي المدرّسون من عَناء في إصلاح تربية التلاميذ، ثم لا يصلون إلى نتيجة لأن التربية المنزلية متمكنة منهم. وكيف يُقلع التلميذ عن السباب والملاعنة وهو يرى والديه كل ليلة يتلاعنان ويتشاتمان؟ وكيف يَصْدق وليس في داره صادق؟ وكيف يتعلم الاتحاد وهو يبصر أباه وأمه وعمّته وجدّته يشكلون في الدار أحزاباً سياسية يكيد بعضها لبعض وينصب بعضها لبعض شَرَك الخديعة؟
وإذن فلا بد من إصلاح التربية. وإصلاحها لا يكون إلا باصطناع طرق التربية الحديثة بعد تحويرها بحيث توافق محيطنا وديننا، ودينُنا وحدَه كفيل بذلك، إذ هو دين الحضارة ودين العقل ودين الاجتماع. ويا حبّذا لو استُخلصت آراء الدين في التربية فنُشرت بأسلوب عصري فعمَّتْ فائدتها الناس كلهم، وأنى لنا بهذا؟
(٣) اختلاف العادات
إن أكثر ما يدهش الغريب -إذا حضر اجتماعاً عاماً عندنا- ذلك الاختلاف في الأزياء والألبسة الذي يجعل الشام كأنها حقاً
стр. 49
في يوم المحشر! فمِن متعمّم بجبة طويلة ذات أكمام عريضة، ومن مُطربَش بلباس أوربي ضيق يكاد يُظهر منه ما أخفى، ومن «زكرتي» يلبس شروالاً ضخماً، ومن شيوخ «على الموضة» يلبسون البدلة الإفرنجية وربطة العنق والعمامة! ومن ومن ...
وليس هذا الاختلاف في الألبسة فقط، بل في فرش البيت وطرق المعيشة. زرت أمس جدتي، فلم تدعني حتى خلعتُ نعلي وجلست على طرّاحتها، فتقطعت هذه السراويل الضيقة التي ألبسها، وخرجت إلى الشارع بأقبح هيئة أكيل اللعنات جزافاً لمن لبس هذه البدلة لأول مرة في الشام! في حين أنني أزور ابن عمي فلا يكلفني شيئاً من هذا العناء، بل يسمح لي أن أدوس بحذائي الذي أسير فيه في الشارع على بساط غرفته، ثم يجلسني على كرسي أو أريكة.
وتُدعى إلى وليمة فتجلس إلى نَضَد ويقدَّم لك صحن خاص وشوكة وملعقة وسكين وبشكير، في حين أن وليمة أخرى توضع الأطعمة فيها على خوان ويأكل القوم كلهم من إناء واحد. أي الشكلين أحسن؟ أنا لا أدري، ولكني لا أحب الاختلاف. وليس هذا الاختلاف بين حارة وحارة وحي وحي، هذا لهؤلاء وذاك لأولئك، بل بين غرفة وغرفة من منزل واحد، هذه إفرنجية وهذه شرقية عربية!
أنا لا أقول للناس البسوا كلكم بدلات أو افرشوا دوركم بالكنبات، لا، ولكني أريد أن أقول إن هذا الاختلاف في العادات يجرّ إلى الاختلاف في طرق التفكير والاضطراب في الثقافة
стр. 50
العامة، لأن الزكرتي والأفندي يختلفان تماماً في طريق تفكيرهما ونتائجه، وإن كانت ثقافتاهما واحدة، وإن هذه نقطة تستحق من عناية الكتّاب والمفكرين الكثير.
خاتمة
إن للدين الأثر الأعظم في سير الحركة الفكرية، وإنني إذا أنحيت باللائمة على العلماء مرة لجمودهم، فإنني ألوم الشبّان ألفاً لإهمالهم أمر الدين واستحيائهم من تنفيذ شعائره والقيام بواجباته! وأقول لهم بصوت عال وجرأة عظيمة، وإن غضبوا وسخطوا: إن من لا يفي لربه بخمس صلوات في اليوم لا يفي لأمته بالتضحية في سبيلها.
فإلى ربط الماضي المجيد بالآتي السعيد، وإلى العمل متّحدين، وإلى التمسك بأهداب الدين أدعو رجالَ الأمة العالمين العاملين والمجاهدين المخلصين، والسلام عليهم أجمعين.
* * *
стр. 51
خطرات وكلمات
الشهرة
نشرت سنة ١٩٣٠ (١)
يبصرون الماء، وكلهم هالكٌ عطشاً في هذا المَهْمَه القَفْر، في هذه الرَّمْضاء المحرقة، فيسعون إليه لا يلوون على شيء.
وصل جماعة إلى الماء فرأوه سراباً، فرجعوا يصيحون بالناس أن ارجعوا، ولكنه صوت ضاع في أصوات الناس العالية: إلى الأمام، إلى الأمام ...
تركتهم في ضلالهم يعمهون، وانتحيت ناحية أفكر في هذا الذي يحسبونه شراباً وما هو إلا السراب، وأقول: ما أشبهه بالشهرة، وما أشبه هؤلاء بمن يسعى إليها!
