-حيث أنزلنا الملك ضيوفاً عليه- أقبل علينا وفدٌ من الطلاب النابهين، جاؤوا يحملون إليّ تحيّات إخوانهم وسلامهم. فاستقبلتهم في بهو الفندق الفخم وحدثتهم وحدثوني، فإذا أنا بين فِتية يعرفون أدباء سوريا وعلماءها، ويَتْلون عليّ من شعر خير الدين ومَرْدَم والبِزِم وجبري (١)، ويحدثونني عن كُرْد علي ومصنفاته (٢)، ومعروف ورواياته (٣)، ويقرؤون عليّ من شعر العطار والزركلي والمحاسني (٤). وإذا هم أَعرَف بما كتبت وألّفت مني أنا! فامتلأت نفسي سروراً بهم وإكباراً لهم، لحرصهم على الأدب واهتمامهم بأهله، وعطفهم على أدبنا وعنايتهم بأدبائنا. ثم أهدوا إليّ طائفة صالحة من الكتب التي أخرجها أدباء الحجاز الشباب، ثم تكرّموا فدعوني إلى حفلة تكريمية تقام مساء الغد، فحاولت أن أشكر لهم فضلهم عليّ واجتهدت في أن أتخلص من
стр. 317
الحفلة، فلم أوفَّق إلى الشكر ولم أفلح في الاعتذار، وودعتهم وأنا بين حيرة وخجل وسرور وإشفاق!
فلما كان الغد وجدنا حديقة الفندق الواسعة تزخر بالناس وتتوقد بالأنوار الكهربائية، وإذا فيها «مائدة شاهي» طولها عشرون ذراعاً ... فلما استقر بنا المجلس قام الخطباء واحداً بعد واحد، فما تركوا شيئاً يُقال عن الوفد السوري وعن سوريا والعروبة إلا قالوه، ثم طلبوا إليّ أن أتكلم، فقمت مرغماً وهم يصفقون بأيديهم، وأنا أصفق بقلبي من الهيبة والسرور. حتى إذا علوتُ المنبر الذي أعدّوه للخطابة ذكرت أن خطيباً من خطبائهم سمّانا «أبناء الأعمام»، وآخر سألني عن مجد أمية، وثالثاً اعتزّ بالصحراء، ورابعاً أسِفَ على أنّا لا تظللنا رايةٌ حرة، فقلت:
يا أشبال الحرم ويا فتية الكعبة، ويا أبطال زمزم والحَطيم (١)، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. لقد أكرمتمونا وتفضلتم علينا، وأنتم أكرم الناس وأنتم جيران الله وسَدَنة بيته وسكان حرمه، فلا عجب أن خرج الذهب من معدنه وظهر الدرّ في موطنه، فعليكم سلام الله، وسلام العروبة، وسلام الإسلام.
إنما قمتُ -أيها الطلاب الحجازيون- لأحمل إليكم «رسالة
стр. 318
الطلاب» الشاميين وحبهم وإخلاصهم، ولتعلموا أن على ضفاف بردى وسفوح قاسيون وفي جنّات الغوطة إخواناً لكم لا تعرفونهم ولا يعرفونكم، ولكنّما تجمعكم بهم وحدة الدين ووحدة اللغة، ووحدة الذكريات ووحدة الأماني، يجمعكم القرآن ومحمد ﷺ ، وهذه القبلة، فاقبلوا تحياتهم وحبهم.
إن إخوانكم في الشام ثابتون على المبدأ، مقيمون على العهد، يحملون رسالة الماضي الفخم إلى المستقبل المأمول، لا يثنيهم عن إيفائها ظلام الحاضر وشدة الدهر وكثرة المصائب ورقّة الحال، ولا يثنيهم عن إيفائها جبّار من الإنس ولا عفريت من الجانّ. إنهم إخوانكم شئتم أم أبيتم، ليسوا أبناء أعمامكم ... إنما أبناء العم أولئكم اليهود، الذين خانوا القرابة وبتروا الصلة وجاهروا بالعداوة والبغضاء، فجزيناهم بالعداء عداء وبالاعتداء اعتداء، حتى يأتي الله بأمره ويحكم بيننا وبينهم، وهو خير الحاكمين.