* * *
стр. 52
أم الذكريات
نشرت سنة ١٩٣٠ (١)
في مثل هذا اليوم، منذ ثلاثة عشر قرناً ونصف قرن دارت مع الفلك وغاصت في أعماق الأبدية، وفي هذا المكان المقفر الذي يقف فيه اليوم مئات الألوف من الناس عراةً مكشوفي الرؤوس: في عَرَفة، في حجّة الوداع، وقف «سيد قريش» محمد ﷺ للمرة الأخيرة، ليودّع تلك البقاع التي أودعها سر طفولته ومطلع نجمه، وهذه الأمة الذي ضحى لأجلها بنفسه ووقف لسعادتها حياتَه، وقف ليقرر قاعدة الإخاء الكامل والمساواة التامة والسلام العام، فقرر وأوضح وكان له ما أراد.
إن الصوت الذي يصيح: «لبَّيكَ اللهمّ لبيك»، فتهتز من صياحه بطحاء مكة ويرنّ صداه في جوانب العالم، لَدليلٌ قاطع على تلك المساواة وذلك الإخاء. وإن هذا الجمع الهائل الذي يرتدي غنيُّه وفقيرُه، رفيعُه ووَضيعُه، ثوباً واحداً، وينادي بصوت واحد ويقف في مكان واحد، لَحجّةٌ بالغة على تلك الإنسانية وذلك العدل. وإن هذه التحية التي يتبادلها الناس مُنصرَفَهم من
стр. 53
الموقف ويتبادلها المسلمون في كل مكان وفي كل آن، لَبرهانٌ ساطع على تلك الطمأنينة وذلك السلام.
لقد ضحَّتْ أوربا من أبنائها ما ضحَّت في سبيل هذه الأسس الثلاثة: الديمقراطية والمساواة والسلام، ثم لم تصل إليها، وقررها سيد قريش ونَعِمَ بها المسلمون منذ حجة الوداع، منذ ألف وثلاثمئة سنة. فلنقدّس ذلك الصوت وتلك الدعوة، ولنعظّم هذا النبي الجليل، سيد العالم ﷺ .
* * *
إن الأمم تحتفظ بذكريات يتوارثها الناس، ذكريات تتكاثف في بقعة من البقاع وحادثة من الحوادث، فالقادسية عبقرية سعد، واليرموك خلود خالد، وأوسترلتز عظمة نابليون، وواترلو مجد ولنغْتُن ... ولكن «عَرَفة» هي عظمة البشرية وانتصار الأخوّة والعدل المساواة، ولكن عرفة هي «أمّ الذكريات» وموطن العروبة والإسلام.
لبثت عَرَفة ردحاً من الزمن تشهد حجيج عرب الجزيرة في جاهليتها، على اختلاف مذاهبها ونِحَلها وتباين أديانها ومعبوداتها، يجتمعون في صعيد واحد فيلقى الرجل قاتلَ أبيه ومن يبذل حياته ليلقاه فيُعرض عنه ولا يمسّه بسوء، لأنه الحج ولأنها بقعة مقدَّسة، ولأنه عربي ولأن الوفاء يجري منه موضع الدم.
ثم سطع في بطحائها ذلك النور، ورَنَّ في جوانبها ذلك الصوت الذي بدأ ضعيفاً خافتاً ثم ما زال يقوى ويشتد حتى صار كأنه الرعد، وحتى ارتجَّتْ منه أقطار الأرض وهوت لهوله أعلى
стр. 54
العروش وخرَّتْ لعظمته أعظم التيجان، ثم ظهر سيد قريش، فلم يلبث أن انتشر دينه وعمَّت دعوته، وأصبح سيد العالم، وأصبحت «عرفة» تشهد مئات الألوف يأتونها مكشوفي الرؤوس لا يحملون معهم دنياهم ولا يلوون على شيء وراءهم، ولا يميّز بينهم فقرٌ أو غِنىً ولا يفرّق أفرادَهم جاهٌ أو منصب، يأتونها وقد تجردوا من كل شيء، يأتون إلى الله فيقفون بين يديه في حِجْر الطبيعة الواسع فينادون: لبّيك اللهم لبيك! فلا يبقى في العالم صخرة ولا شَعْفَة، ولا حجر ولا مَدَر، ولا نبت ولا شجر، إلا ويردد: لبيك اللهم لبيك!
* * *
هنالك تخشع القلوب وتموت المطامع وتخنس الشياطين، ولا يبقى إلا الفضيلة ترفرف على رؤوس الناس فيتصلون بالعالم الآخر، عالم العواطف والأفكار، عالم السماء.
أي رجل يرى هذا المنظر ويشهد هذا المشهد ثم لا تهزّه روح الاجتماع، روح الاتحاد والتديّن، فيضحي في سبيل المجموع بكل شيء؟ أي رجل قاسي القلب ميت العاطفة، يستطيع أن يقف بقلبه ساكناً لا يحركه هذا التيار الذي يجري في القلوب، فيوحد غاياتها ويجمع آمالها ويسوقها في طريق واحدة إلى هدف واحد؟
أي مؤتمر؟ أي جمعية أمم؟ أي محكمة دولية تملك من قلوب الناس وأفئدتهم، وتعمل على تعميم السلام بينهم ونزع الأحقاد من أكبادهم، كما تملك وتعمل عرفة بموقفها المتواضع الساذج؟ اللهمّ إنها حكمة سامية، وسبب عظيم من أسباب قوتنا
стр. 55
وعزّنا لو عرفنا كيف ننتفع منه ونفهم غايته.
مَن من المسلمين يرى الكعبة ويشهد الصفا والمروة وينظر إلى أبي قُبَيْس، فلا يذكر محمداً وأصحابه ولا يذكر سُراة قريش ووجهاءها، وتتجسم هذه الذكرى في نفسه حتى لكأنه يراهم جالسين حِلَقاً حول الكعبة يتحدثون، أو قائمين في مقام إبراهيم يصلّون، أو خارجين من الحرم يتناشدون الأشعار ويتفاخرون؟
* * *
إذا كان لنا في مَطاوي الغد يومُ سعادة أو عهدُ رخاء فإنما مبعثه «عرفة».
عرفة التي بدأ منها تاريخنا ووُلد فيها عزنا، وانتصرت فيها الإنسانية وانفجرت منها ينابيع الحضارة التي نشرها في العالم أهلها المسلمون، ستعود فيكون لها في الغد ما كان لها في الأمس، وستعود فنبني عليها صرح مستقبلنا العظيم الزاهر بإذن الله. في عرفة وموقفها الجليل سر نجاحنا وخَبيئة مستقبلنا، فلنكشف عنها بحكمة، ولنستفد من هذا الموقف بإخلاص واجتهاد.
إن الله يدعوكم إلى العمل في الحياة، ويدعوكم إلى الاتحاد والإخاء، فأجيبوا بأفعالكم كما تجيبون بألسنتكم: لبَّيكَ اللهم لبَّيكَ.
* * *
стр. 56
استفتاء لغوي
نشرت سنة ١٩٣٠ (١)
لم أشعر منذ أيام إلا والباب يُقرَع قَرْعَ الشرطة، وصديقي الشاعر العبقري أنور العطار يطلب بلهفة واستعجال أن: هات لسان العرب، هات تاج العروس، هات الأساس ...
قلت: تفضل ادخل المكتبة وقل لي قبلُ: ماذا تريد؟
ولكنه لم يجبني، وأكبَّ على الكتب يطالع فيها ويقلب صفحاتها حتى وجد ضالّته، فألقاها مبتسماً ابتسامةَ الظفر متنفساً الصعداء وقال: ها هي كما قلت! لقد قلت للأستاذ معروف إن لفظة «الحادر» تُستعمَل في الغلام الجميل لا في الروضة الجميلة.
- ولكن الحق يا صديقي مع الأستاذ، ولا يغني عنك شيئاً أن يخصّصها القاموس بالغلام دون الروضة. وعَمَّن روى القاموس؟ إنهم أولئك البدو الرُّحَّل الذين لم يروا روضة ولا شاهدوا جنة! وعلامَ لا تُنقَل اللفظة من معنى خاص إلى عام ما دامت الحاجة تضطرنا إلى ذلك؟ وهل ...
стр. 57
فقطع عليّ كلامي غاضباً بقوله: أنت إذن متحرر في اللغة تريد أن تتصرف فيها كما تريد وتضرب بدواوينها وعلمائها عرض الحائط؟
قلت: لا يا صديقي، أنا لا أريد أن نقطع صلتنا بها ولا أن نستبدل بها لهجاتنا العامية، بل أريد أن توضَع لتوسيعها وتنميتها قواعد تسير في ذلك عليها. وليس من المعقول أن تخرج هذه اللغة على قانون التجدّد والتغيّر الذي تخضع له الكائنات بأسرها وتبقى واقفةً عند حد واحد لا تغيره. وماذا يكون إذا استُعمل «الحادر» في الرَّوض بدل الغلام؟ نعم، لا أنكر أن عملاً كهذا العمل لا يقوم به إلا مَجْمَع لغوي، ولكن ما حيلتنا في هذا المجمع الذي يُحسَب علينا وليس لنا منه جدوى ولا فائدة؟ وما هو إلا كالطبل العظيم يملأ صوتُه الفضاءَ وهو فارغ!
ولكن صديقي أبى عليّ الموافقة، فاتفقنا على استفتاء اللغويين. وهذه هي صيغة الاستفتاء:
ما قولكم -دام فضلكم- في الخروج على السماع، واتّباع قواعد معينة في استعمال كلمة وُضعت لمعنى خاص في معنى عام، إذا خالف ذلك دواوين اللغة وكان فيه تنميتها وتوسيعها؟ مع العلم بأن الجمود على شيء واحد ممقوتٌ مخالف للطبيعة، وأنه لا بد من التجدد والتطور. أفتونا مأجورين.