أما رسالة الطلاب الشاميين التي أحملها إليكم: فإنهم لا يفرّقون بين بلد وبلد وقطر وقطر، إنما قوميتهم العروبة وجامعتهم الإيمان: المسلم أخو المسلم، والعربي شقيق العربي. إنهم مثلكم أبناء الصحراء، أبناء الرمال، أبناء الشمس ... هذه الصحراء التي أنبتت حضارة ما رأى مثلَها التاريخُ ولا سمع بمثلها، وهذه الرمال التي خرج من كل حبة فيها جندي، وسيخرج منها جندي ما بقيت في الجزيرة رمال. وهذه الشمس التي طهّرت العربَ من كل رذيلة، وصهرتهم فأخرجت عقولاً من النور، وأجساماً من الحديد، وسيوفاً من الصواعق، وحِراباً من جهنم!
стр. 319
أفتسألون -بعد- عن مجد أمية: أين مجد أمية؟ إن مجد أمية على سواعدنا، إنه في رؤوسنا، إنه أمانة في أعناقنا حتى نؤدّيه كاملاً غيرَ منقوص. إن رسالة الطالب السوري: قوة في الجسم، وسُمُوٌّ في النفس، وإخلاص للعلم، ووفاء للعروبة، وثبات على الإسلام.
* * *
هذه هي القصة التي ذكرتُها حينما سألني الإخوان الكرام أن أكتب كلمة لمجلة «رسالة الطالب»، فهل استطعت أن أنقل رسالتكم -أيها الطلاب- لإخوانكم الذين لم تعرفوهم؟
* * *
стр. 320
من آثار المؤلف
١ ـ أبو بكر الصديق ١٩٣٥
٢ ـ قصص من التاريخ ١٩٥٧
٣ ـ رجال من التاريخ ١٩٥٨
٤ ـ صور وخواطر ١٩٥٨
٥ ـ قصص من الحياة ١٩٥٩
٦ ـ في سبيل الإصلاح ١٩٥٩
٧ ـ دمشق ١٩٥٩
٨ ـ أخبار عمر ١٩٥٩
٩ ـ مقالات في كلمات ١٩٥٩
١٠ـ من نفحات الحرم ١٩٦٠
١١ـ سلسلة حكايات من التاريخ (١ ـ ٧) ١٩٦٠
١٢ـ هتاف المجد ١٩٦٠
١٣ـ من حديث النفس ١٩٦٠
١٤ـ الجامع الأموي ١٩٦٠
١٥ـ في أندونيسيا ١٩٦٠
١٦ـ فصول إسلامية ١٩٦٠
١٧ـ صيد الخاطر لابن الجوزي (تحقيق وتعليق) ١٩٦٠
١٨ـ فِكَر ومباحث ١٩٦٠
стр. 321
١٩ـ مع الناس ١٩٦٠
٢٠ـ بغداد: مشاهدات وذكريات ١٩٦٠
٢١ـ سلسلة أعلام التاريخ (١ـ ٥) ١٩٦٠
٢٢ـ تعريف عام بدين الإسلام ١٩٧٠
٢٣ـ فتاوى علي الطنطاوي ١٩٨٥
٢٤ـ ذكريات علي الطنطاوي (١ـ ٨) ١٩٨٥ـ ١٩٨٩
٢٥ـ مقالات في كلمات (الجزء الثاني) ٢٠٠٠
٢٦ـ فتاوى علي الطنطاوي (الجزء الثاني) ٢٠٠١
٢٧ـ فصول اجتماعية ٢٠٠٢
٢٨ـ سيّد رجال التاريخ (محمد ﷺ ٢٠٠٢
٢٩ـ نور وهداية ٢٠٠٦
٣٠ـ فصول في الثقافة والأدب ٢٠٠٧
٣١ـ فصول في الدعوة والإصلاح ٢٠٠٨
٣٢ـ البواكير ٢٠٠٩
* * *