* * *
стр. 58
مشاهدات وأحاديث (٣)
إلى مجلس المعارف الكبير
نشرت سنة ١٩٣٠ (١)
قال الراوية الفرنسي ألفونس دوده في قصة عنوانها «الدرس الأخير»: حدَّث صبي من الألزاس فقال: غدوت إلى المدرسة صبيحة يوم من الأيام الأخيرة من العام ولمّا أحفظْ درسي، فخشيت أن يقرّعني أستاذي ويعاقبني، فأخذت طريق الحقول
стр. 59
علّني أقطع النهار في اللعب واللهو، ثم بدا لي فعدت عن هذه الفكرة الخبيثة، وذهبت إلى المدرسة قلقَ الفكر مشغولَ البال، فما استلفت نظري إلا إسراع الناس مُصْفَرَّةً ألوانُهم، تبدو عليهم أمارات الخوف والألم، إلى حيث لا أعلم. فتبعتهم حتى وصلوا دار الحاكم، ثم لم أدرِ ماذا كان بعد ذلك لأني أسرعت إلى المدرسة، فذهبت سعياً إلى قاعة الدرس، فوجدت الأستاذ يروح ويغدو فيها قلقاً، وقد ارتدى حلته الرسمية التي ما كان يلبسها إلا في يوم احتفاء أو عند قدوم مفتش، ورأيت بعضاً من أهل القرية قد جلسوا على المقاعد واجمين شاخصين بوجوه كئيبة مكفَهِرّة، فانسللت إلى مكاني وأنا أكثر ما أكون وجلاً وحيرة، وعلا الأستاذ المنبرَ فقال بصوت مرتجف ورنّة حزينة كأنها بكاء ونحيب: أولادي، هذه آخر ساعة أراكم فيها، ثم نفترق إلى غير تلاق، لأن بلادكم قد احتلها الألمان وأبدلوا لغتهم الجرمانية بلغتكم الفرنسية، فلا فرنسية بعد اليوم ...
وخنقته العبرات فما استطاع أن يتم كلامه، فانقطعت نياط قلبي من هذه الطعنة النجلاء، وعلمت لِمَ كان يسرع الناس إلى دار الحاكم. واأسفاه عليك يا لغتي الفرنسية، ويا لغة أمتي المحبوبة!
ثم عاد الأستاذ فقال: والآن أصغوا إليّ لأتلو الدرس الأخير. قم يا ...
فلم أسمع اسمي حتى ارتجفت وقمت، ولم أكن حفظت درسي، فوقفت ساكناً، فقال: اجلس يا بني، أنا لا أعنّفك ولا ألومك، ولكن اعلموا، اعلموا يا أولادي أنكم أضعتم بلادكم
стр. 60
وسلّمتموها لعدوكم بإهمالكم لغتكم. اسمعوا، اسمعوا، سألقي عليكم الدرس الأخير.
وراح يلقيه، حتى قُرع الجرس، فوقف ليودعنا ويودع عهد استقلال بلاده ولا تكاد رجلاه تحملانه، وقف فقال: أيها الأحباب الأعزاء، إنني ...
ثم غلبه البكاء فأسلم نفسه إليه، وراح إلى اللوح فكتب عليه بحروف كبيرة: «ليحيَ الوطن»! وخرج (١).
* * *
«إذا استُعبِدت أمة ففي يدها مفتاح قَيدها ما احتفظت بلغتها» ... الآن تستطيع أن تفهم معنى هذه الكلمة، والآن تَقْدر أن تعلم أن نشر اللغة وإذاعتها بين الناشئين، وأن إبراز صحائف التاريخ بيضاءَ ناصعةً للطالبين، أنفعُ لهذه الأمة وأَعْوَدُ بالنفع عليها من خمسين مظاهرة شعبية ومئة خطبة سياسية، لأن في ذلك حفظ حياتها وضَمانة ولاء أبنائها لها وحدبهم عليها.
هذا هو التعديل الذي نطلبه من مجلس المعارف الكبير الذي سيُعقَد في هذا الشهر، ولكنّا نعتقد أن هنالك قوة تسيطر على أعضاء هذا المجلس وتستغل اسمهم لما تريد، فهل يخيب الواقعُ اعتقادَنا هذا؟ وهل نرى في أعضاء المجلس من يكون
стр. 61
له من الجرأة على القيام بالواجب ما يدفعه إلى أن يقف موقف المؤيد له، المدافع عن لغة هذه الأمة وتاريخها، ولو أدى قيامه بذلك إلى إخراجه من «المعارف» وقطع راتبه؟ هل نرى ذلك الرجل الشريف في أعضاء المجلس؟
أما أنا فأظن أنني لا أراه، ولكن أرجو أن يخيب الله ظني وأراهم كلهم ذلك الرجل.
* * *
ليست غاية المدارس الابتدائية علمية، وليس القصد منها حشو دماغ الطالب بأكبر قسط مستطاع من المعارف؛ بل إن القصد منها إنما هو التهذيب والتربية قبل كل شيء، فيجب إذن على «المجلس الكبير» أن ينظر إلى هذه البرامج ويناقشها من ناحية التربية الوطنية التي تنشئ من الأطفال رجالاً قد عرفوا لغتهم ودرسوا تاريخهم، ولم تفتنهم حضارة الغرب وزخارفه عن شرقيتهم وعروبتهم.
إننا لم ننسَ بعدُ تلك الضجةَ الهائلة التي أحدثها صدور هذا البرنامج، ولم ننسَ أن «المعارف» وعدت بتعديله حين ينعقد هذا المجلس؛ وها هو قد انعقد أو كاد، فهاتوا تعديلكم إن كنتم صادقين ... صادقين في خدمة الأمة عاملين على نجاحها.
إن المَواطن التي نشكو منها في هذا البرنامج هي اللغة العربية وقلة العناية بها، والتاريخ والدين الإسلامي وإهمالهما. أما اللغة فإنني أنقل للقارئ رأياً فيها لمدرّس من خيرة المدرسين وأشدهم غيرة على العربية وأكثرهم اطلاعاً عليها، أدلى به إليّ
стр. 62
فوجدت فيه ضالّتي، وهذا هو نصه:
"تأخر التعليم العربي في المدارس الابتدائية خلال المدة الأخيرة إلى درجة صار من الممكن فيها أن نجد بين تلاميذ الصف السادس الثانوي، وحتى الخامس أيضاً، من لا يفرّقون بين الاسم والحرف! وحتى صار من النادر وجود أناس لا يلحنون في القراءة ولا يخطئون في الإملاء، أو تسلم لهم جُمَل صغيرة -يُنشئونها- من الأغلاط. ولا ريب في أن السبب الوحيد في ذلك هو تراخي قانون الفحص الابتدائي (١) (وأزيد أنا: وغيره من الفحوص، ولا سيما في البكالوريا (٢)) تراخياً جعل نجاح الذي تكون علامته في العربية نصفاً من عشر أمراً مستطاعاً. إن الواضح أن كل المقصود من المدارس الابتدائية هو تعليم القراءة والكتابة قبل أي شيء آخر، والطالب الضعيف فيهما هو في العرف غيرُ متمِّمٍ تحصيلَه، فمن المأمول -تلافياً لهذا الأمر- تحوير القانون إلى صورة تكفل المصلحة العامة أكثر وتصون اسم التحصيل الابتدائي السوري من هذا الضعف المخجل، بحيث لا ينجح إلا من كان يحسن القراءة والكتابة. والذي أراه: (١) أن يُجعَل للقواعد العربية علامة خاصة في الفحص التحريري مع وضع أسئلة تطبيقية على الإملاء. (٢) أن تستقل علامات الفروع الأربعة -الإملاء والإنشاء والقواعد
стр. 63
والقراءة- بعضها عن بعض، بحيث إن المقصّر في أحدها لا ينجح. (٣) أن تكون علامة النجاح في كل الفروع المذكورة خمساً على الأقل. وغيرُ خاف أن اللغة آلة فهم الدروس جميعاً، فلا يتم للمقصّر فيها فَهمُ درسٍ ما، وإذا نحن أمنّا إخراج تلاميذ متينين في العربية من مدارسنا الابتدائية فقد أمنّا استعدادهم للتضلع في كل الفروع على الإطلاق".
من هذا التقرير تعرف مقدار استهانة هذا البرنامج باللغة العربية وإهماله أمرها، وابحث في حامليها ما شئت فإنك لا تجد فيهم عشرين في المئة يقرؤون صفحة عربية بلا خطأ.
أما التاريخ فحسبك أن تعلم أن التلاميذ قاطبة (نعم، قاطبة؛ إنّي أبصر ما أقول، هل تسمع؟) لا يعلمون من تاريخ قُتَيبة بن مسلم أو المُهَلَّب ربع ما يعلمون من تاريخ نابليون أو الإسكندر، ولا من أنباء الأدارسة أو ابن طولون ما يعلمون من أبناء ملوك الفرنسة من بني البورْيون!
هذه هي نتيجة من نتائج تدريس التاريخ في مدارسنا، فانظر إذن -هداك الله- وقدِّرْ ما تريد، وبالغ في الظن بإهماله ما شئت، فلن تكون مخطئاً! وكذلك نقول في إهمال الدين وعلومه.
* * *
هذا هو برنامج التعليم الابتدائي وهذه هي نتائجه، وهذا هو الواجب المُلقَى على عاتق أعضاء المجلس، وهذه هي دعوتي إياهم للنهوض به.
* * *
стр. 64
مشاهدات وأحاديث (٤)
عقوق
نشرت سنة ١٩٣٠ (١)
- من هو البطل الذي تحبه وتُعجَب به؟ هل تحب خالد ابن الوليد بطل اليرموك؟ هل تعجب بسعد بن أبي وقاص بطل القادسية؟
هذا ما قلته له يوم زرت والده. وهو غلام ذكي شديد الانتباه قوي الذاكرة، على أن سنَّه لا تعدو العشر. دخل عليّ فحياني، وأردت أن أباسطه وأرى مبلغه من العلم بالتاريخ فسألته هذا السؤال.
تورّدت وجنتا الغلام وخجل، ثم طفق يقول: بَرْدون مسيو! أنا لا أعرف خالد بن أبي البليد وسعد بن عقاص، لأن الأستاذ قال لنا إنه لا بطل يستحق إعجابنا ومحبتنا إلا سان بيير وجان دارك، والقديسين طبعاً.
- وعمر بن الخطاب، ألا تعرفه أيضاً؟
стр. 65
- لا أدري إذا كان يأتي دوره بعد أبطال الغرب أم لا؟ على أن الأستاذ أخبرنا أن الشرق لا ينجب عظماء.
- إذن أنت لا تحب الشرق، ولا تحب وطنك سوريا؟
- أحبها؟ لا؛ لا أحبها لأنها لا تزال في الظلمات، لم تدخل في أنوار الغرب!
* * *
التفتُّ عندئذ إلى والد الغلام، وستطير دهشاً إذا أخبرتك أن والده من أسرة عريقة في العلم والزعامة الدينية في الإسلام! التفتُّ إليه وقد هالني ما سمعت من الغلام، وتصورت أبناء هذه البلاد الذين نبتوا في أرضها وعاشوا فيها، ينقلبون عليها وتعمل فيهم هذه السموم الخبيثة التي يبثّها هؤلاء المبشرون، لا بالديانة النصرانية فحسب، بل بديانة الخيانة للوطن واحتقار تاريخه وازدراء لغته.
تصورت هذا فأحسست كأنما قلبي كاد -لكثرة ما يخفق- يخرج من صدري، فرحت أسأل نفسي: من المجرم؟ من الخائن؟ وراحت تجيبني بأنه هذا الذي يجلس أمامك، بأنه والد الغلام! فقلت له وأنا لا أتمالك نفسي من الحدة: لماذا لا ترسل ولدك إلى مدرسة وطنية؟ ولماذا آثرت مدرسة «الفرير» الأجنبية؟ ألم تأتِك أخبار ما فعل الطلاب فيها في العام المنصرم؟ ألم يبلغك نبأ تلك الدعوة القدسية إلى مقاطعة هذه المدارس وتلبية أبناء الوطن الأبرار لها، مسلمين ومسيحيين على السواء؟ أترضى بأن تكون ... آه، ماذا أقول؟
стр. 66
- دعني يا سيدي أقصّ عليك، دعني لا تغضب! إنني لم أؤثرها على غيرها لأنني كاره لأمتي أو عدو لوطني، ولم أجهل غايتها السيئة التي أُنشئت من أجلها، ولم يذهب عني أنها لم تعد ترى لسمومها مكاناً إلا في نفوس الشرقيين ... كل ذلك أعرفه، ولكني اضطررت إلى إرسال ولدي إليها اضطراراً.
- اضطراراً؟! من اضطَرّك إلى ذلك؟ هذا غير معقول.
- مهلاً يا سيدي، لا تغضب ولا تقطع عليّ حديثي. اسمع تتمة كلامي: أنا امرؤ أحب النظام وأشغف به، وقد وجدته على أتمّه في هذه المدارس. وأهوى اللغات الأجنبية وأميل إليها، وقد رأيت أنها تتقنها وتعتني بها. وأحب أن ينشأ ابني متحضراً مثقفاً، وفيها الثقافة والحضارة.
- لقد فهمت ما تريد، فأخبرني: متى يذهب ولدك إلى المدرسة ومتى يعود منها؟ وكم ساعة يجالسك فيها؟
- يذهب في الساعة السادسة صباحاً ويعود في مثلها مساء، ولا أحسب أنني أجالسه ساعة أو بعض ساعة في اليوم.
- حسن جداً، هذا ما كنت أريد أن تقوله لي. والآن أخبرني: هل تأمن معلمي «الفرير» على نفسك إذا رافقتهم عشرة أشهر متوالية من المطلع إلى المغيب، هل تأمن أن يفتنوك عن وطنيتك ودينك؟ قل لي الحقيقة، لا تحاول التملص.
- أما وقد قلت ذلك، فأخبرك أنْ «لا».
- أفأنت أصلب عوداً وأثبت على مبدأ أو طفلك هذا؟
стр. 67
- بل أنا. ولِمَ هذه الأسئلة؟
- حسن، وهل تظن أن تلاميذ «الفرير» وأشباهها أقوى في الفرنسية من تلاميذ «التجهيز»؟ ربما تقول إنهم أقوى في الكلام والتحدث، وربما كان هذا مسلَّماً، أمّا أن تقول أو يقول امرؤ إنهم أقوى في الإنشاء والترجمة فلا، وإنني أتحدى ذلك القائل وأدعوه إلى المباراة والمسابقة، إن شاء في عدد الأفراد النابغين في كلٍّ وإن شاء في المجموع. وأما هذا النظام الذي تهواه وتراه على أتمه في الفرير فأظن أنه يعجبك منه أن ولدك يبقى اثنتي عشرة ساعة كل يوم في حفظ المدرسة، وهذا دليل على قِصَر نظرك وضعف محاكمتك، ولو عقلت لعلمت أن ذلك شر ما تكسبه لولدك. وأما هذه الثقافة وهذا التحضر فما أدري قصدك منه، فإذا كنت تقصد بالثقافة العلومَ والمعارفَ ذهب كلامك كله هدراً، لأن أدنى طالب في «التجهيز» يصلح أستاذاً لأحسن طالب في الفرير وأشباه الفرير. والآن: اعتَرِفْ، اعترف أمامي بأنك تضحي بوطنية ابنك عمداً، اعترف بأنك تخون هذه الأمة بتمهيدك السبل لابنها البارّ بها ليصبح عدواً لها لدوداً وخصماً مؤذياً، اعترف أنك ... آه، إنني أستحي أن أقولها: أنك خائن!
* * *
هذا هو الحديث الذي دار بيني وبين صديق لي، رجل من سُراة البلد ووجهائه! وقد عرفتَ -أيها القارئ- من ثناياه كيف تفجعنا هذه المدارس بأبنائنا وكيف تعمل بنا ما لا تعمله الطيّارات والمدافع، لأن صاحب الطيارات نعلم أنه عدو لنا فنجتنبه، ولكن معلّمي هذه المدارس يخدعوننا حتى نحسن بهم الظن ونسلّمهم
стр. 68
أبناءنا (وما أحمق من يسلمهم أبناءه!) فلا يردّونهم إلينا إلا أعداء لنا خارجين على ديننا هازئين بلغتنا ساخرين من عاداتنا!
أيها الناس: اتقوا الله في أبنائكم، لا تقذفوا بهم في هاوية سحيقة لا قرار لها ولا مخلص لهم من ويلاتها. اتقوا الله في هذه الأمة، لا تفجعوها بأبنائها وترزؤوها بفلذات أكبادها. اختاروا لأبنائكم خير المدارس كما تختارون لكم خير الدور وخير الأطعمة. كونوا أوفياء لأوطانكم في آرائكم وعاداتكم، في تجارتكم وصناعتكم، في أبنائكم وبناتكم، واعلموا أن هذا المستقبل لا يُبنى إلا على عواتق هؤلاء الأطفال، فلا تُجهزوا عليهم وتصيّروهم أعداء لبلادهم.
أيها الناس: إن مَن يرسل ابنه إلى مدارس الأعداء كمَن يأخذ في حومة الوغى عَلَم أمته فيمزقه تمزيقاً ويقطعه إرباً، أو كمن يدع موقفه في ساحة الحرب للعدو المهاجِم حتى يحلّ فيه دونه ويقتل منه إخوانه. إن من يرسل ابنه إلى هذه المدارس خائن لأمته، حانث بعهده لوطنه، وخليق بنا أن نحتقره ونزدريه ولا نقيم له وزناً. وما هذه المدارس؟ هل تعلمون؟ إنها جيوش أجنبية اقتحمت دياركم لتزهق أرواحكم. ماذا؟ بل هو أمرٌ أشد من قتل الفرد، إنه إهلاك أمة!
أيها الناس: انصرفوا عن هذه المدارس باسم الدين، باسم الوطنية، مسلمين كنتم أو مسيحيين، فهي عدوة لكم جميعاً وأنتم جميعاً شرقيون. هنا محكّ الوطنية، وهنا ميزان الإخلاص.
* * *
стр. 69
مشاهدات وأحاديث (٦)
البُراق
نشرت سنة ١٩٣٠ (١)
جاء في كتاب كليلة ودمنة (النسخة التي لم تُطبَع!) ما يأتي (٢):
قال كليلة: ألا تضرب لي يا دمنة مَثَل الرجل اللئيم يُحسن إليه القوم ويُكرمونه، فيأبى إلا الإساءة إليهم والغلبة على أموالهم؟
قال دِمْنَة: زعموا أنه كان في مدينة «كذا» ستة أبناء ورثوا عن أبيهم قصراً عظيماً وأموالاً طائلة، أمضى الرجل عمره وأمضَّ نفسه في جمعها وتحصيلها، وأخذ عليهم عهد الله وميثاقه:
стр. 70
أن يحافظوا عليها ولا يبدّدوها، فلما اطمأن إلى أَيْمانهم ووثق بعهودهم أغمض عينيه وأسلم روحه، وهو أروَح ما يكون نفساً وأهدأ بالاً.
قال كليلة: ويحك يا دمنة! ألا تخبرني ماذا كان بعد ذلك؟
قال: نعم، مات الأب، وعاش أولاده من بعده بنعمة وراحة لا يَشْكون ولا يختصمون، حتى نزل بهم في ليلة من ليالي الشتاء، حالكة الظلام شديدة القُرّ، ضيفٌ مسكين يشكو ألماً ويطلب دِفأً ويرجو طعاماً، فأطعموه وأدفَؤوه وداوَوه، ومنحوه ما شاء من عطايا ومِنَح، فلما ذاق طعم الغِنى والسعادة وأحس بلذة الترف والنعيم اقترب من أحدهم فقال له: إنك قد أحسنت إليّ وأكرمتني، ولا بد لي من مكافأتك على إحسانك ومن إنذارك بإخلاء الدار وترك الأموال قبل أن أسطو عليك وأعمل فيك سلاحي، فامنحني ما أريد طوعاً أو لا فامنحه كرهاً!
* * *
رأيت هذا المَثَل مَثَل فلسطين وصهيون، في كتاب «كليلة ودمنة» (في نسخة غير التي في أيدي الناس)، فرأيت فيه ما أفتتحُ به مقالي عن «البُراق».
والبراق جدار بيت الله، فيه أولى القبلتين وهو ثالث الحرمين الشريفين، والبراق جدار بيت الله الذي ضحى المسلمون في سبيله بأنفسهم وأزهقوا من أجله أرواحهم وأراقوا ثمناً له دماءهم، والبراق جدار بيت الله، شهد الله وتشهد ألف وثلاثمئة عام أنه
стр. 71
للمسلمين لا يشاركهم فيه مشارك، تشهد أنه لهم وحدهم خالصاً من دون الناس أجمعين (١).
الفلسطينيون حرّاس على هذا المُلك العام لكل المسلمين، فإذا فرّطوا فيه أو مكّنوا هؤلاء المتشردين، شُذّاذ الآفاق، من امتلاكه فقد خانوا هذه الأمانة وحنثوا بذلك العهد. وما كانوا ليفعلوا. وما كان عجيباً ثباتهم في الدفاع عنه، ولكن العجيب الذي لا أعجب منه ميل الإنكليز إلى الصهيونية وعطفهم عليها، وانصرافهم عن نصرة المسلمين أهل الحق الصريح!
* * *
إننا هنا لنتحدث بهدوء عن هذا العطف وهذا المَيل، وننظر: أفيه فائدة إنكلترا ونفعها، أم فيه ضررها والوبال عليها؟ ونمهّد
стр. 72
لهذا الحديث بحادثتين تاريخيتين:
الحادثة الأولى:
وقع في سنة ٥٢٥ للميلاد أن أراد الإمبراطور البيزنطي جوستنيان ما تريده إنكلترا اليوم، فأعطى اليهود فلسطين وأجاز لهم، بل ساعدهم، على إنشاء حكومة يهودية خاضعة لرقابة الروم. فكيف كافؤوه؟ اسمع أقُلْ لك: إنهم كافؤوه بشق عصا الطاعة وبقتل الجنود الرومانية التي أقامها حامية لهم.
وعندئذ أيقن -وسيأتي يوم توقن فيه إنكلترا أيضاً- بأن هذا الشعب اليهودي لا يصلح أن يعيش مستقلاً أبداً ولا أن يكون له وطن قومي! وعندها أرسل إلى اليهود حليفَه الملك الغساني الحارث بن جَبَلة، فأبادهم وأسر منهم خمسة وعشرين ألفاً أودعهم الحبشة وقتل منهم مثلهم!
وهذه هي الآونة الوحيدة التي تمتع فيها هذا الشعب باستقلال شبه حقيقي بعد ميلاد المسيح ﵇.
أما الحادثة الثانية:
فليست بعيدة عنا، بل هي حادثة مشهورة وقعت في عهد الملكة فكتوريا والسلطان عبد الحميد، وذلك أن الهند ثارت على إنكلترا ثورة عظيمة كاد ينهار لهولها صرح النفوذ الإنكليزي في الهند، وأعيت إنكلترا الحيلة ولم تَرَ لها مخلصاً إلا بالالتجاء لخليفة المسلمين، فأرسل الخليفة كتاباً لثوار الهند يأمرهم فيه -باسم الدين! - بالإخلاد إلى السكينة، فسكنوا! سامح الله
стр. 73
عبد الحميد، ولولا ذلك لم يكن لإنكلترا من منجى (١).
* * *
стр. 74
أستنتجُ من هاتين الحادثتين أن إنكلترا في حاجة إلى إرضاء العالم الإسلامي ومصادقته أكثر من حاجتها إلى إرضاء بني صهيون، وذلك لأن فلسطين قلبُ العالم الإسلامي، وكل حادث يسوء مسلمي فلسطين يسوء المسلمين أجمعين ويغضبون له كلهم في كل أنحاء الأرض. وإن إنكلترا التي تحيا بالهند وأكثرُ أهلها مسلمون، ويهمّها مضيقا السويس وباب المندب وحولهما المسلمون، إنها تلقى -والحالة هذه- من جرّاء غضب العالم الإسلامي عناء طويلاً وتعباً مُمِضّاً.
إن إنكلترا تسعى لصداقة العالم الإسلامي منذ القديم ولا تزال تجاهر بهذه الصداقة أملاً بما ينالها منها من منافع، فعلامَ إذن تؤيد، ولو بالباطن، الصهيونيين؟ وماذا يفيدها الصهيونيون إذا خسرت هذه الصداقة؟
وهل تستطيع إنكلترا الوثوق من بقاء الصهيونيين على الولاء لها إذا هم استقلوا في فلسطين؟ هل تأمُل أن يبقوا -إذا كان ذلك- على الصداقة لها؟ إن اليهود الذين خرجوا على جوستنيان بعد أن أحسن إليهم لا يتقاعسون أن يخرجوا على إنكلترا، بل هم لا يتأخرون منذ الآن عن أن يكيلوا لها السباب جزافاً كلما ساءهم منها أمرٌ أو رأوا فرصة مناسبة!
ما هو إذن نفع إنكلترا من العطف على الصهيونية؟ هذا ما
стр. 75
نتساءل عنه وقد علمنا أن لجنة التحقيق التي وقفت موقفاً عادلاً، وحكمت (أو كادت) للعرب قد أغضبت الصهيونيين فأحبوا أن يعاد التحقيق (١)، وأطاعتهم إنكلترا ورَدَّت وفد العرب على أعقابهم خاسرين! نتساءل عن هذا ونحن نعلم أن فلسطين أصرّت على مقاطعة هذه اللجنة الجديدة، وأن العالم الإسلامي كله يؤيد فلسطين فيما أصرت عليه من حقوقها، بل حقوق المسلمين جميعاً.
نتساءل عن هذا، ولا ندري من يجيب.
* * *